عمر عبدالرحمن.. الأب الروحي لتكفيرية "الجماعة الإسلامية"

صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
5134
عدد القراءات

2019-04-08

لا تتوقف سيرة حياة عمر عبدالرحمن، المولود بقرية الجمالية، في محافظة الدقهلية، العام 1938، والذي يعد الزعيم الروحي للجماعة الإسلامية، وأحد أبرز قادتها ومفكريها، خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات، بوفاته قبل عامين، في السجون الأمريكية، بعد أن حكم عليه بالسجن المؤبد، وقضى نحو 11 عاماً فيه؛ إذ تظلّ أفكاره ومواقفه المثيرة، التي روّج لها من خلال كتبه ومؤلفاته، ورسائله الصوتية التي سجلت خطبه، بواسطة شرائط الكاسيت، تبعث الجدل حولها، وربما، تلهم جماعات وأفراداً آخرين من هؤلاء الذين قد يقعون في فخّ التيار التكفيري والجهادي.

اقرأ أيضاً: 10 محطات شكلت موقف الجماعة الإسلامية في مصر من العنف
تعرض عبد الرحمن بعد عشرة أشهر من ولادته إلى فقدان بصره، والتحق بالكُتّاب في قريته، حيث تمكن من حفظ القرآن الكريم وهو في الحادية عشرة من عمره، ومن ثم التحق بالمعهد الديني، فدرس بالأزهر الشريف، وتخرج من كلية أصول الدين بالقاهرة، في العام 1965، بعدما حصل على تقدير "ممتاز" مع مرتبة الشرف.
سافر اثنان من أبنائه إلى أفغانستان، وانخرطا في الحرب التي دشنها الجهاديون ضد الاتحاد السوفياتي، ولم يزد عمر أكبرهما في ذلك الوقت عن ستة عشر عاماً.
حكم عليه بالسجن مدى الحياة بعد إدانته بالتآمر لتفجير مبنى الأمم المتحدة في نيويورك

أحد عشر عاماً في السجون الأمريكية
حكم على عبدالرحمن بالسجن مدى الحياة بعد إدانته بالتآمر لتفجير مبنى الأمم المتحدة في نيويورك، والمقر الرئيس لمكتب التحقيقات الفيدرالي، إضافة إلى تفجير آخر يستهدف خطين لقطار الأنفاق في المدينة، وجسر يربط بين منطقتي مانهاتن ونيوجيرسي، وكلّ ذلك في مخطط بيوم واحد العام 1993.

عمر عبدالرحمن: الحكومات لا تستحقّ الطاعة من الناس إلا لأنّها تحكم بما أنزل الله وتنفّذ أوامره

إبان وفاة عبدالرحمن في شباط (فبراير) 2017، أصدر تنظيم القاعدة، بياناً يهدّد فيه أمريكا، ويطالب بـ"الثأر"؛ حيث دعا "أبناء الإسلام وفوارسه الكرام، الذين لم يوفّقوا في تخليص الشيخ من سجنه، إلى أن يجتهدوا في تحقيق وتنفيذ وصيته، وليرفعوا من دمه مناراً يوحي للأجيال كيف تثأر للشيخ أشدّ الثأر وأعنفه من ظالميه وساجنيه".
ذاع صيت مفتي الجماعة الإسلامية، منذ ستينيات القرن الماضي، حيث عُرف بضراوة مواقفه ضدّ الرئيس الراحل، جمال عبدالناصر؛ وقد عمد إلى تكفيره، ووصفه بــ"الطاغوت"، وهو الموقف ذاته الذي طال رؤساء مصر اللاحقين؛ حيث رأى أنّهم يعطّلون شريعة الله، وفق مبدأ "الحاكمية" الذي يتبنّاه أيديولوجياً، واتُّهم بأنّه أصدر فتوى لاغتيال الرئيس المصري الأسبق أنور السادات، وتورّط في التخطيط للعملية.
وثمّة حادث مشهور وقع في أعقاب وفاة عبدالناصر، العام 1970؛ حيث جرى اعتقال عبدالرحمن لمدة 9 أشهر؛ إذ أصدر فتوى بعدم جواز الصلاة عليه؛ لأنّه "كافرٌ"، من وجهة نظره.

اقرأ أيضاً: سدنة الهيكل يغمدون سيفاً آخر في قلب فرج فودة
الرئيس الإخواني، محمد مرسي، أعلن في أعقاب تولّيه الحكم، أنّه سيدافع عن الشيخ عمر عبدالرحمن، وسيتواصل مع الإدارة الأمريكية بهدف تحريره من السجن، وذلك استجابة لأعضاء الجماعة الإسلامية الذين طالبوه بذلك، فكلّف مرسي قنصل مصر في نيويورك، يوسف زادة، بزيارة عبدالرحمن، في كانون الثاني (يناير) العام 2013، في السجن، وتعد تلك المرة الأولى التي تحدث فيها زيارة رسمية للشيخ المسجون.
ذهنية التكفير
تعددت مواقف عبدالرحمن التي كفّر من خلالها الأدباء والمبدعين، ومن بينها، موقفه المشهور ضدّ الروائيَّين: نجيب محفوظ، وسلمان رشدي، حيث ينقل الكاتب المصري، محمد شعير، في كتابه "نجيب محفوظ... سيرة الرواية المحرمة"؛ أنّ عمر عبدالرحمن، مفتي الجماعة الإسلامية، سئِل في صحيفة "الأنباء" الكويتية، عن رأيه في رواية "آيات شيطانية"، فأجاب: لو أنّ حكم القتل نفذ في نجيب محفوظ حين كتب "أولاد حارتنا"، لكان ذلك بمثابة درس بليغ لسلمان رشدي، وكرّر إجابته تلك في العديد من الصحف، وفي خطب الجمعة، بصيغ أخرى: "لو قتلنا محفوظ منذ 30 عاماً مكنش طلع سلمان رشدي".

تبلورت أفكار عبدالرحمن المتشددة والتكفيرية من خلال مرجعيتين أساسيتين هما سيد قطب وأبو الأعلى المودودي

وبعد خمسة أعوام من تصريحات عمر عبدالرحمن، التي صدرت العام 1994، حاول محمد ناجي، المنتمي للجماعة الإسلامية، قتل نجيب محفوظ؛ حيث قام بغرز مطواة في رقبته، وبعدما قُبض عليه، اعترف في التحقيقات معه، أنه لم يقرأ الرواية التي كفِّر بسببها صاحب نوبل، لكنّ "تكليفاً صدر إلينا بقتل مؤلفها بعد قيام الجماعة باغتيال فرج فوده"، بحسب نصّ التحقيقات.
ويروي الكاتب المصري، محمد سلماوي؛ في كتابه "في حضرة نجيب محفوظ" أنه سأل ناجي: "هل قرأت شيئاً لمحفوظ؟" فأجاب: "أستغفر الله"، وتابع في إجابته، أنه لا يحتاج إلى قراءة أعماله، وأنه، فقط، "ينفذ أوامر أمير الجماعة، التي صدرت بناء على فتاوى الشيخ عمر عبدالرحمن".

كيف تشكّلت أفكار مفتي الجماعة الإسلامية؟
تبلورت أفكار عبدالرحمن المتشددة والتكفيرية، من خلال مرجعيتين أساسيتين، هما: سيد قطب، وأبو الأعلى المودودي، فاشتق منهما جملة مواقفه في العقيدة، بكل ما يترتب عليها من نظرة راديكالية تجاه المجتمع وأفراده، من ناحية، والسلطة بهيئاتها وتنظيماتها، من ناحية أخرى؛ حيث طوّر مفاهيمهما عن الحاكمية لله، وعقيدة الولاء والبراء، ومن ثم، نفي الطاعة بمفهومها الشامل لأحد غير الله، وأن يصبح الحكم والسياسة ضمن الإرادة الإلهية، كما يقررها في أدبياته.

يؤكد عبدالرحمن ضرورة تدشين الدولة الإسلامية وأنّ الحاكمية لله وحده وليس لأحد من دونه شيء

يؤكد عبدالرحمن ضرورة تدشين الدولة الإسلامية؛ حيث يؤكد أنّ مفهوم الحاكمية هو "لله وحده، وليس لأحد من دون الله شيء من التشريع، والمسلمون جميعاً لا يستطيعون أن يشرعوا"، وبالتالي، فإنّ استبدال الحاكمية لله، وفق منظوره، بالقوانين المدنية، والدساتير، والأحكام القضائية، هو تعطيل للأحكام الإلهية والشريعة الإسلامية، واعتبارها "أوثاناً" تفضي إلى الشرك، وعودة إلى الجاهلية، ووضع سلطة البشر فوق إرادة "الله".
وكتب عبدالرحمن، في رسالة أعدها لنيل درجة الدكتوراه من جامعة الأزهر، جاءت بعنوان: "موقف القرآن من خصومه" أنّه: لا ينبغي أن يوجد دين غير الإسلام في الجزيرة العربية، وعدّ ما دون المسلمين "مشركين يجب قتلهم".
ويقرّ عبدالرحمن بضرورة التمرد والخروج على سلطة الحاكم والدولة؛ حيث يقول، في الدراسة ذاتها: "الحكومات لا تستحق الطاعة من الناس إلا لأنّها تحكم بما أنزل الله، وتنفذ أوامره، فهناك سلطة عليا مؤسسة هي الحاكمة فوق الدولة وهي الشريعة، والدولة سلوكها مقيَّد بها".
حين وصول جثمان الشيخ الضرير إلى القاهرة، والذي توفي عن عمر ناهز 78 عاماً، بهدف دفنه في مسقط رأسه، بقريته بمحافظة الدقهلية، شمال شرق القاهرة، شهدت جنازته حضوراً لافتاً، ليس فقط من القيادات التاريخية، والأعضاء السابقين والحاليين من جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية، وعدد من رموز التيار الإسلامي، لكن ثمة توافد عدد كبير يقدر بالمئات، خاصة، من الشباب الإسلامي، والمتعاطفين مع سيرته والذين رفعوا لافتات تنعاه، وينسبون أنفسهم إليه، باعتبارهم تلاميذ ومؤيدين لأفكاره!

اقرأ المزيد...
الوسوم:



لماذا اختصم محمد الطاهر بن عاشور مع الرئيس بورقيبة؟

2019-10-22

يوصف بأنّه "عَلَم من الأعلام الذين يعدّهم التاريخ الحاضر من ذخائره، فهو إمام متبحِّر في العلوم الإسلامية، مستقلّ في الاستدلال، واسع الثراء من كنوزها، فسيح الذرع بتحمّلها، نافذ البصيرة في معقولها، وافر الاطلاع على المنقول منها، أقْرَأ، وأفادَ، وتخرَّجت عليه طبقات ممتازة في التحقيق العلمي".

اتبع بن عاشور الآلية المقصدية في تحليل الخطاب القرآني وبيّن أهمية أسباب النزول ودلالاتها وحضّ على القراءة التفاعلية لآيات القرآن

ولم يكن محمد الطاهر بن عاشور ليستحق هذا الذي أسبغه عليه العلاّمة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، لو لم يكن جديراً بما قاله عنه وبحقه وزاد عليه صديقه الأثير الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر، فقد امتدحه وأطرى عليه، فله "فصاحةُ منطقٍ، وبراعةُ بيانٍ، ويضيف، إلى غزارة العلم وقوّة النظر، صفاءَ الذوق، وسعة الاطلاع في آداب اللغة. كنت أرى فيه لساناً لهجته الصدق، وهمَّةً طمَّاحة إلى المعالي، وجِداً في العمل لا يَمَسه كلل، ومحافظة على واجبات الدين وآدابه. وبالإجمال ليس إعجابي بوضاءة أخلاقه وسماحة آدابه بأقل من إعجابي بعبقريته في العلم".
ولد بن عاشور، بتونس في العام 1879م في أسرة علمية عريقة تمتد أصولها إلى بلاد الأندلس. وقد استقرت هذه الأسرة في تونس بعد حملات التنصير ومحاكم التفتيش التي تعرض لها مسلمو الأندلس.

اقرأ أيضاً: لماذا يُعد "أمير كبير" رجل الإصلاح والتحديث في إيران؟
حفظ الطاهر بن عاشور القرآن الكريم، على ما تورده المصادر التاريخية، وتعلّم اللغة الفرنسية، والتحق بجامع الزيتونة، وهو في الرابعة عشرة من عمره، فدرس علوم الزيتونة ونبغ فيها، وأظهر همة عالية في التحصيل، وساعده على ذلك ذكاؤه النادر والبيئة العلمية الدينية التي نشأ فيها، وشيوخه العظام في الزيتونة الذين كان لهم باع كبير في النهضة العلمية والفكرية في تونس، وملك هاجسُ الإصلاح نفوسَهم وعقولهم، فبثوا هذه الروح الخلاقة التجديدية في نفس الطاهر، وكان منهجهم أنّ الإسلام دين فكر وحضارة وعلم ومدنية.

 محمد البشير الإبراهيمي
وبوحي من هذه التنشئة والظروف المحيطة بابن عاشور، وبدافع من إحساسه بأنّ تقدّم المسلمين لا يكون إلا من طريق إصلاح عقولهم، وتوفير البيئة الفكرية لكي يتفهموا أمور دينهم، راح الفقيه التونسي يبحث عن سبل للنظر في جوانب إصلاح المنهجية التي عُرض فيها الدين، وللطريقة التي يُفهم فيها الدين، رابطاً على نحو خلّاق بين الفكر والعمل، فلا يمكن إصلاح جانب وترك الآخر؛ "لأنهما كجناحي الطائر لا يمكن تجديد ما رثّ في أحدهما وترك الجانب الآخر".
وكان ابن عاشور، وهو يسعى إلى إصلاح الفكر، يرنو إلى إصلاح التفكير بربط ذلك بإصلاح العلوم التي يُراد إدخالها في مخزن الأفكار (العقل البشري)، فإصلاح عقل الإنسان هو إصلاح جميع خصاله، ويجيء بعده الاشتغالُ بإصلاح أعماله، وعلى هذين الإصلاحين مدار قوانين المجتمع الإسلامي"، كما جاء في كتابه "أصول النظام الاجتماعي".

مرّ بن عاشور باختبار صعب في عهد الحبيب بورقيبة، حين دعا الرئيسُ العمالَ إلى الفطر في رمضان بدعوى زيادة الإنتاج

وانطوى التوجه المقاصدي لدى ابن عاشور على وعي نقدي للأسس التي انبنى عليها العقل الفقهي القديم، وعلى هاجس تطوير البناء الفكري للمنظومة التشريعية الإسلامية على النحو الذي يجعل من التشريع عامل تنشيط للحركة الحضارية، وعنصر تغذية لتقدم المجتمع الإنساني، لتجنيب المسلم عوارض الصدام بين النص والواقع، سعياً نحو تحقيق التوازن المطلوب بين موجبات الولاء لتعاليم الدين من ناحية، والاستجابة لمقتضيات التواصل الواعي مع متغيرات الزمان والمكان من ناحية ثانية، بما يتيح تحرير العقل الفقهي من أسر الأطر المغلقة للثقافة التقليدية، والرفع من قيمة أدائه بمدّه بالآلات المنهجية والمعرفية التي تمكّنه من امتلاك القدرة على مسايرة التحولات المتسارعة والانخراط القويم في مسار الحركة الحضارية التي لا تعرف التوقف ولا تعترف بالجمود والقعود، حسبما ورد في دراسة للمعهد العالمي للفكر الإسلامي.

اقرأ أيضاً: كيف تحوّل روبرت موغابي من بطل إلى دكتاتور؟
وتنوّه الدراسة إلى جهود ابن عاشور في تفسيره "التحرير والتنوير"، حيث اتبع العلامة التونسي منهجاً يعتمد على تكوين علاقة مركبة من القارئ والنص؛ لأنّ النص القرآني في كثير من التفاسير وإن بدا حاضراً، فإنّ حضوره شكلي يتضاءل أمام حضور القارئ وأهدافه، وقد لوحظ إلمام ابن عاشور بمراتب الدلالة اللغوية، وتحليله قضاياها وفق المنهج التداولي، كما لوحظ اتباعه للآلية المقصدية، وتنسيبها في تحليل الخطاب القرآني وعنايته بها، وقد بيّن ابن عاشور أهمية أسباب النزول ودلالاتها، وحضّ على القراءة التفاعلية لآيات القرآن الكريم.

الحبيب بورقيبة
وفيما اتصل بلباس المرأة، كان لابن عاشور موقفه في هذه القضية الجدلية التي ما تزال تشغل اهتمامات المسلمين، حيث ذكر شيخ علماء جامع الزيتونة أنّ "الذي يجب ستره من المرأة الحرة هو ما بين السرّة والركبة عن عين الزوج، وماعدا الوجه والأطراف عن المحارم، والمراد بالأطراف الذراع والشعر وما فوق النحر أي أعلى الصدر، ويجوز لها أن تظهر لأبيها ما لا تظهره لغيره ماعدا العورة المغلظة، وكذلك لابنها، ولا يجب عليها ستر وجهها ولا كفيها عن أحد من الناس".
وتعرّض ابن عاشور لمحن سياسية كثيرة سواء من الاستعمار الفرنسي لبلاده، أو من السلطة التي جاءت في أعقاب إزاحة الاستعمار. وقد مرّ في عهد الرئيس التونسيّ الحبيب بورقيبة، وبالتحديد في عام 1961م  بفتنة كبيرة واختبارٍ صعب، حيث إنّ الرئيس التونسي دعا العمالَ إلى الفطر في رمضان بدعوى زيادة الإنتاج، وطلب من ابن عاشور أن يفتي في الإذاعة بما يوافق ذلك، حيث ترقّب النّاس ظهوره من خلال البثّ الإذاعيّ، ليرَوا ماذا يقول، فصرّح بما يوافق شرع الله في هذه القضية، وذكر أنّ كلّ مفطرٍ بدون عذرٍ شرعيّ، كالمرض والسفر وما إلى ذلك من الأعذار التي حددها الشرع، يجب عليه فيها القضاء، وذكر شهود أنّه قرأ آية الصيام: "يا أيها الذين آمنوا كُتِب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون" ثمّ قال بعدها: "صدق الله، وكذب بورقيبة"!

للمشاركة:

لماذا يُعد "أمير كبير" رجل الإصلاح والتحديث في إيران؟

صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
2019-10-16

رغم واقع الدولة الإيرانية الراهن، الذي يتّسم بالجمود والثبات، في ظلّ حكم الجمهورية الإسلامية، ونظام الوليّ الفقيه الذي يُطبق بمخالبه على التنوع في المجتمع، ويفرض العديد من السياسيات والرؤى الضيقة التي تغلق مسام التجديد، فيترك انطباعاً مشوهاً ومنقبضاً، في أعقاب كلّ حديث حول الدولة الفارسية وتاريخها.. رغم كل ذلك فثمة تاريخ آخر موازٍ، يسبق لحظة سقوط العمامة الغليظة على عقل الدولة، يحفل بالعديد من المنجزات الإصلاحية، في السياسة، والاقتصاد، والفنّ، والصحافة؛ حيث لعبت شخصيات مؤثرة عدة أدوار بهدف التحديث والتطوير، ونقل مجمل الخبرات المتقدمة وتطبيقها، إضافة إلى تنظيم العلاقة مع العالم، الذي يعدّ منذ أربعين عاماً، بمثابة سؤال أزمة في طهران.
بواكير التحديث
بزغ اسم الميرزا تقي خان، الملقب "أبو الإصلاحات"، والمعروف باسم "أمير كبير"، مع عهد الدولة القاجارية، والأخيرة، تعدّ إحدى أكثر فترات التاريخ السياسي الإيراني حساسية وأهمية؛ إذ جاءت في أعقاب سقوط وهزيمة الدولة الصفوية، في العقد الثالث، من القرن الثامن عشر الميلادي، ونشوء عدة حكومات محلية مستقلة، حتى عادت الوحدة مع تدشين "آفا محمد خان" الدولة القاجارية.

كان من بين الأمور التي سعى كبير لتنفيذها، فيما يتّصل بالمجال الديني، إصداره قراراً بإلغاء التطبير في مراسم العزاء

وقد شهدت تلك الفترة بواكير التحديث، والاستفادة من كلّ الطاقات الموجودة في المجتمع، دون تمييز طائفي أو صنع حواجز مذهبية، وما يرافقهما من وقائع فساد وظلم. كما حصل المسلمون، والمسيحيون، واليهود، والزرادشتيون، وغيرهم من الطوائف الدينية والقومية والإثنية، على حقوقهم الدينية والمواطنية والمدنية.
تولى "أمير كبير"، المولود عام 1807، عدة مناصب مهمة، في عهد الدولة القاجارية، كما لعب أدواراً سياسية وإصلاحية متفاوتة؛ كان من بينها، وصوله لمقعد رئيس الوزراء، الذي بقي فيه لمدة ثلاثة أعوام، استحدث خلالها مؤسسات جديدة، ووضع جملة من القوانين، وأسّس لمجموعة من القيم المنضبطة في الإدارة ونظام العمل، بهدف منع الفساد المالي الإداري، في بلاط الشاه، ومن ثم، تطوير مؤسسات الدولة، كما عقد اتفاقيات مهمة مع الدول الغربية؛ إذ يعدّ أول من عقد اتفاقية تجارة وملاحة مع الولايات المتحدة.

اقرأ أيضاً: كيف تحوّل روبرت موغابي من بطل إلى دكتاتور؟
ومن بين الأمور التي وضع قواعدها بشفافية وانضباط صارمَيْن؛ تحديده مستوى الرواتب التي يحصل عليها المسؤولون والأفراد في الدولة؛ بداية من الملك، وحتى أصغر عامل، كما أنشأ أول هيئة للبريد، والعديد من المستشفيات والمصحات الطبية، ويضاف إلى ذلك؛ اهتمامه بتحديث المؤسسة العسكرية، وتطوير الجيش، خاصة أنّها تعرضت لهزيمة فادحة في عهد الدولة السابقة (الصفوية).
تولى "أمير كبير"، المولود عام 1807، عدة مناصب مهمة، في عهد الدولة القاجارية

مسارات التحديث
لذا؛ اتفق مع النمسا على تولّي أمر تطوير وتحديث الجيش، من حيث التدريبات لأفراده، ومده الجيش بالسلاح، وبعدها تمكّن من عقد عدة اتفاقيات أخرى مع بريطانيا وروسيا.
يعدّ أمير كبير من بين جيل تأثر بالمساحات الجديدة التي اكتشفها الغرب، خلال القرن قبل الماضي، في العلم والسياسة والفنّ، كما يوضح الباحث الإيراني، عدنان زماني، في دراسة منشورة عن رجل الإصلاحات في عهد الدولة القاجارية؛ حيث تطلّع عبر البعثات العلمية، وزيارة المدن الأوروبية، ومشاهدة الجامعات الغربية، أن ينهل مما أنتجته من معرفة جديدة، فقد عاش في تبريز، شمال غرب طهران، في بلاط ولي العهد، عباس ميرزا، والذي كان يحفل بوجود مجموعة من الخبراء الأوروبيين، وانتقل للعمل معهم في إسطنبول، كسفير لدى الدولة العثمانية، لمدة أربعة أعوام، واطّلع على مؤلفات جمال الدين الأفغاني، وآرائه الإصلاحية، التي اشتق منها عناصر عديدة وحاول تطبيقها في الإصلاح والتحديث داخل إيران.

اقرأ أيضاً: سليمان بشير ديان: حكيم أفريقي ينتصر للمشترك الإنساني
وعليه؛ قام بتأسيس "دار الفنون"، للمرة الأولى في تاريخ إيران، عام 1851؛ حيث تعدّ المدرسة الأولى في إيران، التي تخالف واقع التعليم الديني السائد، حتى ذلك الوقت، وبالتالي، حررت المجتمع من إطار المدارس الدينية المنتشرة، وكان التعليم فيها ينقسم إلى كليات الطبّ والتشريح، والهندسة، واللغة الأجنبية، كما استقدم معلمين لهذه التخصصات، من فرنسا والنمسا، والعديد من الدول الأوروبية، ويذكر أنّه انضمّ لصفوف الدراسة، في المرحلة الأولى، نحو 114 طالباً، واصل جميعهم بعد ذلك دراستهم وتعليمهم في أوروبا، عبر البعثات التعليمية التي توافرت لهم.
كيف تؤسس دولة حديثة؟
وبينما يعدّ ميرزا فراهاني أحد حلقات التحديث الإيراني، الذي بدأ منذ العقد الثالث للقرن التاسع عشر، فقد ساعده اطلاعه على الإصلاحات في الدول الخاضعة للاستعمار العثماني، ومعها إصلاحات محمد علي في مصر، ومتابعته لها بشغف، وتحديثه للجيش، أن ينطلق منها لبناء دولة قوية، لها مؤسساتها وأجهزتها الإدارية، لذا وضع تحديث الجيش في مركز أولوياته، ثم تبع ذلك بناء المؤسسات العلمية والتعليمية والطبية، ودعمها بالبعثات التعليمية الأولى، وبذلك يكون وضع أسس النهضة للدولة، بما جاء في تجربة سلفه في مصر نفسها.

اقرأ أيضاً: عيدي أمين: خلطة سحرية لديكتاتور مثالي
ومثلما راجت الصحافة، وانتشرت بصورة قوية ومؤثرة، في التجربة المصرية، اهتم ميرزا بالصحافة، وإصدار المطبوعات المختلفة، وأسّس "أمير كبير" الجريدة الرسمية لإيران، المعروفة باسم: "روزنامه رسمي إيران"، بيد أنّ تغييرات جرت بعد ذلك، في الاسم والمضمون والشكل الخاص بالجريدة؛ حيث تبدلت إلى "وقايع اتفاقيه"، إلى أن تمّ الاستقرار على اسم "روزنامه دولت عليه إيران"، قدمت تلك الصحيفة العديد من الترجمات المهمة للمقالات العلمية، وكانت تصدر بثلاث لغات؛ الفارسية والعربية والإنجليزية.
أصدر قراراً بإلغاء التطبير المنتشر في مراسم العزاء

غضب رجال الدين
جلبت الإصلاحات التي قام بها أمير كبير، ومحاولاته التحديثية، خاصة في التعليم، خصومة رجال الدين، ونقدهم له ومحاربتهم إياه؛ لما تسببت فيه خطواته التقدمية من تهميش لدورهم، وتقليص لنفوذهم؛ حيث كان يهاجم العديد من الطقوس الدينية المغلوطة، والممارسات التي كان يعدّها بمثابة "خرافات وشعوذة"، إلى أن انتهى به الحال مقتولاً في مدينة كاشان، جنوب طهران، بعد أيام ليست بكثيرة على عزله من منصبه.

من القضايا التي وضع كبير قواعدها بشفافية وانضباط صارمين تحديده مستوى الرواتب التي يحصل عليها المسؤولون والأفراد في الدولة

وكان من بين الأمور التي سعى لتنفيذها، فيما يتصل بالمجال الديني، إصداره قراراً بإلغاء التطبير، المنتشر في مراسم العزاء، كما ألغى وزارة "دار الشرع"، والأخيرة كانت تمارس نوعاً من التعسف والاضطهاد على غير المسلمين، بينما أعطى الأقليات الدينية مزيداً من الحقوق المواطنية والمدنية، وألغى اللجوء للأضرحة الدينية، وتصدى للعديد من الجماعات الدينية المتطرفة.
لم تكن محاربته لطبقة رجال الدين، وهيمنتهم على المجتمع وأفراده، هي السبيل الوحيد لتأليب هذه الطبقة ضدّه، الأمر الذي تسبّب في عزله من منصبه واغتياله، بيد أنّ أمير كبير سعى لتقليص نفوذ الأجانب المسيطرين بقوة على الشؤون الداخلية الإيرانية، وعزل العديد من الولاة المتهمين بالفساد والولاء للأجانب، وبالتالي، عمد إلى تنويع العلاقات مع الغرب؛ ليحدّ من نفوذ البريطانيين والروس الذين كانوا يتقاسمون الوضع المحلي الإيراني، وتوجّه إلى أطراف دولية أخرى، من بينها النمسا والولايات المتحدة، وهو ما يوضحه السفير البريطاني لدى طهران، فيليب هوفمن، في رسالة وجهها إلى وزير خارجية بلاده، آنذاك، وقال فيها: "توجهات أمير كبير ضدّ الروس، لا تعني أنّه من المؤيدين لنا، لكنّ هدفه الرئيس تقليص نفوذ الروس والبريطانيين في إيران والعمل على تنفير الناس منا ومن الروس معاً".

للمشاركة:

كيف تحوّل روبرت موغابي من بطل إلى دكتاتور؟

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2019-10-03

"الربّ وحده يستطيع تنحيتي من العرش"؛ بتلك الكلمات الأخيرة ذيّل الراحل عن عمر ناهز 95 عاماً، روبرت موغابي، مسيرته المتناقضة بين مناضل من أجل التحرر الوطني إلى ديكتاتور انفرد بالسلطة طيلة أربعين عاماً، لا صوت يعلو فوق صوته، حتى تمّت إزاحته عن السلطة، عام 2017، بعد أن تجاوزّ التسعين من عمره.
لكن ما الذي حوّل موغابي من بطل حرَّر بلاده من الاحتلال إلى دكتاتور؟
نظرة على زيمبابوي
زيمبابوي، أو روديسيا الجنوبية، كما سمّاها الاحتلال البريطاني، على اسم سيسيل رودس، المؤسس الفعلي للإمبراطورية البريطانية، والذي يعدّ أحد أهمّ الشخصيّات في التوسع البريطاني في أفريقيا جنوب الصحراء؛ حيث حصل على حقوق المعادن عام 1888، ووفق كتاب "موسوعة حرب الأراضي في القرن التاسع عشر"، للمؤرخ العسكري الأمريكي، بايرون فارويل؛ فإنّ سيسيل حصل على حقوق حصرية، وقّعت إثرها الملكة فيكتوريا، عام 1889، ميثاقاً يمنح رودس ثروة معادن جنوب أفريقيا كاملة، فيما استخدمها سيسيل لإرسال مستوطنين بيض إلى الأراضي الأفريقية، وأنشؤوا منظّمة مسلحة من قبل الحكومة الإنجليزية، سمّيت "BSAP"، وقادت حرباً مع السكان الأصليين من السود.

اقرأ أيضاً: عيدي أمين: خلطة سحرية لديكتاتور مثالي
وفي عام 1899؛ تمّ إنشاء المجلس التشريعي مع أقلية من المقاعد المنتخبة، وكان المنوط بها تمرير التدابير الحكومية عن طريق كتلة ممثلة لصالح شركة جنوب أفريقيا البريطانية"BSAC" ، التي أنشأها رودس؛ حيث كانت أغلبية الناخبين من المستوطنين البيض وزادت نسبة المقاعد المنتخبة مع مرور الوقت، وبحلول عام 1918، كانت الغالبية تؤيّد حكم ""BSAC، لكن سرعان ما تغير هذا التأييد مع تطور البلاد وزيادة الاستقرار.

 كتاب "موسوعة حرب الأراضي في القرن التاسع عشر"

ومع انتهاء الحرب العالمية الأولى؛ أصدرت المحاكم البريطانية مرسوماً مفاده أنّ الأراضي التي لا تملكها جهات أو أشخاص ملكية خاصية، تصبح ملكاً للتاج البريطاني، بدلاً منBSAC" "، وكان هذا القرار بمثابة دفعة كبيرة لحملة الحكم الذاتي، واحتفظت ردويسيا الجنوبية بحقّ التصويت للبيض والسود الذين يمتلكون رأس مال لا يقلّ عن 150 جنيه استرليني، أو لديهم دخل سنوي لا يقل عن 100 جنيه إسترليني، ويخضع الناخبون لاختبار اللغة الإنجليزية، وظلّت تلك الشروط حتى عام 1951؛ إذ تمّ رفع المؤهلات المالية، وبسبب طفرة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ازدهر اقتصاد البلاد، وعليه؛ فإنّ الفترة ما بين 1953 و1958، حاولت الحكومة فيها العمل على إصلاحات ليبرالية لزيادة رفاهية السكان السود، خشية التمرد، وذلك عن طريق زيادة فرص تعليم السود، وتقديم السكن والرعاية الصحية، بعد تلك الفترة استمرت الأقلية البيضاء في تحجيم سلطة الأغلبية السوداء، بينما استمر نضال السود لإحباط حكم البيض، حتى تنصيب إيان دوغلاس سميث رئيساً للوزراء، مع استقلال روديسيا غير المشروط من قبل السود، واستمرّ هذا السجال المسلح بين البيض والسود حتى أعلن استقلال البلاد، عام 1980؛ إذ تمكّنت الأغلبية السوداء من حكم زيمبابوي.

استمرّ السجال المسلح بين البيض والسود حتى أعلن استقلال البلاد عام 1980

فارس التحرير الوطني
تبدو شخصية موغابي أكثر تعقيداً بتتبع مسيرته الحياتية، لا سيما بعد توليه السلطة في أعقاب الاستقلال، فالمملكة المتحدة، التي منحته لقب "فارس" تكريماً لنضاله ضدّ الاستعمار، لم تكفّ عن تشويه صورته كديكتاتور أغرق بلاده الواعدة هائلة الثروة، فالصبي الذي نشأ في كنف أمه، بعد أن هجرها والده، وهو لم يتجاوز الثلاثة أعوام، احتضنته المدارس التبشيرية الكاثولوكية، وتفوّق دراسياً، حتى ارتاد جامعة "فورت هير" في جنوب أفريقيا، وبعد التخرّج، تمّ تعيينه معلماً في غانا، ومع قدوم الستينيات، بزخمها في حركات التحرر الوطني، التي اجتذبت موغابي، الذي تلقّى تعليماً جيداً، رحل إلى بلاده عام 1960، ليبدأ عمله السياسي، الذي استهله بالسجن لعشرة أعوام؛ إثر خطاباته التي دعا فيها إلى تدمير المملكة المتحدة، وإنهاء حكمها للبلاد.

اقرأ أيضاً: "العشق المحرَّم" بين الديكتاتوريات والساحرة المستديرة
بعد خروجه من السجن؛ هرب إلى موزمبيق المجاورة، ومن هناك قاد قوات حرب العصابات، التابعة للاتحاد الوطني الأفريقي الزيمباوي، المعروف بـ "زانو"، والذين انشقّوا عن الاتحاد الشعبي الإفريقي لزيمبابوي "زابو"، بقيادة جابوا نكومو، وخاضوا حرباً طويلة ضدّ حكومة إيان سميث، خلّفت 27 ألف قتيل.

قاد قوات حرب العصابات، التابعة للاتحاد الوطني الأفريقي الزيمباوي، المعروف بـ "زانو"

وعام 1979؛ جلب اتفاق لانكستر هاوس، الذي انعقد في لندن، الاستقلال لزيمبابوي، ليعود موغابي إلى وطنه بطلاً متوّجاً، ومعلناً سياسة المصالحة مع البيض، وطلب مساعدتهم في إعادة بناء البلاد، وفي خطابه المشهور بعد الاستقلال، غازلهم بقوله: "إذا حاربتك بالأمس كعدو، فقد أصبحت اليوم صديقاً، وإذا كرهتني بالأمس، فلا يمكنك اليوم تجنّب الحبّ الذي يربطني بك"، وفي بداية حكمه قاد حكومة ائتلافية مع نكومو، لكن سرعان ما أطاحه موغابي، عام 1982، بتهمة التخطيط لانقلاب عسكري للإطاحة بحكمه، وعليه فقد تمرّدت قوات نكومو المسلحة، وقادت حرباً أهلية قتل فيها الآلاف من المدنيين، بحسب صحيفة "التايم الأيرلندية"؛ التي نعت نكومو بعد وفاته، عام 1999، واصفة إياه بـ "رجلنا العزيز الكبير"، بينما سحقت قوات موغابي المدربة من كوريا الشمالية تمرد أتباع نكومو، الذين خلّفوا 20 ألف قتيل من المدنيين، في الوقت نفسه؛ قرّر موغابي الاهتمام بالصحة والتعليم، لتصبح زيمبابوي في الثمانينيات من الدول الأفريقية الأكثر صحة، والأفضل تعليماً، في وقت قياسي.

نكومو

الطريق إلى الهاوية
عام 1987؛ عقدت المصالحة بين زانو وزابو، وفي الثاني والعشرين من كانون الأول (ديسمبر)، تمّ توقيع اتفاقية الوحدة من قبل الزعيمين، وانضم زابو إلى زانو ليصبح اسمه "زانو بي إف"، وهو ما جعل المعارضة السياسية تتنامى في أيام موغابي، وما جعلها في تصاعد كانت سياسات توزيع الأراضي وتسوية الإرث الاستعماري، الذي بدأها موغابي في التسعينيات من القرن الماضي، في هذا الصدد تحدث مدرس العلوم السياسية بمعهد الدراسات الأفريقية، جامعة القاهرة، الدكتور أحمد أمل، لـ "حفريات" قائلاً: "لا شكّ في أنّ موغابي كان بطلاً للتحرير، بلا منازع، سوى نكومو، وقد صنع معجزة اقتصادية فيما يخصّ العملية التعليمية والرعاية الصحية التي انتهج فيها نهجاً سوفييتياً بامتياز، لكن بالنظر إلى تسوية الأراضي فقد قاد موغابي حملة عنصرية ضدّ البيض؛ باعتبار أنّ السود صارت لهم اليد العليا، هذه الازدواجية في المعايير خلقت له معارضة تنامت مع زوال الديكتاتوريات المجاوزة في أوغندا، وغيرها من دول الجوار، وتحالفت المعارضة مع بريطانيا في محاولة لإسقاط حكمه، خاصة بعد اتهامه من قبل القوى الدولية؛ بأنّه شيوعي، وذلك لأنّ محرّكه الفعلي للنضال ضدّ الاستعمار كان شيوع الأفكار الماركسية في الستينيات".

صحفية عن موغابي: تعاملت معه الحياة بقسوة بالغة لكنّه افتقر لقوة الشخصية التي تدفعه للردّ على الهدايا التي منحت له

ويستطرد قائلاً: "كثيراً ما نفى موغابي ماركسيّته، لكنّ سياساته الإصلاحية كانت تثبتها، وعلى مستوى إعادة توزيع الثروة والأرض؛ فإنّ هذه العملية أطلقت العديد من الأسئلة حول الهوية والجنسية، وكان النقد الموجَّه إلى الرئيس وقتها هو ازدواجية الإمبريالية والتعصب الاستبدادي غير المقبول للمعارضة آنذاك؛ حيث كانت القوات المسلحة درعاً أساسياً لبقائه في السلطة، لكن ما جعل حكمه يتهاوى كان مشروع خلافة زوجته غريس لرئاسة الجمهورية، كان هذا القشّة التي قصمت عرش موغابي إلى الأبد"، وفي مقال نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانية، بعد وفاة موغابي، يستعرض الصحفي الأمريكي ومدير مكتب "الغارديان" بواشنطن مسيرة موغابي الذي قسّمه إلى شخصين، أحدهما بطلاً للتحرير ولأفريقيا برمّتها، أمّا الآخر؛ فهو ديكتاتور غامض وقاسٍ، لكنّه في غاية الذكاء، يعرف الهدف ويصيبه سريعاً، ومن خلال مقابلة أجراها سميث مع وزير مالية موغابي، سيمبا ماكوني، فإنّ موغابي بالنسبة إليه كان موغابي السابق "بطلاً للتحرير"، ثمّ ديكتاتوراً متكالباً على السلطة، واستعرض ماكوني في المقابلة جانباً من شخصية موغابي، قائلاً: "رجل قويّ وغامض، ذكي ومرح، ويحاول بشتى الطرق أن يخفي نقاط ضعفه".

عشاء مع موغابي
في كتابها "عشاء مع موغابي"، تسبر الصحفية الجنوب أفريقية، هيدي هولاند، أغوار الرئيس الغامض، التي سردت سيرة ثلاثين عاماً من حياته، ولا يخلو كتابها من التناقضات التي اتّسمت بها شخصيته؛ ففي بداية الكتاب فصول كاملة تسرد سيرة الرجل المحارب الذي حرر بلاده بروح قتالية نادرة الوجود، وباستكمال السيرة، خاصة مع بداية التسعينيات، نجد أنفسنا أمام شخصية أخرى، غاية في القسوة وحبّ السلطة، الذي دفعه لسحق المعارضة على مرأى ومسمع من العالم، وتصفه بقولها: "رجل تعاملت معه الحياة بقسوة بالغة، لكنّه افتقر لقوة الشخصية التي تدفعه للردّ بنعمة على الهدايا التي منحت له من بلاده".

كتاب "عشاء مع موغابي"

بينما تتوازى سيرة موغابي مع مانديلا؛ فإنّ الأخير أجرى مقابلة مع الصحفي الجنوب أفريقي، إليستر سباركس، في مطلع الألفية؛ إذ يصفه مانديلا: "كان النجم، ثم أشرقت الشمس"، ويوضح سباركس الكره الشديد الذي كنّه مانديلا لموغابي الذي كان ينافسه على قيادة أفريقيا، إلّا أنّ مانديلا سرعان ما تنازل عن السلطة قبل أن تشرق عليه الشمس، كما موغابي.
وبحلول عام 2008؛ تمّ تجريد موغابي من لقبه الفخريّ، وتعرض لعقوبات دولية كانت بريطانيا خلفها بلا منازع، بينما ظلّ، حتى نهاية حياته، يردّد جملته الأكثر شهرة: "لن تكون زيمبابوي مستعمرة مرة أخرى".

للمشاركة:



تركيا تواصل مناكفة الولايات المتحدة.. بهذا القرار

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

تصرّ تركيا على الاستمرار بنهجها الداعم لإيران، ومساعدتها في الالتفاف على العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة عليها؛ حيث أعادت أنقرة إلى الواجهة المدعوّ محمد هاكان أتيلا، عرّاب خرق العقوبات المفروضة على الجمهورية الإسلامية.

وأصدر وزير الخزانة والمالية التركي، بيرات ألبيرق، قراراً بتعيين نائب المدير العام السابق لبنك "خلق" الحكومي التركي، أتيلا، مديراً عاماً لبورصة إسطنبول، بعد ثلاثة أشهر من قضائه عقوبة السجن في الولايات المتحدة الأمريكية، بتهمة خرق العقوبات المفروضة على إيران، وفق صحيفة "زمان".

صهر أردوغان يعيّن أتيلا، المتهم بخرق العقوبات المفروضة على إيران، مديراً عاماً لبورصة إسطنبول

القرار أعلنه صهر رئيس الجمهورية ووزير الخزانة والمالية، بيرات ألبيرق، عبر تويتر؛ إذ قال: "انتهت فترة الاستراحة والاسترخاء لهاكان أتيلا، الذي عاد إلى أسرته وبلده، عقب محاكمته الظالمة".

واعتقل محمد هاكان أتيلا، نائب المدير العام السابق لبنك "خلق" الحكومي التركي، بالولايات المتحدة الأمريكية، في 7 آذار (مارس) 2017، مع رجل الأعمال الإيراني رضا ضراب، بتهمة خرق العقوبات الأممية والأمريكية المفروضة على إيران، عن طريق استغلال النظام المصرفي للبنك.

وفي شهر تموز (يوليو) الماضي؛ خرج المدان الرئيس في القضية من سجن FCI"  Schuylkill " بولاية بنسلفانيا، وعاد إلى تركيا بعد قضاء فترة عقوبته، ليغيب عن الأنظار، إلى أن أعلن ألبيرق، أمس، قرار تعيينه مديراً عاماً لبورصة إسطنبول.

وأضاف ألبيرق في تغريدته: "ها هو يبدأ مهامه مديراً عاماً لبورصة إسطنبول، أتمنى أن يكون هذا المنصب خيراً له ولبورصة إسطنبول".

ومن جانبها، قالت بورصة إسطنبول: "لقد أصبح محمد هاكان أتيلا مديراً عاماً لبورصة إسطنبول".

وتابعت البورصة في بيان: "تمّ اختيار محمد هاكان أتيلا لمنصب المدير العام، خلال اجتماع مجلس الإدارة، المنعقد بتاريخ 21 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، وسيقوم أتيلا بمهام المدير العام وعضو مجلس الإدارة، وقد تمّ اختيار أتيلا بعد قرار تعيين مراد تشاتين كايا نائباً لمحافظ البنك المركزي".

وبحسب ملف القضية؛ فقد طالبت النيابة العامة بالحكم على هاكان أتيلا بالسجن لمدة 188 شهراً، وغرامة مالية تتراوح بين 50 إلى 500 ألف دولار أمريكي، وفي 16 أيار (مايو) 2018؛ أصدرت المحكمة قراراً بسجن محمد هاكان أتيلا 32 شهراً، مع إسقاط الفترة التي قضاها في السجن 14 شهراً، وتوقيع غرامة مالية 500 ألف دولار أمريكي.

 

للمشاركة:

الحوثيون يرتكبون 20 خرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار في يوم واحد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

تواصل ميليشيا الحوثي الإرهابية انتهاكاتها لوقف إطلاق النار في الحديدة؛ حيث ارتكبت، أمس، أكثر من 20 خرقاً، من ضمنها استهداف نقطة مراقبة وقف إطلاق النار الأممية التي جرى تثبيتها بمدينة الحديدة، غرب اليمن، ما أدّى إلى مقتل جندي وإصابة ضابط وجندي آخر، من القوات الحكومية.

ورأى الإعلام العسكري للقوات المشتركة، في بيان؛ أنّ الخروقات الحوثية لقرار وقف إطلاق النار في الحديدة "تحدٍّ صارخ لجهود فريق المراقبين الأممين وضباط الارتباط، المبذولة لوقف إطلاق النار في الحديدة"، وفق ما أوردت "العربية".

الحوثيون يستهدفون نقطة مراقبة وقف إطلاق النار الأممية التي جرى تثبيتها بمدينة الحديدة

وأكّد أنّ ميليشيات الحوثي تقابل جهود الفريق الأممي بشأن نشر نقاط ضباط الارتباط لمراقبة وقف إطلاق النار، بالتصعيد الميداني واستهداف المواطنين وممتلكاتهم في محاولة لنسف هذه الجهود.

وذكر الإعلام العسكري؛ أنّ ميليشيات الحوثي ارتكبت خلال الـ 24 ساعة 20 خرقاً في الحديدة، نتج عنها مقتل وجرح ثلاثة من منتسبي القوات المشتركة، وإلحاق أضرار في ممتلكات المواطنين، مشيراً إلى أنّ الميليشيات استخدمت في هذه الاعتداءات المدفعية الثقيلة وقذائف "آر بي جي"، وعيارات "14.5" و"12.7"، ومعدلات "البيكا"، وأسلحة القناصة.

كما شملت الخروقات مدينة الحديدة، بما في ذلك المناطق التي تمّ فيها تثبيت نقاط مراقبة وقف إطلاق النار.

وأوضح البيان؛ أنّ تثبيت نقطة المراقبة الثالثة اليوم في منطقة كيلو 16، تزامن مع استهداف الميليشيات الحوثية لمواقع القوات المشتركة القريبة من ذات المكان، وقد أسفر ذلك الاعتداء الإجرامي عن مقتل وجرح ثلاثة من المقاومة برصاص قناصة الميليشيات.

 

للمشاركة:

مصر: القبض على 22 إخوانياً.. هذا ما ارتكبوه

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

ألقت قوات الأمن المصرية القبض على 22 شخصاً، من عناصر جماعة الإخوان، المصنَّفة في كثير من الدول، من ضمنها مصر، على أنّها تنظيم إرهابي، بتهمة إثارة الرأي العام.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية، في بيان لها اليوم؛ أنّها "عثرت بحوزة المتهمين على ملصقات إثارية وأسلحة بيضاء، ومسدسَي صوت، لاستغلالها في قطع الطريق أمام إحدى المحاكم"، وفق ما نقلت "سبوتنيك".

22 إخوانياً يحاولون استغلال قضية محمود البنا لإثارة الرأي العام والتحريض ضدّ الدولة

وذكر البيان؛ أنّ جماعة الإخوان تحاول استغلال الأحداث المختلفة لإثارة الرأي العام، وتأجيج المشاعر لدى المواطنين، والتحريض ضدّ الدولة، من خلال نشر العديد من الأخبار المغلوطة والشائعات الكاذبة، ومن بينها حادث الاعتداء على الطالب محمود البنا، بمحافظة المنوفية، الذي أدّى إلى وفاته".

وكانت محكمة شبين الكوم قد أجّلت أولى جلسات محاكمة المتهم محمد راجح و3 آخرين، بعد اتهامهم بقتل الطالب محمود البنا، نتيجة دفاعه عن فتاة في الشارع، كان المتهمون يتحرّشون بها، لجلسة الـ 27 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري.

وانشغلت مواقع التواصل الاجتماعي، خلال الأيام السابقة، بجريمة قتل الشاب محمود البنا، على يد محمد راجح، طالب الثانوية العامة، واثنين من أصدقائه، بطريقة تحاكي الحبكات السينمائية التي يقدمها عادة الفنان محمد رمضان؛ باستخدام الأسلحة البيضاء والبلطجة والخروج على القانون.

 

للمشاركة:



لماذا اختصم محمد الطاهر بن عاشور مع الرئيس بورقيبة؟

2019-10-22

يوصف بأنّه "عَلَم من الأعلام الذين يعدّهم التاريخ الحاضر من ذخائره، فهو إمام متبحِّر في العلوم الإسلامية، مستقلّ في الاستدلال، واسع الثراء من كنوزها، فسيح الذرع بتحمّلها، نافذ البصيرة في معقولها، وافر الاطلاع على المنقول منها، أقْرَأ، وأفادَ، وتخرَّجت عليه طبقات ممتازة في التحقيق العلمي".

اتبع بن عاشور الآلية المقصدية في تحليل الخطاب القرآني وبيّن أهمية أسباب النزول ودلالاتها وحضّ على القراءة التفاعلية لآيات القرآن

ولم يكن محمد الطاهر بن عاشور ليستحق هذا الذي أسبغه عليه العلاّمة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، لو لم يكن جديراً بما قاله عنه وبحقه وزاد عليه صديقه الأثير الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر، فقد امتدحه وأطرى عليه، فله "فصاحةُ منطقٍ، وبراعةُ بيانٍ، ويضيف، إلى غزارة العلم وقوّة النظر، صفاءَ الذوق، وسعة الاطلاع في آداب اللغة. كنت أرى فيه لساناً لهجته الصدق، وهمَّةً طمَّاحة إلى المعالي، وجِداً في العمل لا يَمَسه كلل، ومحافظة على واجبات الدين وآدابه. وبالإجمال ليس إعجابي بوضاءة أخلاقه وسماحة آدابه بأقل من إعجابي بعبقريته في العلم".
ولد بن عاشور، بتونس في العام 1879م في أسرة علمية عريقة تمتد أصولها إلى بلاد الأندلس. وقد استقرت هذه الأسرة في تونس بعد حملات التنصير ومحاكم التفتيش التي تعرض لها مسلمو الأندلس.

اقرأ أيضاً: لماذا يُعد "أمير كبير" رجل الإصلاح والتحديث في إيران؟
حفظ الطاهر بن عاشور القرآن الكريم، على ما تورده المصادر التاريخية، وتعلّم اللغة الفرنسية، والتحق بجامع الزيتونة، وهو في الرابعة عشرة من عمره، فدرس علوم الزيتونة ونبغ فيها، وأظهر همة عالية في التحصيل، وساعده على ذلك ذكاؤه النادر والبيئة العلمية الدينية التي نشأ فيها، وشيوخه العظام في الزيتونة الذين كان لهم باع كبير في النهضة العلمية والفكرية في تونس، وملك هاجسُ الإصلاح نفوسَهم وعقولهم، فبثوا هذه الروح الخلاقة التجديدية في نفس الطاهر، وكان منهجهم أنّ الإسلام دين فكر وحضارة وعلم ومدنية.

 محمد البشير الإبراهيمي
وبوحي من هذه التنشئة والظروف المحيطة بابن عاشور، وبدافع من إحساسه بأنّ تقدّم المسلمين لا يكون إلا من طريق إصلاح عقولهم، وتوفير البيئة الفكرية لكي يتفهموا أمور دينهم، راح الفقيه التونسي يبحث عن سبل للنظر في جوانب إصلاح المنهجية التي عُرض فيها الدين، وللطريقة التي يُفهم فيها الدين، رابطاً على نحو خلّاق بين الفكر والعمل، فلا يمكن إصلاح جانب وترك الآخر؛ "لأنهما كجناحي الطائر لا يمكن تجديد ما رثّ في أحدهما وترك الجانب الآخر".
وكان ابن عاشور، وهو يسعى إلى إصلاح الفكر، يرنو إلى إصلاح التفكير بربط ذلك بإصلاح العلوم التي يُراد إدخالها في مخزن الأفكار (العقل البشري)، فإصلاح عقل الإنسان هو إصلاح جميع خصاله، ويجيء بعده الاشتغالُ بإصلاح أعماله، وعلى هذين الإصلاحين مدار قوانين المجتمع الإسلامي"، كما جاء في كتابه "أصول النظام الاجتماعي".

مرّ بن عاشور باختبار صعب في عهد الحبيب بورقيبة، حين دعا الرئيسُ العمالَ إلى الفطر في رمضان بدعوى زيادة الإنتاج

وانطوى التوجه المقاصدي لدى ابن عاشور على وعي نقدي للأسس التي انبنى عليها العقل الفقهي القديم، وعلى هاجس تطوير البناء الفكري للمنظومة التشريعية الإسلامية على النحو الذي يجعل من التشريع عامل تنشيط للحركة الحضارية، وعنصر تغذية لتقدم المجتمع الإنساني، لتجنيب المسلم عوارض الصدام بين النص والواقع، سعياً نحو تحقيق التوازن المطلوب بين موجبات الولاء لتعاليم الدين من ناحية، والاستجابة لمقتضيات التواصل الواعي مع متغيرات الزمان والمكان من ناحية ثانية، بما يتيح تحرير العقل الفقهي من أسر الأطر المغلقة للثقافة التقليدية، والرفع من قيمة أدائه بمدّه بالآلات المنهجية والمعرفية التي تمكّنه من امتلاك القدرة على مسايرة التحولات المتسارعة والانخراط القويم في مسار الحركة الحضارية التي لا تعرف التوقف ولا تعترف بالجمود والقعود، حسبما ورد في دراسة للمعهد العالمي للفكر الإسلامي.

اقرأ أيضاً: كيف تحوّل روبرت موغابي من بطل إلى دكتاتور؟
وتنوّه الدراسة إلى جهود ابن عاشور في تفسيره "التحرير والتنوير"، حيث اتبع العلامة التونسي منهجاً يعتمد على تكوين علاقة مركبة من القارئ والنص؛ لأنّ النص القرآني في كثير من التفاسير وإن بدا حاضراً، فإنّ حضوره شكلي يتضاءل أمام حضور القارئ وأهدافه، وقد لوحظ إلمام ابن عاشور بمراتب الدلالة اللغوية، وتحليله قضاياها وفق المنهج التداولي، كما لوحظ اتباعه للآلية المقصدية، وتنسيبها في تحليل الخطاب القرآني وعنايته بها، وقد بيّن ابن عاشور أهمية أسباب النزول ودلالاتها، وحضّ على القراءة التفاعلية لآيات القرآن الكريم.

الحبيب بورقيبة
وفيما اتصل بلباس المرأة، كان لابن عاشور موقفه في هذه القضية الجدلية التي ما تزال تشغل اهتمامات المسلمين، حيث ذكر شيخ علماء جامع الزيتونة أنّ "الذي يجب ستره من المرأة الحرة هو ما بين السرّة والركبة عن عين الزوج، وماعدا الوجه والأطراف عن المحارم، والمراد بالأطراف الذراع والشعر وما فوق النحر أي أعلى الصدر، ويجوز لها أن تظهر لأبيها ما لا تظهره لغيره ماعدا العورة المغلظة، وكذلك لابنها، ولا يجب عليها ستر وجهها ولا كفيها عن أحد من الناس".
وتعرّض ابن عاشور لمحن سياسية كثيرة سواء من الاستعمار الفرنسي لبلاده، أو من السلطة التي جاءت في أعقاب إزاحة الاستعمار. وقد مرّ في عهد الرئيس التونسيّ الحبيب بورقيبة، وبالتحديد في عام 1961م  بفتنة كبيرة واختبارٍ صعب، حيث إنّ الرئيس التونسي دعا العمالَ إلى الفطر في رمضان بدعوى زيادة الإنتاج، وطلب من ابن عاشور أن يفتي في الإذاعة بما يوافق ذلك، حيث ترقّب النّاس ظهوره من خلال البثّ الإذاعيّ، ليرَوا ماذا يقول، فصرّح بما يوافق شرع الله في هذه القضية، وذكر أنّ كلّ مفطرٍ بدون عذرٍ شرعيّ، كالمرض والسفر وما إلى ذلك من الأعذار التي حددها الشرع، يجب عليه فيها القضاء، وذكر شهود أنّه قرأ آية الصيام: "يا أيها الذين آمنوا كُتِب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون" ثمّ قال بعدها: "صدق الله، وكذب بورقيبة"!

للمشاركة:

لماذا لم ينزل نصر الله إلى الشارع؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

أمل عبد العزيز الهزاني

خرج مهدداً ومتوعداً من مكانه المجهول، وقتما كان اللبنانيون في الشوارع والميادين يهتفون بمعاناتهم، ويشكون أنهم بلا كهرباء، وبعضهم لم يستطع الاستحمام لأيام لانعدام الماء، وبطالة قضت على ما تبقَّى لهم من أمل. لم يخرج مطمئناً وداعماً للثورة السلمية التي حافظ فيها اللبنانيون على حمل علم واحد وهو العلم اللبناني، بعيداً عن تلونات أعلام الأحزاب والطوائف، في مشهد لم يكن له مثيل.
كان خوف أمين عام حزب الله أن تستقيل الحكومة ويخسر المعادلة التي مكَّنته من تحويل لبنان إلى بلد مشلول، وجسر للعبور إلى دمشق.
لأول مرة في التاريخ الحديث، يتجرَّد اللبنانيون من انتماءاتهم السياسية، ويشكِّلون وحدة واحدة بالمطالبات نفسها والصوت نفسه. فرقتهم السياسة وجمعهم الفقر.
ولأن الفساد هو المتهم الأول، كما هو حال احتجاجات العراق، فإن من الفاسدين من لا يستطيع أحد أن يحاسبهم أو يقاضيهم أو يفضح أسماءهم لأنهم تحت حماية نظام الولي الفقيه.
نصر الله لم يستطع أن يعيد سيناريو 8 مايو (أيار) 2007 وينزل لاحتلال بيروت وإخماد المعارضين، لأنه سمع بأذنيه أنه حتى من يحبونه ويناصرونه كزعيم شيعي مقاوم للاحتلال الإسرائيلي، على حد قوله، اتهموه علناً وعلى شاشات التلفزة بالفساد، وأن وزراءه ونوابه من الحزب وأتباعهم سرقوا قوت الناس، وأثروا على حسابهم.
وحتى لا يكون لحكومة سعد الحريري تأثير في حل جزء من أزمات لبنان، تلكأ جماعة نصر الله في الحكومة في الالتزام والإقرار بالإصلاحات التي تعهد بها رئيس الحكومة دولياً، ليتمكن من الحصول على دعم الصندوق الدولي.
المواطن اللبناني الذي اكتشف أن قوته تنبع من ذاته وليس من انتمائه، أجبر كل أعضاء الحكومة على الموافقة على ورقة الإصلاحات الاقتصادية بالأمس، ولا يزال السياسيون أصحاب النفوذ والتأثير قلقين من أن هذه الخطوة قد لا ترضي الشارع.
وإن رضي اللبنانيون بورقة الحريري الاقتصادية، وهدأ الشارع، وفتحت الطرقات، وسكن الغضب، فإن ما تغير في لبنان أكبر من الإصلاح الاقتصادي.
وأنا هنا لا أعني الثقة بالسياسيين، لأن حتى بعض أتباع نصر الله لم يكونوا راضين باحتلاله بيروت وإرعاب الناس، ويعرف الجميع أن سبب إشهاره سلاحه في وجه المواطن اللبناني كان بسبب نفوذه الطاغي الذي وصل حد التجسس على المطار الدولي والتحكم في حمولة الطائرات. أتباعه أيضاً لم يكونوا فخورين عندما خرج يناشد حلفاء أميركا بالتوسط لوقف القصف الإسرائيلي على لبنان في صيف 2006، وهم اليوم يرونه يطلب معونات من الناس بعد الحصار الاقتصادي الأميركي على إيران. الثقة أيضاً تأرجحت في الرئيس اللبناني ميشال عون الذي وقف عاجزاً أمام كل مشكلات لبنان منذ صار رئيساً، وسلم واجهة الرئاسة وهيبتها إلى جبران باسيل وزير الخارجية بكل ما تتميز شخصيته من استعلاء. إذن هي ليست فقط الثقة التي فقدت في الفريق «المقاوم» لاستقرار لبنان، بل التحول العميق في موقف الناس وجرأتهم على التحرر والصراخ في وجه زعمائهم الذين تركوهم للعوز، واتهام من كانوا أصناماً يُعبدون بأنهم سبب كل بلاء.
ليعلم اللبنانيون أنهم سطروا مشهداً حضارياً غير مسبوق، ببسالتهم، وإصرارهم، ورفع صوتهم ضد أصحاب السلطة الظالمة، حتى إنهم بدأوا الاحتجاجات مقنعين بأقنعة لإخفاء هويتهم ثم ألقوا بها وتوجهوا للقنوات التلفزيونية لتنفيس غضبهم، وقول الحقيقة التي كانوا يعلمونها منذ عقود؛ وهي أن زعامات لبنانية انتفعت من مراكزهم لأنفسهم وأسرهم، غير عابئين بلبنان واحد يضم الجميع.
بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري استمرت سلسلة من الاغتيالات، التي وجهت أصابع الاتهام فيها لحزب الله ضد خصومه، رغم أنهم خصوم نافذون، فكيف بالمواطن العادي الذي وجد نفسه أسيراً لحكم ديكتاتوري بغطاء ديمقراطي مرقع.
من كان يستطيع أن يحمل مكبراً للصوت ليقول: «إننا كنا معك يا حسن نصر الله، لكن نوابك ووزراءك سرقونا».
منذ 2005، كنا نسمع مظاهرات الناس واجتهادهم للدعاية لأحزابهم بكل ألوانها، وتصريحات قياداتها تهتف بالعزة والكرامة، لكن الحقيقة أن العزة والكرامة ليستا في الرايات الصفراء أو البرتقالية أو الزرقاء، بل في علم لبنان وحده. العزة والكرامة هما ما قدمه اللبنانيون خلال الأيام الماضية.
حاجز الخوف من سلاح نصر الله قفز فوقه المتظاهرون، هم لم يبدلوا مواقفهم السياسية بل اكتشفوا أخيراً أن السياسة الحزبية لا تؤكل عيشاً إلا للطبقة العليا، وأن أتباعهم والمؤمنين بهم عقدياً وسياسياً هم أرقام تنزل للشارع حينما تؤمر بذلك، أداة من أدوات التنافس ضد الخصوم.
أجزم بأن اللبنانيين يعرفون من هم الفاسدون الذين نهبوا مقدرات البلاد، رغم أن لبنان من أكثر الدول التي تتلقى دعماً خليجياً ودولياً مستمراً. هذه تجربة خاضها اللبنانيون بإرادتهم، لم يملِ عليهم أحد النزول للشارع. إن لم يكتمل عندهم الوعي بأن لهم حق المواطنة على الزعيم السياسي الذي يتبعونه فإن خسائرهم ستتضاعف، وسيكون مستقبلهم مخيفاً. المواطن اللبناني قوي رغم ما تلقنه منذ سنوات بأنه مجرد بوق ورجع صدى، لكن اليوم هو صاحب القرار. هذه لحظات لا تنسى، فليحافظ عليها اللبنانيون مهما كانت انتماءاتهم، وحتى لو عادوا لبيوتهم من الشارع ووجدوا كهرباء وماء.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

"التأسيس الثالث" للإخوان.. محاولات بائسة لإحياء التنظيم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

رشا عمار

فشل تنظيم الإخوان في الإفلات من أزمته التي يمر بها منذ أكثر من  6 سنوات، بعد أن لفظه الشعب المصري، حتى باتت الخيارات التاريخية التي كان يلجأ إليها للبقاء وإحياء التنظيم مستحيلة.

تلك الخيارات التي كان آخرها ما يسمى بـ"التأسيس الثالث" أو التأسيس الجديد، الذي كان بمثابة ممر آمن للجماعة في أوقات الأزمات وسنوات المحنة الكبرى، كما يسمونها، لكن هذه المرة فشل هذا الخيار بسبب حالة التناحر والانقسام داخل أبناء التنظيم، مع فشل الجناح المسلح في إعادة التنظيم للمشهد.

ومفهوم التأسيس لدى الجماعة - كما يعرفه بعض الباحثين - هو بلورة كاملة للمشروع الفكري والسياسي والفقهي والشرعي للتنظيم خلال الفترة المقبلة لضمان استمراره في العمل السياسي بتغيير جذري في الأيدولوجيا والأهداف.

وظل التأسيس الجديد مخرجاً مثالياً للأزمات الطاحنة التي مرت بها جماعة الإخوان على مدار عقود، كان أبرزها أزمة اغتيال المؤسس الأول حسن البنا، وحل التنظيم للمرة الأولى عام 1954.

وبحسب مراقبين، فإنه كلما اشتدت الأزمة واحتدم الصراع داخل الإخوان خرج جيل من التنظيم معلناً خريطة جديدة تتضمن تغيرات أيدويولوجية تتوافق وطبيعة المرحلة، وتسمح ببقاء التنظيم.

عملية مستحيلة
وتأسيس الإخوان يتم وفق عاملين محوريين، كلاهما يمثل أزمة داخلية بالتنظيم في الوقت الحالي؛ حيث يتعلق الأول بشرعية القيادة، والثاني هو الاتفاق حول الفكر والأيدولوجيا، وكذلك الأهداف، وفي ظل غيابهما أصبحت إمكانية التأسيس الجديد أمراً أقرب إلى المستحيل.

وتلخصت جهود الإخوان في مجملها خلال السنوات الست الماضية في حسم الصراع المعقد بين شطري التنظيم، وهما: الكماليون من الشباب الراغبين في تحويل المسار كلياً إلى العمل المسلح، والشيوخ الراغبون في الإبقاء على مركزية القرار داخل التنظيم وحفظ سلطتهم حتى إن كانت لا تحظى بتأييد قواعدهم.

ويرى الدكتور محمد حبيب، نائب المرشد المنشق عن تنظيم الإخوان، استحالة تحقيق التأسيس الثالث للجماعة لعدة أسباب؛ أبرزها عدم توافر رغبة حقيقية في تغيير الأيدولوجيا بما يتوافق مع المشروع الوطني وتقبل الآخر، مؤكداً أن الجماعة أحرقت طريق العودة بممارسة التطرف وحمل السلاح بوجه المصريين.

وقال "حبيب" لـ"العين الإخبارية" إن الصراع الذي يبدو في ظاهره خلافاً حول الأيدولوجيا، لكنه في حقيقته تناحر على السلطة والتمويل، فمن يملك السلطة الشرعية داخل الجماعة سيحظى بمليارات التمويلات، التي تقدمها دول وحكومات بهدف تحقيق مخططات محددة، لن ينجح في تحقيقها إلا من سيتمكن من حسم زمام الأمور لصالحه.

وتبنت الجماعة منذ التأسيس الثاني خطاباً إصلاحياً تلاشى تماماً إبان ثورة 30 يونيو/حزيران 2013 في مصر، التي أسقطت عباءة الإصلاح المزيفة للتنظيم، ليظهر وجهاً آخر للعبة السياسية، وهو العمل المسلح.

وشهدت مصر خلال السنوات الخمس الماضية موجة من أشرس موجات التطرف الإخواني، وجهت ضد الأشخاص والمؤسسات، وطالت يد الغدر المدنيين ورجال الأمن والقضاء، وحتى الأطفال ومرضى السرطان الذين لم يسلموا من نيران التنظيم.

وقد يعتقد البعض على خلاف الحقيقة أن هناك انشقاقاً داخل الصف الإخواني، وهذا غير صحيح - بحسب حبيب- فنحن أمام تنظيم له جناحان، أحدهما عسكري تمثله جبهة محمد كمال "حركة حسم" وآخر تنظيمي سياسي دعوي يمثله الهارب محمود عزت (القائم بأعمال المرشد) الذي يمتلك أدوات التحكم في حركة التنظيم من حيث التمويل والاتصالات الخارجية بالدول وأجهزة المخابرات.

شرعنة القتل
في 2014 أعلن القيادي الإخواني محمد كمال، مؤسس اللجان النوعية في تنظيم الإخوان، تأسيس وشرعنة العمل المسلح داخل التنظيم، ما أثار حالة كبيرة من الجدل داخل وخارج الجماعة، التي لم تعترف فقط بممارسة العنف، بل اضطرت أحياناً للتبرؤ من قيادتها ظاهرياً لإبعاد اتهامات العمل المسلح عنها.

فتأسيس "جبهة الكماليون" كان بمثابة زلزال مدمر داخل التنظيم، حيث اعتبره الباحثون والمراقبون بل أعضاء بالتنظيم بمثابة "التأسيس الثالث للإخوان"، خاصة بعد انضمام عشرات من شباب الجماعة للجبهة، وإعلان وثيقة العنف أو ما عرف باسم "فقه المقاومة الشعبية".

وهذة الوثيقة وضعها محمد كمال لإيجاد إطار شرعي لقتل المعارضين للتنظيم وتنفيذ عمليات ضد الدولة المصرية، بهدف إعادة الإخوان للحكم مجدداً، ما جعل الأمر يبدو أن "تأسيساً جديداً" مكتمل الأركان حدث داخل الإخوان.

وثيقة كمال اعتبرت أيضاً أن معارضي التنظيم كفار، وحرضت على استهداف الكنائس، بزعم أنها قامت بالحشد الطائفي لإسقاط الرئيس المعزول محمد مرسي، وحاولت التأكيد على أن مفهوم المقاومة بالقتل واجب شرعي.

وكالنار في الهشيم انتشرت فكرة التأسيس المسلح بين شباب الجماعة في ذلك الوقت، وأعلنوا تأسيس عدد من الحركات المسلحة، أبرزها: "حسم، ولواء الثورة، والمقاومة الشعبية" وغيرها.

وفي أكتوبر/تشرين الأول عام 2016 نجح الأمن المصري في قتل محمد كمال، بعد اشتباكات وتبادل إطلاق النار، لكن موته لم يكن السبب الوحيد في فشل ما سمى بـ"التأسيس الثالث". إلا أن أزمة شرعية القيادة والاختلاف الأيدولوجي ظلا حاضرين بقوة، لكن مع نجاح الضربات الأمنية المصرية ضد عناصر التنظيم المسلحين، تهاوت جبهة محمد كمال وخفت نجمها وتلاشى تأثيرها، حتى إن الحركات المسلحة التي ظهرت في 2014 لم يعد لها وجود يُذكر.

محاولات فاشلة
وبعد فشل مشروع محمد كمال حاول عدد من شباب التنظيم تقديم مقترحات لم تخرج للنور، بسبب تعنت القيادة التاريخية للإخوان حول فكرة التأسيس الثالث.

وكان أبرز تلك المقترحات ما تقدم به مجموعة من شباب الإخوان في محافظتي الفيوم والمنيا بصعيد مصر، تتناول البدء فيما يسمى بـ"التأسيس الثالث" للإخوان، على غرار التأسيس الثاني في السبعينيات.

واعتمد مشروع التأسيس على ثلاثة محاور أساسية، هي: المشروع السياسي للتنظيم، والقائم على مقومات جديدة، على رأسها ضرورة دعم وصول المرأة والقبطي إلى سدة الحكم وشتى المناصب في البلاد، والاستعانة بفتاوى "راشد الغنوشي، ويوسف القرضاوي، وسليم العوا، ومحمد عمارة، وفهمي هويدي"، في هذا الصدد، الذين أقروا بعدم وجود أي موانع فقهية لوصول الأقباط إلى الحكم.

أما المحور الثاني فشمل ملامح المشروع الفقهي للتنظيم، بنسف جميع الفتاوى التي اعتمد عليها الإخوان في التأصيل لممارستهم السياسية، بداية من الاستدلالات القرآنية وإسقاطها على الواقع السياسي، واتهام المعارضة بالفسوق والكفر والإلحاد، بمجرد توجيه النقد إلى الحاكم أو الوزير أو العضو الإخواني.

كما تضمن المحور الثالث المشروع الفكري للتنظيم من خلال تغيير الهيكل الإداري للتنظيم بالكامل، واعتبار الجماعة مجرد مدرسة فكرية جامعة شاملة أكثر من كونها مجرد تنظيم يقيد حرية الانضمام إليه بشروط "بالية" لا سند شرعياً أو فقهياً لها.

المحور الثالث تضمن أيضاً الإجابة عن تساؤلات شائكة راجت منذ فترة عن معنى الأمة والدولة والقطرية والأممية والخلافة الإسلامية، مع التأكيد على أن مصطلح ما يسمى بـ"الخلافة الإسلامية" أصبح غير صالح للاستخدام حالياً، وأنه كان اجتهاداً سياسياً وليس نصاً دينياً يجب على المسلمين تنفيذه من باب الفرضية والإلزام.

انهيار التنظيم الحديدي
حافظ تنظيم الإخوان على تماسكه رغم الأزمات الطاحنة التي مر بها قبل 2014، لأنه نجح في الحفاظ على فكرة التنظيم الهرمي المتماسك جداً، شديد المركزية والإحكام، بحسب المحللين، لكن هذا التنظيم الذي سماه الباحثين "التنظيم الحديدي" انهار بشكل تدريجي بعد ثورة 30 يونيو/حزيران 2013 في مصر.

ويرجع المفكر الإسلامي ثروت الخرباوي أسباب ذلك إلى انهيار الثقة بين عناصر التنظيم وقياداته، وهو ما ظهر جلياً في أزمة التمويل التي مر بها التنظيم على مدار سنوات.

وأوضح الخرباوي أن أزمة التمويل كشفت للمرة الأولى عن حجم سرقات واختلاسات أبطالها قيادات كانت تسمى "روحانية" ولها قدر كبير من التقديس والثقة، حيث أبرزهم محمود حسين، الأمين العام للتنظيم، الذي تم اتهامه بسرقة ملايين من صندوق الجماعة وتهريبها لأولاده واختلاس أموال كانت تجمع لأسر المحبوسين في مصر.

ويرى الخرباوي أن تفكك التنظيم الهرمي المحكم هو أخطر ما يواجه جماعة الإخوان، لافتاً إلى أنه: "عائق محوري أمام إمكانية التأسيس الثالث للتنظيم، بل يمثل عائقاً أمام استمرارية الجماعة أصلًا".

ويقول الخرباوي لـ"العين الإخبارية": "جماعة الإخوان فقدت صمام أمانها بعد انهيار مؤسسية التنظيم وفقد الثقة في قياداته".

وأضاف: "حاول القائمون على الأمور من إخوان مصر وأقرانهم بالتنظيم الدولي استعادة السيطرة على الأمور بكل الطرق لكنهم فشلوا، وبالتالي أصبحت الجماعة مختنقة بين قيادات غير معترف بشرعيتها وشباب لا يملكون سلطة أو شرعية، والطرفان منبوذان من المجتمع المصري".

واستطرد أن: "التنظيم الدولي رغم محاولات قطر وتركيا المستميتة لتقويته يعاني حالة انهيار غير مسبوقة، لذلك أرى أن الجماعة لن تصمد أمام أزمتها وعاجلاً ستعلن حل نفسها في مصر وربما تتبعها عدة دول، وليس أمامها خيار بديل".

تاريخ التأسيسين الأول والثاني
في عام 1928 أسس حسن البنا جمعية الإخوان المسلمين، وزعم أنها فكرة تستمد استراتيجيتها وأهدافها وبلورتها من مجموعة أفكار متشابهة يضعها المشاركون في التأسيس.

وبعد اغتيال المرشد الأول للجماعة (البنا) عام 1949 تجلت أزمة الفكرة داخل التنظيم بشكل كبير وسقطت فكرة التماسك، إلا أن المرشد الثاني للجماعة المستشار حسن الهضيبي نجح وقتها في تدارك الأزمة واستمرت الجمعية دعوية من الظاهر، ولكنها تعمل بكل قوة على الوصول للحكم.

وبعد عدة تغييرات سياسية جذرية حدثت في مصر عقب قيام ثورة يوليو 1952، وتوجه الجماعة للعمل المسلح علناً بمجموعة عمليات واغتيالات طالت شخصيات عامة ومسؤولين مصريين، سقطت أسهم الجماعة شعبياً، وحاول الأمن السيطرة على جرائمها.

ووفقاً للكاتب والباحث المصري بشؤون الجماعات الإسلامية طارق أبوالسعد، ظهر التأسيس الثاني للإخوان في مطلع السبعينيات، وكان بطل هذه المرحلة هو عمر التلمساني، مرشد الجماعة الثالث.

وقال أبوالسعد إن التلمساني اعتمد في ذلك على مجموعة ركائز أبرزها الخطاب الجماهيري الشعبي العاطفي، الذي يعبر عن الحلم الإسلامي، فضلاً عن التركيز على شخصية محورية يلتف حولها أبناء التنظيم والحركة الإسلامية ككل، مع إيجاد وعاء تنظيمي ومرتب يضمن تمويلاً جيداً ذا طبيعة رسمية.

ويضيف "أبوالسعد" أن التلمساني عمد إلى إعادة ترتيب وتنظيم الجماعة؛ فكان بحاجة إلى هيكل إداري محكم وواضح، واختار له أن يكون هرمياً يعتمد على القاعدة الإخوانية ويتدرج بها إلى القمة.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية