5 قوى تفتقد "قوّة النموذج" وتسعى لملء الانسحاب الأمريكي.. ما هي؟

5086
عدد القراءات

2019-02-21

هل حقاً إنّ الولايات المتحدة الأمريكية تسير باتجاه الانسحاب التدريجي من عولمة النموذج الديمقراطي الغربي؟ وهل اتساع الشعبوية سيعني تراجع القوة الناعمة الأمريكية وانكفاء العالم الحر؟ وهل تصاعد الشعبوية، بناء على ذلك، سيصبّ في صالح الصين وروسيا وإيران وتركيا والأصولية الإسلامية المتشددة؟

ليفي: الأزمة الحقيقية التي تعانيها أمريكا الآن، تعود إلى نسيانها الموروث الأوروبي في معركتها ضد الممالك الخمس

في السعي نحو تقديم إجابات عن هذه الأسئلة كتب المفكر الفرنسي الشهير برنار هنري ليفي، كتابه "الإمبراطوريّة والملوك الخمسة: التنازل الأمريكي ومصير العالم" (the Fate of the World & : America’s Abdication the Five Kings & The Empire)، الصادر أخيراً بالإنجليزية عن دار "هولت" الأمريكيّة، بترجمة ستيفن كينيدي، في 261 صفحة، أمّا لماذا أولئك الملوك الخمسة الذين يهجس بهم ليفي في كتاب "الإمبراطوريّة..." فلأنهم، كما يقول الصحفي أحمد مغربي لدى عرضه للكتاب في موقع "إندبندنت عربية"، يملكون أحلاماً إمبراطوريّة ضخمة، بل يعملون على تحقيقها، كما يبذلون جهداً إستراتيجيّاً منظّماً في ذلك الاتجاه. وهل تبدو تلك الأحلام الإمبراطوريّة مبرّرة ومنطقيّة في الإستراتيجيا والسياسة؟ الإجابة هي نعم، وما يبررها هو التنازل المتواصل للولايات المتحدة كقائد للعالم الحر، وراعٍ رئيس وقوة دفع جبّارة في نشر النموذج الديمقراطي الليبرالي في العالم.

اقرأ أيضاً: انسحاب أمريكا من سوريا تعزيز لإرهاب إيران

ارتفعت حدة التنازل مع السياسة الشعبويّة المنغلقة

أحلام الامبراطوريات

وإذْ ارتفعت حدّة ذلك التنازل مع السياسة الشعبويّة المنغلقة التي تهيمن على التوجّهات الإستراتيجيّة للرئيس دونالد ترامب، يرفع ليفي الصوت لينبّه إلى أنّ أمريكا ليست حرّة في أن تختار الانعزال عبر التنازل عن نشر النموذج الديمقراطي الغربي وقيمه؛ لأن ذلك التنازل يهدد، ببساطة، بسقوط ذلك النموذج عالميّاً، وظهور فراغ لن تتوانى قوى أخرى عن ملئه، بل إنّها منخرطة فعليّاً في ذلك راهناً. واستطراداً، يقود ذلك إلى نشر نماذج أخرى تسعى إلى أن تكون بديلة للنظام الليبرالي العالمي، كما يذكر مغربي في عرضه للكتاب.

مع صعود الشعبوية غرباً، اضطر فوكوياما إلى الإقرار علناً بأنّ لحظة إعلان "نهاية التاريخ" لم تأتِ بعد

إذاً، ليست الليبرالية والديمقراطية مجرد "قوّة ناعمة" عملت تاريخياً على الصعود بالدور العالمي للولايات المتحدة، خصوصاً منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، بل هي نظام عالمي شامل يتضمن علاقات في الاقتصاد والسياسة. ولكن الأهم هو أنّ "القوة الناعمة" هي ذلك النموذج الديمقراطي الليبرالي الذي آلت القيادة فيه إلى أمريكا كقوة عظمى (بل إمبراطوريّة خيّرة)، خصوصاً بعد انتصارها على النموذج الاشتراكي في نهاية "الحرب الباردة"، وفق كتاب "الإمبراطوريّة...". وفي المقابل، تمثّل قيم الديمقراطية عنصراً أساسيّاً في الدول الغربيّة، وكذلك في الولايات المتحدة نفسها. ويعني ذلك أنّ التخلي الأمريكي عن نشر قيم الديمقراطية، يهدّد العالم بأسره، بل الولايات المتحدة نفسها أيضاً. وفي ظل ذلك التهاوي، تتملك الأحلام الإمبراطورية قوى كانت إمبراطوريات في مراحل ما قبل ظهور الدولة الحديثة (روسيا والصين)، وأخرى كانت إمبراطوريات دينيّة، وهي تركيا بحلمها العثماني المعلن وإيران بسعيها الصريح إلى قيادة امبراطوريّة إسلامية، وتيار الإسلامويّة المتطرفة التي لا تخفي لحظة سعيها إلى استعادة التاريخ الامبراطوري السالف، ودوماً وفق كتاب ليفي، الذي تعرضه "إندبندنت عربية".

إنهم يفتقدون لقوة النموذج!
ويتساءل مغربي في عرضه: هل حُسِم الأمر وصار مُحتّماً اختفاء الإمبراطوريّة الأمريكيّة وظهور الممالك الخمسة؟ لا شيء أبعد من ذلك عن الرؤية التي يقدّمها ليفي في "الامبراطوريّة...". إذ يشدّد على أنّ المشكلة الأساسيّة في "الملوك الخمسة" أنّهم يفتقدون لقوّة النموذج، وبالأحرى، فإنهم يمثلون منظومة من القيم تستبطن الاستبداد والحكم المتسلّط، بأشكال مختلفة. وإذْ لا تنهض إمبراطوريّة في العصر الحديث من دون منظومة قيم تكون مقبولة عالميّاً، في الثقافة والسياسة والاجتماع والاقتصاد ومناحي الحياة كافة، يعتقد ليفي بأنّ "الملوك الخمسة" أبعد ما يكونون عن صنع "بدائل" تاريخية للنموذج الأمريكي- الغربي، لكن ذلك ربما لا يعوق توسّع نفوذهم وتمدّد مساحات سيطرتهم، استناداً أساساً إلى القوّة. وتتابع "إندبندنت عربية": ما زالت الولايات المتحدة في وضع تستطيع فيه استعادة زمام المبادرة، ودحر التطلعات الإمبراطوريّة الصاعدة لتلك الأقطاب الخمسة، شريطة أن تعاود انخراطها في صنع نظام عالمي تعددي مستند إلى قيم الحرية والديمقراطية والعدالة. وإذْ يكثّف ليفي اللحظة التاريخية الحاضرة بأنها تؤشّر أيضاً إلى خللٍ في منظومة قيم النموذج الغربي وثقافته، يدعو إلى تجديد ذلك النموذج عبر استعادة خطوط في الفكر يرى أنها لم تعطَ أهمية ملائمة، مثل الإرث الهليني بمزيجه الإغريقي والروماني، والفلسفة الوجودية لجان بول سارتر، وفينومينولوجيا إدموند هوسرل.
فوكوياما يتراجع: "نهاية التاريخ" لم تأتِ بعد!
وتتابع "إندبندنت عربية": في كتاب "الإمبراطوريّة..." يتحدّث ليفي عن وجود معضلة في نموذج الحداثة الغربي، إذ يورد حرفيّاً أنّ "فكرة الغرب أضحت هزيلة ومسطّحة ومملّة... بل شرعت تذوب في الشمس كأنها هلام بحريّ". وترسم تلك الكلمات خيطاً يربطه مع الفيلسوف الأمريكي ذائع الصيت فرانسيس فوكوياما، بمعنى الإقرار بأنّ الغرب فشل في أن يكون نهايةً للتاريخ. وكان مؤسس فلسفة التاريخ، الفيلسوف الألماني ج. فيلهلم هيغل (1770- 1831) أول من استعمل مصطلح "نهاية التاريخ" بالمعنى الثقافي الذي يحمله حاضراً. وفي مؤلفه "فينومينولوجيا الروح"، أورد هيغل، وفق ما يعرض مغربي، أنّ الوعي الإنساني يتطوّر كظاهرة تاريخيّة، وهو ينتقل (بالأحرى، يتجسّد أو يتمثّل، وفق تعبيراته) عبر محطات بارزة في الحضارة الإنسانيّة. وإذ رصد هيغل أن "عصر النهضة" مثّل بداية انتقال ذلك الوعي الإنساني من الشرق إلى الغرب، تعامل بفرح فكريّ كبير مع الإصلاح الديني البروتستانتي الذي أطلقه القس مارتن لوثر في العام 1517. ووصل هيغل إلى اعتبار أنّ البروتستانتية هي شمس "عصر الأنوار" كله. ويُرجع ذلك إلى أسباب كثيرة، أبرزها، أنّها وضعت حدّاً فاصلاً بين عقل الإنسان و"أعمدة السماء": السلطة الدينية التي تدّعي دوماً تمثيل السماء على الأرض.

اقرأ أيضاً: انسحاب أمريكا من سوريا: لمن تترك الساحة يا ترامب؟

 فرانسيس فوكوياما
إذاً، يعني القول بأنّ حداثة الغرب هي "نهاية التاريخ"، أن الحداثة (وفيها مفاهيم العقلانية والحداثة والحرية والليبرالية والديمقراطية وغيرها) هي المحطة الأخيرة للوعي الإنساني كله. بديهي القول بأنّ نموذج الحداثة تعرض لغير اهتزاز تاريخي، مثل النازية والفاشيّة وربما الشيوعية (وهي اهتزازات طالما أقرّها ليفي، لكنه قرأها بوصفها خروجاً عن الحداثة)، إضافة إلى الاستعمار والإمبراطوريات المؤسسة على "تفوّق الرجل الأبيض" (مثل الإمبراطورية البريطانية)، والفرض القسري للحداثة على الشعوب مع ما أثارته من تأثيرات سلبية وردود أفعال متفاوتة وغيرها.
"لم يفقد القوة بل فقد احتكارها"
ويستطرد مغربي في عرضه للكتاب بالقول: مثّلت هزيمة الشيوعية، بعد اندحار النازية والفاشية، لحظة مغوية. وأغرت فوكوياما، باستعادة مقولة هيغل عن "نهاية التاريخ" في كتابه الشهير "نهاية التاريخ والرجل الأخير" (1992) للقول بأنّ الغرب أثبت فعليّاً أنه كذلك. ومع صعود الشعبوية غرباً، اضطر فوكوياما إلى الإقرار علناً بأنّ لحظة إعلان "نهاية التاريخ" لم تأتِ بعد، في مقالات تداولاتها مجلات غربية عديدة في العام 2018. ويتابع مغربي: قبل ذلك، وضع فوكوياما كتاباً عرض فيه قناعته بفشل الحداثة الغربية في أن تكون نهاية للتاريخ، في كتاب "النظام السياسي والاضمحلال السياسي: من الثورة الفرنسيّة إلى الوقت الحاضر" (2014). أليس مثيراً كل ذلك التشابه بين ذلك العنوان، وعنوان "الامبراطوريّة..." لليفي، بل إن ما كتبه فوكوياما في العام 2014 كان عرضاً لمدى التآكل الداخلي للنموذج الليبرالي الأمريكي، وهو من الأفكار الأساسيّة في كتاب ليفي؟

وزير الخارجية الفرنسي الأسبق هوبير فيديرن: إنّ ليفي يستنتج أنّ الغرب لم يفقد قوته وإنّما خسر احتكار القوة

وكان المؤلف برنار هنري ليفي  قال الصيف الماضي في مقابلة مع مجلة "ليكسبرس" الفرنسية، لدى صدور الكتاب بطبعته الفرنسية، إنّ الأزمة الحقيقية التي تعانيها أمريكا الآن، تعود إلى نسيانها الموروث الأوروبي في معركتها ضد الممالك الخمس، مشيراً إلى عالم فقد القطبية ويتميز بصعود قوى شعبية ودول ناشئة.
وفي قراءة في الكتاب نشرها في "ليكسبرس" قال وزير الخارجية الفرنسي الأسبق، هوبير فيديرن، إن ليفي يستنتج أن الغرب لم يفقد قوته وإنما خسر احتكار القوة.

اقرأ المزيد...

الوسوم: