يوسف هريمة: الثقافة العربية تقوم على صناعة الأصنام الذهنية

يوسف هريمة: الثقافة العربية تقوم على صناعة الأصنام الذهنية
4956
عدد القراءات

2019-03-27

أجرى الحوار: عاصف الخالدي


أكد الباحث المغربي المتخصص في الدراسات الإسلامية، يوسف هريمة، أنّ الثقافة العربية تقوم على صناعة الأصنام الذهنية، ولا بد من الاعتراف أنّنا اليوم أمام أصنام وأوهام تتجاوز المألوف، وتتحدّى مستحيلات العقل الإنساني حينما يلجأ الإنسان إلى التعصّب ويقدسه. ودعا إلى تفكيك آليات هذه الثقافة.

الوهم لا يخلق حقائق بقدر ما يخلق واقعاً مزيفاً قائماً على التضليل والتخويف. لذا تستهدف الجماعات الأصولية العقل

ويعتقد هريمة أنّ الوهم الذي يخلقه إقحام الماضي في الحاضر لا يخلق حقائق، بقدر ما يخلق واقعاً مزيفاً قائماً على التضليل والتخويف. لذا فإن أول ما تستهدفه الجماعات الأصولية أو الشموليات هو العقل، ورأى هريمة أنّ العلاقة بين الإنسان والمقدس علاقة عشقٍ ممنوع بسبب محدودية عقل الإنسان، ولن تنتهي في المدى المنظور برغم الطفرات العلمية.
هذه الأوهام كما رأى هريمة في حواره مع "حفريات"، لا تستند إلى المعرفة، فتكرس التعصب، وخطاباتِ العنف أو المظلومية.
حصل هريمة على دبلوم الدراسات العليا المعمقة في الدراسات الإسلامية، تخصص مقارنة الأديان بجامعة الحسن الثاني بوحدة مستقبل الأديان والمذاهب الدينية بحوض البحر الأبيض المتوسط. وهو مهتم بالشأن الديني والثقافي والفكري في العالم الإسلامي. له العديد من الأبحاث والدراسات والمقالات. كما شارك في العديد من الكتب الجماعية وشارك في مجموعة من الندوات والحوارات واللقاءات الفكرية.

اقرأ أيضاً: كيف قرأ زكي نجيب محمود التراث وما أبرز التحولات الفكرية لديه؟
وتتركز أهم إنجازاته في كتاب "ولادة المسيح وإشكالية التثاقف اليهودي والمسيحي. دراسة تحليلية مقارنة من خلال الكتاب المقدس"، عن المركز الثقافي العربي 2014. وكذلك بالمشاركة في بحثٍ ضمن كتابٍ جماعي بعنوان "أعلام تجديد الفكر الديني"، حيث ركز فيه على مشروع الجابري الفكري: مدخل لتفكيك العقل العربي، وله العديد من المشاركات في كتب جماعية وبحوث متنوعة في مسائل الشريعة والتراث والتطرف.

هنا نص الحوار:

 إقحام الماضي في الحاضر يخلق الوهم

ترى في دراساتك ومقالاتك أنّ إقحام الماضي في الحاضر يخلق أوهاماً تهدر الطاقة الإنسانية، والخطير، أنها أوهامٌ جماعية تصدر عن جماعاتٍ براغماتية المصالح، كيف لا يرى الأفراد في مجتمعاتنا هذا الأمر، بل ينساقون مع الوهم بكل بساطة؟
أن ينساق الإنسان مع الوهم فهذا أمر مفهوم إذا ما استحضرنا محدوديته، وعجزه أن يتحول بعقله إلى عقل محض، لثلاثة أسباب رئيسية: محدودية العقل الإنساني على مستوى الأبعاد: أي أنه محكوم بسياق معين اجتماعياً كان أو جغرافياً أو تاريخياً أو ثقافياً. ومحدود على مستوى الثقافي: أي إنه لا يستطيع أن يفسر الأشياء أو الموجودات إلا بناء على تمثلاته السابقة.
وثالثاً: محدود على مستوى المعرفة: أي إنّ قدرتنا على معالجة المعلومات ليست لانهائيّة، ولأنّ تعقّد بعض المسائل يتجاوز إمكانيّات الحسّ السّليم لدينا.

اقرأ أيضاً: عن جذور الإرهاب في الثقافة العربية المعاصرة
هذه المحدودية التي يعاني منها العقل الإنساني هي ما يمكن أن يفسر لنا شهيته إلى الوهم، وصناعة الأصنام الذهنية. هنا تنبَّه ماركس إلى أنّه "عندما تطلب من شعبٍ التخلّي عن الوهم حول وضعه (الاقتصادي/الاجتماعي/السياسي/الديني)، فإنّك تطلب منه التخلي عن وضعٍ بحاجة لوهم". لذا فالكائن الإنساني لا يملك واقعاً حقيقياً، لأنّ واقعه هو شمسٌ وهمية تدور حوله، ما دام لا يدور حول نفسه. إنّها باختصار الحاجة إلى الوهم في سبر تحدّيات الواقع، وغموض المستقبل. لهذا كان لزاماً على الجهاز العقائدي للإنسان، والمتمثل في آليات تفكيره، وأنماط سلوكياته، أنْ يختار دوماً تغذية جانبه النّفسي بصناعة الأصنام الذّهنية، والعكوف عليها، والتمسّك بها إلى الحدّ الذي يصعب فيه الانفصال.
مشكلة الرجوع إلى الماضي تكمن في أنها تنسينا اللحظة الآنية، أو تهرب بنا إلى حيث نخفي عيوبنا وجروحنا في انتظار لحظة الخلاص التي قد تأتي أو لا تأتي. كما أن هذا الاحتماء لا يوفر الحماية للعقل، بقدر ما يعلِّبه ويقولبه وفقاً لنماذج جاهزة تمت صناعتها في خيال المؤمنين بها، إذ إنّ الالتفاتة الكلّية إلى الماضي دون وضع مسافات بين الإنسان وعصر لم يعشه أو لم يعاين إشكالاته، أو لم يكن شريكاً في تركيبة إنسانه الثّقافية والاجتماعية والذهنية، من أكبر المغالطات التي يمكن أنْ يحتكم إليها عقل إنسان.
مشكلة الماضي

مشكلة الماضي والمستقبل هي أنهما يبعدان الإنسان عن الانخراط في مجتمعه وقضاياه
يتعامل بعض المفكرين والباحثين العرب مع الماضي على أنه موضوع يخص جماعاتٍ سلفيةٍ مثلاً أو متشددة تملكه، بينما هم ينتقدونه ذاتياً، لكنّ المواطن العربي لا يلاحظ نتاجاً فكرياً من قبلهم، يستثمر الماضي بصورةٍ مغايرة فعالة وناقدة، ربما تغير الواقع المعاش، بدلاً من تكراره وتخلفه، ما رأيك؟

مشكلة الماضي كما المستقبل هي أنهما يبعدان الإنسان بشكل فعلي عن الانخراط في مجتمعه وقضاياه. إضافة إلى أنهما يمثلانِ نوعاً من الهروب الاضطراري لعُقدٍ وجروح تلازمنا بفعل هذا الانحدار الذي وصلنا إليه. وللجواب على تساؤلكم يلزمنا حصر الموقف من الماضي أو التراث بشكل عام واختزاله في اتّجاهات أساسية:
1- النّزعة السّلفية أو المحافظة 2- النّزعة التّوفيقية أو الانتقائية 4- النّزعة التّحييدية أو القطيعة مع التراث. وإنْ كان التّيار الفكري الأكثر مقاربة لهذا المنتوج التراثي في عالمنا المعاصر، هو التّيار الفكري السّلفي، الذي انشغل أكثر من غيره بالتّراث، دون الرغبة في تجاوزه أو تصحيحه أو إصلاحه من خارج المنظومة المنشئة له.

اقرأ أيضاً: تجارب إنسانية جمالية في تراثنا
وهنا لا بد لنا من التمييز بين مستويين اثنين ونحن نتحدث عن النزعة السلفية: الأوّل: النّزعة السّلفية. والثّاني: السّلَف. فالأوّل: المقصود به اشتقاق الحلول والمواقف المطلوبة من الماضي الذي كان يمثل العصر الذّهبي للسلف. أمّا الثاني: فالمقصود بهم من عاش في الماضي، دون أنْ يكونوا كلّهم ذوي نزعة سلفية، بل كان أكثرهم ذوي أفق مبدع. فالتّفريق بين هذين المستويين يعدّ ضرورياً من النّاحية المنهجية، خاصّة  لمن يحاول أنْ يعتمد على التّراث في تسويغ وتبرير أيديولوجيته السّلفية.
إنّ القراءة السّلفية للموروث الدِّيني من وجهة نظر الجابري هي قراءةٌ لا تاريخية في تمجيدها للماضي. ولو تأمَّلنا قليلاً لوجدْنا بأنّ هناك مأخذين يأخذهما الجابري عن التيّار السّلفي والحداثي على حدٍّ سواء. فالأول: انكبَّ على التّراث من غير أنْ يستطيع أنْ يجعله معاصراً لنا. والثّاني: أراد أنْ يستورد مقوِّمات الحداثة، ويستورد حتى أصولها، أراد أنْ يُحدِّث دون أنْ يؤصِّل.
لهذا يَقترح:
ضرورة القطيعة مع الفهم التّراثي للتراث: بما أنّ الفكر العربي المعاصر كلّه، ينتمي من ناحية المنهج والرؤية للاتّجاه السّلفي في التّفكير. لا يجب الاختيار بين هذا المنهج، أو ذاك من المناهج الجاهزة سلفاً (القراءة السلفية/ الليبرالية/ اليسارية). بل فحْص العملية الذِّهنية التي سيتمّ بواسطتها، ومن خلالها استخدام المنهج. بمعنى آخر علينا نقد العقل، لا استخدامه بهذه الطّريقة أو تلك.

اقرأ أيضاً: ترند "مر أعرابي".. السخرية الاجتماعية تدخل معركة التراث
فصْل المقروء عن القارئ مشكلة الموضوعية: ليست الموضوعية هنا بالمعنى المتداول لها. فما يريده الجابري مثلاً، أعمق بكثير من الدّلالة العادية، التي يقتضيها اللّفظ في مجال تداوله اللّغوي. فالموضوع هنا هو التّراث بشكلٍ عام، والمطلوب هو إيجاد فصل بين القارئ، وهذا الموضوع، لأنّ هناك اتِّصالاً كبيراً بين الإنسان العربي المعاصر، وتراثه إلى حدٍّ يصعب فصله. فهو الذي يشكِّل وجدانه، وفكره، وأحاسيسه. ففصْل الذّات عن التّراث عملية ضرورية، لأنّها تشكِّل الخطوة الأولى نحو الموضوعية، والمكتسبات المنهجية للعلوم الألسنية المعاصرة. ولاكتساب هذه الخطوة يقترح:
• المعالجة البنيوية
• التّحليل التاريخي
• الطّرح الأيديولوجي

وصْل القارئ بالمقروء مشكلة الاستمرارية: اختراق حدود اللّغة والمنطق لا يتمُّ إلا بالحدس، فهو الذِّي يجعل الذّات القارئة تعانق الذّات المقروءة، فتعيش معها إشكالياتها ومشاغلها، وتحاول أنْ تطلَّ على استشرافاتها.
الأصوليات تستهدف العقل

أول ما تستهدفه الجماعات الأصولية أو الشموليات أو الدوغمائيات هو العقل
أليس غريباً أن يقوم الوهم الذي تكرسه جماعاتٌ منغلقة في التعليم والسياسة والإعلام بخلق حقائق اجتماعية صلبة أو مقدسة تؤخر المجتمعات عن النقد والتفكير والتقدم، رغم وجود تنوعٍ في المنابر الفكرية والإعلامية والثقافية اليوم؟

الوهم لا يخلق حقائق، بقدر ما يخلق واقعاً مزيفاً قائماً على التضليل والتبرير والتخويف. لهذا أول ما تستهدفه الجماعات الأصولية أو الشموليات أو الدوغمائيات هو العقل، أو أن تجعل مسافة بين الإنسان وعقله بحيث لا يستطيع الاقتراب من مناطق التماس أو الاشتباك. لهذا فوجود منابر فكرية أو إعلامية شيء مهم. ولكن الأهم من كل هذا هو تفكيك هذه الأوهام التي تقوم عليها ثقافتنا، حيث يتم صناعة الأصنام الذهنية. ولا بد من الاعتراف أنّنا اليوم أمام أصنام وأوهام تتجاوز المألوف، وتتحدّى مستحيلات العقل الإنساني حينما يلجأ الإنسان إلى التعصّب تجاه ما صنعته أوهامه، وآليات تفكيره، ومنتوجات ثقافته. صحيحٌ أنّ المتعصب إنسان المقدّس بامتياز. كما يرى برنار شوفييه، لكنّه ليس أيّ إنسان ولا المقدّس أيّ مقدّس. فالإنسان هنا يهب نفسه وروحه في سبيل قضيته، كما أنّ المقدّس هنا يتقمّص المثال والمطلق، لدرجة أنّه يغطّي حتى ذلك المجال الذي يفترض أنْ يكون بعيداً عنه، أيْ مجال المدنّس.

أهم عيوب العقل الأصولي ارتهانه لخطاب المظلومية ومحدوديته على مستوى الخطاب وعاجز عن مسايرة متطلّبات الإنسان وتحديات الواقع

مشكلة هذه الأصنام الاجتماعية والثّقافية والدّينية هي أنّها تتأسّس على مسلَّمات قبلية نابعة من أعراف الجماعة وثقافات الشّعوب والقوميات والقبائل، وليست خاضعة لمنطق العلم والمعرفة. أو بمعنى أدق إنّه تغليب الجانب الاعتقادي على الجانب المعرفي في تشكيل وعي الإنسان بذاته ومحيطه. ولعلّ أكبر مأزق تضعك فيه الأصنام الذّهنية هي أنّها تجعلك تعيش الحاضر بعيون الماضي؛ أيْ إنّ لديها سلطة إرجاعك إلى القوالب الجاهزة التي تمّ إنشاؤها سلفاً في محطّاتٍ تاريخية، استجمعت بالنّسبة لهذا العقل كلّ شروط النّقاء والصّفاء والعدالة بحيث يستحيل الانفكاك عن نماذجها الجاهزة. وهذا هو نفسه الإشكال المطروح على العقل السّلفي اليوم بتعبيراته ونماذجه المتنوّعة.
إنّ صناعة الأوهام هي صناعة تنتقل عبر إستراتيجية مهمّة تنهجها الجماعات، وهي التّربية والتّعليم، لكن ليس على أساسٍ نفعي؛ فالأمر أكبر من ذلك. فالتّعليم لدى الجماعات المتخلّفة تحديداً يتجاوز حدود المعرفة، والخروج من وضعيات الارتكاس والنّكوص للوراء، ليصير أداة للتّدجين وهدر الطّاقة الإنسانية. لهذا تحاول الجماعات نشر الخرافات واستمرارية النّظرة المتخلفة للوجود؛ لأنّ الهدف من ذلك كما يرى مصطفى حجازي هو تكوين رأي عام مقاوم لدعاة التطوير.
حكاية عشق ممنوع

العلاقة بين الإنسان والمقدّس لن تنتهي في المدى المنظور بالرغم من الطفرة العلمية
حتى تتوضح الفكرة أيضاً، يبدو أنّ المقدس اليوم، أصبح يتمثل في تصنيم الأفكار والأدوات التي تقود إلى إنتاج هذه الأفكار، سواء كانت دينية أم سياسية أم ثقافية، هل تنكر ضرورة النزوع إلى القداسة في عصر الحداثة والتقدم العلمي؟

بين الإنسان والمقدس حكاية عشق ممنوع. فمنذ ظهور الإنسان ولحظات تشكّل بدايات وعيه، وهو في علاقة تماسٍ مباشٍر مع المقدس. لسببٍ بسيطٍ يتصل بمحدودية عقله، وعجزه عن التحول إلى عقلٍ محض. وحينما تفسر الظواهر والأشياء دون القدرة على الإحاطة يلجأ الإنسان إلى القداسة وإضفاء المعنى على مكونات الكونِ ضماناً لتسهيل العيش أو الحياة الطيبة كما يسميها لوك فيري. وهذا نفسه ما كان يدعوه الرواقيون بالكوزموس.

الأصنام الاجتماعية والثّقافية والدّينية تتأسّس على مسلَّمات قبلية نابعةٍ من أعراف الجماعة وثقافات الشّعوب وليست خاضعة لمنطق العلم والمعرفة

إنّ العلاقة بين الإنسان والمقدّس لن تنتهي على الأقلّ في المدى المنظور بالرغم من الطفرة العلمية؛ لأنّ صناعة الأوهام هي حالة نفسية وإنسانية مرتبطة بخلقة هذا الكائن أمام حيرة الوجود. ولا يمكن أن يستمر الوهم دون إحاطته بمنطق القداسة. فلا أصنام ولا أوهام دون قداسة، ولا مجتمع أو جماعة دون هذا البعد الروحاني من الاقتراب والإحساس بعوالم هي أقرب للخيال في العقل العلمي، وأقرب للحقيقة في العقل المترامي إلى أحضان الغيب. فبين الإنسان والمقدّس حكايةٌ ومسار، وتاريخ من الصّراع والوفاق، والحرب والسّلم، والتّسامح والتباغض. فالمقدّس هو الأساس الوحيد للفكر الديني، عليه تتأسّس المقولة الدينية، وبواسطته يتم الشّعور والإحساس بحصانة المؤمن من روح النّقد.
وإذا كان الدّين هو تدبير المقدّس، فإنّ المقدّس هنا يصير قوّة فاعلة، وطاقة حيوية يرى فيها الإنسان استمراريته، وواجبه الأخلاقي تّجاه المجهول بالنّسبة له. فالمقدّس يتجاوز فكرة الاختيار ليصير الضّرورة القصوى لحياة الجماعة، ويتحوّل إلى صنم حينما يشيّد لنفسه حصوناً من النّقد والمساءلة والشكّ والتّمحيص. وانطلاقا مما سبق ذكره يمكننا أنْ نخلص إلى ما أكّد عليه روجيه كايوا بأنّ المقدّس في صورته الأولى البسيطة يشكّل طاقة خطيرة، خفيّةً على الفهم، عصيّةً على التّرويض شديدة الفاعلية، وهنا تكمن خطورة اللّجوء إليها واستدعاؤها، فبقدْر ما يكون الهدف الّذي يسعى إليه الطالبُ عظيماً، تتضاعف ضرورة تدخلّها، ويصبح استخدامها محفوفاً بالمخاطر. 
أشار مفكرون وباحثون عديدون، بدءاً من طلال أسد وليس انتهاءً بفهمي جدعان، إلى أنّ المقدس القادم من الماضي، يعاد استعماله حتى في المنظومات الفكرية الحديثة، كالليبرالية مثلاً، وقدسية الحرية عندها، لماذا لا يكون الوهم الفعلي متمثلاً في محاولات التخلص من المقدس كصنم يحد من التجديد؟
موضوع القداسة ليس موضوعاً خاصاً بأنماط تفكيرٍ معينة، بقدر ما هو مستوعبٌ لها. فكل البشر يقدسون أفكارهم وأشياءهم إلى الحد الذي يمكننا من خلاله أن نعتبر أنّ تاريخ الإنسانية هو تاريخ القداسة أو التقديس. لهذا كل الشموليات وكل المشاريع والأيديولوجيات المنغلقة اتسمت بالطابع القدسي سواء كانت سياسية أو اجتماعية دينية. لماذا تميل السياسة إلى تحويل الأفكار إلى أيديولوجيات أو أفكار مقدسة يصعب تجاوزها؟ سؤالٌ طرحَه جان فرانسوا دوترييه في بحثه المعنون بـ " لماذا لا تموت الأيديولوجيات أبداً" ليؤكد على أنه في السياسة كل شيء يبدأ بمشاكل، ثم يتم البحث عن حلول لها بشكل جماعي. وهذا لن يتأتى لها إلا من خلال الأيديولوجيا التي تنزع دوماً إلى إدماج جميع المشاكل في مشكلة واحدة، واختزال الحلول الممكنة في حل واحد. وهذه هي نواة الأيديولوجيا.

اقرأ أيضاً: مركزية السياسي في قراءة علي مبروك للتراث
مشكلة الإنسان أنه موضوع للاستلاب، فهذا الكائن مستلب من منظورين لم ينتجا إلا العنف والخراب والدمار. الأول هو المشروع اللاهوتي الذي جعل من الكائن الإنساني نائباً عن الله وخليفة وظلاً له. والثاني هو المشروع الحداثي العلماني الذي قدس الإنسان، وملّكه مفاتيح الطبيعة باعتباره سيدها لا جزءاً منها، يبيح لنفسه كل شيء، لأنه غاية كل شيء. وحصيلة هذه العقلية الاصطفائية، العرقية، الفاشية، النخبوية هي أصوليات متحاربة فيما بينها، تسبح في حقول من الدم، وتقتات على هذا الخراب. وإلا كيف يحصل هذا الخراب ما دامت مبادئنا سامية ومثالية؟ وكيف أصبح الإنسان مهدداً بينما تتتالى المؤتمرات والبيانات الداعية لحفظ حقوقه؟ هنا تنبه المفكر علي حرب، إلى أنّ مشكلة البنية الفكرية التي نتعامل معها هنا: تستبدل أشياء بأشياء. بالرغم من أنّ المشكلة ليست في أنْ نزيح الله لكي نقدِّس الإنسان، أو أنْ نتاجر بالحقيقة بدلاً من الشّريعة، أو نؤلّه الليبرالية بدلاً من الاشتراكية، أو نتعبّد بالديمقراطية في مواجهة الأنظمة الديكتاتورية. المشكلة بالأساس تتلخّص في منطق التّقديس والتّبجيل للأشياء والذّوات. فهو الذي يولِّد فينا كلّ هذا الاستبداد والاستلاب، والخراب الذي نعيشه.

الصور النمطية عن المسلم المعاصر
برأيك، هل هناك أي دورٍ للغرب وعلمانيته المفترضة لدى الإسلامويين خصوصاً، وجماعاتهم، في صناعة ردود أفعالٍ حول شكل الدولة ونظام المجتمع الإسلاميين حديثاً، يمت لردود الفعل السياسية والبراغماتية بصلةٍ أكبر من تلك التي يمت بها للإسلام التاريخي حقاً؟

لا يمكن أنْ تمارس السّياسة إلا باختراع عدو، لهذا كان الغرب وبكلّ أجهزته الإعلامية والعسكرية، يسعى إلى تشكيل صورة نمطية عن المسلم المعاصر، وساهمت الأصوليات وتحالفاتها المشبوهة في الحرب الأفغانية من تعزيز هذه الصّورة، وهذا العداء، ليصير المسلم هدفاً تعمل على شيطنته دوائر القرار، دون النّظر إلى التّمايزات التي تخضع لها الطبيعة الإنسانية. كانت هذه البداية لتدمير ما تبقّى من تاريخ، وبدل أنْ يستفيق المسلم على وقع هذه الضّربات، والجروح النّفسية، فيراجع الذّات، وينتقد كلّ ما يمكن أنْ يمسّ بصورته، بدأ في صناعة خطاب المظلومية، ظنّاً منه أنّها الخطوة الأولى لمواجهة الخطر القادم، وتناسى ما يحمله تراثه من بذور للعنف تنسف كلّ أمل في تواصله مع الآخر والمحيط.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



عادل لطيفي: تيارات الإسلام السياسي استفادت من غياب الحريات

صورة عيسى جابلي
كاتب وباحث وإعلامي تونسي
2020-05-28

أجرى الحوار: عيسى جابلي


يؤكد الباحث التونسي عادل لطيفي أنّ مقاومة الإرهاب تكون بإحياء المجتمع المدني. ويلفت إلى أنّ تيارات الإسلام السياسي استفادت أيما استفادة من غياب الحريات ومن غياب التعددية السياسية.

لطيفي باحث أكاديمي وأستاذ تاريخ العالم العربي المعاصر بجامعة باريس الثالثة. درس بدار المعلمين العليا بسوسة وناضل صلب الإتحاد العام لطلبة تونس، وعمل مدرّساً بمدينة فريانة مسقط رأسه (1990-1995). ناقش أطروحة دكتوراه سنة 2001 عن "تاريخ الزاوية التليلية بفريانة والطرق الصوفية في العصر الحديث والمعاصر". صدرت له بفرنسا ثلاث دراسات علمية عن الإسلام في بلاد المغرب. يكتب عادل لطيفي في مجلات ومواقع عربية عديدة. "حفريات" التقته وأجرت معه الحوار التالي:

من وجهة نظر علم التاريخ وعلم الاجتماع، ما الأسباب التي ساهمت في ظهور ما بات يعرف بـ"الإسلام السياسي"؟
قبل الإجابة مباشرة علينا رفع بعض اللبس؛ إذ عادة ما نلاحظ خلطاً بين الإسلام كدين؛ أي كتجربة تاريخية، والإسلام السياسي. كما نلاحظ خلطاً، أحياناً أخرى، بينه وبين الوهابية والإصلاح الإسلامي. تتفق أغلب الأبحاث التاريخية على اعتبار الإسلام السياسي أيديولوجيا سياسية ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر في خضم الإصلاحات التي شهدنها الإمبراطورية العثمانية، سواء في مركزها أو في أطرافها مثل؛ مصر وتونس. وهي إصلاحات مرتبطة عموماً بظهور الدولة الحديثة بقوانينها الوضعية وإدارتها المعقلنة وبمبادئها مثل الحرية والمساواة. استغلت بعض الفئات المرتبطة بالوظائف الدينية المشاكل المالية للدولة، واستعمار بعض البلدان العربية، كي تثور ضد الإصلاحات وضد إطارها؛ أي الدولة الوطنية. في هذا الإطار بدأت عملية إعادة صياغة للإسلام كي يكون بديلاً عن الدولة الحديثة.

تراجع تأثير الفكر القومي العربي هيّأ بطريقة أو بأخرى لنموّ التيار الإسلامي والسلفية الجهادية

فكانت الدولة الإسلامية بديلاً عن الدولة الوطنية، والشريعة بديلاً عن القانون، والعدل بديلاً عن الحرية. وانتقلت هذه الأفكار لاحقاً عبر شخصية رشيد رضا إلى مصر أين تأسس أول تنظيم يحمل هذه الأفكار مع الإخوان المسلمين. في الهند ظهرت الجماعة الإسلامية مع أبو الأعلى المودودي على خلفية رفض المسلمين البقاء في دولة واحدة مع الهندوس. فتشكلت باكستان على أساس الهوية الإسلامية مما يفسر قوة المجموعات الإسلامية وفاعليتها إلى اليوم هناك. أي إن إشكالية الدولة كانت دائماً وراء ظهور الإسلام السياسي. بعد موجة الاستقلال، وخاصة مع نهاية السبعينيات بدأ تأثير فكر الإخوان المسلمين يتوسع نتيجة عوامل داخلية وخارجية. من بين العوامل الداخلية الأزمةُ الاجتماعية التي زادت من تنقل السكان إلى الريف وظهور الأحياء المهمشة التي ستصبح خزاناً لتأطير الشباب. نضيف إلى ذلك تراجع تأثير الفكر القومي العربي الذي هيّأ بطريقة أو بأخرى لنمو التيار الإسلامي. أما العامل الحاسم في انتشار الحركات الإسلامية، حسب رأيي، فيتمثل في تأثيرات الثورة الإيرانية سنة 1979. فقد أعطت مثالاً على أنّ يوتوبيا الثورة الإسلامية يمكن أن يتحقق وينتصر على الغرب.

 

عداء الدولة الوطنية      

هل يعني هذا أنّك تقصي عاملاً آخر كثيراً ما يبرر به صعود الإسلام السياسي، أعني فشل الدولة الوطنية في إرساء مشروع حداثي حقيقي، وهو فشل يراه كثيرون سبباً مباشراً في إيجاد "بيئة خصبة" تطرح فيها تيارات الإسلام السياسي نفسها كبديل؟

هذا التبرير يقدمه الإسلام السياسي ذاته، وللأسف يقع في فخه عديدون؛ لأنّ هذا التبرير مبني أصلاً على عداء مع الدولة الوطنية بما يشرع البحث عن بديل عنها وهنا يلتقي مع الإسلام السياسي. من جهة ثانية، أعتقد بأنّ أصحاب هذا الرأي ليست لهم دراية بمعنى الدولة الوطنية ولا بمسار تشكل الدولة في العالم العربي. في حالة تونس مثلاً نجحت الدولة الوطنية إلى حد ما في عقلنة الدولة والإدارة، والعلاقات الاجتماعية وكان ذلك في إطار دولة الاستقلال مع بورقيبة.

بعد أحداث 11 سبتمبر بدأ الغرب يفكر في استغلال شعبية الإسلاميين في الأحياء المهمشة لمقاومة التطرف

ففي فترة بناء الدولة الوطنية لا يمكن الحديث في الحقيقة عن دمقرطة والدولة هشة. والحقيقة أنّ ما جعل تونس تصمد بعد الثورة وتتجنب الفوضى هو نجاحات الدولة الوطنية المتمثلة في المجتمع المدني وفي النخبة وفي الإدارة وفي المحكمة الدستورية وفي عمق التمسك بالهوية الوطنية. ونفس هذه المكاسب هي التي صمدت أمام محاولة الإسلاميين تحويل وجهة الدولة لصالح حزبهم. أكبر دليل على أن الدولة الوطنية وتحديثها قد صمدا في وجه الأسلمة هو عدد النساء اللواتي حسمن الانتخابات الماضية لصالح الباجي قائد السبسي. في الحالات العربية الأخرى، ما عدا المغرب، هيمنت إشكالية بناء الحكم على بناء الدولة، وهو ما جمّد تحديث الدولة والمجتمع، ولم يمكّن من قيام قوى أخرى تثري المجتمع السياسي مثل النخبة والمجتمع المدني. صحيح أن تيارات الإسلام السياسي استفادت أيما استفادة من غياب الحريات ومن غياب التعددية السياسية. غير أننا لاحظنا تاريخياً أنها تستغل الانتخابات للانفراد بالحكم عبر السيطرة على الدولة، وعبر تنظيم العنف الموازي في شكل مليشيات كما حصل خلال الثورة الإيرانية، وكما حصل في الجزائر خلال التسعينات، وكما حصل في تونس مع مليشيات "روابط حماية الثورة". واقع ما بعد الثورات، وبخاصة في تونس، أثبت فشل رهان الإسلام السياسي على مواجهة الدولة الوطنية وطرح نفسه بديلا عنها. وهو ما يفسر ضياع هذه الحركات اليوم بين واقع الدولة وبين يوتوبيا الإسلام السياسي.  

لنتناول الآن علاقة الغرب بتيارات الإسلام السياسي أو بعضها على الأقل، فيرى بعض الملاحظين أنّ بين الإسلام السياسي والغرب علاقة معقدة تتراوح بين التأييد هنا والرفض هناك، برأيك ما الذي يحكم هذه المواقف؟
تحليلنا السابق لظهور الإسلام السياسي يعطي الأولوية للميكانيزمات الاجتماعية والسياسية والثقافية الداخلية. وهذا يفند ما يشاع من أن الحركات الإسلامية وليدة الاستعمار؛ لأن ذلك مظهر من مظاهر عقلية المؤامرة التي تحكم جزءاً كبيراً من نخبنا. من ناحية ثانية، لا يمكننا أن نتحدث عن الغرب وحدةً سياسيةً تجمعها المصالح نفسها. أعتقد أنّ العلاقة اختلفت تاريخياً بحسب نوعية الاستعمار وبحسب ثقافة الدولة المستعمرة. فالاستعمار الانجليزي كان دوماً استعماراً غير مباشر ولا يتدخل عادة لتغيير التوازنات التقليدية، عكس الاستعمار الفرنسي المطبوع برؤية الثورة الفرنسية الإصلاح النابليوني. لذلك كان الإنجليز عادة منفتحين على الثقافة التقليدية بما فيها الإسلام السياسي عكس الفرنسيين. أما خلال العشريات الأخيرة، فأعتقد بأنّ هناك عاملين أساسيين حكما هذه العلاقة: عامل احترام حقوق الإنسان الذي حتم استقبال المضطهدين من الإسلاميين؛ وكذلك عامل الخيار الشعبي الداخلي في حال انتخاب قوى إسلامية مما يحتم احترام هذا الاختيار. لذلك أعتقد أنه لا يوجد تقارب استراتيجي وهيكلي يحكم العلاقة بين الطرفين. فالغرب يتعامل مع مخرجات مجتمعاتنا تعاملاً واقعياً يراعي مصالحها من ناحية، ولكنه يراعي أيضاً خصوصية البلدان الصديقة له. لكنني أعيد الـتأكيد على أن الغرب غير متجانس في موقفه، كما أنّ وضع البلدان العربية بدوره مختلف. فبريطانيا مثلاً منفتحة كثيراً على الحركات الإسلامية، عكس فرنسا التي تهيمن عليها صرامة الرؤية اللائكية. في حين يتميز الأنجلوسكسونيون بانفتاحهم الثقافي والديني.  
إذاً، تنفي الطرح القائل بأن الإسلام السياسي ما هو إلا أداة يتوسلها الغرب لتحقيق أجندات خاصة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؟

قلت إنّ ذلك يعدّ تجسيداً لفكرة المؤامرة التي تهيمن على الفكر السياسي العربي منذ الفترة الاستعمارية. ويعزى ذلك إلى عقدة الهزيمة العسكرية التاريخية التي حولت كل الاهتمام نحو الآخر لا نحو الذات. فحتى العلوم الاجتماعية التي تمكننا نظرياً من فهم الميكانيزمات الداخلية لمجتمعاتنا، تمت أقلمتها مع هاجس المؤامرة مما أفقدها الكثير من مصداقيتها العلمية. علينا أن نعي بأن العالم تغير كثيراً بعد موجة الاستقلال، وخاصة بعد نهاية الحرب الباردة. فتراجع التنافس الجيوستراتيجي حول العلاقات الدولية من هاجس الهيمنة والتبعية إلى فكرة الاستقرار والتهاون الاقتصادي. فأجندات الغرب ليست واحدة وهي لا تعطي قيمة كبيرة في الواقع لعالم العرب مقارنة مع شرقي آسيا.

حركة النهضة والتيارات السلفية

أغلب القيادات في الجماعات الإرهابية كانت في يوم من الأيام منتمية إلى الإخوان المسلمين مثل؛ أيمن الظواهري وبن لادن وغيرهما، هل يمكن الجزم بأن حركات الإسلام السياسي قد تخلت عن خيار العنف نهائياً وقطعت مع الإرهاب؟
العلاقة بين المنظمات الإخوانية والتنظيمات الجهادية محل نقاش سواء من الناحية التنظيمية أو من الناحية الفكرية، فالمعلوم أنّ أولى التنظيمات الجهادية كانت الجهاد الإسلامي في مصر سنة 1964 وأغلب قياداتها كانوا في الإخوان. كما أن ظهورها يتزامن مع توتر العلاقة بين عبد الناصر ومنظّر الإخوان سيد قطب. فكأنّ التطرف الجهادي جاء نتيجة لفقدان الثّـقة في القدرة على تغيير المجتمع باتجاه الأسلمة وذلك بسب دور الحكام السلبي. وظهرت في نفس الوقت الجماعة المقاتلة في سوريا. غير أنّ العامل الحاسم في توسع الجماعات الجهادية يتمثل في اعتبار أفغانستان أرض جهاد منذ غزوها من طرف الاتحاد السوفييتي. ومثّل ذلك نقطة نوعية في الانتقال من الجهاد الداخلي ضد الحكام إلى الجهاد الخارجي ضد الاستكبار الغربي. في نفس الوقت واصلت الحركات الإخوانية محاولة التطبيع مع الواقع السياسي بتناقضاته إلى حدود الثورات العربية الأخيرة.

المنافسة السياسية تستوجب تأقلم الحركات الإسلامية مع شروط الديمقراطية، ومنها الاتفاق حول الدولة الوطنية

وقد كشفت السنوات الأولى في الحقيقة تقارباً بين التوجهين، كما لاحظنا ذلك في تونس زمن الترويكا. لكن بسبب التحولات الإقليمية، وبسبب الصمود المدني في تونس، أجبرت حركة النهضة على القطع مع التيارات السلفية بعد أن كانت قد شجعت على انتشارها بالرغم من عنفها. فالتيارات الإخوانية والجهادية تنتمي إلى التوجه نفسه وهو الإسلام السياسي. ولا يمكن لهذا أن يكون بديلاً عن ذلك. والبديل الحقيقي عن الفكر الإرهابي هو الفكر المواطني العقلاني وليس الأصولية الإسلامية.      
ثمة من يرى بأن "تأييد" الغرب لهذه الجماعات إنما هو لسحب البساط من تحت أقدام الإرهاب، الذي يحظى بدوره بمباركته في مناطق أخرى من العالم. ألا ترى في هذا التوجه تناقضاً قد يعود على الغرب ضرره؟
يمكن القول بأن الغرب، وبخاصة منه النخب السياسية، لم تفهم جيداً ظاهرة الإسلام السياسي؛ إذ نلاحظ أنّ هناك خلطاً كبيراً لديها بين الإسلام كهوية اجتماعية وثقافةً وبين الإسلام السياسي. فعديد الحركات اليسارية الغربية مثلاً كانت ترى في الإسلام السياسي نوعاً من مناهضة الأمبريالية، وبالتالي أعطتها نوعاً من الشرعية النضالية. ولدى جمهور آخر من الباحثين في مجال العالم العربي والإسلامي، يرون في الإسلام السياسي تعبيراً عن حداثة ذات خصوصية ثقافية تتميز عن الحداثة الغربية. وقد نظر إلى هذه التوجهات عديد المفكرين مثل؛ برنارد لويس وميشال كامو وبرتراند بادي. وقد ساهمت هذه المقاربات في إعطاء نوع من الشرعية السياسية والثقافية للحركات الإسلامية التي استقرت في الغرب خاصة وقد ذهبت لاجئة من قمع الدكتاتوريات.
وقد ازداد هذا التقارب نسبياً بعد توسع الأنشطة الإرهابية للجماعات الجهادية وبخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر. إذ بدأ الغرب يفكر في استغلال شعبية الإسلاميين في الأحياء المهمشة لمقاومة التطرف، والحال أنه كان في الحقيقة يساعد على انتشار التطرف. ذلك أنّ حركات الإسلام السياسي التي كانت تنشط في ثوب الجمعيات كانت تربي منخرطيها على الخصوصية الدينية التي تميزهم على الغرب كما كانت تشجع على الانطواء الديني ورفض الآخر. كل هذا كان يمثل الأرضية الأولى لتشكل الاستعداد للفعل الجهادي. لقد تغير الوضع نسبياً مؤخراً بسبب التقارب الذي لوحظ بين الجماعات الإسلامية الانتخابية وبين الجماعات الجهادية كما كشف عنه الوضع في سوريا. لذلك بدأت عديد البلدان تحذر الحركات الإخوانية أيضاً.

ينادي الغرب بالديمقراطية وضرورة اعتمادها آلية مدنية لتنظيم الاجتماع السياسي الإنساني، غير أنّ هذه الآلية قد أسفرت صناديقها عن صعود حركات الإسلام السياسي غير المرغوب فيها في أكثر من بلد عربي، غير أنّ التعامل لم يكن نفسه؛ إذ تمت مباركة صعودهم في تونس كما تمت مباركة إسقاطهم في مصر مثلاً، كيف يفهم عادل لطيفي هذا الموقف الغربي المزدوج من الإسلام السياسيّ؟

الديمقراطية ليست مقترحاً غربياً بل هي قبل كل شيء مطلب من داخل حاجتنا. دون ذلك فنحن نشرّع للاستبداد. مثل هذا القول يوحي بأن الديمقراطية منتوج غربي، وهذا غير صحيح لا في التاريخ الحديث ولا المعاصر. فالديمقراطية القرطاجنية ليست غربية، وحتى أثينا كانت تتبع عالم الشرق؛ لأن الغرب لم يوجد بعد آنذاك. أما خلال الفترة المعاصرة فقد لاقت الديمقراطية مصاعب عدة كي تستقر في المجتمعات الغربية. لم تبدأ الديمقراطية في التأكد إلا بعد ثورات 1848. كما لم تخرج إسبانيا والبرتغال من الاستبداد سوى في أواسط السبعينيات من القرن العشرين. الحقيقة أن الديمقراطية باعتبارها شكلاً من أشكال تمثيلية الأمة في الدولة، فرضت نفسها في إطار مسار تشكل الدولة الوطنية بغض النظر عن الثقافات. من جهة ثانية تتطور كل الأنظمة أينما كانت باتجاه الديمقراطية، وهذا مسار لا مناص منه في تاريخ تشكل الدولة الحديثة. بقي أن البلدان الغربية حققت أسبقية في هذا الميدان وبدأت تضغط بالفعل على البلدان النامية عموماً. لكن في الوقت نفسه علينا الإقرار بأنه ليست الحكومات الغربية وحدها من يدفع باتجاه الدمقرطة. بل لا يجب أن ننسى المنظمات الدولية والحقوقية العالمية. أما صعود الإسلاميين فهذا لا يعود إلى آلية الديمقراطية، فهذه الآلية تمثل عاملاً كاشفاً عن طبيعة التناقضات المجتمعية. وبالنسبة إلى نجاح الإسلام السياسي في أول انتخابات حرة في العالم العربي فيعلمه المتخصصون والدارسون منذ فترة. وكان غسان سلامة ذاته قد أورده في أحد كتبه منذ التسعينيات. لكن هذا يخص أول انتخابات، وليس ما سيلحق، حيث يتوقف الأمر على مدى جاهزية القوى المعارضة للإسلام السياسي.

الديمقراطية والإسلام السياسي
في عالمنا العربي يتوق كثيرون إلى تحقيق مطلبين في لحظة واحدة: الديمقراطية، وفشل الإسلام السياسي في الفوز بالانتخابات، برأيك كيف يمكن التوفيق بين الأمرين: تطبيق الديمقراطية وضمان عدم صعود حركات الإسلام السياسي؟

علاقة القوى الديمقراطية مع الإسلام السياسي ليست علاقة إقصاء بل علاقة منافسة، لكن هذه المنافسة تستوجب تأقلم الحركات الإسلامية مع شروط الديمقراطية. ومنها الاتفاق حول الدولة الوطنية وحول مدنيتها؛ إذ لا يمكن تصور ديمقراطية خارج الدولة المدنية. مسألة مدنية الدولة ومسألة العنف هي من أهم الملفات التي وجب على الحركات الإسلامية أن تقدم فيها نقداً ذاتياً ومراجعة فكرية كي تكون خصماً سياسياً في إطار ديمقراطي. وبالتالي فتحقيق الديمقراطية يمكن أن ينجح عموماً في ظل حركات إسلامية معقلنة، أي تعود إلى المرجعية الدينية كأخلاق لا كقانون موازٍ لقانون الدولة. وهذا باعتقادي يسمح بوجود الحركات الإسلامية في المشهد السياسي ولكن لا أعتقد أنه يضمن لهم الوصول إلى السلطة. فالأمر يتوقف هنا على مدى صلابة الأحزاب الديمقراطية واليسارية وواقعيتها.

للمشاركة:

خبير مصري يحذّر: الحرب بين أمريكا والصين ميدانها الذكاء الاصطناعي

2020-05-19

أجرى الحوار: سامح فايز

قال أستاذ علوم الكمبيوتر بجامعة نيويورك الدكتور محمد زهران إنّ حروب المستقبل، وأهمها بين أمريكا والصين، ستكون تكنولوجية، محذراً من أنّ استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب هو الخطر الأكبر، لافتاً إلى أنه عندما يتحارب البشر يوجد حد أدنى من القواعد مثل التفرقة بين المدني الأعزل والعسكري المحارب وبين الرد على الهجوم بمثله أو استخدام قوة مفرطة وتقليل الدمار في الأبنية مثل المتاحف والمدارس والجامعات إلخ، تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لن تكون عندها تلك الأخلاقيات.

هناك سلاحان في الحرب المعلنة بين أمريكا والصين: تطوير برمجيات الذكاء الاصطناعي، وتطوير أجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة

وأضاف زهران في حواره لـ "حفريات" أنّ الخطر من الذكاء الاصطناعي يأتي إذا أعطيناه سيطرة أكثر من اللازم، مثلاً إذا جعلنا الكمبيوتر يصف العلاج لمريض بدون تدخل بشري فهذه سيطرة أكثر من اللازم؛ لأن الكمبيوتر حالياً في برامج الذكاء الاصطناعي تعطيك حلاً دون أن تذكر كيف وصلت لهذا الحل، لذلك لا يجب أن نثق في هذه البرامج بنسبة 100%. يجب أن يكون هناك تدخل بشري في نقطة ما؛ لأنّ البشر يملكون ثقافة ووعياً وأخلاقيات، وهذه لا يمكن ترجمتها في أجهزة الذكاء الاصطناعي، هذه الأجهزة هي أداة، ويجب أن تظل أداة ونستخدمها لرفاهية البشر.
يذكر أنّ زهران عضو هيئة التدريس بجامعة نيويورك بتخصص هندسة وعلوم الحاسبات، حاصل على الدكتوراة في نفس التخصص من جامعة ميريلاند الأمريكية، له العديد من الأبحاث العلمية المنشورة في الدوريات والمؤتمرات الدولية، بالإضافة إلى الأبحاث والتدريس.. له اهتمامات عديدة بتاريخ وفلسفة العلوم، ويرى أنها من دعائم البحث العلمي.

هنا نص الحوار:

حصلت على البكالوريوس والماجستير من هندسة القاهرة والدكتوراة من جامعة ميريلاند الأمريكية ودرَّست في جامعة القاهرة كمعيد وفي جامعة نيويورك كأستاذ، فهل هناك فارق بين الحياة الجامعية في مصر وأمريكا؟
هناك فارق بينهما وقد تكلمت عن ذلك في إحدى مقالات صحيفة "الشروق". الاختلافات أنّ أغلب الطلاب في أمريكا معتمدة على نفسها تماماً (أنا أتكلم عن مرحلة البكالوريوس)، ستجد طالب البكالوريوس في أمريكا يدرس ويعمل في مطعم أو أي مكان آخر أثناء الدراسة؛ لأنه غالباً يدرس عن طريق قروض، هذه القروض تعني أنّ هذا الطالب يجب أن "يستقتل" كي يحصل على درجات عالية ليتمكن من الحصول على وظيفة مرموقة تؤهله لدفع القرض وفوائده، هذا يسبب ضغطاً عصبياً كبيراً للطلبة، الطلبة عندنا في مصر لا تعاني من ذلك؛ لأنّ الأهل يساعدونهم والمصاريف في الجامعات الحكومية ليست كبيرة، الأساتذة في مصر كلهم مصريون لكن أغلب الأساتذة في أمريكا ليسوا أمريكان، كل له فائدته، الفائدة من جميع الأساتذة من نفس الجنسية هي الشعور العائلي في الجامعات المصرية، الفائدة من وجود أساتذة من جنسيات مختلفة هي وجود طرق تفكير مختلفة، وهذا يدرب الطلبة على أنواع مختلفة من التفكير وعلى التعامل مع شخصيات مختلفة.

ستجد طالب البكالوريوس في أمريكا يدرس ويعمل في مطعم أو أي مكان آخر أثناء الدراسة
هل ترى أنّ البحث العلمي مصرياً وعربياً يسير بخطى ثابتة وقادر على المنافسة عالمياً، أم أنّ الوضع لا يزال سيئاً؟
الأساتذة عندنا في مصر تعمل بإمكانيات قليلة، والإمكانيات هنا تعني الأدوات المعملية والوقت والبيروقراطية يعني "بيغزلوا برجل حمار" زي ما المثل عندنا بيقول ولهم كل التحية، الأساتذة في الخارج عندهم كل الإمكانيات المعملية وطلاب دراسات عليا يعملون معهم طوال اليوم لمساعدتهم في أبحاثهم، لذلك عندما نقارن يجب أن نكون منصفين ونقارن الذي ينتجه كل أستاذ بما معه من إمكانيات، ولا يجب أن نقارن في المطلق.

التفاؤل قادم من الجيل الجديد من الطلبة، هؤلاء عندهم حب شديد للبحث العلمي ويبحرون في الإنترنت ليتعلموا

لكن ما يجعلني متفائلاً أكثر هم الجيل الجديد من الطلبة، هؤلاء عندهم حب شديد للبحث العلمي، ويبحرون في الإنترنت ليتعلموا، والخبر الجيد أنّ محاضرات الجامعات الكبرى في العالم موجوده على الإنترنت في مجالات كثيرة بالمجان، فمن يريد العلم سيجده. حتى نسير بخطى سريعة نحو التقدم العلمي يجب أن نشجع هؤلاء الطلاب عن طريق تشجيعهم على النشر العلمي، وعلى الابتكار، ويكون عن طريق وضع خطة متكاملة لاكتشاف الموهوبين علمياً في مختلف المجالات، وتعهدهم بالرعاية منذ البداية، لكن عندي بعض التحفظات: تعهدهم بالرعاية لا يعني استضافتهم في برامج تليفزيونية؛ لأن الشهرة مدمرة في هذا السن الصغيرة، وتعهدهم بالرعاية لا يعني أن نقول لهم إننا نجهزكم لكي تحصلوا على نوبل؛ لأنّ ذلك يجعلهم تحت ضغط، وإذا لم يفوزوا بالجائزة سيشعرون بالإحباط، وأن تتعاطى العلم من أجل الجوائز ليس هو الطريق الصحيح، وأيضاً قد تجعلك تختار بحثاً علمياً لأنك تظن أنه سيربح جائزة، وقد تكون شخصيتك كباحث لا تتواءم مع هذا البحث، لأنه كما للباحثين شخصيات، فإنّ للمعضلات العلمية شخصيات، ويجب أن تتواءم هذه مع تلك حتى تكون هناك فرص للنجاح.
هل التكنولوجيا الآن هي أكبر مؤثر على الاقتصاد في هذا العصر المعتمد على المعلومات والذكاء الاصطناعي وأجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة؟
العلاقة بين التكنولوجيا والاقتصاد علاقة متبادلة تؤثر كل منهما على الآخر، فمثلاً التكنولوجيا الحالية تجمع عنك معلومات كثيرة لتظهر لك إعلانات موجهة وهذه الإعلانات هدفها أن تدفعك لشراء سلعة أو خدمة، وهذه منفعة اقتصادية، البحث العلمي لكي يتحول إلى تكنولوجيا يلزمه تمويل والتمويل يأتي أغلبه من الشركات، وهذه الشركات لن تدفع نقوداً حتى تكون متأكدة أنها ستحصل على أضعافه؛ فهي تختار من الأبحاث العلمية ما يفيدها، والبحث العلمي نفسه قد يوجه الشركات إلى ما ينفعها، وبهذا تكون العملية متبادلة، لكن لا يجب أن ننسى الفاعل الثالث وهي الحكومات فهناك تمويل يأتي من حكومات لتكنولوجيات تفيدها؛ لأن الحروب ستكون حروباً تكنولوجية ومعلوماتية في المقام الأول.

يرى البعض أنّ الخطر الأساسي من وجود الذكاء الاصطناعي يرجع إلى الفرضية القائلة إنّ التقدم الكبير في الذكاء الاصطناعي العام قد يؤدي إلى الانقراض البشري أو إلى كارثة عالمية غير قابلة للاسترداد والحجة الداعمة لهذه الفرضية هي أنّ البشر مهيمنون على باقي المخلوقات لامتيازهم بدماغ ذي قدرات مميزة تفتقر إليها أدمغة المخلوقات الأخرى (كالحيوانات مثلًا)، وعليه إذا تفوق الذكاء الاصطناعي العام على الأدمغة البشرية وأصبحت بدورها فائقة الذكاء فإنها ستكون قوية ويصعب التحكم بها، ويتوقف مصير البشرية على تصرفات هذه الأجهزة؟
الهيمنة تستلزم الشعور بالعظمة والسطوة وهذا ما لن يصل إليه الذكاء الصناعي، الخطر يأتي إذا أعطينا الذكاء الاصطناعي سيطرة أكثر من اللازم، مثلاً إذا جعلنا الكمبيوتر يصف العلاج لمريض بدون تدخل بشري فهذه سيطرة أكثر من اللازم؛ لأنّ الكمبيوتر حالياً في برامج الذكاء الاصطناعي تعطيك حلاً دون أن تذكر كيف وصلت لهذا الحل، لذلك لا يجب أن نثق في هذه البرامج بنسبة 100% يجب أن يكون هناك تدخل بشري في نقطة ما؛ لأنّ البشر يملكون ثقافة ووعياً وأخلاقيات، وهذه لا يمكن ترجمتها في أجهزة الذكاء الاصطناعي، هذه الأجهزة هي أداة ويجب أن تظل أداة ونستخدمها لرفاهية البشر.

التعليم في مصر يواجه مصاعب جمة والخطر يأتي إذا أعطينا الذكاء الاصطناعي سيطرة أكثر من اللازم

  من مخاوف الذكاء الاصطناعي أيضاً تحويل الهجمات الإرهابية إلى وسائل إلكترونية ذكية بلا وجود فعلي للبشر، من خلال استخدام الطائرات بدون طيار أو المركبات ذاتية القيادة كأسلحة. أيضاً الهجمات عن بُعد، حيث إنّ الروبوتات الذاتية ليست بحاجة للتحكم بها من أي مسافة مهما كانت بعيدة.
استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب هو الخطر الأكبر، عندما يتحارب البشر يوجد حد أدنى من القواعد مثل التفرقة بين المدني الأعزل والعسكري المحارب، وبين الرد على الهجوم بمثله أو استخدام قوة مفرطة وتقليل الدمار في الأبنية مثل المتاحف والمدارس والجامعات إلخ، تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لن تكون عندها تلك الأخلاقيات، وهذا هو الخطر والمرتبط بسؤالك السابق وهو إعطاء الذكاء الاصطناعي سلطة أكثر من اللازم، كما قلنا الحروب المستقبلية هي حروب تكنولوجية، لكن النصر فيها سيكون لمن يستخدم تكنولوجيا متطورة تحت مراقبة بشرية.
  ترى أن الحرب أصبحت معلنة بين الصين وأمريكا وقد خرجت من الخفاء إلى العلن وتُستخدم وستُسخدم فيها جميع أنواع الأسلحة ماعدا العسكرية منها على الأقل في الوقت الحالي، فما هي الأسلحة المستخدمة في تلك الحرب؟
هناك سلاحان: تطوير برمجيات الذكاء الاصطناعي، وتطوير أجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة، الذكاء الاصطناعي له استخدامات عدة في الحرب والسلم، ولكن لأنّ الذكاء الاصطناعي ما هو إلا برمجيات فهي تحتاج إلى أجهزة كمبيوتر فائقة السرعة، هذه الأجهزة تستخدم بالإضافة إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تصنيع الأسلحة والبحث عن علاجات للأمراض المستعصية مثل السرطان، بالإضافة إلى المساعدة في الأبحاث المتعلقة بالعلوم الطبيعية مثل الفيزياء والكيمياء والأحياء عن طريق المحاكاة وتحليل الكمية المهولة من المعلومات المتولدة من تلك النظم، هذه النقطة الأخيرة المتعلقة بتعليل كم كبير من المعلومات تجعل أجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة من أهم الأسلحة في يد الأجهزة الأمنية أيضاً، لذلك فالحرب ضارية بين أمريكا والصين في هذين المجالين: الذكاء الاصطناعي وأجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة.
  أدى تطور التكنولوجيا وظهور الأجهزة الذكية المحمولة إلى التأثير بشكل سلبي على العلاقات الاجتماعية والتنمية الاجتماعية للبالغين والأطفال على حدّ سواء، إلى جانب سلبيات أخرى عديدة مثل إجبار الطلاب على استخدام مهارات تعليمية أساسية بشكل أقلّ، حيث ساهم استخدامهم للحاسوب وما يحتويه من أنظمة لتصحيح الأخطاء الإملائية على خفض مهاراتهم الكتابية والإملائية، كيف نتجاوز تلك السلبيات؟
للأسف هذا الكلام حقيقي؛ لأنّ الجيل الجديد أصبح يعاني من ثلاثة أمراض اجتماعية: أصبح تركيزه أضعف، وقراءاته أقل، ويتحرك في أغلب الأحيان قبل التفكير المتأني، وهذه تأثير شبكات التواصل وألعاب الكمبيوتر، لن نتمكن من إلغاء ذلك، لكن يجب تصميم العملية التعليمية حول تلك السلبيات وفي نفس الوقت تدرب الجيل الجديد على استخدام التكنولوجيا الجديدة والمتجددة دائماً في التعلم وإيجاد الحلول، هذا ليس سهلاً ويحتاج إلى جيل كي نرى النتائج، يحتاج إلى تكاتف خبراء التعليم والاجتماع وعلم النفس.

ترى أنّ  البحث العلمي ليس ترفاً بل إنه مع التعليم يعتبر من أهم دعائم بناء دولة قوية، دون التعليم لن يكون هناك بحث علمي ودون بحث علمي سنتسول التكنولوجيا التي تجود علينا بها الدول الغربية بأثمان باهظة وبالتأكيد لن يعطوننا أفضل ما عندهم، فهل التعليم في مصر على ذلك القدر الذي تتمناه؟
التعليم في مصر يواجه مصاعب جمة تأتي من جهات عدة، الأسر تريد من أبنائها الحصول على الشهادة بأية طريقة "لأننا بلد شهادات"، والكثير من المدرسين يعانون من أزمات مالية فيضطرون إلى الدروس الخصوصية على حساب التدريس في المدارس، ومن المدرسين من يعمل بالتدريس وهو لا يحبه ولكنه العمل الوحيد الذي وجده وبذلك لن يبدع، المجتمع لا ينظر إلى المدرس نظرته إلى مهن أخرى، ناهيك عن البيروقراطية، هذه كلها عقبات في طريق التعليم وتستلزم كما قلنا في السؤال السابق تكاتف الكثير من المؤسسات بدءاً من الأسرة، لكن كما قلت أيضاً عندي أمل كبير في هذا الجيل الجديد المتعطش للعلم، نحن نخطو خطوات للأمام لكن الطريق مازال طويلاً.

للمشاركة:

جاد الكريم الجباعي: للإخوان والجماعات الإرهابية أيديولوجيا واحدة

2020-05-12

همّه الدائم الإنسان والإنسانية، الحرية والديمقراطية، المواطنة المتساوية والإرادة الحرة والمستقلة، الاعتراف بالآخر المختلف في وطن يتساوى فيه النساء والرجال في الكرامة الإنسانية والكرامة الوطنية، والحقوق المدنية والسياسية. لا مسافة تفصل بين روحه وقلمه. له العديد من الكتب المنشورة وغير المنشورة: المجتمع المدني، جدلية السياسة والمعرفة، وردة في صليب الحاضر، في حرية الفرد، المسألة الكوردية، طريق إلى الديمقراطية، من الرعوية إلى المواطنة، في الدولة الوطنية، فخ المساواة، إضافة إلى الكثير من الأبحاث والمقالات في الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية. إنه المفكر السوري جاد الكريم الجباعي الذي التقته "حفريات" وحاورته في كثير من القضايا الراهنة فيما يخص الأزمة السورية، وحركات الإسلام السياسي ومسألة الهويات والعصبية وتحرر المرأة وغيرها؛ حيث أوضح أنّ الأيديولوجيا الإخوانية "هي نفسها أيديولوجيا الجماعات الإرهابية، كالنصرة وداعش وغيرهما"، منوهاً إلى أنّ "من أخطر الأوهام اعتبار هذه الجماعات ممثلة للمسلمين؛ السنة أو الشيعة".

وفيما يلي نص الحوار:

*منذ أكثر من ست سنوات والحرب السورية السورية لا تزال في أوجها، برأيكم هل من مخرج لهذه الحرب في ظل التطرف الديني والتعصب السياسي القائمين بين طرفي النزاع، وما هي الممكنات للوصول إلى الاعتدال الديني لدى الجهات الإسلامية المتشددة بوجه عام والسورية على وجه الخصوص؟
أولاً أريد أن أشكرك سيدتي على هذا التقديم، الذي يُلزمني أن أكون كذلك، وأتمنى أن أكون. وهذه براعة النساء، براعة الأنوثة، التي تصنع ذكورة تريدها أن تليق بها. وأشكر موقع (حفريات) الذي شرفني بهذا الحوار، وهذه المحاوِرة. هل تمانعين إذا قلت: المثقفة الجميلة؟
*أشكرك على هذا الإطراء أستاذنا.
الحرب التي لا تزال دائرة في سوريا، وهي حرب قذرة، غير مسبوقة في همجيتها وكارثية آثارها، كانت كامنة في ثنايا الحياة الاجتماعية – الاقتصادية والسياسية، فقد هيأت النخبةُ الثقافيةُ والسياسيةُ، ولا سيما الأقلية الحاكمة، شروط إمكانها، وعززتها السلطة التربوية والتعليمية، التي استمرأت الاستبداد، وكانت أداة فعالة في إعادة إنتاجه، في الحقلين الثقافي والسياسي، ثم في المجتمع، على مدى أكثر من نصف قرن.
هذا، في اعتقادي، ما شكل الخلفية المعرفية والثقافية للتطرف والإرهاب، التي أنتجت نسقاً من التفكير والإدراك والتمثل والتقدير والعمل، ذا طابع ثنوي (مانوي) تفاصلي، إن لم نقل تعادمي، قوامه المركزية الذاتية والتمايز والتفاصل والتفاضل، يعاد إنتاجه مرة تلو مرة، فيصبح ذاتي التغذية. وهو ما يفسر هشاشة المجتمع وسرعة تفككه وتنثُّره ونكوصه إلى الهمجية، سواء في إرهابها المذهبي (الطائفي) أو الإثني أو القومي، وما يفسر انقسامه بين موالين ومعارضين ينبذ بعضهم بعضاً.
*عفوا أستاذ إذا سمحت لي، هذا يعني أنك تحمّل مسؤولية ما يجري في سوريا اليوم إلى النخبة الثقافية التي حضرتك أحد أفرادها، وهل هذا ما دعاك للتراجع عن يساريّتك وانتقادها؟
إذا لم تكن نخبة المثقفين مسؤولة أخلاقياً عما جرى ويجري في وطنها، وفي العالم، لا تكون نخبة، ولا يستحق أفرادها صفة المثقف. ثم إنني لم أتراجع عن يساريّتي؛ تراجعت عن الأيديولوجية اليسراوية التي لا تختلف عن أي أيديولوجية مذهبية، بصفتها أيديولوجية. فقد اتهمني بعضهم بالنكوص عن الماركسية إلى الليبرالية، فشكرتهم على ذلك؛ لأنني رجعت إلى النسغ الحي للماركسية، وأعدت قراءتها ليبرالياً، وصرت أرى في ماركس فيلسوفاً إنسانياً وديمقراطياً، له ما له وعليه ما عليه.

سأتابع:
لكل حرب نهاية مهما طالت؛ فقد تكون هذه الحرب متجهة نحو نهاية ما، تحددها، وتحدد نتائجها، نسبة القوى الضالعة فيها، ولا سيما القوى غير السورية. ولكن الفوضى الشاملة، التي أشاعتها الحرب، على كل صعيد، لا تزال في أوجها، وقد تكون مفتوحة على المزيد. يمكن أن يتوقف القتال، ولكن الحرب قد تستمر بأشكال مختلفة، ما دامت عواملها وشروط إمكانها المشار إليها قائمة في الواقع. التوافق بين الدول الكبرى والقوى الإقليمية لا ينهي حرباً، كالحرب السورية السورية، ولا يحل مشكلات الشعب السوري، ولا يلبي حاجاته وتوقعاته؛ بل لعلّه يعيق عملية تشكل مجتمع سوري وشعب سوري، وإن سيطر هذا الطرف أو ذاك على الجغرافيا السورية، كلها أو بعضها. الجغرافيا ليست كل شيء؛ الشعب هو الأساس. فلا يزال السوريون مختلفين على تعريف الشعب، وتعريف المواطن، ومن ثم تعريف الوطن والوطنية.

الحرب في سورية حرب بين مستبدين يتسلحون جميعاً بأيديولوجيات متشابهة في مبادئها المعرفية والأخلاقية ومتفارقة في شعاراتها وأهدافها

ليس هناك وصفة جاهزة "للوصول إلى الاعتدال الديني"، إذا كان المقصود تحول جماعات الإسلام السياسي إلى الاعتدال. فما زلت أعتقد أن الاعتدال كان السمة الأبرز من سمات الحياة الاجتماعية السورية، لكن الاستبداد الذي جثم على صدر المجتمع السوري، منذ عام 1958، وبلغ ذروته مع ما سمي الحركة التصحيحية، عام 1970، كان هو العامل الرئيس في توليد التطرف والعنف والإرهاب، ابتداء من حظر الأحزاب السياسية وتسييس النقابات وغيرها من تنظيمات المجتمع المدني والسيطرة عليها وصولاً إلى حكم الحزب القائد وأيديولوجيته العنصرية. فالمسألة في سوريا ليست مسألة دينية أو مذهبية، بل هي مسألة اجتماعية – اقتصادية وثقافية وسياسية وأخلاقية أولاً وأساساً، بل يمكن القول إنّها مسألة سياسية؛ إذ عرفنا السياسة بأنّها مُحرَز مدني إنساني، يعني إدارة الشؤون العامة ديمقراطياً، وحل التعارضات الاجتماعية سلمياً، أداتها المثلى هي الحوار، وليست حرباً على المختلفين والمعارضين، كما كانت الحال في سوريا، قبل عام 2011، ولا تزال كذلك، لا في سوريا وحدها؛ بل في جميع البلدان التي ينخرها الاستبداد والفساد. فإنّه من العيب الأخلاقي والضلال المعرفي نسبة التطرف والإرهاب إلى الإسلام والمسلمين، لا إلى جماعات الإسلام السياسي، التي هي الوجه الآخر للاستبداد والتسلط والفساد، كما بينت تجربة الإخوان المسلمين المصريين في السلطة، وتجربة الإخوان المسلمين السوريين في الحرب. أعتقد أن الأيديولوجيا الإخوانية هي نفسها أيديولوجيا الجماعات الإرهابية، كالنصرة وداعش وغيرهما، ومن أخطر الأوهام اعتبار هذه الجماعات ممثلة للمسلمين السنة أو الشيعة.

جماعات الإسلام السياسي نفسها ليست إرهابية بالفطرة؛ بل ثمة ظروف اجتماعية اقتصادية وثقافية وسياسية جعلتها كذلك. الاستبداد والتسلط والاحتكار والفساد والإفقار والتهميش وتقفير الحياة الإنسانية؛ أي جعلها قفراً وقاعاً صفصفاً .. هي ما يولد التعصب والإرهاب. أو بقول آخر أكثر وضوحاً: إن "الاحتكار الفعال لمصادر السلطة والثروة والقوة" وهدر عمومية الدولة؛ أي وطنيتها، وغياب القانون وفساد القضاء، وأدلجة الثقافة والتربية والتعليم وهدر المؤسسات وهدر الوطن والوطنية والمواطنة، وهدر الإنسان جملة هي ما يولد التعصب والإرهاب، حسب تحليل مصطفى حجازي.
لا يكون سلام إلا بزوال أسباب الحرب، وما زلت أعتقد أن الاستبداد والتسلط والاحتكار وما نجم عنها، في مختلف مجالات الحياة، من أبرز أسباب الحرب الدائرة في سوريا. ولما كان الاستبداد الديني ظهيراً وحليفاً للاستبداد السياسي، على مر التاريخ، فإنّ الحرب الدائرة في سورية حرب بين مستبدين، يتسلحون جميعاً بأيديولوجيات متشابهة في مبادئها المعرفية والأخلاقية ومتفارقة في شعاراتها وأهدافها؛ لأنّ الجميع يقاتلون من أجل "الغنيمة والعشيرة والعقيدة"، بتعبير محمد عابد الجابري.
*في مقالة لكم نشرت في حيرون بتاريخ 29 أيار(مايو)، 2017 بعنوان "الوطنية واللغة/ الفكر والممكنات الأخلاقية"، تقولون فيها: "لا يمكن تغيير الواقع من دون تغيير فكره. فكر البعث وفكر الشيوعيين وفكر الجماعات الإسلامية هو فكر هذا الواقع الذي يجب تغييره، للشروع في تغيير الواقع نفسه، وإطلاق الممكنات الأخلاقية للأفراد السوريات والسوريين والأسر السورية، أي لإطلاق سيرورة تشكل مجتمع حديث ودولة حديثة، مركزية أو فدرالية. على من تراهنون في تغيير المجتمع، هل تراهنون على المثقفات والمثقفين أم على الأفراد، أم على السياسيين والمتدينين؟
كل نموذج ثقافي يتأسس على نموذج معرفي – أخلاقي، هو الذي يحدد أنماط التفكير وأنماط السلوك بالتلازم، بين التفكير والسلوك، والأخلاق محايثة للفكر والسلوك. فمع صعود المد القومي العربي، الذي دشنته ثورة 23 تموز (يوليو) 1952، في مصر، وتُوِّج بالوحدة المصرية السورية، تفكك الحقل السياسي الوطني، في كل مما سميت "الدول التقدمية"، وتبلورت ثلاثة اتجاهات ساسية – أيديولوجية ما فوق وطنية: قومية عربية، واشتراكية (ماركسية) وإسلامية أصولية وسلفية، أزعم أنّ لهذه الاتجاهات جذراً معرفياً وأخلاقياً مشتركاً، قوامه ثنوية إقصائية، تقسم كل منها المجتمع قسمين: تقدمي ورجعي، أو اشتراكي ورأسمالي، أو إسلامي وجاهلي، تحولت في حالات كثيرة إلى استئصالية. التفاصل الأكثرة خطورة كان بين الحركة القومية.
*عفواً، برأيكم لماذا انزلق الشعب السوري إلى التفاصل الذي تتحدثون عنه؟
لنقل: إنّ السوريين والسوريات انزلقوا وانزلقن إلى التفاصل؛ لأنّهم لم يتشكلوا مجتمعاً مدنياً وأمة حديثة وشعباً، ولم يجعلوا من سوريا وطناً، ولم ينتجوا دولة. هذا يفتح ملفات كثيرة ليس هنا تفصيلها. فإنّ جمعاً غير منسوج من العائلات الممتدة والعشائر والإثنيات بمحمولاتها الدينية والمذهبية لا يساوي شعباً.

ما يسمى صراعاً دينياً كثيفاً ليس سوى صراع لجعل الدين أداة ووسيلة، لتحقيق غايات سياسية ومنافع مادية، دنيئة على العموم

الحركة القومية هي التي استولت على السلطة في كل من مصر وسوريا والعراق والجزائر وليبيا، وأسفر عن نبذ جماعات الإسلام السياسي، ولا سيما جماعة الإخوان المسلمين، وجمهورها من المجال العام، واحتواء الاتجاه الاشتراكي (الماركسي)، النخبوي عموماً، بالترغيب والترهيب، جراء التحالف مع الاتحاد السوفييتي السابق. هذا التفاصل الأيديولوجي، الذي يقنِّع مصالح خاصة عمياء، من جهة، ويعيد إنتاج الاستبداد في الحياة العامة من الجهة المقابلة، أدى إلى تصدع الحقل السياسي وتفككه، وانقسام المجتمع إلى متن يحظى بالسلطة والثروة والجاه، وهامش محروم يتسع باطراد، ويزداد فقراً وبؤساً ومهانة. (تبلغ نسبة الفقر العام، في سوريا، نحو 80%)
تفكك الحقل السياسي الوطني، انتقل إلى الحقل الثقافي، وإلى حقل التربية والتعليم، ثم إلى المجتمع، أو إلى "الشارع"، كما يقال، فآلت هذه الدول "التقدمية" إلى سلطات شمولية، ومجتمعات مفككة، وأيديولوجيات عدمية وتعادمية، وتصحُّر معرفي وانحطاط أخلاقي: الآخر المختلف رجعي أو خائن أو عميل أو كافر أو زنديق، استبعاده أو استئصاله والقضاء عليه إذا أمكن، واجب قومي أو ثوري أو ديني. وهذا لا يزال شائعاً بصيغ مختلفة. لذلك لا بد من حركة نقدية ونقاش عام، لكشف عدمية هذه الأيديولوجيات، وكنسها، تمهيداً للانشغال بالواقع والاشتغال فيه ومفهمته أو تنظيره (على الرغم من السمعة السيئة للتنظير؛ أي للفكر، التي أشاعتها هذه الأيديولوجيات القاتلة). على هذا الأساس نراهن على ما نسميه آليات الدفاع الذاتي، والممكنات الأخلاقية، التي يتوفر عليها أي مجتمع يتعرض لمثل ما تعرض له المجتمع السوري، ويقرر (أفراداً وجماعات) ألا يتعرض له مرة أخرى. وهذا لا يتحقق إلا بالنسيان الإيجابي، الذي تعززه إجراءات العدالة الانتقالية. هذا النسيان الإيجابي نفسه، في أفق المستقبل وتدبير المصير، أحد الممكنات الأخلاقية، إضافة إلى إرادة الحرية والحياة الكريمة، التي لا تكون إلا بشعور عميق وأصيل بسموّ الرابطة الإنسانية، وسموّ الرابطة الاجتماعية، على سائر الروابط الأخرى. رهاننا معقود على المجتمع، الذي ينتج نفسه، على الأفراد والأسر والتنظيمات والمؤسسات، ومن ثم على دولة حق وقانون لا تقل ضرورتها عن ضرورة الاجتماع المدني.
*ورد في مقدمة كتابكم فخ المسواة: مفهوم العصبية أكثر نجاعة من مفهوم الصراع الطبقي، ولكنه لا ينفيه ولا يلغيه، بل يساعد في تعيين حدوده وقوته الإجرائية في مجتمع تتجاور فيه بنى وتشكيلات قديمة وحديثة، وثالثة بين بين. ولكن تحليل العصبية، بما هي أكثر العقبات كؤداً في طريق التحول الديمقراطي وتحليل صراع العصبيات أو الهويات، الذي يسم تاريخنا القريب والبعيد، يطمسان أثر نصف الجماعات والمجتمعات المعنية في إعادة إنتاج العصبية وتأريث النزاعات، ويهملان الرابطة القوية بين المركزية الإثنية والمركزية الذكورية، ما يثلم التنظير لبواعث التحول الديمقراطي ومقتضياته، ومن ثم لتحديد معوقاته والعقبات التي تعترض سبيله.
هل من رابط يربط بين العصبية الدينية وبين العصبية الذكورية؟ وما دور المرأة في إعادة تشكيل مجتمعٍ خالٍ من التعصب والتطرف بكافة أشكاله؟

أشكرك على هذا السؤال. زعمي أنّ مفهوم العصبية أكثر نجاعة في تحليل بنى المجتمع السوري متأتٍ من واقع الانقسامات العمودية، العائلية والعشائرية والإثنية والمذهبية، ما قبل المدنية، المؤسسة كلها على وهم المركزية الذاتية. ثمة علاقة لا تنفصم بين العصبية والمركزية، ناتجة من علاقات القوة، وإرادة السيطرة ومبدأ الغلبة والقهر، وحق الأقوى، في حين يفترض القائلون بالصراع الطبقي أنّ المجتمع منقسم أفقياً، بحكم تقسيم العمل الاجتماعي الحديث، وهذا حق، أما إسقاطه على المجتمعات القديمة والمجتمعات المتأخرة، كمجتمعنا، ففيه كثير من التعسف. لذلك، صرت أميل إلى مفاهيم رأس المال الاجتماعي ورأس المال الثقافي ورأس المال الرمزي، بصفتها أدوات تحليل، تنطلق من أولوية التواصل والتعاون والثقة والعلاقات الأفقية والشبكية، وتستبعد الصراع التعادمي بين طبقتين: البورجوازية والبروليتاريا على سبيل المثال. كما أميل إلى استعادة مفهوم الاغتراب، لتحليل الظاهرات الاجتماعية والثقافية.
العلاقة بين العصبية والمركزية، بقدر ما هي واقعية، تفسر كون المركزية ذكوريةً، لأن أول تعصب في التاريخ كان تعصباً على النساء، وأول عبودية في التاريخ كانت عبودية النساء، وشتان ما بين العبدة والحر. والحرَّات أو الحرائر، (في مقابل الإماء)، في تاريخنا ومجتمعنا لسن كذلك بذواتهن، بل بآبائهن وأجدادهن وأزواجهن.
*ما زال السؤال قائماً، ما دور المرأة في حل النزاع؟
دور المرأة، في الأوضاع الراهنة محدود جداً، للأسف، كيف يمكن أن تسهم النساء في حل نزاع أقحمن أنفسهن فيه أو أقحمهنّ الرجال فيه؟ ألم تسمعي عن المشادات والشتائم البذيئة المتبادلة بين منتدِيات ومؤتمِرات، في ندوات ومؤتمرات نسوية ضمت مواليات ومعارضات؟ تعصب النساء على طرفي الموالاة والمعارضة لا يترك لهن مجالاً للإسهام في حل النزاع وبناء السلام، وهذا يفترض أن يكون دورهن الرئيس، فهنّ أقرب إلى الذكور على صعيد التفكير والإدراك والتمثل والتقدير والعمل، أي استبطان النموذج البطركي الذكوري والمشاركة النشطة في إعادة إنتاجه؛ مَثلُهن الأخلاقي الأعلى المرأة المحاربة والمشجعة على الحرب، والتي تقدس البطولة والشهادة، والمستثنيات من ذك قلة مبشِّرة على كل حال. ظاهرات المجندات المقاتلات، على طرفي النزاع، مخجلة ومحبطة، من وجهة نظري غير المقبولة. أنا ضد الجيوش والحروب كافة، وضد التربية على التوحش والهمجية، بوجه عام، وضد تجنُّد النساء أو تجنيدهن في صفوف الجيش والشرطة والمخابرات، بوجه خاص. الداعيات إلى المساواة لا يجدن بأساً في ذلك؛ بئست المساواة في الهمجية والتوحش.
*في كتابكم في الدولة الوطنية، تحيلون فكرة الدولة المدنية إلى "سيد قطب" زعيم جماعة الإخوان المسلمين، ونرى اليوم أن السواد الأعظم من القطب المعارض في سوريا يطالبون بدولة مدنية. هل نفهم أن جماعة الإخوان المسلمين وراء هذه المطالبة بالدولة المدنية أم لكم رأي آخر؟
لقد وصفت شعار الدولة المدنية بأنه "تلفيق فكري وتلبيس سياسي"، قد أكون مخطئاً، ولكنني ما زلت عند هذا الرأي. لأن الشعار المذكور روجه الأخوان المسلمون في مصر وسورية، مع أنه متناقض على طول الخط مع مقولات حسن البنا، موسس جماعة الإخوان المسلمين: "الإسلام دين ودنيا ودولة .. مصحف وسيف"، التي تتبناها الجماعة، ومتعارض بالقدر نفسه مع مبدأ الحاكمية عند الجماعة، ومع مبدأ الدعوة والجهاد، والدعوة أساس التطرف والجهاد أو النضال أساس الإرهاب، عند الإسلاميين وغير الإسلاميين، كالبعثيين والشيوعيين.
* يشهد اليوم العالم العربي والإسلامي صراعاً دينياً كثيفاً، كما يشهد تشكيل جماعات إسلامية متطرفة غالبيتها من الشباب والشباب المتعلم أو بالأحرى الشباب الأكاديمي. برأيكم، ما الدوافع وراء انخراط الشباب في الجهاد والتطرف والتعصب؟
ما يسمى صراعاً دينياً كثيفاً ليس سوى حجاب كثيف يخفي طبيعة الصراع الفعلية ومرامي القوى المتصارعة. وهو؛ أي ما يسمى صراعاً دينياً، تعبير فج عن جعل الدين أداة ووسيلة، لتحقيق غايات سياسية ومنافع مادية، دنيئة على العموم. ليس هنالك صراع بين الإسلام والمسيحية، أو بين المسلمين والمسيحيين، على سبيل المثال. ولم يكن هناك صراع بين المسلمين واليهود، قبل قيام "دولة إسرائيل"، والصراع العربي الإسرائيلي، ليس صراعاً دينياً، لا في مبتداه ولا في سيرورته، إلا في نظر إسلاميين متطرفين. الحركة الصهيونية استثمرت الدين اليهودي، وأرادت أن تجعل منه "قومية يهودية"، وعندنا من أراد ولعلّه يريد أن يجعل من الدين الإسلامي "قومية إسلامية"، مع أن تعبير قومية إسلامية متناقض في ذاته، كالقومية اليهودية. الأيديولوجيات التي أشرنا إليها، وهي أيديولوجيات عدوانية، صراعية وعدمية وتعادمية، هي تحوير للواقع الفعلي، القاسم المشترك بينها هو كره الأخر المختلف، والتنكر لإنسانيته فضلاً عن حريته وحقوقه
 

* ما أهم المظاهر الفكرية للتعصب والتطرف الديني، وما هي نتائجه؟
هناك مظاهر كثيرة تنم على المبادئ المعرفية والخلفيات الفكرية للتعصب والتطرف، سواء كانا دينيين أم لادينيين، من أكثرها وضوحاً اليقين المطمئن بامتلاك الحقيقة، يُعبَّر عن هذين اليقين وامتلاك الحقيقة بالتصديق التام لكل ما يتصل بمرجعية المتكلم أو المتكلمة، والرفض التام لما عداها، ومن ثم، القبول التام بكل ما توجبه هذه المرجعية من تصديقات ومعاملات، والرفض التام لما عداها. الحقيقة عند المتعصب المتطرف مطلقة وثابتة، اجتُرحت مرة واحدة وإلى يوم الدين، وهي مستقرة في نص مقدس، دينياً كان النص أم غير ديني، كالنص الماركسي أو الماركسي اللينيني، على سبيل المثال، أو في "القواين العلمية" حتى، لدى العلمويين، الذين لا يدركون أن تاريخ العلم هو تاريخ أخطائه. ولعل أخطر المظاهر "الفكرية" للتعصب والتطرف أن المتعصبين والمتطرفين يمنحون أنفسهم حقاً مطلقاً في تقرير مبادئ الحق والأخلاق، ويفرضونها على الآخرين بالقوة.

المتطرف داعية ومبشر، متعهد خلاص النفوس وحامل مفاتيح الجنة. الدعوة والتبشير هما لب التطرف وقوامه

ولكن، إذا كان الاستبداد والتسلط والإفقار والتجهيل والتهميش وهدر كرامة الإنسان ومصادرة حريته، وتشييئه أو تحويله إلى أداة ووسيلة وموضوع للسلطة .. من أبرز العوامل التي تولد التعصب والتطرف، فإن المتعصبين والمتطرفين ضحايا هذه الشروط اللاإنسانية، لذلك لا تُعالَج مسائلُ التعصب والتطرف والعنف والإرهاب إلا بالقضاء على أسبابها، لا بالقضاء على ضحاياها، على نحو ما نرى ونسمع اليوم. هل هذا دفاع عن الإرهابيين؟! أجل، هو دفاع عن الإنسان، لا عن الإرهاب. المتعصبون والمتطرفون أبناء مناخ عصيب وسلطات متطرفة. من أقبح مفارقات هذه الأيام محاربة الإرهاب ومناصرة من يصنعونه صنعاً وحمايتهم. هذه المفارقة لدى حكومات الدول الديمقراطية أكثر قباحة. بحسبة بسيطة، الأموال والجهود التي تبذل في سبيل كذبة "الحرب على الإرهاب"، منذ عام 2001، كافية لتجفيف منابعه شيئاً فشيئاً على الأقل، لو أن معايير هذه الحرب إنسانية أو مدنية على أقل تقدير.
بالعودة إلى المظاهر الفكرية للتعصب والتطرف، تجب الإشارة إلى أن المتعصب لا يصير متطرفاً، وقابلاً لأن يصير إرهابياً، إلا حين يُقنع نفسه، ويحب أن يقنع الآخرين بأنه حامل رسالة لهداية البشرية وإنقاذ العالم تعويضاً عن إنسانيته المهدورة وذاته الضائعة. المتطرف داعية ومبشر، متعهد خلاص النفوس وحامل مفاتيح الجنة. الدعوة والتبشير هما لب التطرف وقوامه.

للمشاركة:



تصريحات أردوغان حول سورة الفتح تثير جدلاً.. وناشطون: أين الإخوان المسلمون؟!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-31

أثار الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، موجة استهجان واستنكار عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بتصريحاته الأخيرة حول سورة الفتح؛ حيث زعم أنّها نزلت في فتح إسطنبول لا مكة المكرمة.

تصريحات أردوغان جاءت في خطاب وجّهه، عبر الفيديو، إلى المشاركين في الفعاليات التي أقامتها وزارة الثقافة والسياحة أول من أمس أمام آيا صوفيا، بمناسبة الذكرى 567 لفتح إسطنبول (القسطنطينية)، حيث شارك الرئيس في قراءة سورة الفتح بهذه المناسبة.

ومنذ وصول أردوغان إلى السلطة في 2003 يسعى جاهداً لتسييس الدين.

وليست هذه المرة الأولى التي يصرح أردوغان بمعلومات دينية وتاريخية مغلوطة، ففي وقت سابق قال إنّ الأتراك شاركوا في غزوات بدر وأحد وحنين والخندق، وذلك رداً على زعيم المعارضة التركية، كمال كليتشدار أوغلو، بعد انتقاده مقتل جنود أتراك في سوريا.

ورفض الكثير من الناشطين عبر مواقع التواصل الاجتماعي تصريحات أردوغان معتبرين أنّها "تحريف للقرآن الكريم لأغراض سياسية"، منوّهين إلى أنّ أتباعه ومواليه من تنظيم الإخوان المسلمين، المصنّف في كثير من الدول "تنظيماً إرهابياً"، سيصادقون على ما قاله أردوغان، ولن يتجرأ أحد منهم على تكذيبه أو التصحيح له.

ينير أوغلو يصف قول أردوغان بـ "الهراء"، ويؤكد أنّه يحاول إلهاء الشعب التركي عن المشاكل الكبيرة

وفي هذا السياق قال الناشط عبد الله أبو محمد عبر موقع فيسبوك، إنّ الرئيس التركي "لم يكن ليتجرأ على كتاب الله لولا معرفته أنّ هناك طابوراً من تنظيم الإخوان المسلمين لن يحرك ساكناً غضباً لله ولكتابه الكريم".

من جهته، كتب المغرد ابن خلدون قائلاً: "أردوغان يهذي من جديد، بعد ادعائه أنّ الأتراك شاركوا في بدر وأحد وحنين والخندق، اليوم يدعي أنّ سورة الفتح لم تنزل في فتح مكة بل نزلت في فتح اسطنبول".

أما الناشط زهرانكو فقال إنّه تصفح عدداً من حسابات الإخوان والإسلاميين الموالين للرئيس التركي، باحثاً عن استنكار أو رفض لما قاله أردوغان عن سورة الفتح، فلم يجد، معتبراً أنّ هؤلاء "منافقين وأنّ انتماءاتهم الحزبية تفوقت على انتماءاتهم الدينية".

من جانبه، أعرب نائب رئيس حزب "الديمقراطية والتقدم" (ديفا) المستقيل من حزب العدالة والتنمية مصطفى ينير أوغلو، عن استيائه من قول أردوغان، ووصفه بـ"الهراء"، كاشفًا أنّ أردوغان يحاول عن طريق هذه الأجندات العبثية إلهاء الشعب التركي عن الحقائق اليومية والمشاكل الكبيرة التي يعاني منها الشعب.

وأضاف أوغلو، خلال لقاء تليفزيوني على قناة "خلق"، أنّ أردوغان بمثل هذه الأمور يحاول تنويم الشعب بأفكار مثل فتح أيا صوفيا، في حين أنّه يوجد من لا يستطيع شراء الخبز ومن لا يستطيع دفع إيجار مسكنه في تركيا.

للمشاركة:

اليمن: كورونا يجتاح مناطق سيطرة الحوثيين وسط تكتم الميليشيات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-31

طالبت الحكومة اليمنية الشرعية، بموقف أممي ضاغط على الحوثيين، للقبول بتشكيل لجنة مشتركة للتصدي لوباء كورونا، بشكل عاجل ودون شروط.

الحكومة الشرعية تتهم الحوثيين بإخفاء الأرقام والإحصائيات الحقيقية لانتشار الوباء في مناطقها

ودانت الحكومة، في بيان نشرته وكالة الأنباء الرسمية (سبأ)، استمرار الحوثيين في انتهاج ما سمتها "ممارسات النظام الإيراني بتزييف الحقائق والتنصل من المسؤوليات وإخفاء الأرقام والإحصائيات الحقيقية لانتشار الجائحة في مناطق سيطرتهم"، مؤكداً دعمها للبيان الصادر عن اللجنة الدائمة للوكالات الأممية الثلاثاء الماضي، الذي حذر من خطورة الوضع الصحي والإنساني في البلاد، ودعا إلى دعم دولي أوسع لليمن.

على صعيد متصل، قال طه المتوكل وزير الصحة في حكومة الحوثيين، غير المعترف بها دولياً، أمس، إنّ نسبة الشفاء من كورونا في المناطق الخاضعة لسيطرتهم عالية جداً، فيما لم تعلن بشكل رسمي عن أعداد المصابين بالفيروس.

وفي تصريحات نقلتها قناة "المسيرة" الفضائية التابعة للجماعة أضاف المتوكل: "معدلات حالات الشفاء من فيروس كورونا عالية جداً في اليمن (يقصد المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة)".

يأتي ذلك فيما يبدو رداً على اتهامات رسمية وشعبية متكررة للحوثيين بشأن إخفاء الأرقام الحقيقية للحالات المصابة بفيروس كورونا في المناطق الخاضعة للجماعة.

وأعلنت الأمم المتحدة، أول من أمس، أنّ مستشفيات اليمن المخصصة لمواجهة جائحة كورونا وعددها 38، امتلأت أسرّتها تماماً بمصابي الفيروس.

كما لفتت المنسقة الأممية في اليمن، ليز غراندي، إلى أنّ نسبة الوفيات من كورونا في البلاد تصل إلى 20 في المئة مقارنة بالمتوسط العالمي البالغ فقط 7 بالمئة.

وحتى مساء أول من أمس، بلغ إجمالي إصابات كورونا باليمن 283 شخصاً، بينها 65 وفاة و 11 حالة تعاف وفق إحصائيات رسمية.

الأمم المتحدة: مستشفيات اليمن المخصصة لمواجهة كورونا وعددها 38، امتلأت أسرّتها بالمصابين

ولا يشمل ذلك مناطق سيطرة الحوثيين الذين أعلنوا حتى 18 أيار (مايو) الجاري تسجيل 4 إصابات بكورونا بينها حالة وفاة، وسط اتهامات رسمية وشعبية للجماعة بالتكتم على العدد الحقيقي للضحايا.

بدوره، انتقد أحد أعضاء ما يسمى اللجنة الثورية العليا لميليشيات الحوثي، محمد المقالح،  مسؤولي وزارة الصحة في حكومة الميليشيات بسبب تكتمها على تفشي الوباء وعدد الإصابات والوفيات في مناطق سيطرتها.

وكشف في سلسلة تغريدات على "تويتر"، أنّ الفيروس تفشى في العاصمة صنعاء ومناطق أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين، داعياً جماعته إلى كشف الحقيقة وعدم التكتم على المعلومات.

وأكد أنّ الجائحة انتشرت في صنعاء وبعض المحافظات اليمنية الأخرى، وأصبحت حديث الناس، بينما وزير صحة الميليشيات لا يزال ينتظر ظهور حالة أخرى قادمة من الصومال أو جيبوتي للإعلان عنها.

في سياق متصل، كشف فيديو مسرّب لأحد العاملين في مستشفى الكويت الجامعي بالعاصمة اليمنية صنعاء، الخاضعة لسيطرة ميليشيات الحوثي، أرقاماً كبيرة لعدد الإصابات بفيروس كورونا المستجد، والذي تتكتم الميليشيات على انتشاره.

وظهر في الفيديو، الذي نشره وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، على حسابه على تويتر، أول من أمس، أحد العاملين في المستشفى الذي خصصته الميليشيات للحجر الصحي، وهو يعلن أنّ عدد المصابين في هذا المستشفى فقط بلغ ما بين 400 إلى 500 مصاب بفيروس كورونا، فيما لم تعترف الميليشيات حتى الآن سوى بـ 4 حالات فقط، منها حالتان زعمت أنهما تعافتا، وحالة وفاة لمهاجر صومالي.

للمشاركة:

حزب الله يفقد مصالحه في أوروبا.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-31

أشادت وزارة الخارجية الأمريكية، مورغان أورتاغوس، أمس، بتبني البرلمان النمساوي مشروع قانون لحظر حزب الله اللبناني ووقف نشاطاته.

البرلمان النمساوي يتبنّى مشروع قانون لحظر حزب الله اللبناني ووقف نشاطاته

وأعلن البرلمان النمساوي تبنّيه بالإجماع قراراً لدعوة الحكومة النمساوية إلى الحد من نشاطات التنظيم، وإطلاق مجموعة من المبادرات المماثلة على صعيد الاتحاد الأوروبي، وفقاً لما ذكره عضو البرلمان مارتن إنغلبيرك في تغريدة أول من أمس.

وأعادت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية، مورغان أورتاغوس التغريد معلقة: "نرحب باعتراف البرلمان النمساوي بالتهديد الذي يمثله حزب الله في أوروبا وندعو إلى اتخاذ خطوات إضافية ضد الكيانات الإرهابية التي توكلها إيران".

وارتفعت الأصوات المطالبة بحظر نشاطات الحزب في النمسا بالأخص بعد اتخاذ قرار مماثل في ألمانيا.

وكانت وزارة الداخلية الألمانية أعلنت في أواخر نيسان (أبريل) الماضي حظر كافة أنشطة حزب الله اللبناني المدعوم من إيران على أراضيها وصنفته "منظمة إرهابية".

كما نفذت الشرطة مداهمات على جمعيات مساجد في 4 مدن بأنحاء البلاد يعتقد مسؤولون أنها مقربة من الجماعة الشيعية المسلحة.

الخارجية الأمريكية: نرحب باعتراف البرلمان النمساوي بالتهديد الذي يمثله حزب الله في أوروبا

وذكرت الوزارة أنّ القرار يعني حظر رموز حزب الله في التجمعات أو المنشورات أو وسائل الإعلام وإمكانية مصادرة أصوله، وأضافت أنه نظراً لأن الجماعة منظمة أجنبية فلا يمكن حظرها وحلها.

داخلياً؛ طالب مئات المواطنين اللبنانيين، في وقفة احتجاجية نظموها، أمس، أمام مركز "قصر العدل" في العاصمة بيروت بسحب سلاح حزب الله وحصره بيد الدولة، وفق ما نقلت مواقع محلية.

ورفع المتظاهرون لافتات كتب عليها "لا للسلاح غير الشرعي والدويلة داخل الدولة"، وسط إجراءات أمنية مشددة من الجيش وقوى الأمن الداخلي اللبنانيين، لمنع حصول أي اشتباكات أو اعتداءات من قبل عناصر حزب الله، كما حصل في السابق.

وتؤشر تظاهرة "قصر العدل"، أمس، إلى موجة جديدة من الاحتجاجات امتداداً لحراك "أكتوبر"، الذي طالب بتنحي السلطة الحاكمة، والرافض لسياسات حكومة "حزب الله".

للمشاركة:



اغتيال عيّاش والكرمي واعتقال السيد: أسرار "العمليات الكبرى"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-31

أجرى الحوار: بن كسبيت


ماذا حصل لمن أرسله؟
"كان هذا عباس السيد. جاء إلى هنا لإقامة خلية إرهابية. بادر وبعث الانتحاري إلى فندق بارك. جيري (اللواء اسحق غرشون) وأنا اكتشفنا أين هو، في مخيم طولكرم للاجئين. وكان هذا في زمن "السور الواقي". كنا نعرف ان لديه عبوة اخرى مضافاً لها سيانيد. أمسكنا بالعبوة. عثرنا على الكثير من السلاح. اعتقلنا كل الخلية باستثناء السيد الذي نجح في الفرار بشكل ما.
"في النهاية وصلتنا المعلومات الاستخبارية حيث يوجد السيد. فأمرت ألا يخرج أحد من هناك دون إذن شخصي مني. ذهبنا الى وزير الدفاع فؤاد الى بيته كي نحصل على الإذن بهذه العملية. كنت أنا وضابط من الجيش وشرحنا له الوضع وهمس الضابط بأن فؤاد لن يصادق. رأيت أن فؤاد لا يستمع إلينا. وقال في الختام انه لا يصادق. ركلت الضابط في قدمه كي يسمح لي بالحديث، وقلت له سيدي وزير الدفاع لماذا لا تصادق؟ قال فؤاد إن رئيس الوزراء في الولايات المتحدة، ولا يريد أن يتورط، المطلوب مواطن أميركي. وهذا فقط ما ينقصنا الآن. فقلت لفؤاد شيئاً بسيطاً: سيدي لن أخرج من هذه الغرفة إلى ان تصادق. فما العمل الذي تخافه؟ ان نقتل بالخطأ امرأة وطفلا؟ هيا نقرر ان ناراً ثقيلة من دبابة أو ما شابه لن تحصل الا بإذنك. واننا سنستخدم وسائل خفيفة فقط. لا نضمن لك ألا يقتل أبرياء ولكن نعدك باننا نبذل كل جهد مستطاع ألا يحصل هذا. وعندها طلب فؤاد أن نشرح له الأمر منذ البداية، إذ انه لم يكن يستمع إلينا. شرحنا له فصادق. وأي قذيفة يجب أن يقرها قائد لواء".
حصل الاعتقال بسلاسة؟
"لا. كانت هناك مشكلة عسيرة. كان هذا بالضبط بعد جنين، حيث قتل الكثير من المقاتلين. كلف جيري بالاعتقال قائد الوحدات العسكرية في مخيم طولكرم. ولمفاجأتي فقد رفض هذا على اعتبار انه سيقتل أبرياء وانه خطير. فليس كل مطلوب يستحق هذا كما قال. لشدة الحظ، لم يوافق جيري. قال لي اشرح لهم أهمية هذا الاعتقال، فليس هذا مجرد شخص ما. قلت لجيري كلف وحدة جولاني بذلك. ففعل. فدخلت قوة من جولاني واعتقلت السيد بسهولة بلا إصابات".

تعال نتحدث عن المهندس يحيى عياش. كانت هذه أيضا هي تصفيتك، صحيح؟
"نعم. في نيسان 1995 ذهبت الى غزة، وعُينت رئيساً لدائرة إحباط الإرهاب في الجنوب. فقال لي من سأحل محله إنه هذه الليلة سنتلقى أدلة على ان عياش وصل الى القطاع. وكانت هذه هدية تلقيتها. كلانا وصلنا غزة معاً.
"فهل هذه بشرى طيبة أم سيئة؟ من جهة الرغبة في أن أكون من يشطبه، ومن جهة اخرى كان هذا أحد أخطر من عملوا ضدنا؟
"مشاعر مختلطة. يحيى عياش هو رمز. في جنازته خرج مليون شخص. في النهاية من شطبه ومن وقف في رأس العملية لم يكن أنا فقط، بل قدرة تنظيمية، تكنولوجية، ابداعية مذهلة من الجهاز. لم أتمن ان يصل عياش الى غزة، ولكن فهمت بأن هذا شخص يجب وقفه".
ما الذي كان يتميز به؟
"كان فيه خليط نادر من القدرات للتمثيل بنا. كان ذا حضور غير عادي. زعيم منذ الولادة. حذر جداً. مصاب بجنون الاضطهاد حقاً. لم يتكلم بهاتف. لم ينم ليلتين متواصلتين في سرير واحد. كان متديناً متطرفاً، متزمتاً بجنون. مقتنا أساساً نحن اليهود. كان دافعه دينياً صرفاً. الامر الثالث هو قدرته في مجال الهندسة الكيميائية، التي جعلته مهندساً مع قدرة على بناء عبوات فتاكة. حمله لقباً في الكيمياء من جامعة بيرزيت هو الذي قتله. حتى اليوم لم يقم واحد آخر مكانه".
كيف لحقيقة أنه مهندس قتلته؟
"وجدنا في منزل والديه صورة له مع عدة طلاب من جامعة بيرزيت في الثلج الذي نزل في حينه في جبال القدس. طلبت تحليلاً دقيقاً لكل ما كان في الصورة. بدت هذه عصبة متراصة. وعندها تبين أن أحدهم غزي. في تلك الفترة كان طلاب من غزة يتعلمون في بيرزيت. وعبر هذا الغزي وصلنا في النهاية الى عياش نفسه".
بالمناسبة، كيف دخل الى غزة دون أن تعرفوا؟
"صدّق أولا تصدّق، في تلك الفترة لسذاجتنا أو لغبائنا كانت الرقابة والتفتيش على الخروج من غزة فقط وليس على الدخول اليها. كان تقديرنا أن أحداً لن يرغب في الذهاب الى هناك. ولكن عياش نجح في الدخول. وعندها فهمنا حجم الخطأ، وبدأنا نراقب الداخلين أيضا".
اروِ لي عن أضرار عياش؟ فأي عمليات كان مسؤولاً عنها؟
"أنتج سبع عمليات انتحارية بعد المذبحة في مغارة الماكفيلا (الحرم الإبراهيمي- المحرر) التي قام بها باروخ غولدشتاين. وبالمناسبة، فان الضرر الأشد لغولدشتاين كان انه بعده بدأت العمليات الانتحارية".
حتى اليوم اعتقدت أن هذه أسطورة. حدثت عملية ما في مفترق محوله قبل المذبحة، أليس كذلك؟
"هراء. العمليات الانتحارية في إسرائيل لم تبدأ الا بعد غولدشتاين. بالقطع. عياش نفسه أصدر بيانا بعد المذبحة في مغارة الماكفيلا بأنه سيبدأ بتنفيذ عمليات انتحارية. وعد وأوفى. بالنسبة للعملية في محولة في العام 1993، من يقول ان هذه عملية انتحارية فهو مخطئ. عند فحص التفاصيل نفهم ان هذه لم تكن كذلك. وصل المخرب في جيب الى الموقف. تفجر بين باصين بعد ان رأى أنهما فارغان. وكان الجنود يجلسون في مكان آخر. يعرف المخرب هذا ولم يكن له أي مبرر ليفجر نفسه في مكان فارغ. في النهاية لم يكن لدينا اي قتلى او جرحى في هذه العملية. فقط المخرب قتل نفسه. خطط ليقف هناك في الجيب وأن يفجره بعد أن يعود الجنود. ولكن حدث خلل حيث عملت العبوة في وقت متقدم. هذا كل شيء".
من أصدر الأمر بتصفية عياش؟
"رئيس الوزراء رابين. فقد قال لنا يا جماعة، لا يهمني، صفوه. في البداية وضع لنا قيوداً، بشأن غير المشاركين الذين قد يصابون بأذى، وبعد ذلك أزال القيود ولكنه طلب الا تكون التصفية مع تحمل للمسؤولية. بعد اغتيال رابين جئت الى ديختر، الذي كان رئيس منطقة الجنوب، وقلت له إنني أقدر أن ليس لدى شمعون بيريس اي فكرة حول من هو عياش، ويجب ان يصادق بيريس على العملية. ذهب ديختر الى بيريس وعاد إلي مع المصادقة. فقد صادق بيريس على كل ما صادق عليه رابين. وعندها واصلنا.
"وصلنا الى فكرة الهاتف النقال مع المادة المتفجرة بالصدفة تماماً. أرادت زوجة عياش أن تنجب طفلاً آخر. كان لهما ابن واحد هو براء. قررنا أن نسمح لها بدخول القطاع كي يكون لنا مدخل نصل من خلاله اليه. ذات يوم اتصل عياش بصديقه في بيرزيت. فسأله صديقه من يتحدث فأجاب أبو براء. فاشتعلت انا. فقد كان لقبه السري أبو احمد. وعندما يستخدم أبو براء فهذا يعني انه يوجد موضوع آخر. أمور عائلية لا ترتبط بأعماله التخريبية. فهمت أنه يوجد هنا احتمال. فقد يكون في علاقاته مع صديقه أقل حذراً. وتبين أن هذا تقدير صحيح. جندنا عميلاً ليوصل الخلوي الى صديقه، الذي اشتراه، بعد أن حوّله فنيون قنبلة. فاتصل به عياش، بعد أن تأكّد أن صديقه هو الذي اشترى الهاتف فأكد له صديقه هذا. في تلك اللحظة عرفنا أننا في الطريق الصحيح".
ومع ذلك كان يجب نقل الهاتف المفخخ من الضفة الى غزة وتسليمه لعياش؟
"صحيح. بالمناسبة أخذت المصدر الذي أوصل إليه الهاتف في رحلة طيران خاصة معي فوق الحرم. كان هذا طلبه. وكل شيء كان مخططاً بتفاصيل التفاصيل. حصل على طيران في سماء البلاد على حساب المخابرات. أما الهاتف، كما أقول لك، فهو من النوع الأكثر غباء، الفا، لا يمكن تغيير الشريحة فيه. وفي النهاية لم ينجح هذا. حدث خلل".
فما العمل؟
"جلس رئيس الجهاز، كرمي غيلون، هناك حزيناً. قلت له أعطني الإذن لأخرج الهاتف من غزة مرة أخرى. هذا ليس بسيطاً. فالحديث يدور عن قنبلة. صادق لي كرمي على إخراجه وعندها بدأنا نخطط كل شيء من البداية. وهذا كان الأكثر تعقيداً، الذي يمكن أن تتصوره. على العامل ألا يفهم ما يحصل. عليه أن يسلم النقال لعدة ساعات ليفتحه الفنيون فيروا ان الكابل تمزق ببساطة واللاصق لم يصمد؛ لأن هذا كان هاتفاً يفتح ويغلق كل الوقت. والآن، يجب العناية بالمصدر كي لا يشتبه بالأمر. فكيف نفعل هذا؟ فتذكرت كتاب سون تسو "فنون الحرب"، الذي تعلمت منه أموراً كثيرة، حيث يذكر خمسة أساليب للتجسس. في الخامس أنت تستخدم عميلا كأنه غبي. تدعه يسمع أموراً كأنها بالصدفة كي يكون واثقاً بأن هذا حقيقي. تبعث به الى خلف خطوط العدو. تحرص على أن يسلم للعدو من عميل آخر وعندها يروي للعدو بالضبط ما تريد أن يرويه له. وهذا الأسلوب يسمى "عميل غبي بريء". وهذا ما فعلناه مع عياش. دفعناه ليشتبه بالتنصت عليه وليس لوجود قنبلة. وقد نجح هذا. كانت نقطة ضعف عياش هي العائلة. حتى لو كان يشتبه بأن يتم التنصت على هاتفه، استخدمه فقط كي يتصل بأبيه ويسأله عن حاله. ففي اقصى الأحوال في تلك الحالة سيعرف اليهود بأنه يطمئن على والده".
كيف مرت عليك تلك الأيام بينما كان الهاتف المفخخ متعلقا بين الحياة والموت، أي بين غزة وبيرزيت وأنتم تحاولون ان تبدؤوا كل شيء من البداية؟
"اسمع، كان هذا جنوناً. بالمناسبة، أسمينا هذا الهاتف "طبيب النساء". وكنت أنا مرتبطاً 24 ساعة في اليوم، سبعة ايام في الاسبوع، بطبيب النساء هذا. كل حركة له كنت أبلغ بها. وأتحدث عن خط آمن في البيت. في كل الساعات الغريبة أسأل عن طبيب النساء هنا وطبيب النساء هناك وما هو حال طبيب النساء وما شابه، وكانت زوجتي تسمع هذا. وهي بالطبع لم تعرف شيئاً عن العملية، ولكن فجأة تسمع زوجها يهمس بطبيب نساء. وفجأة تقول لي يا اسحق قل لي ما لك وطبيب النساء؟ والآن أذهب وأشرح لها بأنك توشك على تصفية يحيى عياش...".
وعندما اتصل بأبيه؟
"نعم اتصل وسأل كيف حالك. ومنذئذ لم يعد أحد يسمعه. اسمع، هذا الرجل كان مضرجاً بالدماء. كانت هذه إحدى العمليات، ان لم تكن أكثرها روعة. اذا كنت أحتاج عملية واحدة لتبقى معي، فهذه هي العملية. وبالمناسبة سمع الروس عن العملية وقلدوها. تعلموا طريقتنا وفعلوا شيئاً مشابهاً جداً لزعيم الثورة في الشيشان. هناك كان هذا هاتف قمر صناعي، أجبره على الخروج من البيت كي يلتقط القمر الصناعي، وعندها صعدت مروحية مي 6 ضخمة وشطبته بصاروخ".

مصدر الترجمة عن العبرية: "معاريف"/نقلاً عن "الأيام" الفلسطينية

للمشاركة:

لماذا تنشغل أنقرة بمحاولة احتواء تونس والتأثير على سياستها؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-31

لا تريد أنقرة من ينافسها على الساحات التي تستهدفها، فهي تكرّر الخطط نفسها، الدبلوماسية الناعمة اولا والمساعدات ثم عقد الإتفايقات والترويج للإسلام السياسي والأخوّة في الدين وصولا إلى التفاوض على القواعد العسكرية والإنطلاق نحو جبهات أخرى وهكذا.

فعلت ذلك في العديد من البلدان من ليبيا إلى الصومال إلى العراق إلى الجزائر إلى السودان وتباينت نجاحاتها في تنفيذ المهمة من بلد الى آخر.

تركيز تركيا اليوم على تونس، فمن جهى يرى أردوغان أن عنده حصة هناك من خلال زملاءه في حزب راشد الغنوشي الإخواني، وحركة النهضة التونسية في نظر اردوغان هي امتداد لحزب العدالة والتنمية ولهذا كانت العلاقة الوثيقة بين زعيم الحركة ورئيس البرلمان التونسي راشد الغنوشي والرئيس التركي.

لكن مشكلة أنقرة هي اصطدامها بصخرة الرأي العام التونسي والتيارات التونسية الأخرى المعادية للإخوان أو غير المتعاطفة معها وتلك هي العقبة الكأداء.

وكرر اردوغان خلال المدة الماضية محاولاته التأثير على الرئيس قيس سعيد من خلال الزيارة الرسمية التي قام بها اردوغان لهذا البلد في     او من خلال الاتصالات الهاتفية والرسائل.

في خلال ذلك كان موقع تونس المجاور للساحة الليبية يقلق اردوغان وهو يحلم أن تكون تونس قاعدة ومنطلقاً نحو ليبيا ونحو شمال أفريقيا كلها وهو مالم يتحقق حتى الآن. وكالة أنباء الأناضول، الذراع الإعلامية للحكومة التركية فتّشت عمّن يمكن أن ينافس تركيا في الإنفراد بالساحة التونسية فلم تجد غير دولة الإمارات العربية المتحدة فكتبت تقريرا مطولا حمل عنوان "لبناء نظام إقليمي جديد.. الإمارات تستهدف تونس.

الشيء الغريب في هذا التقرير المطول أن ثلاثة أرباعا ما ورد فيه لا علاقة له من بعيد ولا من قريب بموضوع تونس والإمارات وإنما هو مجموعة تخيلات عن تواجد إماراتي مزعوم في جميع الساحات في مسعى منها بناء نظام اقليمي جديد كما تقول الوكالة.

وتستنتج الوكالة أن الإمارات تحاول إيجاد تصور بأن الشعب التونسي لا يثق بحكومته ولا بالتحقيقات الجارية في هذا الصدد.
ثم تستنتج الوكالة استنتاجاً غريباً مفاده إن الإمارات تعمل على التأثير في الشؤون الداخلية التونسية من خلال أذرعها هناك، ولكن من دون نعرف ما هي أو من هي تلك الأذرع المزعومة.
وبعد اللف والدوران عادت الوكالىة الى اصل الموضوع وهو الدفاع عن النهضة والغوشي الإخواني وصديق أردوغان الذي لا يجب أن يُمَس ولا أن ينتقد بحس الوعي السائد في الأناضول المؤدلجة إخوانيا بشكل مسبق.

تقول الوكالة أن  أبوظبي دعمت الاحتجاجات المناهضة لحركة النهضة، عام 2013، كما دعمت حزب نداء تونس (ليبرالي) ضد النهضة في الانتخابات الرئاسية، عام 2014، وعملت على استمالة الرئيس التونسي الراحل، الباجي قايد السبسي، لكسر تحالف النهضة-نداء تونس، الذي بزغ عقب انتخابات 2014.
وبالمثل، مولت أبوظبي الاحتجاجات المناهضة للحكومة، عام 2018، لإيجاد أزمة مصطنعة باتخاذ قرار لا يتناسب مع الأعراف الدبلوماسية، عبر منع التونسيات من دخول الإمارات.
كما عملت أبوظبي على توجيه السياسات الداخلية التونسية، بدعم وزراء مثل لطفي براهم، ونبيل القروي، زعيم حزب "قلب تونس"، إلا أن جميع خطواتها باءت بالفشل.
تتناسى الأناضول بعيدا عن هذه التلفيقات التي لا وزن لها أن تونس تقف موقفا موحدا رافضا لكل أشكال التدخلات التركية في الشؤون الداخلية سواء لتونس أو لليبيا وذلك ما يوجع أردوغان وابواقه بينما تحتفظ الإمارات بعلاقات ودية مع جميع الأطراف وهو ما لا يروق أردوغان.

وفي آخر محاولاته اليائسة اجرى اردوغان اتصالا هاتفيا مع الرئيس التونسي قيس سعيد محاولا مرة أخرى الضغط لتليين الموقف التونسي واحتوائه لكنه لم يجد اذا صاغية.

الرئيس التونس حذر بشدة من التدخل في الشأن الداخلي الليبي وأكد على أن الحل الوحيد للأزمة في لبيبا هو الحوار السياسي الداخلي بين جميع الفرقاء بينما لا تعترف أنقرة الا بحليفتها حكومة الوفاق وهو ما لا يروق لأنقرة.

مؤخراً وفي صفعة أخرى لحكومة أردوغان أثار مشروعان لاتفاقيتين تجاريتين مشبوهتين مع تركيا وقطر، جدلا في تونس، دفع البرلمان إلى تأجيل التصويت عليهما، صاحبته اتهامات من النواب لرئيس البرلمان راشد الغنوشي باستغلال سلطته، لتمكين الدولتين من المزيد من التغلغل وإحكام القبضة على الاقتصاد التونسي، في إطار أجندة سياسية مرتبطة بالمشروع الإخواني في تونس.

وشكّكت عبير موسي، رئيس كتلة "الحزب الدستوري الحر"، في أهداف هتين الاتفاقيتين واعتبرت أنهما "مشبوهتان" وتزجّان بتونس في لعبة المحاور والاصطفاف وراء الحلف الإخواني.

واتّهمت موسى، رئيس البرلمان راشد الغنوشي باستغلال أزمة فيروس كورونا" وخرق القوانين لتمرير "مشاريع خطيرة على البلاد دون حسيب أو رقيب"، من أجل فرض هيمنة الحلف التركي القطري داخل تونس، مشيرة إلى أن جميع الأحزاب داخل البرلمان واقعة تحت تأثيره وسلطته.

واعتبر النائب في البرلمان التونسي، مبروك كرشيد، أن الاتفاقية التجارية الموقعة مع تركيا "نوع من الاستعمار الجديد"، مطالبا الرئيس التونسي قيس سعيد بـ"اتخاذ موقف واضح منها بحكم مسؤولياته الدستورية".

كان كرشيد قد قال في تسجيل مصور عبر موقعه في فيسبوك، إن "الاتفاقية تسمح للأتراك، مؤسسات وأفراد، بأن يتملكوا العقارات في تونس، وهي محمية من الملكية الأجنبية، كما تسمح للأتراك بتملك الأراضي الزراعية"، مشير إلى أن "حماية الأراضي الفلاحية تتعلق بالسيادة الوطنية".

وأوضح أن الاتفاقية التجارية الموقعة بين تونس وتركيا في 2016، "تبيح الاستثمار للأتراك دون قيود، وتعطي المستثمر التركي الامتيازات ذاتها التي يتمتع بها المستثمر التونسي، مثل حق التملك والاقتراض من البنوك المحلية".

لهذا كله يثير حنق أنقرة أي تصدّ لمخططاتها واتفاقياتها والمتحالفين معها فيما يتعلق بمساعيها وخططها المستميتة لإحتواء تونس والضغط بالتدريج على حكومتها وصولا لتحقيق اهدافها كما هو الحال في سياساتها مع البلدان الأخرى التي استطاعت التسلل لها وفي مقدّمتها ليبيا.

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:

مستجدات النيران في الأزمة الليبية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-31

عبدالله السناوي
لم تكن الإدارة الأمريكية الحالية متحمسة لمغامرات الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» في ليبيا، لكنها قد تجد نفسها في خندق قريب منه

كتل النيران المتدافعة والتدخلات الجارية والمحتملة في الأزمة الليبية تنذر بتحولات جوهرية في طبيعتها ومداها.

أخطر الأسئلة الآن: هل نحن بصدد «تدويل مسلح» للأزمة يقارب ما حدث في السيناريو السوري.. أو «سورنة ليبيا» بتعبير وزير الخارجية الفرنسي «جان إيف لودريان»؟

رغم نفي المتحدث باسم «حفتر» فإن الرواية الأمريكية على لسان قائد قواتها في إفريقيا «أفريكوم» تؤشر إلى تطور نوعي في الاصطفافات العسكرية والدبلوماسية بالأزمة الليبية.

لم تكن مصادفة أن يأخذ قائد «أفريكوم»، حيث التمركزات العسكرية الأمريكية في القارة وعلى تخومها بالقرب من ميادين المواجهات العسكرية الليبية، زمام التعبير عن القلق الأمريكي قبل المتحدثين الدبلوماسيين.

رسائل الجنرالات الأمريكيين وافقت تحولات السياسات في الموقف من الأزمة الليبية حيث أخذت تنحو بالتدريج إلى الاقتراب من حكومة «الوفاق الوطني» في طرابلس برئاسة «فايز السراج»، بالاتصالات والتفاهمات دون أن تصل إلى أي تحالفات معلنة.

ما حدود المستجدات الأمريكية.. وإلى أي حد وبأي طريقة يمكن أن تتورط في المستنقع الليبي؟

لم تكن الإدارة الأمريكية الحالية متحمسة لمغامرات الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» في ليبيا، لكنها قد تجد نفسها في خندق قريب منه بالنظر إلى خشيتها من تمدد الدور الروسي في ليبيا على نسق ما حدث في سوريا.

هكذا بدت أحاديث السلاح عند درجة الغليان وأحاديث التسوية في ثلاجة انتظار نتائج التطورات العسكرية في ميادين القتال.

تبدت ازدواجية المعايير الأمريكية في النظر إلى ما يتدفق من أسلحة ومعدات ومرتزقة إلى ميادين القتال الليبية، دانت ما هو منسوب إلى روسيا وغضت الطرف عما هو ثابت من تدخل تركي عسكري مباشر وقدر السلاح المتقدم الذي أمدت به حكومة طرابلس وحجم المرتزقة الذين دفعت بهم من سوريا إلى ليبيا، نصفهم على الأقل من الجهاديين الأكثر تطرفاً وتشدداً وإرهاباً.

باسم «إعادة التوازن العسكري» إلى المسرح الليبي توسعت تركيا في تدخلها العسكري حتى لا تسقط طرابلس تحت يد «حفتر».

الاعتبارات الاستراتيجية غلبت أي اعتبارات تركية أخرى في وقت يتعرض اقتصادها لهزات حادة تحت ضربات جائحة «كورونا» خشية أن يتقوض «مشروع أردوغان -العثمانية الجديدة» بالكامل، فيما لو سقط حلفاؤه في طرابلس، كما خسارة الصراع المحتدم على الغاز في شرق المتوسط مع مصر واليونان وقبرص وفرنسا.

المستجد التركي بالمعدات والسلاح والمرتزقة أعطى قوات «الوفاق» المترنحة دفعة لم تكن متصورة فتمكنت في وقت وجيز من إحداث اختراقات عسكرية، أهمها من الناحية الاستراتيجية السيطرة على قاعدة «الوطية» الجوية، غير أن الجيش الوطني تمكن من التماسك بأسرع من أي توقع بفضل إمدادات عسكرية عاجلة روسية وغير روسية.

هناك احتمالان متعاكسان لتطور العمليات الميدانية في المدى المنظور.

*الأول، أن ينجح الجيش الوطني الليبي في حسم معركة مصراتة، التي تعتبر شريان الإمداد التركي بالسلاح والمسلحين لميليشيات طرابلس. إذا ما تحقق هذا الاحتمال يحسم الصراع بالضربة القاضية، وهو ما لا يمكن أن تقبل به بسهولة أطراف دولية نافذة لها مصالح استراتيجية واقتصادية في ليبيا وأولها الولايات المتحدة.

*والثاني، أن تتقدم قوات «الوفاق» شرقاً نحو الهلال النفطي، وهذه نقطة فارقة بحسابات الأطماع التركية في الثروة النفطية الليبية، ومما له دلالة بالتوقيت ما أعلنته من أنها بصدد التنقيب عن الغاز قبالة السواحل الليبية في غضون ثلاثة أشهر وفق الاتفاقية الموقعة مع حكومة طرابلس.

إذا ما تحقق هذا الاحتمال فإن أطرافاً أخرى نافذة سوف تجد نفسها أكثر تورطاً في المستنقع الليبي، لن تسمح أبداً بمثل هذه النهاية.

بالنسبة لبلد مثل مصر لا يمكن أن تتقبل أي تمدد عسكري تركي بالقرب من حدودها، أو أن تتمركز مجدداً جماعات إرهابية وداعشية على مرمى البصر.

لقد عانت بقسوة الفوضى المسلحة، التي أعقبت سقوط نظام العقيد «معمر القذافي»، بقدر ما تسرب عبر حدودها الممتدة التي تصل إلى نحو (1200) كيلومتر، من أسلحة ومعدات ومسلحين ارتكبوا أعمالاً إرهابية في سيناء والواحات والداخل المصري.

الاحتمالان المتعاكسان لا يلخصان تعقيدات الموقف، لكنهما يعبران عن حدة الصراع وقدر المخاطر الماثلة.

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية