الحرب الأمريكية في الصومال بعهد ترامب.. هذا ما كشفه تقرير أممي

كشف تقرير جديد لمنظمة العفو الدولية؛ أنّ الضربات الجوية الأمريكية في الصومال تتسبّب في سقوط مدنيين، وأنّ السرّية التي تكتنف مقتل هؤلاء المدنيين تخفي جرائم حرب محتملة، وتوصل التحقيق الجنائي الذي أجراه فريق التقرير إلى أدلة موثوقة بشأن مقتل 14 مدنياً في خمس غارات فقط، من أصل أكثر من 100 غارة شنتها طائرات أمريكية بدون طيار، وطائرة مزودة بطيار، منذ أقل من عامين.

بعد أشهر من تنصيب دونالد ترامب، عام 2017، أُعلنت الولايات المتحدة مناطق كبيرة من الصومال باعتبارها "منطقة عمليات عدائية فعلية"

وتدحض أدلة التقرير، الذي يعدّ أول تحقيق معمق حول الغارات الجوية الأمريكية في الصومال، تصريحات البنتاغون المتكررة التي تزعم بـ "دقة" و"ذكاء" هذه الهجمات، وبعدم سقوط مدنيين جراء هجمات الطائرات بدون الطيار، التي تستهدف حركة الشباب الجهادية.
وخلال فترة التحقيق؛ سافر باحثو منظمة العفو الدولية إلى الصومال، وأجروا أكثر من 150 مقابلة مع شهود عيان وأقارب وأشخاص نازحين بسبب القتال، والمصادر ذات الخبرة، بما في ذلك في الجيش الأمريكي، قامت بتحليل الأدلة الداعمة بدقة، بما في ذلك صور الأقمار الصناعية وشظايا الذخيرة، والصور إثر الضربات الجوية.

عهد ترامب وازدياد ضربات الطائرات بدون طيار

بعد أشهر من تنصيب دونالد ترامب، عام 2017، أُعلنت الولايات المتحدة مناطق كبيرة من الصومال باعتبارها "منطقة عمليات عدائية فعلية"، مما سمح لأفريكوم بتنفيذ مزيد من الضربات الهجومية في البلاد على أيّ شخص يُعتقد أنّه عضو في جماعة الشباب الجهادية، مع تدقيق أقلّ مما كان مطلوباً سابقاً.

تضاعفت الضربات الجوية في الصومال 3 مرات تحت حكم ترامب، متخطية اليمن وليبيا مجتمعين

وقد تضاعفت الضربات الجوية في الصومال ثلاث مرات تحت حكم ترامب، متخطية اليمن وليبيا مجتمعين؛ حيث نفذت القوات الأمريكية 34 غارة في الصومال، في الأشهر التسعة الأخيرة من 2017، وهو رقم أكبر مما كانت عليه في الأعوام الواقعة بين 2012 إلى 2016، وازدادت مرة أخرى في 2018؛ حيث بلغت 47 غارة؛ وكان هناك بالفعل 27 غارة في أول شهرين من هذا العام وحده.

اقرأ أيضاً: الإمارات تواصل عطاءها في اليمن والصومال.. هذا ما قدمته
ونُفذت الغارات الخمس التي فحص بها التقرير بطائرات دون طيار، من نوع "ريبر"، وطائرة مزودة بطيار في محافظة شبيلي السفلى، وهي منطقة خاضعة إلى حدّ كبير تحت سيطرة "حركة الشباب"، خارج العاصمة الصومالية مقديشو، ويبدو أنّ الهجمات قد انتهكت القانون الإنساني الدولي، بشكل يرقى إلى جرائم حرب.

معايير فضفاضة لتحديد "العدو"

مع قرار ترامب الجديد، يمكن اعتبار الأفراد المتواجدين في المناطق العدائية أهدافاً مشروعة، وبحسب ما يفيد الجنرال المتقاعد، دونالد بولوكيد، قائد قوات العمليات الخاصة الأمريكية في إفريقيا، بين نيسان (أبريل) 2015 وحزيران (يونيو) 2017، تستند عملية تحديد العدو إلى أربعة معايير: العمر، الجنس، والمنطقة (في أجزاء معينة من الصومال يتم اعتبار جميع السكان داعمين لحركة الشباب)، وصلته بحركة الشباب، وقال الجنرال بولوكيد لمنظمة العفو الدولية: "السبب وراء تغيير الرئيس ترامب لقواعد القتال؛ أنه يعتقد أنّ ذلك يمكّنه استهداف أكبر عدد من الرجال المتحملين بصلتهم بالشباب".

اقرأ أيضاً: مشهد الجهادية الصومالية.. قراءة في الأيديولوجيا والأنماط الفاعلة الرئيسة
ووفق الجنرال الأمريكي المتقاعد؛ فإنّ من شأن هذا الأمر تقليل العبء على الجيش الأمريكي، لضمان عدم قتل المدنيين في الغارات الجوية، ومما يدعو إلى القلق؛ أنّ الجنرال يعتقد أيضاً أنّ الأمر التنفيذي بالقتل وسّع شبكة الأهداف المحتملة ليشمل أيّ شخص بالغ يعيش في "قرى متعاطفة مع حركة الشباب"، ويُشاهد بالقرب من المقاتلين المعروفين، ويضيف: "الإذن بتوسيع الأهداف بهذا الشكل ينتهك القانون الإنساني الدولي، ويفتح المجال للقتل غير المشروع للمدنيين".
على سبيل المثال؛ في هجوم على قرية فرح وعيس، تدّعي أفريكوم أنّ "جميع الأفراد الذين أصيبوا أو قُتلوا كانوا أعضاء في حركة الشباب أو منتسبين إليها"، بينما وثقت منظمة العفو الدولية مقتل رجلين مدنيين، وجرح خمس نساء وأطفال في تلك العلمية.

وصلت الغارات الأمريكية بالطائرات بدون طيار إلى 27 غارة في أول شهرين من هذا العام وحده

أدلة دامغة على وقوع ضحايا مدنيين
في إحدى الحالات التي فحصتها منظمة العفو الدولية؛ أسفرت غارة جوية أمريكية على أرض زراعية بالقرب من قرية دار السلام، عن مقتل ثلاثة مزارعين محليين في ساعات الصباح الباكر من يوم 12 تشرين الثاني (نوفمبر) 2017، وكانوا يستريحون في العراء بعد العمل خلال الليل في حفر قنوات الري.

اقرأ أيضاً: هل تصلح تركيا لرعاية المفاوضات بين الصومال وصومالي لاند؟
وفي حوالي الساعة الثالثة صباحاً؛ استهدفتهم غارة جوية دون سابق إنذار، وأدى الانفجار إلى هروب مزارعين آخرين بحثاً عن الأمان، وأيقظوا سكان قريتين قريبتين، ووصف القرويون، الذين ذهبوا لاستعادة الجثتين مع بزوغ نور الصباح، الإصابات المروعة لهما.
وقامت منظمة العفو الدولية، في وقت لاحق، بتحليل الأدلة الفوتوغرافية للجثث التي تتفق مع شهادات شهود العيان؛ فقد تشوهت جثتا الرجلين بشدة، ودخلت قطعة كبيرة من شظايا الذخيرة جبين الرجل الأول، مما أدى إلى تصدع جمجمته، ونسفت ذراعه إلى الوراء، وتمزقت تقريباً، إلا من قشرة رقيقة من الجلد. أما وجه الرجل الثاني، وحلقه وصدره، فقد أصابتها ثقوب بسبب شظايا ذخائر متعددة، وأصيب الرجل الثالث بجرح كبير في جنبه، وضربة صغيرة في رأسه، أعلى العين اليمنى.

اقرأ أيضاً: صراع "داعش" و"الشباب" في الصومال: التنافس على ميدان الإجرام
وقال أحد المزارعين من قرية دار السلام لمنظمة العفو الدولية: "كان صوت الطائرة أعلى من ذي قبل، في اليوم الذي وقع فيه الهجوم؛ ففي الأسابيع السابقة، اعتادت المجيء والمغادرة، وفي تلك الليلة فقط لم تغادر، كان تأتي مرة تلو مرة، وعندما سمعنا الصوت (ضربة جوية)، توقف كلّ شيء، كنت خائفًا للغاية، لم أستطع مراقبة المزرعة على الإطلاق، لجأت إلى ملجأ تحت الشجرة واختبأت، هؤلاء الشباب الثلاثة لم يتوقعوا أن يقتلوا بالطائرة، ولم نتوقع أن يصمت العالم إزاء هذا الأمر".

معظم ضحايا الغارات الأمريكية مدنيون وليسوا مقاتلين من حركة الشباب

وكما في الحالات الأخرى التي حققت فيها منظمة العفو الدولية، أفاد العديد من السكان المحليين؛ بأنّ الضحايا مدنيون، وليسوا مقاتلين من حركة الشباب، وسمحت صور المزارعين الثلاثة القتلى والمنطقة المحيطة بهم لفريق التحقق الرقمي التابع لمنظمة العفو الدولية بتحديد موقع الغارة الجوية.
ويقدم التقرير أدلة مهمة أخرى، مثل: تفتت التربة، والحفرة التي بلغ عمقها متراً واحداً، التي سببتها الذخيرة شديدة الانفجار، فضلاً عن شظايا الذخائر التي اتضح أنها من ذخيرة من طراز "GBU-69/B Small Glide Munition" ولا يمكن إطلاق هذا النوع من الأسلحة إلا من طائرة (AC-130) التابعة لسلاح الجو الأمريكي، وهي غالباً ما تستخدم في الدعم الجوي المباشر للمشاة، وليس في غارات جوية معزولة، ولم تشاهد في الصومال منذ أكثر من عشرة أعوام، ويمثل وجود الطائرة تصعيداً للنزاع، ولم تؤكد أفريكوم استخدام طائرات(AC-130) ، لكنّها أقرّت بأنّها نفذت غارة جوية في منطقة شبيلي السفلى، في حوالي الساعة الثالثة صباحاً، في 12 تشرين الثاني (نوفمبر) 2017، زاعمة أنّها قتلت "عدة" مسلحين.

"أفريكوم" تتجاهل الاتهامات
القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم)، التي تشرف على النشاط العسكري الأمريكي في إفريقيا، تتجاهل جميع نتائج منظمة العفو الدولية، ورغم أنّ "أفريكوم" تقرّ بأنّها أجرت ضربات متوافقة مع نتائج التقرير من حيث المكان والزمان، في بعض حالات الاستهداف التي وثقتها منظمة العفو الدولية، لكنها تصرّ على أنّ الضحايا كانوا أعضاءً في حركة الشباب.

اقرأ أيضاً: هل ستكون بريطانيا أول دولة تعترف بصومالي لاند؟
وفي حادثة أخرى؛ حققت فيها منظمة العفو الدولية، كان ثلاثة رجال في سيارة متحركة مع أحد المشتبه بأنّه عضو في حركة الشباب، حين تمّ استهدافهم، وكان يعمل أحد الأشخاص في السيارة لدى شركة "هرمود تليكوم"، وهي أكبر شركات الاتصالات في البلاد، وصرّح مسؤول رفيع في منظمة العفو الدولية؛ بأنّ الأشخاص الذين كانوا في السيارة مدنيون، وقال: "لا أعرف لماذا تم استهدافهم، على الأرجح كان خطأ ما، الولايات المتحدة ترتكب الكثير من الأخطاء في هذه المنطقة."
وأحالت منظمة العفو هذه الحالة إلى أفريكوم، وقيل لها إنّ هناك تقييماً حدّد أنّ الأشخاص الذين قتلوا هم من المتشددين.

اقرأ أيضاً: "داعش" و"القاعدة" في الصومال.. من ينتصر؟
وفي سياق متصل؛ قال براين كاستنر، كبير مستشاري الأزمات في منظمة العفو الدولية، عن الأسلحة والعمليات العسكرية لموقع "The Intercept": "بحسب علمنا، فإنّ أفريكوم لا تقوم بأيّة تحقيقات على أرض الواقع، ولم يتحدث أي من الأشخاص الـ 150 الذين قابلناهم مع أيّ مسؤول حكومي في أي وقت مضى، بشأن هذه الهجمات، سواء كان مسؤولاً صومالياً أو أمريكياً".
وتقول المنظمة: إنّ 76 غارة أخرى، على الأقل، نفذت خلال الفترة التي بحثتها منظمة العفو الدولية، مما يشير إلى أنّ عدد القتلى المدنيين هو أعلى بكثير من الرقم الذي وثقه تقرير المنظمة.

خريطة توضح مناطق نشاط الهجمات الأمريكية، المصدر: منظمة العفو الدولية

ومن الجدير بالذكر؛ أنّ مكتب الرئيس الصومالي لم يستجب لطلب موقع "The Intercept" بالتعليق على تقرير المنظمة، أما بالنسبة إلى الصوماليين المتضررين من الغارات الجوية الأمريكية، فتتضاءل فرص حصولهم على العدالة، إن توفرت، ويكاد يكون من المستحيل الإبلاغ عن مقتل أو إصابة أفراد الأسرة أو المجتمع، بالنظر إلى موقع هذه الهجمات والمخاطر الأمنية المرتبطة بالقيام بذلك.

اقرأ أيضاً: هل تموّل الاستخبارات التركية حركة الشباب الصومالية؟
وفي نهاية تقريرها، الذي جاء في 72 صفحة؛ دعت المنظمة كلّ من الولايات المتحدة والحكومات الصومالية إلى وضع حدّ لغياب الشفافية، وبذل المزيد من الجهد لتمكين المجتمعات المتأثرة من الإبلاغ عن الضحايا المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وتقديم التعويضات للضحايا والناجين، ومن دون ذلك، من المرجح أن يظل تحقيق العدالة أمراً بعيد المنال!

الأقسام: