مهرجان مكناس لآلة القانون يعيد للموسيقى مجدها العريق

كان بوسع مدينة مكناس المغربية أن تكون كسولة، وأن تركن لمجد مضى، وما يزال ماثلاً حتى اللحظة في معالم تاريخية؛ كباب المنصور، وساحة الهديم، وأسوار المدينة، وإرث ضارب في القدم تاريخياً وحضارياً، غير أنها لا تنفكّ تثابر لتجد لها موطئ قدم في مزيد من الحقول، هذه المرة؛ في حقل العزف على آلة القانون، فباتت تغذّ الخطى وتواظب على تكريس صبغة "عاصمة" آلة القانون، مغربياً وعربياً وعالمياً.

التاريخ الغني الذي تعاقب على المغرب، وثراؤها بالطبيعة الخلابة وبالطرق الصوفية أسهم في صناعة حالة متفردة عالمياً

أنّى ولّيت وجهك في مكناس، وجدتَ لمسات صوفية وإسماعيلية وأندلسية، وأنّى ولّيت وجهك في فترة انعقاد مهرجان مكناس لآلة القانون، ستجد هذا كلّه، إلى جانب الألحان التي لا تكاد تتوقف في كواليس التدريب وبهو الفندق والساحات العامة، وثمّة جنود يواظبون على تكريس هذا كله؛ أولهم شيخ الطريقة القانونية، إن جاز التعبير، مولاي إدريس الشاهدي الوزاني، وثانيهما يوسف مدني علوي، ومولاي إدريس الزيداني وغيرهما من رفاق لا يتوانون لحظة عن دورهم الذي تطوّعوا له؛ لتكريس حضور مكناس وحضور آلة القانون، على السواء.

أنّى ولّيت وجهك في مكناس، وجدتَ لمسات صوفية وإسماعيلية وأندلسية

مهرجان مكناس في دورته الرابعة

مهرجان مكناس لآلة القانون في دورته الرابعة، والذي قامت عليه جمعية "السنابل الإسماعيلية للموسيقى العصرية والإبداع"، كان، ميداناً للألفة والحميمية؛ إذ يعكف كل فرد في الجمعية على الاحتفاء بآلة القانون على طريقته الخاصة، يتحدثون عنها ويحدبون عليها بحنوّ، كما لو أنّ للأمر علاقة ببنوّة وأبوة؛ بل إنّ الأمر متداخل؛ إذ إنّ معظم أبناء منتسبي الجمعية يعزفون على هذه الآلة أيضاً، أو ينخرطون في أجوائها بتجلّ صوفي على أقل تقدير، ولعلّ على رأس هؤلاء؛ أميمة يوسف مدني علوي، التي باتت تكرّس حضورها كواحدة من أشهر عازفات آلة القانون في المغرب العربي، رغم كونها لم تبرح عالم المدرسة بعد.

والدا أميمة، يوسف وفاطمة الزهراء، من بين من يرعون المهرجان رعاية تنظيمية وروحيّة، تضفي طابعاً عائلياً على الفعالية. تارة، من خلال تفقّد الترتيبات التي تتمّ بسلاسة بالغة؛ إذ ينطوي المحفل الفني على رهافة في تفصيلاته كلها، بدءاً من الـ "بروفات" مروراً بالاحتفاء بالضيوف وليس انتهاءً بحفل الختام الذي يضمّ الباقة كاملة متكاملة بعد أيام من العروض المنفردة، وتارة أخرى من خلال التفاعل الباذخ مع تفاصيل المقطوعات والحرص على تقديم العازفين تقاسيم موسيقية وصوفية متمكّنة، بل تكاد فاطمة تلعب دور ضابط الإيقاع من مقعدها الذي تختاره بين الحضور.

اقرأ أيضاً: مشايخ في سماء الطرب والموسيقى

مولاي إدريس الشاهدي الوزاني، كان واحداً ممن تواجدوا في جنبات المكان، باقتدار وإخلاص، متخطياً جروحه الشخصية التي ألّمت به قبل موعد انطلاق المهرجان، فكان، كما العادة، عرّاب الفكرة والتطبيق والتدريب والتنفيذ والعروض، بل بوسع المتواجِد أن يُسبغ عليه لقب "شيخ الطريقة القانونية في مكناس"؛ فهو من تزعّم الفكرة منذ ميلادها، بل منذ أسّس للعزف على هذه الآلة في هذه المدينة المغربية التي يحفظ تفاصيلها كما كفّ اليد. ويكفي لتدرك هذا كله أن يصحبك الوزاني لجولة في المدينة؛ لتستمع للحكاية التاريخية وراء كل ركن فيها.

 قامت عليه جمعية "السنابل الإسماعيلية للموسيقى العصرية والإبداع"

من وجوه المهرجان ورموزه

الوزاني صوفي زاهد في الشهرة غير طامع فيها، رغم أنه قارب على إتمام العقد السادس في تدريسها للراغبين.

محمد بن علي أبو ياسين أحد أكثر من يتركون أثراً سنوياً في هذا المحفل الفني، برغم ما يكابده من متاعب صحية؛ إذ يعكف على أمور فنية عدة من بينها العزف على آلات عدة على رأسها القانون، إلى جانب كتابته الشعر الغنائي ومهاراته في التلحين، وباعه الطويل في الحقل الإذاعي.
أبو ياسين واحد ممّن أوجدَوا موطئ قدم لبذارهم في دورات المهرجان؛ إذ إنّ ابنه من بين محترفي العزف على آلة القانون، فيما ابنته واحدة من أكثر من يمنح المهرجان جداريات تتناغم وأجواء الفعالية.

اقرأ أيضاً: كيف تساهم الموسيقى في تجاوز البؤس الدنيوي؟
موسى وحواسين، أحد تلامذة الوزاني، يتحدث عن احترافه للعزف على هذه الآلة رغم مخاوفه السابقة من كون العُمر قد تقدّم به، كما يقول، غير أنه بمجرد أن عرَضَ الفكرة على الوزاني قال له: اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد، فكان له ما أراد، كما يقول.
بات وحواسين واحداً من العازفين المهرَة والقائمين على هذه التظاهرة الفنية السنوية في مكناس.
يقول وحواسين عن أستاذه الوزاني إنّ الكل يدور في فلكه في هذا المهرجان، وأن حلماً كان يراود الوزاني طويلاً بأن يرى فعالية فنية متكاملة قائمة في مكناس للاحتفاء بآلة القانون، وقد حدَثَ ما كان يتوق له.

آلة القانون تُصنَع مغربياً

آلة القانون تُصنَع مغربياً أيضاً؛ فعثمان العلمي هو أول صانع لآلة القانون في المغرب، منذ عام 1995، وعازف عليها، ومدرّسها في مدينة فاس.

يشرح بإسهاب عن مصادر الخشب الذي تصنع منه هذه الآلة (كالمغرب وتركيا وكندا وأمريكا)، وعن خطوط النايلون فيه وريشته النحاسية وتاريخه الذي ثمة من يعيده للفراعنة، فيما هنالك من ينسبه للبابليين، مستذكراً الفارابي، صاحب الباع الأطول في تطوير هذه الآلة، ومفنداً اللمسة الأندلسية في القانون المغربي، الذي يتميز بهويته الخاصة عن آلات القانون المصنوعة في سوريا والعراق وتركيا وغيرها.

اقرأ أيضاً: مواجهة عبر الموسيقى بين التشدد والاعتدال

يقول: إنّ صناعة آلة قانون واحدة تستلزم منه شهراً تقريباً، ويكشف عن استيائه من قلة الاحتفاء بهذه التجربة، رغم عصاميته في تصميم الآلة وصناعتها في غرفة في بيت والده، إلى جانب انتظامه في فرقة أهل الفاس للمدح والسماع.

عازف القانون الجزائري، وطبيب الأطفال، الدكتور محمد السعداوي، يمسك بالآلة ويترفق بها، كما لو كانت طفلاً يؤم عيادته في العاصمة الجزائرية حيث يقطن.

طيف واسع من عازفي آلة القانون أمّوا المهرجان

في مداعبة القانون

اللمسة التركية حاضرة بقوة في عزف السعداوي الذي يقول: "في مداعبة القانون فسحة لي، أبدّد من خلالها ضغوطات الوظيفة والحياة"، ليغدو الآن واحداً من بين الأكثر تمرساً في العزف على هذه الآلة، ليس في الجزائر فحسب، بل وتركيا أيضاً؛ حيث تتلمذ موسيقياً.

طيف واسع من عازفي آلة القانون أمّوا المهرجان، من بلاد عدّة، حمل كلّ عازف منهم صبغة خاصة، منهم: هناء بوخريص من تونس، ويامن جذبه من سوريا، وعلي شانغو ماسودا من اليابان، ومحمد عبد الوهاب وحنيفة بن عزيزة وفريال بلهوري من الجزائر، ورشدي لمفرج وتهامي بلحوات والبارودي الزكراوي من المغرب.

اقرأ أيضاً: هل كان زرياب المبدع الأول لموسيقى الروك آند رول؟
حول فرادة المغرب في العزف والفنّ عموماً، يقول عبد الناصر المكاوي، أستاذ آلة القانون، وأحد أشهر عازفيها في المغرب: "إن التاريخ الغني الذي تعاقب على المغرب، كما ثراؤها بالطبيعة الخلابة والمتباينة، وبالطرق الصوفية والتنوعات الفكرية، كلها أسهمت في صناعة حالة متفردة عالمياً، وعلى رأسها ما يتعلق بآلة القانون"، معوّلاً على هذه التظاهرة الفنية السنوية في إعادة لفت الانتباه لهذه الآلة التي تحمل صبغة أندلسية خالصة في بلاد المرابطين، ما يؤهلها، بجدارة، لاعتلاء مكانة عالمية متقدمة.

الأقسام: