الشرعية الأصولية وإرباك المشهد السياسي في مصر

مصر

الشرعية الأصولية وإرباك المشهد السياسي في مصر


29/04/2019

مع تآكل شرعية الحزب الواحد التسلطي، الذي جسّد، خلال الخمسينيات والستينيات، أيديولوجيا التحرر الوطني، صعد إلى السطح نموذج للشرعية ليس قائماً على أيّة اعتبارات كفاحية (التحرر)، ولا عملية (الإنجاز)، ولا تاريخية (حكم أبناء الوطن بدلاً من الأجانب)، ولا ديمقراطية (حكم الشعب)؛ بل قائمة حصراً على العقيدة، وتحركها فلسفة مغرقة في البساطة: أنّ المسلم بما هو مسلم مُلزم بدعم "تمكين الدين" والخضوع لحكمه، وإلا كان ناقص الإيمان، في أحسن الأحوال، وخارجاً عليه، في أسوأ الأحوال، ولم يخرج أيّ تصور للدولة في كامل التيار الأصولي عن الحاكمية الصريحة أو المواربة.
رايات الله
انتهى نظام ما بعد الاستعمار إلى جعل الدولة مجرد أداة في يد نخبة حاكمة، أخضعت كلّ المؤسسات لحكم الطوارئ، حتى فقدت صلاحيتها، ولم تؤسس هذه النخبة، بحال، الدولةَ ككيان قومي أوسع منها يشمل السكان جميعاً يمثّلهم ( شريف يونس: نداء الشعب 2012)، وبعد أن كانت تروّج لمشاريع سياسية واقتصادية وثقافية كبرى، من قبيل: التحرر، والتصنيع، وصياغة ثقافة وطنية (ذات طابع خاص)، أصبح مشروعها الوحيد هو البقاء على أيّ وضع، و"الاستقرار من أجل الاستمرار"، في وقتٍ كانت فيه قوة جديدة تداهم الساحة بمشروع لـ "أستاذية العالم"، ونموذج جديد للشرعية.

تعزز نموذج الشرعية الأصولية  مع الثورة الإيرانية التي احتفت بها أغلب الجماعات الدينية

تعزز نموذج الشرعية الأصولية منذ النصف الثاني من السبعينيات، وحصل على دفعة قوية من خارج أسوار العالم العربي، مع الثورة الإيرانية التي احتفت بها أغلب الجماعات الدينية (باستثناء بعض المجموعات السلفية التي هاجمتها لاعتبارات عقائدية)، وفرض هذا النموذج نفسه باعتباره الأفق الوحيد، مع تحطم القومية العربية على وقع الغزو العراقي للكويت في مفتتح التسعينيات.

اقرأ أيضاً: مصر تصوت على الدستور.. أبرز التعديلات
قدمت الشرعية الأصولية نفسها باعتبارها حركة ثورية تسعى للسيطرة على مؤسسات الدولة، لبناء نظامها الاجتماعي (من أعلى)، وبناء مجتمع "مسلم صالح"، وحاججت بأنّ ذلك حقّ مشروع لها، كما كان حقاً مشروعاً لكل الحركات القومية والشيوعية في السابق.

اعتبرت الأصولية الهزيمة اختباراً من الله لقوة إيمانها، وأنها "ساعة عسرة عابرة"، تاركةً أنصارها لعدمية وجودية وسياسية بلا قاع

ولفهم قدرة الأصولية على التعبئة تجدر العودة إلى الثمانينيات؛ حيث استطاعت بدرجات متفاوتة أن تضم ثلاث فئات اجتماعية: الشباب الحضري الفقير، النخبة المثقفة المضادة، البرجوازية الورعة (جيل كيبل 2000)، ولكلّ فئة منها مرجعيتها الاجتماعية وبرنامجها السياسي ومواردها الخاصة، ولكلّ منها فهمها الخاص للدولة الإسلامية، التي تعني عند الشباب الحضري الفقير كلّ ما هو محروم منه: الشغل والسكن والاحترام، أي العدالة الاجتماعية، فيما تعني التحكّم في دواليب الدولة بعد إزاحة السلطة الحاكمة عنها عند البرجوازية الورعة، أما النخبة المثقفة المضادة فوجودها رهين بإنتاجها للخطاب الإسلامي (كيبل).
وقد أثمر هذا التحدي عن سعي النظام التسلطي لتقوية نفسه بعد أن تجرّد من أي مصدر واضح للشرعية، ولم يكن أمامه سوى تعزيز سلطته بالأمن وحده، ومع تخليه عن أدواره الاجتماعية، لجأ إلى توسيع شبكة "المحاسيب" المستفيدين من الريوع الاقتصادية والسياسية، والسيطرة النسبية على المجتمع المدني، لاستئصال أيّة فرصة محتملة لمعارضة جذرية تتجاوز سقف الانفتاح السياسي المحكوم.

اقرأ أيضاً: عن أي نجاح في العلاقات الأمريكية- المصرية يدور الحديث في واشنطن؟
وعلى سبيل الرشوة المرضية للطرفين؛ عهدت الدولة ببعض وظائفها الاجتماعية للجمعيات الخيرية الإسلامية، التي خدمت بكفاءة، ودون قصد، برامج الإصلاح النيو ليبرالي بتعزيزها إستراتيجية، تخفيف حاجة السكان للدولة عبر تقديمها خدمات طبية وتعليمية، ودعم مالي، وغيره، وحصلت بذلك على الولاء السياسي لقطاعات معتبرة من السكان، مع امتياز التأثير الأيديولوجي عليهم، وهو ما وضع الأصولية في موقع الشدّ والجذب، خلال عقد التسعينيات، مع الدولة التي أرادت تقليم أظافرها من وقت لآخر دون المساس بمصادر قوتها.

جاء الربيع العربي كثمرة للتحالف المرحلي بين الشرعيتين: الأصولية والدستورية الليبرالية

فرقاء في الساحة نفسها

مثل أيّ نموذج اقتصادي لا يمكن السيطرة على مفاعيله الاجتماعية عزز النموذج الليبرالي في التنمية من فرص المجموعات الليبرالية في بداية العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، وهو ما مهّد لظهور نموذج جديد للشرعية السياسية، قوامها مطلبا الدستور والتمثيل السياسي.
آنذاك انطلق الاهتمام الكثيف بقضايا التحول الديموقراطي والسعي الحثيث لتجاوز أنظمة ما بعد الاستعمار، ونمت حركات اجتماعية، وشكل ما من أشكال المجتمع المدني، وغيرها من ظواهر وقضايا ما بعد انحسار اليسار (أو تسيّد النوليبرالية) عالمياً.

كأيّ نموذج اقتصادي لا يمكن السيطرة على مفاعيله الاجتماعية عزز النموذج الليبرالي في التنمية مطالبه في الدستور والتمثيل السياسي

وخلال هذه الفترة؛ نشأ حزبان ليبراليان: حزب الغد (عام 2004) بقيادة أيمن نور، وحزب الجبهة الديمقراطية (عام 2007) بقيادة أسامة الغزالي حرب، وهما الحزبان اللذان استقطبا مجموعة كبيرة من الناشطين الجدد، الذين ساهموا في تفجير وقيادة انتفاضة 25 يناير لاحقاً.
باختصار: تَشكّل نموذج جديد للشرعية السياسية، وأُضيف إلى شرعية الأمن القومي والشرعية الأصولية.
الأمر اللافت؛ هو أنّ الشرعيات المتباينة هذه لم تدخل في معركة صفرية بينها؛ بل تعايشت جنباً إلى جنب في ظرف الاستقرار السياسي، إلا أنّه جرى تفعيل إرث السبعينيات في الجامعة (العمل المشترك الجبهوي)، في مواجهة حكم الطوارئ.
جاء الربيع العربي كثمرة لهذا التحالف المرحلي بين الشرعيتين: الأصولية والدستورية الليبرالية؛ ففي تونس: خرج الليبراليون واليسار الديمقراطي، جنباً إلى جنب مع حركة النهضة الأصولية، وفي مصر: وجد أنصار الشرعية الأصولية في خروج الشباب إلى الشارع فرصة لا تُعوض لإزاحة شرعية الدولة القائمة، وفي سوريا: تكرّر الأمر، وسعى الليبراليون إلى دمج الأصولية (السياسية والجهادية) في مشروع الثورة، وقد كانت النتائج كارثية في هذه الحالة.

رهانات الشرعية والشريعة

من سوء حظ الأصولية؛ أنها وصلت إلى السلطة بعد ضمور النخبة المثقفة المضادة التي بات خطابها مستهلكاً إلى أبعد حدّ، خاصة أنها فقدت ألمع وجوها: عبد الوهاب المسيري، وعادل حسين، بينما خطا جلال أمين خطوة في اتجاه الدولة، وفقد طارق البشري كلّ طاقته السياسية، فلم يساهم إلا في حدود اختصاصه في صياغة التعديلات الدستورية التي خاضت الأصولية بموجبها الانتخابات؛ بل كان هجومه على الإخوان في أواخر عهدهم في السلطة بمثابة صدمة عنيفة لوعي الشرائح المتدينة، فلم تجد الأصولية، وهي في السلطة، أيّ سند فكري يبرّر ويدعم حكمها.

اقرأ أيضاً: مصر تحاكم خلية إرهابية.. هذه مخططاتها
لكنّ الخطر المحدق بالأصولية كان ينتظر في الجهة الأخرى، ويتمحور حول نشوء تيار سياسي ليبرالي فاعل في الشارع، وقادر على تغيير المعادلة السياسية، وإن لم يكن لمصلحته السياسية في كلّ الأحوال، وقد كان مجرد صعود هذا التيار إيذاناً باقتراب الهوية السلطوية من نهايتها التاريخية، وأفول آخر مشروع هوياتي مكتمل الأركان في مصر، لكن لأنّ الجماعة ربّت أجيالاً متعاقبة من أعضائها على الشعور بالتفرد على اعتبار أنهم حملة رسالة "ربانية" (وهي بديل مراوغ للحاكمية) تعطيهم حقوقاً خاصة، ومتقبلي وعدٍ إلهي بالنصر والتمكين، كان من الطبيعي أن تتعامل مع مثل هذا النوع من الأخطار باحتقار واستهانة.
اعتقدت الأصولية أنّ إزاحة الشرعيتين الليبرالية الدستورية وشرعية الأمن القومي، وسيطرة تصورها على المجال العام هو مفتاح "النهضة"، وحاولت وضع قواعد اللعبة السياسية بما يضمن وراثتها للهيكل السلطوي للدولة، وحقّ التعبير الحصري عن الثورة، ومن ثمّ هيمنتها على المجتمعَين: السياسي والمدني.

اقرأ أيضاً: أهو دا اللي صار.. أو هكذا اختطف السلفيون مصر
لم يكن ذلك محض خطأ إستراتيجي يمكن تنبيهها إليه؛ بل كان مرتبطاً بجوهر الأصولية نفسها، الذي تسكنه أوهام التعبير عن هوية "الشعب المتدين بطبعه"، الراغب في تطبيق الشريعة، لولا حيلولة الفاسدين و"أذناب الاستعمار" من العلمانيين دون ذلك.
وكما هو متوقع من أيّ مشروع هوياتي في السلطة؛ افترضت الأصولية الظافرة أنّ السكان عبارة عن كيان ثقافي كبير، ومُخترَق (عبر الغزو الفكري)، وأنها مجرد تعبير عن صادق وحي عن هوية "الأمة"، ولها حقّ توجيه المجالين السياسي والثقافي دون حدّ، مع استعمال أجهزة الدولة الأيديولوجية في تطهير الثقافة من رجس العلمانية، وخلق جيل جديد مُفصل تماماً على مقاس "الدعوة" (قاتل الإخوان بمجرد وصولهم إلى السلطة في سبيل الحصول على وزارات الإعلام، وهي علامة على شمولية الحكم، والتعليم والثقافة، في وقت تساهلت فيه مع أمر الوزارات السيادية، معتبرةً ذلك نوعاً من البراغماتية المفيدة).

اقرأ أيضاً: ما مصير الإخوان الذين احتجزتهم تركيا لترحيلهم إلى مصر؟
في طبيعة الحال؛ لا تؤسس مثل هذه التصورات دولة مهما كان حجم تأييدها في الشارع، وإنما تنشط فقط في إطار دولة قائمة سواء أكانت دولة قانون أم أمن قومي. إلا أنّ مجرد ارتقائها سلم الهرم السياسي استفز أنصار الشرعية الدستورية، الذين رأوا دولة دينية تتشكل ببطء أمام أعينهم، ولأنّ كلّ احتكام إلى آليات الديمقراطية يعني، في ظل الهشاشة الاجتماعية للأيديولوجيا الليبرالية، تعزيز فرص الأصولية مجدداً، فلم يكن أمام شرعية الدستور المثالية إلا التواضع والتحالف مع شرعية الدولة الموروثة.

كان الإنجاز الأكبر للأصولية؛ أنّها أفسحت المجال على مصراعيه لقوة أساسية أخرى للدفاع عن الدولة بلغة هوياتية أيضاً، لكنها هوية الدولة المصرية هذه المرة، لكن على عكس كلّ ضجيج الشرعية والشريعة ومشروع النهضة الغامض؛ مثّل الجيش (محور جهاز الدولة) قوة حقيقية مدعومة من القطاعات الأساسية في المجتمع، وليس مجرد مشروع ثقافي غامض للأمة المتخيلة.

اقرأ أيضاً: هكذا استثمر "الإخوان" بالتدين الشعبي لدى فلاحي مصر
تصورت الأصولية أنّ قدسية الفكرة الدينية، وسموّ شعار تطبيق الشريعة، كفيلان بالتفاف الأمة حولها، وضامنان لنجاحها وتحقيق حلمها القديم المتجدد في بعث واستعادة هوية الأمة، الضائعة حيناً والثابتة حيناً، بحسب الموقف.
لكن سرعان ما تكشفت الأوهام الكبرى مع أول مواجهة أثبتت عجز الأصولية السياسي، وحتى اللعبة المفضلة في الحشد والتعبئة لم تعد تجدي؛ فمعركة السيطرة على السلطة تحتاج إلى قوى اجتماعية متماسكة ومحددة، وتختلف تماماً عن لعبة الضغط على السلطة لتحصيل مكسب أو آخر، وهو شيء يناسب جمهور الأصولية من الطلاب والخريجين الجدد وبعض متعلمي الريف.
كانت الهزيمة السريعة والشاملة والساحقة تتويجاً، بكامل الاستحقاق، لمزيج من الفقر السياسي والتشوه الأيديولوجي، ولوضع هذا السراب الهوياتي في ذاته، واعتبرت الأصولية الهزيمة اختباراً من الله لقوة إيمانها، واعتبرتها "ساعة عسرة عابرة"، تاركةً أنصارها في عدمية وجودية وسياسية بلا قاع.

الصفحة الرئيسية