الحرس الثوري الإيراني في عين العاصفة الأمريكية

الحرس الثوري الإيراني في عين العاصفة الأمريكية
صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
8526
عدد القراءات

2019-04-10

يشكل القرار الأمريكي الأخير بتصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية، محطة من محطات كثيرة، متعددة ومتنوعة، تستهدف إيران؛ فمنذ قرار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في أيار (مايو) الماضي، الانسحاب من الاتفاق النووي الذي وقعته الإدارة الأمريكية السابقة، بقيادة الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، مع القيادة الإيرانية، والأحداث تتصاعد؛ حيث فرضت أمريكا العقوبات الاقتصادية على طهران، والتي وصفها ترامب بـ "غير المسبوقة عبر التاريخ"، وسيتم الإعلان عن الحزمة الثانية منها مطلع الشهر المقبل.

اقرأ أيضاً: كل ما تريد أن تعرفه عن الحرس الثوري الإيراني
وتستهدف الحزمة الثانية صادرات النفط الإيرانية التي تشكل المصدر الرئيس لتمويل إيران، بعد أن استهدفت الحزمة الأولى التبادلات التجارية والمالية الإيرانية مع العالم الخارجي، وما نتج عنها من مغادرة العديد من الشركات العالمية الجمهورية الإسلامية، ووقف عقودها في مشاريع صناعية وزراعية ونفطية، إضافة إلى مشاريع مرتبطة بقطاعات الخدمات بمليارات الدولارات.

هناك رأي عامّ دولي أصبح على قناعة بأنّ القيادة الإيرانية تشكّل أحد أبرز أسباب التوتر وإدامة الصراعات في المنطقة

تصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية، سيزيد من عوامل التوتر في الشرق الأوسط، خاصة في مناطق الصراع؛ في سوريا ولبنان والعراق واليمن، وبالنسبة إلى حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي" في فلسطين، إضافة إلى القواعد العسكرية التابعة للحرس الثوري الإيراني، في القرن الإفريقي ومناطق أخرى في العالم، وسيؤثر القرار على المليشيات التي تحظى بدعم ورعاية هذه المنظمة، ومن جانب آخر؛ فإنّ التداعيات الاقتصادية ستكون أكثر حدة، ارتباطاً بإشراف الحرس الثوري على العديد من الشركات والمؤسسات الاقتصادية، بما فيها المرتبطة بالصناعات العسكرية؛ حيث يمنع التصنيف الأمريكي الشركات والأفراد من تقديم أيّ نوع من الدعم المادي أو الموارد للشركات التي يسيطر عليها الحرس الثوري الإيراني، وسيخضع أولئك الذين يتعاملون معها لعقوبات مدنية أو جنائية، بما في ذلك الملاحقة القضائية.

اقرأ أيضاً: الحرس الثوري منظمة إرهابية.. هذه ردود الفعل
في محاولة لتفسير توقيت القرار؛ ربط محللون، أمريكيون وأوروبيون، إضافة لوزارة الخارجية الإيرانية، تزامن القرار الأمريكي مع الانتخابات الإسرائيلية، وأنّ ترامب أراد من القرار تقديم دعم لحليفه الإسرائيلي، نتنياهو، للإيحاء للناخب الإسرائيلي بأنّ نتنياهو هو الزعيم الإسرائيلي الذي يستطيع تأمين متطلبات الأمن القومي لإسرائيل، من خلال علاقاته الوطيدة بالإدارة الأمريكية، ورغم احتمالات تزامن الخطوة الأمريكية مع الانتخابات الإسرائيلية، إلا أنّ ذلك وحده ليس سبباً كافياً لهذا القرار؛ إذ إنّ القرارات الأمريكية ضدّ إيران في تصاعد، تدلّ كافة المؤشرات على أنّه سيتواصل خلال الشهور القادمة، خاصّة على خلفية الدور الإيراني في العراق وسوريا.

اقرأ أيضاً: الحرس الثوري الإيراني على قائمة الإرهاب.. قرار أمريكي جديد
مؤكّداً أن لا أحد، خاصة الإدارة الأمريكية، التفت لردّ القيادة الإيرانية بإدانة القرار الأمريكي، واعتبار القوات الأمريكية في آسيا "قوات إرهابية"؛ إذ إنّ القيادة الإيرانية بالمنظور الدولي لا تملك مقومات أن تصنف أيّ جيش في العالم بأنّه إرهابي، فكيف إذا كان هذا التصنيف للقوات الأمريكية؟ مع استمرار جملة إعلامية تؤكد صمود إيران في مواجهة "الغطرسة" الأمريكية.

يرجّح أن يعمل الحرس الثوري على تفعيل الحوثيين باليمن باتجاهين؛ إفشال المصالحة وإطلاق المزيد من الصواريخ الإيرانية على السعودية

لكن، رغم كلّ ذلك؛ فإنّ هذا التصنيف الأمريكي الجديد يطرح تساؤلات حول احتمالات صدام عسكري بين القوات الأمريكية والحرس الثوري الإيراني، في مناطق الخليج العربي، أو في سوريا والعراق، من المؤكد أنّ الإدارة الأمريكية تأخذه بالحسبان، في ظلّ تقديرات بضعف احتمالات هكذا صدام، لإدراك إيران مدى جدية الإدارة الأمريكية بالمواجهة، وأنّ أيّة مواجهة بين الجانبين ستكون حاسمة، في ظلّ رأي عامّ دولي أصبح، منذ قدوم ترامب للإدارة الأمريكية، على قناعة بأنّ القيادة الإيرانية تشكّل أحد أبرز أسباب التوتر وإدامة الصراعات في المنطقة والإقليم.
وتشير تقديرات خبراء عسكريين؛ إلى أنّ الردّ الإيراني سيكون منضبطاً لأبعد الحدود، حتى لو تعرضت قوات الحرس الثوري لضربات موجعة في مناطق مختلفة، ويشيرون إلى ردود الفعل الإيرانية على الضربات الصاروخية التي تشنّها إسرائيل على قواعد إيرانية ومليشيات تابعة للحرس الثوري الإيراني في سوريا، دون ردّ من قبل الحرس الثوري، الذي يعلن كلّ يوم تحقيق انتصارات على الفصائل المعارضة في سوريا، وأنّ أقصى ما يمكن أن تفعله إيران في هذه المرحلة؛ هو تفعيل الحشد الشعبي العراقي، وممارسة أقصى الضغوط على الحكومة العراقية، لاتخاذ قرارات بإخراج القوات الأمريكية من العراق، خاصة بعد التحولات العميقة في العراق، التي تذهب بمجملها لاستجابات من أوساط عراقية لضرورة إعادة التوازن لعلاقات العراق مع محيطه، الإقليمي والعربي تحديداً، وبالتوازي؛ يرجّح أن يعمل الحرس الثوري على تفعيل جماعة الحوثي في اليمن باتجاهين؛ إفشال المصالحة وفق اتفاق السويد، وإطلاق المزيد من الصواريخ الإيرانية على المدن السعودية، خاصة في مناطق الجنوب السعودي.

اقرأ أيضاً: هكذا تواجه الحكومة الإيرانية الفيضانات.. ماذا فعل الحرس الثوري؟

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل جنت السلفية المدخلية والجهادية على السنّة؟

صورة عبدالباسط سلامة هيكل
أستاذ علوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر
2020-01-26

ليس كلّ جدل حول السنّة هو سعْي إلى إنكارها، وإنّما هو نقاش مشروعٌ حول موقع السنّة من التشريع، وهل السنّة مساوية للقرآن الكريم في الدرجة التشريعية؟ ومدى كفاية المناهج المتبعة في فهم/دراسة/قراءة السنّة؟ فالسنّة لا تنطق بالأحكام لكن ينطق باستنباطها عقول الرجال، وهذا سبب للاختلاف والتعدد، وليس هذا الحوار وذاك الجدل وليد عصرنا وإنّما هو قديم يعود إلى بدايات الحركة العلمية في  القرن الثامن الميلادي/ الثاني الهجري.

فإذا كان جيل الصحابة، رضوان الله عليهم، ربط طاعة الرسول، صلى الله عليه وسلم، الواجبة إلهياً بما يبلغه الرسول من الوحي فقط؛ لذلك تكرّر سؤالهم عن قول أو فعل الرسول: "هل هو الوحي أم الرأي والمشورة"؟ "أهو أمرٌ من الله أم شيء يصنعه لهم"؟ وأحياناً كانوا يطرحون اجتهادات أخرى مخالفة لاجتهاد النبي، صلى الله عليه وسلم، وكثيراً ما كان يطلب منهم ذلك صلى الله عليه وسلم بقوله "أشيروا عليّ". فإنّه برحيل النبي، صلى الله عليه وسلم، والجيل الأول من الصحابة، رضي الله عنهم، تحوّلت المسلّمة التي تفرّق بين وجود شخصيّتين للرسول بمقتضى صفتَيْه "بشراً نبياً" - يصدر في أقواله وأفعاله عن الوحي المقدس تارة، وعن الرأي البشري تارة أخرى - إلى نقطة خلاف بين مَنْ عُرفوا تاريخياً بـ "أهل الرأي" و"أهل الحديث" قبل أن يُحسم الخلاف بقوة السلطة السياسية وجمود العقلية الدينية لصالح أهل الحديث.

توجّه الخطاب السلفي لقراءة الأخبار المسندة إلى النبي قراءة نفعية أدت لسيادة حالة من السلبية تارة ومن العنف تارة أخرى

فرأت مدرسة الرأي متمثلة في اجتهادات الإمام أبي حنيفة (٨٠-١٥٠هـ/٦٩٩-٧٦٧م) ضرورة التمييز تشريعياً بين نوعين من السّنة: "سنّة الوحي" الثابتة، وهي أقوال النبي، صلى الله عليه وسلم، وأفعاله الشارحة والمبينة لما ورد مجملاً في تعاليم القرآن الكريم التي قد تختلف أفهام العلماء قديماً وحديثاً حول غير قطعي الدلالة منها. و"سنة العادات" المتغيّرة، وهي ما سوى ما تقدّم من أقوال وأفعال تُدرج في سياق الوجود الاجتماعي والزمني له صلى الله عليه وسلم.
واعتمدت مدرسة الرأي في موقفها الرافض؛ لأن تكون السنّة في درجة مساوية للقرآن الكريم في التشريع، على ما بين القرآن والسنة من فروق:
أولاً: القرآن الكريم قد اتخذ له الرسول، صلى الله عليه وسلم، كُتّاباً يكتبونه، ويُرتّبونه بآياته وسوره حسب ما أمر به من الله تعالى، بينما السنّة لم يُتخذ لها كُتّاب، ولم يُكتب منها إلا القليل، بل ورد نهي عن كتابتها اكتفاء بحفظها في الصدور، فلو كانت الأحاديث جميعها تشريعاً عاماً كالكتاب، لأمر الرسول بتدوينها وحفظها، كما فعل ذلك في القرآن الكريم.

اقرأ أيضاً: السلفية في الأردن: الإسلام السياسي في مجتمع هادئ
ثانياً: القرآن الكريم نُقل إلينا بالتواتر حفظاً وكتابة، بينما السنّة نقلت في معظمها بطرق الآحاد، ولم يتواتر منها إلا القليل.
ثالثاً: القرآن لم يُنقل منه شيء بالمعنى، ومنع ذلك فيه منعاً باتاً، بينما السنّة أُبيح فيها ذلك، ونُقل كثير منها بالمعنى، ولا يخفى تفاوت الناس في فهم المعنى وأسلوب التعبير والنقل، وما يملكه اللفظ من تأثير في تحديد المعنى.
رابعاً: كان الصحابة، رضي الله عنهم، يُراجعون النبي، صلى الله عليه وسلم، عند اختلافهم في حرف من القرآن الكريم، وكان يحكم بينهم فيه، إما بتعيين إحدى القراءتين أو بإجازتهما، بينما السنّة لم يعهد فيها شيء من ذلك.
ولعل تأخّر التدوين أدّى إلى إثارة جدل حول ثبوت الكثير منها مما دفع الإمام البخاري إلى أن يكتفي بأربعة آلاف حديث من ستمائة ألف حديث كان قد جمعها، كما نتج عن تأخير التدوين تعدد الروايات وخلافات بين المحدثين تارة، وبين الفقهاء تارة أخرى، وبين هؤلاء وهؤلاء في تصحيح حديث أو رفضه، والتعويل عليه في الدلالة أو عدم التعويل.

اقرأ أيضاً: "سلفيو كوستا" أين ذهبوا؟
على نقيض موقف مدرسة الرأي جاء موقف مدرسة "أهل الحديث" التي أصرّت على التوحيد بين سنّة الوحي وسنّة العادات، التي حُسم الخلاف لصالحها تاريخياً وساد خطابها في الأوساط الدينية.. ومضت قرون من التوقف والجمود أنتجت حالة من الخروقات الصوفية بلغت ذروتها في القرن الثامن عشر الميلادي عندما أصبح تراب البقيع حيث قبور الصحابة يُباع بوزنه ذهباً، مما كان له أثره في ظهور تيار سلفي مقاوم ليس للبدعة والخرافة فحسب بل لكل محاولة اجتهادية سيقوم بها الإصلاحيون انطلاقاً من فقه المقاصد الذي يربط الأحكام بعللها ثبوتاً وانتفاء، ورغم تعسّر بدايات السلفية المعاصرة في القرن الثامن عشر إلا أنّها نهضت بدعمٍ من بعض الأنظمة السياسية ومهادنة الأخرى، حتى أصبحت أكثر صور التّدين انتشاراً، وأقدرها على مزاحمة التديّن الصوفيّ، وأصبح المتدين في العالم الإسلامي يرى السنّة بعيون التيار السلفي الذي قدّم مفهوماً أحادياً للسنّة، وموقفاً تراثياً واحداً في طريقة الاستدلال بها، وصوّر كلّ ما نُقل عنه، صلى الله عليه وسلم، بأنّه شرْعٌ، واجب، أو مندوب، واستند - كخصمه التدين الصوفي - إلى الأحاديث الآحاد في تقديم مسائل العقيدة متجاهلين أنّ اليقين كسمة أصيلة للعقيدة لا يثبت إلا بالعقل والنقل المتواتر الذي رواه الكافة عن الكافة بلا خلاف، وتمسّك بظاهر الأخبار مدعياً "النصيّة القطعية" المستوجبة للوجوب أو التحريم، فمثل هذا الخطاب هو الأقدر على استمالة العامة بزعم أنّ النّاطق بالحكم والحاسم للاختلاف في المسألة السياسية أو الاجتماعية هو صوت النبي، صلى الله عليه وسلم، يقيناً دون اعتبار لاحتمالية الدلالة التي تحملها بعض الأخبار، ودون النظر في أثر السياق الداخلي والخارجي في تحديد المدلول.

اقرأ أيضاً: السلفيون في غزة: إيمانهم العنف وعقيدتهم زرع العبوات الناسفة
بهذه الظاهرية توجّه الخطاب السلفي المنقسم على نفسه إلى قراءة الأخبار المسندة إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، قراءة نفعية بدافعٍ من واقعه بكلّ ما يحمله هذا الواقع من تخلّف مما أدى إلى سيادة حالة من السلبية تارة، وحالة من العنف تارة أخرى، فحرّمت "السلفية المدخلية" إبداء النصيحة للحاكم في العلن، ورأت في إتيان ذلك ما يتناقض مع أصول عقيدة أهل السنّة والجماعة، مستدعية من سنن الترمذي أن النّبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ أَهَانَ سُلْطَانَ اللهِ فِي الأَرْضِ أَهَانَهُ اللَّهُ". وأنّ سَلَمَة بْنُ يَزِيد الْجُعْفِي سأل رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا.. قَالَ اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ".

اقرأ أيضاً: لماذا يشعر السلفيون بالتفوق؟
وعلى النقيض منها كفّرت "السلفية الجهادية" الأنظمة الحاكمة متبعةً المنهجية السلفية نفسها في الاستدلال، ودخلت في حرب مفتوحة مع العالم مستدعية من السّنن أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا إنّ الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب"، "بُعثت بالسيف بين يدي الساعة، وجعل رزقي تحت ظلّ رمحي"، "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا "لا إله إلا الله"، "لقد جئتكم بالذبح".
فأهدر كلا الطرفين تعددية مفاهيم السنّة، وتنوّع المواقف التراثية إزاءها، وساعده في ذلك جمود الخطاب الديني، وقصور البحث في الإسلاميات، فلم نستفد من تنوّع الموقف التراثي من السنّة في إعادة تصنيف وتبويب السنّة وفق رؤية مدرسة الرأي، التي تُميّز بين سنّة الوحي، التي هي بيان نبويّ لمراد الله تعالى، وسنّة العادات الخاضعة لسياق الوجود الاجتماعي والزمني له صلى الله عليه وسلم.

يُمكننا استكمال الدرس اللغوي للسنّة بالاستفادة من اللسانيات الحديثة وفهم مفردات علوم السنّة بدراسة تاريخ كلّ مفردة بضوء المنهج العلمي

فـ "لو أننا تتبعنا المرويّ عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأعطيناه نظرة فاحصة يتميز بها ما كان صادراً عن كل شخصية من هذه الشخصيات ولم نخلط بعضها ببعض، ورتّبنا على كلّ منها آثاره، وأعطيناه حقّه، لسهُل على المسلمين أن يَتَفاهموا فيما شجَر بينهم من خلاف، ولتصافح المتخالفون، ولما رمى أحد سواه بالكفر أو الزندقة، ولعلم الجميع ما هو شرع دائم عام لا سبيل إلى مخالفته أو الخروج عنه، وما هو تشريعٌ خاص، أو مُؤقت" ( ). ولما تعطّلت جهود موسوعية ضخمة نحتاج إليها في دراسة متن وسند سنّة الأخبار، مستفيدين مما توفّر لدينا من أدوات تكنولوجيا البحث والتحليل وحوسبة المعلومات في تطوير مناهج نقد السّند التي عُرفت عند القدامى بمناهج (الجرح والتعديل).
أخيراً ما دامت سُنّة الأخبار استقرّت في صورة لغوية، فإنّ هذا يستوجب دراستها وفق آليات الدّرس اللغوي، فنستكمل السّلم المعرفي الذي بدأه الدرس اللغوي التراثي عندما استوقف أبا عبيدة معمر بن المثنى (١١٠-٢٠٩هـ/ ٧٢٨-٨٢٤م) قضية المجاز والحقيقة، وركّز عبد القاهر الجرجاني (٤٠٠-٤٧١هـ/ ١٠٠٩-١٠٧٨م) على أثر السّياق الداخلي والخارجي في تحديد مدلول الخبر، ولن يُمكننا استكمال الدرس اللغوي للسنّة دون الاستفادة من اللسانيات الحديثة في تحليل بنية خطابها، وأن نُدرك ضرورة فهم مفردات علوم السنّة والعقيدة والفقه وأصوله بدراسة تاريخ كلِّ مفردة من المفردات في ضوء المنهج العلمي؛ لنفرز ما هو من الإسلام وما هو غريب عن فضائه، وفي ذلك ضمان لديمومة العقيدة وسلامتها وحيويتها.


هامش:

(1) الإمام محمود شلتوت، مجلة الرسالة، ص١٥٣:١٥٠، عدد ٤٤٩، ٩فبراير ١٩٤٢م.

للمشاركة:

مستقبل ليبيا بعد "برلين": مؤتمر واحد لا يكفي

2020-01-26

اختُتم مؤتمر برلين، الذي تم الترويج له باعتباره أكبر فرصة لإحلال السلام ولمّ شمل الشعب الليبي في دولة موحدة ذات مؤسسات قوية فاعلة، تفاءل كثيرون بقدرة المؤتمر على إنهاء الأزمة التي تعصف بالبلاد، نظراً لما أبداه قادة دوليون بضرورة الوصول إلى حلّ، في مقدمتهم رؤساء دول دائمة العضوية بمجلس الأمن، وبعض القوى الإقليمية ذات التأثير في الشأن الليبي مثل فرنسا وإيطاليا وروسيا والإمارات ومصر والجزائر وتركيا، بالإضافة إلى ممثل الاتحاد الأوروبي ومبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا.

إنّ أي توصية مهما بدت جيدة وفي صالح ليبيا لا تكفي بدون عقوبات رادعة وقوة تنفذ هذه العقوبات

غير أنّ المؤتمر خيّب أمل الشعب الليبي، فلم يخرج بأي قرار حاسم لأطراف الصراع ولا للقوى المتداخلة في الأزمة يسهم في حلها، فتم الخروج بتوصيات غير ملزمة، ما يطيل زمن الأزمة، ويعمل على تفكك الدولة الليبية.
كان على المجتمعين، وعلى وجه الخصوص قادة الدول الأوروبية، الإسراع في وضع جدول زمني لحل الأزمة، ورفع قدرات الدولة عبر العمل على استعادة مؤسساتها لدورها وقوتها، ليس لمواجهة تسلل المهاجرين الأفارقة إلى أوروبا فقط، بل لضمان تدفق النفط، والقضاء على نقاط ارتكاز تصلح لإعادة إحياء الجماعات الإرهابية، وهكذا يصبح استقرار ليبيا ضرورة وطنية وإقليمية ودولية.
إنّ كل تأخير يهدد بترك البلاد للانزلاق نحو وضع يشبه وضع الساحة السورية؛ فخطورة تفكُّك الدولة الليبية، تتمثل في سيطرة عصابات الإرهاب والتهريب على سواحلها الممتدة على البحر المتوسط بطول 1850 كيلومتراً، التي يعبر منها المهاجرون الأفارقة، ففي خلال الأشهر التسع الماضية تمكنت القوات البحرية الليبية، من إنقاذ قرابة سبعة آلاف مهاجر قبالة هذه السواحل، وفقاً لما ذكره المتحدث باسم القوات العميد أيوب قاسم، بما يعني أنّ أضعاف هذا الرقم تمكنوا من التسلل إلى أوروبا، مما يعد تهديد مباشراً لأمن البلدان الأوروبية القريبة، كما يتسبب وجودهم بالقرب من حكومة الوفاق وحصولهم على عائدات النفط التي ينفقونها على ميليشياتهم وليس على الشعب الليبي، بقيام القبائل في الشرق بإغلاق موانئ تصدير النفط، مما يسبب خسائر جمة، فقد أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، أنّ إيقاف جميع صادرات النفط من وسط وشرق البلاد ‎سيؤدي إلى انخفاض الإنتاج بمقدار 700 ألف برميل يومياً، على الأقل، وأنّ خسائر الخام ستصل إلى 46 مليوناً و593,4 ألف دولار يومياً، بينما خسائر الغاز ستصل إلى 720,3 ألف دولار يومياً، بمجموع يصل إلى 47 مليوناً و313 ألفاً و700 دولار.

اقرأ أيضاً: مؤتمر برلين.. هل يمهد لعودة العملية السياسية الشاملة في ليبيا؟
أهدر القادة في مؤتمر برلين فرصة الحل؛ فالقرارات والتوصيات التي خرج بها المؤتمر لا جديد فيها، وهي تأكيد على المؤكَّد، فقرار وقف إطلاق النار -مع الإقرار أنّه في غاية الأهمية- ليس من إنتاج برلين، بل هو اتفاق جرى التوصل إليه قبل المؤتمر من قِبل روسيا، حتى قرار حظر توريد الأسلحة لأي من الطرفين هو قرار فرضته الأمم المتحدة على ليبيا منذ العام 2011.
المشكلة ليست في اتخاذ القرارات بل في جدية تنفيذها، فقرار حظر توريد الأسلحة عندما لم يتم تنفيذه بجدية، شجع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على توريد السلاح للميليشيات الإرهابية دون الخوف من عقوبات أممية، بل تمادى حدّ توريد مسلحين متطرفين من جنسيات أخرى، هذا السلاح وهؤلاء المسلحون المتطرفون عقبة كبيرة في إقرار السلام وتوحيد التراب الليبي.

عدم جدية تنفيذ القرارات الدولية شجع أردوغان على التمادي بتوريد السلاح والمقاتلين للميليشيات الإرهابية

إنّ أي توصية مهما بدت جيدة وفي صالح ليبيا لا تكفي بدون عقوبات رادعة وقوة تنفذ هذه العقوبات، حتى اتفاق القادة المشاركين في الحرب بعدم التدخل في الصراع الدائر، وإتاحة فرص للحل السلمي هو انحياز ضد القوة الفعلية المرشحة لاستعادة ليبيا الموحدة وصاحبة القرار متمثلة في البرلمان، والجيش الوطني الليبي، فهذا المسار يفقد قائده المشير خليفة حفتر ميزته النسبية وهي قدرته العسكرية على حسم المعركة، كما يفقده شرعية الحرب، والحديث عن اكتسابه الشرعية السياسية، بعد اعتراف العالم به كقائد للجيش الليبي، يجب أن نتذكر أنه لم يحصل على ما حصل عليه إلا بسبب قدراته العسكرية، ولو لم يكن قادراً على الحسم فعلاً والدخول للعاصمة طرابلس بقواته العسكرية، ما تمت مثل هذه الاجتماعات للزج به في دهاليز المفاوضات والدبلوماسية.

اقرأ أيضاً: ماذا قال بلحاج عن تدخّل تركيا في ليبيا وعن مؤتمر برلين؟
من الواضح أنّ هناك إرادة قوية بعدم حسم القضية في برلين، فتصريح المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أنّ الأزمة الليبية لن يحلها مؤتمر واحد، يعني أنّ هناك احتمالية لعقد مؤتمر "برلين 2"، وأنّ "برلين 1" كانت مهمته توحيد الرؤية لحل الأزمة الليبية، والتأكيد على المسار السلمي، مما يعني أنّ الحل دبلوماسي سياسي لا عسكري مسلّح.
هذا التغيير في شرعية المشير حفتر، سيلزمه بتخطي مجموعة من التحديات، استعداداً لما بعد برلين، وهي مرحلة ربما تطول على نحو ما، فعليه أن يتحلى وفريقه بالصبر مع ضبط النفس، وفي هذه الأثناء عليه أولاً تقوية الشق السياسي في أدواته، مثل البرلمان الذي عليه أن يعيد له قدراته على اتخاذ القرارات الشرعية وتنفيذها، ثانياً عليه أن يكوّن كوادر سياسية أكثر خبرة وتدريباً على التفاوض، أيضاً سيقابله تحدي الحفاظ على مكتسبات المرحلة السابقة لبرلين ومنها السيطرة على منابع البترول على موانئ تصديره، عليه تقديم أدوات لدولة تسع كل الليبيين، والاستفادة من قرار تقسيم عائدات النفط بالتساوي.

اقرأ أيضاً: أهمية مؤتمر برلين
وأخيرا عليه تقوية حلفه، بضم إيطاليا إليه، نظراً لعمل عدة شركات إيطالية في قطاع النفط الليبي تستحوذ على حصة كبرى منه وأبرزها شركتا "بوتشيلي" و"إيني" التي ظلت مستثمراً أساسياً في الغاز والنفط الليبي على مدار أعوام بما فيها فترة العقوبات التي فرضت على ليبيا العام 1992، وتسيطر "إيني" حالياً على أغلب الحقول النفطية في "برقة" و"فزان"، وترغب روما في تأمين مصالحها النفطية بليبيا بشكل واسع؛ إذ تستورد 12% من احتياجاتها من الغاز، و25 % من احتياجاتها النفطية من ليبيا وهي ما تمثل 32% من الإنتاج النفطي الليبي.

على حفتر التحلي بالصبر مع ضبط النفس والعمل على تقوية الشق السياسي في أدواته

ولحفظ مصالحها النفطية لجأت إيطاليا إلى دعم فايز السراج، رئيس حكومة الوفاق، في غرب ليبيا والميليشيات الموجودة في طرابلس، والتي كانت تسيطر على منطقة الهلال النفطي التي تُعدُّ منطقة الإنتاج النفطي الأبرز في البلاد، الآن بعدما سيطر الجيش الوطني عليها جاء دوره ليتحالف مع إيطاليا، ويجب تقوية العلاقات مع فرنسا وحل تضارب المصالح بينها وبين إيطاليا، ففرنسا ترغب في تأمين مصالحها الاقتصادية في ليبيا والسيطرة على حقول النفط عبر شركتها "توتال"، بالإضافة لسعيها إلى استحواذ بعض شركاتها مثل المجموعة الهندسية "اليستوم" وشركة الإسمنت "لافارج" على عقود إعادة الإعمار الليبية وإعادة تأهيل المنشآت التي تم تدميرها خلال الصراع، والتي قد تتجاوز كلفتها 200 مليار دولار، وهذا الرقم من المؤكد زيادته نظراً لتدهور الأوضاع في الوقت الراهن مقارنة بالعام 2011.
وعلى حفتر الإسراع بالاستفادة من تدخل روسيا، فموقفها المتوازن بين طرفي الصراع سببه الحرص على العلاقات التجارية وعقود الإعمار التي يمكن لموسكو الحصول عليها مستقبلاً، سواء مع حفتر أو مع الوفاق، هنا يجب الاستفادة من الشرعية السياسية التي حصل عليها حفتر وعقد اتفاقية مع روسيا لإعمار المدن التي تحت سيطرته.
إنّ مستقبل ليبيا الموحد يتوقف على قدرة المشير حفتر وحلفائه على تجاوز تلك التحديدات، مع الحفاظ على مكتسباته العسكرية على الأرض، ليتمكن من الدخول في المفاوضات وفرض شروطه، مع إدراكه أنّ حل المسألة الليبية ليس بالسهل نظراً لتشابك المصالح الإقليمية الدولية فيها.

للمشاركة:

حول تصدع كتلة أردوغان ودفاتر أوغلو المفخخة

2020-01-23

ما الذي يحدث تماماً في تركيا..؟

أردوغان يحارب في كل مكان خارج تركيا، فيما يحاربه كثيرون داخل تركيا، ذهب إلى سوريا وحارب في العراق بلا جنود، ووصل إلى تخوم ليبيا، محاولاً استعادة مجد غزوات الأجداد وفتوحاتهم، يهرول خارج الجغرافيا التركية، ويمشي ببطء داخلها حيث فشل في سياسة "تصفير مشاكل تركيا" بل العكس تماماً هو ما حدث، عمل على تأزيم المشاهد المحلية والإقليمية بتدخلات مبررة فقط داخل نصف عقل "العدالة والتنمية"، فيما النصف الآخر يتوجس خيفة من هذه السياسات التي تذهب إلى مجهول شرس.

أردوغان يحارب في كل مكان خارج تركيا، فيما يحاربه كثيرون داخلها، ذهب لسوريا وحارب بالعراق بلا جنود، ووصل لتخوم ليبيا

ربما استطاع أردوغان تجاوز مسألة المقدس الديني، بأن أعلن منذ البداية عن تركيا علمانية، كان الإعلان رسالة تطمين للخصوم الداخليين والخارجيين، لم يمارس القمع وفق اعتبارات وتصورات دينية، لكنه مارسه وفق اعتبارات سلطوية بحتة، فتحول إلى رجل يحاول أن يتماسك سلطوياً عبر آلة القمع وتحييد الخصوم والمعارضين وإلقاء التهم لهم لاغتيالهم سياسياً، لكنه ومع ذلك لم ينجح في تحييدهم، بل نجح في صناعة خصوم استراتيجيين من رحم دائرته الضيقة التي كانت تجمع الأصدقاء.

يمثل أحمد داوود أوغلو حالة حرجة، بوصفه كان عقل أردوغان الاستراتيجي، ولأنه كذلك من الصعب جداً أن يمارس عليه القمع، وأن تجدي معه سياسة الدسائس والتآمر، فهو رجل عرف كيف يكون سياسياً محنكاً، حتى عندما هدد بفتح "دفاتر الإرهاب" وسجلات الفساد، وجه إليه أردوغان تهديداً موازياً عنوانه "ستدفع الثمن"، والسؤال الأكثر أهمية من الثمن الذي سيدفعه أوغلو، هو سؤال "الدفاتر" تلك، ما الذي يمكن أن تكشفه ..؟

اقرأ أيضاً: تركيا.. حين يُصنع التاريخ زوراً

من الصعب جداً تصديق أنّ تركيا وأردوغان لم يكن يعلم حقيقة تنظيم "داعش"، وأنّه صنيعة الأجهزة المخابراتية الإيرانية بالتنسيق والدعم من دول أخرى، ومع ذلك حقق نسبة تعاملات مع "داعش" بإمكانها أن تؤشر إلى أولى صفحات دفاتر دعم الإرهاب.

الحديث ليس عن داوود أوغلو، ولا عن أردوغان فقط، بل عن تركيا التي تعيش حالة حرجة تكاد تعصف بكل المنجز الاقتصادي الضخم الذي تحقق، ويعود الفضل في جزء منه لأردوغان، لقد كان ناجحاً جداً في العمل داخل تركيا، ولكن قبل أن يتورط في قناعات متفجرة مثل القناعة بالمقدس السياسي، وأنّ سلطته المقدسة تبيح له أن يمارس أية أعمال وأن يناوئ من يشاء ويعزل من يشاء ويتهم من يشاء ويهدد من يشاء مقابل أن يبقى على رأس هرم السلطة.

اقرأ أيضاً: ما قصة مسلسل "بابل" الذي فتحت تركيا التحقيق فيه؟

يتعامل أردوغان مع السلطة السياسية بوصفها حالة مقدسة بما أنّه على رأسها، لا يجوز لأحد أن ينتقدها ولا أن يعاديها ولا أن يخاصمها ولا أن ينافسها، ومن هذا التوصيف يخرج أردوغان بتصريح يكشف عن حجم القداسة التي أشبع بها أردوغان نفسه وحزبه حين قال: "من يخرج من حزب العدالة والتنمية فهو حتماً ذاهب إلى مزبلة التاريخ"، الفكرة هذه ذات فكرة "المؤمنون والكافرون"، وذات فكرة "إن لم تكن معي فأنت عدوي"، إنّها صناعة الأعداء والخصوم، وصناعة بمداخن أيضاً، حيث أزكم دخانها أنوف الكثيرين ممن خرجوا من جدران هذا المصنع الممتلئ بالدخان لكي يكتشفوا، على الأقل، إلى أين هم ذاهبون، وأزعم أنّ كثيراً من الذين يمكثون مع أردوغان داخل مصنعه لا يعلمون إلى أين هم ذاهبون. إلى حرب هنا وهناك أم إلى تراجع اقتصادي خطير يحطم الآمال التي حشرها أردوغان في وجدان الأتراك وأحلامهم، أم إلى أين..؟

اقرأ أيضاً: "التويتريون" العرب في مواجهة تركيا

تصدع الكتلة السياسية التي يمثلها أردوغان، والانشقاقات التي حدثت وتحدث داخل حزبه، ليست هي المعضلة الوحيدة التي يواجهها، بل يواجه أيضاً معضلة "الشرق الأوسط"، إنّه الورطة التركية في مستنقع الدم، قد تكون عدوى الطموح وتنافس المصالح بين تركيا وإيران من جانب والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا من جانب آخر، لكن ما هو الطموح التركي في ليبيا، وما هو العائد المربح لتركيا من أزمات العراق وسوريا، الغاز أم البترول أم المشروع التوسعي الموازي للمشروع التوسعي الإيراني..؟، كل ما سبق لا يبرر ولا يعد ثمناً معقولاً للدم والإرهاب.

يتعامل أردوغان مع السلطة السياسية بوصفها حالة مقدسة بما أنّه على رأسها لا يجوز لأحد أن ينتقدها ولا أن يعاديها

وجود تركيا في ليبيا لن يمنع الأزمة، ولن يوقف الدم، كما أنّه لم يحفظ دم السوريين، ولم يحل الأزمة، لقد أخذت الأزمة السورية مداها الطبيعي، ومرت في سياقاتها المبرمجة، وصولاً إلى الحالة التي هي عليها اليوم، سواء أكانت تركيا أم لم تكن.

لا بأس أن نعود مجدداً لـ "أحمد داوود أوغلو"، فهذا الرجل يفسر حالة الصعود لأردوغان وحالة التراجع على حد سواء، ففي عام 2013 قال بأنّ تركيا بصدد انتهاج سياسة خارجية جديدة قائمة على مبدأ "صفر مشاكل"، عبر بوابة العلاقات الجديدة مع الجيران والمجتمع الدولي، ووفق ستة أسس محددة هي ستة مبادئ هي "التوازن في معادلة الأمن والحريات، صفر مشاكل مع دول الجوار، سياسة خارجية متعددة الأبعاد، سياسة إقليمية استباقية ونشطة، أسلوب دبلوماسي جديد ودبلوماسية إيقاعية". ظلت هذه الأسس حاضرة في السياسة التركية إلى أن غادر أوغلو منصبه بحكم "الضرورة" كما قال، لكنها مع صعود أردوغان عام 2014 تراجع كل ذلك، أما الآن فقد تحطمت هذه الأسس على صخرة الطمع السياسي المصحوب بحالة القداسة السياسية التي يعيشها أردوغان.

للمشاركة:



اللبنانيون يرفضون حكومة دياب..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

وقعت، أمس، مواجهات بين المتظاهرين المعترضين على الحكومة اللبنانية الجديدة، والقوى الأمنية، في ساحة رياض الصلح، وسط بيروت، أثناء محاولة عدد من المتظاهرين الدخول إلى السراي الحكومي.

وأصيب في المواجهات 20 شخصاً، على الأقل، في صفوف الجانبين تمّت معالجة 18 منهم ميدانياً، وفق ما كشف الأمين العام للصليب الأحمر اللبناني، جورج كتانة، لوكالة "فرانس برس".

وحاول متظاهرون تجمّعوا قرب مقر رئاسة الحكومة إزالة الأسلاك الشائكة وسياج حديدي وإزاحة المكعبات الإسمنتية، كما رشق المحتجون بالحجارة والمفرقعات النارية قوات مكافحة الشغب التي ردّت باستخدام خراطيم المياه وقنابل الغاز المسيل للدموع،  وتمكّن عناصر مكافحة الشغب من تفريق المتظاهرين الذين كانوا قد تخطّوا تقريباً كلّ العوائق الموضوعة أمام مدخل مقر رئاسة الحكومة.

مواجهات بين المتظاهرين المعترضين على الحكومة اللبنانية الجديدة والقوى الأمنية أمام مقرّ رئاسة الحكومة

وعبّر عدد من المتظاهرين، خلال مشاركتهم في احتجاجات أمس، عن رفضهم لحكومة دياب، مؤكدين أنّها ليست الحكومة التي طالبوا بها، وأنّها "ليست حكومة إنقاذ من اختصاصيين بعيدة عن المحاصصة"، مضيفين: "بعد مئة يوم، وكأنّ الشعب لم يقل شيئاً، نرفع صوتنا ضدّهم، لكنّهم يقومون بما يناسبهم".

 وكتبت وزيرة العدل، ماري كلود نجم، في تغريدة: "مُدانٌ ومرفوض هذا العنف، وتدمير أرزاق الناس وسط بيروت، الحراك قام لغاية نبيلة وليس لتخريب المدينة على حساب أهلها وتجّارها".

يذكر أنّ المظاهرات الاحتجاجية في لبنان، بدأت في 17 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، وسط بيروت، عقب قرار اتخذته الحكومة بفرض ضريبة على تطبيق "واتس أب"، وسرعان ما انتقلت المظاهرات لتعم كافة المناطق اللبنانية.

ويواجه لبنان انهياراً اقتصادياً مع شحّ في السيولة وارتفاع مستمر في أسعار المواد الأساسية، وفرض المصارف إجراءات مشددة على العمليات النقدية وسحب الدولار، حتى تحولت فروع البنوك إلى مسرح يومي للإشكالات بين مودعين يطالبون بأموالهم وموظفين ينفذون القيود المفروضة.

 

 

للمشاركة:

الأردن: توجيه تهمة الإرهاب لثلاثة أشخاص.. ماذا فعلوا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

وجهت محكمة أمن الدولة الأردنية، اليوم، تهمة ارتكاب أعمال إرهابية ومحاولة الالتحاق بتنظيم داعش الإرهابي والترويج لأفكاره، بحقّ ثلاثة أشخاص.

وذكر القضاء الأردني، وفق ما نقلت صحف محلية؛ أنّ اثنين من المتهمين الثلاثة نفذوا عملية طعن ثلاثة سياح أجانب وثلاثة أردنيين في مدينة جرش الأثرية، في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي.

وكشفت التحقيقات؛ أنّ المتهمين نفذوا عمليتهم الإرهابية انتقاماً لمقتل زعيم تنظيم "داعش" الإرهابي، أبو بكر البغدادي، بتوجيه مع أحد الإرهابيين الذي قدّم لهم فتوى بجواز قتل السياح.

محكمة أمن الدولة توجه تهمة ارتكاب أعمال إرهابية ومحاولة الالتحاق بداعش والترويج لأفكاره بحقّ ثلاثة أشخاص

وتتلخص وقائع القضية، وفق لائحة الاتهام، في أنّ المتهم الأول من حملة الفكر التكفيري (داعش)، وهو صديق للمتهم الثاني، حيث باشر المتهم الأول بعرض فكره الإرهابي على المتهم الثاني واقتنع الأخير بهذا الفكر .

ثمّ خطط المتهمان للالتحاق بتنظيم داعش الإرهابي، وتواصلا مع شخص يدعى "أبو زينة" من تنظيم داعش.

ثم اتفقا مع المتهم الثالث على الترويج لتنظيم داعش، بعد أن اجتمعوا داخل مزرعة يعمل بها المتهم الثالث، وأثناء محاولة المتهم الأول الالتحاق بتنظيم داعش الإرهابي، عرض عليه المدعو "أبو زينة" من داعش أن ينفذ عملية إرهابية، وأعطاه فتوى بجواز الاعتداء على السياح الأجانب، لتكون العملية انتقاماً لمقتل زعيم التنظيم "أبو بكر البغدادي".

الإرهابيون حصلوا على فتوى بجواز الاعتداء على السياح الأجانب لتكون العملية انتقاماً لمقتل البغدادي

وفكروا في البداية بتنفيذ عملية ضدّ كنيسة في منطقة دبين، ثم اتفقوا أن يتولى المتهم الأول تنفيذ العملية بالاعتداء على السياح الأجانب في جرش.

وكان الناطق الإعلامي باسم مديرية الأمن العام في الأردن، عامر السرطاوي، قد أوضح أنّ المصابين هم ثلاثة سياح ومرشد سياحي ورجل أمن أصيب اثناء محاولة القبض على المهاجم.

 

للمشاركة:

الحوثيون يستغلون المنابر

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

 لا تتوانى ميليشيات الحوثي الإرهابية عن استخدام أية وسيلة كانت لترفد قواتها بعناصر جدد يحاربون إلى جانبها، في ضوء الخسائر البشرية والمادية الفادحة التي تكبدتها خلال المعارك الأخيرة.

هذه المرة حاولت الميليشيات استغلال الدين بتحويل منابر الجمعة إلى وسيلة للتحريض والتجنيد؛ حيث عمد خطباء الميليشيات الحوثية في العاصمة، صنعاء، الأول من أمس، إلى الدعوة لتجنيد المزيد من المقاتلين، وإن كانوا أطفالاً، للزجّ بهم في جبهات القتال.

وأكّد مصلون في عدد من المساجد، في العاصمة صنعاء، نقلت عنهم صحيفة "الشرق الأوسط"؛ أنّ "خطب مساجد الحوثيين بمعظم مناطق العاصمة صنعاء، أمس، تمحورت حول التحريض على القتل والعنف والشحن الطائفي ودعوة اليمنيين للهبة والقتال بجبهة نهم والموت في سبيل مشروعها الظلامي الكهنوتي".

خطباء الميليشيات الحوثية في صنعاء يدعون لتجنيد المزيد من المقاتلين حتى إن كانوا أطفالاً

والاحظ المصلون أنّ جلّ خطب الميليشيات، أمس، على منابر المساجد كانت متشابهة بشكل كبير في استنجادها للمواطنين، وطلب الدعم والمساندة والإنقاذ منهم لمقاتليها، الذين تلقوا ضربات موجعة بمختلف الجبهات على أيدي قوات الجيش الوطني.

وبحسب المصلين؛ فإنّ خطباء الميليشيات دعوا مرتادي المساجد إلى "النفير والهبة الشعبية والدفع بأبنائهم إلى جبهات القتال والجهاد دفاعاً عن العرض والدين".

في سياق متصل، كشف مصدر بمكتب الأوقاف والإرشاد، بالعاصمة صنعاء، أنّ المسؤولين الحوثيين في وزارة الأوقاف ومكتبها في الأمانة الخاضِعَين لسيطرتها، استدعوا، الخميس الماضي، عدداً من الخطباء والمرشدين لإعطائهم أوامر وتعليمات لحثّ المواطنين والسكان في خطبهم ودعوتهم إلى رفد جبهات الحوثيين بالمقاتلين، خصوصاً جبهة نهم، الواقعة شرق العاصمة صنعاء".

وقال المصدر بمكتب الأوقاف، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، خشية انتقام الميليشيات؛ إنّ قيادة الجماعة طلبت من خطبائها الطائفيين أن يعملوا على تخويف جموع المصلين، وتحذيرهم من على المنابر، من خطورة اجتياح نهم ودخول صنعاء من قبل قوات الشرعية.

خطب مساجد الحوثيين بصنعاء تمحورت حول التحريض على القتل والعنف والشحن الطائفي

بدورهم، أكّد سكان محليون بصنعاء لـ "الشرق الأوسط"، تركيز غالبية خطباء الجماعة في خطبتَي الجمعة بصنعاء، على بثّ خطاب الكراهية وتحريض الناس ليتحركوا إلى الجبهات، وإلحاق أبنائهم بالجهاد والقتال ضدّ من وصفوهم بـ "المنافقين والتكفيريين"، و"المرتزقة والغزاة".

من جانبهم، تحدّث مواطنون، يقطنون بالقرب من مساجد بصنعاء، عن مغادرة مصلين كُثر لعدد من المساجد فوز تحريض خطباء الجماعة الناس على الانضمام لجبهاتها القتالية العبثية.

ورأى المواطنون، أنّ العزوف الجماعي للمصلين عن مساجد الميليشيات جاء عقب موجة من الغضب الشديدة التي اجتاحتهم فور سماعهم خطب الميليشيات المتكررة المحرضة على العنف والقتل ونشر المذهبية والطائفية، التي سعت وتسعى الميليشيات منذ انقلابها لزرعها في أفكار المواطنين بصنعاء وبقية مناطق سيطرتها.

يذكر أنّ الميليشيات الحوثية تحكم قبضتها وسيطرتها حالياً على غالبية المساجد في العاصمة، وذلك بعد اعتقالها للمئات من الدعاة والأئمة والخطباء والمرشدين والزجّ بهم في السجون، واستبدالهم بخطباء موالين لها طائفياً.

وفي الوقت الذي وجهت فيه الميليشيات من خلال خطبائها الطائفيين، دعوات مكثفة من على منابر المساجد لجموع المواطنين بصنعاء للدفع بهم للانضمام لصفوفها والقتال بجبهاتها، دقت الميليشيات الانقلابية، أواخر الأسبوع الماضي، ناقوس الخطر، وجابت سياراتها شوارع وأحياء صنعاء بهتافات مختلفة عبر مكبرات الصوت، تدعو اليمنيين للنفير العام والهبة الشعبية لإنقاذ ميليشياتها في جبهة نهم.

مستشفيات العاصمة استقبلت على مدى الأيام الخمسة الماضية المئات من القتلى والجرحى الحوثيين

وذكرت المصادر المحلية؛ أنّ ميليشيات الموت أفردت دوريات مسلحة مهمتها جمع الشباب والأطفال من المارة في شوارع وأحياء وحارات صنعاء ونقلهم قسراً، بعد خداعهم والتغرير بهم، للقتال إلى جانب عناصرها.

وفي سياق متصل؛ كشفت مصادر طبية في صنعاء لـ "الشرق الأوسط"؛ أنّ "مستشفيات العاصمة استقبلت، على مدى الأيام الخمسة ماضية، المئات من القتلى والجرحى التابعين للميليشيات، الذين سقطوا إثر المواجهات المستمرة على امتداد خطوط التماس في جبهة نهم، البوابة الشرقية للعاصمة صنعاء".

في المقابل، أكّد شهود عيان في أحياء متفرقة بصنعاء، أنّ الميليشيات الحوثية شيعت، خلال اليومين الماضيين فقط، أكثر من 60 عنصراً من قتلاها الذين لقوا حتفهم خلال المعارك الدائرة في جبهة نهم.

وتتكبد الجماعة الحوثية في جبهة نهم خسائر بشرية كبيرة، في ظلّ استمرارها في التحشيد والدفع بعناصرها، ومن تجنّدهم من الأطفال وطلبة المدارس، للقتال في محارق خاسرة ومحسومة سلفاً.

 

للمشاركة:



هل سلّمت الولايات المتحدة العراقَ إلى إيران؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-01-26

ترجمة: مدني قصري


هل خسرت الولايات المتحدة خمسة آلاف جندي وأهدرت تريليون دولار منذ عام 2003 في العراق، لتسليم هذا البلد في النهاية إلى إيران؟ السؤال ملحّ ومطروح بحدة في الوقت الحالي؛ لأنّ الغارة الأمريكية في 3 كانون الثاني (يناير) الجاري التي قتل فيها الجنرال قاسم سليماني في بغداد، قد حرمت الشبكات القوية الموالية لإيران في العراق من هذا الرجل، ولكن دون تعطيل أو تفكيك نظامها. كما أنّ إدارة ترامب أتاحت لإيران ومؤيديها، محل النزاع والرفض منذ أسابيع من قبل السكان المحليين، إمكانية تعبئة القومية العراقية التي تستنكر بشدة الهيمنة الإيرانية ضد "الشيطان الأكبر" الأمريكي، وضده وحده. ومع ذلك، لم يكن من الممكن حدوث مثل هذه الكارثة دون ستة عشر عاماً من سياسة الولايات المتحدة الهرطقية الخاطئة في العراق، والتي لا تزال إيران تستمد منها أكبر فائدة.

اقرأ أيضاً: سعي أمريكي لإعادة التموضع ورسم قواعد الاشتباك في العراق وسوريا.. كيف؟
خلص بوش إيران من عدوّين لدودين من خلال القضاء على نظام طالبان ثم الإطاحة بصدام حسين

فتح بوش العراق أمام إيران
في "حربه العالمية على الإرهاب"، لم يفهم جورج دبليو بوش أنّه من خلال القضاء على نظام طالبان في أفغانستان في عام 2001، ثم الإطاحة بصدام حسين بعد ذلك بعامين، أنّه خلص جمهورية إيران الإسلامية من عدوّين لدُودين يرابطان على حدودها. يقوم الحرس الثوري، الذي تم تشكيله لمقاومة العدوان العراقي على إيران عام 1980، بتطوير شبكاته في مجال الأطلال التي خلفها الغزو والاحتلال الأمريكي في العراق. فالحرس الثوري يستثمر منهجياً الفراغ الذي فتحته واشنطن عام 2003، بحل الجيش العراقي، وطرد أعضاء حزب البعث والعنف ضد المسلحين السنّة. علاوة على ذلك، فإنّ الأحزاب الموالية لإيران هي المستفيد الأكبر من المؤسسة في عام 2005، تحت رعاية الولايات المتحدة، لنظام ذي نمط طائفي، حيث تتمتع أقوى الميليشيات ذات الجذور الطائفية بكل الامتيازات. فضد هذا النظام الظالم والفاسد، الذي تفرضه واشنطن لصالح إيران، انفجر الاحتجاج العراقي منذ تشرين الثاني (أكتوبر) الماضي.

حماية الميليشيات الموالية لإيران من قبل أوباما
من خلال عزمه على تسوية الإرث الكارثي لسلفه في العراق، ساهم باراك أوباما من حيث لا يدري، في تفاقم دواليب سياسة بلاده الموالية لإيران. وعلى هذا النحو عزّز موقف رئيس الوزراء نوري المالكي، وهو متعصب شيعي، مرتبط ارتباطاً وثيقاً بإيران (حيث عاش لفترة طويلة في المنفى)، من منظور انسحاب الكتيبة الأمريكية في عام 2011. حراس الثورة، بعد نسج شبكتهم في عراق ما بعد صدام، يحتلون الآن المجال السياسي العسكري الذي انسحبت منه الولايات المتحدة. بالإضافة إلى ذلك، يرسخ المالكي ويعمق التمييز ضد المجتمع السنّي، وهو ما سمح لتنظيم القاعدة، على الرغم من هزيمته عسكرياً، بأن يتجدّد في شكل "داعش"، الملقب خطأً باسم "الدولة الإسلامية". أدى تشتت الجيش العراقي وفراره أمام "داعش" في الموصل، عام 2014، كرد فعل، إلى ظهور الميليشيات الشيعية المعروفة باسم "الحشد الشعبي". يشرف الحرس الثوري على أكثر مكوناته فعالية، ويربطه عضوياً بإيران. في كفاحهم ضد الجهاديين، يتمتعون بغطاء جوي من الولايات المتحدة، مما يسمح لهم بتوسيع أراضيهم ونفوذهم، تحت سلطة الجنرال سليماني. وتتيح المعركة ضد "داعش" أخيراً أمام طهران إمكانية التنسيق بين عمل مؤيديها على المسرحين العراقي والسوري؛ حيث لعبت الميليشيات الموالية لإيران القادمة من العراق، دوراً متزايد الأهمية، لا سيما في معركة حلب.

تنكّر ترامب للشعب العراقي
لذلك ورث دونالد ترامب سياسة عراقية "خارج الأرض"؛ حيث تتدخل الولايات المتحدة عن طريق الجو، لتتحكم في عدد من المحاور التي تقلع منها طائراتها، في حين أنّ إيران قد قامت بترسيخ قنوات متعددة، وأدوات ضغط كثيرة في بغداد وبقية البلاد. بدأ التحذير الأول في تشرين الثاني (نوفمبر) 2017: استفتاء استقلال الأكراد العراقيين، الحلفاء التاريخيين للولايات المتحدة، أدى إلى هجوم من قبل الميليشيات الموالية لإيران التي استولت على كركوك ومواردها النفطية الهائلة. أُجبِر الأكرادُ العراقيون أخيراً على التخلّي عن حلمهم الانفصالي، من أجل التفاوض، بشروط حددتها طهران إلى حد كبير، على رفع العقوبات المفروضة عليهم من قبل السلطة المركزية. كان من الممكن أن تكون الانتفاضة الديمقراطية التي أثارت العراق منذ تشرين الثاني (نوفمبر) 2019 فرصة حقيقية للولايات المتحدة لإعادة الاتصال أخيراً بالواقع الشعبي في ذلك البلد. إنّ ضراوة إدانة قبضة إيران الخانقة هي بالفعل السمة الغالبة لهذه الموجة من الاحتجاجات، بما في ذلك في جنوب البلاد الذي تقطنه أغلبية شيعية (هكذا أصبحت القنصليات الإيرانية في مدينتي كربلاء والنجف المقدستين الشيعيتين، هدفاً لهذا الغضب الوطني).

عزّز أوباما موقف رئيس الوزراء نوري المالكي وهو مرتبط ارتباطاً وثيقاً بإيرا، من منظور انسحاب الكتيبة الأمريكية عام 2011

لكن سرعان ما ظهر ترامب عاجزاً عن اعتبار العراق مجالاً آخر غير مجال المناورة ضد إيران. قرارُه، ردّاً على مقتل أمريكي متعاقد من الباطن في كركوك، بتفجير منشآت الميليشيات الموالية لإيران في العراق، قد سارع بالهجوم على السفارة الأمريكية في بغداد، فانتقمت واشنطن من خلال تصفية سليماني، الذي كان بالأمس محمياً من القوات الجوية الأمريكية. يُنظر إلى هذه الغارة غير المسبوقة من قبل النظام الإيراني وملاحِقه العربية كإعلان حرب حقيقي، مع الإغراء بالرد على واشنطن خارج العراق. إنّ مثل هذا التصعيد ما كان يمكن أن يحدث في أسوأ ظروف الاحتجاج الشعبي في العراق ومحاولته تخفيف الخناق الإيراني المفروض على البلاد. أما بالنسبة لرئيس الوزراء العراقي، فقد شارك في بغداد يوم 4 كانون الثاني (يناير) في تكريم سليماني، على خلفية من شعارات الميليشيات الموالية لإيران، وعلى خلفية الشعارات المعادية لأمريكا. في اليوم التالي، صوت البرلمان العراقي بالإجماع من بين 170 نائباً حاضرين (من أصل 328)، مؤيداً للانسحاب الفوري لخمسة آلاف جندي أمريكي ما زالوا موجودين في العراق، في إطار القتال ضد "داعش".
الولايات المتحدة لن تلوم إلا نفسها في النهاية، في ظل ثلاث إدارات متعاقبة؛ لأنها قذفت بالشرق الأوسط إلى حافة الهاوية. لكن النساء والرجال في العراق، وربما بقية المنطقة، هم الذين يدفعون الثمن وسيدفعون المزيد من الثمن.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:
lemonde.fr

للمشاركة:

"إخوان" اليمن.. وماذا بعد؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

هاني سالم مسهور

قبل أن يوقع الرئيس السابق علي عبدالله صالح، وثيقة الوحدة مع الرئيس الجنوبي علي سالم البيض في 22 مايو 1990، كان عليه أن يتمم صفقة من الصفقات التي لم يكن هو قبل غيره، يعتقد أنها ستكون الخنجر المسموم الذي سيُطعن به في ظهره، حدث ذلك عندما طلب من عبدالله حسين الأحمر تشكيل حزب «التجمع اليمني للإصلاح» للعب لعبة يتم بها إقصاء الشركاء الجنوبيين عن السلطة السياسية.
كانت صفقة ونجحت كما خُطط لها تماماً، وتنظيم «الإخوان» حظي بتمثيل سياسي لم يحصل عليه كافة أفرع التنظيم في العالم، وكنتيجة طبيعية للتشكيل السياسي حدث التصادم بين الجنوب الليبرالي والشمال القبلي بأبعاده المؤدلجة لتقع حرب صيف عام 1994، وتنتهي حرب السبعين يوماً بغزو الشمال للجنوب، بعد أن أصدر «الإخوان» فتاوى التكفير، فتمت استباحة الأرض وما عليها، وفرضت سياسة الأمر الواقع.
في تلك الحرب، لم يتسلل الأفغان العرب إلى المحافظات الجنوبية، بل تم دعوتهم وتوفير كافة المتطلبات لهم بطرق رسمية، الأكثر من ذلك حصلوا على الرتب العسكرية والمرتبات، وتم توفير المعسكرات في كافة التراب الجنوبي، كانوا جزءاً لا يتجزأ من المنظومة السياسية والعسكرية، فالصفقة التي سبقت الوحدة سوغت كل ما بعدها.
بعد وفاة عبدالله الأحمر2007، حدث ما لم يكن متوقعاً، فالصفقة لم تراع رحيل أحد من الطرفين، وهنا حدث الصراع بين «الإخوان» وعلي عبدالله صالح، الصراع أخذ شكلاً سياسياً إلى أن حانت فرصة الانقضاض التي كانت في فبراير 2011، عندما وصلت رياح ما يسمى «الربيع العربي» إلى صنعاء وتعز، فكانت المعركة بالطريقة اليمانية.
ظن علي صالح، أنه قادر على أن يخوض المعركة مع خصومه بالطريقة التقليدية، وهي مواجهة الحشود بالحشود، فكما كان يحشد حزب «الإصلاح» في الشوارع، كان «صالح» يحشد أضعافهم في ميدان السبعين، معركة الحشود انتهت بالغدر عند محاولة اغتيال علي صالح في مسجد النهدين، هنا فقط انتهت الصفقة وكشفت الأوراق، وأظهرَ كل طرف وجهه من دون أقنعة، لم يكن صالح يعتقد أن يُلدغ تلك اللدغة من أفعى من أفاعي، كان هو الذي يطمعها ويسقيها في إطار أن يكون الجنوب كله مربوطاً من عنقه على باب صنعاء.
أصيب صالح، وبدأت مرحلة صفقات جديدة: «الإخوان» عقدوا صفقة مع «الحوثيين» وافتعلوا من المعارك، ما أخرج «الحوثي» من كهوفه في صعدة ليزحف من شمال اليمن حتى وصل إلى عمران، وكان على تخوم صنعاء، كانت كل الصفقات تمنح «الإخوان» المسوغ السياسي لبقائهم في المشهد، فلم يسقطوا أبداً مشروعية وجودهم، وهو ما تداركه «الحوثيون» لاحقاً، وتسللوا عبر ما يسمى مؤتمر الحوار الوطني ليحصلوا على شهادة زور تمكنهم مما تمكن منه «الإخوان» من قبلهم، حتى تساوت الرؤوس في صراع الأفاعي.
«الإخوان» يبرمون صفقة أخرى، لكن هذه المرة ليست في اليمن، بل أبعد من ذلك، عندما تلقوا من التنظيم الدولي لـ«الإخوان» تعليمات وفقاً لما تم تدبيره في تركيا، باتفاق مع الحرس الثوري الإيراني بتسليم صنعاء للحوثيين، لتتمكن أفاعي اليمن من تهديد الأمن السعودي، وهذا ما تم بتسليم صنعاء دون مقاومة تذكر لتسقط محافظات الشمال الواحدة بعد الأخرى في قبضة إيران.
عدن كانت اختباراً صعباً، ففيها لا يمكن أن تُبرم الصفقات، فعندها انهزمت جحافل «الحوثيين»، وبعد أن خسروها استعان «إخوان» اليمن بأذرعهم من تنظيمات «القاعدة» و«أنصار الشريعة» و«داعش» تلقوا التوجيهات من قيادتهم العُليا، وتسللوا إلى عدن، وحاولوا تكرار ما فعلوه في صنعاء بمحاولة اغتيال «خالد بحاح» في حادثة القصر وفشلوا، وحتى أغسطس 2019 كانت الحرب سجالاً حتى دحرتهم قوات «المجلس الانتقالي الجنوبي»، وتتطهر عدن من رجس الجماعات التكفيرية.
التعقيدات في المشهد اليمني بامتداداتها التاريخية تشكل الصعوبة في الخروج من النفق المظلم، «الإخوان» و«الحوثيون» يمتلكون معاً شرعية سياسية لا يمكن تجاهلها والتعاطي معها كأنها ليست واقعاً، فالتشكيل الحزبي يمنحهم حصتهم السياسية، التي يتقاسمونها بين المؤسسة الشرعية المنقلب عليها منذ سبتمبر 2014، في واقع فرضته سنوات من صراع الأفاعي غير المكترثة بالأمن القومي العربي، فضلاً عن عدم اكتراثها بمصير ملايين البشر المتضررين بالجوع والفقر والبؤس من ذلك الصراع المستدام.
«إخوان» اليمن ينظرون إلى عدن والمكلا كجائزة من صفقة 1990، وينظرون إلى صنعاء كصفقة مؤجلة بيد شيوخ قبائل سيجتمعون يوماً ما بتقاليد اليمنيين، ليضعوا الثور بينهم ويرفعوا الخناجر من على خواصرهم، ويعودوا إليها كما عاد لها أجدادهم وآباؤهم من قبلهم، فهذه موروثاتهم وتقاليدهم وسيتعايشون فيها ويعودون لسيرتهم الأولى بتعليم أبنائهم أنهم ضحايا لجيرانهم، ليهربوا من حقيقة فشلهم في الانتقال من دولة القبيلة إلى الدولة الحديثة.
«إخوان» اليمن سيبقون خنجراً في خاصرة الجزيرة العربية شأنهم شأن «الحوثيين»، ولن يكونوا يوماً سوى خناجر غدر متى ما جاءتهم أوامر الطعن سيطعنون في الخاصرة، وليتذكر العرب أن من اليمن نشأ تنظيم «القاعدة في جزيرة العرب»، وأن التنظيم أنجب «الدواعش» من رحم بطن الشيطان تنظيم «الإخوان»، فهل هناك من ينتظر من هؤلاء خيراً، من بعد كل ما كان وما حصل!

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

"إخوان" الخيانة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

حسن العديني
لا أتذكر رقم العدد، ولا تاريخ صدور مجلة «المستقبل العربي» التي تصدر عن «مركز دراسات المستقبل العربي»، والذي نشر مقالاً للدكتور حسن الترابي عن الديمقراطية والشورى، قدم فيه نفسه وجماعته كمؤمنين بالحريات السياسية، وحقوق المواطنة، والتشارك عند مستوى لا يرقى إليه إخلاص وأصدق المدافعين عن هذه القيم النبيلة، والمناضلين بصدق وجسارة من أجل تعميمها في بلدانهم.
قرأت المقال وأنا على يقين أنه يمضي في الكذب إلى آخر الدنيا، وكنت أختلف مع كثيرين يحسنون الظن بالترابي، والغنوشي، ويصدّقون أن «الجبهة القومية» في السودان، مثلما هي «النهضة» في تونس، خلعت جلد «الإخوان المسلمين»، ولبست رداءً نظيفاً، فيه بعض العقل.
على أني أقر قبل أن أتابع، أن الترابي، وبدرجة أقل من صاحبه التونسي، يمتلك قدراً من الثقافة لا يتوفر عند جميع «الإخوان المسلمين» من المرشد العام، حتى صغار المضلل بهم. ذلك مدار استغراب من أن يحتفظ دارس القانون في السوربون بانتمائه إلى جماعة لا تحترم العقل.
قد نجد التفسير في طموحه الشديد، وشهوته الفوارة إلى السلطة. وكذلك وجد نفسه في جماعة تستطيع استثمار الدين لبناء قاعدة شعبية تدفع به إلى سدة الحكم، أو تضعه قريباً منها فيما استطاعه بالتحالف مع جعفر النميري، ومن بعده، حين وجه البشير «أنت إلى القصر وأنا إلى السجن».
لا ضرورة للحديث عما فعلوا بالسودان بعد انقلاب يونيو/ حزيران 1989 فقد سمع العالم، ورأى، وقرأ سرديات القتل، والتدمير، والنهب، والمخازي كلها، غير أن بعض المحطات تستدعي التأمل. إحداها رغبة الذي اختار السجن في سلب السلطات ممن استخدمه سيفاً أطاح القوى التي أسقطت نميري عندما أراد أن يسلب رئيس الدولة سلطاته، ويتولاها كرئيس للبرلمان فسبقه الضابط الذي أصبح رئيساً وأطاح الزعيم القديم، ثم أودعه السجن. هو إغراء السلطة، ومغانمها، وليس الدين، وأخلاقياته.
ذلك وجه للإخوان متورم، وعنيف السواد، صورته الأخرى التمثيلية الهزلية في الانقلاب أن يذهب مدبرها إلى السجن، وينتقل قائد قوات المظلات إلى القصر الرئاسي.
في العادة تفصح الأحزاب السياسية عن أنها وراء الانقلابات العسكرية، وتظهر وجهها، وتعلن عن توجهاتها في السياسة والاقتصاد والأمن، كما فعل حزب البعث على سبيل المثال في سوريا، والعراق. لكن «الإخوان المسلمين» يخشون من إظهار نواياهم، ويمارسون الكذب والاحتيال، ويضعون الرتوش لإخفاء الندوب في وجههم القبيح. كذلك يظهر راشد الغنوشي تلميذاً خائباً لحسن الترابي. لقد قلده بإخفاء انتمائه للحركة الأم، وأعلن اسماً خاصاً «حركة النهضة»، على غرار «الجبهة القومية».
وقد أطال هذا في المراوغة، وبالغ، وصدقه سذج كثيرون، حتى وهو ينكشف، ويتعرى. وبدت إحدى فضائحه بعد إخراج ابن علي وتنصيب المنصف المرزوقي رئيساً، ذلك الماركسي القديم المتعامل مع الفرنسيين، والمتحالف مع «الإخوان»، حيث اجتمع الغنوشي مع إسلاميين من خارج حزبه، وطمأنهم إلى أنه لم يغادر موقعه الرجعي، وأن مفاصل الدولة لم تزل، كما قال، في أيدي العلمانيين، وأنه سيبذل كل الجهد لإزاحتهم، وتولية الإسلاميين في مقامهم.
يبدو الغنوشي وجهاً لا يشابه حسن الترابي الذي كان رئيساً للبرلمان في بلاده مثلما يتولى هذا الآن في تونس. ولا استطيع الجزم بأن حسن الترابي كان مثل الغنوشي الذي ظهر مفضوحاً عندما دخل إلى قصر الرئاسة التركي ليكشف كل أسرار الدولة التونسية، ويقدم تسهيلات للسلطان الجديد المتهور، والمتعجرف العازم على غزو ليبيا.
وقد ظهر رئيس حركة النهضة مهاناً ومنكسراً عندما واجهه النواب بفعلته. هناك في تلك الجلسة التي تجلت فيها النائبة عن الحزب الدستوري عبير موسى، بدا الغنوشي خائباً رغم أنها لم تقل بصريح العبارة إن هذا الجالس على الكرسي يمكن أن يبيع تونس. وقد كان في سريرته أنه مارس ذلك ولم يجد في دفاعه غير أن يتحصن بموقعه كرئيس للبرلمان، وليس بشخصه الخائب.. كذلك هم «الإخوان».

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية