مدينة يابانية تحارب "التنمر" في التعليم بالذكاء الاصطناعي

1468
عدد القراءات

2019-03-24

خالد ممدوح

أصبحت مدنية أوتسو اليابانية أولى مدن العالم التي تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي في مجال التعليم وذلك لمساعدة الأساتذة والمعلمين على معرفة كيفية تحديد واكتشاف حالات التنمر التي يتعرض لها الطلاب خلال سنوات مراهقتهم داخل المدارس.

وبحسب موقع japantimes.co.jp فإن عمدة مدينة أوتسو اليابانية نعومي كوشي أفاد بأن هناك اتفاقية جمعت بينها وبين شركة هياتشي سيستم ليمتد "Hitachi Systems Ltd" المتخصصة في صناعة تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي للبدء في تطبيق استخدام التقنية الجديدة مع بداية شهر أبريل المقبل.

وأوضحت عمدة المدينة أن قاعدة بيانات تقنية الذكاء الاصطناعي سيتم تغذيتها بما يزيد عن 9000 حالة تنمر سابقة أبلغت عنها المدارس المحلية الابتدائية وغيرها على مدى السنوات الست حتى الشهر الحالي ليقوم النظام بعد ذلك بفصحها بشكل تلقائي وفرزها للتحقق من أشكال التنمر الحقيقية التي يتعرض لها التلاميذ داخل المدارس ومد المعلمين بالمعلومات وأبرز النقاط لكل حالة.

ولاقت تجربة دمج الذكاء الاصطناعي مع التعليم ترحيبا واسعا من العامة والمعلمين الذين ستقدم لهم تقنية الذكاء الاصطناعي معلومات موثقة عند الرجوع إليها حول العديد من الأمور المتعلقة بكيفية تحديد ما إذا كانت الحالة التي يواجهونها تعد تنمرا أم لا وكيف يمكن اكتشاف حالات التنمر قبل استفحال آثارها على التلاميذ.

والجدير بالذكر أن عام 2011 شهد حالة انتحار لصبي ياباني كان يبلغ من العمر 13 عاما، حين قرر إنهاء حياته بسبب عدم تحمله للضغوط النفسية بسبب ما كان يتعرض له من تنمر واعتداءات لفظية وجسدية من زملاء له في المدرسة.

عن "العين" الإخبارية

اقرأ المزيد...
الوسوم:



ما هي أفضل الدول في مجال التعليم على مستوى العالم؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-05

غالبا ما نطرح على أنفسنا هذا السؤال: ما هي الدولة صاحبة أفضل نظام تعليمي على مستوى العالم؟

لكن ربما تخلو أي إجابة محددة عن ذلك السؤال من الموضوعية، مما قد يجعل "برنامج التقييم الدولي للطلاب" (بي آي إس إيه) مؤشرا جيدا ربما يفيد في التوصل إلى الإجابة المطلوبة.

ويتكون هذا المؤشر من سلسلة من الاختبارات الدولية التي وضعتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ويخضع لتلك الاختبارات، منذ إطلاق البرنامج في عام 2000، طلاب في سن الخامسة عشرة، كل ثلاث سنوات.

وكشفت المنظمة نتائج الاختبارات الأحدث من هذا النوع، التي أُجريت في 2018، والتي أشارت إلى أن الطلاب الصينيين يظهرون أداء فائقا يتجاوز أداء جميع الطلاب من الدول الأخرى في القراءة، والرياضيات، والعلوم.

أرقام قياسية
شاركت 79 دولة وإقليم في هذه الاختبارات، مما يُعد رقما قياسيا. وبلغ عدد عينة الطلاب المشاركين 600 ألف طالب العام الماضي.

وتتكون منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من 37 دولة، أغلبها دول متقدمة، مثل الولايات المتحدة، واليابان، ودول أعضاء في الاتحاد الأوروبي.

لكن عدد الدول التي تريد التعرف على مدى ملائمة طلابها للمعايير الدولية في مجال التعليم يتزايد في الفترة الأخيرة.

وأصبحت هذه الاختبارات، التي تصنف الدول حسب متوسط درجات الطلاب في كل دولة، من أدوات القياس المؤثرة في معايير التعليم الدولي، إذ توفر منظورا مختلفا مقارنة بالاختبارات المحلية.

ويدخل الطلاب تحديات حقيقية أثناء هذه الاختبارات، والتي قد تكون في شكل أسئلة تتناول اتخاذ القرارات المالية السليمة، وتحقيق الاستفادة المثلى من المعلومات.

وعلى سبيل المثال، كان هناك سؤال في اختبارات 2018 يقيس مهارات القراءة، مبني على أساس حوار متخيل على أحد منتديات الإنترنت، وفيه يتساءل صاحب مزرعة دواجن عما إذا كان تناول دجاجه للأسبرين آمنا أم لا.

سيطرة أسيوية
كانت الصين هي صاحبة التصنيف الأعلى في ثلاث من الجولات الأربع الأخيرة في هذه الاختبارات الدولية، لكن كان هناك تحفظ بأن مشاركة الصين كانت مقتصرة على مناطق معينة في البلاد.

واستخدمت السلطات الصينية نتائج الاختبار الخاصة بطلاب منطقة شنغهاي فقط في عامي 2009 و2012. كما استخدمت الصين نتائج الاختبارات التي دخلها الطلاب في أربعة ولايات فقط في عامي 2015 و2018.

وقال أندريا شلايشر، مدير التعليم في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: "في هذه المناطق، أظهر الطلاب الأكثر معاناة من الحرمان الاجتماعي أداء أفضل في القراءة مقارنة بالطلاب العاديين في المناطق التابعة للمنظمة".

وكانت فنلندا هي الدولة صاحبة الأداء الأفضل في النسخ الثلاث الأولى من اختبارات برنامج التقييم الدولي للطلاب في أعوام 2000، و2003، و2006، بينما احتلت سنغافورة الصدارة في اختبارات 2015.

وتتصدر دول آسيوية المراكز الأولى في اختبارات هذا البرنامج، وفقا لحساب جميع الدرجات. ويشير التصنيف الحالي إلى أن دولا آسيوية تحتل المراكز الأربعة الأولى في نتائج تلك الاختبارات بينما تعتبر استونيا الدولة غير الآسيوية الوحيدة التي تصعد إلى المراكز المتقدمة.

وألقت النتائج التي توصلت إليها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الضوء على مخاوف حيال "الجاهزية للعالم الرقمي".

ووفقا لشلايشر، أظهرت نتائج اختبارات برنامج التقييم الدولي للطلاب الأخيرة أن عشرة في المئة فقط من الطلاب المشاركين في الاختبارات من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تمكنوا من التمييز بين الحقائق والآراء الشخصية، أثناء قراءة موضوعات غير مألوفة.

رغم ذلك، أشارت النتائج إلى أن الفجوة التعليمية بين الدول المتقدمة والدول النامية ليست كبيرة كما يعتقد البعض.

وأضاف مدير التعليم في المنظمة: "عندما أجرينا مقارنة بين الدول التي حصلت على نفس الدرجات في اختبارات برنامج التقييم الدولي للطلاب، اكتشفنا أن هناك فجوة واسعة في مستويات الدخل في تلك الدول."

كما كشفت النتائج عن وجود فوارق كبيرة بين أداء النساء والرجال، إذ ثبت أن الفتيات يتفوقن في الأداء على الفتيان في القراءة، ويظهرن تقدما هامشيا عليهم في العلوم (بمقدار نقطتين في المتوسط)، بينما أثبت الفتيان تفوقا على الفتيات في اختبارات الرياضيات ( بنحو خمس نقاط).

عن "بي بي سي"

للمشاركة:

الإيرانيون كسروا "حاجز الخوف" بمظاهراتهم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-05

هدى الحسيني

أهم ما تركته المظاهرات في إيران أنها أبلغت القيادة بأن حاجز الخوف قد تم كسره. بدأت المظاهرات المتقطعة أولاً في العراق، ثم امتدت إلى لبنان، وأدت إلى استقالة رئيسي وزراء البلدين، ثم وصلت إلى شوارع طهران بقوة كبيرة.
وكان قرار اتخذته 3 بلديات منذ نحو 3 أسابيع برفع سعر لتر البنزين بمقدار 5 آلاف ريال، وإدخال نظام الحصص الشهرية المخفضة للوقود، أخرج عشرات الآلاف من الإيرانيين إلى الشوارع، وتحولت المظاهرات العامة الأصيلة والعفوية والتي بدأت بوصفها احتجاجاً مالياً، على الفور إلى معارضة للنظام الذي يستثمر أموال الإيرانيين لترسيخ نفوذه الإقليمي على حساب مواطنيه. في الأسبوع الماضي تعمد «حزب الله» في لبنان نشر فيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي وأعضاؤه يعدّون ملايين الدولارات التي وصلت إلى الحزب من إيران (تقدر بـ75 مليوناً)، كما نشر الحزب شريطاً لأحد أعضائه يقود سيارة وفي داخلها رزم ضخمة من الدولارات وعلى واجهة السيارة صورة الأمين العام للحزب حسن نصر الله، ويستمع إلى أغنية عراقية تمجّد إيران. وكان الأمين العام للحزب قال في إحدى خطبه إن أزمة الدولار التي تعصف بلبنان لن تطال مقاتليه، فإيران هي البنك الذي لا ينضب، وبالتالي لن يعاني الحزب من أي ضائقة. وليس غريباً أن يكون الشعار الأكثر شيوعاً في المظاهرات الإيرانية: «الموت للديكتاتور»، وهذا زاد من قلق النظام إلى حد كبير.
بدأت المظاهرات في عشرات المدن على امتداد جميع أنحاء إيران، بما في ذلك المدن الرئيسية: طهران، وشيراز، وأصفهان. كان سلاح المتظاهرين الشعور بالإحباط من الاحتجاجات الفاشلة سابقاً، لذلك هاجموا قوات الأمن وأغلقوا الطرقات وأضرموا النار في مئات محطات الوقود والمصارف وقواعد «الباسيج» والكليات الدينية، وأحرقوا صوراً لكبار مسؤولي النظام. لقد أدى اليأس والإحباط والكراهية العميقة تجاه النظام التي عبر عنها الإيرانيون، إلى تغذية الاحتجاجات وزيادة حجمها. ووفقاً لوكالات أنباء عدة؛ شارك نحو 100 ألف شخص في المظاهرات، ومع هذا تجاوز مستوى العنف والمعدل الذي انتشرت به الاحتجاجات، ذلك الذي قوبلت به مظاهرات عام 2018، مما جعلها أكثر المظاهرات الاحتجاجية انتشاراً وأهمية منذ عام 2009. يبدو من هذا أنه كلما أصبح الشعب الإيراني أكثر استعداداً لتنفيذ انقلاب، زاد التطرف في التدابير التي يتخذها النظام لقمع الاحتجاجات والمظاهرات بأي ثمن. وكلما استعرت المظاهرات؛ كان قادة النظام يحاولون استرضاء الشعب. ومع ذلك؛ فإن الإجراءات تتحدث بصوت أعلى من الكلمات. وكعادة الأنظمة الديكتاتورية التي تدّعي أنها لا ترى ما يجري في الشارع، أعلن الرئيس حسن روحاني أن الأمة الإيرانية تمكنت من التغلب على تحدي الاحتجاج، وسارع متحدث باسم الحكومة إلى إبلاغ الإيرانيين بأنه لن تتم الموافقة على زيادة تسعيرة الوقود حتى شهر مارس (آذار) من عام 2020.
في الأيام التي تلت تغيرت النبرة وبدأ زعماء النظام الإدلاء بتصريحات علنية بشأن وحشية الأحداث والخطر التي تشكله على النظام. على أرض الواقع كانت هناك بالفعل تقارير عن ارتفاع أسعار الخبز والحليب في المستقبل القريب، فالوضع الاقتصادي المتدهور في إيران لا يبدو جيداً.
سواء تم فرض تدابير اقتصادية جديدة أم لا، وما إذا كانت المظاهرات تشكل تهديداً حقيقياً للنظام أم لا، فهناك شيء مؤكد تغير في المجتمع الإيراني؛ لقد تم «كسر حاجز الخوف» لدى الإيرانيين، فالجدار الذي كان بمثابة ضبط النفس من تطور الاحتجاجات المدنية حتى الآن، تم هدمه، واستعداد الجمهور الإيراني للاشتباك مع قوات الأمن يعني شيئاً واحداً: لم يعودوا يخافون من الخروج إلى الشوارع.
اتخذ النظام تدابير استثنائية عادة ما تكون مخصصة للأحداث الشديدة، مثل استخدام النيران الحية، وتم نشر كثير من قوات الأمن؛ بما في ذلك قوات «الحرس الثوري» التي تولت القيادة في العمليات إلى جانب القوات المسلحة وقوات الأمن الداخلي و«الباسيج» ووزارة الداخلية. احتجز النظام 7 آلاف مواطن في جزء من محاولاته لقمع الاحتجاجات، وتأثر كثير من جوانب الحياة اليومية، بما في ذلك إلغاء الدراسة في المدارس والجامعات، وتأجيل المباريات الرياضية، وإغلاق خطوط المترو، وفرض حظر تجول عام.
كما تم حظر الإنترنت والشبكات الخليوية من أجل جعل تنظيم المتظاهرين بين بعضهم بعضاً أمراً صعباً. كانت هذه محاولة أخيرة من قبل النظام لإخماد نيران المظاهرات ولو على حساب تقويض صورته والتسبب في إضرار بالاقتصاد. حتى بعد ادعاء الدولة أنها أعادت الإنترنت، أبلغ كثير من الإيرانيين عن محدودية الوصول إليه، لا سيما المواقع الإلكترونية والشبكات الخليوية. ورغم أن هذا الإجراء المتطرف قد تعرض لانتقادات شديدة من قبل كثيرين، بما في ذلك احتجاج رسمي من قبل 11 عضواً من أعضاء مجلس الشورى، فإن قرار حظر الإنترنت كان له تأثير حاسم على قمع الاحتجاج في أسبوع واحد فقط، ومع ذلك بقي الجمهور الإيراني يطلق صرخة المعركة. فقد وجدت مقاطع فيديو وصور خاصة للمتظاهرين طريقها إلى العالم، حيث أبلغت العالم بالنطاق الهائل للاحتجاج على النظام والعنف الذي استخدمه النظام لتفريق المتظاهرين. وذكرت منظمة العفو الدولية لحقوق الإنسان مقتل 143 متظاهراً خلال موجة الاحتجاجات، لكن المنظمة لم تكشف عن القتل الجماعي في ماهشهر حيث أحاط «الحرس الثوري» بالمنطقة وقتل ما بين 40 ومائة متظاهر مسالم أغلبهم من الشباب كانوا لجأوا إلى حقل من قصب السكر، وقيل إنهم أضرموا النيران بالجثث.
حاول النظام التخفيف من عدد القتلى، لكن مسؤولاً إيرانياً رفيع المستوى من وزارة الداخلية أكد مقتل 218 شخصاً «إن لم يكن أكثر». ورغم أن الاحتجاجات لم تخرج عن نطاق السيطرة، فإن العدد الكبير من القتلى قد يشير إلى أن قوات الأمن فوجئت بمدى شدة الأحداث وغضب الشارع.
ربما تراجعت موجة الاحتجاج، لكن ينبغي عدم التقليل من أهمية الانتفاضة العامة، من قبل النظام أو الشعب؛ إذ يشير الغضب الذي عبرت عنه الأحداث الأخيرة إلى شعور الجمهور الإيراني المتزايد بالاشمئزاز تجاه النظام، حتى لو حاول الأخير إيجاد حلول ملتوية لتخفيف الشقاء العام، فالحقيقة أنه لا يمكن أن يكون هناك حل حقيقي للمعضلة الاقتصادية، ولا توجد وسيلة لتحسين الرفاهية العامة، ما دامت إيران تحت قيادة «فيلق القدس» التابع لقاسم سليماني تواصل محاولة ترسيخ نفوذها في العراق وسوريا واليمن ولبنان.
رغم أن النظام ربما يكون استوعب الحساسيات الحالية للجمهور استناداً إلى سلوكه على مر السنين، فإنه من المحتمل أن يحاول الحفاظ على صورة قوته من أجل ردع المحتجين حتى عندما يكون وضعه أضعف مما يبدو عليه. هذا سيؤدي إلى خروج الجماهير مجدداً إلى الشوارع والانضمام إلى «حرب الاستنزاف» ضد النظام، وليس من الواضح من سيخرج منتصراً، مع أن الإيرانيين صاروا يدركون ويرددون أنه لن يكون سلام في إيران أو في الشرق الأوسط، إذا لم تتم إطاحة النظام الذي «يحتل بلادهم» بصورة غير شرعية.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

موريتانيا الغزواني.. بين تجار الدين والسياسة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-05

الشيخ ولد السالك

ثلاثة ملفات بالغة الأهمية تدور أحداثها حاليا في موريتانيا، تبدو في ظاهرها منفصلة، لكنّ خيطا ناظما يجمعها، هو أنها تحدد ملامح موريتانيا المستقبل، أو ما أفضل، هربا من “موريتانيا الجديدة”، وتسميتها بموريتانيا التي يطمح لها السواد الأعظم من الشعب، الذي نال كل فرد منه نصيبه من المعاناة والقهر، ومزيدا بحظ من نصيب الأجيال القادمة، دون أن ينقص ذلك من نصيبِها شيئا.

أول الملفات، أحداث أزمة الحزب الحاكم “الاتحاد من أجل الجمهورية” أو ما بات يعرف بصراع المرجعية؛ وثانيها حملة وزير الصحة على الأدوية الفاسدة والمنتهية الصلاحية، وثالثها انفتاح رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ ولد الغزواني على المعارضة ولقاؤه أبرز قادتها.

كانت عودة الرئيس السابق محمد ولد عبدالعزيز للمشهد السياسي، للمرة الأولى منذ مغادرته السلطة، مرحلة فارقة في تاريخ الحزب الحاكم؛ ففي يومين فقط عرف الحزب تحولات دراماتيكية، من التهليل لعودة المؤسس والمرجعية إلى التنكر له والبراءة منه!

لم يفاجئنا الأمر كمتابعين، فتاريخ الأحزاب الحاكمة في موريتانيا عوّدنا أنها تتبخّر بقدرة قادر مع خروج الرئيس من القصر الرئاسي؛ إلا أننا كنّا نتوقع أن يختلف الوضع مع حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، لأن مؤسسه سلم السلطة، ظاهريا على الأقل، طواعية لخلفه؛ ولأن الرئيس الحالي رفيقُ دربه، وإن اختلفا في نواح عدة ليس أدناها المرونة السياسية؛ ولكن تلك قصةٌ أخرى ليس المقام مقامَ الخوض فيها.

ما يهم في صراع المرجعية، رغم الضبابية التي لفت كل مشاهده، هو هذه القدرة على التلون التي أظهرتها قيادات الحزب على مستوى هيئاته المختلفة؛ كيف أصبح ولد عبدالعزيز الآن عامل فرقة بعد أن كان هبة السماء لعباد الله الفقراء في موريتانيا؟

شخصيا، وإن كنت غير معني بالأمر ولا يهمني، لا أجد غضاضة في عودة ولد عبدالعزيز للحزب، شريطة ألا يحاول أن يكون مركز نفوذ أو سلطة موازية للسلطة الشرعية التي يمثلها حصريا رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني. ومن الواضح أنّ أطماعَه في السلطة لا تزال قائمة، حتى وإن كانت لا تخدم الأجواء التوافقية التي أرساها الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، دون أن يلغي كونَ حزب الاتحاد من أجل الجمهورية هو أكبر داعم لمشروع الرئيس الغزواني في الانتخابات، والمُسهل لمهمة حكومته تشريعيا داخل البرلمان.

الواضح أن الرئيس السابق محمد ولد عبدالعزيز نسي، وهو يعول على قيادات الحزب، أنهم ذات الوجوه التي قادت الحزب الجمهوري، وهياكل تهذيب الجماهير، وحزب الشعب، وألّهت الرؤساء المتعاقبين، ثم لعنتهم يوم سقطوا؛ هم أنفسهم من رضوا بتفقير الشعب، وأثروا من أموال الفقراء، ورسخوا ثقافة نهب المال العام والتخلف والجوع والنفاق والنميمة وشيطنة المعارضة.

هذا الحراك داخل الحزب الحاكم وتنكر قادته لرئيسهم السابق فضحهم أمام الشعب، وكشفهم لرئيس الجمهورية على حقيقتهم، لذلك أصبح لزاما التخلص من هذه الطبقة السياسية العفنة، وإضفاء مسحة أخلاقية على الموالاة كموقف داعم لفكرة ومشروع وليس مهنة استرزاق.

الحدث الثاني كشفَ حقيقة لا تقل أهمية عن سابقتها، إنه الحملة التي يشنها وزير الصحة على الأدوية الفاسدة. حملة تجاوبت معها غالبية الشعب الموريتاني، حيث قلّ أن يوجد بيت موريتاني إلاّ وقد فقدَ أحد أبنائه ضحية لفساد الأدوية وانتهاء صلاحيتها، وإن لم يفقده فقد عانى في سبيل علاجه في مستشفيات تونس أو المغرب أو السينغال، لينفق عليه ما ملكت يمينُه وما ملكت يمينُ الأقارب والعشيرة.

وصل الأمر أن أصبح أهل تونس يطلقون على رحلتهم من موريتانيا (طائرة الإسعاف)، أغلب الأطباء في تونس والمغرب والسنغال اتفقوا على أن أهم سبب لانتشار مرض السرطان في البلد هو هذه الأدوية الفاسدة، لكن الكارثة هنا هي أن أغلب موردي هذه الأدوية هم من منتسبي تنظيم الإخوان، المتظاهرين بالتدين.

لقد بلغت الوقاحة بهؤلاء المتاجرين بالدين المتكسبين ببيع السموم وبإعلامهم حدّ التصدي علنا للحملة التي يقوم بها وزير الصحة على هذه الأدوية القاتلة، استخفافا ونكاية بما لاقته من دعم وترحيب شعبي!

حملةُ وزير الصحة على الأدوية الفاسدة، إن تواصلت بهذه الصرامة وبهذا الدعم الشعبي العارم، ستكون نتيجتها حتما حفظ أرواح المواطنين، وفضح تنظيم الإخوان الذي يرفع شعار الدين ليغتال المواطنين بأدوية مزورة فاسدة أو منتهية الصلاحية، وهو بذلك يمارس عادته وديْدنه في زهق الأرواح، وإن بأسلوب غير تقليدي.

الملف الثالث، والذي لا يقل أهمية عن سابقيه، هو لقاءات الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني مع المعارضة التقليدية في البلاد، وبعض الناشطين السياسيين، والتي كشفت عن سعي جدي منه لأن يكون رئيسا لكل الموريتانيين.

خلقت هذه اللقاءات مناخا سياسيا هادئا، سادت معه أجواء توافقية ربما للمرة الأولى، وأسست لممارسة سياسية راقية، يُحفظ فيها للمعارضة حقها الدستوري في الشراكة والتشاور.. ممارسة لا تمثل فيها المعارضة جرما، ولا تمنح فيها الموالاة حصانة.

هذه الملفات الثلاثة وتطوراتها تؤشر لأمر بالغ الأهمية هو أن تغييرا يجري، وأن البلد في ظل قيادته الحالية سيشهد نقلة سياسية مهمة، يتخلص فيها في الوقت نفسه من أعدائه من الأبناء الفاسدين الذين عرقلوا مسيرته التنموية بإفقار شعبه وتجهيله، وأبنائه الذين مَردوا على بيع الدين، واستغلاله لأغراض سياسية، حتى وإن تطلب الأمر قتل نفس زكية بأدويتهم المزورة الفاسدة.

لا جدال في كون موريتانيا من أغنى البلدان في محيطها الجغرافي، لكنها ابتليت بطبقة سياسية هي الأكثر فسادا في العالم… من يمكنه التصديق أن بلدا يملك ثروات كبيرة من الذهب والنحاس والغاز وأجود حديد في العالم وأغنى شواطئ العالم بالسمك وثروة حيوانية وزراعية كبيرة وعدد سكانه أربعة ملايين نسمة يمكن أن يكون أبناؤه جوعى ومشردين ومهاجرين؟

لبّ المشكل يكمن في الطبقة السياسية المهيمنة، التي لم تضع منذ البدء لبنة قط في بناء البلد.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:



الاحتجاجات العراقية مستمرة.. آخر تطوراتها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-05

توافد آلاف المتظاهرين إلى ساحة التحرير وسط بغداد، الخميس، وشارك في التظاهرات عدد من مناصري الحشد الشعبي، رافعين شعارات مؤيدة للمرجع الشيعي الأعلى في العراق، علي السيستاني.

وذكرت مصادر من ساحة التحرير نقلت عنهم "العربية"؛ أنّ التظاهرة خرجت بحجة دعمها للاحتجاجات السلمية المطالبة بالحقوق المشروعة للعراقيين، وقطع الطريق على "المخربين"، مبدية تخوفها من إمكانية حصول أيّة احتكاكات أو صدامات، ما قد يشكل خطراً على المتظاهرين الذين ما يزالون منذ أكثر من شهر في ساحات بغداد.

التظاهرات في بغداد تستمر، بمشاركة عدد من مناصري الحشد الشعبي الذين رفعوا شعارات مؤيدة للسيستاني

هذا واستمرت أيضاً التظاهرات في المحافظة الجنوبية، وسط دعوات لعدم وقفها حتى تحقيق المطالب.

ونقلت وكالات أنباء محلية؛ أنّه تمّ فتح جميع الجسور في الناصرية (مركز المحافظة) باستثناء جسر الزيتون الذي سيغلق مدة أربعين يوماً، حداداً على أرواح القتلى الذين سقطوا خلال الاحتجاجات.

من جهته، أكّد قائد عمليات الرافدين، اللواء جبار الطائي، بحسب ما أفادت وكالة الأنباء العراقية؛ أنّ الوضع الأمني في ذي قار مستتب والدوائر الرسمية والمؤسسات ستشهد عودة الدوام الرسمي.

فتح جميع الجسور في الناصرية باستثناء جسر الزيتون الذي سيغلق مدة أربعين يوماً حداداً على أرواح قتلى الاحتجاجات

كما شدّد على أنّ جميع الدوائر الرسمية تحت حماية قوات الأمن في الوقت الحالي، مضيفاً أنّ "هناك تعاوناً كبيراً مع المتظاهرين في ساحة الحبوبي".

وكانت مدينة الناصرية، مركز محافظة ذي قار، قد شهدت، الأسبوع الماضي، احتجاجات دامية أدّت إلى مقتل العشرات، ما أثار غضب الأهالي والمحتجين؛ حيث عمد بعضهم خلال الأيام الماضية إلى مهاجمة مركز الشرطة، قبل أن تتدخل بعض الوساطات العشائرية والمدنية بهدف تهدئة الأوضاع.

وأعلنت نقابة المحامين في المحافظة بوقت سابق رفع 200 دعوى قضائية ضد رئيس خلية الأزمة في محافظة ذي قار، الفريق جميل الشمري، من قبل ذوي الضحايا في المحافظة.

 وفي وقت سابق؛ أصدر القضاء مذكرة قبض بحق الفريق جميل الشمري، رئيس خلية الأزمة في ذي قار، المبتعث من قبل رئيس الوزراء المستقيل، عادل عبد المهدي.

يذكر أنّه في 27 و28 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، شهدت الناصرية أحداثاً دامية أدّت إلى مقتل 32 محتجاً.

مفوضية حقوق الإنسان تعلن ارتفاع حصيلة ضحايا الاحتجاجات إلى 460 قتيلاً وأكثر من 17 ألف جريح

وعقب ذلك؛ أعلن مجلس القضاء الأعلى في العراق، تشكيل لجنة للتحقيق في تلك الأحداث، وقال المتحدث باسم المجلس، عبد الستار بيرقدار، في بيان مقتضب في حينه: إنّ "مجلس القضاء الأعلى شكّل هيئة تحقيق مكونة من ثلاثة من نواب رئيس محكمة استئناف ذي قار، للتحقيق العاجل في عمليات قتل المتظاهرين خلال اليومين الماضيين".

ويشار إلى أنّ مفوضية حقوق الإنسان في العراق أعلنت، أمس، ارتفاع حصيلة ضحايا الاحتجاجات خلال الشهرين الماضيين إلى 460 قتيلاً وأكثر من 17 ألف جريح.

ويشهد العراق، منذ الأول من تشرين الأول (أكتوبر)، تظاهرات حاشدة ومتواصلة في بغداد، والمحافظات الجنوبية، مطالبة برحيل النخبة السياسية المتهمة بالفساد وهدر أموال الدولة، والتي تحكم البلاد منذ إسقاط نظام صدام حسين، عام 2003.

 

للمشاركة:

إجراءات قطرية جديدة لمواجهة الأزمة الاقتصادية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-05

اتخذت دولة قطر مؤخراً حزمة من الإجراءات، في محاولة لتجاوز الأزمة التي تخيم على اقتصادها، بسبب مقاطعة الدول الرباعية.

وقال مصدر مطلع، اليوم: إنّ قطر حددت بأثر رجعي سعر البيع الرسمي لخامها البحري، لشهر تشرين الثاني (نوفمبر)، عند 65.95 دولار للبرميل، بارتفاع 3.15 دولار عن الشهر السابق، وفق "رويترز".

 

 

وكانت قد ارتفعت أسعار التأمين البحري على البضائع وأجسام السفن بنسب تتراوح بين 50 و500%، خلال الربع الثاني من العام الجاري، بعد عمليات الاستهداف التي طالت أكثر من ناقلة في المنطقة خلال الفترة الماضية، واستمرار التهديدات الإيرانية باستهداف ناقلات النفط ومنع تصديره عبر الخليج العربي ومضيق هرمز.

هذا وتشهد قطر، هبوطاً ملموساً في مختلف القطاعات المؤلفة للاقتصاد المحلي، وسط شحّ في وفرة السيولة، خصوصاً في النقد الأجنبي في السوق والقطاع المصرفي.

قطر تحدّد سعر البيع الرسمي لخامها البحري بــ 65.95 دولار للبرميل، بارتفاع 3.15 دولار عن الشهر السابق

وتواجه دولة قطر أزمة اقتصادية خانقة جراء المقاطعة الرباعية؛ إذ تأثرت جميع القطاعات الحيوية في البلاد، وأدّت إلى هبوط كبير في أحجام أنشطة القطاعات التي تدر دخلاً بالعملات الأجنبية، مثل: الطيران المدني، والسياحة، والتصدير، إلى جانب تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وغير المباشر الوافد إلى قطر، نظراً إلى تخوف المستثمرين من ظروف عدم الاستقرار التي قد تتعرض لها في ظلّ الأزمة، الأمر الذي فاقم الدين العام ليقفز إلى 91.7 مليار دولار، بنهاية تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، ورفع الدين الخارجي لقطر خلال عام 2018، بنسبة 37% على أساس سنوي؛ إذ سجّل ما يعادل 43.2 مليار دولار، مقارنة بنحو 31.6 مليار دولار في 2017، بحسب بيان صادر عن مصرف قطر المركزي.

ورغم شحّ السيولة؛ فإنّ قطر واصلت استنزاف الأموال من السوق المحلية، وضخّها في سوق السندات الأمريكية، في محاولة لشراء المواقف الدولية.

 

 

للمشاركة:

القوات اليمنية تصدّ هجمات حوثية وتكبّدهم خسائر كبيرة..تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-05

قتل عشرات، وجرح آخرون، من ميليشيات الحوثي الإرهابية، أمس، خلال تصدي القوات المشتركة لهجوم شنته الميليشيات على مدينة حيس، وآخر في الجبلية بالتحيتا جنوب محافظة الحديدة.

وذكرت المصادر الميدانية في مدينة حيس، وفق ما نقلت صحيفة "المشهد" اليمنية؛ أنّ مليشيات الحوثي تركت جثث عشرات القتلى من مسلحيها الذين هاجموا مواقع القوات المشتركة شرق وشمال مدينة حيس.

وهرب مشرفو الميليشيات تاركين جثث قتلاهم المهاجمين بالقرب من مواقع القوات المشتركة.

مقتل وإصابة العشرات من ميليشيات الحوثي خلال تصدي القوات المشتركة لهجوم شنته على مدينة حيس والحديدة

وتصدّت القوات المشتركة لهجمات ميليشيات الحوثي على مواقعها شرق وشمال مدينة حيس، بالتزامن مع تصدّيها لهجوم آخر شنته المليشيات على مواقع القوات في منطقة الجبلية جنوب مديرية التحيتا.

وأضافت المصادر العسكرية؛ أنّ القوات المشتركة كبّدت ميليشيات الحوثي خسائر فادحة في العتاد والأرواح، خلال عملية التصدي للهجمات التي شنّتها المليشيات على تواصل مع التصعيد العسكري المستمر.

هذا وتحاصر القوات اليمنية الموالية للشرعية في محافظة الحديدة مليشيات الحوثي الانقلابية، بدعم من التحالف العربي بقيادة الممكلة العربية السعودية، منذ أواخر حزيران (يونيو).

ومن اليمن أيضاً؛ قالت مصادر محلية في صنعاء إنّ ميليشيات الحوثي الانقلابية قامت بتوجيه معلمات مواليات لها لتجنيد طالبات المدارس في مجموعة خاصة، تسمى (مرشدات)، حيث تخضع المستهدفات بعد تعبئة استمارة لبرنامج تدريبي بدني وعسكري قاسِ .

ميليشيات الحوثي الانقلابية توجّه معلمات مواليات لها لتجنيد طالبات المدارس في مجموعة خاصة

وأكدت المصادر أنّ ميليشيات الحوثي الانقلابية لجأت مؤخراً إلى تجنيد الطالبات في بعض مدارس أمانة العاصمة، وذلك من خلال توجيه تلقته المعلمات في المدارس .

هذا وتخضع الطالبات لتدريب عسكري شاقّ، ولفتت المصادر أيضاً إلى أنّ التسجيل يجري علناً داخل الفصول الدراسية في مدرسة القديمي، الواقعة في حي الجراف، وذلك بإشراف معلمة من مليشيات الانقلاب، تدعى "أمة الإله عبد الملك شرف الدين"؛ حيث تقوم هذه المعلمة بتدريب الطالبات عسكرياً، وتشرف على عمليات التجنيد في المدرسة.

 

للمشاركة:



ما الفرق بين احتجاجات الإيرانيين الحالية وسابقاتها؟ وما النتائج المحتملة؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-12-05

ترجمة: مدني قصري


بعد أن حلّل الباحث المشارك بجامعة لييج، ميشيل ماكينسكي، في الجزء الأول من الحوار، الأسباب المباشرة والأكثر عمقاً لاحتجاجات إيران الجارية منذ 15 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، وردود الفعل من جانب السلطة، يعود في هذا الجزء إلى المتظاهرين وعددهم وأصولهم الجغرافية.

اقرأ أيضاً: قراءة عميقة في أسباب احتجاجات الإيرانيين الحالية
ويستحضر ماكينسكي، وهو مسؤول قانوني سابق في مجموعة دولية، ورئيس تنفيذي لشركة Ageromys International، في هذا الحوار مع موقع Les clés du Moyen-Orient، أحداث عامي 1999 و2009 ويوضح مدى اختلاف الحركات الحالية تماماً، من حيث تأثيرها على فئات متواضعة يائسة تتدهور ظروفها المعيشية إلى مستوى لا يطاق.

هنا نص الحوار:

كم عدد المتظاهرين، حسب تقديرات السلطة؟ حسب المنظمات غير الحكومية؟ ما هي المدن التي تتأثر بهذا الشغب؟
ذكرت Iranhumanrights.org في 19 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي أنّ الاحتجاجات بدأت في 15 الشهر الماضي، في أكبر 50 مدينة في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك قزوين وتبريز وأوروميا، وسافه. وذكرت وكالة فارس في 18 الشهر نفسه أنّ حوالي 87000 شخص، وفقاً لأجهزة الاستخبارات، شاركوا حتى ذلك الحين في المظاهرات. وهي تدعي أنّ عصابات من مثيري الشغب المدرّبين هي المسؤولة عن أعمال العنف. وذكرت فارس 1000 حالة اعتقال. وذكرت نفس المصادر مجموعات من 50 إلى 1500 شخص تجمّعوا في 100 مدينة. زُعم أنّ معظم الأضرار حدثت في محافظات خوزستان وطهران وفارس وكرمان. ووفقاً لوكالة فارس فإنّ مستوى العنف والتدهور، أعلى من مستوى عنف شتاء 2017/2018. وأبلغ مسؤولو حفظ النظام، من جانبهم، عن تجمّعات في مشهد وسيرجان وخوزستان (على الرغم من وجود النفط، فهي منطقة فقيرة)، بما في ذلك الأهواز. وتؤكد مصادر أخرى (حقوق الإنسان في إيران) أنّ اضطرابات كثيرة قد اندلعت بالفعل في مناطق كثيرة. وذكر شاهد علوي (إيران واير)، أصفهان، ودزفول، وعميدية.

في شيراز، يوم السبت، 16 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، تسبّبت وفاة الشاب مهدي نيكوي في حدوث ردود فعل عنيفة. في خرمشهر، وفقاً لنفس المصادر، تصاعدت الاضطرابات وقتل شخصان، أحدهما شاب، على أيدي الشرطة. وكذلك الأمر في بهبهان التي شهدت 3 ضحايا.

اقرأ أيضاً: الإيرانيون كسروا "حاجز الخوف" بمظاهراتهم
محافظة كردستان الإيرانية هي أيضاً مضطربة للغاية، خاصة في سنندج، عاصمتها، وكذلك جافانرود في محافظة كرمانشاه، وماريفان، وفقاً لهينغاو، المنظمة الكردية للدفاع عن حقوق الإنسان. كما تستشهد منظمة العفو الدولية، في تعدادها الذي بلغ 106 ضحايا، بالمواقع التالية: الأهواز، عبادان، بندر، مشهر وضواحيها  وهبهان، وبوكان، وبومهان، وأصفهان، وإسلامشر، وجافانرود، زكاراج، وكذلك كرمانشهر، وخورامشهر، وماريوان، وراهمورمز، ورباط كريم، وصدرة، وساننجاي، وشهريار، وشيراز، وسرجان، وطهران.

احتلت الشعارات ضد رجال الدين الذين يهيمنون على البلاد والداعية إلى سقوطهم حيّزاً مرئيًا في المسيرات

وقد ذكر راديو فاردا أيضاً الأحياء الفقيرة في مالارد، وشهر القدس Shahr Qods ، وشاردانجه قايل حسن خان وإسلام شهر في جنوب غرب طهران. يعكس هذا التوزيع التقسيم الكلاسيكي للحاضرة الكبرى. ومما لا يثير الدهشة، أنّ الأحياء "الميسورة" في الشمال لم تتحرك أو لم تتحرك كثيراً، كما في شتاء 2017/2018.
ليس من المستغرب، كما تلاحظ إيران واير  Iranwire، أنّ وكالات الأنباء الإيرانية لا تُنتج نفس أصداء أعمال الشغب التي وقعت في 16 تشرين الثاني (نوفمبر) الكاضي. يلاحظ شاهد علوي أنّ البعض قاموا بالإبلاغ ولكن ليس بنفس الطريقة التي أبلغ بها الأفراد على الشبكات الاجتماعية. وقد أمرت الوكالات الحكومية بعدم ذكرها. لقد ذكرت وكالة ايرنا IRNA الاضطرابات في سرجان دون ذكر الضحايا. لكن بعد أربعة أيام من المظاهرات، اعترفت وسائل الإعلام المرتبطة بالنظام بوجود اعتقالات واسعة النطاق: في بعض المدن الكبرى، تم إجراء المئات من الاعتقالات، بما في ذلك أكثر من 60 في يزد. وقد أشار المتحدث باسم القضاء إلى أنّه قد تم اعتقال 100 من "قادة المظاهرات".

هل الحركة الحالية جزء من الحركة الطلابية لعام 1999 و"الموجة الخضراء" لعام 2009؟
من الواضح أنّ هذه الحلقة الجديدة لا علاقة لها بالحركة الطلابية لعام 1999، أو بأعمال الشغب والقمع الدموي الذي أعقب الاحتجاجات الهائلة للانتخابات الرئاسية لعام 2009، والتي سمح التلاعب فيها بالنصر الاحتيالي لفائدة أحمدي نجاد. لا تتشابه التركيبة الاجتماعية للمتظاهرين في تشرين الثاني (نوفمبر) 2019 لا مع مطالب الحركات الطلابية لعام 1999 ولا مع رفض المصادرة المدبرة من قبل المرشد وحراس الثورة لانتصار مرشح إصلاحي في 2009.

اقرأ أيضاً: ما سر دعم إيران لحركتي حماس والجهاد؟
نحن أمام وجود انفجار شعبي عبّأ فئات يائسة متواضعة تدهورت ظروفها المعيشية إلى مستوى لا يطاق. إن سكان المناطق الفقيرة في البلاد، والأحياء الفقيرة فيه، هم الذين خرجوا إلى الشوارع. لقد وصلوا إلى القشة التي قصمت ظهر البعير من خلال الإعلان عن زيادة في الوقود والغاز التي ستخنقهم بشكل لا يطاق، مما يهدد وسائط تنقلهم نحو عملهم دون حل بديل، ومع الزيادات الأخرى التي ستدمّرهم. لقد غضب هؤلاء الناس المتواضعون من هذه التدابير التكنوقراطية.

على النقيض من ذلك، من الواضح أنّه في مدينة ضخمة مثل طهران، لم تشارك الطبقة البرجوازية في هذه المظاهرات الاحتجاجية، حتى وإن تأثرت ظروفها المعيشية بعواقب العقوبات، في المظاهرات الجارية. هؤلاء الأثرياء يخشون، مثل قادة البلاد، الاضطرابات والعنف التي قد تنجر عنها عواقب وخيمة. باختصار، هذه الطبقة الثرية لا تشعر بأنّها تتأثر بشكل حيوي بالشعارات والمطالب، حتى لو كانت فكرياً تفهم مضمون بعض هذه الشعارات. وصحيح  أيضاً أنّ الطلاب قد تحركوا قليلاً، خاصة في جامعة طهران وأصفهان وشيراز، لكنهم لا يمثلون الجزء الأكبر من المتظاهرين. يمكننا الاعتقاد أنّهم انضموا إلى المواكب المتظاهرة؛ لأنّهم لم يعودوا قادرين، مثل الآخرين، على تلبية احتياجاتهم الأساسية.

اقرأ أيضاً: المصالحة السعودية الإيرانية.. هل هو سيناريو واقعي؟
لسنا إذن أمام مطلب ديمقراطي ذي أولوية كما كان الحال في عامي 1999 و 2009. إنّه ضرورة اقتصادية ملحّة من أجل العيش والبقاء. لا يطالب المتظاهرون أوّلاً بحرية التعبير، وبالإصلاحات للمجتمع المدني، وبمكانة أفضل للنساء. إنّهم يريدون أن يكونوا قادرين على دفع تكاليف النقل والغذاء والمأوى والأدوية. الإيرانيون غاضبون؛ لأنّهم يرون أنّ الأموال تُستخدم لأغراض أخرى لا تهمّهم: التدخلات في سوريا والعراق واليمن ودعم حزب الله ومجموعات أخرى ومساعدة حماس إلخ.

اعتمادات مالية لمساجد مهجورة
المتظاهرون يشعرون بالسخط بسبب الإعانات والاعتمادات المالية المقدمة للهياكل الدينية التي يرون وكأنها طفيليات (إيران بلد غالباً ما تكون مساجدها مهجورة خارج المهرجانات الكبرى) ولرجال الدين الذين لا يطيقون إملاءاتهم. إنهم لا يفهمون لماذا يتم تمويل العديد من الهياكل (المؤسسات، منظمات الحرس الثوري) بشكل غير متناسب والتي لا تدفع ضرائب، أو تدفع قليلاً. إنّهم لا يطيقون قضايا الفساد التي يظل مرتكبوها دون عقاب؛ لأنّهم محميون من شخصيات بارزة في النظام. أخيراً، هناك ظاهرة كلاسيكية، وهم السكان البسطاء، خاصة في المقاطعات، الذين يقوضهم الشعور بتخلي السلطة المركزية غير المبالية بأوضاعهم، عنهم، إلا عندما يتعلق الأمر بقمع تعبير سخط الساخطين.

لم تشارك الطبقة البرجوازية في مدينة ضخمة مثل طهران في هذه الاحتجاجات حتى وإن تأثرت ظروفها المعيشية بالعقوبات

إذا كان هؤلاء الساخطون ينتقدون الأمريكيين، فسخطهم لا يكون إلا فيما يتعلق بالعقوبات التي يرونها غير عادلة، والتي هم أول ضحاياها، في حين محظوظو النظام لا يتأثرون بعواقب العقوبات؛ بل ويستفيدون منها. إنهم يأخذون على الدولة سياستها الخارجية المتمثلة في التحدي والتي تؤدي إلى خنق البلد، وبشكل خاص أكثرها فقراً: فهذا الاحتجاج يسير في خط موجة أحداث شتاء 2017/2018 التي ترتبط بها بالعديد من أوجه التشابه وبعض الاختلافات النادرة. وفقاً لمريم سيناي (راديو فاردا)، يمكننا أيضاً مقارنة التطورات الأخيرة بأعمال الشغب في الأحياء الفقيرة في مشهد عام 1992 وإسلامهار، وهي من ضواحي طهران، في عام 1995 عندما أدت إصلاحات الرئيس رفسنجاني إلى زيادة التضخم إلى 50 في المائة.
وفي أحداث 2017/2018؟
كما في كانون الأول (ديسمبر) 2017، فإنّ "الأخبار السيئة" هي التي أشعلت أحداث العنف (2017، ارتفاع أسعار البيض، 2019 زيادة في سعر الوقود والغاز). في كلتا الحالتين، ضخّم اللومُ والانتقادات التي ذكرناها للتو، حجمَ السخط. وبالمثل، فإنّ التعبئة موجودة بشكل أساسي عند المجموعات السكانية المتواضعة، حتى لو اعتبر بعضُ المحللين أنّ تشرين الثاني (نوفمبر) 2019 قد جمع فئات على نطاق أوسع قليلاً. إنّ إلقاء القبض على العديد من النشطاء النقابيين، بما في ذلك سبيده قليان Sepidehh Qolian، قد يوحي بذلك، لكن ليس لدينا ما يكفي من العناصر لتقدير حجم ذلك. لقد ازداد التدهور السريع للاقتصاد منذ فصل الشتاء السابق. إنّ شدة العقوبات (الحد الأقصى من الضغط) منذ الانسحاب الأمريكي، وانهيار الريال، والتضخم الذي يتصاعد بشكل كبير، كل هذا ينذر بالخطر (حوالي 40 ٪ ، ويصل إلى 70 ٪ مع بعض السلع)، أضرت أكثر بالمحرومين ( ارتفاع النسبة المئوية للأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر) ولكنها تُوسّع أيضاً عدد السكان المعنيين.

لذلك ليس من المستغرب أن ينعكس هذا في علم اجتماع المتظاهرين. فكما كان الحال في 2017/2018، فإنّ امتيازات المؤسسات وبعض الهياكل التي ذكرناها للتو أعلاه، تعتبر في نظر الشعب غير محتملة. ولا يُستثنَى المرشد من ذلك. وكما أشار علي فتح الله نجاد في 19 تشرين الثاني (نوفمبر) في مذكرة من معهد بروكينجز، فإنّ الادعاءات والشكاوى التي رافقت احتجاجات الشتاء السابق لا تزال قائمة.

اقرأ أيضاً: عُمان والكويت والإمارات تتحدث عن "فرصة" دبلوماسية مع إيران.. ما سياقها؟
الأحداث الأخيرة لا تُظهِر أعراضاً عن وجود تنسيق واضح من أي جهة. باختصار، فكما في المشهد السابق، لا يوجد "قائد جوقة" لا في الداخل أو في الخارج، ولا حتى "مؤامرة أجنبية". لا تزال الطبيعة التلقائية للحركات نقطة مشتركة (يمكننا مع ذلك أن نتساءل عن الأعمال العنيفة النادرة من جانب المتظاهرين الذين لم يتضح أصلهم بعد: يائسون، ساخطون أو عملاء محرضون من المحافظين المتطرفين و / أو المصالح الموازية؟). ذكرت مريم سيناء أنّ المحتجين والمعارضين تحدوا الرواية الرسمية للمسؤولية عن أعمال العنف. إنّهم ينسبونها إلى عملاء الحرس الثوري وعملاء "مصالح" في زي مدني.

وفقاّ لها (أي مريم سيناء)، فهم يذكّرون أنّ حراس الثورة مثل الباسيج يمارسون بانتظام "مناورات حضرية" في المدن الكبيرة للتحضير لتحييد وإبطال مفعول المظاهرات. من جانبنا، لا يمكننا أن نحسم هذه القضية. لقد وجدنا أيضاً في الفترة الأخيرة امتناع الإصلاحيين و"المعتدلين" (أتباع روحاني) الذين لم يوافقوا على المطالب الاقتصادية وكانوا، هذه المرة، أكثر تردداً في الانضمام إلى الإجراءات التي تميزت بتجاوزات عنيفة.

اقرأ أيضاً: النظام الإيراني يواجه أخطر أزمة في تاريخه
كما في عام 2017، لم تقتصر الشعارات على المطالبة بظروف معيشية أفضل. لقد وسّع المتظاهرون موضوعات شعاراتهم لتشمل مؤسسات ورؤساء النظام. لم تنجح الثورة في القضاء على الفقر، ومرة أخرى بدأ الشعب هذه المرة يفضح رؤوس النظام دون تمييز، معتدلين كانوا أو "متشددين". إنّه ينتقد روحاني، ولكن خامنئي أيضاً، ولا يتردد في حرق صور الرئيس كمرشد، ويصفه أحياناً كطاغية. سمعنا مرة أخرى: "عار على الطغاة" و"عدُوّنا موجود هنا، وليس في الولايات المتحدة" و"مباركة روح الشاه". هذه الشعارات والأعمال، اليوم كما كان الأمر من قبل، تشكل تحدياً للنظام، وليست مجرد امتداد للسخط الاجتماعي.

تجدر الإشارة إلى أنّ استحضار الشاه لا يعكس حركة جماهيرية تدعو إلى عودة الملكية، على عكس بعض الأوهام على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، ولكن حركة تطالب بنهايةٍ شيطانية مطلقة. في الواقع، هاجم غاضبون ساخطون ما يقرب من 9 مقرات دينية ومكاتب صلاة الجمعة في جميع أنحاء البلاد. لقد احتلت الشعارات ضد رجال الدين الذين يهيمنون على البلاد والداعية إلى سقوطهم ("يجب أن يذهب رجال الدين إلى الجحيم")، كما من قبل، حيّزاً مرئيًا في المسيرات. يعتقد بعض المحللين أنّ هذه الهجمات تستهدف بالدرجة الأولى رجال الدين وليس الدين. لا تزال الاستمرارية موجودة في تحدي الالتزامات الإقليمية لإيران: أريد أن أعيش من أجل بلدي وليس لغزة، والمال للبلاد ليس للحرب، إلخ. الأجنبي لا يهم الشعب الذي يريد أن يُهتمّ به.

الإيرانيون غاضبون لأنهم يرون أنّ الأموال تُستخدم لأغراض أخرى لا تهمّهم كالتدخلات بسوريا والعراق واليمن ودعم حزب الله

مقارنة بموجات 2017/2018، يمكننا أن نسجل بعض الاختلافات. لم تكن نقطة الانطلاق مكاناً رمزياً ثابتاً مثل مشهد؛ حيث بدا أنّ إحدى مبادرات المتشددين بدأت لكي تتحدى روحاني في البداية، قبل أن تفلت من مروجيها تماماً.
ثانياً، في عام 2019، استعادت السلطات سريعاً سيطرتها على الموقف؛ حيث أعاق إغلاق الإنترنت التعبئة بشكل كبير. لكن على العكس من ذلك، وفقاً لعلي فتح الله نجاد، فقد ارتفع عدد المتظاهرين الذين قدرتهم الدولة بـ 42000 (وفقاً لوزارة الداخلية) إلى 87000 (وفقاً لجهاز الاستخبارات). هذا المحلل يلاحظ زيادة هائلة للمتظاهرين في شوارع طهران.
لقد ظهر اختلاف آخر ملحوظ: القمع الذي صار أكثر عنفاً؛ فالسلطات تريد أن تخنق هذه الحركة مباشرة قبل أن تتنامى وتعظم. لكن بشكل متماثل، وفقاً لنفس الخبير، أظهر المتظاهرون تصميماً متساوياً؛ حيث واجهوا دون خوف ودون تراجع قوات الشرطة، معبّرين عن غضبهم بشكل أكبر وأعمق بكثير. كانت حملة القمع معقدة بسبب تشتت المتظاهرين. لم يترددوا كثيراً في حرق صور المرشد، لكنهم هاجموا تمثال الإمام الخميني الأيقوني. كما هاجموا بعزم مكاتب الشرطة والباسيجي، ومكاتب أئمة المساجد، والبنوك.

لم تمنع هذه الأعمال القمعية الأكثر عنفاً، حسب المصادر نفسها، أنّ المظاهرات في مجملها كانت سلمية، حتى عندما كانت قوات الأمن تُفرِّقها بقسوة غير عادية. يبقى أنّ هذه الحلقة تترك قلقاً واضحاً حتى في داخل صفوف الجيش، حيث يدرك الموظفون فيه الصعوبات الاقتصادية التي يعاني منها أقاربهم. أخيراً، يبدو أنّ جهات فاعلة جديدة قد ظهرت في هذا المشهد. إضراب البازار، الذي بدأ في ظروف لا تزال غير واضحة، حيث لوحظت اضطرابات كثيرة، وهي ظاهرة يجب رصدها.

ماذا يمكن أن تكون العواقب نتيجة لهذه الحركات؟
سيث جونز Seth Jones ودانيكا نيولي Danika Newlee، وهما مؤلفان (CSIS) لدراسة مقارنة حديثة للاحتجاجات في إيران، لا يؤمنان عموماً بسيناريو انهيار النظام؛ لأن هذه الحركات لا مركزية للغاية، ومصالح الأمن المسؤولة عن القمع قوية جداً. لكنهما يشيران إلى أنّ الإدامة الخطيرة للمظالم تفرض على السلطات العامة أن تأخذها في الاعتبار بسرعة.
يبقى في رأينا، أنّ عوامل داخلية وعوامل خارجية خاصة تضيف عدم يقين إلى أي سيناريو: تطور الأزمة العراقية حيث أصبح الحِملُ الإيراني المهيمن محل خلاف أكثر فأكثر، وبداية محتملة للحوار لتخفيف التوتر مع العربية السعودية.

اقرأ أيضاً: هل تقرر انتفاضة العراق مصير النفوذ الإيراني بالمنطقة؟

لا يمكن للمرء التكهن بإمكانيات التفاوض الناجح بين طهران وترامب في ظل ظروف غامضة لكلا الجانبين، لكن لا شيء مستبعد. إنّ الانسحاب التدريجي لإيران من الاتفاق النووي هو السؤال الذي يطرح نفسه داخلياً (يدفع المتطرفون والباسدران في هذا الاتجاه) وخارجياً على السواء. إنّ مخرجاً كاملاً قد يُعقّد بشكل خطير علاقات إيران مع بقية العالم. إنّ أيّ تحسن محتمل لأي حوار مالي مشروط باعتماد البرلمان الإيراني لقوانين مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بما في ذلك الانضمام إلى اتفاقية باليرمو، التي طلبتها فرقة العمل المالية لشهر شباط (فبراير) 2020 ، والتي يعارضها المتشددون وحراس الثورة. الباسدران، على وجه الخصوص، يرفضون التخلي عن دعم حزب الله.
الأمر متروك للمرشد لكي يتخذ القرار ويحسم الأمور. هناك حالة عدم يقين رئيسية أخرى: الانتخابات التشريعية القادمة المقرر إجراؤها في الربع الأول من عام 2020. فالأغلبية الحالية، كتلة المحافظين البراغماتيين التابعة لعلي لاريجاني، ومعتدلي روحاني، والإصلاحيون الضعفاء والمنقسمون، متصدعة للغاية لصالح المحافظين الأكثر تشدداً. لا نعرف ما إذا كان علي لاريجاني سيمثل نفسه، في حين يحاول المرشدون، والباسدران، ومتشدّدو النظام، تهميشَ وإقصاء جميع عائلة لاريجاني، بمن فيهم صادق لاريجاني، الرئيس السابق لهيئة القضاء، المتهم بالفساد. كل ذلك في سياق خلَفِ المرشد حيث يمثل الريسي، رئيس السلطة القضائية، الشخصَ المفضل عند خامنئي، دون أن يكون محصناً أمام المنافسين.

في هذه الفترة من عدم اليقين المتعدد، فمن المفارقات أنّه لا يمكن أن نوصي الشركات، مع الحذر الواجب واحترام العقوبات، بالحفاظ على العلاقات مع شركائهم في سياق معقد للغاية. إنّ ندرة اليورو في إيران تزن بثقلها الكامل. بالنسبة للمجموعات المصدرة التي تنتمي إلى القطاعات غير الخاضعة للعقوبات (المنتجات الزراعية، المواد الغذائية الزراعية، الأدوية)، من الضروري مراقبة التنفيذ التدريجي لأداة اينستكس Instex (1) الأوروبية. هذه الأداة لا تستبعد استخدام آليات أخرى غير مصرفية (مثل المقاصة أو إعادة شراء الذمم المدينة، إلخ) التي يعمل عليها مختلف الخبراء. بالنسبة للشركات التي تمتنع عن أي صفقة مع إيران، يُنصح بتطوير علاقات غير رسمية غير تعاقدية (في القطاعات المعفاة)، مثل زيارات الوفود والدورات التدريبية المجانية، إلخ.

اقرأ أيضاً: إيران، العراق، لبنان... المسألة الشيعية
الهدف من ذلك هو الحفاظ على علاقة مستمرة مع المحاورين الإيرانيين حتى يكونوا قادرين على استعادة التعاون والمعاملات في وقت لاحق في المستقبل، وإذا تم تطبيع الوضع على المدى المتوسط، وفي حالة رفع العقوبات. هذه مجرد فرضية، لكن من غير المرجح أن تختفي إيران كدولة صناعية حتى على الرغم من الهزات غير المريحة. لا يمكن قول الشيء نفسه عن جميع دول شبه الجزيرة العربية. ليس من العبث الرهان على مستقبل أمة تمتلك ثاني احتياطي الغاز العالمي.
 


الهوامش:
(1) اينستكس   INSTEXآلية دعم التبادل التجاري : Instrument in Support of Trade Exchanges، هي آلية مالية خاصة (SPV) أسستها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا في 31 كانون الثامي (يناير) 2019 لتسهيل التبادل التجاري مع إيران بعملة غير الدولار. يقع مقر الشركة في باريس، فرنسا، ويرأسها المصرفي الألماني بير فيشر المدير السابق لكومرتس بنك، بين عامي 2003 و 2014. في أيار (مايو) 2019، اقتصر استخدام آلية دعم التبادل التجاري على السلع الإنسانية؛ مثل شراء الأغذية أو الأدوية المحظورة..
في 11 شباط (فبراير) 2019، قال نائب وزير الخارجية الروسي سيرجي ريابكوف أنّ بلاده ستسعى للمشاركة الكاملة في الآلية المشتركة لتسوية الحسابات المالية مع إيران، اينستكس.


مصدر الترجمة عن الفرنسية: lesclesdumoyenorient.com

للمشاركة:

ما هي أفضل الدول في مجال التعليم على مستوى العالم؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-05

غالبا ما نطرح على أنفسنا هذا السؤال: ما هي الدولة صاحبة أفضل نظام تعليمي على مستوى العالم؟

لكن ربما تخلو أي إجابة محددة عن ذلك السؤال من الموضوعية، مما قد يجعل "برنامج التقييم الدولي للطلاب" (بي آي إس إيه) مؤشرا جيدا ربما يفيد في التوصل إلى الإجابة المطلوبة.

ويتكون هذا المؤشر من سلسلة من الاختبارات الدولية التي وضعتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ويخضع لتلك الاختبارات، منذ إطلاق البرنامج في عام 2000، طلاب في سن الخامسة عشرة، كل ثلاث سنوات.

وكشفت المنظمة نتائج الاختبارات الأحدث من هذا النوع، التي أُجريت في 2018، والتي أشارت إلى أن الطلاب الصينيين يظهرون أداء فائقا يتجاوز أداء جميع الطلاب من الدول الأخرى في القراءة، والرياضيات، والعلوم.

أرقام قياسية
شاركت 79 دولة وإقليم في هذه الاختبارات، مما يُعد رقما قياسيا. وبلغ عدد عينة الطلاب المشاركين 600 ألف طالب العام الماضي.

وتتكون منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من 37 دولة، أغلبها دول متقدمة، مثل الولايات المتحدة، واليابان، ودول أعضاء في الاتحاد الأوروبي.

لكن عدد الدول التي تريد التعرف على مدى ملائمة طلابها للمعايير الدولية في مجال التعليم يتزايد في الفترة الأخيرة.

وأصبحت هذه الاختبارات، التي تصنف الدول حسب متوسط درجات الطلاب في كل دولة، من أدوات القياس المؤثرة في معايير التعليم الدولي، إذ توفر منظورا مختلفا مقارنة بالاختبارات المحلية.

ويدخل الطلاب تحديات حقيقية أثناء هذه الاختبارات، والتي قد تكون في شكل أسئلة تتناول اتخاذ القرارات المالية السليمة، وتحقيق الاستفادة المثلى من المعلومات.

وعلى سبيل المثال، كان هناك سؤال في اختبارات 2018 يقيس مهارات القراءة، مبني على أساس حوار متخيل على أحد منتديات الإنترنت، وفيه يتساءل صاحب مزرعة دواجن عما إذا كان تناول دجاجه للأسبرين آمنا أم لا.

سيطرة أسيوية
كانت الصين هي صاحبة التصنيف الأعلى في ثلاث من الجولات الأربع الأخيرة في هذه الاختبارات الدولية، لكن كان هناك تحفظ بأن مشاركة الصين كانت مقتصرة على مناطق معينة في البلاد.

واستخدمت السلطات الصينية نتائج الاختبار الخاصة بطلاب منطقة شنغهاي فقط في عامي 2009 و2012. كما استخدمت الصين نتائج الاختبارات التي دخلها الطلاب في أربعة ولايات فقط في عامي 2015 و2018.

وقال أندريا شلايشر، مدير التعليم في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: "في هذه المناطق، أظهر الطلاب الأكثر معاناة من الحرمان الاجتماعي أداء أفضل في القراءة مقارنة بالطلاب العاديين في المناطق التابعة للمنظمة".

وكانت فنلندا هي الدولة صاحبة الأداء الأفضل في النسخ الثلاث الأولى من اختبارات برنامج التقييم الدولي للطلاب في أعوام 2000، و2003، و2006، بينما احتلت سنغافورة الصدارة في اختبارات 2015.

وتتصدر دول آسيوية المراكز الأولى في اختبارات هذا البرنامج، وفقا لحساب جميع الدرجات. ويشير التصنيف الحالي إلى أن دولا آسيوية تحتل المراكز الأربعة الأولى في نتائج تلك الاختبارات بينما تعتبر استونيا الدولة غير الآسيوية الوحيدة التي تصعد إلى المراكز المتقدمة.

وألقت النتائج التي توصلت إليها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الضوء على مخاوف حيال "الجاهزية للعالم الرقمي".

ووفقا لشلايشر، أظهرت نتائج اختبارات برنامج التقييم الدولي للطلاب الأخيرة أن عشرة في المئة فقط من الطلاب المشاركين في الاختبارات من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تمكنوا من التمييز بين الحقائق والآراء الشخصية، أثناء قراءة موضوعات غير مألوفة.

رغم ذلك، أشارت النتائج إلى أن الفجوة التعليمية بين الدول المتقدمة والدول النامية ليست كبيرة كما يعتقد البعض.

وأضاف مدير التعليم في المنظمة: "عندما أجرينا مقارنة بين الدول التي حصلت على نفس الدرجات في اختبارات برنامج التقييم الدولي للطلاب، اكتشفنا أن هناك فجوة واسعة في مستويات الدخل في تلك الدول."

كما كشفت النتائج عن وجود فوارق كبيرة بين أداء النساء والرجال، إذ ثبت أن الفتيات يتفوقن في الأداء على الفتيان في القراءة، ويظهرن تقدما هامشيا عليهم في العلوم (بمقدار نقطتين في المتوسط)، بينما أثبت الفتيان تفوقا على الفتيات في اختبارات الرياضيات ( بنحو خمس نقاط).

عن "بي بي سي"

للمشاركة:

الإيرانيون كسروا "حاجز الخوف" بمظاهراتهم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-05

هدى الحسيني

أهم ما تركته المظاهرات في إيران أنها أبلغت القيادة بأن حاجز الخوف قد تم كسره. بدأت المظاهرات المتقطعة أولاً في العراق، ثم امتدت إلى لبنان، وأدت إلى استقالة رئيسي وزراء البلدين، ثم وصلت إلى شوارع طهران بقوة كبيرة.
وكان قرار اتخذته 3 بلديات منذ نحو 3 أسابيع برفع سعر لتر البنزين بمقدار 5 آلاف ريال، وإدخال نظام الحصص الشهرية المخفضة للوقود، أخرج عشرات الآلاف من الإيرانيين إلى الشوارع، وتحولت المظاهرات العامة الأصيلة والعفوية والتي بدأت بوصفها احتجاجاً مالياً، على الفور إلى معارضة للنظام الذي يستثمر أموال الإيرانيين لترسيخ نفوذه الإقليمي على حساب مواطنيه. في الأسبوع الماضي تعمد «حزب الله» في لبنان نشر فيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي وأعضاؤه يعدّون ملايين الدولارات التي وصلت إلى الحزب من إيران (تقدر بـ75 مليوناً)، كما نشر الحزب شريطاً لأحد أعضائه يقود سيارة وفي داخلها رزم ضخمة من الدولارات وعلى واجهة السيارة صورة الأمين العام للحزب حسن نصر الله، ويستمع إلى أغنية عراقية تمجّد إيران. وكان الأمين العام للحزب قال في إحدى خطبه إن أزمة الدولار التي تعصف بلبنان لن تطال مقاتليه، فإيران هي البنك الذي لا ينضب، وبالتالي لن يعاني الحزب من أي ضائقة. وليس غريباً أن يكون الشعار الأكثر شيوعاً في المظاهرات الإيرانية: «الموت للديكتاتور»، وهذا زاد من قلق النظام إلى حد كبير.
بدأت المظاهرات في عشرات المدن على امتداد جميع أنحاء إيران، بما في ذلك المدن الرئيسية: طهران، وشيراز، وأصفهان. كان سلاح المتظاهرين الشعور بالإحباط من الاحتجاجات الفاشلة سابقاً، لذلك هاجموا قوات الأمن وأغلقوا الطرقات وأضرموا النار في مئات محطات الوقود والمصارف وقواعد «الباسيج» والكليات الدينية، وأحرقوا صوراً لكبار مسؤولي النظام. لقد أدى اليأس والإحباط والكراهية العميقة تجاه النظام التي عبر عنها الإيرانيون، إلى تغذية الاحتجاجات وزيادة حجمها. ووفقاً لوكالات أنباء عدة؛ شارك نحو 100 ألف شخص في المظاهرات، ومع هذا تجاوز مستوى العنف والمعدل الذي انتشرت به الاحتجاجات، ذلك الذي قوبلت به مظاهرات عام 2018، مما جعلها أكثر المظاهرات الاحتجاجية انتشاراً وأهمية منذ عام 2009. يبدو من هذا أنه كلما أصبح الشعب الإيراني أكثر استعداداً لتنفيذ انقلاب، زاد التطرف في التدابير التي يتخذها النظام لقمع الاحتجاجات والمظاهرات بأي ثمن. وكلما استعرت المظاهرات؛ كان قادة النظام يحاولون استرضاء الشعب. ومع ذلك؛ فإن الإجراءات تتحدث بصوت أعلى من الكلمات. وكعادة الأنظمة الديكتاتورية التي تدّعي أنها لا ترى ما يجري في الشارع، أعلن الرئيس حسن روحاني أن الأمة الإيرانية تمكنت من التغلب على تحدي الاحتجاج، وسارع متحدث باسم الحكومة إلى إبلاغ الإيرانيين بأنه لن تتم الموافقة على زيادة تسعيرة الوقود حتى شهر مارس (آذار) من عام 2020.
في الأيام التي تلت تغيرت النبرة وبدأ زعماء النظام الإدلاء بتصريحات علنية بشأن وحشية الأحداث والخطر التي تشكله على النظام. على أرض الواقع كانت هناك بالفعل تقارير عن ارتفاع أسعار الخبز والحليب في المستقبل القريب، فالوضع الاقتصادي المتدهور في إيران لا يبدو جيداً.
سواء تم فرض تدابير اقتصادية جديدة أم لا، وما إذا كانت المظاهرات تشكل تهديداً حقيقياً للنظام أم لا، فهناك شيء مؤكد تغير في المجتمع الإيراني؛ لقد تم «كسر حاجز الخوف» لدى الإيرانيين، فالجدار الذي كان بمثابة ضبط النفس من تطور الاحتجاجات المدنية حتى الآن، تم هدمه، واستعداد الجمهور الإيراني للاشتباك مع قوات الأمن يعني شيئاً واحداً: لم يعودوا يخافون من الخروج إلى الشوارع.
اتخذ النظام تدابير استثنائية عادة ما تكون مخصصة للأحداث الشديدة، مثل استخدام النيران الحية، وتم نشر كثير من قوات الأمن؛ بما في ذلك قوات «الحرس الثوري» التي تولت القيادة في العمليات إلى جانب القوات المسلحة وقوات الأمن الداخلي و«الباسيج» ووزارة الداخلية. احتجز النظام 7 آلاف مواطن في جزء من محاولاته لقمع الاحتجاجات، وتأثر كثير من جوانب الحياة اليومية، بما في ذلك إلغاء الدراسة في المدارس والجامعات، وتأجيل المباريات الرياضية، وإغلاق خطوط المترو، وفرض حظر تجول عام.
كما تم حظر الإنترنت والشبكات الخليوية من أجل جعل تنظيم المتظاهرين بين بعضهم بعضاً أمراً صعباً. كانت هذه محاولة أخيرة من قبل النظام لإخماد نيران المظاهرات ولو على حساب تقويض صورته والتسبب في إضرار بالاقتصاد. حتى بعد ادعاء الدولة أنها أعادت الإنترنت، أبلغ كثير من الإيرانيين عن محدودية الوصول إليه، لا سيما المواقع الإلكترونية والشبكات الخليوية. ورغم أن هذا الإجراء المتطرف قد تعرض لانتقادات شديدة من قبل كثيرين، بما في ذلك احتجاج رسمي من قبل 11 عضواً من أعضاء مجلس الشورى، فإن قرار حظر الإنترنت كان له تأثير حاسم على قمع الاحتجاج في أسبوع واحد فقط، ومع ذلك بقي الجمهور الإيراني يطلق صرخة المعركة. فقد وجدت مقاطع فيديو وصور خاصة للمتظاهرين طريقها إلى العالم، حيث أبلغت العالم بالنطاق الهائل للاحتجاج على النظام والعنف الذي استخدمه النظام لتفريق المتظاهرين. وذكرت منظمة العفو الدولية لحقوق الإنسان مقتل 143 متظاهراً خلال موجة الاحتجاجات، لكن المنظمة لم تكشف عن القتل الجماعي في ماهشهر حيث أحاط «الحرس الثوري» بالمنطقة وقتل ما بين 40 ومائة متظاهر مسالم أغلبهم من الشباب كانوا لجأوا إلى حقل من قصب السكر، وقيل إنهم أضرموا النيران بالجثث.
حاول النظام التخفيف من عدد القتلى، لكن مسؤولاً إيرانياً رفيع المستوى من وزارة الداخلية أكد مقتل 218 شخصاً «إن لم يكن أكثر». ورغم أن الاحتجاجات لم تخرج عن نطاق السيطرة، فإن العدد الكبير من القتلى قد يشير إلى أن قوات الأمن فوجئت بمدى شدة الأحداث وغضب الشارع.
ربما تراجعت موجة الاحتجاج، لكن ينبغي عدم التقليل من أهمية الانتفاضة العامة، من قبل النظام أو الشعب؛ إذ يشير الغضب الذي عبرت عنه الأحداث الأخيرة إلى شعور الجمهور الإيراني المتزايد بالاشمئزاز تجاه النظام، حتى لو حاول الأخير إيجاد حلول ملتوية لتخفيف الشقاء العام، فالحقيقة أنه لا يمكن أن يكون هناك حل حقيقي للمعضلة الاقتصادية، ولا توجد وسيلة لتحسين الرفاهية العامة، ما دامت إيران تحت قيادة «فيلق القدس» التابع لقاسم سليماني تواصل محاولة ترسيخ نفوذها في العراق وسوريا واليمن ولبنان.
رغم أن النظام ربما يكون استوعب الحساسيات الحالية للجمهور استناداً إلى سلوكه على مر السنين، فإنه من المحتمل أن يحاول الحفاظ على صورة قوته من أجل ردع المحتجين حتى عندما يكون وضعه أضعف مما يبدو عليه. هذا سيؤدي إلى خروج الجماهير مجدداً إلى الشوارع والانضمام إلى «حرب الاستنزاف» ضد النظام، وليس من الواضح من سيخرج منتصراً، مع أن الإيرانيين صاروا يدركون ويرددون أنه لن يكون سلام في إيران أو في الشرق الأوسط، إذا لم تتم إطاحة النظام الذي «يحتل بلادهم» بصورة غير شرعية.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية