الجهاديات.. هكذا تغير دور المرأة في صفوف التنظيمات المتطرفة

3040
عدد القراءات

2019-05-05

تطورت عملية التوظيف الجهادي للمرأة في التنظيمات المتطرفة، وأهمّها القاعدة، من العمل في الخطوط الخلفية للقتال كتجهيز الأسلحة وإعداد الطعام للمقاتلين، وتمريض المصابين، ونشر الفكر الجهادي، وتجنيد عناصر جديدة، إلى اشتراكها بالفعل في العمليات القتالية كمقاتلة أو انتحارية، هذا فضلاً عن الاستغلال الجسدي للمرأة في تلك الحركات.

تطورت عملية توظيف المرأة في التنظيمات المتطرفة من العمل في الخطوط الخلفية للقتال إلى اشتراكها بالفعل في العمليات القتالية

لخّص، زعيم تنظيم القاعدة الحالي، أيمن الظواهري، دور المرأة من قبل، وأكّد أنّه لا مكان للمرأة داخل التنظيم، خاصة ميدانياً؛ لأنّ لها مهام في الصفوف الخلفية ومهام تقليدية لا غير، وتأكيداً لهذا الدور خلال هذه الفترة، تحدثت سميرة عواطلة، زوجة الشيخ عبدالله عزام، أحد أقطاب "الجهاد" في أفغانستان، في تصريحات صحفية سابقة، عن الأدوار التقليدية للمرأة خلال فترة التسعينيات، باعتبارهن زوجات للمجاهدين يقمن بدور المساندة والتربية والرعاية، كما قامت بعض النساء بأعمال إغاثية، مثل: توزيع المساعدات على مستشفيات النساء في مدينة بيشاور بباكستان، وكفالة الأيتام، وإنشاء معامل الخياطة، وتنظيم بعض الدروس والحلقات للأخوات العربيات والأفغانيات.

 أيمن الظواهري

وكانت من رواد هذا التيار؛ أميمة حسن، زوجة زعيم تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري، التي أوضحت في رسالتها إلى "الأخوات المسلمات"، عام 2009؛ أنّ الجهاد "فرض عين على كلّ مسلم ومسلمة، لكنّ طريق القتال ليس سهلاً بالنسبة إلى المرأة؛ فهو يحتاج إلى محْرم؛ لأنّ المرأة يجب أن يكون معها محرم في ذهابها وإيابها، وقالت علينا أن ننصر ديننا بطرق كثيرة، فنضع أنفسنا في خدمة المجاهدين، وما يطلبونه منا ننفذه، سواء إعانة بالمال، أو خدمة لهم، أو إمداد بمعلومات، أو رأي، أو مشاركة في قتال، أو حتى بعمل استشهادي، دورنا الأساسي، يتركز على أن نحفظ المجاهدين في أولادهم وبيوتهم وأسرارهم، وأن نعينهم على حسن تربية أبنائهم".

اقرأ أيضاً: الظواهري يفتح النار على حركة النهضة وجماعة الإخوان

وفي سياق متصل،  قالت سميرة عواطلة الملقبة بـ"أم المجاهدات في بيشاور": "كلّ من ذهب للجهاد الأفغاني كانت زوجته معه، وكانوا يتركون العوائل في بيشاور، وكنا جميعاً كعائلة واحدة، وكانوا ينظرون لي كأم لهنّ، وكان هناك تنسيق مباشر مع زوجات المجاهدين".

الزرقاوي والسياسة الجديدة

لقد تطور دور المرأة بعد مرحلة أفغانستان، وذلك خلال فترة الاحتلال الأمريكي للعراق، وتحديداً عام 2004، مع تأسيس أبي مصعب الزرقاوي فرع القاعدة في العراق؛ حيث عمل على إدماج المرأة في الأعمال القتالية وغير القتالية، متأثراً، خلال تلك الفترة، بخطاب سامر سويلم، القائد السعودي للجهاديين العرب في أفغانستان، والذي دعا لمشاركة المرأة في الأعمال القتاليَّة في الشيشان.

 أبو مصعب الزرقاوي

بدأ الزرقاوي سياسة جديدة، ووقع الانقلاب في تنظيم القاعدة؛ حيث دعا لاستخدام الانتحاريات؛ لأنّ المرأة ووسائل تجنيدها أقل تكلفة من تجنيد الرجل، والمرأة أكثر فداحة من حيث النتائج، في ظلّ خصوصيتها وسهولة تحركها وتخفّيها، بسبب ثقافة وعادات المجتمعات العربية، والتي تجد فيها المرأة من الإمكانات والخيارات للوصول بها إلى الأهداف أكثر من الرجل، وأكّد هذا الأمر في خطابه المشهور، بعنوان "أينقص الدين وأنا حي؟!"، بتاريخ حزيران (يوليو) 2005، والذي صرخ فيه محرضاً: "هذه رسالة إلى الحرائر من نساء الرافدين خاصة، وإلى نساء الأمة عامة أين أنتن من هذا الجهاد المبارك؟ وماذا قدمتن لهذه الأمة؟ ألا تتقين الله في أنفسكن؟ أتُربين أولادكن ليذبحوا على موائد الطواغيت؟ أرضيتن بالخنوع والقعود عن هذا الجهاد؟".

اقرأ أيضاً: الظواهري يدافع عن الإخوان المسلمين

سار على درب الزرقاوي، يوسف بن صالح العييري، مؤسس الفرع السعودي في تنظيم القاعدة، الذي عرف باسم "جماعة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب"، في كتابه "دور النساء في جهاد الأعداء"؛ حيث تحدّث عن أم عمر المكية، تلك العجوز التي أرسلت ابنها للمشاركة في القتال بأفغانستان.

كتاب  "دور النساء في جهاد الأعداء"

وأسند العييري أدواراً لوجستيّة للمرأة مثل الإعلام وجمع التبرعات، وأسس "المكتب الإعلامي النسوي بجزيرة العرب"، والذي قام بإصدار مجلة "الخنساء"، وهي أول مجلة إلكترونية جهادية نسوية؛ حيث قامت المجلة بتقديم أدبيات تنظّر لانخراط المرأة في الجهاد.

اقرأ أيضاً: التقليد الديني.. الجهاديات والتطرف

سار على الدرب ذاتهّ، لاحقاً، أبو عمر البغدادي، الذي تولى زعامة تنظيم القاعدة في العراق عقب مقتل الزرقاوي، عام 2006، وتم الإعلان عن أول "كتيبة استشهادية" في العراق، عُرفت باسم كتيبة "الخنساء"، وضمت عشرات الانتحاريات خلال الفترة من 2007 وحتى 2009، كما تشكلت كتيبة أخرى للانتحاريات في منتصف 2008، على يد "أم سلمة"، زوجة "أبو عبيدة الراوي"، زعيم تنظيم القاعدة في شمال العراق، ونفذت كتيبتها عمليات في ديالى وبغداد.

أسند العييري أدواراً لوجستيّة للمرأة مثل الإعلام وجمع التبرعات

وفي حوار نشره موقع "السكينة"، المختص بمواجهة التطرف، لمن تكنّى بـ"أم سلمة": وصفت نفسها بقائدة مجاهدات القاعدة، أكدت فيه دور المرأة في الجهاد الأفغاني، ومقاتلة النساء إلى جانب الرجال، قائلة: "نعم هناك مجاهدات على أرض الواقع في أفغانستان، يقاتلن القوات الصليبية الكافرة المعتدية، وسطرن الكثير من الملاحم البطولية التي أفتخر بها كمسلمة، فعلى سبيل المثال، وليس الحصر، ما حصل لفتاة أراد خمسة من قوات الصليب أسرها، بعد أن وجدوها بمفردها، ففجرت نفسها بهم من خلال الحزام الناسف الذي كانت (تتزنر) به على وسطها، وهناك أيضاً أدوار أخرى تقوم بها النساء في أفغانستان بنقل الرسائل والتحذيرات بين القادة، وتهيئة أماكن يختبئ فيها المجاهدون أثناء العمليات".

مخاطبات الجناح النسوي

من خلال زاوية "حفيدات أم عمارة"، في مجلة "صدى الملاحم"، خاطب تنظيم القاعدة الجناح النسوي، وهي أولى المجلات الإعلامية لـ"القاعدة"، إلى أن جاءت مجلة "الخنساء"؛ التي كانت مخصصة للنساء بالكامل، وكانت مشرفتها "أم أسامة"، وهي سيدة مصرية اعتقلتها السلطات السعودية لنشاطها في الذراع الإعلامية النسائية للتنظيم؛ حيث اعترفت بأنها مسؤولة تحرير المجلة الإلكترونية المتطرفة، التي صدرت عام 2004، ولم يصدر منها أكثر من عددين.

أصدرت حركة "طالبان" مجلة "طريق الخولة"، من أجل اجتذاب مجندات محتملات

كانت مجلة "صدى الملاحم" شهرية، تصدر عن "المكتب الإعلامي النسوي بجزيرة العرب"، ومنذ الوهلة الأولى ترفع الشعار "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب".

تم الإعلان عن أول كتيبة استشهادية في العراق عُرفت باسم الخنساء وضمت عشرات الانتحاريات خلال الفترة من 2007 وحتى 2009

أما "الخنساء"؛ فهي مجلة إلكترونية "جهادية" مخصصة للنساء، ومهداة إلى "شهداء" تنظيم القاعدة في المملكة العربية السعودية: "نطمح أن نؤدي مهمتنا الأساسية وهي تقديم الأسود للساحات ندفعهم كما الخنساء".
حملت أعداد "الخنساء" شعارات وعناوين، مثل: "سنقف في أرض المعركة بعباءاتنا وحُجبنا، حاملات بأيدينا السلاح والأطفال"، وأخرى مثل: "كيف تصنع قنبلة في مطبخ والدتك؟".

كما أصدر القاعدة من المجلة الإلكترونية "معسكر البتار" حوالي 20 عدداً، وكان من ضمن مؤسسيها عبدالعزيز المقرن، الزعيم السابق لـ"تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية"، وكانت زاوية "المعسكر النسوي" تتطرق إلى أمور عسكرية تخصّ حريم التنظيم، على سبيل المثال: "الإعداد البدني للجهاد"، والدرس الأول هو تقوية الساعدين لكن دون تقديم أي صور أو تجسيد للتمارين.

كما خصصت المجلة زاوية أخرى لـ"دروس في الإسعافات الأولية" وتطلب من النساء "المجاهدات" أن يتزودن باستمرار بصندوق لمعدات الإسعافات الأولية، يتضمن إضافة إلى المعدات المتعارف عليها "عسلاً طبيعياً وماء زمزم" للبركة.

 

 

في العامين الأخيرين أيضاً؛ أصدر القاعدة من سوريا مجلة "بيتك"؛ التي كانت افتتاحيتها تتحدث عن كيفية استقبال الفتاة لزوجها المجاهد: "استقبلي زوجك بابتسامة عندما يأتي، وودعيه بابتسامة عندما يذهب"!.

لقد تطور دور المرأة بعد مرحلة أفغانستان وذلك خلال فترة الاحتلال الأمريكي للعراق وتحديداً عام 2004

كما أصدر القاعدة مجلة "الأسيرات"، وقال في مقدمتها: هي "مجلة دورية تعنى بأمور الأسيرات المسلمات في شتى بقاع الأرض، وهي هدية لكلّ من ذاقت طعم الأسر والقهر ومرارة الألم، وتحريض لكلّ من عرف طريق العزة والإباء".
قالت مجلة "إيكونومست" البريطانية: إنّ "القاعدة" أصدر المجلة الجديدة في شهر كانون الأول (ديسمبر) عام 2017، وعلى ما يبدو؛ فإنّ التنظيم المتشدد "ضاق ذرعاً" بالطريقة التي مكنت بها تنظيمات جهادية أخرى النساء ضمنها، مثل تنظيم داعش، على سبيل المثال، وتعمل في إصدارها الجديد لدعوة النساء إلى ملازمة منازلهنّ، ولعب دور الزوجات المطيعات لا غير (بحسب تعاليم الإسلام)، كي تجعل من المنزل "جنة للرجل"، وهو الخط الذي حملته مجلة "الشامخة" النسائية.
وأصدرت حركة "طالبان" مجلة "طريق الخولة"، من أجل اجتذاب مجندات محتملات، وتضمن العدد الأول من المجلة مقابلة مع زوجة أحد زعماء "طالبان" فضل الله الخراساني.
على خلاف "طريق الخولة"، لم تحتوِ مجلة "بيتك" نساءً يحملن البنادق، بل على صور بيوت مزينة بالأرائك الفاخرة وأطباق أنيقة، ورسالة حبّ مزينة بأجنحة ملائكية، وقلوب زهرية من "أم عبدالله لزوجها"، وهو جهادي لم يكشف عن اسمه، إضافة إلى عمود لحلّ مشكلات الزوجات المصابات بالإحباط تقدمه امرأة خبيرة.

اقرأ أيضاً: الجهاديات في تونس

إضافة إلى هذه الحالة التنافسية في المجلات؛ فإن تنظيم "القاعدة" أدار مجموعة من المعاهد لنشر التعليم المنزلي، من أبرزها: مراكز "بنات الإسلام"، التابعة لـ"هيئة تحرير الشام"، الفرع السوري من تنظيم "القاعدة"، والتي أعلنت عن برامجها عبر لوحات إعلانية زهرية اللون في المناطق الخاضعة لسيطرتها في محافظة إدلب السورية، والتي تضمّ المجلة صوراً لها أيضاً.

 

 

 

النموذج التفسيريّ

بدا من الاستخدام الجهادي النسوي، أو المخاطبات الجهادية النسوية؛ أنّ النساء في تنظيم القاعدة انقسمن إلى ثلاث فئات:

الأولى: زوجات أُرغِمْنَ دون اختيار على الخضوع والتسليم لأزواجهن القيادات في التنظيم.

اقرأ أيضاً: النساء الجهاديات: المرأة صانعة للإرهاب أم ضحية له؟

والثانية: المقتنعات بالفكر المتطرف ممن سعين اختياراً للانتماء للتنظيم، ونشر أفكاره، مثل: أسماء البخاري (زعيمة مجموعة "شباو" الإرهابية) التي نسيت مشاعر الأمومة، وجازفت بحياة طفليها، ورفضت الاستسلام وتبادلت إطلاق النار مع قوات الأمن؛ بل كفّرت زوجها وقائد المجموعة، وأصرت على القتال إلى آخر رصاصة.

والثالثة: المتعاطفات والمتحمسات للتنظيم وأفكاره، وكلّ هذه الصنوف أظهرت تحول دور النسوة في التنظيمات المتطرفة كمجاهدات افتراضيات، عبر ساحات المنتديات ومواقع التواصل الاجتماعي، إلى مقاتلات بأحزمة ناسفة وانتحاريات على دكة الاحتياط.

 

 

تؤكّد تحولات القاعدة في استخدام المرأة بدءاً من مرحلة الزرقاوي إلى أنّ هناك انحداراً في مفاهيم الأنوثة، كما ترتب على مشاركة النساء في الجهاد المسلح سواء فرادى أو جماعات العديد من الأمور مثل تراجع دور الفتاوى المحرمة لاشتراك المرأة في الجهاد المسلح، واكتساب المرأة أدواراً وواجبات أخرى تقوم بها، بالإضافة إلى أدوارها وواجباتها التقليدية مثل العمل في المنزل وخدمة الزوج وتربية الأبناء، وإضفاء البعد الروحي والديني على الجهاد النسائي، لتخرج أمثلة على امرأة مطالبة بالجهاد المسلح عن المسلمين في شتى بقاع الأرض، وأنها يجب أن تبتغى إحدى الحسنيين النصر أو الشهادة، نموذج "أم الرباب"، أو هيلة القصير التي عُرِفَت بـ"سيدة القاعدة"، وجمعت التمويل للشبكة المتطرفة.

وكذلك وجود فئتين من الجهاديات المسلمات، وهما: المرغمة والمتطوعة، فالمرغمة هي من أجبرت من قبل أسرتها، أو زوجها، على الالتحاق بمثل تلك الجماعات، أما المتطوعة؛ فهي المؤمنة بأفكار التنظيم وأطروحاته وتعمل على نشرها والترويج لها.

 

اقرأ المزيد...

الوسوم:



الجهاديات.. هكذا تغير دور المرأة في صفوف التنظيمات المتطرفة

عدد القراءات

2019-05-05

تطورت عملية التوظيف الجهادي للمرأة في التنظيمات المتطرفة، وأهمّها القاعدة، من العمل في الخطوط الخلفية للقتال كتجهيز الأسلحة وإعداد الطعام للمقاتلين، وتمريض المصابين، ونشر الفكر الجهادي، وتجنيد عناصر جديدة، إلى اشتراكها بالفعل في العمليات القتالية كمقاتلة أو انتحارية، هذا فضلاً عن الاستغلال الجسدي للمرأة في تلك الحركات.

تطورت عملية توظيف المرأة في التنظيمات المتطرفة من العمل في الخطوط الخلفية للقتال إلى اشتراكها بالفعل في العمليات القتالية

لخّص، زعيم تنظيم القاعدة الحالي، أيمن الظواهري، دور المرأة من قبل، وأكّد أنّه لا مكان للمرأة داخل التنظيم، خاصة ميدانياً؛ لأنّ لها مهام في الصفوف الخلفية ومهام تقليدية لا غير، وتأكيداً لهذا الدور خلال هذه الفترة، تحدثت سميرة عواطلة، زوجة الشيخ عبدالله عزام، أحد أقطاب "الجهاد" في أفغانستان، في تصريحات صحفية سابقة، عن الأدوار التقليدية للمرأة خلال فترة التسعينيات، باعتبارهن زوجات للمجاهدين يقمن بدور المساندة والتربية والرعاية، كما قامت بعض النساء بأعمال إغاثية، مثل: توزيع المساعدات على مستشفيات النساء في مدينة بيشاور بباكستان، وكفالة الأيتام، وإنشاء معامل الخياطة، وتنظيم بعض الدروس والحلقات للأخوات العربيات والأفغانيات.

 أيمن الظواهري

وكانت من رواد هذا التيار؛ أميمة حسن، زوجة زعيم تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري، التي أوضحت في رسالتها إلى "الأخوات المسلمات"، عام 2009؛ أنّ الجهاد "فرض عين على كلّ مسلم ومسلمة، لكنّ طريق القتال ليس سهلاً بالنسبة إلى المرأة؛ فهو يحتاج إلى محْرم؛ لأنّ المرأة يجب أن يكون معها محرم في ذهابها وإيابها، وقالت علينا أن ننصر ديننا بطرق كثيرة، فنضع أنفسنا في خدمة المجاهدين، وما يطلبونه منا ننفذه، سواء إعانة بالمال، أو خدمة لهم، أو إمداد بمعلومات، أو رأي، أو مشاركة في قتال، أو حتى بعمل استشهادي، دورنا الأساسي، يتركز على أن نحفظ المجاهدين في أولادهم وبيوتهم وأسرارهم، وأن نعينهم على حسن تربية أبنائهم".

اقرأ أيضاً: الظواهري يفتح النار على حركة النهضة وجماعة الإخوان

وفي سياق متصل،  قالت سميرة عواطلة الملقبة بـ"أم المجاهدات في بيشاور": "كلّ من ذهب للجهاد الأفغاني كانت زوجته معه، وكانوا يتركون العوائل في بيشاور، وكنا جميعاً كعائلة واحدة، وكانوا ينظرون لي كأم لهنّ، وكان هناك تنسيق مباشر مع زوجات المجاهدين".

الزرقاوي والسياسة الجديدة

لقد تطور دور المرأة بعد مرحلة أفغانستان، وذلك خلال فترة الاحتلال الأمريكي للعراق، وتحديداً عام 2004، مع تأسيس أبي مصعب الزرقاوي فرع القاعدة في العراق؛ حيث عمل على إدماج المرأة في الأعمال القتالية وغير القتالية، متأثراً، خلال تلك الفترة، بخطاب سامر سويلم، القائد السعودي للجهاديين العرب في أفغانستان، والذي دعا لمشاركة المرأة في الأعمال القتاليَّة في الشيشان.

 أبو مصعب الزرقاوي

بدأ الزرقاوي سياسة جديدة، ووقع الانقلاب في تنظيم القاعدة؛ حيث دعا لاستخدام الانتحاريات؛ لأنّ المرأة ووسائل تجنيدها أقل تكلفة من تجنيد الرجل، والمرأة أكثر فداحة من حيث النتائج، في ظلّ خصوصيتها وسهولة تحركها وتخفّيها، بسبب ثقافة وعادات المجتمعات العربية، والتي تجد فيها المرأة من الإمكانات والخيارات للوصول بها إلى الأهداف أكثر من الرجل، وأكّد هذا الأمر في خطابه المشهور، بعنوان "أينقص الدين وأنا حي؟!"، بتاريخ حزيران (يوليو) 2005، والذي صرخ فيه محرضاً: "هذه رسالة إلى الحرائر من نساء الرافدين خاصة، وإلى نساء الأمة عامة أين أنتن من هذا الجهاد المبارك؟ وماذا قدمتن لهذه الأمة؟ ألا تتقين الله في أنفسكن؟ أتُربين أولادكن ليذبحوا على موائد الطواغيت؟ أرضيتن بالخنوع والقعود عن هذا الجهاد؟".

اقرأ أيضاً: الظواهري يدافع عن الإخوان المسلمين

سار على درب الزرقاوي، يوسف بن صالح العييري، مؤسس الفرع السعودي في تنظيم القاعدة، الذي عرف باسم "جماعة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب"، في كتابه "دور النساء في جهاد الأعداء"؛ حيث تحدّث عن أم عمر المكية، تلك العجوز التي أرسلت ابنها للمشاركة في القتال بأفغانستان.

كتاب  "دور النساء في جهاد الأعداء"

وأسند العييري أدواراً لوجستيّة للمرأة مثل الإعلام وجمع التبرعات، وأسس "المكتب الإعلامي النسوي بجزيرة العرب"، والذي قام بإصدار مجلة "الخنساء"، وهي أول مجلة إلكترونية جهادية نسوية؛ حيث قامت المجلة بتقديم أدبيات تنظّر لانخراط المرأة في الجهاد.

اقرأ أيضاً: التقليد الديني.. الجهاديات والتطرف

سار على الدرب ذاتهّ، لاحقاً، أبو عمر البغدادي، الذي تولى زعامة تنظيم القاعدة في العراق عقب مقتل الزرقاوي، عام 2006، وتم الإعلان عن أول "كتيبة استشهادية" في العراق، عُرفت باسم كتيبة "الخنساء"، وضمت عشرات الانتحاريات خلال الفترة من 2007 وحتى 2009، كما تشكلت كتيبة أخرى للانتحاريات في منتصف 2008، على يد "أم سلمة"، زوجة "أبو عبيدة الراوي"، زعيم تنظيم القاعدة في شمال العراق، ونفذت كتيبتها عمليات في ديالى وبغداد.

أسند العييري أدواراً لوجستيّة للمرأة مثل الإعلام وجمع التبرعات

وفي حوار نشره موقع "السكينة"، المختص بمواجهة التطرف، لمن تكنّى بـ"أم سلمة": وصفت نفسها بقائدة مجاهدات القاعدة، أكدت فيه دور المرأة في الجهاد الأفغاني، ومقاتلة النساء إلى جانب الرجال، قائلة: "نعم هناك مجاهدات على أرض الواقع في أفغانستان، يقاتلن القوات الصليبية الكافرة المعتدية، وسطرن الكثير من الملاحم البطولية التي أفتخر بها كمسلمة، فعلى سبيل المثال، وليس الحصر، ما حصل لفتاة أراد خمسة من قوات الصليب أسرها، بعد أن وجدوها بمفردها، ففجرت نفسها بهم من خلال الحزام الناسف الذي كانت (تتزنر) به على وسطها، وهناك أيضاً أدوار أخرى تقوم بها النساء في أفغانستان بنقل الرسائل والتحذيرات بين القادة، وتهيئة أماكن يختبئ فيها المجاهدون أثناء العمليات".

مخاطبات الجناح النسوي

من خلال زاوية "حفيدات أم عمارة"، في مجلة "صدى الملاحم"، خاطب تنظيم القاعدة الجناح النسوي، وهي أولى المجلات الإعلامية لـ"القاعدة"، إلى أن جاءت مجلة "الخنساء"؛ التي كانت مخصصة للنساء بالكامل، وكانت مشرفتها "أم أسامة"، وهي سيدة مصرية اعتقلتها السلطات السعودية لنشاطها في الذراع الإعلامية النسائية للتنظيم؛ حيث اعترفت بأنها مسؤولة تحرير المجلة الإلكترونية المتطرفة، التي صدرت عام 2004، ولم يصدر منها أكثر من عددين.

أصدرت حركة "طالبان" مجلة "طريق الخولة"، من أجل اجتذاب مجندات محتملات

كانت مجلة "صدى الملاحم" شهرية، تصدر عن "المكتب الإعلامي النسوي بجزيرة العرب"، ومنذ الوهلة الأولى ترفع الشعار "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب".

تم الإعلان عن أول كتيبة استشهادية في العراق عُرفت باسم الخنساء وضمت عشرات الانتحاريات خلال الفترة من 2007 وحتى 2009

أما "الخنساء"؛ فهي مجلة إلكترونية "جهادية" مخصصة للنساء، ومهداة إلى "شهداء" تنظيم القاعدة في المملكة العربية السعودية: "نطمح أن نؤدي مهمتنا الأساسية وهي تقديم الأسود للساحات ندفعهم كما الخنساء".
حملت أعداد "الخنساء" شعارات وعناوين، مثل: "سنقف في أرض المعركة بعباءاتنا وحُجبنا، حاملات بأيدينا السلاح والأطفال"، وأخرى مثل: "كيف تصنع قنبلة في مطبخ والدتك؟".

كما أصدر القاعدة من المجلة الإلكترونية "معسكر البتار" حوالي 20 عدداً، وكان من ضمن مؤسسيها عبدالعزيز المقرن، الزعيم السابق لـ"تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية"، وكانت زاوية "المعسكر النسوي" تتطرق إلى أمور عسكرية تخصّ حريم التنظيم، على سبيل المثال: "الإعداد البدني للجهاد"، والدرس الأول هو تقوية الساعدين لكن دون تقديم أي صور أو تجسيد للتمارين.

كما خصصت المجلة زاوية أخرى لـ"دروس في الإسعافات الأولية" وتطلب من النساء "المجاهدات" أن يتزودن باستمرار بصندوق لمعدات الإسعافات الأولية، يتضمن إضافة إلى المعدات المتعارف عليها "عسلاً طبيعياً وماء زمزم" للبركة.

 

 

في العامين الأخيرين أيضاً؛ أصدر القاعدة من سوريا مجلة "بيتك"؛ التي كانت افتتاحيتها تتحدث عن كيفية استقبال الفتاة لزوجها المجاهد: "استقبلي زوجك بابتسامة عندما يأتي، وودعيه بابتسامة عندما يذهب"!.

لقد تطور دور المرأة بعد مرحلة أفغانستان وذلك خلال فترة الاحتلال الأمريكي للعراق وتحديداً عام 2004

كما أصدر القاعدة مجلة "الأسيرات"، وقال في مقدمتها: هي "مجلة دورية تعنى بأمور الأسيرات المسلمات في شتى بقاع الأرض، وهي هدية لكلّ من ذاقت طعم الأسر والقهر ومرارة الألم، وتحريض لكلّ من عرف طريق العزة والإباء".
قالت مجلة "إيكونومست" البريطانية: إنّ "القاعدة" أصدر المجلة الجديدة في شهر كانون الأول (ديسمبر) عام 2017، وعلى ما يبدو؛ فإنّ التنظيم المتشدد "ضاق ذرعاً" بالطريقة التي مكنت بها تنظيمات جهادية أخرى النساء ضمنها، مثل تنظيم داعش، على سبيل المثال، وتعمل في إصدارها الجديد لدعوة النساء إلى ملازمة منازلهنّ، ولعب دور الزوجات المطيعات لا غير (بحسب تعاليم الإسلام)، كي تجعل من المنزل "جنة للرجل"، وهو الخط الذي حملته مجلة "الشامخة" النسائية.
وأصدرت حركة "طالبان" مجلة "طريق الخولة"، من أجل اجتذاب مجندات محتملات، وتضمن العدد الأول من المجلة مقابلة مع زوجة أحد زعماء "طالبان" فضل الله الخراساني.
على خلاف "طريق الخولة"، لم تحتوِ مجلة "بيتك" نساءً يحملن البنادق، بل على صور بيوت مزينة بالأرائك الفاخرة وأطباق أنيقة، ورسالة حبّ مزينة بأجنحة ملائكية، وقلوب زهرية من "أم عبدالله لزوجها"، وهو جهادي لم يكشف عن اسمه، إضافة إلى عمود لحلّ مشكلات الزوجات المصابات بالإحباط تقدمه امرأة خبيرة.

اقرأ أيضاً: الجهاديات في تونس

إضافة إلى هذه الحالة التنافسية في المجلات؛ فإن تنظيم "القاعدة" أدار مجموعة من المعاهد لنشر التعليم المنزلي، من أبرزها: مراكز "بنات الإسلام"، التابعة لـ"هيئة تحرير الشام"، الفرع السوري من تنظيم "القاعدة"، والتي أعلنت عن برامجها عبر لوحات إعلانية زهرية اللون في المناطق الخاضعة لسيطرتها في محافظة إدلب السورية، والتي تضمّ المجلة صوراً لها أيضاً.

 

 

 

النموذج التفسيريّ

بدا من الاستخدام الجهادي النسوي، أو المخاطبات الجهادية النسوية؛ أنّ النساء في تنظيم القاعدة انقسمن إلى ثلاث فئات:

الأولى: زوجات أُرغِمْنَ دون اختيار على الخضوع والتسليم لأزواجهن القيادات في التنظيم.

اقرأ أيضاً: النساء الجهاديات: المرأة صانعة للإرهاب أم ضحية له؟

والثانية: المقتنعات بالفكر المتطرف ممن سعين اختياراً للانتماء للتنظيم، ونشر أفكاره، مثل: أسماء البخاري (زعيمة مجموعة "شباو" الإرهابية) التي نسيت مشاعر الأمومة، وجازفت بحياة طفليها، ورفضت الاستسلام وتبادلت إطلاق النار مع قوات الأمن؛ بل كفّرت زوجها وقائد المجموعة، وأصرت على القتال إلى آخر رصاصة.

والثالثة: المتعاطفات والمتحمسات للتنظيم وأفكاره، وكلّ هذه الصنوف أظهرت تحول دور النسوة في التنظيمات المتطرفة كمجاهدات افتراضيات، عبر ساحات المنتديات ومواقع التواصل الاجتماعي، إلى مقاتلات بأحزمة ناسفة وانتحاريات على دكة الاحتياط.

 

 

تؤكّد تحولات القاعدة في استخدام المرأة بدءاً من مرحلة الزرقاوي إلى أنّ هناك انحداراً في مفاهيم الأنوثة، كما ترتب على مشاركة النساء في الجهاد المسلح سواء فرادى أو جماعات العديد من الأمور مثل تراجع دور الفتاوى المحرمة لاشتراك المرأة في الجهاد المسلح، واكتساب المرأة أدواراً وواجبات أخرى تقوم بها، بالإضافة إلى أدوارها وواجباتها التقليدية مثل العمل في المنزل وخدمة الزوج وتربية الأبناء، وإضفاء البعد الروحي والديني على الجهاد النسائي، لتخرج أمثلة على امرأة مطالبة بالجهاد المسلح عن المسلمين في شتى بقاع الأرض، وأنها يجب أن تبتغى إحدى الحسنيين النصر أو الشهادة، نموذج "أم الرباب"، أو هيلة القصير التي عُرِفَت بـ"سيدة القاعدة"، وجمعت التمويل للشبكة المتطرفة.

وكذلك وجود فئتين من الجهاديات المسلمات، وهما: المرغمة والمتطوعة، فالمرغمة هي من أجبرت من قبل أسرتها، أو زوجها، على الالتحاق بمثل تلك الجماعات، أما المتطوعة؛ فهي المؤمنة بأفكار التنظيم وأطروحاته وتعمل على نشرها والترويج لها.