مصطلح الجاهلية المعاصرة في الخطاب الأصولي

صورة رباب كمال
إعلامية وكاتبة مصرية
4290
عدد القراءات

2019-03-24

تبنّت الحركات السلفية الجهادية خطاباً، في مفرداته، يدعو للجهاد من أجل السلام، لكنّ هذا السلام الواهي لا يعتمد على التناغم بين أفراد المجتمع ومذاهبه وعقائدة، وإنما تستند حقبة السلام، بحسب خطاب السلفية الجهادية إلى انصياع الجماهير لأمير الجماعة، ولما يقرّه إسلاماً صحيحاً، يحكم به العوام من الناس، سواء كان في ذلك رضاؤهم أم لا، فالعقيدة الجهادية والرباط حتى يوم الدين هو الهدف الأسمى من منظور الحركة الجهادية.

اقرأ أيضاً: الجاهلية مفهوم إخواني يكرّس الكراهية والانفصال عن الأمة
لهذا استحدثت الحركات السلفية الجهادية عبارات على شاكلة؛ الجهاد ضدّ الجاهلية المعاصرة، على اعتبار أنّ المجتمعات التي تجاهد ضدها تعيش في جاهلية من البدع، تستوجب الجهاد المسلح.  
الجهاد ضدّ الجاهلية
استوحت السلفية الجهادية عبارة الجهاد ضد الجاهلية المعاصرة، بحسب تأويلاتهم، من لفظ الجاهلية الوارد في القرآن الكريم؛ حيث ورد لفظ الجاهلية 4 مرات على النحو الآتي:

العقيدة الجهادية والرباط حتى يوم الدين الهدف الأسمى من منظور الحركة الجهادية

{أيظنون بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} (آل عمران: 154)، {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (المائدة: 50)، {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} (الأحزاب: 33)، {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} (الفتح: 26).
والمقصود بالجاهلية، بحسب النص القرآني؛ حياة الأمم قبل الإسلام، أما الدعاة والمحركون للعمليات الجهادية يحاولون دوماً استرجاع الماضي، وإقحامه في الحاضر، فهناك جاهلية ما قبل الإسلام، وهناك جاهلية هذا الزمان (الجاهلية المعاصرة).
لم يكن استرجاع تلك المفردات القرآنية من زمانها وإسقاطها على الحاضر؛ هو شغل السلفية الجهادية وحدها؛ فالحركات السلفية الدعوية أو جماعة الإخوان، أو بعض الأنظمة العربية، لجؤوا إلى تلك المصطلحات كلما استطاعوا سبيلاً، أو كلما أرادوا إضفاء شرعية ما على أنظمتهم، لكن يظل الجهاد ضدّ الجاهلية من المفردات الراسخة والمتواجدة بقوة في الخطاب السلفي الجهادي تحديداً.
الجاهلية بحسب المعاجم العربية
يشير د.أحمد الصاوي، مدرس العقيدة بجامعة الأزهر، في مقاله "بين الجاهلية والإسلام والعصر الحاضر" المنشور على بوابة الأزهر بتاريخ 24 تموز (يوليو) 2018، إلى أنّ أمة العرب عاشت، قبل أن يأتيهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في ظلام الجاهلية، الذي طال مناحي الحياة جميعاً، بدءاً من جاهلية التصور للحياة الآخرة، ومروراً بجاهلية التصور للحياة الدنيا، وانتهاء بجاهلية التصور للمعبود الذي ينبغي أن يُخْتصَّ وحده بالعبادة.

اقرأ أيضاً: الحركات السلفية في نيجيريا.. هل تختلف عن بوكو حرام؟
وبحسب معجم اللغة العربية المعاصرة، وفي معجم الفقهاء؛ فالجاهلية هي ما كان عليه العرب قبل الإسلام من الجهالة والضَّلالة وتحكيم العصبيّة والوثنيّة، أما المعجم الوسيط، فيقول في تعريفه للجاهلية إنّها "ما كان عليه العرب قبل الإسلام".
تاريخ العرب قبل الإسلام
وعلينا أن ننتبه إلى أنّ الجهل قد يكون المقصود به الجهل بالشيء، وليس بالضرورة الجهالة والتجهيل في حالة مطلقة، خاصة أنّ العرب قبل الإسلام لم يعيشوا في حالة جهل تام، بحسب التصورات الشائعة، ولعل هذا الأمر كان رهن كثير من الدراسات المتخصصة، فكل عصر فيه المزايا والعيوب، وحتى تلك المزايا والعيوب فهي نسبية بحسب الأيديولوجيات والعقائد المختلفة للبشر.

الجاهلية هي الـُحكم بما يخالف الكتاب والسنة بحسب ما تناولته أدبيات أهل السنة والجماعة

لكن، على سبيل السرد والتأريخ، فيمكن مثلاً أن نشير إلى بعض الأمثلة، ومنها؛ أنّ الكاشفاء بنت عمرو كانت تمارس الطب وفق ما يذكر أجواد الفاسي في كتابه "المرأة في الجزيرة العربية قبل الإسلام: الأنباط".
كما عرف العرب قبل الإسلام علم الأنوار، ومواقع النجوم، واستدلوا بها للاهتداء إلى مسالكهم في البرّ والبحر (يُنظر مثلاً "صفحات من التراث العلمي العربي الإسلامي"، لـيحيي الشامي).
وعرف العرب في شبه الجزيرة العربية الطبّ قبل الإسلام، مثل الحارث بن كلدة، وهو من أهل الطائف، كما يذكر جمال الدين القفطي في "أخبار العلماء بأخيار الحكماء".
ومن أشهر الدراسات العربية في هذا المجال؛ موسوعة المفكر والمؤرخ العراقي، د.جواد علي (1907-1987)، وكان يرى أنّ المؤرخ مهمته إعادة تشكيل الحدث التاريخي؛ فكتب تاريخ العرب قبل الإسلام (1960) في ثمانية أجزاء، وكذلك المفصل في تاريخ العرب (1974) في عشرة أجزاء، وقف جواد علي عند مفاصل مهمة في رسم معالم الحياة الثقافية للعرب قبل الرسالة المحمدية، سواء في دراساته وتحليله الموثق لتاريخ الحكمة، والخطابة والنحو والفلسفة والنحت، وغيرها من أشكال الرصد المجتمعي والثقافي والسياسي.
إذًا الجاهلية، وإن كانت تعبيراً عن حياة العرب قبل الإسلام، ليست جهلاً، ولا جهالة، لكنها أصبحت مرادفاً للضلالة، والضلالة أمر شديد النسبية، ويخضع لنسق تاريخي وجغرافي.
الجاهلية في الخطاب الدعوي والجهادي
الجاهلية هي الـُحكم بما يخالف الكتاب والسنّة، بحسب ما تناولته أدبيات أهل السنة والجماعة، وتم استحضار لفظ الجاهلية، في معناه التاريخي الماضوي، وإسقاطه على التاريخ الحديث والمعاصر، لهذا فإنّ الجاهلية لم تعد مرتبطة لدى أهل السنة والجماعة بمكان وزمان، وهنا نسرد ما قاله عبدالله بن عمر بن سليمان الدميجي، في كتابه "الإمامة العظمى عند أهل السنّة والجماعة": 
"ليست الجاهلية فترة محددة من الزمان والمكان انتهت، إنما كل مجتمع يحكم بغير ما أنزل الله، فهو مجتمع جاهلي مهما أوتي من قوة مادية ومن كشوفات علمية خارقة، وبحسب هذا النص؛ تعد البلاد المتقدمة علمياً مجتمعات جاهلية"؛ وبحسب هذا النص، يتراءى لأصحاب الخطاب الأصولي أنّ قيمة المواطنة والمساواة والتعايش بين الأديان ما هي إلا شكل من أشكال الوثنية وتعدد الأصنام، أو الجاهلية الحديثة، (راجع كتاب "موقف أهل السنة والجماعة من العلمانية"، لمحمد عبد الهادي المصري).

اقرأ أيضاً: كيف خرجت السلفية من رحم الإصلاح الديني؟
إذاً، الموقف السلفي الدعوي والسلفي الجهادي تباعاً، ليس دخيلاً، وإنما مؤسس على كتب التراث، وهنا تم الاستناد في كثير من تلك الأدبيات السلفية إلى حديث: "أبغض الناس إلى الله ثلاثة"، ومنهم: "مبتغ في الإسلام جاهلية" (ابن حجر العسقلاني، فتح الباري في شرح صحيح البخاري 12/210).
وكذلك الاستناد إلى تفسيرات القرآن الكريم، ومنها: تفسير ابن كثير: "من حكم بغير ما أنزل الله فحكم الجاهلية" (ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، 1/510).
حرب الجاهلية في الفكر الجهادي المعاصر
السلفية الجهادية المعاصرة ليست مصدر الدعوة الأصلي للحرب على ما يعرف بالجاهلية، وإنّما قامت بدورها بتطوير مفاهيم الجهاد ضدّ الجاهلية؛ وهي مفاهيم موروثية.
أضحت تلك التنظيمات "سلفية تكفيرية جهادية"؛ فهي تكفيرية في المقام الأول، وجهادية في المقام الثاني؛ أي إنّها لم تكتفِ بالقول والإفتاء بالكفر، وإنما انتقلت لمرحلة تنزيل العقاب الإلهي كما تراءى لها، وهي سلفية جهادية ذات مفهوم أكثر اتساعاً وشمولاً من مجرد بضعة تنظيمات مسلحة، فلقد وردت مفاهيم الجهادية في كتابات فتحي يكن (1933-2009)، وهو نائب سابق بالبرلمان اللبناني والأمين العام السابق للجماعة الإسلامية في لبنان؛ حيث قال في كتابه "ماذا يعني انتمائي للإسلام": إنّ قبضة الحركة الإسلامية، ينبغي أن تكون موجهة دائماً، وباستمرار إلى قتال النظم الوضعية الحاكمة، مؤكداً أنّه "لا يكون التعايش مع الجاهلية "أمداً وقدراً"، إلا في حدود ما تحتاجه عملية الانقلاب عليها من قوى وإمكانات؛ لأنّ الغاية هي تحقيق هذه النقلة".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



دروس حافة الهاوية.. كيف الوصول إلى أمن إقليمي دائم؟

صورة محمد الزغول
باحث في الشأن الإقليمي والإيراني
2019-07-21

يبدو أنّ التوتّر والتصعيد في منطقة الخليج العربي وصل إلى أقصى مستوىً يمكن بلوغه، في ظل التزام جميع أطراف الصراع بعدم الانجراف إلى المواجهة العسكرية المباشرة. وبالفعل بدأ أطراف هذا الصراع المتمحور حول المسألة الإيرانية بالاتجاه إلى التهدئة، باستثناء ربما طرف واحد يبحث عن مداخل لإشعال المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وهو الطرف الإسرائيلي.

اقرأ أيضاً: إيران وإستراتيجية "حافة الهاوية"

ولعل إيقاف واشنطن عملية إدراج وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف على لائحة العقوبات الأمريكية، التي طالت من قبله قيادات عليا في النظام الإيراني، على رأسهم القائد الأعلى للثورة علي خامنئي، وكبار قادة الحرس والقوى الأمنية، تشير بوضوح إلى رغبة واشنطن بإبقاء باب الدبلوماسية مُشرعاً، في حين مثّل قرار واشنطن منح الوزير الإيراني تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة مبادرة إيجابية أخرى، قابلتها إيران بالحديث لأول مرة عن إمكانية مُناقشة البرنامج الصاروخي الإيراني مع الولايات المتحدة. وكانت مبادرة طهران إلى إطلاق سراح المواطن الأمريكي-اللبناني نزار زكا الذي كان معتقلاً في طهران بتهمة التجسس، قد قُرِئت أيضاً في المنطقة باعتبارها مبادرة حُسن نية من الجانب الإيراني.

لا يمكن الحديث بشفافية عن بنية أمنية مستقرة في المنطقة دون استعراض أهم المهددات الأمنية التي قادت لحافّة الهاوية

وعلى ضفتي الخليج، ظهر ما بدا أنّه رسائل إيجابية متبادلة بين طهران، ودول الخليج العربي، بدأتها دولة الإمارات بالامتناع عن توجيه الاتهام مباشرة إلى طهران في حادثة الاعتداءات على ناقلات النفط في ميناء الفجيرة الإماراتي، على الرغم من محاولات بعض القوى الإقليمية والدولية الدفع بهذا الاتجاه دون امتلاك أدلة دامغة. ثم جاء الإعلان الإماراتي غير الرسمي عن إعادة الانتشار العسكري في اليمن، والذي ترافق مع الإفصاح عن الانتقال إلى إستراتيجية جديدة في الملف اليمني، تقوم على أساس تمكين الحل السياسي أولاً.

ورحّبت طهران بالخطوات الإماراتية على لسان وزير الخارجية جواد ظريف، الذي أشار، لأول مرة، إلى إمكانية تجزئة ما يسميهم الوزير ظريف بـ "خصوم المجموعة ب"، والذين يتّهمهم بالتحريض ضد إيران في واشنطن. وقد ألمح ظريف إلى أنّ طهران ترى فرقاً بين خصومات تكتيكية سياسية، مع ولي العهد السعودي، وولي عهد أبو ظبي، بينما ترى العلاقة مع الطرفين الآخرين في "المجموعة ب" (اليمين الجمهوري الأمريكي الذي يمثله جون بولتون، واليمين الإسرائيلي الذي يمثله بنيامين نتانياهو) قائمة على أساس العداء الوجودي الدائم.

اقرأ أيضاً: لماذا أخفقتْ "سياسة حافة الهاوية" التي تمارسها إيران؟

هذه الإشارات الإيجابية، وأخرى غيرها لا داعي لاستعراضها، تفيد بأنّ التهدئة باتت خيار مختلف الأطراف في الإقليم، وهي خطوات أولية جيدة بالطبع، على طريق شاقّ وطويل لحلحلة الأزمات القائمة. لكن ما تحتاجه المنطقة شيء آخر.

إنّ كثرة الحديث في المنطقة خلال الأعوام الماضية عن حافة الهاوية، لم يكن مجرّد مبالغات إعلامية، بقدر ما كان تعبيراً عن موقف متأزم، وخصومات مستعصية على أيّة حلول أو مبادرات سياسية. لقد اجتاحت المنطقة موجة استعداء واستقطاب حادّة للغاية، بخلفيات طائفية، وأطماع جيوسياسية، ومخاوف أمنية وجودية، وضعت مستقبل المنطقة كلها في مهب الريح.

اقرأ أيضاً: المناورة الإيرانية على حافة الهاوية
إنّ الاقتراب إلى آخر ميكروميتر من مواجهة عسكرية بأبعاد عالمية مدمرة للجميع كشف عن حاجة ماسّة إلى بُنية أمنية مستدامة في المنطقة، تحفظ استقرارها في عالم متحول، وإقليم تتشابك وتتنافر فيه المشاريع الجيوسياسية، والمصالح الدولية. مثل هذه البنية الأمنية جاءت في الغرب متأخرة، بعد حرب عالمية مدمرة، وخسائر مرعبة على جميع المستويات، فهل تأتي في منطقتنا التي تمرّ بظروف مشابهة، قبل الحرب كما تقتضي الحكمة؟ أم "يأتي الدواء بعد موت سُهراب" كما في الأسطورة الفارسية؟

استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية هو معوّق رئيس لمحاولات التنمية والمهدد الأبرز للاستقرار في الإقليم

ومع ازدياد فرص حدوث "استدارة إيرانية" باتجاه الغرب الأمريكي، نتيجة حملة "الضغوط القصوى" التي تفرضها واشنطن على طهران، واستمرار نجاحات التعاون الأمريكي-الروسي الذي بدأ في الملف السوري، ولن ينتهي في الملف النووي الإيراني، وتبلوُر ملامح نظام دولي جديد، تبدو دول المنطقة أمام تحدٍّ بالغ الأهمية في إعادة تشكيل علاقاتها الخارجية على أسس جديدة. وخاصة في ظل اتجاه الدراسات والتقديرات المستقبلية إلى الحديث عن دور أقلّ للشرق الأوسط في سوق الطاقة العالمي، وترافُق ذلك مع إعادة هيكلة النظام الدولي، على أساس استمرار أحادية القطبية الأمريكية، لكن بمركزية أقل، واعتمادية أكبر على دور الولايات المتحدة في المشهد الكوني، والذي يأتي على حساب تراجع أدوار المؤسسات الأممية، والمنظمات الدولية.

اقرأ أيضاً: النظام الإيراني.. السير على حافة الهاوية

لقد ثبت بشكل قاطع بأنّ إدارة المشهد الإقليمي وفق "توازنات المصالح" ليست كافية، ولا بدّ من إعادة تشكيل النظام الإقليمي على أساس "توازن القوى" الأكثر ديمومة واستقراراً. وهو ما يقتضي مقاربة رؤية أمنية إقليمية أكثر شمولية، لا تقتصر على المفاهيم الجيوعسكرية، والجيوسياسية، بل تعزز العوامل المشتركة؛ الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأيديولوجية والدينية.

اقرأ أيضاً: إيران تواجه سياسة حافة الهاوية الأمريكية بشراكات إقليمية

ولا يمكن الحديث بشفافية عن بنية أمنية مستقرة في المنطقة، دون استعراض أهم المهددات الأمنية التي قادت إلى حافّة الهاوية، وعلى رأسها احتدام الصراع الطائفي الذي قاد إلى ظاهرة الاصطفاف المذهبي إقليميّاً، وأنتج سياسات المحاصصة الطائفية المقيتة محليّاً، في عدد من أنظمة الحكم في الشرق الأوسط التي أصبحت خطراً يتهدد دولاً عديدة بالتفتت والحروب الأهلية. وازداد الأمر سوءاً في العقد الثاني من القرن الجاري؛ حيث أصبحنا نشهد ظاهرة الكشف عن المشاريع الجيوسياسية المستندة إلى أسس ونزعات طائفية صريحة؛ إذ عملت إيران بشكل واضح على بناء مركزية شيعية، دون مراعاة لسيادة دول الجوار واستقلالها، وهذه المركزية الشيعية الإيرانية، تركت انعكاسات خطيرة على أمن دول الخليج العربية؛ لأنها ارتبطت بمشروع توسُّع جيوسياسي.

أمام دول المنطقة تحديات اقتصادية جمة تحتاج إلى خطط وبرامج تستشرف المستقبل وتضع البدائل المناسبة

ولعلّ أحد المخاوف الأمنية المشتركة التي أظهرت الحاجة إلى التعاون الإقليمي، تمحور حول تنامي التطرف الديني والقراءات الأصولية المتشددة؛ إذ دفع غياب قراءة دينية مقبولة شعبياً في المنطقة الكثير من الشباب المُتديّن للتعبير عن مشاعرهم الدينية من خلال أطر وتيارات خارجة عن القانون. لكنّ التعاون الإقليمي في هذا الإطار أيضاً، شابه الكثير من الكيد السياسي؛ إذ سعت مختلف الأطراف الإقليمية إلى إلصاق تهمة دعم الإرهاب بالأطراف الأخرى في المحور المقابل. وهو ما اضطرّ الجميع في النهاية إلى البقاء في دائرة الدفاع عن النفس. وكانت النتيجة تكريس صورة مُجتزأة، ومنحازة تركزت أنظار العالم فيها على الإسلام دون غيره من الأديان والأيديولوجيات باعتباره مصدراً للتطرف العالمي.

اقرأ أيضاً: ما بعد قطر: السياسات القطرية وحافة الهاوية

كما كشفت حافة الهاوية التي وصلت إليها المنطقة أيضاً، عن هشاشة النظرة الضيّقة للتنمية، وأظهرت الحاجة إلى مقاربة تنموية مشتركة وشاملة في المنطقة. إذ بات واضحاً بأنّه لا يمكن لأي طرف أن يهنأ بالنمو الاقتصادي والتنمية وحده، في ظل استمرار تفاقم الأزمات الاقتصادية في دول الجوار، وتعطُّل عجلة التنمية في عديد من دول المنطقة. فقد شاهدنا جميعاً كيف أدى إخفاق الخطط التنموية في دول "الربيع العربي" إلى خطر يتهدد الأمن الإقليمي والدولي برمّته؛ إذ لا يمكن منع تأثير الاضطرابات في مكان ما، على باقي دول الإقليم والعالم.

اقرأ أيضاً: الحروب على الطريقة الترامبيّة

وإذا ما صدقت التنبؤات القائلة بتوجه بعض القوى الدولية الفاعلة إلى خفض أسعار النفط عالمياً بشكل إستراتيجي، واتجاه الشرق الأوسط نحو دور أقل أهمية في سوق الطاقة العالمي، فإنّ أمام دول المنطقة تحديات اقتصادية جمة، تحتاج إلى خطط وبرامج تستشرف المستقبل، وتضع البدائل المناسبة.

لقد أعادت المنطقة مؤخراً، اكتشاف الحقيقة القائلة، بأنّ الصراع العربي-الإسرائيلي هو أهم أسباب عدم الاستقرار في المنطقة. وبغض النظر عن حقيقة سعي بعض القوى الإقليمية لاستغلال هذه القضية المركزية، لتعزيز قوتها الناعمة، وتمرير أهدافها السياسية، ومشاريعها التوسعية، لكنّ استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية هو بلا شكّ، معوّق رئيس لمحاولات التنمية والإصلاح، والمهدد الأبرز للاستقرار في الإقليم.

يمكن للدول العربية تعزيز التعاون المؤسسي انطلاقاً من الاهتمامات غير السياسية المشتركة كالأمن المائي والغذائي

وفي ظل تشابك المشاريع الجيوسياسية في المنطقة، برزَ غياب رُؤية سياسية وأمنية عربية، أو حتى خليجية جامعة، كأحد أبرز نقاط الضعف العربية. وشهدنا تراجعاً مستهجناً في أداء المنظومتين العربية والخليجية. وهو ما كشف أيضاً، ضعف المؤسسيّة في العمل السياسي العربي. وبعيداً عن شعارات التضامن العربي، والعمل العربي المشترك التي لم يعد الشارع العربي يتفاعل معها نتيجة حالة اليأس المهيمنة، يمكن للدول العربية تعزيز التعاون المؤسسي انطلاقاً من الاهتمامات غير السياسية المشتركة، مثل؛ الأمن المائي، والغذائي، وتحديات العولمة، والتعليم الأجنبي، ومسائل الهوية، وقضايا العمالة الأجنبية، وملف الأقليات. وهي جميعها عوامل أسهمت في إبقاء البنية الأمنية في المنطقة هشّة.

اقرأ أيضاً: إيران إلى أين في ظل كل هذه الضغوط الأمريكية؟

أما وقد بدأت تلوح بوادر خروج المنطقة من نقطة التأزم الحرج، وبوادر مغادرة النظام الدولي حالة السيولة السابقة إلى وضع أكثر استقراراً، فقد آن الأوان للحديث أيضاً عن معالم نظام إقليمي تعاوني، متفق على تراتُبيّته، وعلاقاته البينية في منطقة الخليج، يشمل دول "مجلس التعاون"، وإيران، والعراق، واليمن. وهو ما يتطلب مغادرة عقلية القوة الكبرى، أو الأولى تماماً في المنطقة، لصالح الإدارة المشتركة لأمن المنطقة، بما يعزز السِّلم الإقليمي والدولي.
وهذا النظام المقترح، ليس بديلاً عن المنظومة الخليجية، المتمثلة بـ"مجلس التعاون"، بل ينبغي على دول المجلس الانخراط في هذا النظام المقترح ككتلة منسجمة. ويحتاج إنجاح مثل هذا النظام إلى جملة من إجراءات بناء الثقة، منها: احترام السيادة الوطنية لدول الإقليم، والتخلي عن المشاريع الجيوسياسية المتداخلة مع التركيبات الاجتماعية في دول الجوار؛ لأن ذلك يمنع قيام بنية أمنية مستدامة. وبالطبع لا يتنافى ذلك مع صناعة النفوذ في إطار الأعراف الدولية السائدة. وهنا تبرز الحاجة إلى إعادة التأكيد على وحدة أراضي جميع دول المنطقة، والاتفاق على مقاومة جميع أشكال التقسيم والتفتيت، ومقاومة الحركات الانفصالية، مهما كانت بواعثها ومنطلقاتها.

اقرأ أيضاً: دوافع التهديد الإيراني بالعودة إلى تخصيب اليورانيوم
ولعل الاعتراف بضرورة مراجعة الشراكات الاستراتيجية لمختلف الأطراف الإقليمية مع القوى الدولية، بات حاجةً ملحةً، حتى لا يظل الأمن الإقليمي مَرْتعاً لتجاذُبات المشاريع الجيوسياسية الدولية. ولا يعني ذلك التدخُّل في خيارات الأطراف الإقليمية، بل المطلوب هو فقط، وضع شراكات الأطراف الإقليمية الإستراتيجية مع القوى الدولية المختلفة في إطار رؤية ناظمة لهذه الشراكات، تمنع تحولها إلى مُهدِّدات أمنية لدول الجوار، وبما يساهم في تقوية البيئة الأمنية في الخليج العربي؛ لتكون رافداً للسلم العالمي. ولا بدّ من العمل بشكل حثيث على الاقتراب من توافق بين دول الإقليم حول التهديدات المشتركة، وتنظيم الجهود والمساعي المشتركة للتغلب عليها.

اقرأ أيضاً: ما هي ملامح النظام الدولي الأمريكي الجديد؟

وتمتلك المنطقة مروحة خيارات واسعة، ومتنوعة للغاية لتعزيز التكامل الاقتصادي، والاعتماد المتبادل الذي من شأنه أن يعمل إستراتيجياً على كبح جماح الصراعات السياسية، وتبديد المخاوف الأمنية الفردية لصالح تعزيز مفهوم الأمن الجماعي المشترَك. وتكريس أهمية المنطقة على خريطة التنافس الاقتصادي الدولي.

ولعل أحد أبرز التحديات المشتركة التي تقتضي استجابة جماعية من دول الإقليم، هو السعي لإنتاج قراءة معتدلة، وتوافقية للدين، تُبعد عن المنطقة شبح الصراع الطائفي، وشبح الإرهاب. كما يبقى السعي إلى التوصل إلى حلّ للقضية الفلسطينية، أحد أبرز الخيارات المتاحة لتقليل مصادر التوتر، وزعزعة الاستقرار في المنطقة.

للمشاركة:

إنسانُ اليوم كائنٌ سندبادي

2019-07-21

فرضت "قوةُ الواقعِ" على من كانوا ينادون بتطبيقِ المدونةِ الفقهية عند تأسيس دولتهم الدينية التنازلَ بالتدريج عن أهم شعاراتهم الأساسية. وأعني بـ "قوةِ الواقع" شيوع ثقافة الحقوق والحريات في مجتمعات عالَم الإسلام اليوم، إثر غزارة ما يتدفقُ من الفضائياتِ ووسائلِ الاتصال والإعلام المتنوعة. لذلك لم تعدْ الدعوةُ لتطبيقِ الشريعة وإقامةِ الحدود حاضرةً في أحاديث وكتابات الجماعات الدينية، فقد تعاطتْ هذه الجماعاتُ معها بمنطقٍ ذرائعي، بعد شيوع ثقافة الحريات والحقوق؛ إذ فرضتْ "قوةُ الواقع" عليها أن تُؤجّل أو تُترك الدعوة لتطبيق الحدود والتعزيرات المعروفة في المدونة الفقهية، كقطع اليد والرجم والجلد وغيرها، بل لم نقرأْ أو نسمعْ من معظم الإسلاميين في السلطة منذ سنوات حديثاً يردّد شعارَ تطبيق الشريعة في مؤسّسات الدولة والمجتمع. مع أنّ هذا الشعار كان وما زال أهمَّ مبرّر في أدبياتهم لإقامة الدولة الدينية، والهدفَ المحوري لتأسيسِ هذه الجماعات وانخراطِها في العمل السياسي وصراعِها المزمن على السلطة والثروة.

إنسانُ اليوم كائنٌ سندبادي يتلقّى مختلفَ الثقافات في الآنِ نفسِه من دون أن يغادرَ موطنَه إنه يعيش جغرافيا تضاريسُها هلاميةٌ

لكن بموازاة هذا الموقف اللافت لا نعثر على ما يؤشر لتحوّل فكري تعكسه مراجعاتٌ نقديةٌ لمؤلفات كتّابهم، أو رؤيةٍ نظرية تحدّد الأسسَ الأولية لخريطة طريق بناء دولة حديثة خارج أحكام الفقه ومقولات علم الكلام القديم، أو وثيقةٍ فكرية تعلن انتقالَهم إلى محطة أخرى تتصالح مع أصوات الحريات والحقوق التي أرغمتهم على الصمت، وفرضتْ عليهم نسيانَ حدِّ الرجمِ والجلد وقطعِ يد السارق، وغيرِ ذلك من الحدود والتعزيرات.
ميزةُ الدولة الحديثة أنّها دولةُ متخصصين وخبراء في مجالات العلوم والمعارف البشرية المختلفة. يتعذّر بناءُ أية دولة حديثة من دون هؤلاء المتخصّصين والخبراء، وإنّ عدمَ الاكتراث بالعلوم والمعارف البشرية، وتجاهلَ أهمية الخبراء المتخصّصين في بناء الدولة، هو بمثابة من يريد تأسيسَ مستشفى بلا أطباء. الموقفُ الارتيابي من المعارف والعلوم الحديثة، تشبّعت به الكثيرُ من أدبيات الجماعات الدينية، وعلى الرغم من اختلاف أشكال وأساليب تعبيرها عنه، فإنّها تشترك في حالة سوء الظن من أية معرفةٍ في مجال العلوم السياسية والحقوقِ والحرياتِ لم ينتجها مسلمون، على الرغم من كونيّتها واشتراك كل البشر فيها.

اقرأ أيضاً: ماذا تعرف عن الجماعات البؤرية؟ وما أهمية دراستها في مجال العلوم الاجتماعية؟
واحدةٌ من الثغرات التي يُمنى بها التفكيرُ الديني في الإسلام اليوم كثرةُ المتحدّثين والكتّاب باسم الدين، رغم أنّ معظمهم من غير الخبراء؛ فكثيرون منهم لم يتعلّموا في الحوزاتِ والحواضر والمدارس والجامعات ومعاهد التعليم المتخصّصة بالدراسات الدينية، ولم يكتسبوا تكويناً تراثياً يستوعبون فيه معارفَ الدين. مضافاً إلى أنّ هؤلاء المتحدّثين والكتّاب "غير الخبراء بالدين"، هم أيضاً لم يتكوّنوا تكويناً حديثاً في الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع، ومع ذلك نجدهم يُفتون بما لا يعلمون في مختلف الوقائع، ويتحدّثون بما لا يعرفون، ويكتبون ما لا يفقهون.

اقرأ أيضاً: ما أسباب أزمة البحث العلمي في العلوم الإنسانية بمصر؟
أذكر هنا مثالاً لذلك في كتابات وأحاديث من يشدّد على ضرورة دمج الديمقراطية بالدين، فقد تكرّر كلامٌ مبسّط يصفُ الديمقراطيةَ بأنّها مجرّد ظرف وآلية، يمكن الاستعانةُ بها لوضع كلّ مظروف تتطلّبه الحياةُ اليوم بداخلها، وإلباسُها لأيّ ديانةٍ أو مُعتقَد أو أيديولوجيا. وكأنها بمثابة الأوعية الفارغة التي يمكننا أن نستعملها لشرب الماء، فيما يستعملها غيرُنا لشرب الخمر. وهذا ضربٌ من الفهم ينطوي على الكثير من التبسيط؛ ذلك أنّ الديمقراطيةَ ترتكز على رؤيةٍ للعالَم وللإنسان مشتقةٍ من فلسفة تقدّم تفسيراً يقوم على مركزيةِ الإنسان في الوجود مقابل مركزيةِ الله، وتقدّم فهماً في إطار رؤيتها هذه للشخص البشري ولحقوقِه وحرياته، وهي رؤيةٌ تختلف كليّاً عن رؤيةِ العالَم في علمِ الكلام أو الفقه في تراث الإسلام. فمثلاً لا يتطابق مفهومُ الحقوق لدينا بالضرورة مع كل ما تتضمنه الحقوقُ بالمفهوم الحديث، لأن مدلولَه في نصوصنا وتراثنا الديني أخلاقي، مثل: حقوق الوالدين والأرحام والجيران والمؤمنين والمسلمين، وغيرها. وهي غير الحقوق الطبيعية والمدنية والسياسية الحديثة التي يشرحها الفكر السياسي الحديث وينصّ عليها الميثاقُ العالمي لحقوق الإنسان، وتُمنح للإنسان بوصفه إنساناً، بلا أيّ قيد أو شرط يخصّص إنسانيتَه ويطبعها بمعنى اعتقادي أو ديني أو عرقي؛ أي تُمنح له من حيث هو إنسان، وليس بوصفه منتمياً إلى معتقد أو جنس أو عرق أو جماعة.

من الثغرات التي يُمنى بها التفكيرُ الديني في الإسلام اليوم كثرةُ المتحدّثين باسم الدين رغم أنّ معظمهم من غير الخبراء

ليس في عالمنا ما هو آلياتٌ وأوعيةٌ محايدة، حتى التكنولوجيا ليست محايدة، ذلك أنّ التكنولوجيا تحدّد نمطَ حضورنا في العالم، وتخلق لنا الكيفيةَ التي يتحقّق فيها وجودُنا على وفق تفسير الفيلسوف مارتن هايدغر. التكنولوجيا ليست آلاتٍ وأشياءَ مادية صمّاء ميتة، التكنولوجيا تمتلك لغتَها التي تحكي رؤيتَها البديلة للعالَم، ومنظومةَ القيم التي يفرضها الطورُ الوجودي الذي تعدُ به، لذلك تفضي استعارةُ التكنولوجيا إلى تصدّعِ البنى التقليدية، وتهشيمِها لاحقاً. تكنولوجيا المعلومات مثلاً، تحقّقَت من خلالها كيفيةُ حضورٍ مختلفة لنا اليوم في العالَم. الإنسان مثلما يبتكر التكنولوجيا ويصنعها، هي أيضاً تعيد ابتكارَ حضوره في العالَم، وتصنع له نمطَ حياته الجديد؛ المشتقَّ منها، والمحاكي لها.

اقرأ أيضاً: علمانيون ضد الديمقراطية... ديمقراطيون ضد العلمانية
وهذا النمطُ الجديدُ للحياة أضحى فيه الإنسانُ في صيرورة أبدية، لا تكفّ عن التحوّل، ولا تتوانى عن العبور، ولا تتوقف في محطة إلّا لتلتقط أنفاسَها فتواصل الرحيل. لم يعد الإنسانُ كما عرفته أكثرُ الفلسفات القديمة؛ كائناً عاقلاً يلبث حيث هو، لا يكون جزءاً من شيء أو يكون جزءاً لشيء، بل صار الإنسان في المفهوم الحديث كأنه جزءٌ من كلّ، هو محصّلةٌ لما حوله؛ أي إنّه في "حالة المابين"، كأنّ الإنسانَ مسافرٌ أبدي، لا ينفكّ عن الترحال، لا يمكث بمحلٍّ إلّا ليغادرَه الى محلٍّ غيره، تبعاً لنمطِ الوجود السيّار المتحرّك لكلّ ما هو حوله، فكلّ ما حوله يسير به، ويسير معه.
إنسانُ اليوم كائنٌ سندبادي، يتلقّى مختلفَ الثقافات في الآنِ نفسِه، من دون أن يغادرَ موطنَه. إنه يعيش جغرافيا جديدة، تضاريسُها هلاميةٌ، حدودُها واهيةٌ، أمكنتُها متداخلةٌ، ثقافتُها ملوّنةٌ، هويتُها تركيبيةٌ. شكلُ حياته هو الأشدُّ غرابة منذ فجر التاريخ.

للمشاركة:

ماذا يعني التنوير تحديداً بالنسبة إلينا؟ وما مرجعيته ونماذجه؟

صورة إيمان النمر
كاتبة وباحثة مصرية
2019-07-21

بات مصطلح التنوير مختزلاً في طرحه وتناوله حدّ الابتذال أحياناً، سواء بأثر نقد فلسفة ما بعد الحداثة، اللاموضوعي في بعض جوانبه، أو من طغيان الأدلجة السطحية والجهل بتاريخيته، ومن طبيعة الأشياء أن ينسحب على المفاهيم ما يطرأ على المجتمع البشري من متغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية وجغرافية أيضاً، وهذا ما يضمن دينامية المصطلح واستمراريته، تلك الدينامية التي تفرض إعادة النظر في ماهيته بحسب السياق، وتجديد أسئلة البحث المعنية بإمكانات تحققه واقعياً.

اقرأ أيضاً: هل يحتاج التيار التنويري إلى وقفة نقد ذاتي جريئة؟
نسأل: هل نحن في حاجة إلى التنوير؟ نعم، لكن ماذا يعني التنوير تحديداً بالنسبة إلينا؟ وما مرجعيته ونماذجه؟ هل يقتصر على فتح باب الاجتهاد ووضع التراث الديني تحت مشرط النقد دون شرط، أم يشتمل على التحديث في أنظمة الحكم والاقتصاد والمجتمع؟ هل نريد التنوير بمفهومه العلماني الذي يعني الفصل بين السلطتين؛ الزمنية والدينية، أم التنوير بمعنى فتح باب الحريات الفردية دون تقييد وترك المجتمع يعمل بآلية السوق نفسها ألا وهي التنظيم الذاتي؟ هل لدينا ثقة في قدرة العقل البشري وطاقاته كمرجعية؟ هل نمتلك أدوات تمكينه؟ وما هي تلك الأدوات؟

من طبيعة الأشياء أن ينسحب على المفاهيم ما يطرأ على المجتمع البشري من متغيرات

وفي السياق ذاته؛ ما هو نموذجنا التنويري الذي يمكن الاستعانة به؟ وهل تحقق كمنجز تام تاريخياً؟ هل التنوير الغربي؟ وفي أيّة فترة تاريخية، وأيّ نموذج؛ هل النموذج الإنجليزي الذي عني بماهية الطبيعة البشرية والفضيلة الاجتماعية أم النموذج الألماني المثالي الذي أعطى الأولوية لوحدة الأمة العضوية، أم النموذج الفرنسي الذي أعلن أغلبه معاداته للجمود الديني وأعلى من سلطة العقل فوق كلّ سلطة، أم النموذج الأمريكي الذي لم يأبه بمعركة الدين وإنما بالحريات السياسية؟

اقرأ أيضاً: تنوير ديني تقوده المجتمعات للحيلولة دون تدنيس المقدّس
 وفي حال رفض النموذج الغربي كلياً، كما يميل التيار الأصولي الديني أو الثقافي في بعض وجوهه اليسارية القومية؛ فهل يوجد مشروع بديل حقيقي وجاهز لأن يكون مرجعية ناجعة؟ وما هي القوى الاجتماعية المخولة بإنتاج قيم هذا التنوير؟ هل الطبقات العليا أم يستلزم تكوين طبقة خاصة من الأنتلجنسيا تضمّ تشكيلة مختلفة من الأصول الاجتماعية؟
وما هي سبل التغيير الفكري؛ هل المنطق الثوري الراديكالي أم الإصلاحي؟ وكيف يمكن التوافق؟ وإلى أيّ حدّ يمكن القبول بأيّ منهما؟ وهل يُفرض من سلطة متعالية أم جعله يتمخض من القاعدة الشعبية؟ وكيف يمكن إنشاء نسخة ثقافية ثانية تكون بمثابة فلسفة شعبية ذي لغة سلسة يمكن فهمها وتشربها؟ وكيف يُصنع الحسّ المشترك من بين التعارضات؟ وما هي المؤسسات والوسائط المعرفية المنوطة بنقل المعرفة وضمان سريانها وفعاليتها؟ ما موقعنا من إنتاج المعرفة والفنون والاقتصاد المعلوماتي التقني على المستوى الكوني؟

في حال رفض النموذج الغربي كلياً فهل لدينا مشروع بديل حقيقي وجاهز لأن يكون مرجعية ناجعة؟

أسئلة عديدة لا بدّ من طرحها بالكثافة ذاتها التي يُطرح بها سؤال التجديد الديني، ونحن نثمّن كلّ الجهود المتواصلة والحثيثة في تلك المسألة، لكنّ التجربة التاريخية يعززها الواقع، يثبتان أنّ نقد الدين وحده ليس بكافٍ، وحين نقول إنّ الدين معطى اجتماعي، وأحكامه المتصلة بالواقع المعيش والحياة اليومية هي إحدى أشكال إنتاجه التي تتغير بتغير شروطه، إذاً فلا بدّ من أن أهتم بنفس القدر وربما أكثر، بفحص الشرط الاجتماعي ونقد نظامه بشكل كلّي، كي يتغير منظوره وفق ضروراته الضاغطة، التي تستلزم إتاحة سبل التعبير الحرّ عنها، وإلا نكون قد وقعنا في فخّ التناقض؛ بل والتزييف.

اقرأ أيضاً: الإعلام والتنوير وبناء البشر
العام 1932؛ حين نُشر كتاب "فلسفة التنوير"، لإرنست كاسيرر (1874-1945)، لم يكن يهدف الدفاع عن فلاسفة التنوير وعصره، بقدر ما أراد إعادة بثّ الثقة في قدرة الإنسان على التفكر والتأمل والتحرر من الوهم والوحشية والانحيازات الضيقة للجماعة والمصلحة الذاتية والفاشية، وقد أراد بالتنوير؛ أن يصبح الإنسان حراً، "حراً بالقدر الذي يمكنه الوصول إليه"؛ أي إنّ الحرية معنى مجرّد، لكنّه يتحقق بالإرادة والإمكانات المتاحة، ويعني أيضاً، أنّ قيم الحرية والعقلانية، رغم الإقرار بصعوبة تحققها على النحو الناجز والتام، تظلّ سؤالاً مفتوح دائماً يبحث عن تمكّنه في كلّ جيل وعصر.

اقرأ أيضاً: تجليات النقد والتنوير عند طه حسين
والعقل هنا ليس خزينة لأفكار ثابتة، وإنما بمثابة قوس مفتوح لا ينتهي، وطاقة هائلة من الأفكار تحتاج إلى قدر من الخيال الذي يحررها، وإن فقد الإنسان ثقته في هذه الطاقة، فقد خلاصه، وقدرته على أن يفكّك ويبني من جديد، ومن ثمّ، يجترح التنوير، بوصفه حركة أفكار مستمرة، سبيلاً إلى الحرية، لأن تتصارع وتتناقض الأفكار في تنويعاتها، وينسحب ذلك على الدين وممثليه؛ بل يجب تشجيع تعدّد الديانات والطوائف والمذاهب داخل المجتمع الواحد، وحقّ الإنسان في ممارسه تديّنه وطقوسه، لكن دون تدخّلٍ تعسّفيّ من أيّة سلطة ما.

أسئلة عديدة لا بدّ من طرحها بالكثافة ذاتها التي يُطرح بها سؤال التجديد الديني

لذا؛ فالتنوير لا يرفض الدين من حيث المبدأ، إنما يقرّ بحريته داخل المجتمع، اتساقاً مع مبدأ الحرية ذاته، كما أنّ تاريخية التنوير في نموذجه المتحقق إلى درجة كبيرة، ألا وهو النموذج الغربي، يشهد أنّ رجال الدين كان لهم دور فعّال في مساره، سواء في مرحلة النهضة خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، وحتى حين تخفف المجتمع من سطوة الدين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، على عكس ما يتصور البعض ممن يرفعون شعار "الإقصاء هو الحلّ"، ونقصد هنا الإقصاء بمعناه الاجتماعي، لا السياسي، وأوافق عزيز العظمة فيما ذهب إليه؛ من أنّ تصوّر بعض المثقفين عن العلاقة التاريخية بين الدين والدولة في حالة التنوير الأوروبي، هي صورة متخيلة، "ينشرونها استناداً، على الأرجح، إلى قراءة في المختصرات، أو إلى بقايا ذكرى دروس التاريخ في المدارس الثانوية أو الابتدائية"، واليوم، ربما من منشورات ومقالات التواصل الاجتماعي!

اقرأ أيضاً: التنوير بين مطرقة التسطيح وسندان الهمجي النبيل
بالتالي؛ فإنّ المسألة أعقد مما تُعرض، ولن يتسنى خوضها بجدية سوى بضمان جدلية الأفكار واحتدامها وتنافسيتها في ظلّ شروطها الاجتماعية المتغيرة، التي يتحكّم فيها النظام السياسي والاقتصادي، وذلك لأنّ مجتمعاتنا العربية متعددة الطوائف الدينية، مثل سوريا ولبنان والعراق، قد يستشهد بها البعض كنموذج للتفتت والحروب الأهلية، بل والعنصرية، وليس ما يبشّر بأيّة قيمة تنويرية من تلك التعددية، فنقول: "فتّش عن السياسة ومحاصصة الامتيازات الاقتصادية".
فضلاً عن أنّ تجربة التنوير والحداثة التاريخية بالمنطقة العربية ودول الشرق الأوسط وإفريقيا، ما تزال في طور التشكيل والتبلور، حتى يمكننا أن نعدّ المدّ الثوري أحد تمثلاتها التي لم تنضج بعد، ناهيك عن أنّ التخبط والعشوائية ما بين سياسات الاستعمار والاستقلال، ثمّ قيود التبعية الاقتصادية في النظام العالمي، قد أخّرت من ذلك النضوج، وعرجت به إلى انتكاساته؛ هل يعني أن نصرخ مع الصارخين ونحمّل الاستعمار والنظام العالمي وحدهما تبعة إخفاقاتنا؟
بالطبع لا؛ لأنّ موضوعية نقد الذات بثقة تتطلب الإقرار بمشكلاتنا الذاتية، وإعادة النظر في تشكيلات القوى الاجتماعية، وولاءات المجتمع الأبوية الوصائية السارية في وجداننا ولا وعينا، حتى عند أكثر المثقفين معرفة.

اقرأ أيضاً: أولى خطوات التنوير تبدأ بهزيمة المؤسسات الناقلة للتطرف
قد يقول قائل: نحن لسنا في حاجة إلى أفكار تنويرية، ويعترض على وصفنا متأخرين ومتخلفين بالنسبة إلى القياس الغربي، لكن نطرح سؤالنا البسيط؛ هل مجتمعاتنا قوية وجميلة وحرة داخلياً ولا تعاني من ظلمات الاستبداد؟ استبداد الرأي، واستبداد التقليد والعادات بمصائرنا، والاستبداد برغباتنا وأجسادنا وأفكارنا؟ وظلمة تخلفنا الذي لا نمتلك فيه صنع الدواء ولا لقمة العيش ولا معرفة العالم؟

التنوير لا يرفض الدين من حيث المبدأ إنما يقرّ بحريته داخل المجتمع اتساقاً مع مبدأ الحرية ذاته

الإجابة تفرض علينا أن نعود ونُلحّ بضرورة تسليط الضوء على تغير الشروط الاجتماعية التي تنتج وتحرك الوعي الجمعي، في عصر تسود فيه الشعبوية والجماهير، داخل عالم رقمي مفتوح عشوائي لا يمكن حجبه حتى وإن خضع لقوى الاحتكار العالمية التي بدأت التلاعب به.
وقد تبدّلت وسائط المعرفة وتجاوزت حدود القومية والإقليمية، حتى وإن انبعثت الهويات الإثنية والثقافية، فلم تعد المعرفة رهينة نخب ثقافية تقليدية، ومنصات الأكاديميات، ورفوف المكتبات، فالعالم يتغير اليوم بفضل ثورة الاتصالات على نحو أعنف وأسرع وأشمل وبكثافة، مما غيرته آلات الطباعة والبخار والمدافع.
ولم تعد الجماهير هي الغوغاء والهمج والمبتسرون، كما في نموذج التنوير الفرنسي الذي يعتنقه البعض بتعصب، بل على العكس؛ عدالة وكلمة الحشود، بصرف النظر عن درجة الاتفاق أو الاختلاف بشأنها، هي من تحكم وتدفع الآن، ما يتبعه من ضرورة النظر في مسألة اللغة كوسيط وكتعبير عن الواقع منطوقاً، والأخذ في الاعتبار طبيعة وانعكاسات الوسيط الرقمي في سيكولوجية ووعي المتلقي، سيما الجيل الحديث الأكثر ذكاءً والأقلّ تفكيراً!

اقرأ أيضاً: مذكرات محمد عبده.. كيف ودّع رائد التنوير كراهية العلم؟
يحيلنا ذلك إلى النظر في قيمة الكلمة والإنتاج الفكري أصلاً في عالم يسوده التخصصية والتقنية والضجيج، على خلاف الفلاسفة والمفكرين الذين كانوا يمتازون بالمعرفة التركيبية التراكمية، ويتميزون بسعة الأفق؛ إذ كان الفيزيائي يفكر في فلسفة الجمال والطبيعة البشرية، كما يفكر في طبيعة الكون وقوانين المادة، اليوم، أغلب خريجي الكليات العلمية التجريبية لا يأبهون بفنون، ولا جماليات، ولا فلسفة، ولا خريجو الكليات النظرية يعلمون أكثر مما يحفظونه من مقررات قد تكون أبسط من مقررات المدارس؛ إذ تحوّل التعليم بديماغوجية من حيّز القيمة إلى مجرد وسيلة هدفها الارتقاء المهني أو الشكل الاجتماعي، وعليه، فأغلب الأجيال الحديثة لا تهتم بالقيمة المعرفية، السبيل الأولي للتنور والارتقاء بالوعي، ومن ثمّ بات المجتمع يسوده أنصاف متعلمين، ذوو ثقافة هجينة.

اقرأ أيضاً: الدين والتنوير العقلاني والسياسي
لكنّ هذا التهجين أو التمفصل الذي يدمج بين محتوى تقليدي وآخر حداثي، يصبح ركيزة استقطاب إما أن تستميله القوى الرجعية، أو تدفعه القوى التقدمية إلى الأمام، يتوقف ذلك بحسب القدرة على استغلال السياق الراهن وتوظيف ما يمتلكه كلّ تيار من أدوات مادية وخطاب حماسي عاطفي، ولنضرب مثالاً؛ نحن كثيراً ما نستمع إلى جدالات حامية علنية حول الديمقراطية في الإسلام، أو مثلاً مشروعية الاستثمارات البنكية، وغيرها من المسائل التي أُثيرت مطلع القرن العشرين.

تجربة التنوير والحداثة التاريخية في منطقتنا ما تزال في طور التشكيل والتبلور

لكن، هل إذا نزلنا إلى المواطنين في الشارع، وعرضنا عليهم العمل في مصنع ما، وهذا المصنع يكفل لهم عملاً وراتباً جيداً، وبه نقابة يُنتخب أعضاؤها على النهج الديمقراطي، وكذلك ملحق به مؤسسة تعليمية وتثقيفية حداثية تماماً، فضلاً عن امتلاك عدد من الأسهم ورصيد بنكيّ يدرّ مبلغاً ما، كم ستكون نسبة الرفض؟ هل مشكلة الناس هي رفض الديمقراطية، رفض نسبة فائض الربح الاستثماري، ورفض الأفكار الجديدة في عالم حداثي معولم يحيطهم من كلّ جانب، أم أنّ الواقع المعيش قد سلبهم ما يدفعهم لأن يتمسّكوا ويدافعوا عن أفكارهم، ويرتقوا بوعيهم على نحو واضح؟
الواقع يخبرنا؛ أنّ الدين نفسه في مجتمعنا الشرقي يمرّ بمأزق تاريخي، ولم يعد بالتأثير نفسه الذي كان يتمتع به، حتى وإن بدا عكس ذلك بشكل إنكاري يدل على ضعفه لا قوته؛ لأنّه يمثّل بالنسبة إلى كثيرين ورقة توت أخيرة لا يملكون سواها، أو ركيزة أيديولوجية بالنسبة إلى السياسيين، وكي يتنور الناس ويتحفّزوا لأن يدافعوا عن أفكارهم وتغيير واقعهم، وحتى يعودوا إلى إيمانهم القلبي، فلا بدّ من أن تتغير شروط واقعهم المادي، وأن تتجاوز بعض النخب الثقافوية "المسموعة شعبياً" تحيزاتها الاختزالية الضيقة، لتمدّ سبل النقد إلى مساحات أخرى، بدلاً من تضييع الجهد والوقت في ردات انفعالية على التيار الأصولي، تدلّ على الخضوع لمنهجه لا التحرّر منه.

اقرأ أيضاً: أفكار في عقل أبكار السقاف: رحلة كاتبة تنويرية
ونختتم بقول ديفيد هيوم (1711- 1776): "ستكون بداية عبثية إذا ما اخترنا رأياً واحداً من نهر الآراء وفيضها هذا، وجعلناه أنموذجاً نمهره بخاتم الحقيقة والصلاحية"، فلنترك الأفكار تفيض وتكشف نقائصها بوضوح، لكن دور العقل أن يعرف أين ومتى وكيف يوجهها بالنقد والتشريح وصنع البدائل، وإلا انفضّ الزارعون من حول النهر يائسين وساخطين.

للمشاركة:



الجيش الألماني في مواجهة التطرف..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

كشف الجيش الألماني؛ أنّه رفض، عام 2017، طلبات 63 شخصاً للانضمام إليه؛ بسبب أفكارهم المتطرفة والتشدّد، وجاهزيتهم لارتكاب أعمال عنف.

وأثبتت الإحصاءات التي نشرها الجيش؛ أنّ من بين 63 متقدماً، رفضت طلباتهم؛ يوجد 21 من النازيين الجدد، ضمن مجموعة "مواطنو الرايخ"، و12 إسلامياً، ومتطرفان يساريان متشددان، وبضعة أشخاص وصفوا بأنّهم "مستعدون لارتكاب أعمال عنف"، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الألمانية.

الجيش الألماني يكشف أنّه رفض طلبات 63 للانضمام إليه بسبب أفكارهم المتطرفة والتشدّد

 وتجري الآن عملية تقييم لوضع "حركة الهويات" للمرفوضين، الذين صنفتهم مؤسسة حماية الدستور (هيئة الاستخبارات الداخلية) يمينيين متطرفين.

وطبقاً للتقرير؛ فإنّه بين تموز (يوليو) 2017 وحزيران (يونيو) 2019؛ قامت الهيئة الحربية لمكافحة التجسس (MAD) بفحص طلبات تقدم بها 43,775 متقدم، جرى ذلك بناء على طلب من وزارة الدفاع، بعد تسريبات أفادت بتسرب عناصر من اليمين المتطرف داخل الجيش الاتحادي، وذهبت بعض تلك التقارير لوصف الجيش بأنّه "مرتع لليمين المتطرف".

 لكنّ الفحص كشف أنّ "في 1173 حالة كانت مجرد اتهامات غير واضحة، وغير مؤكدة"، وصدر التقييم بعد أن فحصت الهيئة الحربية لمكافحة التجسس (MAD) بدقة الحالات المشار إليها.

تقرير الهيئة الحربية لمكافحة التجسّس (MAD) يصف الجيش بأنّه "مرتع لليمين المتطرف"

ورأت السياسية اليسارية، أولا يلبكه، في تصريحات صحفية لـ "فرانس برس"؛ أنّ "الفحوصات الأمنية المشار إليها تمثل عامل ردع مؤثر على النازيين الجدد، لكنّها أشارت في الوقت نفسه، إلى أنّ الفحوص لم تشمل العسكريين المنخرطين قديماً في الخدمة، وقالت: إنّ "مدى فاعلية عملية التقييم الجديدة لن يصبح ملموساً إلا بعد مرور أعوام، لكنّ السؤال هو؛ هل تتناقص أعداد الحوادث المرتكبة من قبل عناصر اليمين المتشدد، وأعمال العنف التي يمارسها رفاق الخدمة ضدّ زملائهم".

بدورها، ردّت وزيرة الدفاع، آنيغريت كرامب-كارينباور، على الاتهامات التي طالت الجيش الألماني بشأن عناصر اليمين المتطرف، بالقول: "لا يوجد شكّ يحوم على وجه العموم، حول جنودنا، فهؤلاء الجنود يعرضون حياتهم للخطر أثناء أدائهم للواجب، ولهذا تليق بهم ثقتنا ودعمنا، ولكن هذا لا يعني أنّ على المرء ألّا يتحرى بدقة عن الأشياء التي تحتاج إلى تناول نقدي، لكن لا يجب أن تتسبب مجموعة صغيرة بإساءة لسمعة كلّ الجيش الألماني".

 

 

للمشاركة:

جهادية بريطانية سابقة تكافح التطرف بهذه الأساليب

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

نشطت البريطانية، تانيا جويا، التي تعرّف عن نفسها بأنّها "جهادية إسلامية سابقة"، على "إعادة تأهيل" المقاتلين المتطرفين بهدف إعادة دمجهم في مجتمعاتهم.

تانيا جويا تنشط على "إعادة تأهيل" المقاتلين المتطرفين بهدف إعادة دمجهم في مجتمعاتهم

وعرضت جويا، في مقابلة أجرتها معها وكالة "فرانس برس" في واشنطن، مشروعها لمنع العنف والتطرف، قائلة: "هدفي هو أن يشعروا بالندم، وتدريبهم ليكونوا مواطنين صالحين بعد خروجهم من السجن حتى يستعيدوا مكانهم في المجتمع".

وأضافت تانيا: "أدركت أنّه من المهم إبعادهم عن التطرف وإعادة تأهيلهم"، مشدّدة على ضرورة إعادة برمجتهم وإعطائهم أملاً في العملية السياسية.

وتابعت أنّه "يتعين أيضاً أن تشرح لهم "العوامل النفسية والوسائل، التي قادتهم إلى التطرف والرفض الذي عانوه أثناء نشأتهم في أوروبا أو أمريكا، والصراع الثقافي، والأزمات التي مروا بها."

وأردفت "إذا تمّ توضيح ذلك لهم بشكل منطقي جداً، سيتقبلون الأمر، كما حدث معي".

 كما أيدت عودة المقاتلين المقبوض عليهم إلى بلدانهم الأصلية لمحاكمتهم فيها، وهذه ما تدعو إليه الولايات المتحدة، لكنّ دولاً أوروبية، منها فرنسا، تفضل أن يحاكَموا في العراق.

وهي تناضل أيضاً من أجل عودة شميمة بيغوم، التي انضمت إلى تنظيم داعش في 2015؛ حين كان عمرها 15 عاماً، وتودّ العودة إلى لندن، لكنّ عدم إبدائها أيّ ندم على ما فعلت، شكّل صدمة للرأي العام البريطاني، وأسقطت الحكومة عنها الجنسية البريطانية.

وترى تانيا أنّ الدول الغربية "مسؤولة عن هؤلاء الأشخاص، ولا يمكنها تركهم في الشرق الأوسط بأيدي الأكراد، والعنف الذي يتعرضون له في تلك المخيمات سيزيد من تمسّكهم بعقيدتهم المتطرفة".

جويا تؤيد عودة المقاتلين إلى بلدانهم وتؤكّد أنّ العنف في المخيمات يزيد تمسّكهم بالتطرف

ولدت تانيا جويا، عام 1984، في لندن، لأسرة من بنغلادش، وواجهت العنصرية وصعوبات الاندماج. وفي سنّ 17 عاماً، اعتنقت الأفكار المتطرفة، بعد اعتداءات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، ودعوة زعيم تنظيم القاعدة آنذاك، أسامة بن لادن، للجهاد العالمي.

تزوجت عام 2004 من مسلم أمريكي، كان اسمه جون جورجيلاس، واتّخذ لقب يحيى البهرومي، وباتت تدعو لإقامة دولة إسلامية، يكون أطفالها الثلاثة جنوداً لها.

لكن في 2013، اقتادها زوجها "رغماً عنها" إلى شمال غرب سوريا للانضمام إلى الجهاديين، فوشت به للسلطات الأمريكية، وفرّت بعد ثلاثة أسابيع وعادت إلى الولايات المتحدة.

وبعد أن عادت إلى ولاية تكساس، التي ينحدر منها زوجها، تخلت عن أفكارها المتطرفة وغيّرت نمط حياتها، وتطلقت وتزوجت من جديد.

في الأثناء؛ انضمّ زوجها السابق إلى تنظيم داعش الإرهابي، الذي سيطر بعد وقت قصير على مناطق واسعة من العراق وسوريا، وتولى دعاية التنظيم المتطرف باللغة الإنكليزية، وقالت إنّه "أصبح أكبر مسؤول أمريكي في التنظيم، وقتل في 2017 في معركة الميادين، شمال سوريا".

ويعتقل الأكراد حالياً حوالي 12 ألف مقاتل أجنبي، من أربعين دولة، في معسكرات في مناطق سيطرتهم، شمال شرق سوريا، بينهم أربعة آلاف امرأة وثمانية آلاف من أطفال الجهاديين.

وهي تشارك في برنامج منع التطرف العنيف الذي تديره منظمة "مشروع كلاريون" الأمريكية، بغرض "منع الشباب من اقتراف الأخطاء التي ارتكبناها أنا وزوجي السابق".

ويتضمّن البرنامج "نماذج اتصالات" و"رسائل مضادة" موجهة للشباب؛ "لتفادي أن يقعوا في براثن التطرف الديني والأيديولوجي"، بحسب ما أوضحت المنسّقة الوطنية للبرنامج، شيرين القدسي.

رحيل رضا: لا أحد يولد متطرفاً عنيفاً؛ بل يتم صنعه والتلاعب به (ليكون كذلك) إنّها مجرد أفكار

ورأت رئيسة الجمعية الكندية "مسلمون في مواجهة المستقبل"، رحيل رضا؛ أنّ "لا أحد يولد متطرفاً عنيفاً؛ بل يتم صنعه والتلاعب به (ليكون كذلك) إنها أيديولوجيا ومجرد أفكار".

وأضافت أنّه يجب بالتالي؛ "منع هذه الأفكار من الانتقال إلى الشبان."

وأشارت إلى أنّ أسلوب التجنيد لدى دعاة تفوق العرق الأبيض والإسلاميين "واحد"، ويقوم على دمج شبان ذوي "شخصية هشّة" في "جماعة".

وتشبه شيرين القدسي الأيديولوجيتين بـ "نارين تغذي كلّ منهما الأخرى" موردة، مثل: مجزرة المسجدين في نيوزيلندا، في آذار (مارس) 2019، حين قتل متطرف أسترالي 51 مصلياً في مسجدين.

 

للمشاركة:

الحوثيون يقتلون بعضهم... لماذا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

وقعت، اشتباكات بين عناصر ميليشيات الحوثي؛ أمس، إثر خلاف نشب بينهم على تقسيم منهوبات.

وأعلنت ميليشيات الحوثي، مقتل 9 من عناصرها، بينهم القيادي مجاهد قشيرة الغولي، ومدير الأمن السياسي في محافظة عمران، كما جرح 11 شخصاً آخرين، في اشتباكات درات بين "عناصر أمنية" تابعة للانقلابيين والغولي.

مقتل 9 عناصر من ميليشيات الحوثي في محافظة عمران إثر خلاف على منهوبات

وأفادت مصادر محلية، وفق ما نقلت "العربية"؛ بأنّ "الغولي نصب كميناً لمدير أمن محافظة عمران لاستعادة ما أخذه منه من منهوبات، وقتل اثنين من مرافقي مدير الأمن، فتمّ استدعاء عشرات العناصر الحوثية من مديرية سفيان إلى عمران، ومحاصرة الغولي في منزله، ودارت اشتباكات لساعات عدة انتهت بمقتل الغولي ومدير الأمن السياسي في عمران، و6 عناصر من "أمن" الميليشيات".

ووفق شهود عيان؛ سحل الحوثيون جثمان الغولي، بعد مقتله في شوارع عمران.

كذلك أوضحت مصادر قبلية؛ أنّ "الغولي كان أحد العناصر القبلية التي انضمت إلى ميليشيات الحوثي في وقت مبكر، وشاركت في اقتحام مدينة عمران، عام 2014، وفي قتل العميد حميد القشيبي، قائد اللواء 310 مدرع".

مقتل طفلتين وإصابة والدتهما في قصف حوثي طال منزلاً بمنطقة دار النصر

في سياق متصل بجرائم ميليشيات الحوثي الإرهابية؛ قُتلت طفلتان وأصيبت والدتهما في قصف طال منزلا بمنطقة دار النصر، مساء أمس.

وأطلقت ميليشيا الحوثي الانقلابية قذيفة باتجاه جبل صبر، تسببت بدمار جزئي لمنزل المواطن محمد أحمد سعيد جوار دار النصر، وأدت لمقتل طفلتيه وإصابة زوجته بجروح عدة.

وأكّدت مصادر طبية وصول الطفلتين؛ هبة محمد أحمد، وهيام محمد أحمد، متوفتين، إثر إصابتهما بشظايا القذيفة، فيما وصلت مسك سعيد محمد مصابة بعدة جروح في جسمها، إثر إصابتها بشظايا القذيفة.

 

للمشاركة:



لماذا يخاف أردوغان من باباجان أكثر من داود أوغلو؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

عبد الله منصور

رجب طيب أردوغان… أو كما يحب أن يناديه من حوله بالطيب أردوغان؛ اسم لن يكون من السهل على تركيا أن تنساه، خاصة أنه كان نجم المشهد السياسي في تركيا لنحو ربع قرن، منذ أن تولى رئاسة بلدية إسطنبول في عام 1994، ومنها قفز إلى رئاسة الوزراء، ثم رئاسة الجمهورية التي ما لبث أن حولها إلى عرش سلطنة ذات صلاحيات غير مسبوقة.

مع مطلع الألفية الجديدة وصَّل أردوغان ورفاقه التيار الكهربائي إلى “مصباح” حزب العدالة والتنمية، الذي مهَّد لهم الطريق لتحقيق أحلامهم وطموحاتهم السياسية ليحتكروا المشهد السياسي في تركيا، إلى أن جاء عام النكسة 2019، الذي يعتبر أطول وأصعب الفترات على أردوغان ورفاقه، بعد أن تلقوا خسارة فاضحة في انتخابات المحليات التي خرجوا منها عراة بدون البلديات الكبرى، وعلى رأسها إسطنبول وأنقرة وإزمير وأنطاليا.

لم تكن هذه كلمة النهاية وإنما كان لأردوغان قرار آخر، إذ ضغط على الجهاز القضائي لإلغاء نتائج بلدية إسطنبول التي يحتكرها ورفاقه منذ أن كان عمدتها، لتعاد الانتخابات على مقعد رئاسة بلدية إسطنبول الكبرى في 23 يونيو/ حزيران الماضي، والتي بدأت تطفئ “مصباح” العدالة والتنمية رويدًا رويدًا.

الخسارة هذه المرة لم تكن فادحة وإنما فاضحة ومخزية، تبعها مفاجئات عديدة لم يكن يحلم بها أردوغان. استمرت الشائعات حول نية وزير الاقتصاد السابق علي باباجان تأسيس حزب سياسي خاص به، إلى أن أعلن بنفسه استقالته من الحزب بشكل رسمي، مع توجيه انتقادات حادة ولاذعة لسياسات الحزب وأردوغان، مع الكشف عن تحركه لتأسيس حزبه مع عدد من الأصدقاء المنشقين عن حزب العدالة والتنمية.

أردوغان لا يبالي بالأسماء التي ستعلن انشقاقها عن الحزب، قدر خوفه من باباجان، ولكن لماذا باباجان المختفي عن المشهد السياسي من عام 2015؟

في الوقت الذي يحاول فيه أردوغان استجماع قواه وإعادة ترتيب صفوفه بعد الهزيمة، ظهر هذا الاسم الذي بات يؤرق نوم أردوغان. علي باباجان هو أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية، ومثَّل الحزب داخل البرلمان في أربع دورات منذ 14 نوفمبر 2002، وحتى 7 يونيو/ حزيران 2015. خلال هذه الفترة شغل عدة حقائب وزارية، تنوعت بين وزير الدولة المسؤول عن الاقتصاد في أول حكومة برئاسة عبد الله جول (2002-2007)، بعدها تولى منصب وزير الخارجية في حكومة طيب أردوغان الأولى (2007-2009)، ثم عاد مرة أخرى وزيرًا للدولة لشؤون الاقتصاد (2009-2011)، وفي الفترة بين عامي 2009 و2015 كان يشغل منصب نائب رئيس الوزراء آنذاك أردوغان، وعينه أيضًا كبير المفاوضين للانضمام للاتحاد الأوروبي.

لهذه الدرجة كان الرجل مقربا من أردوغان ومحل ثقة، إلا أن انشقاقه عن الحزب تسبب في حالة من الفزع لأردوغان؛ إذ إنه كان مهندس التنمية الاقتصادية التي شهدتها تركيا في عهد حزب العدالة والتنمية، ومن بعده بدأت الأمور تزداد سوءًا إلى أن بات الأتراك يذوق مرارة الأوضاع الاقتصادية السيئة.

خوف أردوغان وفزعه مُبرر ومعقول، خاصة أنه تمكن من سحر الرأي العام التركي بنجاحاته الاقتصادية، ليدخل التاريخ بأنه أطول حزب يسيطر على السلطة في البلاد. كذلك حالة الغضب التي تسيطر على الشارع التركي الذي بات يبحث عن حلول اقتصادية، دون أن يبالي بالسياسة، وأن المواطنين قد يعقدون آمالهم على باباجان النجم الجديد ليعيد الأمجاد الاقتصادية لبلادهم مرة أخرى؛ خاصة وأنه أكد أكثر من مرة أن حزبه لن يقتصر على المنشقين عن حزب العدالة والتنمية والتيار الإسلامي فقط، وإنما سيفتح أحضانه للجميع العلماني والليبرالي والكردي والمحافظ واليساري.

حتى إن أردوغان فضح نفسه بنفسه، وكشف في تصريحات صحفية له خلال رحلة العودة من زيارته لدولة البوسنة والهرسك، أنه كان ينوي التخلص من باباجان وإبعاده عن المشهد السياسي، قائلًا: “عرضت عليه مهمة رسمية في دولة أوزباكستان، لكنه رفض”، مما يدل على أنه اطلع على نيته الحقيقية وتخطيطه لإبعاده من المشهد السياسي في تركيا.

الدليل على أن أردوغان يخاف من ورقة باباجان الاقتصادية أكثر من أوراقه السياسية، أنه عقد عدة لقاءات واجتماعات مع وزير الاقتصاد السابق أيضًا محمد شيمشك، الذي تثار حوله ادعاءات عن نيته الانشقاق عن الحزب والانضمام لجبهة باباجان.

أما رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو فلا يشغل حيزا كبيرا من تفكير أردوغان، خاصة وأنه معروف عنه انتمائه للتيار الإسلامي المحافظ، فضلًا عن شعبيته التي تآكلت على يد أردوغان منذ أن نقله من وزارة الخارجية إلى رئاسة الوزراء، لينهي مسيرته السياسية وسط اتهامات توجه له بالتسبب في توريط تركيا في أزماتها الخارجية مع دول الجوار والدول العربية بشكل خاص.

وفي تطور سريع كشفت الدائرة المقربة من داود أوغلو، خلال الأسبوع الماضي، أنه يخطط للظهور في لقاء تليفزيوني لكشف الستار عن عدد من أخطاء أردوغان وحزب العدالة والتنمية، من بينها الحديث أن السياسات التي اتبعت خلال فترة رئاسته للوزراء كانت بتوجيه من أردوغان وحزبه ولا علاقة له بها.

الفترة المقبلة ستكشف عما إذا كانت كلمة “النهاية” في يد مهندس التنمية الاقتصادية أم أن أردوغان سيقلب الطاولة مرة أخرى.

عن "الزمان" التركية

للمشاركة:

لا مكان للقوة في الخليج

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

فاروق يوسف

ليست المشكلة في أن تحتجز إيران ناقلة نفط بريطانية. ذلك حدث تمكن تفادي تداعياته عن طريق الإسراع في الافراج عن الناقلة.

المشكلة تكمن في طريقة تفكير الإيرانيين في أن لهم الحق في التحكم بحركة الملاحة عبر مضيق هرمز. وهو ممر مائي دولي ليست لأحد يد عليا عليه. ذلك التفكير الخاطئ قد يجر إيران إلى مناطق مظلمة.

ما هو مطلوب من إيران وسواها من الدول التي تشترك معها في الاطلالة على مضيق هرمز أن تكون مصدر أمان لحركة الملاحة لا مصدر تهديد.

والامر لا يقبل اللعب أو المزاح الثقيل.

هناك خطوة خاطئة قد لا يؤدي التراجع عنها إلى محوها. وهو ما فعلته إيران في محاولة منها للرد على الاجراء البريطاني في جبل طارق.

ليس من حق إيران أن ترد بتلك الطريقة. ذلك لأنها تنتقل من موقع حراسة الأمن في الخليج إلى موقع، تكون من خلاله مصدر تهديد للأمن. وهو ما لا يتعلق ببريطانيا وحدها بل بجميع الدول التي لها مصلحة في أن تكون الملاحة في الخليج مضمونة وآمنة.

كان على إيران أن تبحث عن حل آخر لأزمتها مع بريطانيا غير أن تستعرض عضلاتها في المكان الخطأ. فإذا كانت بريطانيا قد أخطأت حين احتجزت الناقلة الإيرانية في جبل طارق وهو أمر قابل للنقاش فقد كان على إيران أن لا ترتكب خطأ مشابها يدفعها إلى مواجهة مع العالم.

ومع ذلك فقد كان التصرف البريطاني قانونيا. فالناقلة الإيرانية المحتجزة في جبل طارق كانت ذاهبة إلى سوريا وهو ما لا يسمح به قانون المقاطعة الذي أقرته دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا لا تزال واحدة منها.

بريطانيا إذاً تملك ما يسند موقفها قانونيا. في حين أن إيران لم تتصرف إلا باعتبارها دولة قراصنة. 

هناك فرق بين القانون والقرصنة.

لا أعتقد أن الإيرانيين يدركون ذلك الفرق.

كان من المتوقع أن ترمي إيران حجرا في الفراغ من أجل إثارة المجتمع الدولي واعادته إلى الاهتمام بأزمتها بعد أن بدا واضحا أن أوروبا قد سحبت يدها في ما يتعلق بمساعيها للتخفيف من أثر العقوبات الاقتصادية الأميركية على إيران.

ولقد زاد من عزلة إيران الدولية أن الإدارة الأميركية كانت قد قررت أن لا تلجأ إلى الخيار العسكري في المرحلة الراهنة وهو ما يعني أن الكرة صارت في الملعب الإيراني. فإذا كان الإيرانيون راغبين فعلا في إنهاء العقوبات فما عليهم سوى الذهاب إلى المفاوضات المباشرة، من غير البحث عن وسطاء. وهو ما رفضته إيران وما لا تزال ترفضه.

ذلك موقف لا يشجع أحدا لمد يد العون إليها. فالواضح أن القيادة الإيرانية ترغب بسبب تقديرات خاطئة أن يرضخ العالم للواقع الذي صنعته في منطقة بالرغم من تعارض ذلك الواقع مع القوانين الدولية.

ولكي تؤكد أنها دولة لا تعترف بالقانون الدولي فقد قامت باحتجاز ناقلة النفط البريطانية لتؤكد إنها قادرة على تنفيذ تهديداتها بغلق مضيق هرمز ضاربة عرض الحائط الالتزامات التي يفرضها عليها قانون الممرات الدولية.

كان الأولى بإيران أن تحل أزمة ناقلتها المحتجزة في جبل طارق في سياق قانوني. ذلك لأن هناك محكمة هي التي أقرت التحفظ على الناقلة ولم يتم الاستيلاء عليها من قبل قراصنة.

غير أن إيران التي لا تعترف أصلا بالقانون تصرفت من منطلق كونها في حالة حرب. وهي ترغب في حل أزماتها من خلال منطق الحرب. وهو ما يستدعي من موقع الحرج أن يقوم المجتمع الدولي برعاية مصالحه في الخليج وذلك عن طريق اجبار إيران بالقوة على الخضوع للقانون الدولي.

سيكون ذلك الحل مكلفا وخطرا. غير أنه الحل الوحيد الذي يمكن أن تفهم إيران من خلاله أن لا مكان للقوة في الخليج.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

عودة ستالين… هكذا يسعى بوتين إلى تبييض سمعة الزعيم السوفييتي

2019-07-21

ترجمة: محمد الدخاخني


تميّز عام 1989 بتوقّعات كبيرة، وغنّت في روسيا فرقة الرّوك "كينو"، "إنّنا في انتظار التّغييرات"! وفي تجمّعات عامّة ضخمة ملأت شوارع موسكو، طالب الملايين بالحرّيّة والدّيمقراطيّة. لقد أحدث عصر غورباتشوف موجة من التّغيير، وشهد النّاس أحداثاً مُذهلة بشكل أسبوعيّ: فانتزعوا الصّحف، وعلّقوا على كلّ كلمة تُبث على شاشة التّلفزيون، ومع كلّ يوم يمرّ شعروا بمزيد من الحيويّة والحرّيّة.

نبش سجل ستالين الأسود

لقد أدرك الكثيرون أيضاً أنّه لتغيير النّظام السوفييتي الفاسد، فإنّه على المرء معرفة حقيقة ماضيه الستالينيّ. وهو ما تحقّق في العام الذي تأسّست فيه منظمّة "ميموريال" لحقوق الإنسان، التي جمعت مئات الناشطين من كافة أنحاء الاتحاد السوفييتي، وكان بعضهم قد عاش حياة الغولاغ (معسكرات العمل)، وبعضهم من المنشقّين الذين عادوا مؤخراً من معسكرات العمل أو المنافي، مثل الفيزيائيّ النّوويّ أندريه ساخاروف. كانت المهمّة واضحة: "سوف نستعيد ذكرى ضحايا ستالين ونقدّمها للعلَن".

 احتفال بعيد ميلاد ستالين في موسكو عام 2015

في ربيع 1989، حدث شيء لم أكن لأتخيله أبداً في أشد أحلامي جموحاً، لقد دُعيتُ إلى معهد التّاريخ والمحفوظات في موسكو لإلقاء محاضرة على الطلاب حول مصير السجناء السابقين في الغولاغ. وبعد ذلك، سألني أحدهم إن كنت قد قابلت مؤيداً فعلياً لستالين من قبل، كانت ردّة فعلي الأولى هي الضّحك، لكنّني توقّفت وتساءلت: هل وصلنا أخيراً إلى نقطة زمنيّة حيث يفكّر أولئك الذين في العشرينيات من عمرهم بأنّه لم يَعُد ثمّة وجود للستالينيين؟ بعد مرور ثلاثين عاماً، ها أنا أتذكر تلك اللحظة بشعور مرير.

أدرك الكثيرون أنّه لتغيير النظام السوفييتي الفاسد فعلى المرء معرفة حقيقة ماضيه الستاليني

في أوائل التسعينيات، تدفق الزوار على المنزل الصغير الذي توجد به مكاتب منظمة "ميموريال". لقد أحضروا معهم مستندات، ومذكّرات من السّجون ومعسكرات العمل، وخطابات من الغولاغ، ورسائل قصيرة أُلقيت من سيّارات الشّحن العابرة ووصلت بأعجوبة إلى المُرسَل إليهم المقصودين. وأشياء أخرى من الغولاغ، كان بينها صناديق مصنوعة من خشب الأبلكاش وُجدت في معسكرات العمل، وسُترات سجن مبطّنة مطبوع عليها أرقام السّجناء، وملاعق وأوعية متعرّجة. وأحضر بعض الزّوار كُتباً خُطّت يدويّاً، وتطريزات، ورسومات، وألواناً مائيّة، وكلّها أشياء تمكّنوا من إخفائها أثناء تفتيش زنازينهم. وقد أدّى ذلك إلى إنشاء أرشيف في "ميموريال"، وهو عبارة عن مجموعة من آلاف الشّظايا المرتبطة بالذكريات العائلية.

اقرأ أيضاً: قمة بوتين وأردوغان.. هذه أهم ملفاتها

في ذلك الوقت، كنّا نظنّ أنّ هذه مجرّد بداية لعمليّة طويلة، وأنّ قادتنا السّياسيين الجدد أدركوا أنّ الوصول إلى الماضي يُعدّ مهمّة أساسية. لكن الإصلاحيّين افتقروا إلى الاهتمام بالتّاريخ؛ فقد كانوا في عجلة من أمرهم لبناء اقتصاد السّوق. لم يروا الصّلة بين الإصلاحات الاقتصاديّة النّاجحة والحاجة إلى مجتمع مدنيّ نَشِط. ومن جانبها، لم تذكر حكومة بوريس يلتسين القمع السّياسي السّوفييتي إلا قبل الانتخابات من أجل التصدّي للشيوعيّين.

عودة رسميّة إلى ستالين

بعد فترة وجيزة، في ظل الأزمة الاقتصادية الحادّة، أصبحت "الدّيمقراطيّة" كلمة قذرة بالنسبة إلى العديد من الرّوس. لقد أُحبِطوا، وشعروا بأنّ الإصلاحات لم تتحقّق البتّة. واستسلم المجتمع الرّوسي للتعب واللامبالاة. إنّ الجرائم الستالينيّة، الّتي اعتُقِد أنه من الأفضل مناقشتها على الملأ، كانت مروِّعة إلى درجة أنّ النّاس لم يرغبوا في قضاء الوقت في التّفكير فيها.

وصف فلاديمير بوتين سقوط الاتحاد السوفيتي بأنه أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين

بحلول منتصف التسعينيات، بدأ الحنين إلى الحقبة السّوفييتية يتسلّل إلى نفوس الناس، وبدأت استعادة رمادية عصر بريجنيف، بطوابيره التي لا تنتهي ومحلاته الفارغة، باعتباره عصراً يسوده السلام والازدهار. وتدريجيّاً، تحقّق شيء كان مستحيلاً خلال البيريسترويكا: تعاظَم ظِلّ ستالين مجدداً.

تعد ميموريال المنظّمة الوحيدة التي عملت طوال عقود بلا كلل ودون أيّ دعم حكومي للحفاظ على الذاكرة

جاء صعود فلاديمير بوتين إلى السّلطة مصحوباً بنسخة جديدة من الوطنيّة تعتمد على الجوانب "البطوليّة" و"المُشرِقة" من الماضي السوفييتي. وعادت للظهور صورة لستالين باعتباره قائداً قويّاً كفل الانتصار في الحرب العالمية الثانية وقاد قوّة عظمى سوفيتية. وعملت الدّعاية التلفزيونية مرّة أخرى بجديّة على خلق تلك الصّورة. والملايين الذين قضوا نحبهم في موجات من القمع السّياسي دُفِعوا إلى هوامش الوعي الجماعي.

اليوم، أصبحت أحداث من قبيل تحرير أوروبا الشّرقيّة عام 1989، وسقوط جدار برلين، ونهاية الحرب الباردة مفهومة من جانب العديد من الرّوس على أنّها أشكال من الهزيمة، بل كوارث. ولا عجب، بالنظر إلى أنّ بوتين وصف سقوط الاتحاد السّوفييتي بأنّه "أكبر كارثة جيوسياسية" في القرن العشرين. اليوم، يُطالعك وجه ستالين على نحو كلّي الوجود في كل مكان، من الّلوحات الإعلانية إلى جدران قطارات الأنفاق ونوافذ المكتبات. كذلك، تنتشر العشرات من المعالم الأثريّة الخاصّة بستالين في كافّة أنحاء روسيا.

ستالين ضيّع أملنا

ليس الأمر أنّ الرّوس نسوا العلاقة المباشرة بين اسم ستالين والقمع السّياسي الّذي أثّر على كلّ أسرة تقريباً. فهم بالأحرى لا يريدون التفكير في الإرهاب أو في من ارتكبوه أو ما الذي كان وراءه. كما أنّهم ليسوا مستعدين للاعتراف بأنّ هذا كان الرّكن الأساسي للنّظام بأكمله.

عادت للظهور صورة لستالين باعتباره قائداً قويّاً كفل الانتصار في الحرب العالمية الثانية

لقد أصبحت العمليّة الحالية لتمجيد انتصاراتنا وتبييض سمعة ستالين ممكنة لأنّ روسيا اليوم، في الواقع، ليس لديها أي مفهوم على الإطلاق عن المستقبل. أي بلد نريد العيش فيه؟ بلد "نهض من الجلوس على ركبتيه" ويتبع مساره الخاص والفريد؟ ولكن ما هذا المسار؟ لقد فشل أيديولوجيّو الكرملين في تحديد أيّ شيء بوضوح.

ينضم كثير من المتطوعين والشّباب في مبادرات ميموريال بالرّغم من كافّة العقبات الّتي تضعها السّلطات في طريقهم

إنّه من الصعب اليوم أن نتذكّر عام 1989 دون شعور عميق بالفرصة الضائعة والأمل المدمّر. في أعوام بوتين الأولى، بادلت الأغلبية الصّامتة إمكانية الحريّة بوعود "الاستقرار"، وفيما بعد بالفخر الوطنيّ بـ"روسيا العظيمة"، باعتبارها قوّة ترسم الحدود حولها وتشعر بأنّها حصن مطوَّق.

يبدو أنّ حرّيّتنا تتقلّص كل يوم بالسرعة نفسها التي توسّعت بها قبل 30 عاماً. و"ميموريال" هي المنظّمة الوحيدة التي عملت طوال عقود، بلا كلل ودون أيّ دعم حكومي، على الحفاظ على الذاكرة. وفي عام 2016، وصفتها السّلطات بأنّها "عميل أجنبي"، تماماً مثل عشرات المنظمات غير الحكومية الأخرى. ويوري ديمترييف، أحد مؤرّخينا من منطقة كاريليا، محتجز منذ ما يقرب من ثلاثة أعوام بتهم ملفقة، وقد تعرّض النّاشط الحقوقي، أويب تيتيف، للاضطهاد بسبب عمله في الشيشان.

اقرأ أيضاً: راسبوتين.. الراهب الغامض الذي سرّع بنجاح الثورة الشيوعية
ومع ذلك، هناك قوى في المجتمع الرّوسي تُقاوم ذلك. فالناس يريدون معرفة مصير أسلافهم. ومن جانبها، تتلقّى "ميموريال"، شأن وضعها قبل أعوام عديدة مضت، الدعم مرّة أخرى من العديد من الجهات. وينضم المزيد من المتطوعين ويشارك المزيد من الشّباب في مبادراتنا، وبالرّغم من كافّة العقبات الّتي تضعها السّلطات في وجهنا، حيث يتم إطلاق مشاريع جديدة لاستكشاف الذّاكرة التاريخية.

إنّ التّاريخ لن تُعاد كتابته بالكامل. وقد يكون بوتين محطّ اهتمام كبير في كافة أنحاء العالم، ولكن في روسيا، من الواضح للكثيرين منّا أنّ عودة بلدنا إلى الدّيمقراطية ستكون مستحيلة طالما فشلنا في إدانة ستالين والنّظام الّذي أنشأه.


المصدر: إرينا شيرباكوفا، الغارديان

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية