أكبر إفطار رمضاني في العالم: السودانيون يحتسبون صيامهم لله ولدولة مدنية

شهرٌ مضى منذ أن تداعى السودانيون إلى محيط القيادة العامة للجيش، في 6 نيسان (أبريل) الماضي، وظلوا معتصمين هناك إلى أن أسقطوا نظام عمر البشير، في الحادي عشر من الشهر نفسه، لكنهم قرروا ألّا يبارحوا هذا المكان ما لم يُسلِّم المجلس العسكري الانتقالي السلطة إلى حكومة مدنية.

سارة المنّا: المواطنون يتسابقون نحو ساحة الاعتصام كل يحمل معه ما تيسر من الطعام والشراب ليتقاسمه مع المعتصمين

وهكذا، عكف المعتصمون شهراً كاملاً، وما يزالون، إلى أنْ هلّ عليهم شهر رمضان الكريم، فقرروا صيامه إيماناً واحتساباً لله تعالى، ولدولة مدنية ديمقراطية، ورغم أنّ الإفطار الجماعي في الشوارع والساحات العامة يعدّ عادة رمضانية سودانية قديمة جداً، إلا أنّ حلقاته دائماً ما تكون صغيرة الحجم، تضمّ الجيران في الحيّ الواحد.
بيد أنّ إفطار رمضان هذا العام اتسعت حلقته وانداحت دوائره لتضمّ ما يقارب المليون صائم، بحسب شهود تحدثوا إلى "حفريات"؛ فقد وفد السودانيون فرادى وجماعات، ومن كل حدب وصوب، لتناول إفطار اليوم الأول من رمضان في محيط القيادة العامة للجيش (ساحة الاعتصام) في مشهدٍ قلّ نظيره.
الإفطار الجماعي في الشوارع والساحات العامة يعدّ عادة رمضانية سودانية قديمة

إفطار أول رمضان
وقالت الصحفيّة السودانية، سارة المنّا، التي كانت تتناول إفطار اليوم الأول بين المعتصمين، لـ "حفريات": "لم أرَ في حياتي أعداداً هائلة من البشر مثل ما حدث اليوم، يتناولون إفطار رمضان بشكل جماعي، ويصلّون المغرب والعشاء والتراويح معاً"، وأضافت المنّا: "عندما يتداخل الديني الروحاني بالوطني، فإنّ الإنسان، أي إنسان، يتحول إلى كائن قوي وصلب ولديه قدرة على الصمود والمقاومة بما لا يتصوره هو نفسه".  

اقرأ أيضاً: أي مستقبل لإسلاميي السودان؟
واستطردت المنّا: "الناس يتسابقون نحو ساحة الاعتصام، كلّ يحمل معه ما تيسر من الطعام والشراب ليتقاسمه مع المعتصمين، فالوطن فوق الجميع، وللجميع، وما تداعى الناس لصوم رمضان وهم معتصمون في محيط القيادة بغريب، فقد عاشوا ظروفاً مماثلة، بل أقسى، منذ انطلاق الثورة وحتى إزاحة الحكومة السابقة".
وبحسب سارة المنّا؛ فإنّ مئات آلاف السودانيين وصلوا إلى ساحة الاعتصام للمشاركة في الإفطار الجماعي الأول، والمساهمة فيه، وأشارت إلى أنّ الساحة تمّ تجهيزها منذ أيام من حلول شهر رمضان بالخيام ومُكيفات الهواء؛ حيث أصبحت مكاناً مناسباً لاستقبال الصائمين. 
 مئات آلاف السودانيين وصلوا إلى ساحة الاعتصام للمشاركة في الإفطار الجماعي

يوم الحشد الأكبر
من جهتها، وصفت الصحفية، هيام تاج السِرْ، اليوم الأول من رمضان في ساحة الاعتصام بـأنه "يوم الحشد الأكبر"، وقالت: "المشهد برمّته يبدو وكأنه لوحة سوريالية"، وأضافت: "لن أستطيع أن أعطي وصفاً متكاملاً لهذا اليوم، أطفال ونساء وشباب وشيوخ وفتيات يافعات، عمال وموظفون ورجال أعمال وعاطلون وجنود في الجيش وسياسيون، كلهم تناولوا إفطارهم في الساحة من أجل استكمال ما تبقى من  نضال من أجل الدولة المدنية الديمقراطية، لم يثنهم عن ذلك الطقس الحار جداً؛ حيثُ بلغت درجة الحرارة في الخرطوم، في أول يوم من رمضان، إلى 47 درجة مئوية، وكان التيار الكهربائي وإمدادات المياه مقطوعة تماماً، لكنهم، رغم ذلك، جاؤوا ليقولوا كلمة واحدة: لا بُدّ من تسليم السلطة إلى حكومة مدنية".

اقرأ أيضاًَ: قرقاش: هؤلاء سبب السخط السياسي في السودان
ورصدت تاج السر مشهد النساء وهنّ يطبخن ويحضرن المشروبات للإفطار بمساعدة الرجال "في طبيعة الحال؛ هنا لا تمييز بين رجل وامرأة، وبين وزير وعامل بسيط، وبين عسكري ومدني، يأسرك ويشدّك، حتى الأطفال الصغار كانوا يهرعون لتقديم الخدمات للصائمين ساعة الإفطار دون أن يؤمروا بذلك، وكان كلّ شيء هنا ينبض بالمحبة والتعاضد والتآخي، وكأننا في مدينة فاضلة" على حدّ تعبير إلهام تاج السر، التي أكدت "ربما لن تتيح لنا الحياة أن نرى مشهداً مماثلاً، إنه مشهد يُنبئك، دون أيّة ريبة وشكّ، بأنّ أهداف الثورة لا محالة متحققة".
عدد كبير يُقدر بمئات الآلاف، وربما يبلغ المليون

استفتاء عظيم
إلى ذلك، تحدثت "حفريات"، عبر الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي، إلى عينات من المعتصمين الذين حضروا إفطار اليوم الأول من رمضان بمحيط القيادة العامة؛ حيثُ قال أحمد خاطر، عامل بناء: إنّه ظلّ يواصل عمله الشاق في قيظ الظهيرة، وفور انتهاء دوامه يتجه مباشرة إلى ساحة الاعتصام ويقضي ليلته هناك، وسيظل يفعل ذلك حتى تتحقق مطالب الشعب. وأضاف: لم أكن أتوقع في اليوم الأول من رمضان هذا العدد الكبير الذي يُقدر بمئات الآلاف، وربما يبلغ المليون، وقد لفت نظري التعاون الكبير بين المعتصمين في الساحة؛ حيثُ كان الكلّ في خدمة الكلّ، والكلّ يؤثر على نفسه من أجل الآخر.

بعد تناول الإفطار وأداء الصلوات انخرط الجميع في فعاليات مختلفة وندوات سياسية وهتافات تنادي بالحرية والعدالة والدولة المدنية

وعدّت سناء زين العابدين (طبيبة)؛ أنّ ما رأته اليوم "استفتاء عظيم على أشواق السودانيين إلى نظامٍ مدني تداولي يُعبِّر عنهم تنوعهم وأشواقهم إلى الديمقراطية، كما أنّه أعاد إلى المجتمع تماسكه؛ حيث عمل نظام البشير، والإخوان المسلمون، على تفتيت لحمته لثلاثين عاماً، من أجل أن يستمر في الحكم؛ فقد شهدت ساحة الاعتصام، في الأول من رمضان المبارك، الإفطار الجماعي الأعظم في تاريخ السودان، إن لم يكن على مستوى العالم الإسلامي كله.
من جهته، أثنى محمود شاكر (موظف) على "الشباب الثوار"، بحسب تعبيره، الذين لولا صمودهم أمام عسف النظام السابق، لما شهد السودان مثل هذا اليوم. واستدرك: "للإنصاف والتاريخ؛ لا بُدّ من أن نشكر جيشنا الوطني الباسل، ممثلاً في المجلس العسكري الانتقالي، الذي دعم الثوار والثورة، ووفر لهم الأمن والحماية، حتى أنجزنا الجزء الأكبر مما كنا نصبو إليه، وإن كان ما تبقى ليس باليسير، وبمزيد من الصبر ومواصلة الضغط على المجلس والأحزاب سنعبر إلى برّ الأمان"، وعن مشاهداته في اليوم الأول من رمضان، قال شاكر: "لن استطيع أن أصف لك مشهداً لا أول له ولا آخر، فماذا أقول؟ أعتذر منك".

اقرأ أيضاً: أردوغان قلق بشأن ليبيا والسودان!! هذا ما قاله
بعد أن تناول مئات آلاف السودانيين المعتصمين في محيط قيادة الجيش إفطار اليوم الأول من رمضان، وصلّوا المغرب والعشاء والتراويح، انخرط الجميع في فعاليات مختلفة؛ من ندوات سياسية، ومخاطبات، وهتافات بشعاراتٍ تنادي بالحرية والعدالة والدولة المدنية، غناء وموسيقى، فيما الجميع يحلم بوطن حرّ ديمقراطي وحكومة جديدة تُنجز ما عجزت عنه سابقاتها، وتضع اللبنات الأولى في الطريق الصحيح الذي ينقل السودان مما هو عليه الآن من أوضاع هشّة ورثّة إلى مراقٍ أفضل.

الأقسام: