صلاح خليل: القارة الإفريقية قد تشهد قريباً جماعات أكثر تشدداً

صلاح خليل: القارة الإفريقية قد تشهد قريباً جماعات أكثر تشدداً
صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
7042
عدد القراءات

2019-04-24

أجرى الحوار: كريم شفيق


قال الباحث السوداني بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، صلاح خليل، إنّ ما تعانيه بعض دول إفريقيا اليوم من صراعات وحركات متطرفة بالدرجة الأولى نتيجة الإرث الاستعماري الذي تركها مفككة تفتقد أبسط مقومات الدولة تحت أنظمة استبدادية فاسدة.

اقرأ أيضاً: إفريقيا مسرح للحرب على الإرهاب
وأضاف، في حواره مع "حفريات"، أنّ تنامي التيارات المسلحة في إفريقيا ومنطقة غرب الصحراء، ظاهرة تحتاج إلى متابعة وفهم دقيقين، "في ظل التطورات الجيوسياسية والإقليمية، خاصة، بعد الربيع العربي، وظهور تحالفات ومصالح جديدة بين تلك التيارات"، مرجحاً أن تشهد القارة الإفريقية في الشهور المقبلة جماعات أكثر تشدداً.
ورأى خليل أنّ العولمة جاءت لتضيف تحديات جديدة على الواقع الإفريقي من خلال أدواتها وأفكارها والسياسات التي روجتها وأدت إلى "تآكل دور الدولة الوطنية وتغير مفهوم السيادة بل والانتقاص من احتكار الدولة للأدوات الرئيسية اللازمة لممارسة السلطة".
وهنا نص الحوار:
جناية الإرث الاستعماري

لجأت حركات التحرر في القارة الإفريقية إلى حمل السلاح
إلى أي حد شكّل الاستعمار في إفريقيا دوراً مؤثراً في تنامي المجموعات المسلحة والجهادية ذات المرجعيات الدينية؟

خلال فترة التحرر الوطني في الفترة الممتدة من الأربعينيات حتى منتصف السبعينيات من القرن الماضي، لجأت حركات التحرر في القارة الإفريقية إلى حمل السلاح، والكفاح المسلح ضد المستعمر الأوروبي، من أجل تحقيق الاستقلال، بالإضافة إلى الانعتاق من الاستبداد والعنصرية اللتين كانتا جزءاً لا يتجزأ  من خطاب الرؤية الاستعمارية.

اقرأ أيضاً: رغم الأزمات الداخلية.. تركيا تواصل سياستها التوسعية في إفريقيا
فضلا عن أنّ المستعمر الغربي حوّل دول القارة الإفريقية إلى كيانات تتعرض إلى الاستبعاد والاستغلال لكافة الموارد المتاحة لديها، وتسخير مجهودات الشعوب الإفريقية لصالح المستعمر، لا سيما أنّ العبودية التي مارسها مع بعض سكان القارة الإفريقية. هذه التراكمات أحدثت ثقباً في الذاكرة التاريخية للشعوب الإفريقية، مازالت آثاره باقية في مخيلتهم.
ومن ثم تطورت هذه الظاهرة لاحقاً بعد استقلال الدول الإفريقية، كالحروب الأهلية، والحرب بالوكالة من بعض القوميات نتيجة لما تركه المستعمر من ميراث سلبي، كمثل تفضيله بعض القبائل على قبائل أخرى، مما عمّق أزمة الاندماج الوطني، تحت وطأة عدة أسباب؛ يرتبط بعض منها بالسياسات الاستعمارية التي كانت تتبع سياسة فرق تسد، ومن ثم بذرت الجذور الأولى للفرقة والانقسام داخل هذه المجتمعات.

جماعة "المرابطون" بررت بيعتها لداعش قبل الانفصال بالامتثال لأمر الله وطاعة لرسوله بحكم طبيعتها السلفية الجهادية

هذا علاوة على أنّ الاستعمار عشيّة رحيله كان قد قضى على كل الكيانات الإفريقية، التي يمكن أن تكون نواة لدول وطنية متماسكة جغرافياً وديموغرافياً، ومن ثم ظهرت حدود الدول الإفريقية على شكلها الحالي، ولم تراع هذه الحدود المصطنعة العوامل البشرية والسكانية والواقع على الأرض، وبالتالي ضمت هذه الكيانات الجديدة سكاناً على درجة كبيرة من الخلافات والانقسامات الإثنية واللغوية والدينية.
كما أنّ المستعمر ترك آثاراً سلبية في النسيج الاجتماعي والعشائري والقبلي والإثني الإفريقي، مما مهد لبعض الدول الإفريقية أن تكون عرضة لاستقبال الحركات المتشددة والمتطرفة نتيجة لهذا الإرث الاستعماري.
وبعد التحرر من الاستعمار جاءت الأنظمة المتعاقبة واتبعت سياسات تمييزية ضد الجماعات الأضعف، وحرمتها من نصيب عادل في الثروة والسلطة، وهو ما أدى إلى الحديث بعد ذلك عن ظاهرة التهميش، ونتج عنه ما يسمى بعلاقة المركز والهامش، وبالتبعية لم تجد هذه الجماعات ملجأ سوى العودة إلى الولاءات الأولية الضيقة، والانتماءات الجهوية وذلك بالخصم من رصيد الدولة الوطنية.
فضلا عن جزء كبير من هذه الجماعات احتفظت بسلاحها، بحجة الصراعات الحدودية، والخلافات الإثنية والقومية والمذهبية، ولذلك ظلت هذه المجموعة في حالة تصادم مع الأنظمة السياسية، وتحولت في ما بعد إلى بؤر للتوتر، والتنظيمات المتشددة، وأصبحت في ما بعد أيضاً تمارس العنف المسلح (الإرهاب)، كما ظهر في العديد من الدول الإفريقية؛ نيجيريا، الصومال، كينيا، مالي، النيجر، ليبيا، يوغندا، الجزائر، الكاميرون، تشاد، المغرب، تونس، تنزانيا، إثيوبيا، موزمبيق وإفريقيا الوسطى.
يمكن القول إنّ إفريقيا اليوم تواجه مخاطر واسعة، تهدد استقرارها السياسي والاقتصادي، والاجتماعي، نتيجة انتشار التيارات والجماعات الإسلامية المتشددة في العديد من البلدان الإفريقية، على طول سواحلها الشرقية والغربية، من الصومال وكينيا، وتنزانيا، وموزمبيق، ويوغندا شرقا، موريتانيا، مالي، نيجيريا، النيجر بوركينافاسو والسنغال غربا، الجزائر، المغرب ومصر، ليبيا، تونس، شمالاً، في وسطها إفريقيا الوسطى.
توغل التيارات الإسلامية في السواحل الإفريقية

فقر وبطالة وغياب عدالة اجتماعية
برأيك ما العوامل المحلية التي ساهمت في توغل التيارات الإسلامية في السواحل الإفريقية؟

تمثل الأزمات الاقتصادية كالفقر والبطالة، وتراجع الإنفاق على التعليم، وغياب العدالة الاجتماعية، وسوء الإدارة، وغياب مفهوم التخطيط، وانتشار الفساد والمحسوبية، بالإضافة إلى نمط الأنظمة السياسية والاستبدادية وبقائها في السلطة فترات طويلة، أسباباً رئيسية ودوافع تشكل بيئة حاضنة لترويج وبث الأفكار الأصولية، وانتشار التيارات الإسلامية الراديكالية.

اقرأ أيضاً: الزراعة في إفريقيا.. سماد يحمل مستقبلاً جديداً
بيد أنّه، من ناحية أخرى، جاء مفهوم (العولمة) ليضيف تحديات جديدة على الواقع الإفريقي؛ حيث أسهمت أدواتها والأفكار التي صاحبتها والسياسات التي روجتها إلى تآكل دور الدولة الوطنية، وتغير مفهوم السيادة بل انتقص من احتكار الدولة للأدوات الرئيسية اللازمة لممارسة السلطة، مما أسهم في زيادة حدة أزمة الاندماج الوطني، فضلاً عن تميز القبائل والقوميات الإفريقية بخصوصية، وتفرد الحدود والتباينات الفاصلة على المستويات السلالية واللغوية والثقافية والدينية.
ومن الأسباب الداخلية التي ساهمت بدور كبير في توغل التيارات الإسلامية، الدور الذي تقوم بعض النخبة السياسية الحاكمة في إذكاء الصراعات العرقية والمذهبية بين المواطنين، مما نتج عنه التدخل العسكري الغربي، مرة أخرى، في القارة الإفريقية، بدوافع تهديد الأمن والسلم الدوليين، ولكن في الحقيقة لا يمكن فهمه وتبريره إلا في سياق محاولة استشراف (استعمار) بمفهومه الجديد.  
حركة التوحيد والجهاد

كيف ترى مستقبل حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا والجبهة الوطنية لتحرير خاصة بعد هزيمة الأخيرة على يد المجموعات الموالية للقاعدة في غرب إفريقيا؟
بدأت حركة التوحيد والجهاد كتنظيم سلفي في العام 2011، وهي تأتي بعد حركة أنصار الدين التي تعلن استيلاءها وسيطرتها على أجزاء من منطقة أزواد، وتحديداً على مدينة غاو شمال جمهورية مالي. ولكن توسعت الحركة بنشاطها حتى الصحراء الكبرى والساحل الإفريقي، واكتسبت حركة التوحيد في وقت قصير شهرة وصيتاً كبيرين، وأصبح يضاهي بريق شهرتها تنظيمات مثل؛ "القاعدة" و"داعش" و"بوكو حرام" بالمنطقة.

احتكار السلطة لفترات طويلة في بعض الدول الإفريقية يساعد القوى السياسية المعارضة على الاعتماد على الخلايا النائمة

الفكرة بدأت كتنظيم جهادي مسلح في غرب إفريقيا، في دول السنغال، غينيا، موريتانيا، بوركينافاسو، ودول أخرى، في حدود تمدد أعضائها ومنتسبيها في هذه المنطقة. ولحركة الجهاد والتوحيد هدف إستراتيجي، هو الضغط على الدول في المنطقة الأكثر قوة، ولذلك نجدها استهدفت الجزائر كثيراً، وأصبحت تنسق في عملياتها مع القاعدة وتنظيم داعش في بلاد المغرب العربي، ولكن لديها استقلال في العمليات والتمويل، بفضل علاقتها الإستراتيجية مع "داعش".
وعلى الرغم من أنّ بعض العمليات التي نفذتها الحركة بتنسيق مع الطوارق الأزواد، خاصة، في الهجمات التي تمت في جمهورية مالي، إلا أنّ أغلب العمليات التي تمت في شمال مالي منطقة "غاو" تمت بمساعدة الطوارق حيث إنّ هذه المنطقة يسيطر عليها متمرّدو الطوارق وبعض الجماعات الإسلامية. 
وبعد صراع متكرر ومتسارع بين حركة التوحيد والجهاد والحركة الوطنية الأزواد، واشتباكات مسلحة أدت الى وقوع قتلى بين الطرفين في شمال مالي، تم إقصاء وإبعاد مقاتلي الحركة من مدينة "غاو" الإستراتيجية، وأصبحت المنطقة كلها تحت سيطرة حركتي التوحيد والجهاد وكتيبة الملثمين. 

إفريقيا اليوم تواجه مخاطر واسعة تهدد استقرارها السياسي والاقتصادي والاجتماعي على رأسها التشدد الديني

والجدير بالذكر أنّ الغالبية الكبيرة من تشكيل المجموعتين هم من العرب، ويرجع الخلاف الكبير بين التنظيمين وتنظيم القاعدة إلى رفض الأخير تكوين وتشكيل سرية خاصة بالمقاتلين العرب على غرار سرية الأنصار، التابعة لتنظيم القاعدة التي تضم في عضويتها العديد من الجهاديين الطوارق.
وفي ظل تمدد نشاط الحركة شمال غرب إفريقيا، هذه المنطقة المهمة في الإستراتيجية الغربية، أعتقد أنّ التحالفات بين كل من الجماعات الإسلامية، وجماعات المصالح؛ وأقصد هنا الحركة الوطنية لتحرير أزواد "الطوارق"، باعتبارها ليس حركة راديكالية إسلامية، بل لجأت لذلك لتحقيق هدفها المتمثل في إقامة دولتهم في هذه المنطقة. وبلا شك إذا لم يعمل مجلس السلم والأمن الإفريقي مع حكومات هذه الدول، من أجل الحد من انتشار هذه الحركة وأفرادها، فلسوف تتمدد هذه الحركة على طول الساحل الغربي لتشمل دول أخرى.
حركة التوحيد والجهاد  

عتمدت حركة التوحيد والجهاد، على العديد من المصادر في التمويل
برزت حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا في أواخر العام 2011 ووصفتها الصحف المالية بأنها أكثر التنظيمات إثار للرعب.. ما الذي جعلها قادرة على هذا الحشد والعمل المؤثر في هذه الفترة القصيرة؟

اعتمدت حركة التوحيد والجهاد، على العديد من المصادر في التمويل؛ ففي البداية، لجأت الحركة على الخطف مقابل الفدية، ولكنها تطورت في الفترات الأخيرة، خاصة، بعد تحالف مع بعض الجماعات الإسلامية في غرب إفريقيا، اتبعت الحركة نهجاً آخر في التمويل من خلال التجارة في السلاح، والسرقة، وفرض الحماية، وهي أرض خصبة في الدول الإفريقية لبعض القبائل؛ لأن ضعف الدولة المركزية، تصبح دوماً الأطراف خارج عن قانون الدولة.

الحركة الوطنية لتحرير أزواد ليست راديكالية إسلامية بل لجأت لذلك لتحقيق أهدافها الانفصالية

أغلب الأعضاء المنتمين لحركة التوحيد والجهاد، من الماليين والموريتانيين، كما أضحت حركة التوحيد مصدر تهديد للأمن الإقليمي لدول غرب أفريقيا. وتعد حركة التوحيد والجهاد الثانية من الحركات السلفية في غرب إفريقيا، من حيث انتشار وأعداد أعضائها. وبعد اندلاع التمرد في شمال جمهورية مالي استولت حركة التوحيد مع حلفائها من الحركة الوطنية لتحرير "أزواد" على مدينة "غاو"، وتلقت لاحقاً دعماً ومساعدة من بعض المنتسبين لتنظيم القاعدة "كتيبة الملثمين"، لمساعدتها في السيطرة على مدينة "غاو"، ذات الكثافة السكانية والعمرانية بشمال مالي. وتمكنت حركة التوحيد من السيطرة على مدن أخرى مثل "تمبكتو وكيدال".
تمكنت الحركة من الحشد والتعبئة لأعضائها، من خلال تبني السلفية الجهادية، وتنشر أفكارها وأهدافها بين الشباب، بواسطة بث الفكر الجهادي المبنى على القبلية، بالإضافة إلى استقطابها تجار المخدرات والتهريب، ومساعدتهم بالعتاد، بغية تأمين المهربات، مما مكّنهم من الاستيلاء على الأسلحة الثقيلة، والقادمة ومن ليبيا، وبعض الدول الإفريقية المجاورة.

اقرأ أيضاً: الإسلام في غرب إفريقيا.. حضور قوي ومتعدّد
تعتمد حركة التوحيد والجهاد في إدارة وتنفيذ عملياتها من خلال أربع تشكيلات عسكرية سرية: أبو مصعب الزرقاوي، أبو الليث الليبي، عبدالله عزام، و(الجهاديين)، بالإضافة إلى كتيبة وسرية أخرى تعرف باسم "أسامة بن لادن"، ويترأسها غالباً قيادي وعضو مجلس شورى حركة التوحيد والجهاد.
وفي كانون الأول (ديسمبر) العام 2012، فرض مجلس الأمن الدولي عقوبات على حركة التوحيد والجهاد، في غرب إفريقيا، وصنفها من أخطر التنظيمات المتشددة.
معظم هذه الجماعات كانت تنتسب إلى تنظيم القاعدة وتنظيم داعش

ما هي العوامل الإقليمية التي ساهمت في هذا الانتشار والهيمنة لهذه الحركة في تلك الجغرافيا السياسية المعقدة؟
إذا نظرنا إلى التنظيمات الجهادية بالقارة الإفريقية نجد في المقام الأول، معظم هذه الجماعات كانت تنتسب إلى تنظيم القاعدة وتنظيم داعش، وعندما تراجع نشاطها في منطقة أفغانستان وسوريا، أصبحت بعض قيادات الجماعات تبحث عن أماكن بديلة، خاصة بعد تصاعد خسائرها على الصعيدين العسكري والأيديولوجي.

اقرأ أيضاً: "أشبال إفريقيا"... إرهاب من أول سطر
لذلك صوبت الجماعات الإسلامية أعينها نحو منطقة تكون وطناً جديداً لها، بعد تراخي قبضتها في مناطقها الأم كسوريا، والعراق، جراء الضربات والهجمات التي تلقتها من قبل التحالف الدولي والقوى المناوئة.
دور الأنظمة الاستبدادية

 لعبت الأنظمة المستبدة دوراً بارزاً في القارة الإفريقية، لولوج تلك الأفكار المتشددة من قبل الوافدين
هل أسهمت الأنظمة المستبدة في تلك المنطقة بتدشين دعائم لتطور المعارضة الدينية التي اتخذت من المساجد منبراً لتوجيه النقد إلى الحكومات؟

بلا شك لعبت الأنظمة المستبدة دوراً بارزاً في القارة الإفريقية، لولوج تلك الأفكار المتشددة من قبل الوافدين، من حيث انتشار الفقر وارتفاع نسبة البطالة، وتزايد المشاكل الطائفية والتهميش الاقتصادي والسياسي، وغياب العدالة الاجتماعية ومحاباة قبائل ضد قبائل، تلك بيئة حاضنة للتنظيمات الإسلامية المتشددة وتساهم في تغلغلها.

صوبت الجماعات الإسلامية أعينها نحو منطقة تكون وطناً جديداً لها بعد تراخي قبضتها في مناطقها الأم

ففي العام 2016، تمكن تنظيم داعش من إرسال 15 من قياداته إلى نيجيريا، لتدريب عناصر من مقاتلي "بوكو حرام" على التقنيات الحديثة وتصنيع الأسلحة اليدوية، وقاذفات الصواريخ.
بيد أنّ احتكار السلطة لفترات طويلة في بعض الدول الإفريقية، يساعد القوى السياسية المعارضة على الاعتماد على الخلايا النائمة من أجل الإطاحة بالمستبدين، حتى لو كانت تلك الخلايا من التيارات الإسلامية، مستغلين المساحة المتاحة في منابر المساجد. وفي الحقيقة تعتبر هذه المنابر فرصاً كبيرة لهؤلاء في ظل غياب تام لأجهزة الدولة في الرقابة على النشاطات الدينية.
والجيل الجديد في إفريقيا ممثلاً في "جماعات الإصلاح"، سواء كانت الطرق الصوفية أو جماعات تأسست منذ فترات طويلة مثل الحركة الإسلامية، في شمال نيجيريا، التي يقودها إبراهيم الزقزاقي، وأيضاً جماعة عباد الرحمن التي يقودها السنغالي سيدي خليل، في العاصمة داكار، بالإضافة إلى جماعات أنصار السنة، في شرق إفريقيا، هؤلاء جمعيهم لديهم موقف واحد مشترك ضد فصل الدين عن الدولة (الدولة العلمانية)، لذلك استخدموا منابر المساجد، كمنبر سياسي، ضد علمنة الدولة ومعتمدين في ذلك على الأرضية والبيئة الجغرافية القبلية التي تقدم لهم الدعم والسند.

اقرأ أيضاً: مجلة أمريكية تحذر: هذه مخططات أردوغان في الشرق الأوسط وإفريقيا
انتشرت المدارس "الإسلامية" شمال نيجيريا والسنغال ومالي ومناطق بجنوب إفريقيا لمواجهة صعود حركات الإصلاح الديني الإسلامي، كيف استطاعت الجماعات المتشددة بذلك إجهاض عوامل الإصلاح؟
هنا دعنا نخوض في عملية تجديد الخطاب الديني، الذي يصل بنا إلى التغيير الاجتماعي المطلوب؛ لأن إقحام الصراعات الأيديولوجية والفكرية والسياسية، حتماً سيقودنا إلى حالة عدم الاستقرار في بلد ما؛ حيث يعد انتشار المدارس الإسلامية في دول مثل: نيجيريا والسنغال ومالي وحتى جنوب إفريقيا، ليس الحل في الحد من تغلغل الجماعات الإسلامية إلى هذه الدول، ولكن الحل يكمن في العودة إلى جذور المشكلة؛ كالفقر والعدالة الاجتماعية، والتوزيع العادل للسلطة والثروة، والفساد والمحسوبية.

اقرأ أيضاً: هل تصدر إفريقيا جواز سفر واحداً؟
وعلى سبيل المثال نيجيريا اليوم هي أكثر البلدان الإفريقية، التي سوف تجد نفسها محاصرة بين الجماعات المتشددة، سواء "بوكو حرام"، والشيعة والطرق الصوفية، في شمال البلاد، خاصة مع اتساع نطاق وتغلغل الشيعة على حساب السنّة، نتيجة لارتفاع عدد تجمعاتهم في نيجيريا ووجود العديد من الجمعيات بأسمائهم، ويروجون للمرتكزات الفكرية الشيعية علناً، كالمذهب الإثني عشري كونه المرجع الفكري للحركة الإسلامية، وجمعية الدفاع عن المستضعفين من الشيعة المؤمنين في نيجيريا  وخارجها، والولاء لـولاية الفقيه، والتي يمثلها المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران.
كما أنّ الكيانات الشيعية تعمل بوضع قانوني، القائم على المذهب الجعفري الشيعي، ونظرية ولاية الفقيه، لذلك ربما نرى في الشهور المقبلة جماعات أكثر تشدداً في القارة الإفريقية.
صراعات التطرف

ما هي أبرز الجماعات المسلحة في إفريقيا اليوم وهل ثمة تحولات مسّت جوهر نشاطها وبنيتها في ظل التحولات الجارية في ما بعد "الربيع العربي" خصوصاً ارتباطها بما يحدث في ليبيا؟
هناك جماعات عديدة مثل؛ "بوكو حرام" الأشهر، وجماعة "المرابطون" ما بين الوحدة والخلاف، والأخيرة تأسست في آب (أغسطس) العام 2013، بالاتفاق الشهير بين كل من جماعة "الموقعون بالدماء"، بقيادة مختار بلمختار، وقائد تنظيم "التوحيد والجهاد" في غرب إفريقيا.

إقحام الصراعات الإيديولوجية والفكرية والسياسية حتماً سيقودنا إلى حالة عدم الاستقرار في أي بلد

وحركة "التوحيد والجهاد" في غرب إفريقيا، وهي مجموعة انشقت من تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي، وتنشط بصورة كبيرة بجنوب الجزائر، وشمال مالي، بيد أنه تم إدراج الحركة من قبل الحكومة الكندية في قائمة الجماعات الإرهاب، وحركة شباب المجاهدين بالصومال؛ حيث صنفت حركة شباب المجاهدين في العام 2017، من أخطر الجماعات الإرهابية في شرق إفريقيا، وفقاً لتقرير مركز الديانات والجغرافيا السياسية المعروف (CRG). وتمكنت حركة "شباب المجاهدين" من تنفيذ العديد من الهجمات الانتقامية ضد بعض الدول في شرق أفريقيا، وبذلك تكون قد وسعت من نشاطها لتشمل دولاً أخرى بدلاً من الصومال، فضلاً عن تنظيم القاعدة وداعش في شمال إفريقيا؛ حيث بدأت داعش عملياتها في ليبيا عبر سيطرتها على مدينة سرت العام 2015، لتكون قاعدتها الرئيسية في منطقة شمال إفريقيا إثر فوضى الحرب الأهلية هناك، وقد عمل التنظيم على إيفاد عناصر مقاتلة ذات خبرة للمشاركة في العمليات الميدانية على الأراضي الليبية.

اقرأ أيضاً: الحركات الجهادية في إفريقيا... تحالف وتقاتل وعنف
ومن جهة أخرى، يمكن ملاحظة أنّ (الجبهة المتحدة الثورية)، التي بسببها اندلعت حرب أهلية في سيراليون، أيضاً تتبنى الأفكار الدينية المتشددة. وبالرغم من تراجع تنظيم داعش في الشام نتيجة للضربات القوية التي أدت إلى تراجعه، وتفرق أعضائه ثم انتقال أفراد التنظيم إلى دول إفريقية، خاصة في غرب إفريقيا، إلا أنّه مايزال لديه أكثر من  18 فرعاً في مختلف البلدان.

فوضى الحرب الأهلية
  
برزت أول بيعة لتنظيم "داعش" من التنظيمات الجهادية الناشطة شمال مالي، لكن لماذا أخفقت هذه الولادة التنظيمية فيما بعد؟
جماعة "المرابطون" بررت تلك البيعة في ما بعد، باعتبارها كانت امتثالاً لأمر الله تعالى، وطاعة لرسوله الكريم؛ لأنّ "المرابطون" هي سلفية الطبع، وأيضاً سلفية جهادية؛ فهي ترى تنظيم داعش، من أقوى  التنظيمات في تطبيق الشرع، لذا أطلقت عليها اسم "دولة الإسلام والخلافة معاً". ثم ما لبث أن حدث اختلاف بينهما حول من يتولى الإمارة؛ فرأى "المرابطون" بأنّ تنظيم داعش يحاول فرض سيطرته التنظيمية على الجماعة، وهو في الحقيقة صراع نفوذ بين الجماعتين، انتهى باندماج جماعة "المرابطون" بتنظيم القاعدة في المغرب العربي، في العام 2015، وهو نفس العام الذي حدث فيه فك ارتباط بين "المرابطون" و"داعش"، بيد أنّه جاء اندماج جماعة "المرابطون" نكاية في "بوكوحرام" التي أدت البيعة لتنظيم "داعش".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



حوار متخيّل مع المودودي.. ملهم الجماعات التكفيرية

2020-06-03

يعد المفكر الهندي/ الباكستاني أبو الأعلى المودودي (1903-1979)، أحد أبرز منظّري التيار الإسلامي في العصر الحديث، وهو إن حمل لواء الدفاع عن قضايا الأمة في بداياته مع تأسيس الجماعة الإسلامية في لاهور بالهند التي انتُخب أميراً لها العام 1941، إلا أنّ أفكاره بدأت تأخذ طابعاً متشدداً تمثل بدعوته لتحقيق شرع الله بالقوة؛ حتى ذهب البعض إلى أنّ كتاباته كانت السبب الرئيسي لتبني سيد قطب أفكار تجهيل المجتمعات الإسلامية المعاصرة، وخصوصاً ما سطّره حول مبدأ الحاكمية.

في هذا الحوار المتخيل مع صاحب "الجهاد في الإسلام" و"الإسلام في مواجهة التحديات المعاصرة"، نحاول التعرف، من خلال ما كتبه بنفسه، على أبرز معالم مشروعه الفكري الذي حوله إلى مرجعية لمعظم الجماعات التكفيرية التي اعتمدت عليه في تأصيل الكثير من أسسها العقائدية:

بدايةً، هل كنت تتخيل يوماً أنّك ستعتبر مؤسس ظاهرة الإسلام السياسي؟ ليس ذلك فقط؛ بل أن تكون كذلك من أبرز ثلاثة رموز فكرية في هذا التيار مع حسن البنا وسيد قطب؟ بل وأكثر من ذلك، صرت بوصفك أمير "الجماعة الإسلامية" الباكستانية بعد رحيل حسن البنّا الملهم الأول لفصائل شباب الإسلاميين على امتداد العالم الإسلامي.

لم أكن أتصور ذلك بالطبع في حياتي، لكنني كنت أعلم أنّ إخلاصي لدين الله، ودعوتي لهيمنة حكمه في الدولة -التي يجب أن تصبح إسلامية في نهاية المطاف– سيجعلان كلماتي كالنار التي تلهب حماس المسلمين حتى بعد رحيلي عن هذا العالم.

أعرف أنّك تدرك قوة كلماتك، ناهيك عن أسلوب الخطابة الذي تبرع فيه بامتياز. تمتلك -ومعك البنا وقطب- الحلم نفسه: حاكمية الله.. دفع سيد قطب ثمن هذا الحلم غالياً، بينما تم تخفيف حكم الإعدام عليك العام 1954 إلى السجن مدى الحياة قبل أن يُفرجَ عنك بفضل الضغوط الشعبية العارمة.

كان قطب مدركاً لتضحيته الكبيرة في سبيل إعلاء كلمة الله.

سيد قطب

لكنني أرى أنّ السياق الهندي-الباكستاني سمح لك برسم ملامح حلمك الأكبر على أرض الواقع، لقد قمت باستغلال كل لحظة، بحسب مقتضيات الحال، لكي تخطو خطوة إضافية أو عدة خطوات، في كل لحظة، في اتجاه حلمك: "الدولة الإسلامية" ــ حتى من قبل انفصال باكستان عن الهند العام 1947.. لكنني لاحظت أمراً بدأ يتكشف في هيئة جديدة، حين بدأت بشائر الانفصال في الظهور أمام عينيك.

ما الذي لاحظته تحديداً؟

صار خطابك أكثر حسماً؛ لا شكّ في ذلك، حين لاحت أمامك الفرصة، وأعني نشوء دولة جديدة تريد أن تجعلها إسلامية صافية، صار خطابك يتحدث عن الإسلام باعتباره قانوناً تشريعياً مكتملاً يضاهي القوانين الغربية؛ بل ويتفوق عليها. لا يحتاج لأي مصدر تشريعي بجانبه؛ الإسلام عندك قانون يكتفي بذاته، على مستوى أحكامه ونظام عقوباته، صرت تتحدث عن الانقلاب الإسلامي بشكل أوضح، ولتحقيق ذلك الأخير مثلاً اتخذت موقف الرافض للدولة القومية.

أختلف مع ما ذهبتَ إليه بشأن تطور خطابي للحسم بمرور الزمن، كانت قناعاتي واضحة، وقمت بتضمينها في كتابي "منهاج الانقلاب الإسلامي" وهو كتاب يضم المحاضرة التي ألقيتها في الثاني عشر من أيلول (سبتمبر) 1940 على طلبة جامعة عليكرة وأساتذتها، وقد ألقيت المحاضرة إبان احتدام الصراع بين أصحاب النظرية القومية الهندية والمسلمين، في شبه الجزيرة الهندية، لم تكن رؤيتي تنتظر من الواقع أن يستجيب أو أن يمنحني الفرصة لأعرض أفكاري.

كيف يمكن أن تكون دولة قومية مؤسسة على طراز الديمقراطية عوناً لنا ومساعداً في استكمال الإصلاح؟

أما عن قولك بأنني ضد الدولة القومية، فبالتأكيد هذا صحيح، وليس ثمة سبيل لأي تدرُّج إصلاحي من خلالها، والآن دعني أسألك:

كيف يمكن أن تكون دولة قومية مؤسسة على طراز الديمقراطية عوناً لنا ومساعداً في استكمال هذا الإصلاح الأساسي وإنجاز مهمته؟ ... فإنّ السلطة في الحكومات الديمقراطية لا ينالها إلا من رضي عنه الجمهور ووضعوا ثقتهم فيه، فإن لم تكن العقلية الإسلامية والفكرة الإسلامية تغلغلتا في عروق الناخبين وامتزجتا بلحومهم ودمائهم، وإن لم تكن الأخلاق والسجايا الإسلامية الزكية مهوى أفئدتهم ومقصد آمالهم، وإن لم يكونوا مستعدين للاستسلام والخضوع لذلك العدل الإلهي النزيه وتلك المبادئ الثابتة الراسخة التي هي قوام الدولة الإسلامية وقطب رحاها، إن لم يكن الجمهور متصفين بهذه المزايا، فلا يمكن لمسلم تقي صادق النزعة كامل الإيمان أن يُنتخب عضواً في مجالسهم النيابية والتشريعية بأصواتهم وآرائهم وإنما ينال السلطة والتغلب بهذه الطريقة كل من يشهد سجل الإحصاء الرسمي له بالإسلام، وإن لم يعرف من الإسلام إلا اسمه، وشهدت نظرياته وأعماله بالمروق عن الدين والجهل بمبادئه.

لماذا نُسفِّه أحلامنا ونحمق أنفسنا بإضاعة قوانا وصرف مجهوداتنا في سبيل إقامتها وتوطيد دعائمها

ومعنى ذلك أنه إن انتقل زمام الأمر إلى أمثال هؤلاء الرجال، لا يكون موقفنا في دائرة حكمهم إلا مثل ما يكون تحت الحكومات التي لا تدين بالإسلام، بل الحق أن موقفنا في دائرة حكمهم يكون أكثر عنتاً، وأسوأ حالاً؛ لأن الدولة القومية التي اتخذت لنفسها شارة من الإسلام خداعة، تكون أجرأ بكثير من الدول غير الإسلامية على القيام في وجه الانقلاب الإسلامي واضطهاد القائمين به، فالأعمال التي تعاقب عليها الدول غير الإسلامية بالحبس مثلاً لا تتحرج تلك الدول القومية من المعاقبة عليها نفسها بالإعدام والنفي. كما أن زعماءها وقوادها لا يزالون مع هذا وذلك، يُلقبون بالغزاة المجاهدين في حياتهم ويُعَدُّون من الشهداء الصالحين بعد مماتهم. فالخطأ، كل الخطأ، أن نظن أن مثل هذه الدول القومية يمكن أن تساعدنا في مهمتنا وتؤازرنا في إحداث الانقلاب الإسلامي بوجه ما ...

فما الذي يمنعنا من انتهاج هذا المسلك والجري على هذه الخطة، وما لنا نضيع الأوقات سدى في انتظار الدولة القومية المرجوة المتسمة بالإسلام كذباً وزوراً؟ ولماذا نُسفِّه أحلامنا ونحمق أنفسنا بإضاعة قوانا وصرف مجهوداتنا في سبيل إقامتها وتوطيد دعائمها ونحن نعلم علم اليقين أن تلك الدولة القومية ستكون عقبة كؤوداً في سبيل غايتنا، فضلاً عن أن تكون مؤازرة لنا ومساعدة في مهمتنا؟".

هل يمكنك أن تشرح لي كيف ترى الجمهور؟

أثبتت لنا التجارب أن العامة لا يستطيعون أن يعرفوا مصالحهم، فإن البشر قد خلقهم الله على ضعف بشري فطري كامن في نفوسهم؛ فيرون في أكثر أمور الحياة جانباً من الحقيقة، ولا يرون بعضه الآخر، ولا يكون حكمهم مرتكزاً على نقطة العدل عموماً، وهم في الغالب يكونون مغلوبين على أمرهم من العواطف والميول فيرفضونها لأجل غلبة العواطف والشهوات على أنفسهم".

وصلت فكرتك لجميع تيارات الإسلام السياسي؛ الوسطيون منهم والمتشددون يمتلكون نفس النظرة التي تنتقص من قَدْرِ الإنسان ووعيه، أنت تسعى لحكم ديني إسلامي بامتياز، نراه في إيران الآن. وهو أيضاً حكم لا يُحرِّر الإنسان بأي درجة، ولا يفي بوعوده التي لوَّح كثيراً بها ... لقد رحلتَ بعد اندلاع الثورة الإيرانية بأقل من سنتين، وكم كنت أتمنى أن تكون حياً لترى ولو النزر اليسير من نتائج الرهان على هيمنة الفكر الديني على مستوى الدولة.

للإسلام جانبه الثيوقراطي، وكذلك الديموقراطي، يمكنني الحديث معك عن مفهوم "الثيوقراطية - الديموقراطية" أو "الحكومة الإلهية الديموقراطية" إن شئت.

أرفض الديمقراطية Democracy، لأن الديمقراطية عبارة عن "منهاج للحكم، تكون السلطة فيه للشعب جميعاً فلا تغير فيه القوانين ولا تبدل إلا برأي الجمهور ولا تسن إلا حسب ما توحي إليهم عقولهم. فلا يتغير فيه من القانون إلا ما ارتضته أنفسهم وكل ما لم تسوغه عقولهم يضرب به عرض الحائط ويخرج من الدستور.

الثيقراطية التي جاء بها الإسلام لا تستبد بأمرها طبقة من السدنة أو المشايخ بل هي التي تكون في أيدي المسلمين عامة

هذه خصائص الديموقراطية وأنت ترى أنها ليست من الإسلام في شيء. فلا يصح إطلاق كلمة الديموقراطية على نظام الدولة الإسلامية، بل أصدق منها تعبيراً كلمة الحكومة الإلهية أو الثيقراطية Theocracy ولكن الثيقراطية الأوروبية تختلف عنها الحكومة الإلهية (الثيقراطية الإسلامية) اختلافاً كلياً فإن أوروبا لم تعرف منها إلا التي تقوم فيها طبقة من السدنة Priest class مخصوصة، يشرعون للناس قانوناً من عند أنفسهم حسب ما شاءت أهواؤهم وأغراضهم – لم يكن عند البابوات القساوسة المسيحيين شيء من الشريعة إلا مواعظ خلقية مأثورة عن المسيح -عليه السلام- ولأجل ذلك كانوا يشرعون القوانين حسب ما تقتضيه شهوات أنفسهم ثم ينفذونها في البلاد قائلين إنها من عند الله، كما ورد في التنزيل: (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِندِ اللَّـهِ لِيَشْتَرُ‌وا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ) (البقرة: 79) – ويسلطون ألوهيتهم على عامة أهل البلاد متسترين وراء القانون الإلهي، فما أجدر مثل هذه الحكومة أن تسمى بالحكومة الشيطانية منها بالحكومة الإلهية.

وأما الثيقراطية التي جاء بها الإسلام فلا تستبد بأمرها طبقة من السدنة أو المشايخ، بل هي التي تكون في أيدي المسلمين عامة وهم الذين يتولون أمرها والقيام بشؤونها وفق ما ورد به كتاب الله وسُنَّة رسوله. ولئن سمحتم لي بابتداع مصطلح جديد لآثرت كلمة "الثيقراطية الديموقراطية" Theo-democracy أو "الحكومة الإلهية الديموقراطية" لهذا الطراز من نظم الحكم لأنه قد خول فيها للمسلمين حاكمية شعبية مقيدة Limited Popular Sovereignty. وذلك تحت سلطة الله القاهرة وحكمه الذي لا يغلب، ولا تتألف السلطة التنفيذية Executive  إلا بآراء المسلمين، وبيدهم يكون عزلها من منصبها، وكذلك جميع الشئون التي لا يوجد عنها في الشريعة حكم صريح لا يقطع فيها بشيء إلا بإجماع المسلمين.

... فمن هذه الوجهة يعد الحكم الإسلامي ديمقراطياً Democracy إلا أنه – كما تقدم ذكره من قبل – إذا وجد نص من أمراء المسلمين أو مجتهد أو عالم من علمائهم ولا لمجلس تشريعي Legislature لهم، بل ولا لجميع المسلمين في العالم أن يصلحوا أو يغيروا منه كلمة واحدة ومن هذه الجهة يصح عليها إطلاق كلمة "الثيقراطية"[3].

لكن الحكومة الإلهية أو الثيقراطية  Theocracyتبدو لي غير ذلك. لأنها، وبكل بساطة، ستأتي كبديل عن سلطة قائمة، ويتعلق الأمر بمجرد استبدال سلطة بسلطة، لكن الأزمة هنا أن الحكومة التي توصف بكونها إلهية، كيف يمكن التنافس معها في المستقبل؟ وما السبيل لتغييرها حينئذ؟ تتحدث عن حكومات أزلية هنا!

إن كل ما يصدر من أعمال من قِبَلِ أي حكومة تقوم على أساس شرعة أخرى غير شرعة الله  وقانونه الذي جاء به الأنبياء من لدن رب الكون وإلهه باطل لا قيمه له ولا وزن، مهما اختلفت هذه الحكومات فيما بينها من تفاصيل في الشكل والنوع، وحكمها غير شرعي البتة، فإذا كان المالك الحقيقي لم يعطها سلطاناً – نعني بالسلطان السلطة التي تسلم بأن الله مالك الملك وتعترف بنفسها خليفة لله وتؤمن بالله رسولاً من عند الله وبالقرآن كتاباً منزلاً من الله تعمل بمقتضى الشريعة الإلهية – فـأنّى لها أن تكون حكومات شرعية؟

إنّ القرآن يرى كل ما تقوم به هذه الحكومات محض عدم لا وزن له ولا قيمة، وقد يقبل المؤمنون – وأعني بهم رعايا الله الأوفياء – وجود هذه الحكومات باعتبارها أمراً واقعاً خارجاً عن إرادتهم وقدرتهم، لكنهم لا يعترفون بها وسيلة حكم شرعية، وسلطة تفصل في أموره وقضاياهم؛ إذ لا يحق لهم طاعة الخارجين على حاكمهم الأصلي (الله)، أو قبولهم حكماً في مجريات حياتهم، ومن يفعل ذلك فقد خرج من زمرة المؤمنين الأوفياء مهما ادَّعى الإسلام والإيمان .

للمشاركة:

عادل لطيفي: تيارات الإسلام السياسي استفادت من غياب الحريات

صورة عيسى جابلي
كاتب وباحث وإعلامي تونسي
2020-05-28

أجرى الحوار: عيسى جابلي


يؤكد الباحث التونسي عادل لطيفي أنّ مقاومة الإرهاب تكون بإحياء المجتمع المدني. ويلفت إلى أنّ تيارات الإسلام السياسي استفادت أيما استفادة من غياب الحريات ومن غياب التعددية السياسية.

لطيفي باحث أكاديمي وأستاذ تاريخ العالم العربي المعاصر بجامعة باريس الثالثة. درس بدار المعلمين العليا بسوسة وناضل صلب الإتحاد العام لطلبة تونس، وعمل مدرّساً بمدينة فريانة مسقط رأسه (1990-1995). ناقش أطروحة دكتوراه سنة 2001 عن "تاريخ الزاوية التليلية بفريانة والطرق الصوفية في العصر الحديث والمعاصر". صدرت له بفرنسا ثلاث دراسات علمية عن الإسلام في بلاد المغرب. يكتب عادل لطيفي في مجلات ومواقع عربية عديدة. "حفريات" التقته وأجرت معه الحوار التالي:

من وجهة نظر علم التاريخ وعلم الاجتماع، ما الأسباب التي ساهمت في ظهور ما بات يعرف بـ"الإسلام السياسي"؟
قبل الإجابة مباشرة علينا رفع بعض اللبس؛ إذ عادة ما نلاحظ خلطاً بين الإسلام كدين؛ أي كتجربة تاريخية، والإسلام السياسي. كما نلاحظ خلطاً، أحياناً أخرى، بينه وبين الوهابية والإصلاح الإسلامي. تتفق أغلب الأبحاث التاريخية على اعتبار الإسلام السياسي أيديولوجيا سياسية ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر في خضم الإصلاحات التي شهدنها الإمبراطورية العثمانية، سواء في مركزها أو في أطرافها مثل؛ مصر وتونس. وهي إصلاحات مرتبطة عموماً بظهور الدولة الحديثة بقوانينها الوضعية وإدارتها المعقلنة وبمبادئها مثل الحرية والمساواة. استغلت بعض الفئات المرتبطة بالوظائف الدينية المشاكل المالية للدولة، واستعمار بعض البلدان العربية، كي تثور ضد الإصلاحات وضد إطارها؛ أي الدولة الوطنية. في هذا الإطار بدأت عملية إعادة صياغة للإسلام كي يكون بديلاً عن الدولة الحديثة.

تراجع تأثير الفكر القومي العربي هيّأ بطريقة أو بأخرى لنموّ التيار الإسلامي والسلفية الجهادية

فكانت الدولة الإسلامية بديلاً عن الدولة الوطنية، والشريعة بديلاً عن القانون، والعدل بديلاً عن الحرية. وانتقلت هذه الأفكار لاحقاً عبر شخصية رشيد رضا إلى مصر أين تأسس أول تنظيم يحمل هذه الأفكار مع الإخوان المسلمين. في الهند ظهرت الجماعة الإسلامية مع أبو الأعلى المودودي على خلفية رفض المسلمين البقاء في دولة واحدة مع الهندوس. فتشكلت باكستان على أساس الهوية الإسلامية مما يفسر قوة المجموعات الإسلامية وفاعليتها إلى اليوم هناك. أي إن إشكالية الدولة كانت دائماً وراء ظهور الإسلام السياسي. بعد موجة الاستقلال، وخاصة مع نهاية السبعينيات بدأ تأثير فكر الإخوان المسلمين يتوسع نتيجة عوامل داخلية وخارجية. من بين العوامل الداخلية الأزمةُ الاجتماعية التي زادت من تنقل السكان إلى الريف وظهور الأحياء المهمشة التي ستصبح خزاناً لتأطير الشباب. نضيف إلى ذلك تراجع تأثير الفكر القومي العربي الذي هيّأ بطريقة أو بأخرى لنمو التيار الإسلامي. أما العامل الحاسم في انتشار الحركات الإسلامية، حسب رأيي، فيتمثل في تأثيرات الثورة الإيرانية سنة 1979. فقد أعطت مثالاً على أنّ يوتوبيا الثورة الإسلامية يمكن أن يتحقق وينتصر على الغرب.

 

عداء الدولة الوطنية      

هل يعني هذا أنّك تقصي عاملاً آخر كثيراً ما يبرر به صعود الإسلام السياسي، أعني فشل الدولة الوطنية في إرساء مشروع حداثي حقيقي، وهو فشل يراه كثيرون سبباً مباشراً في إيجاد "بيئة خصبة" تطرح فيها تيارات الإسلام السياسي نفسها كبديل؟

هذا التبرير يقدمه الإسلام السياسي ذاته، وللأسف يقع في فخه عديدون؛ لأنّ هذا التبرير مبني أصلاً على عداء مع الدولة الوطنية بما يشرع البحث عن بديل عنها وهنا يلتقي مع الإسلام السياسي. من جهة ثانية، أعتقد بأنّ أصحاب هذا الرأي ليست لهم دراية بمعنى الدولة الوطنية ولا بمسار تشكل الدولة في العالم العربي. في حالة تونس مثلاً نجحت الدولة الوطنية إلى حد ما في عقلنة الدولة والإدارة، والعلاقات الاجتماعية وكان ذلك في إطار دولة الاستقلال مع بورقيبة.

بعد أحداث 11 سبتمبر بدأ الغرب يفكر في استغلال شعبية الإسلاميين في الأحياء المهمشة لمقاومة التطرف

ففي فترة بناء الدولة الوطنية لا يمكن الحديث في الحقيقة عن دمقرطة والدولة هشة. والحقيقة أنّ ما جعل تونس تصمد بعد الثورة وتتجنب الفوضى هو نجاحات الدولة الوطنية المتمثلة في المجتمع المدني وفي النخبة وفي الإدارة وفي المحكمة الدستورية وفي عمق التمسك بالهوية الوطنية. ونفس هذه المكاسب هي التي صمدت أمام محاولة الإسلاميين تحويل وجهة الدولة لصالح حزبهم. أكبر دليل على أن الدولة الوطنية وتحديثها قد صمدا في وجه الأسلمة هو عدد النساء اللواتي حسمن الانتخابات الماضية لصالح الباجي قائد السبسي. في الحالات العربية الأخرى، ما عدا المغرب، هيمنت إشكالية بناء الحكم على بناء الدولة، وهو ما جمّد تحديث الدولة والمجتمع، ولم يمكّن من قيام قوى أخرى تثري المجتمع السياسي مثل النخبة والمجتمع المدني. صحيح أن تيارات الإسلام السياسي استفادت أيما استفادة من غياب الحريات ومن غياب التعددية السياسية. غير أننا لاحظنا تاريخياً أنها تستغل الانتخابات للانفراد بالحكم عبر السيطرة على الدولة، وعبر تنظيم العنف الموازي في شكل مليشيات كما حصل خلال الثورة الإيرانية، وكما حصل في الجزائر خلال التسعينات، وكما حصل في تونس مع مليشيات "روابط حماية الثورة". واقع ما بعد الثورات، وبخاصة في تونس، أثبت فشل رهان الإسلام السياسي على مواجهة الدولة الوطنية وطرح نفسه بديلا عنها. وهو ما يفسر ضياع هذه الحركات اليوم بين واقع الدولة وبين يوتوبيا الإسلام السياسي.  

لنتناول الآن علاقة الغرب بتيارات الإسلام السياسي أو بعضها على الأقل، فيرى بعض الملاحظين أنّ بين الإسلام السياسي والغرب علاقة معقدة تتراوح بين التأييد هنا والرفض هناك، برأيك ما الذي يحكم هذه المواقف؟
تحليلنا السابق لظهور الإسلام السياسي يعطي الأولوية للميكانيزمات الاجتماعية والسياسية والثقافية الداخلية. وهذا يفند ما يشاع من أن الحركات الإسلامية وليدة الاستعمار؛ لأن ذلك مظهر من مظاهر عقلية المؤامرة التي تحكم جزءاً كبيراً من نخبنا. من ناحية ثانية، لا يمكننا أن نتحدث عن الغرب وحدةً سياسيةً تجمعها المصالح نفسها. أعتقد أنّ العلاقة اختلفت تاريخياً بحسب نوعية الاستعمار وبحسب ثقافة الدولة المستعمرة. فالاستعمار الانجليزي كان دوماً استعماراً غير مباشر ولا يتدخل عادة لتغيير التوازنات التقليدية، عكس الاستعمار الفرنسي المطبوع برؤية الثورة الفرنسية الإصلاح النابليوني. لذلك كان الإنجليز عادة منفتحين على الثقافة التقليدية بما فيها الإسلام السياسي عكس الفرنسيين. أما خلال العشريات الأخيرة، فأعتقد بأنّ هناك عاملين أساسيين حكما هذه العلاقة: عامل احترام حقوق الإنسان الذي حتم استقبال المضطهدين من الإسلاميين؛ وكذلك عامل الخيار الشعبي الداخلي في حال انتخاب قوى إسلامية مما يحتم احترام هذا الاختيار. لذلك أعتقد أنه لا يوجد تقارب استراتيجي وهيكلي يحكم العلاقة بين الطرفين. فالغرب يتعامل مع مخرجات مجتمعاتنا تعاملاً واقعياً يراعي مصالحها من ناحية، ولكنه يراعي أيضاً خصوصية البلدان الصديقة له. لكنني أعيد الـتأكيد على أن الغرب غير متجانس في موقفه، كما أنّ وضع البلدان العربية بدوره مختلف. فبريطانيا مثلاً منفتحة كثيراً على الحركات الإسلامية، عكس فرنسا التي تهيمن عليها صرامة الرؤية اللائكية. في حين يتميز الأنجلوسكسونيون بانفتاحهم الثقافي والديني.  
إذاً، تنفي الطرح القائل بأن الإسلام السياسي ما هو إلا أداة يتوسلها الغرب لتحقيق أجندات خاصة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؟

قلت إنّ ذلك يعدّ تجسيداً لفكرة المؤامرة التي تهيمن على الفكر السياسي العربي منذ الفترة الاستعمارية. ويعزى ذلك إلى عقدة الهزيمة العسكرية التاريخية التي حولت كل الاهتمام نحو الآخر لا نحو الذات. فحتى العلوم الاجتماعية التي تمكننا نظرياً من فهم الميكانيزمات الداخلية لمجتمعاتنا، تمت أقلمتها مع هاجس المؤامرة مما أفقدها الكثير من مصداقيتها العلمية. علينا أن نعي بأن العالم تغير كثيراً بعد موجة الاستقلال، وخاصة بعد نهاية الحرب الباردة. فتراجع التنافس الجيوستراتيجي حول العلاقات الدولية من هاجس الهيمنة والتبعية إلى فكرة الاستقرار والتهاون الاقتصادي. فأجندات الغرب ليست واحدة وهي لا تعطي قيمة كبيرة في الواقع لعالم العرب مقارنة مع شرقي آسيا.

حركة النهضة والتيارات السلفية

أغلب القيادات في الجماعات الإرهابية كانت في يوم من الأيام منتمية إلى الإخوان المسلمين مثل؛ أيمن الظواهري وبن لادن وغيرهما، هل يمكن الجزم بأن حركات الإسلام السياسي قد تخلت عن خيار العنف نهائياً وقطعت مع الإرهاب؟
العلاقة بين المنظمات الإخوانية والتنظيمات الجهادية محل نقاش سواء من الناحية التنظيمية أو من الناحية الفكرية، فالمعلوم أنّ أولى التنظيمات الجهادية كانت الجهاد الإسلامي في مصر سنة 1964 وأغلب قياداتها كانوا في الإخوان. كما أن ظهورها يتزامن مع توتر العلاقة بين عبد الناصر ومنظّر الإخوان سيد قطب. فكأنّ التطرف الجهادي جاء نتيجة لفقدان الثّـقة في القدرة على تغيير المجتمع باتجاه الأسلمة وذلك بسب دور الحكام السلبي. وظهرت في نفس الوقت الجماعة المقاتلة في سوريا. غير أنّ العامل الحاسم في توسع الجماعات الجهادية يتمثل في اعتبار أفغانستان أرض جهاد منذ غزوها من طرف الاتحاد السوفييتي. ومثّل ذلك نقطة نوعية في الانتقال من الجهاد الداخلي ضد الحكام إلى الجهاد الخارجي ضد الاستكبار الغربي. في نفس الوقت واصلت الحركات الإخوانية محاولة التطبيع مع الواقع السياسي بتناقضاته إلى حدود الثورات العربية الأخيرة.

المنافسة السياسية تستوجب تأقلم الحركات الإسلامية مع شروط الديمقراطية، ومنها الاتفاق حول الدولة الوطنية

وقد كشفت السنوات الأولى في الحقيقة تقارباً بين التوجهين، كما لاحظنا ذلك في تونس زمن الترويكا. لكن بسبب التحولات الإقليمية، وبسبب الصمود المدني في تونس، أجبرت حركة النهضة على القطع مع التيارات السلفية بعد أن كانت قد شجعت على انتشارها بالرغم من عنفها. فالتيارات الإخوانية والجهادية تنتمي إلى التوجه نفسه وهو الإسلام السياسي. ولا يمكن لهذا أن يكون بديلاً عن ذلك. والبديل الحقيقي عن الفكر الإرهابي هو الفكر المواطني العقلاني وليس الأصولية الإسلامية.      
ثمة من يرى بأن "تأييد" الغرب لهذه الجماعات إنما هو لسحب البساط من تحت أقدام الإرهاب، الذي يحظى بدوره بمباركته في مناطق أخرى من العالم. ألا ترى في هذا التوجه تناقضاً قد يعود على الغرب ضرره؟
يمكن القول بأن الغرب، وبخاصة منه النخب السياسية، لم تفهم جيداً ظاهرة الإسلام السياسي؛ إذ نلاحظ أنّ هناك خلطاً كبيراً لديها بين الإسلام كهوية اجتماعية وثقافةً وبين الإسلام السياسي. فعديد الحركات اليسارية الغربية مثلاً كانت ترى في الإسلام السياسي نوعاً من مناهضة الأمبريالية، وبالتالي أعطتها نوعاً من الشرعية النضالية. ولدى جمهور آخر من الباحثين في مجال العالم العربي والإسلامي، يرون في الإسلام السياسي تعبيراً عن حداثة ذات خصوصية ثقافية تتميز عن الحداثة الغربية. وقد نظر إلى هذه التوجهات عديد المفكرين مثل؛ برنارد لويس وميشال كامو وبرتراند بادي. وقد ساهمت هذه المقاربات في إعطاء نوع من الشرعية السياسية والثقافية للحركات الإسلامية التي استقرت في الغرب خاصة وقد ذهبت لاجئة من قمع الدكتاتوريات.
وقد ازداد هذا التقارب نسبياً بعد توسع الأنشطة الإرهابية للجماعات الجهادية وبخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر. إذ بدأ الغرب يفكر في استغلال شعبية الإسلاميين في الأحياء المهمشة لمقاومة التطرف، والحال أنه كان في الحقيقة يساعد على انتشار التطرف. ذلك أنّ حركات الإسلام السياسي التي كانت تنشط في ثوب الجمعيات كانت تربي منخرطيها على الخصوصية الدينية التي تميزهم على الغرب كما كانت تشجع على الانطواء الديني ورفض الآخر. كل هذا كان يمثل الأرضية الأولى لتشكل الاستعداد للفعل الجهادي. لقد تغير الوضع نسبياً مؤخراً بسبب التقارب الذي لوحظ بين الجماعات الإسلامية الانتخابية وبين الجماعات الجهادية كما كشف عنه الوضع في سوريا. لذلك بدأت عديد البلدان تحذر الحركات الإخوانية أيضاً.

ينادي الغرب بالديمقراطية وضرورة اعتمادها آلية مدنية لتنظيم الاجتماع السياسي الإنساني، غير أنّ هذه الآلية قد أسفرت صناديقها عن صعود حركات الإسلام السياسي غير المرغوب فيها في أكثر من بلد عربي، غير أنّ التعامل لم يكن نفسه؛ إذ تمت مباركة صعودهم في تونس كما تمت مباركة إسقاطهم في مصر مثلاً، كيف يفهم عادل لطيفي هذا الموقف الغربي المزدوج من الإسلام السياسيّ؟

الديمقراطية ليست مقترحاً غربياً بل هي قبل كل شيء مطلب من داخل حاجتنا. دون ذلك فنحن نشرّع للاستبداد. مثل هذا القول يوحي بأن الديمقراطية منتوج غربي، وهذا غير صحيح لا في التاريخ الحديث ولا المعاصر. فالديمقراطية القرطاجنية ليست غربية، وحتى أثينا كانت تتبع عالم الشرق؛ لأن الغرب لم يوجد بعد آنذاك. أما خلال الفترة المعاصرة فقد لاقت الديمقراطية مصاعب عدة كي تستقر في المجتمعات الغربية. لم تبدأ الديمقراطية في التأكد إلا بعد ثورات 1848. كما لم تخرج إسبانيا والبرتغال من الاستبداد سوى في أواسط السبعينيات من القرن العشرين. الحقيقة أن الديمقراطية باعتبارها شكلاً من أشكال تمثيلية الأمة في الدولة، فرضت نفسها في إطار مسار تشكل الدولة الوطنية بغض النظر عن الثقافات. من جهة ثانية تتطور كل الأنظمة أينما كانت باتجاه الديمقراطية، وهذا مسار لا مناص منه في تاريخ تشكل الدولة الحديثة. بقي أن البلدان الغربية حققت أسبقية في هذا الميدان وبدأت تضغط بالفعل على البلدان النامية عموماً. لكن في الوقت نفسه علينا الإقرار بأنه ليست الحكومات الغربية وحدها من يدفع باتجاه الدمقرطة. بل لا يجب أن ننسى المنظمات الدولية والحقوقية العالمية. أما صعود الإسلاميين فهذا لا يعود إلى آلية الديمقراطية، فهذه الآلية تمثل عاملاً كاشفاً عن طبيعة التناقضات المجتمعية. وبالنسبة إلى نجاح الإسلام السياسي في أول انتخابات حرة في العالم العربي فيعلمه المتخصصون والدارسون منذ فترة. وكان غسان سلامة ذاته قد أورده في أحد كتبه منذ التسعينيات. لكن هذا يخص أول انتخابات، وليس ما سيلحق، حيث يتوقف الأمر على مدى جاهزية القوى المعارضة للإسلام السياسي.

الديمقراطية والإسلام السياسي
في عالمنا العربي يتوق كثيرون إلى تحقيق مطلبين في لحظة واحدة: الديمقراطية، وفشل الإسلام السياسي في الفوز بالانتخابات، برأيك كيف يمكن التوفيق بين الأمرين: تطبيق الديمقراطية وضمان عدم صعود حركات الإسلام السياسي؟

علاقة القوى الديمقراطية مع الإسلام السياسي ليست علاقة إقصاء بل علاقة منافسة، لكن هذه المنافسة تستوجب تأقلم الحركات الإسلامية مع شروط الديمقراطية. ومنها الاتفاق حول الدولة الوطنية وحول مدنيتها؛ إذ لا يمكن تصور ديمقراطية خارج الدولة المدنية. مسألة مدنية الدولة ومسألة العنف هي من أهم الملفات التي وجب على الحركات الإسلامية أن تقدم فيها نقداً ذاتياً ومراجعة فكرية كي تكون خصماً سياسياً في إطار ديمقراطي. وبالتالي فتحقيق الديمقراطية يمكن أن ينجح عموماً في ظل حركات إسلامية معقلنة، أي تعود إلى المرجعية الدينية كأخلاق لا كقانون موازٍ لقانون الدولة. وهذا باعتقادي يسمح بوجود الحركات الإسلامية في المشهد السياسي ولكن لا أعتقد أنه يضمن لهم الوصول إلى السلطة. فالأمر يتوقف هنا على مدى صلابة الأحزاب الديمقراطية واليسارية وواقعيتها.

للمشاركة:

خبير مصري يحذّر: الحرب بين أمريكا والصين ميدانها الذكاء الاصطناعي

2020-05-19

أجرى الحوار: سامح فايز

قال أستاذ علوم الكمبيوتر بجامعة نيويورك الدكتور محمد زهران إنّ حروب المستقبل، وأهمها بين أمريكا والصين، ستكون تكنولوجية، محذراً من أنّ استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب هو الخطر الأكبر، لافتاً إلى أنه عندما يتحارب البشر يوجد حد أدنى من القواعد مثل التفرقة بين المدني الأعزل والعسكري المحارب وبين الرد على الهجوم بمثله أو استخدام قوة مفرطة وتقليل الدمار في الأبنية مثل المتاحف والمدارس والجامعات إلخ، تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لن تكون عندها تلك الأخلاقيات.

هناك سلاحان في الحرب المعلنة بين أمريكا والصين: تطوير برمجيات الذكاء الاصطناعي، وتطوير أجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة

وأضاف زهران في حواره لـ "حفريات" أنّ الخطر من الذكاء الاصطناعي يأتي إذا أعطيناه سيطرة أكثر من اللازم، مثلاً إذا جعلنا الكمبيوتر يصف العلاج لمريض بدون تدخل بشري فهذه سيطرة أكثر من اللازم؛ لأن الكمبيوتر حالياً في برامج الذكاء الاصطناعي تعطيك حلاً دون أن تذكر كيف وصلت لهذا الحل، لذلك لا يجب أن نثق في هذه البرامج بنسبة 100%. يجب أن يكون هناك تدخل بشري في نقطة ما؛ لأنّ البشر يملكون ثقافة ووعياً وأخلاقيات، وهذه لا يمكن ترجمتها في أجهزة الذكاء الاصطناعي، هذه الأجهزة هي أداة، ويجب أن تظل أداة ونستخدمها لرفاهية البشر.
يذكر أنّ زهران عضو هيئة التدريس بجامعة نيويورك بتخصص هندسة وعلوم الحاسبات، حاصل على الدكتوراة في نفس التخصص من جامعة ميريلاند الأمريكية، له العديد من الأبحاث العلمية المنشورة في الدوريات والمؤتمرات الدولية، بالإضافة إلى الأبحاث والتدريس.. له اهتمامات عديدة بتاريخ وفلسفة العلوم، ويرى أنها من دعائم البحث العلمي.

هنا نص الحوار:

حصلت على البكالوريوس والماجستير من هندسة القاهرة والدكتوراة من جامعة ميريلاند الأمريكية ودرَّست في جامعة القاهرة كمعيد وفي جامعة نيويورك كأستاذ، فهل هناك فارق بين الحياة الجامعية في مصر وأمريكا؟
هناك فارق بينهما وقد تكلمت عن ذلك في إحدى مقالات صحيفة "الشروق". الاختلافات أنّ أغلب الطلاب في أمريكا معتمدة على نفسها تماماً (أنا أتكلم عن مرحلة البكالوريوس)، ستجد طالب البكالوريوس في أمريكا يدرس ويعمل في مطعم أو أي مكان آخر أثناء الدراسة؛ لأنه غالباً يدرس عن طريق قروض، هذه القروض تعني أنّ هذا الطالب يجب أن "يستقتل" كي يحصل على درجات عالية ليتمكن من الحصول على وظيفة مرموقة تؤهله لدفع القرض وفوائده، هذا يسبب ضغطاً عصبياً كبيراً للطلبة، الطلبة عندنا في مصر لا تعاني من ذلك؛ لأنّ الأهل يساعدونهم والمصاريف في الجامعات الحكومية ليست كبيرة، الأساتذة في مصر كلهم مصريون لكن أغلب الأساتذة في أمريكا ليسوا أمريكان، كل له فائدته، الفائدة من جميع الأساتذة من نفس الجنسية هي الشعور العائلي في الجامعات المصرية، الفائدة من وجود أساتذة من جنسيات مختلفة هي وجود طرق تفكير مختلفة، وهذا يدرب الطلبة على أنواع مختلفة من التفكير وعلى التعامل مع شخصيات مختلفة.

ستجد طالب البكالوريوس في أمريكا يدرس ويعمل في مطعم أو أي مكان آخر أثناء الدراسة
هل ترى أنّ البحث العلمي مصرياً وعربياً يسير بخطى ثابتة وقادر على المنافسة عالمياً، أم أنّ الوضع لا يزال سيئاً؟
الأساتذة عندنا في مصر تعمل بإمكانيات قليلة، والإمكانيات هنا تعني الأدوات المعملية والوقت والبيروقراطية يعني "بيغزلوا برجل حمار" زي ما المثل عندنا بيقول ولهم كل التحية، الأساتذة في الخارج عندهم كل الإمكانيات المعملية وطلاب دراسات عليا يعملون معهم طوال اليوم لمساعدتهم في أبحاثهم، لذلك عندما نقارن يجب أن نكون منصفين ونقارن الذي ينتجه كل أستاذ بما معه من إمكانيات، ولا يجب أن نقارن في المطلق.

التفاؤل قادم من الجيل الجديد من الطلبة، هؤلاء عندهم حب شديد للبحث العلمي ويبحرون في الإنترنت ليتعلموا

لكن ما يجعلني متفائلاً أكثر هم الجيل الجديد من الطلبة، هؤلاء عندهم حب شديد للبحث العلمي، ويبحرون في الإنترنت ليتعلموا، والخبر الجيد أنّ محاضرات الجامعات الكبرى في العالم موجوده على الإنترنت في مجالات كثيرة بالمجان، فمن يريد العلم سيجده. حتى نسير بخطى سريعة نحو التقدم العلمي يجب أن نشجع هؤلاء الطلاب عن طريق تشجيعهم على النشر العلمي، وعلى الابتكار، ويكون عن طريق وضع خطة متكاملة لاكتشاف الموهوبين علمياً في مختلف المجالات، وتعهدهم بالرعاية منذ البداية، لكن عندي بعض التحفظات: تعهدهم بالرعاية لا يعني استضافتهم في برامج تليفزيونية؛ لأن الشهرة مدمرة في هذا السن الصغيرة، وتعهدهم بالرعاية لا يعني أن نقول لهم إننا نجهزكم لكي تحصلوا على نوبل؛ لأنّ ذلك يجعلهم تحت ضغط، وإذا لم يفوزوا بالجائزة سيشعرون بالإحباط، وأن تتعاطى العلم من أجل الجوائز ليس هو الطريق الصحيح، وأيضاً قد تجعلك تختار بحثاً علمياً لأنك تظن أنه سيربح جائزة، وقد تكون شخصيتك كباحث لا تتواءم مع هذا البحث، لأنه كما للباحثين شخصيات، فإنّ للمعضلات العلمية شخصيات، ويجب أن تتواءم هذه مع تلك حتى تكون هناك فرص للنجاح.
هل التكنولوجيا الآن هي أكبر مؤثر على الاقتصاد في هذا العصر المعتمد على المعلومات والذكاء الاصطناعي وأجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة؟
العلاقة بين التكنولوجيا والاقتصاد علاقة متبادلة تؤثر كل منهما على الآخر، فمثلاً التكنولوجيا الحالية تجمع عنك معلومات كثيرة لتظهر لك إعلانات موجهة وهذه الإعلانات هدفها أن تدفعك لشراء سلعة أو خدمة، وهذه منفعة اقتصادية، البحث العلمي لكي يتحول إلى تكنولوجيا يلزمه تمويل والتمويل يأتي أغلبه من الشركات، وهذه الشركات لن تدفع نقوداً حتى تكون متأكدة أنها ستحصل على أضعافه؛ فهي تختار من الأبحاث العلمية ما يفيدها، والبحث العلمي نفسه قد يوجه الشركات إلى ما ينفعها، وبهذا تكون العملية متبادلة، لكن لا يجب أن ننسى الفاعل الثالث وهي الحكومات فهناك تمويل يأتي من حكومات لتكنولوجيات تفيدها؛ لأن الحروب ستكون حروباً تكنولوجية ومعلوماتية في المقام الأول.

يرى البعض أنّ الخطر الأساسي من وجود الذكاء الاصطناعي يرجع إلى الفرضية القائلة إنّ التقدم الكبير في الذكاء الاصطناعي العام قد يؤدي إلى الانقراض البشري أو إلى كارثة عالمية غير قابلة للاسترداد والحجة الداعمة لهذه الفرضية هي أنّ البشر مهيمنون على باقي المخلوقات لامتيازهم بدماغ ذي قدرات مميزة تفتقر إليها أدمغة المخلوقات الأخرى (كالحيوانات مثلًا)، وعليه إذا تفوق الذكاء الاصطناعي العام على الأدمغة البشرية وأصبحت بدورها فائقة الذكاء فإنها ستكون قوية ويصعب التحكم بها، ويتوقف مصير البشرية على تصرفات هذه الأجهزة؟
الهيمنة تستلزم الشعور بالعظمة والسطوة وهذا ما لن يصل إليه الذكاء الصناعي، الخطر يأتي إذا أعطينا الذكاء الاصطناعي سيطرة أكثر من اللازم، مثلاً إذا جعلنا الكمبيوتر يصف العلاج لمريض بدون تدخل بشري فهذه سيطرة أكثر من اللازم؛ لأنّ الكمبيوتر حالياً في برامج الذكاء الاصطناعي تعطيك حلاً دون أن تذكر كيف وصلت لهذا الحل، لذلك لا يجب أن نثق في هذه البرامج بنسبة 100% يجب أن يكون هناك تدخل بشري في نقطة ما؛ لأنّ البشر يملكون ثقافة ووعياً وأخلاقيات، وهذه لا يمكن ترجمتها في أجهزة الذكاء الاصطناعي، هذه الأجهزة هي أداة ويجب أن تظل أداة ونستخدمها لرفاهية البشر.

التعليم في مصر يواجه مصاعب جمة والخطر يأتي إذا أعطينا الذكاء الاصطناعي سيطرة أكثر من اللازم

  من مخاوف الذكاء الاصطناعي أيضاً تحويل الهجمات الإرهابية إلى وسائل إلكترونية ذكية بلا وجود فعلي للبشر، من خلال استخدام الطائرات بدون طيار أو المركبات ذاتية القيادة كأسلحة. أيضاً الهجمات عن بُعد، حيث إنّ الروبوتات الذاتية ليست بحاجة للتحكم بها من أي مسافة مهما كانت بعيدة.
استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب هو الخطر الأكبر، عندما يتحارب البشر يوجد حد أدنى من القواعد مثل التفرقة بين المدني الأعزل والعسكري المحارب، وبين الرد على الهجوم بمثله أو استخدام قوة مفرطة وتقليل الدمار في الأبنية مثل المتاحف والمدارس والجامعات إلخ، تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لن تكون عندها تلك الأخلاقيات، وهذا هو الخطر والمرتبط بسؤالك السابق وهو إعطاء الذكاء الاصطناعي سلطة أكثر من اللازم، كما قلنا الحروب المستقبلية هي حروب تكنولوجية، لكن النصر فيها سيكون لمن يستخدم تكنولوجيا متطورة تحت مراقبة بشرية.
  ترى أن الحرب أصبحت معلنة بين الصين وأمريكا وقد خرجت من الخفاء إلى العلن وتُستخدم وستُسخدم فيها جميع أنواع الأسلحة ماعدا العسكرية منها على الأقل في الوقت الحالي، فما هي الأسلحة المستخدمة في تلك الحرب؟
هناك سلاحان: تطوير برمجيات الذكاء الاصطناعي، وتطوير أجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة، الذكاء الاصطناعي له استخدامات عدة في الحرب والسلم، ولكن لأنّ الذكاء الاصطناعي ما هو إلا برمجيات فهي تحتاج إلى أجهزة كمبيوتر فائقة السرعة، هذه الأجهزة تستخدم بالإضافة إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تصنيع الأسلحة والبحث عن علاجات للأمراض المستعصية مثل السرطان، بالإضافة إلى المساعدة في الأبحاث المتعلقة بالعلوم الطبيعية مثل الفيزياء والكيمياء والأحياء عن طريق المحاكاة وتحليل الكمية المهولة من المعلومات المتولدة من تلك النظم، هذه النقطة الأخيرة المتعلقة بتعليل كم كبير من المعلومات تجعل أجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة من أهم الأسلحة في يد الأجهزة الأمنية أيضاً، لذلك فالحرب ضارية بين أمريكا والصين في هذين المجالين: الذكاء الاصطناعي وأجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة.
  أدى تطور التكنولوجيا وظهور الأجهزة الذكية المحمولة إلى التأثير بشكل سلبي على العلاقات الاجتماعية والتنمية الاجتماعية للبالغين والأطفال على حدّ سواء، إلى جانب سلبيات أخرى عديدة مثل إجبار الطلاب على استخدام مهارات تعليمية أساسية بشكل أقلّ، حيث ساهم استخدامهم للحاسوب وما يحتويه من أنظمة لتصحيح الأخطاء الإملائية على خفض مهاراتهم الكتابية والإملائية، كيف نتجاوز تلك السلبيات؟
للأسف هذا الكلام حقيقي؛ لأنّ الجيل الجديد أصبح يعاني من ثلاثة أمراض اجتماعية: أصبح تركيزه أضعف، وقراءاته أقل، ويتحرك في أغلب الأحيان قبل التفكير المتأني، وهذه تأثير شبكات التواصل وألعاب الكمبيوتر، لن نتمكن من إلغاء ذلك، لكن يجب تصميم العملية التعليمية حول تلك السلبيات وفي نفس الوقت تدرب الجيل الجديد على استخدام التكنولوجيا الجديدة والمتجددة دائماً في التعلم وإيجاد الحلول، هذا ليس سهلاً ويحتاج إلى جيل كي نرى النتائج، يحتاج إلى تكاتف خبراء التعليم والاجتماع وعلم النفس.

ترى أنّ  البحث العلمي ليس ترفاً بل إنه مع التعليم يعتبر من أهم دعائم بناء دولة قوية، دون التعليم لن يكون هناك بحث علمي ودون بحث علمي سنتسول التكنولوجيا التي تجود علينا بها الدول الغربية بأثمان باهظة وبالتأكيد لن يعطوننا أفضل ما عندهم، فهل التعليم في مصر على ذلك القدر الذي تتمناه؟
التعليم في مصر يواجه مصاعب جمة تأتي من جهات عدة، الأسر تريد من أبنائها الحصول على الشهادة بأية طريقة "لأننا بلد شهادات"، والكثير من المدرسين يعانون من أزمات مالية فيضطرون إلى الدروس الخصوصية على حساب التدريس في المدارس، ومن المدرسين من يعمل بالتدريس وهو لا يحبه ولكنه العمل الوحيد الذي وجده وبذلك لن يبدع، المجتمع لا ينظر إلى المدرس نظرته إلى مهن أخرى، ناهيك عن البيروقراطية، هذه كلها عقبات في طريق التعليم وتستلزم كما قلنا في السؤال السابق تكاتف الكثير من المؤسسات بدءاً من الأسرة، لكن كما قلت أيضاً عندي أمل كبير في هذا الجيل الجديد المتعطش للعلم، نحن نخطو خطوات للأمام لكن الطريق مازال طويلاً.

للمشاركة:



مناوشات في جلسة مساءلة الغنوشي.. ونواب: زعيم النهضة خطر على أمن تونس القومي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-03

شهد البرلمان التونسي، في جلسته المنعقدة اليوم، مشادات كلامية بين نواب محسوبين على تنظيم الإخوان ونظرائهم ممن يرفضون ممارسات رئيس البرلمان وزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي وتدخلاته التي تضر في بلدهم، حول آلية إدارة جلسة مساءلة الغنوشي أمام البرلمان بشأن تحركاته الخارجية التي باتت تهدد دبلوماسية تونس.

جلسة مساءلة الغنوشي تشهد مشادات كلامية بين نواب محسوبين على الإخوان ونظرائهم ممن يرفضون ممارسات الغنوشي

واتهم أعضاء بالبرلمان حركة النهضة الإخوانية بالسعي لتقليص الوقت المتاح للنواب لمساءلة الغنوشي، فيما توعد برلمانيون بتقديم إثباتات تزعج الحركة، ولوح آخرون بسحب الثقة من الغنوشي، بعد استيفاء الشروط القانونية، وفق ما نقلت شبكة "سكاي نيوز".

وقبيل انطلاق الجلسة أكدت النائبة عبير موسي أنّها ستكشف عن تعمد رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي تنفيذ الأجندة الإخوانية، مؤكدة أنّ العديد من النواب تعهدوا بالإمضاء على عريضة سحب الثقة منه.

كما تعهّدت رئيسة كتلة الدستوري الحر بالكشف عن "تعمد الغنوشي تجاوز صلاحياته في السياسة الخارجية، وتمكين سياسة المحاور من التغلغل في تونس وتوريطها في زعزعة استقرار المنطقة" وفق تعبيرها.

ورغم أنّ العديد من النواب تعهّدوا بالتوقيع اليوم على عريضة سحب الثقة من رئيس البرلمان، بحسب موسي، إلا أنها أشارت إلى وجود "ضغوطات تُمارس على بعضهم".

عبير موسي: الغنوشي تعمد تنفيذ الأجندة الإخوانية، والعديد من النواب تعهدوا بالإمضاء على عريضة سحب الثقة

وقالت موسي إنّ "النواب أصبحوا مقتنعين بضرورة سحب الثقة من الغنوشي وبأنّ بقاءه على رأس السلطة التشريعية خطر على البرلمان وعلى المصلحة العليا للبلاد وعلى الأمن القومي التونسي".

ويمثل الغنوشي رئيس حركة النهضة الإخوانية أمام الكتل البرلمانية للإجابة عن أسئلتهم المتعلقة بأسرار علاقته بالتنظيم الدولي للإخوان وتحركاته المشبوهة في محيط الجماعات المسلحة الناشطة في ليبيا والمدعومة تركياً وقطرياً.

ويخضع الغنوشي لمساءلة كتل كل من: الدستوري الحر (18 مقعداً)، وتحيا تونس (14)، وقلب تونس (26)، والديمقراطية (40)، والإصلاح الوطني (15)، والمستقبل (10)، والكتلة الوطنية (10).

للمشاركة:

الخطوط القطرية تخوض معركة مع شركتي إيرباص وبوينج.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-03

تواجه شركة الخطوط القطرية أزمات كثيرة بسبب المقاطعة الخليجة التي تدخل عامها الثالث، فضلاً عن جائحة كورونا التي ألقت بظلالها السلبية عليها.

أكبر الباكر يطلب من شركتي إيرباص وبوينج بتأجيل تسلم طائرات بسبب تبعات فيروس كورونا

وبدأت الشركة الحكومية منذ الشهر الماضي بمحاولة لملمة شتات ما تبقى منها بفصل المئات من الموظفين، ظناً منها أنّها ستتجاوز الأزمة، لكن مع تزايد حالات فيروس كورونا في قطر أخذت الأزمة في التصاعد، مما سبب عدم الالتزام من قبلها مع شركات تصنيع الطيران. 

وفي هذا السياق، حذّر الرئيس التنفيذي للخطوط القطرية، أكبر الباكر، أمس، شركتي إيرباص وبوينج من رفض طلبات شركة الطيران بتأجيل تسلم طائرات في معركة على من سيتحمل وطأة أزمة فيروس كورونا، وفق ما أوردت وكالة "رويترز".

وتجري شركة الطيران التابعة للدولة، التي عُرف عن رئيسها التنفيذي انتقاد التأجيلات من جانب شركات صناعة الطيران، محادثات مثل العديد من المنافسين لتأجيل التسليمات بسبب تداعيات الأزمة.

وقال باكر: "نتفاوض مع بوينج وإيرباص لتلبية طلبنا للتأجيل ونأمل في أن يلتزم كلا المنتجين".

وأضاف "لا تملكان بديلاً عن القبول وإذا جعلا الالتزام صعباً... لن نقوم بالعمل معهما مجدداً".

وذكر الباكر أنّه يأمل في التوصل لاتفاقات مع الشركتين، والا ستلغي شركة الطيران الطلبيات إذا لم يكن التأجيل ممكناً، مؤكداً أنّ الشركة ستبيع الطائرات الخمس التي تم تسليمها وتأمل التوصل "لاتفاق" بشأن الطائرات التي طلبتها.

وطلبت الخطوط القطرية طائرات بعشرات المليارات من الدولارات من أكبر شركتين لصناعة الطائرات في العالم.

ولكن بعد تهاوي الطلب على السفر جواً، تقول الشركة إنه لا يوجد مجال لإضافة طائرات جديدة وإنها ستقلص أسطولها المكون من نحو 200 طائرة.

وامتنعت بوينج عن التعقيب. وقالت إنّ المناقشات مع العملاء سرية.

للمشاركة:

المسماري: هذه شروط القبول بالعودة لطاولة المفاوضات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-03

أكد الناطق باسم الجيش العربي الليبي، اللواء أحمد المسماري، أنّ قبول الجيش للمفاوضات مشروط بانسحاب مرتزقة أردوغان، وحل ميليشيات حكومة الوفاق، مشيراً إلى أنّ ما يقوم به الجيش حالياً هو محاربة الإرهاب المدعوم خارجياً.

قبول الجيش للمفاوضات مشروط بانسحاب مرتزقة أردوغان وحل ميليشيات حكومة الوفاق

وقال المسماري، في لقاء "أون لاين" مع عدد من الصحفيين المصريين أمس، إنّ هناك اقتراحاً لعقد مفاوضات من قبل الأمم المتحدة ورحب بها الجيش العربي الليبي بشروط أبرزها؛ انسحاب الأتراك والمرتزقة، وحل ميليشيات الوفاق، وعدم شمول داعش أو النصرة بوقف إطلاق النار، وفق ما نقلت صحيفة "اليوم السابع".

وأعرب عن عدم تفاؤله، قائلاً "لا أتوقع النجاح لهذه الجهود بسبب عدم التزام الوفاق بهذه الشروط، مما قد يعني أنّ الجيش الوطني الليبي سيواصل عملياته في هذه الحالة".

وأضاف أنّ ما يقوم به الجيش الليبي حالياً محاربة الإرهاب المدعوم من دول خارجية وهذا التوصيف لا تستند إليه الأمم المتحدة والغرب، ولو تبنوه لتم حل الأزمة الليبية.

وتابع "القول إنّ هذه معركة سياسة أو معركة على السلطة"، توصيف غير صحيح، مشيراً إلى أنّ العالم بدأ يقتنع بوجود تنظيم داعش في ليبيا وأنّ جماعة الإخوان التي تسيطر على حكومة الوفاق بطرابلس، تنظيم خطير يخرج من عباءتها حركات التطرف والعنف.

المسماري: العالم اقتنع بوجود داعش في ليبيا وأنّ تنظيم الإخوان يخرج من عباءته حركات التطرف والعنف

وانتقد تخاذل المجتمع الدولي إزاء تهريب تركيا السلاح والمرتزقة إلى ليبيا، قائلاً "إنّ ليبيا تعرضت لأكبر عملية تهريب أسلحة من تركيا وتشمل، مدفعيات الميدان المتطورة، والطائرات المسير والدبابات أم 60 ".

وقال المسماري، إنّ تركيا أرسلت إلى ليبيا مرتزقة ينتمون للتنظيمات المتطرفة مثل الإخوان والنصرة وجماعات مثل حراس الدين، ومما يعرف بالجيش الوطني السوري، محذراً من أنّ أردوغان يجند مرتزقة من شمال سوريا في ليبيا، ولو نجح في ليبيا سيجند شباباً من ليبيا وسوريا في دولة أخرى.

وقال: "إننا نتعامل مع التدخل التركي الذي جاء إلى ليبيا تحت الطاولة منذ عدة أعوام، ولكن الآن أصبح الوجود التركي أمام الناس علنا، لقد دمرنا كثيراً من الطائرات المسيرة التركية، وأنهينا أسطورة أردوغان التي يتباهى بها".

وحول إعلان تركيا عزمها التنقيب عن الغاز والنفط في ليبيا، قال: "إنّ تركيا ليس لديها شركات كبرى في مجال النفط والغاز، وليبيا لديها عقود للاستكشاف والتنقيب عن النفط في المياه الإقليمية مع شركات دولية".

تركيا أرسلت إلى ليبيا مرتزقة ينتمون للتنظيمات المتطرفة مثل الإخوان والنصرة وحراس الدين

وأضاف أنّ هذه المشكلة ليست مشكلة ليبيا فقط، بل تتعلق بالمجتمع الدولي وخاصة الشركات المستثمرة في ليبيا مثل "إيني" الإيطالية و"توتال" والشركات الأمريكية الأربع والشركات الصينية.

وقال "إننا نرفض جميع ما وقع من اتفاقات مع تركيا من قبل السراج، ولن نرضى أن تكون ليبيا مصدر تهديد لدول جارة وسنحافظ على تعاقدتنا مع الشركات الأجنبية".

وبخصوص الحديث عن تحول في الموقف الأمريكي تجاه الأزمة الليبية، قال "إنّ الموقف الأمريكي جاء بعد إعلان تركيا التنقيب عن النفط والغاز في ليبيا ولم يذهب في اتجاه السراج بل المحافظة على المصالح الأمريكية".

وعن الموقف الروسي، قال إنّ روسيا أصبحت أقوى إقليمياً خاصة عبر دورها في سوريا، وأردف قائلاً: "لا نعلم شيئاً عن تنسيق روسي تركي، وعلاقتنا بروسيا علاقة جيدة وقديمة، وهي لم تتدخل في 2011 في ليبيا، ولم تساعد الإخوان في السيطرة على ليبيا".

وقال: "نحن جاهزون دوماً لاستخدام السلاح الروسي الذي تعود عليه الجيش الليبي، وننظر للعلاقات الروسية أنّها علاقات صداقة قديمة ونرجو أن يتم رفع حظر السلاح إلى ليبيا".

وحول موقف القيادة العسكرية الليبية من فكرة إقامة قواعد أجنبية في لييبا، قال "نرفض وجود قواعد في بلادنا حتى لاتكون ليبيا طرفاً في صراع دولي".

وأضاف "أردوغان يقوم حالياً بتجهيز قاعدة الوطية العسكرية في الشمال الغربي الليبي ليستخدمها، ولكن الأمر لن يستمر لفترات طويلة، وستسمعون أنباء سارة بشأن الوطية".

وحول الموقف الجزائري والتونسي، قال إنّ الموقف الجزائري لا نستطيع أن نحدد اتجاهاته، أما الموقف التونسي فهو موقفان، فهناك موقف 70% من الشعب التونسي المؤيد لوحدة ليبيا، وهناك موقف راشد الغنوشي والإخوان وهو لايعمل لصالح تونس بل تحت راية جماعة الإخوان.

للمشاركة:



حول طلب السودان استقدام بعثة أممية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-03

بابكر فيصل

تقدم رئيس وزراء الحكومة الانتقالية في السودان، عبد الله حمدوك، في فبراير الماضي بطلب للأمم المتحدة لإرسال بعثة لتساهم في تحقيق السلام وتعزيز التحول الديمقراطي في بلده اعتمادا على ما يقره الفصل السادس من ميثاق المنظمة الأممية.

لا شك أن الوثيقة الدستورية الحاكمة لمرحلة الانتقال في السودان قد منحت مجلس الوزراء صلاحيات تخول له الحق في طلب مثل هذه البعثة من الأمين العام للأمم المتحدة، حيث تنص الفقرة الثانية من المادة السادسة عشر في الوثيقة على أن صلاحيات المجلس تشمل: "العمل على إيقاف الحروب والنزاعات وبناء السلام".

يعيش السودان أوضاعا متردية من كافة النواحي الاقتصادية والسياسية والتنموية وحتى البشرية جراء السياسات التي اتبعها النظام الإسلاموي الشمولي الذي أسقطته ثورة شعبية عارمة العام الماضي وهو الأمر الذي جعل البلد عاجزة عن تحمل تبعات ذلك الوضع دون مساندة المجتمع الدولي.

على الرغم من هذه الدوافع والخلفيات الواضحة لطلب رئيس الوزراء إلا أن قوى النظام الإسلاموي البائد شنت هجمة إعلامية منظمة لتصوير الخطوة وكأنها تدخل سافر في السيادة الوطنية واستدعاء لجيوش الاستعمار، في الوقت الذي يعلم فيه القاصي والداني أن نظامهم الاستبدادي هو الذي فرَّط في السيادة حينما ارتكب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور مما اضطر المجتمع الدولي لأن يضع السودان تحت طائلة البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة وإرسال بعثة لحفظ السلام في ذلك الإقليم.

من المعلوم أن الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة يعنى بمعالجة وحل النزاعات سلميا كما جاء في عنوانه الرسمي (الفصل السادس ـ في حل المنازعات حلا سلميا) ويحتوي على عدد من المواد بموجبها يحق لمجلس الأمن تقديم توصيات لأطراف النزاع وليس قرارات إلزام، وهذه التوصيات تنطبق على الصراعات بين الدول كما تنطبق على الصراعات الداخلية والحروب الأهلية.

أما الفصل السابع من الميثاق الأمم المتحدة الذي عنوانه "ما يتخذ من الأعمال في حالات تهديد السلم والإخلال به ووقوع العدوان"، فإنه يعنى بحفظ السلام والأمن الدولي وبه من المواد ما يمنح مجلس الأمن صلاحية فرض العقوبات مثل وقف الصلات الاقتصادية والمواصلات الحديدية والبحرية والجوية والبريدية وغيرها كليا أو جزئيا، كما أنها تجيز له أن يتخذ بطريقة القوات الجوية والبحرية والبرية ما يلزم لحفظ السلم والأمن لإعادته لنصابه، وبمعنى آخر تسمح له باستعمال القوة وتكون قراراته ملزمة وليست مجرد توصيات كما في الفصل السادس.

في مطلع العام الماضي طرأ تغيير على عمليات حفظ السلام حيث أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة تعديلات في هياكل إدارة حفظ السلام سمح بتقسيمها إلى إدارتين إحداهما تسمى الإدارة السياسية وبناء السلام والأخرى تسمى إدارة عمليات السلام. وهكذا أصبحت مهام بناء السلام تشمل الإشراف على البعثات السياسية الخاصة بمنع النزاعات وبناء السلام في فترات ما بعد النزاع.

الأمر المهم في هذا الخصوص والذي يكمن فيه الرد على ادعاءات قوى النظام الإسلاموي البائد هو أن البعثات المشار إليها يتم إرسالها بناء على طلب ورغبة الدولة المعنية لتنفيذ ما تضعه تلك الدولة من خطط وبرامج وفقا لاحتياجاتها الوطنية مما يعني أن حكومة ذلك البلد هي التي تتحكم بالكامل في عمل البعثة من خلال إنشاء لجنة وطنية تكون مهمتها الإشراف على البعثة حتى تقوم بإنزال الأهداف التي تنشدها تلك الدولة لأرض الواقع.

بناء على ذلك قام السودان بتكوين "اللجنة الوطنية العليا للتعامل مع الأمم المتحدة" التي اطلعت الأسبوع الماضي على مسودة مشروع قرار المنظمة الأممية لإرسال البعثة، حيث صرح وزير الدولة في الخارجية ومقرر اللجنة، عمر قمر الدين، الأسبوع الماضي بأن لجنته قامت بإجراء "التعديلات المطلوبة على مسودة مشروع القرار الأممي ليتوافق مع خطاب حكومة السودان لطلب مساعدات فنية، تمثلت في المساعدة لدعم جهود السلام، والمساعدة على حشد الدعم للمؤتمر الاقتصادي، والمساعدة على العودة الطوعية للاجئين والنازحين، إضافة إلى المساعدة في التعداد السكاني وقيام الانتخابات العامة بنهاية الفترة الانتقالية".

وشدد قمر الدين على مبدأ السيادة الوطنية في التعامل مع المنظمة الدولية وحفظ حق البلاد الأصيل في طلب الدعم بصفته عضوا فاعلا في هيئة الأمم المتحدة موضحا أن برنامج المساعدات المطلوب "لا يتضمن أي مكون عسكري أو شرطي، وأن حفظ الأمن والسلم مسؤولية من صميم أعمال الحكومة السودانية".

من ناحية أخرى، شهد السودان خلال فترة الحكم الإسلاموي الاستبدادي دخول البعثة المشتركة للاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة لعمليات السلام في دارفور المعروفة اختصارا باسم "يوناميد" في عام 2007 والتي تم إنشاؤها تحت البند السابع وضمت ما يربو على 20 ألف جندي وشرطي، وما تزال هذه البعثة موجودة في البلاد، ومع ذلك لم يتجرأ الإسلامويون على الحديث عن استباحة السيادة السودانية وعودة الاستعمار، مما يوضح بجلاء أن أصواتهم التي تتعالى ضد طلب رئيس الوزراء ليست إلا مجرد مزايدة للكسب السياسي.

ورث السودان تركة ثقيلة من النظام الشمولي الذي أحكم قبضته على مقاليد الأمور لثلاثة عقود، وقد تمثلت أبرز وجوه تلك التركة في الحروب الأهلية والفساد المستشري فضلا عن التدمير الممنهج لمؤسسات الدولة والمجتمع المدني، وجميع هذه الأمور تلحق أضرارا كبيرة بعملية الانتقال والتحول الديمقراطي لذا صار من المنطقي أن تطلب الحكومة من المجتمع الدولي مساعدتها بالدعم السياسي والفني حتى تستطيع العبور بالبلاد إلى آفاق الاستقرار والحكم الديمقراطي وتحقيق شعارات الثورة المتمثلة في الحرية والسلام والعدالة والتنمية.

عن "الحرة"

للمشاركة:

تلويح حزب الله بالانقلاب على الدستور

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-03

محمد قواص

لا يستطيع حزب الله تغيير النظام السياسي في لبنان. لم تستطع قبله الوصاية السورية الثقيلة أن تفعل ذلك. ولا يملك الحزب من موازين القوى المحلية والإقليمية والدولية ما يسمح له أن يحلم بالأمر. يعي الحزب وأمينه العام حسن نصر الله هذه الحقيقة، وما التهويل بالأمر إلا أدوات لها مقاصد أخرى.

بعد استقلال لبنان عام 1943 كان لا بد لدستور البلاد أن ينتظر حوال خمسة عقود قبل أن يُدخل اتفاق الطائف، المبرم عام 1989، التعديلات التي أنتجت "الجمهورية الثانية" المعمول بها حتى يومنا.

لم تكن الحرب الأهلية (1975-1990) سبب هذه التعديلات بل مناسبة لها، وليست موازين القوى المحلية اللبنانية هي التي فرضت "الطائف"، ولم يتفجر احتراب اللبنانيين أساسا بسبب خلل في دستور البلاد.

قرر العالم وليس المتحاربون إنهاء الحرب اللبنانية. تغيير النظام السياسي والدستور في بلد مثل لبنان يحتاج إلى نظام دولي وإلى انتظام بشأن تحوّل من هذا النوع. اللبنانيون أنفسهم لم يصدقوا أن تصويب الدستور وتقويما لبعض اعوجاجاته أنهيا حربا دموية كثيرة الأطراف وافرة الأبعاد متكاثرة الجبهات.

جاءت إرادات خارجية حاسمة حشرت "نواب الأمة" في مدينة الطائف السعودية، بحيث كان واضحا أن ضغوطا عربية قادتها السعودية، شاركت بها دمشق، وأخرى أميركية، شاركت بها عواصم نافذة (لا سيما فرنسا)، فرضت على الجميع نصا دستوريا خطّه مشرعون لبنانيون وقوة قهر كانت قوات دمشق واجهاتها الجلية.

لا يملك حزب الله هذه العوامل التي تسمح له أن يلمح بالعزم على تغيير "نظام الطائف" (على ما لوّح نصر الله في دعواته السابقة المترددة بالذهاب إلى مؤتمر تأسيسي)، أو الانقلاب على "صيغة 1943" (على ما طالب مؤخرا المفتي الجعفري أحمد قبلان).

لا يستطيع حزب الله أن يفرض على اللبنانيين النظام السياسي الذي يرتئيه. باستطاعة سلاحه أن يرهبهم (وفق روحية "7 أيار" الشهير) وأن يحمي منظومة السياسة والفساد التي تغطي وجوده، لكنه لا يملك أن يلعب بدستور البلاد، فذلك ليس من اختصاصه ولا قدراته، ويحتاج إلى أغطية إقليمية ودولية غير متوفرة.

لا يستطيع حزب الله التعويل على حربه في سوريا، ذلك أن مآلات النظام تمتلكها موسكو وليس طهران، وخيارات نظام دمشق المقبلة لن تتأثر بأنفاس إيران بقدر خضوعها لتسوية تبدو فيها إيران وحزبها اللبناني خاسرين.

يكفي تأمل مفاعيل وتوقيت البدء بقانون قيصر الأميركي لاستنتاج ذلك التقاطع الأميركي الروسي، وربما التركي الإسرائيلي أيضا، لإخضاع سوريا لقواعد تنفخ رياحا بعيدا عن أشرعة سفن جمهورية الولي الفقيه.

يعلم حزب الله ذلك بدقة ولا أوهام لديه في هذا الصدد. تلميحات الحزب ودعوات المفتي قبلان ليست سوى تخاطب داخلي مع الشيعة أنفسهم في السعي لتهدئة تساؤلاتهم حول الطريق الذي أخذهم الحزب، به منذ أن بات دم أبنائهم وقودا للصلاة في القدس، من خلال حروب في سوريا وبلدان أخرى في المنطقة يتقرر إطلاقها في طهران ولمصالح طهران.

تسعى الشيعية السياسية بقيادة حزب الله -بعد أن باتت تجارة تحرير فلسطين تعاني ركوداً لدى الطائفة- إلى إقناع الشيعة بتجارة أخرى توسّع من حصتهم في النظام السياسي اللبناني.

جرى الحديث سابقا، وعلى نحو غير مباشر، عن "المثالثة" بديلاً عن المناصفة بين المسلمين والمسيحيين (التي يفرضها دستور الطائف) على نحو يمنح الشيعة حصصا إضافية تقتطع من الحصص التي أوحى بها ميثاق الاستقلال بين بشارة الخوري (الماروني) ورياض الصلح (السني) على ما باحت كلمات المفتي قبلان به في هذا الشأن.

ولئن تأتي ردود فعل لبنانية رافضة لـ "التأسيسي" والانقلاب على الميثاق والدستور، إلا أن تلك الردود كلاسيكية في معارضتها لحزب الله، لكنها غير قلقة من قدرة الحزب على المسّ بدستور البلاد.

يعرف الشيعة أنفسهم أن "الشيعية السياسية" استولت على "الطائف" منذ بداية التسعينيات. بات نظام البلاد حينها طيّعا بيد حركة أمل بحكم الاستقواء بوصاية دمشق، ثم طيعا بيد حزب الله بحكم الاستقواء بـ "فائض السلاح"، وأن أي حرمان تعانيه الطائفة مصدره القيمين عليها وما يسميه الشيعة أنفسهم "قوى الأمر الواقع". ويعرف الشيعة أيضا أن وعدهم بدستور "منصف" لن يغير شيئا من واقعهم، أولاً لأن الدولة غائبة بسبب هيمنة الدويلة، وثانياً لأن أي تعديل في معادلة تقاسم السلطة والثروة في البلاد يوسع من نفوذ "الأمر الواقع" ولا يبدل شيئا من أمرهم وواقعهم.
يعاني حزب الله قلقا شديدا من هذا القادم المجهول وهو يلمس التبدل الداهم في العراق. استباقا، سيسعى الحزب كل يوم لتقوية عصب شيعي حوله، تارة بتخويفه من الآخر (غير الشيعي) وتارة بإغرائه بزمن شيعي واعد في لبنان.

عن "سكاي نيوز عربية"

للمشاركة:

العراق يطلق عملية واسعة لملاحقة "داعش" في كركوك

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-03

أشرف رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، أمس (الثلاثاء)، على إطلاق أوسع حملة عسكرية ضد تنظيم «داعش» منذ توليه منصبه في 6 مايو (أيار) الماضي. وتهدف الحملة التي تحمل اسم «أبطال العراق - نصر السيادة» وتدعمها طائرات التحالف الدولي، إلى ملاحقة خلايا «داعش» في محافظة كركوك والحدود الفاصلة بين هذه المحافظة ومحافظة صلاح الدين المجاورة.
وأطلق الكاظمي العملية خلال زيارة قام بها إلى مقر القيادة المتقدم في كركوك. وأفاد مكتبه في بيان بأنه «أكد أنه في هذه الظروف الصعبة والتحديات العديدة التي يمر بها البلد، فإن أبطالنا من القوات المسلحة بكافة صنوفها تتحدى العدو وتقوم بدور بطولي لتجفيف منابع الإرهاب». وأضاف البيان أن الكاظمي أطلق تسمية «أبطال العراق ـ نصر السيادة» على العمليات التي انطلقت أمس. وأوضح أن عملية «أبطال العراق» تهدف إلى «تعزيز الأمن والاستقرار وتجفيف منابع الإرهاب وملاحقة بقايا فلول (داعش) الإرهابي في مناطق جنوب غربي كركوك والحدود الفاصلة بين محافظتي صلاح الدين وكركوك».
وأعلن جهاز مكافحة الإرهاب العراقي مشاركة التحالف الدولي في عمليات «تدمير أوكار وأنفاق لـ(داعش)» في مناطق مختلفة بالتزامن مع هذه العملية. وقال الجهاز في بيان له إن «تشكيلات جهاز مكافحة الإرهاب، المتمثلة بقيادتي العمليات الخاصة الأولى والثانية، شرعت، بالتزامن مع انطلاق عمليات (أبطال العراق ـ نصر السيادة)، بواجبات تفتيش شملت مناطق قضاء وصحراء الحضر - منطقة جُرف النصر - مناطق جنوب وجنوب غربي بغداد) بإسناد طيران الجيش العراقي وطيران التحالف الدولي». وأضاف أن «تشكيلات الجهاز تمكنت من تدمير كهوف وأنفاق وأوكار وقتل ما بداخلها من الإرهابيين».
كذلك أعلن الناطق الإعلامي باسم القائد العام للقوات المسلحة العميد يحيى رسول أن طيران الجيش والقوة الجوية لهما دور كبير في عمليات (أبطال العراق)». وأضاف رسول في تصريح للوكالة الرسمية للأنباء في العراق أن «صقور القوة الجوية العراقية باشرت مِن ساعات الصباح الأولى بإسناد محاور عمليات (أبطال العراق - المرحلة الثانية) من خلال طائراتهم التي تعزف نشيد النصر في سماء الوطن»، على حد وصفه. وتهدف هذه العملية إلى تفتيش مناطق جنوب غربي كركوك في الحدود الفاصلة مع محافظتي صلاح الدين وكركوك، بمساحة تتجاوز 738 كيلومتراً مربعاً.
وقال الناطق باسم التحالف الدولي، الكولونيل مايلز كاغينز، في تغريدة على «تويتر» أمس، إن «الكل يعمل معاً من أجل تحقيق هزيمة (داعش)، حيث تتضافر جهود أبطال القوات المسلحة العراقية بكل صنوفها مدعومة من صقور القوة الجوية العراقية في ملاحقة فلول (داعش) ضمن عملية (أبطال العراق - المرحلة الثانية)، بينما يواصل التحالف تقديم الدعم الجوي من خلال الغارات الدقيقة».
وفي هذا السياق، يقول الخبير الأمني فاضل أبو رغيف، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «مناطق جنوب شرقي كركوك تمثل الحلقة الأكثر تشدداً في العراق؛ لأن التنظيم برمته يكاد يكون في تلك المناطق، بدءاً من تدريس الشريعة إلى وجود مضافات كبيرة جداً، وهي مناطق تتخللها وديان بين محافظتي كركوك وصلاح الدين»، مبيّناً أن «هناك تواصلاً بين ولاية صلاح الدين وولاية دجلة (لدى داعش)، وهذه مناطق خطرة جداً وتُعدّ فعلاً ملاذات آمنة» للتنظيم. وأوضح أبو رغيف أن «عبد الله كركوك، أمير التنظيم الجديد، يعدّ كركوك مثل لقمة الأسد، لأنها تحدها محافظات ساخنة مثل غرب نينوى وصلاح الدين وصحراء تكريت وديالى وصحراء حديثة، وهي مناطق تشجع التنظيم على أن يتعامل مع كركوك بوصفها منطقة ذات مكانة وموقع خاص بالنسبة له، كما أن التنظيم يستفيد كثيراً من الخلافات السياسية في كركوك بين مكوناتها وكتلها وأحزابها».
أما الباحث الأمني هشام الهاشمي فأشار على «تويتر» إلى انطلاق «عمليات عسكرية عراقية لملاحقة فلول (داعش) في جبهات متعددة، بوقت واحد؛ في شمال شرقي ديالى وجنوب غربي كركوك وشرق صلاح الدين وغرب الثرثار وشمال بابل»، مضيفاً أن هذه العمليات تشارك فيها «الوحدات التقليدية للقوات الأمنية و(الحشد العشائري) و(الحشد الشعبي)».

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية