استعادة الأندلس: مقولة مفصلية في خطاب الإرهابيين

16554
عدد القراءات

2017-11-04

عندما ظهرت الخرائط المشؤومة للمرّة الأولى قبل عامين، هَزأ بها سُكّان برشلونة، إذا كانوا قد لاحظوا أصلاً الأخبار الصحفية عن وطنهم، لقد أظهَرَت الخرائط، التي رسمها تنظيم داعش، إسبانيا والبرتغال باللون الأسود، دلالةً على الأراضي التي تسيطر عليها الجماعة الإرهابية الجهادية، كما أُرفقت الخرائط بوعد: "سوف نسترد إسبانيا" بحلول العام 2020، كما قال تنظيم داعش في العراق والشام.

تمحور التهديدُ حول إمبراطورية الأندلس التي قامت قبل فترة طويلة - الخلافة الإسلامية التي استُهِلّت عندما وصل المحاربون المسلمون من شمال أفريقيا، المعروفون باسم المورسكيين، إلى الأراضي الإسبانية في أوائل القرن الثامن الميلادي، وسرعان ما أسقطوا حكم القوط الغربيين، وبسطوا الحكم الإسلامي عبر شبه الجزيرة الإيبيرية، بما تضمّن برشلونة، على ساحل البحر المتوسط بالقرب من فرنسا الحالية.
يعتز المؤرِّخون بالثقافة والفن المغاربيين، لكن بالنسبة للعديد من الإسبان يمثِّل عصر الأندلس أشد الفترات انحداراً في تاريخ بلادهم. ويتجلى تأثير الخلافة في جنوب إسبانيا، أندلُسياً -حيث استمرّت قرابة ثمانية قرون- في اسم المنطقة وفي العمارة الإسلامية المذهلة من قبيل قصر الحمراء في غرناطة، لكن الاحتلال الإسلامي، في القرن الثامن الميلادي، للإقليم الشمالي الشرقي من كاتالونيا استمرّ 80 عاماً، وهو في طيّ النسيان تقريباً مثله مثل خرائط تنظيم داعش المخيفة.
وقد تَرَاءى أنَّ الخرائط (التي وضعها التنظيم) على صلة بالموضوع مرّة أخرى في شهر آب 2017، عندما –في الرامبلا، طريق المشاة الواسعة وأحد المواقع الأكثر جذباً للتصوير الفوتوغرافي وزيارة السياح في برشلونة- قامت سيارة بيضاء مؤجّرة بالقفز على الرصيف سَائِرةً على طول الممشى الذي يتوسّط الشارع، متحركةً ذهاباً وإياباً في جولة مُهلكة أدت إلى فرار جماعي للسياح المرعوبين، بينما قُتِل 13 شخصاً وأصيب العشرات في الهجوم، الذي أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عنه.

 أظهَرَت خرائط نشرها داعش إسبانيا والبرتغال باللون الأسود دلالةً على الأراضي التي تسيطر عليها الجماعة الإرهابية

ولم يمض وقت طويل حتى قُتِل خمسة من الإرهابيين المشتبه فيهم على يد الشرطة الإسبانية في كامبريلس، على بعد حوالي 75 ميلاً إلى الجنوب الغربي، بعد أن اقتحموا حشداً من المارّة وأصابوا سبعة آخرين. وقيل إنَّ المهاجمين كانوا يرتدون أحزمة ناسفة، وتعتقد الشرطة أنَّ الخطة الأصلية الخاصَّة بهجوم شارع الرامبلا - ربما - تضمّنت متفجرات أيضاً. وحتّى مع القبض على ثلاثة من الجناة المزعومين –وكان ما زال البحث جارياً عن سائق السيارة المشتبه به، موسى أوكابير  (18 عاماً)، الذي قيل إنَّ صفحته على فيسبوك قد عبّرت عن رغبته في "قتل الكفّار" -، فإنَّ الحادث العنيف في الرامبلا يُثير تساؤلات مقلقة؛ كيف يمكن للسُلُطات تأمين مدينة صديقة للمشاة تشتهر بالمهرجانات التي تُقام في ساحاتها الضخمة، كما تشتهر بشارع مثل الرامبلا، الذي تحيط به أكشاك الزهور والمقاهي التي تُقدِّم أباريق السانغريا: مشروب إسباني يتكون من خليط النبيذ الأحمر والبراندي والليمون والبرتقال والتفاح والتوابل، ويُشَرب بارداً، وفي أي لحظة، يتمشى عبره وبين أشجاره الآلاف من السياح، إلى أن تأخذهم الطريق إلى تمثال كولومبوس الشهير الذي يشير بإصبعه إلى البحر؟

السؤال المخيف للغاية ھو ما إذا کان داعش یحاول أن یستفید من خطره لاستعادة الأراضي التي کانت تُشکِّل الأندلس

ومع ذلك، فإنَّ السؤال المخيف للغاية، ھو ما إذا کان تنظيم داعش یحاول أن یستفید من خطره لاستعادة الأراضي التي کانت تُشکِّل الأندلس.
أياً كان ما يمكن قوله حول القرون الواقعة بين 711 و1492، فقد كان الحكم المغاربي بعيداً كل البعد عن الخلافة العنيفة والقمعية التي يديرها تنظيم داعش. فالحضارة الأوروبية شُكِّلت، أكثر مما يدرك معظم الغربيين، عن طريق الأندلس، التي كانت قبل فترة طويلة من صعود العثمانيين في الشرق تمثِّل الحدود الحاسمة بين المسيحية والإسلام. وعندما انطلق المورسكيون شمالاً من برشلونة لاحتلال الأراضي التي يحكمها الفرنجة، جرى صدّهم من فرنسا وفي نهاية المطاف من برشلونة، التي، إلى جانب الإمارات الموجودة على طول الساحل الشمالي الشرقي، شكّلت منطقة عازلة أصبحت فيما بعد إقليم كاتالونيا ذي العقلية الاستقلالية، الذي لا تزال علاقته غير وثيقة ببقية إسبانيا.
ولكن في مدن مثل طليطلة وقرطبة وغرناطة، ازدهرت الحضارة الإسلامية، حيث جرى إدخال الريّ مع محاصيل جديدة مثل البرتقال والليمون، وكان الطب الإسلامي رائداً في جراحة إعتام عدسة العين والبواسير. وأضيئت الطرق بالغاز؛ والنُسّاخ، الذين ضموا في صفوفهم عناصر نسائية، ترجموا كلاسيكيات روما القديمة واليونان، التي كان من شأنها أن تضيع لو لم يحصل ذلك، ولم يُجبَر المسيحيون واليهود على التحول إلى الإسلام، على الرغم من أن الذين لم يعتنقوا ديانة حكامهم، الإسلام، فرضت عليهم ضرائب هائلة.

 


غير أنَّ ذلك كان احتلالاً - وعبر عقود، قام محاربون من الشمال، من بينهم السيد (الكمبيادور)، بزعزعة أراضي الخلافة حتّى لم يعد بها إلا القليل من المدن، من بينها غرناطة بقصرها والجبال المحيطة بها. وفي العام 1492، انتزعت قوى إيزابيل وفيرديناند أخيراً تلك الجائزة، متوجهة إلى زعيم الخلافة أبي عبد الله (محمد الثاني عشر، آخر ملوك الأندلس)، الذي غادر قصره والدموع في عينيه على فقدان حبيبته الحمراء.
على مدى 512 عاماً، تَرَاءى طرد المورسكيين على أنه حقيقة ثابتة -حتّى جاء عام 2004، عندما جرى اقتياد أربعة قطارات، في أحد صباحات آذار (مارس)، معبّأة بالركاب، إلى محطة أتوشا في مدريد- وانفجرت القنابل في وقت واحد فيها جميعاً، وقد نسبت الفظائع، التي قتلت 191 مدنياً، إلى إرهابيين إسلامويين ربطوا أنفسهم بتنظيم القاعدة ومجموعة مظالم تعود إلى خمسة قرون خلت.
وعلى مدى العقد القادم، تَرَاءى أنَّ الدعوات إلى إعادة الاستيلاء على الأندلس قد تلاشت، ولكن في العام 2014، أقرّ وزير الداخلية الإسباني، خورخي فرنانديز دياز، عند تفكيك خلية تابعة لتنظيم داعش، بأنَّ الحلم لا يزال حياً بين الجهاديين، قائلاً للصحفيين: "من الواضح أن إسبانيا تُشكِل جزءاً من التحديات الاستراتيجية للجهاد العالمي"، وأضاف: "لسنا الوحيدين ولكننا في مركز رؤيتهم".

أفاد معهد غاتستون في نيويورك أنَّ دعوات المتطرفين لإعادة الاستيلاء على الأندلس أصبحت أكثر تواتراً وأكثر شدة

وبعد ذلك بوقت قصير، أفاد معهد غاتستون في نيويورك أنَّ "دعوات إعادة الاستيلاء على الأندلس أصبحت أكثر تواتراً وأكثر شدة"، وأنَّ تنظيم داعش قد شنّ حملةً على مواقع التواصل الاجتماعي، تضمّنت صوراً للآثار الإسبانية المعروفة إلى جانب شعار "تحيا الدولة الإسلامية" وصور للعلم الأسود للتنظيم.
ومنذ ذلك الحين، اعتقلت قوات الأمن الإسبانية، التي تعتبر الأكثر يقظة في أوروبا، المئات من الإرهابيين والمجنّدين لدى تنظيم داعش المشتبه فيهم. وفي نهاية حزيران (يونيو) 2017، أفشلت الشرطة الإسبانية مجزرة كان مخططاً لها في مايوركا، حيث كان الإرهابيون يأملون في السيطرة على الجزيرة التي كانت يوماً ما جوهرة التاج في الأندلس.
بين المراقبة والاعتقالات -أو ربما بسبب زعيم تنظيم داعش البغدادي، الذي كان لقبه ميسي عندما كان يلعب في فريق كرة القدم في مسجده، وولعه الذي تنقله الشائعات بنادي كرة القدم المحلي الذي يلعب فيه ميسي الحقيقي- ظهرت برشلونة محظوظة ومسحورة، ومحصّنة بطريقة أو بأخرى من مصير غيرها من أماكن الجذب السياحي الأوروبية، ولكن كل ذلك تغير، واليقظة تتجدد لإبقاء برشلونة وإسبانيا بعيدتين عن الظهور كأراضٍ محتلّة على خريطة تنظيم داعش.

المصدر
ميليسا روسي- ياهو نيوز بتاريخ 18 آب (أغسطس) 2017

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: