صلاح فضل: أديب أزهري يفتش في جذوره الوجدانية

2904
عدد القراءات

2019-05-08

أن يفيق وعيه على بيئة دينية محافظة، وأن تقع عيناه أول ما تقع على صناديق مملوءة بكتب الأقدمين المسلمين ومخطوطاتهم، ثم يتلقى التعليم الأزهري، ويرتدي جبراً زيه التقليدي، ثم ينغمس في معتركات الإسلاميين السياسيين في تكويناته الأولية، وفجأة تلقي به الأمواج في التعليم المدني، ثم تقذفه الأقدار على الأراضي الإسبانية ليتلقى الصدمة الحضارية، ليجد نفسه بعد ذلك صلاح فضل الناقد الأدبي الكبير، غير المتخاصم مع الدين والمنسجم مع الدنيا، إلا أنه يحن إلى بيته القديم الذي يأمل في إصلاحه وترميمه.

تحت فروة الرأس شيخ
في كتابه الذي يحمل عنوان "وثائق الأزهر ما ظهر منها وما بطن" يستدعي الدكتور صلاح فضل للذاكرة تلك المعركة التي خاضها الرجل من أجل الإسهام في تطوير الأزهر الشريف، بدفعه بأوراق وضع فيها رؤية وخطة لإصلاحه كونه أزهري التكوين، وإن عرج بعد ذلك في رحلته على الجامعات المدنية المصرية منها والأوروبية.

غلاف كتاب  "وثائق الأزهر ما ظهر منها وما بطن"
إلا أننا وجدنا في الجزء الأول من كتابه ما يستحق التوقف والتحليل، حينما بدأ رواية قصة طفولته ولفت الانتباه لمشاعره وأحاسيسه التي نضحت بالتلقائية والعفوية.

يظل الشيخ كامناً مخبوءاً في أعماق الأزهري وإن طال عليه الزمن وهو يبحر في عوالم الفلسفة والأفكار

مع أنّ الكتاب ليس مخصصاً لسرد السيرة الذاتية، إلا أنه كان من المهم قبل الدخول في أطروحته، أن يعطي القارئ جرعة كافية لمحاولة فهم العقلية التي دفعت بتلك الأطروحة.
يقول: "تلقيت جرعة وافية من اللقاح الديني في طفولتي وشبابي، فقد نشأت طيلة أجيال تمتد إلى سبعة قد تخرجوا في الأزهر الشريف، فكان جدي المباشر الذي تربيت على يده الشيخ محمد عبدالغني فضل إمام القرية ومأذونها، وشيخها المقدم، وقد حصل على شهادة العالمية من الأزهر وترتيبه "البرنج" وتعني الأول، كما كان يردد أمامي وأنا أسير معه إلى إحدى القرى المجاورة، فيحكي لي عن الملائكة التي تطوي لنا الطريق مستشهداً بالمأثورات القديمة".
بيد أنّ تأثيرات جده بدت عليه في المجال الأدبي إذ يقول عنه: "كان ذا حس أدبي رفيع، امتلأت خزائنه بالكتب والمخطوطات والمجلات، تعلمت فيها القراءة في الرسالة والثقافة".
أزهري بالصدفة
توفي والده بمرض التيفوئيد، وهو شاب في السنة النهائية في تخصص القضاء الشرعي وكان شاعراً، إلا أنّ الجد رأى في الحفيد "العوض" عن الأب الذي استرده الله تعالى إليه، فقرر أن يدفع بفضل إلى في محاضن الأزهر الشريف، فاضطر أن يقبل ذلك ترضية لجده الذي خاف أن تبيض عيناه من الحزن عليه.

ذهب فضل إلى إسبانيا سبع سنوات متصلة أخرى وقطع فيها صلته باللغة العربية كي يتشبع من الحضارة الأوروبية

يقول: "عندما نذرني للدراسة عوضاً عن أبي في الأزهر، تقبلت ذلك على مضض شديد، لأنني كنت أريد الاستمرار في المدرسة المدنية وأكره لبس العمامة، لكن الحماس الديني قد بلغ مني ذروته في العاشرة من عمري، حيث كنت أتبع كل فريضة أؤديها في المسجد مع جدي بأربعين ركعة تطوع، فكان يبتسم ويقول لي "أخشى ألا تركعها في الكبر" وهذا ما حدث بالفعل".

اقرأ أيضاً: أحمد لطفي السيد: لا نهضة دون اختلاف
يمارس صلاح فضل ثقافة الاعتراف والمصارحة مع الذات عندما يخبرنا أنه "لم يعد يركعها بعد ذلك"، وكأنه يشير إلى أن إيغال إنسان ما في العبادة، وهو ما يزال طفلاً لم يمارس طفولته بكل ما تحمله من معنى، قد يرتد عليه عكسياً عند كبره، ربما يسبب ذلك الملل، أو الحرمان، أو الشعور بأنه قد تطوع للعبادة بما يكفي، وآن للتمرد والترفيه أن يبلغ هو الآخر منتهاه.
يسترسل: "فكأني كنت أدخر رصيدي المستقبلي بهذا الحماس الديني اللاهب، ولعل ذلك كان بمثابة اللقاح الذي تزودت به خلايا مخي منذ الصغر، وجاء حفظ القرآن الكريم كله بمثابة هيكلة لذاكرتي اللغوية، كي تتشبع ببلاغته وجماله حتى دون فهمه".
مرّ في طريقه على جماعة الإخوان المسلمين، التي بلا شك أثرت في وجدانه، لتتعقد حكايته

مرور إخواني خاطف
لم يكتف الفتى بدخوله البيت الأزهري، وولوجه إلى دراسة المتون، بل مرّ في طريقه على جماعة الإخوان المسلمين، التي بلا شك أثرت في وجدانه، لتتعقد حكايته.
يروي صلاح فضل قائلاً: "أذكر في هذه الفترة الباكرة منتصف الأربعينيات أنّ عدداً من أعمامي الذين كان يدرس معظمهم في الأزهر أيضاً، عمدوا مع رفاقهم لتشكيل شعبة للإخوان المسلمين، في دوارنا، وفرحت بها جداً لأني كنت أعشق الكتيبات الصغيرة والنشرات الأنيقة وأقرأها بنهم شديد، فطلبت منهم أن يجعلوني أميناً للمكتبة حتى تكون كلها تحت يدي".

اقرأ أيضاً: عمر عبدالرحمن.. الأب الروحي لتكفيرية "الجماعة الإسلامية"
ولكن توقفت عجلة الإخوان في حياته دون أن تكون له رغبة في ذلك، إذ حدث ما لم يكن في الحسبان، وشرح ذلك في قوله "سرعان ما فجعت عندما جاء عمي الكبير الشيخ عبدالحكيم صبيحة يوم عقب قراءة جريدة المصري، وأخذ يجمع كل النشرات والوثائق والكتيبات والأوراق ويحملها إلى باحة الدوار ليضرم فيها النار، وهو يرتجف من الخوف محذراً من الإبقاء على أية ورقة، لأن الجماعة قد حلّت وأصبحنا مهددين بالسجن لو عثر عندنا على شيء من متعلقاتها، لم أفهم معنى هذا الحل الأول، في حينها إلا عندما كبرت قليلاً وقرأت ما ينشر عنها قبل ثورة 23 يوليو وبعدها".
للسرد هنا حكمة وغاية، وللمكاشفة متعة، فضلاً عن فهم التكوين النفسي دون رتوش.
يعترف صلاح فضل أنه ظل مرتبطاً بأفكار الإخوان حتى بعد حلها: "لكني بقيت على عهدي الثقافي بها، لا أرى كتاباً يصدر عن أحد أقطاب الفكر الأولين لها؛ مثل عبدالقادر عودة، وسيد قطب المبكر وأخيه محمد، إلا أتيت عليه".
بداية خروج
لكن تأثيرات الكتّاب السابقين تبدأ في التكسر عندما تختلط بغيرها من الكتابات، التي تتقاذف هي الأخرى عقل الشاب، ولو رويداً رويداً.
فها هو مفكر آخر يدخل حياته، هو خالد محمد خالد، فيتناغم مع كتاب آخر يعشقهم مثل العقاد وطه حسين والمازني وعلي محمود طه وناجي ومحمود حسن إسماعيل، وكتيبة القصاصين بزعامة نجيب محفوظ وإحسان عبدالقدوس، ويوسف السباعي.

اقرأ أيضاً: موسى بن ميمون: يهودي في بلاط صلاح الدين
لكن "الشيء المؤكد في وجداني الآن هو أنّ الجرعة الدينية المكثفة التي تطعمت بها وتشبعي بالنص القرآني والبلاغة النبوية والمكتبة الإخوانية، هي التي أدين لها اليوم بوقايتي من الإصابة بأمراض الهوس الديني".
تترك الدراسة في الأزهر في شخصية من يتلقاها آثاراً عميقة لا تمحوها الأيام

ما يفعله الأزهر
تترك الدراسة في الأزهر في شخصية من يتلقاها جزئياً خلال المراحل الابتدائية والثانوية، أو كلياً خلال المراحل الجامعية، آثاراً عميقة لا تمحوها الأيام ولا تعفي عليها مراحل أخرى قد يمر بها الشخص، مستغرقاً في بيئات مغايرة أو مناقضة، يظل هناك شيخ قابع تحت فروة رأسه سواء لبس العمامة أو خلعها طيلة عمره "حسب تعبير صلاح فضل".

توقفت عجلة الإخوان في حياة فضل دون أن تكون له رغبة في ذلك حين صدر قرار بحل الجماعة

يظل الشيخ كامناً مخبوءاً في أعماق الأزهري، وإن طال عليه الزمن، وهو يبحر في عوالم الفلسفة والأفكار.. إنها تعقيدات التركيبة الوجدانية البكرية.
يقول: كان توفيق الحكيم يحكي لي في المرات العديدة التي خلوت فيها معه في مدريد، أن علاقته بطه حسين كثيراً ما تراوحت بين الود الحميم والاعتراف بأستاذيته، وبين التخالف الطريف معه في بعض المواقف والآراء، وأنه كان إذا أراد أن يغيظه -والحكيم بطبعه كياد بالغ الظرف- يخاطبه قائلاً "اسمع يا شيخ طه" فيحمر وجه العميد ويدرك نوع التعريض به كرجل محافظ، لكن أبلغ آثار الخاتم الأزهري على أصحابه الصالحين والفاسدين معاً، كان أستاذي الشيخ حجاج ينادي علي في الفصل: "اسكت يا فساد".
مراحل التحول
يرصد صلاح 3 مراحل لتحولاته : "كانت الأولى عندما انتقلت في المرحلة الثانوية من مدينتي القروية دسوق إلى القاهرة، كي أصحب عمي الذي التحق بالحقوق، فغرقت في ندوات القاهرة ونشاطها الثقافي، وتعمدت دراسة القانون أربع سنوات كاملة، لأن عمي كان يصر على أن أقرأ له كل المقررات، فتجسّد لي عالم مختلف تماماً عن عالم الأزهر؛ معرفياً وثقافياً وفكرياً، فقد درست القانون الدستوري والمدني والجنائي والإجراءات والاقتصاد وغيرها من أسس التشريع عند الرومان والفرنسيين، وخرجت حقيقة من عباءة العصور الوسطى، ليتجذر وعيي بالحداثة وفهمي للمجتمعات المعاصرة".

اقرأ أيضاً: جادو عزّ الدين.. رحيل شاهد على ذاكرة النضال والوحدة
ويستأنف: "كانت هذه أول عملية لغسيل المخ تعرضت لها في صباي، حيث أدركت أن ضبط آليات التفكير وطبيعة اللغة والأدب، لابد أن يكون من خارج تقاليدهما المستقرة. خلعت إلى الأبد بقايا الزي الأزهري الذي لم ألتزم به في معهد القاهرة، وأهم من ذلك أصبح بوسعي أن أصاحب زميلاتي في الكلية المختلطة، وأعشق بعضهن على بعد، قبل أن أتعرف إلى رفيقه حياتي في الفصل الدراسي الثاني من السنة الأولى، وتفطمني عن النظر إلى الأخريات".
ذهب صلاح إلى إسبانيا سبع سنوات متصلة أخرى وقطع فيها صلته باللغة العربية، كي يتشبع حتى النخاع من الثقافة والفن ونمط الحضارة الأوروبية وكان هذا غسيل المخ الثاني، وفق تعبيره.
مع أنه انقطع بعدها عن الأزهر، إلا أنه يقول إن طبقات الوعي والروح، وخلاصة المعرفة وجذور الثقافة ما تزال تسكن قلب وعقل هذا الفتى الأزهر، الذي لا يفارقني مهما ضبطت نفسي متلبساً بالتنكر له، أو السخرية منه أو الإشفاق الحنون عليه.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



روجيه غارودي: الإسلام والمسيحية والماركسية في قلب واحد

2019-07-21

خلال أحد أيام العام 1941، لم يكن الأسير الفرنسي لدى القوات النازية في الجزائر يتخيل أنّه سيحسم أمره باعتناق الإسلام بعد سنوات طويلة؛ بفضل مجموعة من العسكر الجزائريين، تحدّوا الأوامر العسكرية، بعد اندلاع تمرد للسجناء في ذلك المعتقل، ورفضوا إطلاق النار عليه وعلى وزملائه.

اقرأ أيضاً: رينيه جينو.. رحلة حيرة تنتهي في الشرق

كان ذلك أول احتكاك للشاب، روجيه غارودي، المقاوم للنازية، بالمسلمين سكان المستعمرات المسلمة، التي طالما وصفها الاستعمار بالهمجية، تعجّب الفتى من تضامن تلك المجموعة الجزائرية الصامدة مع الأسرى، أمام تهديدات الألمان بالقتل؛ بسبب رفضهم قتل عُزّل من السلاح، وعدم اقتناعهم بقتله ورفاقه؛ لأنّهم لم يسبّبوا أيّ ضرر لهم.

وُلد روجيه لأب ملحد وأم كاثوليكية واختار لنفسه المذهب البروتستانتي في سنّ الرابعة عشرة

عاد روجيه إلى فرنسا، بعد أن أمضى ما يقرب من ثلاثة أعوام في معسكرات الاعتقال في الجلفة بالجزائر، وفي قلبه تلك التجربة التي أنقذت حياته، وعقله قد توقف بالتأمل طويلاً أمام تلك الحادثة؛ "كانت الصدمة الأولى التي زلزلت حياتي، ويومها عرفت أنّ الإسلام هو الذي أنقذ حياتي.. وأنا عمري 28 عاماً وظل بداخلي حتى اعتنقت الإسلام العام 1982".

اعتنق الماركسية في المرحلة الأطول التي صنعت شهرته لم ينقطع خلالها عقله عن التأمل والشغب

نضال بالفلسفة والسياسة
سرعان ما انخرط غارودي في العمل السياسي في فرنسا بعد عودته، لينضم إلى الحزب الشيوعي الفرنسي، الذي وصل أوج شعبيته بعد الحرب العالمية الثانية، وانخراط كوادره في تحرير فرنسا من الاحتلال النازي، وقد تكلّل نشاطه السياسي بانتخابه نائباً في البرلمان، العام 1945، ثم عضواً في مجلس الشيوخ، ورئيساً للجنة التعليم القومي، ونائباً لرئيس المجلس.
حصل على درجة الدكتوراه العام 1953 من جامعة السوربون، عن موضوع النظرية المادية في المعرفة، ثم على درجة الدكتوراه الثانية حول الحرية العام 1954، من جامعة موسكو، مما يظهر مدى تعمقه في دراسة الأيديولوجيا الشيوعية.
عمل في كلية الآداب بجامعة كليرمونت فيراند، ما بين عامي 1962-1965، إلا أنّه ترك الجامعة لخلاف مع المفكر الفرنسي الراحل ميشيل فوكو، ثم رحل إلى جامعة بواتييه، ليحاضر فيها ما بين عامي 1969-1972.

اعتنق الماركسية في المرحلة الثانية والأطول من حياته والتي صنعت شهرته

أربع محطات فكرية
وُلد روجيه لأب ملحد وأم كاثوليكية، واختار لنفسه المذهب البروتستانتي في سنّ الرابعة عشرة؛ مما يعني أنّ سؤال الدين طغى عليه منذ البداية، بفعل اختلاف عقيدة الوالدين، وانتهى هذا القلق الفكري بالثورة على الإلحاد والكاثوليكية، والانحياز للمذهب البروتستانتي، ويبدو أنّ غارودي اختار التجربة سبيلاً، لانتقاء العقيدة التي سيظلّ يبحث عنها، حتى يصل إليها ويؤمن بها حتى رحيله.

مثل اندلاع أحداث 1968 في أوروبا لحظة انبثاق وعيه بثنائية فلسفة الذات وفلسفة الفعل

كانت تلك المرحلة الأولى من حياته الفكرية تجاه الدين، ثم اعتنق الماركسية في المرحلة الثانية والأطول التي صنعت شهرته، لم ينقطع خلالها عقل المفكر الفرنسي عن التأمل والشغب، وظلّ متمسكاً بالديالكتيك، عصب الفلسفة الماركسية، ودون أن يفقد عقله أمام الوصاية القادمة من الاتحاد السوفييتي، التي حوّلت الأحزاب الشيوعية حول العالم إلى ظلال خافتة بلا هوية، وهو ما لم يَرُق له، فتمّ طرده من الحزب الشيوعي الفرنسي، العام 1971، لمعارضته الحادة للغزو السوفييتي لتشيكوسلوفاكيا، العام 1968؛ حيث أكد أنّه لا يمكن اعتبار الاتحاد السوفييتي دولة اشتراكية، على حدّ قوله، كما في كتابه الشهير "ماركسية القرن العشرين" الذي استكمله بعد هذه المرحلة.
في المرحلة الثالثة؛ عاد إلى المسيحية ولكن في ثوبها الكاثوليكي، بعد صداقة طويلة وعميقة مع كبار رجال الكنيسة الكاثوليك؛ حيث ساهم معهم في مؤتمرات الحوار المسيحي الشيوعي، في ستينيات القرن الماضي؛ محاولاً الخروج من الفوضى التي يتصور فيها كلّ فرد ودولة أنّه مركز كلّ شيء، ووجد الحلّ في الإيمان بقيم مطلقة، تتجاوز منطقنا البسيط، مؤكداً على قيمة الحوار بين الأديان والأيديولوجيات.

اقرأ أيضاً: ساراماغو حين لا يعبأ بمعاداة السامية: مع فلسطين ضد إسرائيل
وفي المرحلة الرابعة والأخيرة، في سبعينيات القرن الماضي، ظهر اهتمامه بالإسلام، خاصة بعد صعوده على مسرح السياسة الدولية، ومعاناة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان المسلمة، ليعلن في الثاني من تموز (يوليو) العام 1982، إسلامه في المركز الإسلامي في جنيف.

أعلن في الثاني من تموز العام 982، إسلامه في المركز الإسلامي في جنيف

يظنّ كثيرون من قرّاء غارودي أنّ كلّ مرحلة لاحقة نسخت المرحلة السابقة في حياته العقلية المثيرة، ولكنّه -على العكس- تمسك بكلّ مرحلة، واستطاع تكوين سبيكة عقلية، لا يمكن فصل الماركسية فيها عن المسيحية والإسلام، وعزّز ذلك شخصية مستقلة مهمومة بمشكلات الواقع وتحدياته، رافضاً الإقصاء والإرهاب اللذين يمارسهما كلّ من يريد السلطة، بغضّ النظر عن الضحايا الذين يسقطون في سبيل تلك المشروعات الدموية.

اقرأ أيضاً: رضوان السيد.. "مولانا" المدافع عن الدولة الوطنية

يقول غارودي، في كتابه "كيف صنعنا القرن العشرين؟": "في مسيرتي نحو الإسلام، حاملاً في يد الإنجيل وفي اليد الأخرى ماركس، حاولت أن أعيد في الإسلام –كما فعلت في الماركسية- إحياء الأبعاد الداخلية والسموّ والحبّ".

نقد الغرب فلسفياً

يحتلّ نقد غارودي للحضارة الغربية مكانة كبيرة في اهتماماته الفكرية، وفي كلّ مرحلة عاشها كان يكتشف أبعاداً جديدة من مشكلات تلك الحضارة، التي تعدّ الفلسفة اليونانية والتقاليد اليهودية المسيحية، رافديها الأساسيين.

في كلّ مرحلة عاشها كان يكتشف أبعاداً جديدة من مشكلات الحضارة الغربية ومعضلاتها مع الآخر

مثل اندلاع أحداث 1968 في أوروبا لحظة انبثاق وعيه، بثنائية فلسفة الذات وفلسفة الفعل؛ مما دفعه للبحث بشغف في تاريخ هذين المفهومين في الثقافة الغربية؛ حيث يرى غارودي أنّ الغرب المتمركز حول نفسه، مرّ بعدد من عمليات الانفصال والتمزق والتحيز لصالح فلسفة الذات، وكان أول انفصال قام به سقراط وتلامذته بناء على فلسفة بارمينيدس، الذي استبعد من الوجود كلّ ما لا نعقله بالمنطق، وبالتالي يُحدّد بالذات، وجعل أفلاطون البشر طبقات في جمهوريته، وقد قام المجتمع اليوناني القديم على الفصل والانحياز الواضح للتأمل الذاتي، على حساب الفعل اليدوي واحتقاره، واستمرت تلك المرحلة إلى عصر النهضة.

كتابه: "وعود الإسلام"

في المصدر الثاني المتمثل بالفكر اليهودي المسيحي، رأى غارودي أن القديس بولس ومريديه استعادوا الفكرة الملعونة عن شعب الله المختار؛ حيث استبدلوا مفهوم "الجوييم"، أي غير اليهود، بمفهوم الكفار والوثنيين، الذين تجب دعوتهم إلى المسيحية، بمعنى استعمارهم روحيّاً قبل استعمارهم اجتماعيّاً.

بعد بيانه ضد الاجتياح الإسرائيلي للبنان لم تنشر له أي صحيفة فرنسية أي موضوع أو إشارة إيجابية

عندما تأمّل غارودي الحداثة الغربية، التي نجحت في فرض نفسها بالقوة، ودفعت العالم لأتون حربين عالميتين، من أجل الصراعات على الثروة العالمية، استخلص مفهوم الحداثة في عدد من المبادئ التي اقتبسها من كتابات الفلاسفة الغربيين، مثل أنّ "الإنسان سيد الطبيعة يسخرها كيفما يشاء من أجل مصلحته الخاصة"، و"الإنسان عدو لأخيه الإنسان"، و"أيها الإنسان من خلال عقلك القوي، كن إلهاً"، فالفلسفات الغربية، كما يقول، قدّمت طروحات فلسفية تتمركز حول الذات الغربية، وتطمح إلى احتلالها مكانة أكبر من إمكانياتها، وتدفعها إلى الاغتراب، ويظل الهدف هو تحقيق مفهوم الرشادة، بتحقيق أكبر عائد بأقل تكلفة اقتصادية، أما سقوط ملايين الشهداء في ساحات المعارك، فهو جزء يسير من تلك التكلفة المنخفضة القيمة.

أسلمة غارودي أم إسلامه؟

أربك تحوّل روجيه غارودي إلى الإسلام، في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، الكثيرين، ومثّل صدمة عميقة  لرفاق دربه والمتحمسين لأفكاره السابقة ومشروعه الفكري، في الوقت الذي ابتهج فيه المسلمون بتحوّل شخصية بوَزن وثقل روجيه غارودي للإسلام، وطمع بعض المتشددين في المزيد، فأذاعوا نبأ تغيير اسم روجيه غارودي إلى رجاء غارودي، وهو الأمر الذي نفاه الفيلسوف الفرنسي أكثر من مرة، واستنكره، وعبّر عن رفضه لتلك الفكرة قائلاً لأحد الصحفيين العرب: إنّ "الإسلام أكبر من أن يحتويه قمقم العروبة فقط"؛ حيث أراد الإسلاميون توظيف هذا التحول في معاركهم السياسية والدينية ضدّ الغرب.

اقرأ أيضاً: جوزيف كونراد يشعّ من "قلب الظلام" ويكشف الوجه البشع للاستعمار

عاصر غارودي قرناً يعجّ بالأحداث الصاخبة، والأسئلة، والأزمات الطاحنة، والآمال الوردية، لم يفقد فيها أبداً الرغبة في مقاومة ما يحدث في هذا العالم من فظائع، وقد نال المفكر الراحل جائزة الملك فيصل العالمية، عام 1985، عن خدمة الإسلام، وذلك عن كتابيه: "وعود الإسلام" و"الإسلام يسكن مستقبلنا"، واستمرّ المفكر الراحل يكتب عن الإسلام وثرائه، ولم يتوقف عن مهاجمة الأصوليات الدينية والأيديولوجية والتكنوقراطية حتى وفاته.

رحل روجيه غارودي في حزيران 2012

معركة أخيرة قبل الرحيل

لأن المبادئ لا تتجزأ كما آمن طوال حياته، أصدر غارودي بعد مجازر صبرا وشاتيلا بياناً مدوياً أعلن فيه رفضه الحاسم للاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان، وذلك على صفحة كاملة بصحيفة "اللوموند" الفرنسية اشتراها لحسابه الخاص بتاريخ 17 حزيران (يونيو) 1982، موجهاً نقداً لاذعاً لإسرائيل والصهيونية لإقدامها على "تغذية غرور الغطرسة والهوس المزمن الذي تزكيه أمريكا، وكانت هذه المقالة بمثابة الطلقة الأولى التي خرجت من حنجرتي لتعلن بداية حرب ضروس ضدي".

بعد هذا الموقف تحوّل ذلك الضيف الدائم على المحطات الإذاعية والتلفزيونية وأعمدة الصحف، إلى شخصية مقاطَعة من الإعلام الفرنسي، فلم تنشر له أي صحيفة بعدها أي موضوع أو إشارة إيجابية، حتى أنّ كتابه "الإرهاب الغربي" صدر العام 2009 عن دار الأمة الجزائرية بعد أن رفضت كل دور النشر الفرنسية طباعته.

بعد اعتناقه الإسلام سعى الإسلاميون لتوظيف هذا التحول في معاركهم السياسية والدينية ضدّ الغرب

وكانت الأمور قد تصاعدت ضده في العام 1998عندما أدانته محكمة فرنسية بتهمة التشكيك في الهولوكوست في كتابه "الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل"، وصدر بحقه حكم بالسجن لمدة سنة مع إيقاف التنفيذ.

وإثر ذلك وصمته الصحافة الفرنسية والغربية بمعاداة السامية، علماً أنّه لم ينكر جرائم النازية ضد اليهود، بل المبالغة في حجم المأساة والأرقام المعلنة في أعداد الضحايا، على حساب جرائم أكبر للنازية استهدفت شعوباً وقوميات أخرى؛ كان يقول ببساطة إنّ أحداث المحرقة ضُخمت وأعطيت أبعاداً أسطورية مخالفة للواقع، وتمت بالكامل على المسرح الأوروبي لكنها وُظّفت لحجب وتبرير ما ارتكبته إسرائيل بعدها ضد الفلسطينيين.

رحل روجيه غارودي، في حزيران (يونيو) 2012، عن عمر ناهز التاسعة والتسعين، وقد تداول بعض من حضروا العزاء؛ أنّ أسرته أحرقت جثته رغم مخالفة ذلك للتعاليم الإسلامية، بحجة أنّه ترك المسيحية، ونقلوا عدم رغبتهم دفنه، بحسب الشريعة الإسلامية، وأنّهم تجاهلوا الصلاة على الراحل وفق الشريعة التي اعتنقها، وسط حضور متواضع لمئات كان أغلبهم من المسلمين، كما رفض عميد مسجد باريس إقامة صلاة الغائب على روح الراحل؛ بحجة عدم وجود وثيقة تؤكد إسلامه، وأنّ المسألة تحتاج إلى قرار سياسي!

اقرأ أيضاً: موسى بن ميمون: يهودي في بلاط صلاح الدين

إنّ روح غارودي، القوية الصلبة، في مراحله المختلفة التي تشترك في البحث عن الحق والحقيقة تكاد تصفها كلمات المفكر المصري عبد الرحمن بدوي، عندما قال: "فالروح المتطرفة هي من شيم الممتازين الذين يبدعون ويخلقون التاريخ.. ومن عمائق الإنكار والتجديف، تنطلق الموجة التي تنشر الإيمان في الدنيا بأسرها".

للمشاركة:

هل ظل قلب محمد منير مأهولاً بالمساكن الشعبية؟

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2019-07-18

في بلاد النوبة قديماً، عُبد آمون، إلهاً للشمس والريح والخصوبة، فامتلك القدرة على التجدد وإعادة خلق نفسه، واستطاع التحول لأفعى وطرح جلده، ثم تجلى للخلق، بينما ظلّ، في الوقت نفسه، منفصلاً ومستقلاً عنه، وعندما اتّحد مع رع، استطاع الجمع بين النقيضين "التجلّي والخفاء"، وإعادة تشكيل نفسه من جديد.

اقرأ أيضاً: الشيخ إمام يتحدى التجاهل الرسمي ويشدو بأغنيات خلدها الوجدان الشعبي

هكذا كان محمد منير، ابن النوبة ورمزها الأوحد منذ عدة عقود، فرغم أنه هُمِّشت فيها تلك المملكة الأم، منبت الإمبراطورية المصرية؛ لكنّ مشواره الحافل استطاع التجلي والخفاء، في أن يكون فنان الشعب تارة، وفنان النخبة تارة أخرى.

أول الألبومات الغنائية لمحمد منير"علموني عنيكِ"

في أعقاب ثورة تموز (يوليو) 1952، عاش المصريون لأعوام تحت مظلة الصوت الواحد والمطرب الواحد، مجتمعين حول حفلات قطبي الغناء العربي؛ أم كلثوم، وعبد الحليم، حتى وفاتهما في توقيت متقارب، ترجّلت أم كلثوم عام 1975، ثم عبد الحليم حافظ 1977، مسدلَين الستار على باب من أبواب تاريخ الفنّ المصري المرتبط بالنظام السياسي، ليُعلَن ميلاد فصل جديد من التاريخ الفني لمصر، في سياقه الاجتماعي، بانطلاق أول الألبومات الغنائية لمحمد منير"علموني عنيكِ"، في توقيت وفاة عبد الحليم نفسه، الذي لم يشبهه منير في شيء، سوى أنّه عبّر عن مرحلة جديدة في تاريخ المجتمع المصري، بدأت بنكسة حزيران (يونيو) 1967، ثم وفاة عبد الناصر، فانفتاح السادات 1974، ليظهر منير متشحاً بثوب مختلف عن أسلافه في الغناء؛ إذ كان نجم الشباب وقتها، هاني شاكر، والذي اتخذ من الغناء الرومانسي باباً لقلوب الجماهير، التي لم تلتفت إلى منير في أول ألبوماته؛ حيث لم يلقَ أيّ نجاح شعبيّ يذكر، فالجماهير المستفيقة لتوها من وفيات متلاحقة لرموز حركة وطنية وفنية، سيطرت على وجدانها، لم يكن بمقدورها الالتفات لأغنيات مثل: "إيه يا بلاد يا غريبة، عدوة ولا حبيبة".

كان المسيطر على هذا اللون الغنائي وقتها، الفنان الراحل محمد حمام، كفارس للأغنية الوطنية، التي ما تزال تتربّع على قلوب الجماهير، والحقيقة أنّه، وبحسب حلقات تلفزيونية بعنوان "الموهوبون في الأرض"، تحدّث فيها الكاتب الصحفي المصري، بلال فضل، عن محمد منير، بحكم الصداقة التي جمعتهما منذ تسعينيات القرن الماضي، وشاهد عيان على فترة صعوده جماهيرياً، أوضح فيها أنّ "منير، بذكاء فطري، استطاع تطوير الموسيقى المصرية بشكل غير مسبوق في عصره، وبتوأمته مع الرباعي: هاني شنودة، ويحيى خليل في الموسيقى والألحان، وعبد الرحمن الأبنودي، وعبد الرحيم منصور في الشعر وكلمات الأغاني، استطاع منير أن يحلق عالياً، رغم ما تعرض له من تهميش في بداية مسيرته؛ ففي لقاء له مع الإعلامي عمرو الليثي، أوضح منير أنّ مسألة لون بشرته وشعره مثّلا حاجزاً كبيراً مع الجمهور، ما ولّد لديه شعوراً بالاغتراب، رغم غنائه لأهل بلده. وفي لقاء آخر، أجراه الفنان المصري محمد الحلو، في برنامج "معكم منى الشاذلي"، على الفضائية المصرية "CBC"؛ يحكي قصة مشاجرة دارت بينه وبين منير في التسعينيات من القرن الماضي، حين أجرى لقاءً على التلفزيون المصري، قائلاً: "أنا وعلي الحجار ومدحت صالح وهاني شاكر فقط من نحمل لواء الطرب العربي الأصيل، ليفاجأ الحلو بمكالمة من منير غاضباً وشاتماً: "أنتم الأربعة... الخلفاء الراشدون! طب اعتبرني بلال يا أخي"، وهي كلمات عكست شعور منير بالضجر والاغتراب الناتج عن اختلاف لون بشرته وهيئة شعره، كونه تشبّه ببلال، رضي الله عنه، مؤذّن الرسول، عليه السلام، أسود البشرة.

 الفنان المصري محمد الحلو

أفق أكثر اتساعاً للغناء

منذ انطلاقة منير، التي حاد فيها عن أغنيات الشوق والحب واللوعة والهجر، رفض منير الانصياع لمتطلبات السوق، وهو ما دفع شباب الثمانينيات إلى تسميته بـ "مطرب النخبة"، وأحياناً أخرى "مطرب اليسار"، لكنّ منير كانت له رؤية أخرى أوضحها من خلال استمراره على النهج نفسه؛ كونه جاء من أقصى الجنوب، منبثقاً من معطف محمد حمام، الذي انقلب عليه لاحقاً، جاء منير خارج معايير السوق، فلا هو شاب وسيم مهندم الثياب يستطيع جذب أنظار الجماهير، ولا هو مطرب عاطفي يغني للشباب والمراهقين فيؤجّج مشاعرهم، إنّما تفتحت آفاقه وأدخل وجدان المصريين إلى ألوان أخرى، مزجت بين الفنّ والحياة؛ فالغناء أرحب من أن يتسع للحب فقط، كما استفاض منير في معظم اللقاءات الصحفية التي أجريت معه، في الثمانينيات من القرن الماضي؛ ففي حوار له مع الكاتب الصحفي، حامد العويضي، نشر بجريدة "الأهالي" المصرية، في التاسع من تموز (يوليو) 1986، عبّر منير من خلال الحوار عن امتعاضه من حال الأغنية المصرية، التي سيطر عليها التجار لمجاراة النهم الاستهلاكي وتحقيق أقصى معدلات ربح؛ لذلك فهو يرفض تقديم أغنيات تجعله في مصافّ المشاهير، بل تأسره الكلمة الرافضة، على حدّ تعبيره، وإذ عبّر هذا الحوار بشكل خاص عن السبيل الذي اتخذه منير في الغناء.

عام 1987؛ قدّم محمد منير مسرحية غنائية بعنوان "الملك هو الملك"، ثبّتت أقدامه في مصاف نجوم الغناء المصري، وحاز بها على لقبه الشعبي "الكينغ"، إلّا أنّ ما قدّمه منير من حالة غنائية اعتبرها البعض أيقونات في الفنّ الثوري، مثّلت جدلية كبيرة بالنسبة إلى مثقفي أجيال الستينيات، وحتى الثمانينيات، الذين أثقلت كواهلهم الأحلام المبددة منذ زمن الناصرية، وحتى انتفاضة الخبز 1977، التي كانت بمثابة تصفية للقضية الاجتماعية في مصر، فجمهور منير أغلبه من الطبقات الوسطى صاحبة القضية الوطنية الأكثر حضوراً على الساحة، بدءاً من العدالة الاجتماعية وحتى تحرير فلسطين من وطأة احتلال غاشم، عقد المصريون معه اتفاقية سلام كانت نكسة نفسية أخرى تضاف إلى همومهم، وبحسب ما يرى الكاتب والباحث أيمن عبد المعطي، في مقال له؛ فإنّ "ما قدمه منير لم يكن فناً ثورياً، وإنّما حبّ تقدّمي واقع تحت سيطرة الشجن المنبثقة من الأوجاع الاجتماعية التي يعاني منها المصريون".

ولكن تغيّر الأوضاع السياسية، اعتبر بعض الناس أنّ منير أصابه شيء من التعالي على الناس الذين رفعوه عالياً، وأنه يقوم بما يطلقون عليه الانقلاب على أحلامهم التي استشعروا في صوته تجسيداً لها، ووجهت له انتقادات بأنّه بات في حالة تقارب مع السلطة، وهو ما يستدل عليه من حالة الجدل الواضحة التي تلاحق منير من جماهيره، ونقد البعض له بصفته لم يعد يمثل حلم جماهير يناير، التي لم يصرح مباشرة بموقفه ضدّها، ولكن واحدة من الأغاني الأكثر ثورية التي قدمّها منير في مسيرته، وكانت أغنية "حدوتة مصرية"، والتي غنّاها في فيلم ليوسف شاهين حمل الاسم نفسه، وتغنّت بها جموع الثوار في ميدان التحرير، ظهرت في مدلوله المكانة التي يجسدها منير في نفوس أبناء الطبقات الوسطى، من تعبير أغنياته عن أوجاعهم حتى في أحلك اللحظات احتداماً بين السلطة والشعب.

"علّي صوتك بالغنا"

عام 1997، قدّم المخرج المصري الراحل، يوسف شاهين، فيلمه "المصير"، المستوحى من حياة الفيلسوف الأندلسي الأشهر، ابن رشد، وحلّ محمد منير بطلاً لتلك الملحمة التاريخية، التي رُشحَ بفضلها شاهين للسعفة الذهبية بمهرجان "كان" السينمائي الدوليّ، وتمّ تكريمه عن مجمل أعماله في خمسينية "كان" السينمائي الدوليّ، هنا صدحت المحطات التلفزيونية المصرية، ليلاً نهاراً، بأغنية منير الأشهر في تلك المرحلة: "علّي صوتك بالغنا..لسا الأغاني ممكنة"، كانت تلك الأغنية بمثابة ميلاد جديد لمنير، الذي خرج من قالبه التراثي في تقديم أغنيات وضعته في قالب "مطرب النوبة"، وهو قالب يرفضه منير بالطبع؛ لأنّه يعزز الإقليمية التي لطالما كرهها، واشتكى منها في العديد من حواراته الصحفية التي أجراها في مستهل حياته الفنيّة، وفي حوار أجرته جريدة "أخبار اليوم"، في كانون الثاني (يناير) 2019، مع الشاعرة المصرية، كوثر مصطفى، أحد أشهر شركاء منير، ومؤلفة أغنية "علّي صوتك"، التي خطّت بها مسيرة مختلفة لمنير، فقد شاركته كوثر لفترة امتدت 25 عاماً، قالت: "منير لا يعرف الصدفة، فكلّ كلمة يغنيها كان يقصدها ويقصد معانيها بالكامل، مثل أغنية "إزاي" التي لاقت رفضاً لعرضها في وقت الثورة، ولكنها ظهرت لجمهور منير، ولاقت إعجاباً جماهيرياً كبيراً".

فيديو قناة العربية.. الثورة هدية الحالمين:

وبحسب كلمات الشاعرة؛ فإنّه إذا كان منير لا يعرف الصدفة، فإنّ أغنياته تعبّر عنه بشكل أو بآخر، فهو لم يكن مع الناس اعتباطاً ولم ينقلب عليهم سهواً، وأكّد على الصفة نفسها في منير، الموسيقار هاني شنودة، في حديثه عن محمد منير لـ "حفريات"، قائلاً: "عرفت منير منذ بداية مشواره، ورغم موهبته الفذّة، إلّا أنّه كثيراً ما كان يتردّد قبل أدائه لأيّ لحن أو أغنية، وكلّ تفاصيل العمل يحب أن يدقّق فيها، ليخرج على أكمل وجه، فهو فنان متطلّع للكمال، كما يحبّ أن يندمج مع الحالة الشعبية السائدة بين أجيال الشباب، فمنير مرِن فنياً لأقصى درجة، ويحبّ أن يجتث نبض الشارع ليقدم ما يلائم مزاجه"، ربما التناقضات التي اجترّ لها منير قبيل ثورة يناير، وفي أعقابها، حتى إزاحة الإخوان عن حكم مصر، جسدت حالة من الجدل المماثل ضدّه من الجماهير المحبة؛ فقبيل ثورة يناير أدّى محمد منير وصلة غنائية في احتفالية القوات الجوية المصرية، في ذكرى تحرير سيناء، أمام الرئيس المخلوع، حسني مبارك، والمشير طنطاوي، وتصافح مع مبارك بحرارة في أعقاب الحفل، كما تناقل نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي فيديو في لقاء له على قناة "دريم" المصرية، يصف مبارك فيها بـ "الأب الحكيم لكلّ المصريين"، وهو ما لا يتوافق مع تصريحات منير لقناة "العربية"، بعد مرور بضعة أشهر فقط من اندلاع ثورة يناير، وانضمامه لصفوف شباب يناير، واصفاً الثورة بالحلم المتراكم على مدار عقود، من الفساد والديكتاتورية.

هل اختلف مشروع منير فعلاً؟

أصبح منير في الآونة الأخيرة مثار جدل كبير بين صفوف الشعب المصري، وهذا إن دّل على شيء فهو دلالة على منزلة عالية تمتع بها الفنان بين جماهيره لعدة عقود، واستشعار بعض الجماهير بالخذلان من فنانهم الأوحد، حتى إنّ ثوّار ميدان التحرير لم يجدوا سوى منير للتغني بأغنياته، إلى جانب تراث مشايخ الفنّ الثوري؛ محمد حمام، والشيخ إمام عيسى، بعد تخاذل نجوم الشباب، على رأسهم تامر حسني، الذي طرد من الميدان شرّ طردة، وبدأ نجمه في الخفوت بعدما سيطر لأعوام على ساحة الأغنية الشبابية، فها هو منير الفنان الوحيد الذي ما يزال حيّاً، يغني للثورة ويؤيد أحلام الثائرين، إلّا أنّ أغنية "متحيز"؛ عام 2014، اعتبرها البعض خروجا على مسيرة الفنان منير ومساره، متناسياً تاريخه الطويل من التغني بالآم المصريين وأوجاعهم، كما فعل في أغنية حدوتة مصرية:

مين العاقل فينا مين المجنون

مين يلي مدبوح من الألم

مين يلي ظالم فينا مين مظلوم

مين يلي ما يعرفش غير كلمة نعم

مين يلي محميلك خضار الفلاحين غلابة

مين يلي محميلك عمار عمالك الطيابة

مين يلي ببيع الضمير مين يشتري مين يشتري بيه الدمار

مين هو صاحب المسألة والمشكلة والحكاية والقلم

اقرأ أيضاً: مشايخ في سماء الطرب والموسيقى

يبقى لمنير في وجدان الشعب المصري تاريخه الفني الطويل، الذي امتد لأربعة عقود، قدّم فيها ما يزيد عن 450 أغنية، إلى جانب 17 فيلماً، بين ممثل ومؤدٍّ لأغنيات بعض الأفلام، إضافة إلى 17 مسلسلاً تلفزيونيّاً، وثلاث مسرحيات، كانت علامات فارقة في الإرث الفني لمصر الحديثة، وعكست التناقضات والتحولات الاجتماعية، وعبّرت عن الجماهير في أوقات كثيرة.

للمشاركة:

خالد الحروب يكتب بـ "حبر الشمس" عن بلاد الغرباء والمثقف اليقيني

2019-07-16

حتى تمسك بالكلمتين الرئيستين لتجربة خالد الحروب في الكتابة: الأكاديمي والأديب، لا بد لك من قراءة بعض نتاجه؛ لمعاينة كيف يتغوّل طرف على آخر في مرات، ما يخلق بدوره طابعاً فريداً لنتاجه، إلى حد قد يفكر فيه المتلقي باجتراح توصيف خاص لبعض كتاباته، ما يُذكّر إلى حد ما بحالة القيادي في الجبهة الديموقراطية ممدوح نوفل، الذي دوّن تجربته في كتب عدة، ارتأى نقّاد آنذاك أنّها قد تكون جنساً نادراً اسمه "الرواية غير الخيالية"، وفي حالة الحروب بالوسع قول إنّ بعض نصوصه "قصة غير خيالية".

"حبر الشمس" الصادرة في العام 2016

"حبر الشمس"
أكثر ما يتجلّى السابق، فيما اصطلحت عليه الدار الأهلية "قصص"، تحت عنوان "حبر الشمس"، والصادرة في العام 2016؛ ذلك أنّ نمطها يراوح بين السيرة الذاتية وأدب الرحلات والقصة، وبين المقالات في مرات والتغطيات الصحافية في مرات أخرى لحفل ما أو فعالية في فلسطين.

أنجبت فلسطين مثقفين على سويّة عالية ومفكّرين يُعتدّ بهم في المحافل العالمية وخالد الحروب من صفوتهم

ولم يكن الحروب يراوح بين أجناس كتابية متنوعة فحسب، بل كان كذلك يذهب ويجيء بين التفاصيل والخطوط العريضة، التي تطرّق إليها من خلال تجربة الروائي الأمريكي جوناثان فرانزن في روايته "فريدوم".
المُلاحَظ في مجموعة "حبر الشمس"، التي يُفرِغ فيها الحروب حمولات ثقيلة عن كتفيه، عنوانها العريض فلسطين، المُلاحَظ أمور عدة، أبرزها تغوّل الأكاديمي والمفكّر على الأديب في مرات كثيرة، وهو التغوّل الذي جعل الحروب يعرض وجهات نظره السياسية وفي مرات أن يستشهد بالأرقام والمعلومات، على حساب السرد الأدبي لحادثة بعينها، ما كان يقطع على المتلقي حبل الاندماج في المادة إن أُخِذت على محمل قراءة الأدب، لكن سيعود المتلقي لاستذكار أنّ التصنيف لربما جاء غير دقيق من قِبل دار النشر، ثم إنّ الحروب أكاديمي ومفكر في المقام الأول، قبل أن يكون أديباً أو بعد لا يهمّ، لكن هذه هي صبغته الأبرز. ما يجعل من تقديم المعلومات والرؤى والمقارنات وارادً لديه أكثر من الخيال والصور البديعية، التي لم يغفلها بل جاءت مكثفة وحاضرة بقوة، لكن كان المفكر والأديب يشدّه من جديد وبقوة كلما أراد ترك نفسه على سجيّته في الكتابة الوجدانية.

اقرأ أيضاً: رينيه جينو.. رحلة حيرة تنتهي في الشرق
وفي مرات، كان الجانب الإعلامي يطغى على كتابة الحروب (كما في تغطيته حفل الفرقة الجولانية في رام الله)، وهو أمر ليس مستغرباً أيضاً؛ إذ مارس الحروب الإعلام مرات كثيرة، مرئياً ومكتوباً، وهذا التنوّع ليس مستهجناً؛ إذ هو قبل ما سبق كله مهندس، ودارس مزمن، إن جاز التعبير، في علوم الفلسفة والعلوم السياسية والإحصاء السكاني، كما مارس مهنياً الإعلام والعمل الأكاديمي والهندسي، وفي بقاع شتى آسيوية وأفريقية وأوروبية. كل ذلك، يحضر بقوة في كتابة الحروب، وإن لم يتم ذكره بالفم الملآن، لكنه حاضر.
الطرافة كانت متواجدة إلى حد كبير في بعض النصوص التي كتبها الحروب في "حبر الشمس"، وقد عادَ من خلالها الفلاح الفلسطيني الذي يجلس في مضافة القرية ويتندّر على طرائف أهالي قريته والقرى الملاصقة، كما في النص الذي يتناول خلاله السجال الذي جرى بينه وبين السيدة البتّيرية، حول نسبة الباذنجان البتّيري لقرية بتّير، فيما هو من قريته وادي فوكين.

اقرأ أيضاً: علي مبارك "أبو التعليم في مصر" لا تمثال له في القاهرة
أكثر ما ظهر الجانب الأكاديمي البحت لدى الحروب، في حديثه عن غزة في المادة الأولى؛ إذ ما كاد القارئ يستغرق معه في المشاهد التي ينقلها من هناك، حتى عاد به لخانة العمل الأكاديمي الجدّي، مثيراً قضية بالغة الأهمية وهي التناول الإعلامي لقطاع غزة، وبوسع المتلقي القول إنّ عقل المفكر وانضباط الأكاديمي كانا يوقفان الحروب كلما حاول الانطلاق كأديب. وليس الأمر متعلقاً باللغة هنا، بل التناول. لذا، يبقى الحروب رقيباً على النص ويديره بعقلية الأكاديمي الذي لا يرتاح حتى يُسلّم المتلقي معلومة مفيدة.

اقرأ أيضاً: رضوان السيد.. "مولانا" المدافع عن الدولة الوطنية

نص "ساحرة الشعر" يأخذ المتلقي بعيداً، ولربما يكون من أكثر النصوص التي تجمع الجزالة والطرافة وتحمل فكرة فريدة، وهو النص الذي يظهر فيه الحروب مهجوساً بمحمود درويش، أكثر من بقية النصوص التي يبقى درويش فيها حاضراً بشكل أو بآخر.
ولعل النص الوحيد الذي خرجَ فيه الحروب من جلد الأكاديمي كان "على هذه الأرض ما يستحق الحياة"، والذي استعرضَ فيه بغضب بعض تنظيرات النخب، وبعض استسهالات العامة، بلغة رشيقة متمردة يشتاق المتلقي لها خلال استغراقه بلغة الأكاديمي الرصينة.

"أصفع وجه السماء وأمضي" الصادرة في العام 2017

"أصفع وجه السماء وأمضي"
ضمّن الحروب بعض قصائده في مجموعة حملت عنوان "أصفع وجه السماء وأمضي"، والصادرة كذلك عن دار الأهلية في العام 2017. وفي هذه المجموعة، تطلّ قصيدة بالغة الأهمية، وهي تصبغ وجدان الحروب وحديثه كثيراً، وتحمل عنوان "تينة مريم".
يعود الحروب من خلال هذه القصيدة يافعاً يحوم حول عمته مريم، ويعود شاباً يزورها ويطلّ عليها ويهجس بيومياتها:
كل الحكاية
يا عالم التعقيد والآلات
والغزوات
أن لا حكاية عند مريم
فهي الحكاية قبل أن تُحكى،
وهي النهاية بعد أن تُحكى
وبصدد معرفة المزيد عن الحروب، هناك قصيدة "ليته لم يعد"، التي يحضر فيها بشجنه دونما مواربة. يقول في مقطع منها:
يُطلّ المساء حزيناً
صبايا الحي وراء النوافذ
ستائر تسترُ دمعاً وهمساً:
ألا ليته لم يعد؟
لماذا يا بلد الغرباء
تعيد إلينا فتانا
وقد شاب... أو مات،
وتخلعُ عن كتفيه الكبرياء،
وتسرقُ من عينيه اللهب؟
يا بلد الغرباء: أما كان فيك اتساع
لوقت جديد
يعود لزهر البداية
ليبقى فيكَ
ويأتي منكَ
شباباً ورُمحاً
كما كان يوم ارتحل

"المثقف القلق ضد مثقف اليقين" الصادر عن دار الأهلية في العام 2018

المثقف القلق ضد مثقف اليقين
في كتابه "المثقف القلق ضد مثقف اليقين"، الصادر عن دار الأهلية في العام 2018، يصول الحروب ويجول باقتدار، من دون أن تتنازعه تيارات كتابية شتى. يحضر واثقاً ويُغرِق القارئ تماماً من دفّة الكتاب الأولى للثانية دونما انقطاع، خلال تشريحه ظاهرة المثقف العربي وأدواره وتصنيفاته، مجدّداً قلقه من تعويل الجماهير على المثقف بطريقة تحمّله في مرات ما لا يحتمل، وهو الحديث ذاته الذي كان قد صارحَ الجمهور به ذات مرة في نادي الجسرة الثقافي، قائلاً إنّ المثقف في نهاية المطاف إنسان عادي بالتزامات حياتية كثيرة وبتضييقات أمنية شأنه شأن أي إنسان آخر.

في كتابه "المثقف القلق ضد مثقف اليقين" يصول الحروب ويجول باقتدار من دون أن تتنازعه تيارات كتابية شتى

من يقرأ للحروب كلا الطيفين: الأدبي والفكري، يجد الجانب التنظيري والأكاديمي ميدانه الأوسع، الذي يكتب فيه بزخم لافت، مستشهداً بتجارب كثيرة وممسكاً بتلابيب الخطاب وأدواته كمن يمسك معجونة ليّنة بين أصابعه، يشكّلها ويصوغها كيفما شاء. ثمة زخم لافت في المراجع والمقارنات والاستشهادات والتصنيفات، تجعل القارئ نهماً بالضرورة لكتاب "المثقف القلق ضد مثقف اليقين"، وستتكرّس قناعة أكيدة لدى المتلقي في حينها بأنه أمام مفكر نوعي موسوعي ممسك بأدواته باقتدار لافت.

تصنيفات كثيرة يجترحها الحروب في كتابه ويبني على السابق منها لدى مفكرين آخرين، من قبيل: المثقف العضوي ومثقف القطيع والمثقف الاعتذاري والمثقف الشعبوي الطوباوي والمثقف المهرج ومثقف السلطة والمثقف القلِق والمُقلِق، وغير ذلك.

اقرأ أيضاً: صلاح فضل: أديب أزهري يفتش في جذوره الوجدانية
وبعد أن يوغل الحروب في التصنيفات والتقسيمات والتأملات، يعرض مجموعة من مقالاته السابقة في هذا السياق، ما يترك المتلقي مطمئناً للنتاج الذي يغرف منه، لدى مفكر من عيار ثقيل بلغة رصينة وأفكار مرتبة وخلفية أكاديمية محكمة أيما إحكام.
ما بين الحروب المفكر والأكاديمي، والحروب الشاعر والقاصّ، وما بين الخطوط العريضة والتفصيلات، سيجد المتلقي ما يحتمل الجدل في مرات أو التوافق، لكن شيئاً واحداً سيكون جازماً بشأنه: أنجبت فلسطين مثقفين على سويّة عالية ومفكّرين يُعتدّ بهم في المحافل العالمية، وخالد الحروب من صفوتهم.

للمشاركة:



وفاة المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية.. من سيخلفه؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-22

تُوفَّى، اليوم، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، يوكيا أمانو، عن عمر يناهز 73 عاماً.

وأشارت مصادر من داخل الوكالة، في تصريحات نقلتها وكالة "رويترز"، إلى أنّه كان يعتزم التنحّي مبكراً، في آذار (مارس) من العام المقبل، بسبب إصابته بمرض لم يحدّدوه، أضعفه بشكل واضح خلال العام الماضي.

تُوفَّى يوكيا أمانو عن عمر يناهز 73 عاماً بسبب إصابته بمرض أضعفه بشكل واضح

وتدهورت صحة أمانو بشكل واضح منذ أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في أيلول (سبتمبر) الماضي، خضوعه لإجراء طبي لم تحدّده خارج النمسا، حيث مقرّ الوكالة.

وأعيد تعيين الدبلوماسي الياباني أمانو، عام 2017، على رأس الوكالة التابعة للأمم المتحدة لولاية ثالثة من أربعة أعوام، كان من المقرر أن تنتهي يوم 30 تشرين الثاني (نوفمبر) 2021.

وخلال توليه المنصب، أكّد أمانو مراراً أنّ عمل الوكالة تقني، وليس سياسياً، وذلك في ردّ فعل يتعلق بولاية سلفه محمد البرادعي، الذي حصل مع الوكالة على جائزة نوبل للسلام لعام 2005، ونشبت خلافات بينه وبين مسؤولين أمريكيين تتعلق بإيران.

مرشّحان مرجّحان لتولي المنصب بعد أمانو هما: المبعوث الأرجنتين "جروسي"، ومبعوث رومانيا "فيروتا"

ويختار مجلس محافظي الوكالة، الذي يضمّ 35 دولة، مدير الوكالة، بعد أن يحظى بموافقة (المؤتمر العام) للوكالة، وهو اجتماع لكلّ الدول الأعضاء، ومن المقرَّر أن ينعقد الاجتماع الدوري السنويّ للمؤتمر العام، في أيلول (سبتمبر).

وتتضمن مسؤوليات الوكالة الدولية للطاقة الذرية مراقبة الالتزام بالقيود المفروضة على أنشطة إيران النووية، بموجب الاتفاق المبرم بين طهران وقوى عالمية، عام 2015، والذي انسحبت منه الولايات المتحدة العام الماضي.

وهناك مرشحان مرجحان لتولي المنصب بعد أمانو، هما: مبعوث الأرجنتين لدى الوكالة، رفائيل جروسي، الذي نافس أمانو على المنصب في السابق، ومبعوث رومانيا، كورنيل فيروتا، وهو كبير منسّقي الوكالة، ويعدّ فعلياً مديراً لمكتب أمانو.

 

للمشاركة:

طهران تزعم أنّها فكّكت شبكة تجسّس.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-22

ذكرت وسائل إعلام إيرانية، اليوم؛ أنّ طهران ألقت القبض على 17 جاسوساً، يعملون لحساب وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، وحكمت على بعضهم بالإعدام.

وعرض التلفزيون الرسمي صوراً قال إنها لضباط في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، كانوا على اتصال بالجواسيس المشتبه بهم، وفق ما نقلت وكالة "رويترز" للأنباء.

إيران تلقي القبض على 17 جاسوساً يعملون لحساب الاستخبارات الأمريكية وتحكم على بعضهم بالإعدام

ولم يرد أيّ تعليق من الاستخبارات المركزية أو المسؤولين الأمريكيين.

وكانت إيران قد أعلنت، في حزيران (يونيو)؛ أنّها فكّكت شبكة تجسّس تديرها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، لكن لم يتضح ما إذا كان إعلان يوم الإثنين يرتبط بالقضية نفسها.

ويأتي الإعلان عن الشبكة المزعومة بعد ثلاثة شهور من مواجهة متصاعدة بين إيران والغرب، بدأت في الأول من أيار (مايو)، مع تطبيق عقوبات أمريكية جديدة أشدّ صرامة.

ونقل التلفزيون الرسمي عن بيان لوزارة الاستخبارات؛ أنّ "الجواسيس، وعددهم 17، اعتقلوا خلال شهر آذار (مارس) 2019."

وذكر البيان: "كان الجواسيس يعملون في مراكز حساسة وحيوية في القطاع الخاص في المجالات الاقتصادية والنووية والعسكرية والفضاء الإلكتروني وقطاع البنية التحتية؛ حيث جمعوا معلومات سرية".

وفي تقرير منفصل، نقلت وكالة أنباء "فارس"، شبه الرسمية، عن مسؤول في وزارة الاستخبارات قوله: إنّ "بعض المعتقلين حُكم عليهم بالإعدام".

الجواسيس يعملون في المجالات الاقتصادية والنووية والعسكرية والفضاء الإلكتروني وقطاع البنية التحتية

وتستغل طهران حوادث القبض على الجواسيس المزعومين لتبرير موقفها بأنّها تتعرض لاستهداف دائم من قبل الغرب، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، كما تستعمل حوادث اعتقال أشخاص مزدوجي الجنسية، كورقة ضغط فيما يتعلق بالتوتر مع الغرب، بعد خرقها للاتفاق النووي لعام 2015.

ودائماً ما توجه إيران تهم التجسس والعمالة لمواطنيها في محاكمات تعرف انتقادات كبيرة من المنظمات الحقوقية الدولية والمحلية، في غياب أبسط مقومات شروط المحاكمة العادلة.

وحكمت إيران، في أيار (مايو)، بالسجن 10 أعوام على مواطنة إيرانية، تدعى زاغاري-راتكليف، بتهمة التجسس لصالح بريطانيا والتحريض على الفتنة؛ حيث أكدت عائلتها أنّه تمّ نقلها من زنزانتها إلى جناح الأمراض النفسية في إحدى مستشفيات طهران؛ حيث تخضع لمراقبة الحرس الثوري الإيراني.

 

للمشاركة:

انتهاكات صهيونية جديدة..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-22

تواصل دولة الاحتلال الإسرائيلي انتهاكها للإنسانية وللقوانين والاتفاقات الدولية، متحدية المجتمع الدولي؛ حيث قامت اليوم بهدم 16 بناية تضمّ نحو 100 شقة سكنية، على أطراف مدينة القدس، في منطقة تقع تحت السيادة الفلسطينية.

ودانت الرئاسة الفلسطينية شروع الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الإثنين، بهدم تلك الشقق السكنية.

الاحتلال الإسرائيلي يهدم 100 شقة سكنية على أطراف مدينة القدس في منطقة تقع تحت السيادة الفلسطينية

وحمّلت الرئاسة الفلسطينية، في بيان نشرته وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية (وفا)، حكومة الاحتلال، المسؤولية كاملة عن هذا التصعيد الخطير ضدّ الشعب الفلسطيني الأعزل، وعدّته جزءاً من مخطط تنفيذ ما يسمى "صفقة القرن"، الهادفة إلى تصفية القضية الفلسطينية.

هدم منازل الفلسطينيين وتشريدهم ليس بالسياسة الجديدة على إسرائيل، ولكن هذه المرة وقاحتها واستخفافها بالمجتمع الدولي، دفعها لتنفيذ جريمتها في منطقة "واد الحمص"، التي تقع خارج الخطّ الوهمي لبلدية الاحتلال في القدس، وتصنف غالبية أراضيه ضمن مناطق "أ" التابعة للسيادة الفلسطينية، وفق اتفاق أوسلو.

من جهته، طالب أمين سرّ اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، صائب عريقات، المجتمع الدولي والمحكمة الجنائية الدولية والمدعية العامة بفتح تحقيق بهذه الجرائم. وقال: "لدينا استيداع لدى هذه المحكمة، والمعالجة الوحيدة هي فتح تحقيق مع المسؤولين الإسرائيليين".

وأوضح عريقات أنّه "آن الأوان للدول العربية أن تدرك أنّ ما يحدث من مخطط هو تطبيق لـ "صفقة القرن"، التي أعلنت القدس عاصمة لدولة الاحتلال، وفتحت الأنفاق أسفل المسجد الأقصى المبارك".

وأشار إلى أنّ الازدهار الاقتصادي، الذي أُعلن عنه في ورشة المنامة، ينفَّذ عبر هدم 100 شقة سكنية للفلسطينيين، متسائلاً: "أهذا هو الازدهار؟!"

بدوره، قال ممثل منظمة التعاون الإسلامي لدى فلسطين، أحمد الرويضي: إنّ "هدم منازل الفلسطينيين في مناطق تخضع للسلطة الوطنية بحسب اتفاق أوسلو، جريمة نكراء".

وأضاف؛ "قرار الهدم جاء نتيجة أمر عسكري، بتواطؤ مع القضاء الإسرائيلي في جريمة مشتركة ضدّ أصحاب الأرض الشرعيين، لصالح جدار "سلكي" غير مكتمل".

وأشار إلى أنّ قرارات الهدم في وادي الحمص والخان الأحمر، تأتي في سياق مخططات الاحتلال لاستكمال عزل القدس عن الضفة الغربية، والإجهاز على مبدأ حلّ الدولتين، الذي أجمع عليه العالم.

الأوساط الفلسطينية تدين جريمة الكيان الصهيوني وتطالب المجتمع الدولي بالتدخل لوقف انتهاكاتها

ولفت إلى أنّ المعركة في القدس معركة ديموغرافية، تهدف من خلالها إسرائيل إلى تقليص عدد الفلسطينيين، من 40% من إجمالي سكان المدينة، بشقّيها الشرقي والغربي، إلى 20.%

من جهته، قال الناطق باسم الحكومة، إبراهيم ملحم: إنّ "هدم إسرائيل 100 شقة سكنية في منطقة خاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية هو اعتداء على اتفاقيّتَي أوسلو وجنيف، ومؤشّر خطير يستدعي تدخلاً دولياً لوقف هذا القرار.

ورأى أنّ عمليات الهدم تطهير عرقيّ يستهدف تهجير مئات العائلات الفلسطينية، وفرض أمر واقع جديد على الأرض، واستكمالاً لفصل القدس عن محيطها.

وأكّد أنّ الحكومة ستعمل في اتجاهين؛ الأول على المستوى الدبلوماسي والاتصال بالجهات الدولية لوقف هذا التصعيد الخطير، والتدخل لحماية المدنيين، وإلزام إسرائيل بالاتفاقيات الدولية، والاتجاه الثاني تعزيز صمود المواطنين في مواجهة المشاريع التصفوية للقضية الفلسطينية.

كما سبق أن أصدرت بعثات الاتحاد الأوروبي، في القدس ورام الله، بياناً تطالب فيه إسرائيل بوقف هدم المنازل الفلسطينية وتقويض حلّ الدولتين.

 

للمشاركة:



حسن البدري: الحركات المتطرفة تأكل بعضها

2019-07-22

أجرى الحوار: ماهر فرغلي


قال القيادي السابق بالجماعة الإسلامية، حسن البدري، إنّه يعجب من نفسه الآن كيف جعل مصيره حين كان شاباً صغيراً بين أيدي جهلة متطرفين متناقضين، على حد وصفه، مضيفاً في حواره مع "حفريات" أنّ هذا ما تأكد منه بعد اعتقاله وفق ما قال له أحد ضباط الأمن: "لن أقول لك إنّ هذه الجماعات المتطرفة براء من الإسلام، وهو منها براء، فهذا أمر ستتأكد منه بنفسك عملياً، وأنت معهم في السجن".

ظللت أعتقد أنّ جماعتي صفوة الصفوة وأنّ ما لدي من نقص علمي ومعرفي وتربوي سيكتمل على أيديهم

وأكد المنشد الأول للجماعة الإسلامية، أنّ كلّ اتجاه تكفيري يزعم أنّه على الحقّ، وأنّ مخالفيه على الباطل، وأنّه لم يكن منتظراً مبادرة المراجعات للجماعة الإسلامية، "فقد كنت قد قررت الانسحاب قبلها، بعد كلّ ما حدث معي واختبرته بنفسي".
ورأى البدري أنّ انتشار التطرف والإرهاب يعكس أزمة ثقة في المجتمع بين الشعب وحكامه، أو بين الشعب والمؤسسة الدينية؛ وأن أهم وسائل العلاج، في رأيه: التكافل الاجتماعي ومحاربة الفقر، والاهتمام بالصحة النفسية الاجتماعية وأبحاثها الميدانية؛ للكشف عن الحالات الدفينة الخطيرة.
وهنا نصّ الحوار:
بداية الضياع

"المأثورات.. الوصايا العشر لحسن البنا"
كيف بدأت الطريق مع جماعات الإسلام السياسي؟

في البداية كان شأني شأن كلّ شاب في أوائل العقد الثالث من عمره خاصة، وشأن كلّ مصري عامة، كنتُ مشدوداً بالفطرة والسجيّة إلى البحث عن استقرار في حياتي، وعلاقة مع ربّي، وتدارك، أو تعويض، أو تصويب، ما ضاع وما فات في زمن الصبا، بشكل يجعل الحاضر والمستقبل أفضل.

اقرأ أيضاً: المنشق عن الجماعة الإسلامية عوض الحطاب: العنف لن يتوقف بوجود أمراء الدم
في الأشهر الأخيرة من خدمتي بالجيش، قال لي أحد زملائي، ونحن واقفان معاً محلّ خدمتنا على البوابة الرئيسية لقيادة "اللواء 117": "أرى أنّك لا ينقصك سوى أن تصلي، فرنّت العبارة في أذني، وقد قالها لي مرة واحدة، ولم يكلمني بعدها مطلقاً في أي شيء يتعلق بالدين، ولم أكن قد سمعت هذه العبارة مطلقاً من شيخ كتّاب قريتنا، الذي ختمت على يديه حفظ القرآن كاملاً، سمعتها بهذا الشكل المشحون بالطاقة الروحية وبالودّ والتعاطف، فعملت مقتنعاً بنصيحته، وواظبت على الصلاة في المسجد.

كنت عضواً عليلاً ألتمس الدواء من أطباء تبين لي أنّهم ليسوا سوى مرضى

بعدها، وأنا في محطة قطار عين شمس، وكنت في طريقي لقضاء الإجازة، عثرت على كتيّب صغير مع شاب يبيع الكتيبات والمصاحف على رصيف المحطة، وهو "المأثورات.. الوصايا العشر لحسن البنا"، فاشتريته وكان سعره لا يتجاوز خمسين قرشاً، ولم أفتحه إلا بعد أن عدت من إجازتي، وكان مفهوماً ويسيراً، عدا الوصية التي تتعلق بالتحاكم وبالرابطة الروحية الإخوانية.
ومرّة قابلت أحد زملائي وسألته عن معنى كلمة الطاغوت، ثم أخذ يقرأ كتاب السيرة النبوية ويسقط كلّ ما فيها على الواقع المعاصر، ويرجّح دائماً كفّة الجماعة، ثم دعاني للذهاب للاستماع إلى الشيخ فوزي السعيد في مسجد التوحيد بغمرة، وعندما سألته عن "المأثورات"، وعن حسن البنا، قال لي: إنّ "مجدّد الدين في هذا القرن هو سيد قطب"!
وأمام هذا المسجد بدأت أبيع الكتب الدينية الصغيرة والسواك والبخور وأكسب بعض الأموال، ثم افترقنا وشقّ هو طريقه ليعمل محاسباً، وانقطع عن مواصلتي ومتابعتي، علماً أنّه يعمل بالدعوة السرية الفردية فقط، ويحلق لحيته، ولا يبدو عليه ما يشير إلى انتمائه الأيديولوجي.

اقرأ أيضاً: عمر عبدالرحمن.. الأب الروحي لتكفيرية "الجماعة الإسلامية"
وأتعجّب الآن من نفسي كيف قامرت وجعلت مصيري ونفسي حقلاً للتجارب التي بين خيط الصواب وخيط الخطأ، بين أيدي جهلة متطرفين متناقضين، وانجذبت طائعاً، وكيف تقوقعت، وكيف كنت أرضى بأن أتجمّد في مكاني بلا مستقبل، فقط أعيش اليوم واللحظة، دون خطة، أو رؤية أو حماس للحياة، أو حبّ لها، وكأنما أصبحت أمشي نائماً، أو أمسيت مثل الموتى الذين أسكن فوقهم في غرفتي بمنطقة (ترب الغفير)، وكيف شقّ هو طريقه، والتزم بما يصلح دنياه وتركني حول فكرة البلاء والموت!
ولم أزل أتساءل: هل كان صادقاً فعلاً لكنّه، كغيره من معظم أبناء هذه التيارات، جاهل بالشرع والناس والواقع، أم أنّه نائم كان يسحب خلفه نائماً، أو هو ميت كان يسحب خلفه ميتاً، أو هو تائه كان يزعم أنّه سيهدي تائهاً مثله؟!
اختبار السجن

 الشيخ فوزي السعيد
لماذا اعتقلت؟ وكيف كانت الأيام الأولى من هذه المرحلة؟

كنت أسمع من الشيخ فوزي السعيد، وأتأثر به كثيراً، وأتقمّصه حرفياً، وأخطب في المساجد، وبدا ما أقوله غريباً على العامة، ومثار جدل وإرباك وصدام معهم، ومع تيارات أخرى، وحاول الجميع احتوائي بشتى الطرق، لكنّني تصلّبت فكرياً، وحكمت على كلّ محاولاتهم سلفاً بالفشل، فاضطروا للإبلاغ عني، وإخلاء مسؤوليتهم أمام رجال الأمن.

لم أكن منتظراً مراجعات الجماعة فقد قررت الانسحاب بعد كلّ ما حدث معي واختبرته بنفسي

وفي أوائل العام 1997 تمّ اعتقالي، ثم خرجت وعدت كما كنت، ثم بعدها بشهور قليلة تم اعتقالي مرة أخرى، وقال لي ضابط الأمن يومها: لن أقول لك إنّ هذه الجماعات المتطرفة براء من الإسلام، وهو منها براء، فهذا أمر ستتأكد منه بنفسك عملياً، وأنت معهم في السجن وستعرفهم على حقيقتهم.
ظللت أعتقد أنّهم صفوة الصفوة، وأنّ ما لدي من نقص علمي ومعرفي وتربوي سيكتمل على أيديهم وبصحبتهم، وأنّ الذي يدخل معهم سيخرج من ذنوبه، حتى بدأت الصدمات والمفارقات التي جعلتني أتوقف وأسأل وأراجع، بل وأعترض وأناقش، بل وأصطدم وأتعارك أحياناً، وأتعرض لشتّى صنوف الأذى الجسدي والنفسي، فأنت تدخل إليهم عليلاً تلتمس الدواء فلا تجد الأطباء إلا مرضى، فيصيبك ما أصابهم فتتضاعف بلواك.

من أمام  سجن "أبو زعبل"

كيف أخذت تتغير أفكارك في السجن؟
كانت الزنزانة الأولى لي في سجن أبو زعبل الجديد خليطاً من الأفكار، مثل: الجماعة الإسلامية، وجماعة الجهاد والتكفير، وسلفية الجهاد، وبعض المنشقين الذين تركوا الجميع ووقعوا على إقرارات توبة، كان كلّ صاحب اتجاه يدعو ويروّج سراً لاتجاهه، وكلّهم يزعم أنّه على الحقّ، وأنّ مخالفيه على الباطل، والجميع في الظاهر يتعاملون بتجمّل ومجاملة وتقية، وفي العمق أسمع هذا يكفّر هذا، وهذا يفسّق هذا، وهذا يبدّع هذا، وهذا يتهم هذا بالجهل، وهذا يرمي هذا بالتشدد.

جميع التيارات الدينية المتطرفة تتعامل في الظاهر بتجمّل وتقية وفي العمق يكفّرون بعضهم

ومن طريف ما رأيت؛ أنّ تلاميذ مصطفى سلامة كانوا معنا، وكان قائدنا يعاملهم بمجاملة في الظاهر، بينما يقول سرّاً لأتباعه: "هؤلاء ليسوا ملتزمين دينياً؛ ألا ترون كيف يرتدون فانلة بحمالات!"، ورأيت عنصر التكفير لا يصلّي خلف أحد، وحين يصلّي الجهرية لا يقرأ إلا "قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ"، ووجدت من كفّر والديه، ومن كفّر نفسه، ثم اغتسل ونطق الشهادتين وأسلم من جديد، وكرّر ذلك مراراً، ومنهم من كان يقول: "أيّما فرد لم يكفّر الكافر فهو كافر، وكذلك الأمر بالنسبة إلى أيّة جماعة، فإن لم تكفّر الكافر فهي كافرة"، وكان يكفّر العلماء أيضاً في الوقت الذي يعتمد فيه على تأويلات فاسدة للقرآن الكريم، بجهل وجرأة غير مسبوقَيْن! حتى أصابني الغمّ والغثيان والاكتئاب، وخرجت من أبو زعبل بعد عام ونصف العام، مصاباً بحمى روماتيزمية، أثرت فيما بعد على صمامات القلب.
منشد الجماعة الإسلامية

الشيخ كرم زهدي
كنت منشد الجماعة الإسلامية ومطربها وقت مبادرة وقف العنف؛ صف لنا تلك الأيام ودورك فيها.

كنت أجيد الشعر والتلحين والأناشيد، وأحبّ ذلك كهواية محببة لي في الوقت نفسه، وفي كلّ زنزانة دخلتها كنت أقوم بهذه الوظيفة، فألّفت نشيداً للمواساة، وآخر للصبر، ثم للتأمل والذكر، وآخر للترفيه والتسلية، وكان ذلك مقبولاً ومطلوباً من الأغلبية، حتى كانت مبادرة وقف العنف، وكانت المحاضرات والندوات والحفلة التي سجّلت صوتاً وصورة في حضور لفيف من رجال أجهزة الأمن، وعلى رأسهم المرحوم اللواء أحمد رأفت، والقادة التاريخيون للجماعة الإسلامية، وعلى رأسهم: ناجح إبراهيم، والشيخ كرم زهدي، وكانت الكلمات مناسبة للسياق والمقام والحدث والمرحلة.

اقرأ أيضاً: 10 محطات شكلت موقف الجماعة الإسلامية في مصر من العنف
وكان معي فريق رائع من المنشدين، سواء الصولو أو الكورس، وعلى رأسهم المنشد ياسر عيد، وبدأت مراسم حفل افتتاح الندوات بالقرآن الكريم، ثم نشيد الافتتاح، ثم أناشيد وفقرات أخرى متنوعة لم نترك فيها جانباً ممكناً إلا أقمناه، حتى "الاسكتش" الفكاهي قدمناه، وسعد الجميع، وأظهر اللواء أحمد رأفت إعجابه وتشجيعه لنا، وكان من أهم أناشيد الحفل التي أديتها أنا وياسر عيد:
من أجل ماضيك المليح
أهدي بواكير القصائد
أنا طائر الفجر الجريح
مهما اغتربت هواك صائد

ما بعد المراجعات

كانت أهم المقولات المحورية للمشايخ: أخطأنا في قتل السادات ونتوب من ذلك
كيف حدث التحوّل السريع بين عناصر الجماعة بعد المراجعات؟

بدأت المحاضرات والندوات تباعاً بالسجون حول المراجعات الفكرية ووقف العنف شرعاً وعقلاً وسياسة، وكانت أهم المقولات المحورية للمشايخ وبتصرف: "أخطأنا في قتل السادات ونتوب من ذلك، وهو الآن نحسبه عند الله من الشهداء"، و"ما حدث في السجون أو خارجها من الإخوة، من ظلم أو بغي، ضدّ المخالف فهو خطأ، ومن يظلم يتعرض للظلم، ومن يرق دماء الناس بغير حقّ يتعرض أيضاً لمثل ما فعل".
وأما أنا فلم أكن منتظراً المبادرة والشرعنة والتأصيل والدراما، فقد كنت قد قررت قبلها، بعد كلّ ما حدث معي واختبرته بنفسي، وذكرت هنا بعضاً منه فقط، أن أبتعد عن الجميع تماماً بعد خروجي من السجن، وبالفعل نفّذت ذلك، والكلّ يعلم ذلك تماماً.

ما الفرق بين إقرارات التوبة والمراجعات التي تمّت؟
في رأيي، لا فرق بين إقرارات التوبة التي وقّع عليها أفراد من الجماعة والمراجعات التي قدمتها الجماعة، وذلك للأسباب الآتية:

التعامل مع خوارج العصر يكون بالفكر وإجراءات الاستتابة التي يقدرها المتخصصون

أولاً: الفرد وقّع على إقرار بأنّه كان ينتمي للجماعة، وأنّ هذا خطأ ارتكبه، وهو تائب منه ولن يعود إليه، وهدفه من ذلك أن يخرج، وعزمه بعد الخروج يتجه في اتجاه آخر مفارق للجماعة، وليس مفارقاً للإسلام، وأما الجماعة فقد قدمت إقراراً جماعياً وقّع عليه مشايخها يسمّونه مبادرة، والحقيقة أنّه اسم مهذّب يحفظ ماء الوجه لجماعة كلّها أقرّت بأنّها أخطأت.
ثانياً: الذين يفرّقون بين إقرار التوبة والمراجعات، هم الجماعة فقط، على أساس أنّ التائبين بالإقرارات الفردية تركوها، وأنّ التائبين جملة وبشكل جماعي، ما يزالون أبناءها، حتى بعد الخروج، وهذا المعيار مضلّل ومراوغ، وازدواجيته من الوضوح الصارخ، بحيث لا يخفى عوره وتناقضه، ولا تخفى ازدواجيته على أحد.

كيف ترى جماعات التكفير التي قابلتها بعد هذه التجربة؟
هم كما ذكرت سابقاً، وأوجزه في مصطلح "خوارج العصر الحديث"، فهم حرورية يعبدون الله بالخوف فقط، وهم أشدّ الناس صدقاً وإخلاصاً في نيّتهم لله، وأشدّ الناس تعبّداً وتنسكاً وورعاً ومجاهدة روحية، لكنّهم -وبكلّ أسف- ضلّوا الطريق، وفسد تصورهم، فكفّروا المسلمين وأئمتهم، وخرجوا على حكامهم بالسيف، واستحلوا دماء وأموال أناس معصومي الدم والمال، وغدروا بمن دخلوا البلاد، ومعهم عقد أمان؛ من جواز سفر وتأشيرة ونحو ذلك.
والتكفير تيارات كثيرة في مصر والعالم كلّه، لكنّ أشدهم خطورة عناصر تنظيم "القاعدة"، وهم في كلّ بلد، ودعوتهم منتشرة عبر الإنترنت، ولهم تأثير على نوعية معينة من الناس في كلّ بلد الآن، وأما التعامل مع خوارج هذا العصر: فالفكر يقابل بالفكر والاستتابة، وإجراءات الاستتابة يقدرها المتخصصون بقدرها حسبما يرون.
أسباب التطرف والعلاج

الفقر مناخ ملائم يركز عليه التطرف كنقطة ضعف يتصيد منها فريسته
من خلال ما مررت به، ما هي أهم أسباب التطرف الديني من وجهة نظرك؟

أهم أسباب التطرف يمكن إيجازها في الفقر؛ وهو مناخ ملائم يركز عليه التطرف كنقطة ضعف يتصيد منها فريسته، وكثيراً ما ينجح، والأمراض النفسية الاجتماعية؛ وهي مناخ ملائم تتولد فيه عند البعض آراء متطرفة بسبب جبنهم، أو تعرضهم للظلم وضياع الحقوق، أو تعرضهم للبلطجة، ومع قلة حيلتهم وهوانهم على الناس ورغبتهم في التنفيس عن أنفسهم والانتقام لها، أو رغبتهم في الظهور كشيء مذكور تتولد منه الأحقاد والضغائن العميقة.
كما يتكوّن مجرمون في الظلام، لا أحد يعرفهم وسرعان ما يجدون ضالتهم في التطرف والإرهاب والجماعات التكفيرية حتى تكون لهم عزوة وسنداً ليحققوا مطامحهم الظلامية المريضة، وهؤلاء يحتضنهم المتطرفون بشكل مكثف جداً، ويزرعون فيهم، بكل سهولة، مركب الإمارة والبطولة ثم الجريمة والاستشهاد.

يتكوّن مجرمون في الظلام لا أحد يعرفهم وسرعان ما يجدون ضالتهم في التطرف والإرهاب والجماعات التكفيرية

ثم هناك أزمة الثقة حين ينجح التطرف والإرهاب في الظهور والفاعلية، وتصدر المشهد، فاعلم أنّ ذلك بسبب ما زرعه من أزمة الثقة بين الشعب وحكامه، أو بين الشعب والمؤسسة الدينية؛ فهو لا يتصيّد إلا في ماء عكر، وهو يستغل كلّ المنحنيات، وكلّ الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد والشعوب، ويترصدها ليستغلها في إحداث أزمة الثقة، فهذا مناخ جيد بالنسبة إليه.
وأيضاً تقلص دور المؤسسة الدينية؛ فالدعاة الرسميون ينتظرون الناس في المساجد يوم الجمعة، وكلٌّ يعمل براتبه، ومن موقعه، وانتهى الأمر، وغياب دور المشاركة الأهلية التطوعية في العمل الدعوي، وعدم الرقابة على الفتوى، وعدم اتخاذ إجراءات قانونية ضدّ المتعالمين والجهلة والمجربين وميكانيكية الفتاوى، وأخيراً سلبية المواطنين.

وما علاج مشكلة التطرف والإرهاب برأيك؟
أهم وسائل العلاج، في رأيي، يمكن إيجازها في: التكافل الاجتماعي ومحاربة الفقر قدر المستطاع، والاهتمام بالصحة النفسية الاجتماعية وأبحاثها الميدانية؛ للكشف عن الحالات الدفينة الخطرة وتداركها قبل فوات الأوان، ثم مدّ جسور الثقة بين الناس وحكامهم ومؤسساتهم الدينية، ليعيش الناس تلك الثقة واقعاً ملموساً، ومحاربة البطالة؛ فهي معمل تفريخ للجريمة عامّة، والتطرف الديني خاصّة، والوقوف أمام الجهل.

للمشاركة:

لبنان نصرالله: أشلاء وطن مخدوع

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-22

منى فياض

بادرني السمكري فور دخوله لإصلاح عطل: "ما هذا يا سيدتي؟ كل هذا العنف والفلتان والفساد والسرقات العلنية من دون خجل؟"

إنه لسان حال المواطن العادي المذهول مما نحن فيه. بلد غارق في الفوضى والتهديد والتشويق! فقبل أن يستوعب إملاءات (الأمين العام لحزب الله) حسن نصرالله، قفزت إلى الواجهة قضية اعتداء طليق ابنة النائب في البرلمان اللبناني نواف الموسوي، عليها وعلى أطفالهما. يستند الطليق إلى نفوذ والده الديني، المرجع الذي يمثل خامنئي شخصيا! فحصل إشكال أمني جعل النائب يهاجم مركز شرطة مع مجموعة من أنصاره وحصل اعتداء وإطلاق نار.

اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي والصحافة والتلفزة بالتعليقات. وانقسم الجمهور بين مدافع عما ارتكبه النائب، بشكل غرائزي أحيانا، مبديا استعداده للقتل في حال تعرضت ابنته لأمر مماثل! جاء ذلك بالطبع كرد على إجحاف قوانين الأحوال الشخصية في المحاكم الجعفرية بحق المرأة المطلقة وحرمانها من حقها بالحضانة واضطهادها والإصرار على تزويج القاصرات. فابنة الموسوي زوجت وهي قاصر أيضا.

لكن ذلك لم يمنع قسما من الرأي العام من رفض خلط الأمور، للتغاضي عن سلوك النائب ولو بسبب الاضطهاد اللاحق بابنته. فهو عضو في حزب يرفض تعديل قوانين الأحوال الشخصية، وبدل أن يقوم بأعمال عنف تخرق القانون، ليس عليه سوى العمل على تعديل القوانين من داخل المجلس النيابي ومواجهة مرجعياته أو القبول بنتائج خياراته السياسية والدينية.

ردود الفعل هذه تبرهن على أن المواطن اللبناني أُفقد معيار الحس السليم الذي يقضي بالفصل التام بين القضيتين. إن الدفاع عن حقوق السيدة المعنفة وإدانة عنف الطليق، لا يعفي المواطن من إدانة سلوك والدها. فالنائب الموسوي ينتمي إلى منظومة حزب الله ذات السوابق في ممارسة العنف وتجاوز القوانين. وهو مارس مرارا الاستقواء باسم حزبه. مع أن زميله النائب محمود قماطي المحاضر بالعفة، كان قد بشرنا بأن "عصر الميليشيات قد ولى". وتبين أن انتهاء صلاحية الميليشياوية وقف على أعتاب حادثة الجبل.

وعلى رأي الصحافي طوني أبي نجم: "نحن في بلد الناس تتضامن فيه مع نائب سبق أن رفض إعطاء المرأة حقوقها بالقانون وقرر أن يأخذ حق ابنته بيده!".

النيابة العامة العسكرية طلبت الموسوي إلى التحقيق، فرفض الحضور، قائلا: "أبلغوني عبر مجلس النواب أو عبر رئيسه"، وفق ما أفادت قناة MTV. على الأرجح استند الموسوي إلى انقضاء أكثر من 24 ساعة على الحادثة، ما يستوجب موافقة البرلمان. فلننتظر الآن موقف البرلمان من القضية.

شكلت هذه الحادثة وغيرها، كشافا فاضحا لما آلت إليه الجمهورية اللبنانية في عهدة السلاح المقدس، الذي يزعم البعض أنه "ضمانة حدودنا وأمننا". من هنا صعوبة خداع النفس بعد خصوصا بعد خطاب نصرالله الأخير.. فالدويلة مسحت الدولة وقضت عليها.

حزب الله، ومن في دائرته لم يعد "يرى" الدولة، وبحسب تعابيرهم: "مش قاريينكم". فبالإضافة إلى السوابق العنفية للنائب الموسوي في شتم رؤساء جمهورية والتعرض لزملائه في الندوة البرلمانية؛ سوابق الحزب أكثر من أن تعد. سيطر على الدولة بقوة السلاح باجتياحه بيروت عام 2008 ما أنتج اتفاق الدوحة بما عناه ويعنيه من أثر على الداخل اللبناني. ناهيك عن قتله المواطن هاشم السلمان بدم بارد أمام السفارة الإيرانية وأمام أعين المواطنين والأجهزة الأمنية والكاميرات. وكان له فضل إسقاط حكومة الأغلبية النيابية بمجرد إنزال أصحاب القمصان السود إلى الشارع عام 2011. ناهيك عن ملفه المثقل في المحكمة الدولية المكلفة بالتحقيق باغتيال الرئيس رفيق الحريري ومن قضوا معه. كما رفض علنا تسليم المتهم بمحاولة اغتيال النائب السابق بطرس حرب والمتهم بقتل الطيار في الجيش اللبناني سامر حنا، وغيرها من من الارتكابات والمخالفات.

لكن ذلك لا يمنع المرشد من التبشير بمحاربة الفساد وأهمية الاستقرار؛ في وقت ينقض فيه على الدولة راغبا، ليس فقط بالسيطرة على مناوئيه، بل بإخراسهم وتركيعهم، لاغيا آخر مظاهر الدولة، حتى الشكلية، بعد أن أنجز مهمته وتمكن من فرط عقد المعارضة النيابية المعروفة بـ 14 آذار، ونجح في تقسيم المسيحيين، وقسم الطائفة السنية بالقوة. لم يبق أمامه سوى تركيع النائب السابق وليد جنبلاط وتقسيم الدروز؛ بطريقة أو بأخرى. فخطابه كشف أنه خلف المطالبة بالمجلس العدلي لتكرار سيناريو سيدة النجاة التي سجن جعجع بسببها.

لكن تصاعد وتيرة العقوبات جعلته "يكتشف" وجود شعب في لبنان، وهو شعب عليه أن يشعر بالإهانة من العقوبات التي طالت نائبين من كتلة حزب الله. أما القضاء على دولته ومواطنيته فلا يعد إهانة موصوفة! والدعاوى التي رفعها بشار الأسد بحق عدد من النواب والشخصيات، ناهيك عن طلب الإعدام بحق رئيس الحكومة نفسه، لا تستحق التعليق.

كنا نزعم أن الثورات والمقاومات غايتها الدفاع عن الشعب وتأمين حياة كريمة ووطن سيد مستقل. لكننا وجدنا العكس عند "المقاومة الإسلامية"؛ فمنذ "الانتصار الإلهي الموصوف" في عام 2006، والوضع في لبنان في تدهور مستمر. تراجع النمو الاقتصادي من 8 في المئة قبل 2011 إلى صفر في المئة عام 2019، ويقال إنه أقل من ذلك.

بماذا أتحفنا خطاب نصرالله الأخير؟ من ما يقرب ثلاث ساعات ونصف الساعة، أمضى أكثر من 3 ساعات في الدفاع عن النظام الإيراني، كأنه الناطق الرسمي باسم إيران. ويجد بعض المعلقين أكثر من ذلك، إذ إنه تكلم باسم خامنئي شخصيا وكأنه مكلف بإرسال الرسائل باسمه؛ فقد جاء خطابه في عناوين صحيفة كيهان: (نصرالله، في أي حرب لن تكون "إسرائيل" محيّدة وإيران أول مَن تدمّرها). وكتبت صحيفة الوفاق الايرانية الدولية تعليقا: "السيّد نصرالله خاض حربين وانتصر فيهما: الأولى عندما حرّرت المقاومة بزعامة حزب الله الجنوب عام 2000، وأنهت الاحتلال الإسرائيلي، بعد إذلاله وإدماء أنفه. والثانية عندما تجرّأ هذا العدو على شن العدوان على لبنان عام 2006، ودفع ثمنا باهظا أبرز عناصره انهيار الثقة بجيشه الذي قيل إنه لا يُهزم. ولا نعتقد أن الانتصار الثالث بات بعيدا، خصوصا إذا اندلعت شرارة الحرب في المنطقة بتحريض إسرائيلي... والله أعلم".

إنهم يبشرونا بحرب ثالثة إذن!

يعيب نصرالله على الإسرائيليين خوفهم من الخسائر البشرية! كما سبق لحزبه أن أعاب على رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة بكاءه أثناء الحرب. بالطبع؛ فنصرالله لا يهمه لا البشر ولا الحجر، فهو خرج "منتصرا" في حرب 2006 بعد الدمار الموصوف التي سببته لكليهما. أرواح البشر عنده أرخص كثيرا من الصواريخ التي يتباهى بها.

وحين يعدد لنا المرافق الإسرائيلية التي يهددها، وأمام نوعيتها المتطورة علميا وتقنيا، لا يرف له جفن أو يبدي ذرة أسف أمام التخلف المعيب الذي تسببت لنا بها سياساته.

تهديداته إسرائيل أثارت السخرية. وعلى ما يصف بعض المعلقين الفيسبوكيين: "يهدد إسرائيل بالعودة إلى العصر الحجري؟ أجل لأنه أدرى بذلك؛ جعل لبنان في وضع أسوأ من العصر الحجري: أنهار ملوثة، مجاري في مياه الشرب، نفايات وتلوث الماء والهواء والتربة، موت بالسرطان بالجملة، سرقات علنية وصفقات ولحوم وحبوب وأدوية فاسدة، ناهيك عن المخدرات والكبتاغون. قتل ودماء وذبح وحروب وعداوات وكيد ومكر وكذب وارتهان وعمالة وخيانة وتأخر".

وفي هذا الوقت، قدم النائب الموسوي استقالته، ما جعل البعض يعلق أنها "وسام يعلق على صدر الحزب". في نفس الوقت جاء في الأنباء: "نفى مدير مكتب الوكيل الشرعي للسيد علي الخامنئي في لبنان الشيخ محمد المقداد المعلومات المتداولة عن استقالته من منصبه". يعنى أن لا وسام يعلق ولا من يحزنون، إنه صراع بين مرجع ديني ومرجع سياسي في الحزب، وبالطبع الغلبة للديني.

هل سيثق المواطن بقيادة قدت من صوّان؟

عن "الحرة"

للمشاركة:

القوميات الإثنية والهويات المتنقلة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-22

السيد ولد أباه

في أوج الحراك الشعبي المستمر في الجزائر، ظهرت «الأعلام الأمازيغية» مجدداً في تحد لقرار الحظر الذي اتخذته قيادة الجيش التي ترى عن حقق أن في الأمر تهديداً للوحدة الوطنية الجزائرية.
أحد رموز الحركة الأمازيغية الجزائرية ظهر في إحدى القنوات التلفزيونية الفرنسية ليعلن بصراحة أن أمازيغ الجزائر عازمون على مواجهة «هيمنة الأقلية العربية» على الدولة، داعياً إلى إعادة البلاد إلى «هويتها الأصلية» وإلى الخروج من الانتماء القومي العربي ومن المؤسسات الإقليمية العربية، بل من التزامات الموضوع الفلسطيني والاعتراف بإسرائيل، والتعاون الوثيق معها.
وقد تكون هذه النغمة نشازاً، لكنها أصبحت ملموسة مسموعة في منطقة شمال أفريقيا بما فيها تونس التي تقلص فيها وجود المجموعات الناطقة باللغات الأمازيغية إلى عدد قليل لا يذكر. وفي موريتانيا التي لا توجد فيها حركة أمازيغية، برزت خلال الانتخابات الرئاسية نغمة قريبة من هذا التوجه لدى أحد المرشحين طالب فيها بإعادة بناء الدولة وتوزيع علاقات السلطة فيها بين ما أسماه «المجموعة العربية البربرية» المهيمنة والمجموعة «الزنجية الأفريقية»، وحتى لو كان هذا المترشح لم يحصل إلا على نسبة هامشية من الأصوات في الانتخابات الأخيرة، فإن هذه النغمة كانت حاضرة في الاستحقاقات الماضية.
وفي المشرق العربي تصاعدت هذه النزعات «الاثنو قومية» حسب عبارة الفيلسوف السنغالي سليمان بشير ديان، وتجاوزت الطابع العرقي المباشر (الأكراد والتركمان..) إلى حد تحويل الهويات الدينية والطائفية إلى نزعات قومية مقابل الانتماء العربي المشترك، مع العلم بأن المشروع القومي العربي صاغه في الأصل وحمله المارونيون والدروز والعلويون.. وغيرهم من العرب الذين لا ينتمون للأغلبية المسلمة السنية العربية.
ما يتعين التنبيه إليه هنا هو أن مفهوم الهوية في مكونه الثلاثي (اللغة -الثقافة -الإقليم) لا يحيل إلى رابطة عضوية موضوعية ولا إلى انتماء أصلي، بل هو حصيلة سياسات واستراتيجيات مرسومة في خطاب سياسي اثنوغرافي يعود في أصوله البعيدة إلى المدرسة الاستعمارية كما بينت الدراسات ما بعد الكولونيالية الراهنة.
المفارقة المثيرة هنا هي أن الدولة الوطنية التي قامت في أوروبا الحديثة بدور حاضن المواطنة وإطار الاندماج الاجتماعي الناجح هي التي أججت في بلدان الجنوب الصراعات الاثنو قومية.
لا يعني الأمر هنا أن الانتماءات الدينية والاثنية بمعنى ما لم تكن قائمة، لكن الطابع الإمبراطوري للدولة كان يسمح لمختلف «الأقوام والملل»، حسب التسمية التراثية القديمة، أن تتعايش وتتداخل كهويات مجموعاتية متمايزة، فضلاً عن كون هذه الهويات ظلت خاضعة للتعديل المستمر والانتقال الدائم.
في العالم العثماني كرست سياسات التدخل الأوروبي، التي بدأت منذ القرن الثامن عشر، فكرة التمايز الاثنو قومي من خلال إجراءات حماية الأقليات والمقاربات الاثنوغرافية التي أدخلت فكرة «العرق» والأمة (بمفهومها القومي) إلى الحقل السياسي، قبل أن تنفجر النزعات القومية من الجناح البلقاني والشرق أوروبي للإمبراطورية العثمانية.
وفي المنطقة الصحراوية السودانية من أفريقيا (غرب الصحراء والساحل الأفريقي) تبلورت المقاربة السياسية الاثنوغرافية نفسها بعد تفكيك إمبراطوريات غرب ووسط أفريقيا، بصنع الهويات الاثنية المتمايزة التي لم يكن لها معنى في منظومة تقوم على الامتزاج والتداخل المستمر والتنقل الدائم ما بين الهويات والانتماءات بحيث لم يكن الدين ولا اللغة ولا الإقليم عناصر محددة في الوعي المجموعاتي.
وفي شمال أفريقيا، بلورت الأدبيات الاستعمارية الفرنسية «الأطروحة البربرية» التي لم تكن قائمة، وحاولت تكريسها من خلال نظم قانونية وتربوية وإدارية خاصة.
والغريب في الأمر، أن نموذج الدولة القومية في أوروبا قام في عمومه على بناء منظومة مواطنة على أساس الشرعية القانونية العقلانية والهوية المفتوحة المندمجة، كما اضطلعت الدولة البيروقراطية بمشروع البناء الاندماجي الاجتماعي الذي قضى على الانتماءات العرقية والقبلية، في الوقت الذي اعتمدت هذه الدول الأوروبية المقومات العرقية الاثنوغرافية المصطنعة في الهندسة السياسية للدولة الكولونيالية.
ومع أن النزعات القومية التحررية الأولى تبنت قيم الحداثة السياسية والتنوير وفكرة المواطنة المتساوية، فإن فشل «دولة الاستقلال» في إدارة التنوع الاجتماعي أفضى في كثير من الحالات إلى النكوص بالنزعة القومية الكونية إلى الدلالة الاثنو قومية الضيقة.
لقد لاحظ الفيلسوف الكاميروني «اشيل امبمبة» أن العالم يعرف حالياً موجةً جديدة من إعادة الانتقال السكاني الواسع، لا يمكن اختزالها في موضوع اللجوء القسري والهجرة، بما يضع المنظور السياسي للدولة الإقليمية السيادية في ورطة لعجزها الفكري عن إدارة مفهوم المواطنة المتنقلة والهوية غير الإقليمية. كما أن هذا التحول يضع الديمقراطيات الأوروبية في ورطة لكونها قامت أصلا على حصر الحريات والحقوق في دائرة المماثل الشبيه والساكن المحلي، بما يؤدي بها إلى مأزق حقوقي وإنساني حاد في مواجهة المسؤوليات المترتبة على انهيار المجتمعات والدول التي هي حصيلة آثارها في الحقبة الاستعمارية.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية