المنشق عن الجماعة الإسلامية عوض الحطاب: العنف لن يتوقف بوجود أمراء الدم

المنشق عن الجماعة الإسلامية عوض الحطاب: العنف لن يتوقف بوجود أمراء الدم
6658
عدد القراءات

2019-05-12

أجرى الحوار: ماهر فرغلي


أخذ عوض الحطاب على عاتقه، هو وبعض رفقائه، المساهمة في إنشاء ما يسمَّى "جبهة إصلاح الجماعة الإسلامية"، وحين فشلوا في إصلاحها أعلن ذلك بوضوح، وأكد أنّ على الدولة المواجهة بكل أدواتها، خاصة عقب انتشار العنف المسلح حين وصل الإخوان للحكم بمصر، وفي هذا الحوار يتحدث عن تجربته وعن انشقاقه عن هذه التنظيمات.

اقرأ أيضاً: 10 محطات شكلت موقف الجماعة الإسلامية في مصر من العنف
"حفريات" التقت الحطاب، حيث أكد أنّ العنف لن يتوقف ما دام أنّ أمراء الدم يصولون ويجولون ويسيطرون على القرارات المصيرية في عمل "الجماعات الإسلامية".
هنا نص الحوار:
لماذا انشققت عن الجماعة الإسلامية، رغم تلك الأعوام الطوال التي قضيتها معها داخل وخارج السجون؟

انشققت عنها بعد أن قرأت عدة كتب حول شبهات التكفير، وفرقة الخوارج، وبعض الكتب الأخرى وقارنتها بالأبحاث التي كانت الجماعة تدرّسها لنا، سواء خارج السجن أو داخله، فوجدت أنّ هناك ازدواجية في كلّ شيء، مثال ذلك، ما يسمى العذر بالجهل، وإثبات الإسلام لمظهر الشعيرة، اللذان يثبتان الإسلام، وعكسهما في أفعال مثل القتل دون إقامة حجة، والقتل العشوائي لمن أثبتوا لهم الإسلام، فكيف نقول على شخص مسلم وفى نفس الوقت نقتله؟! وكذلك حين كانوا يدرّسوننا كتاب "نيل الأوطار" للشوكاني، كانوا يتجاهلون باب وجوب طاعة الخلفاء والأمراء، وكانت أفعالهم تدلل على أنهم هم الأمراء بالفعل رغم أنهم ليسوا كذلك.

اقرأ أيضاً: عمر عبدالرحمن.. الأب الروحي لتكفيرية "الجماعة الإسلامية"
كتاب "نيل الأوطار" للشوكاني

بمناسبة ذكرك ما يسمى أبحاث الجماعة هل كانت ترقى إلى أن تكون كذلك؟
لم تكن ترقى بالطبع، لكنّهم كانوا يطلقون عليها ذلك، وكلها صفحات مقتطعة في غير سياقها، على سبيل المثال؛ بحث قتال الطائفة الممتنعة، الذي تجد فيه فتوى لابن تيمية، كانت الجماعة تستغلها للقتل، وهي "أيما طائفة ممتنعة عن شعيرة من شعائر الإسلام وجب قتالها"، وستجد في أبحاثهم أنهم لم يسردوا بقية الفتوى، أي أنها مبتورة للافتراء على ابن تيمية أيضاً، لإشباع رغباتهم، دون دليل شرعي، وقد قرأت الفتوى كاملة في كتاب "التوحيد"، فلم أجدها كذلك!

هل المصريون خارجون عن الإسلام؟

كانوا يحكمون على المصريين أنهم خارجون عن الإسلام
إذاً، كانت مشكلتك الأساسية معهم أنهم ينزلون فتاوى التراث على الواقع الحالي، ما يوقعهم في أخطاء شرعية فادحة؟

الحطاب: جبهة إصلاح الجماعة تأسست من أجل عزل قادة العنف وأمراء الدم والدعوة إلى العودة لصحيح الدين

نعم، لقد كانوا يحكمون على المصريين أنهم خارجون عن الإسلام، وكانوا يرون الخلافة من أساسيات الإسلام والدين وينزلون أحكامها على قياداتهم، وينعتون أنفسهم أنهم أهل الحق حصرياً، وهذا غير الأخطاء التنظيمية الأخرى، والجهل الديني الذي تتمتع به قيادات الجماعة، وكذلك فقدان الإنسانية في التعامل مع من خالفهم فكرياً، والأمر الأدهى عدم قدرتهم على الفهم السياسي، وخطاب القتل والجهاد الذي يرددونه ليل نهار، دون أن يوجهوه لأعداء الأمة، وكانوا يوجهونه لصدور المصريين.
هل حديثك هذا عن الجماعة في مرحلة ما قبل مبادرة وقف العنف أم بعدها؟
عن المرحلتين معاً؛ فالمرجعات القديمة ما تزال، وينقصها الكثير من الشرح والتفصيل وإظهار العور الحقيقي في فكر الجماعة، على سبيل المثال، التنظيم والحزب، والعمل في مؤسسات الدولة، وهذا مثل رجل أقلع عن شرب المخدرات لأنه ليس معه أموال لشرائها، لكن حاله اختلف حين حصل على الأموال، وهذا ما رأيناه بعد أحداث يناير 2011، فمنهم من عمل كياناً آخر، وهو حزب البناء والتنمية، كحزب سياسي يخدم الجماعة، إضافة إلى تنظيم الجماعة نفسها، بل تعدى الأمر ذلك، وتمّ عمل جمعية عمومية بانتخابات هزلية بعزل القيادات المقتنعة بالمبادرة وفكر التصحيح، ومنهم: كرم زهدي، وناجح إبراهيم، وغيرهما، وتم استبدالهما بعاصم عبد الماجد ورفاعي طه ومن على شاكلتهما.
هل ما تقوله يؤكد أنّ مبادرة وقف العنف لم تنجح بشكل كامل؟
في الحقيقة هي لم تنجح بالقدر المطلوب؛ بسبب سيطرة قادة العنف وأمراء الدم على المناصب القيادية بعد أحداث يناير، وأسلوب التربية لعناصر الجماعة، التي أهمها السمع والطاعة العمياء، وتحالف الجماعة مع الإخوان.

3 محاور لأزمة الجماعة الإسلامية

سيطر قادة العنف وأمراء الدم على المناصب القيادية بعد أحداث يناير
بماذا تفسّر أزمة الجماعة المستمرة حتى الآن؟

أزمة الجماعة هي في 3 محاور؛ الأول: القيادة الجاهلة، التي لا تفهم في الإسلام ولا الإدارة، والثاني: أنّ الجماعة لا ترجع إلى العلماء في الأمور الشرعية، والمحور الثالث: هو الأفراد الذين تربّوا على العداء لمن خالفهم، والعزلة، والبعد عن العلم الشرعي والوعي السياسي، ويسمعون فقط ويطيعون دون تفكير، والأمر المشترك بينهم هو العداء للدولة ومن فيها، طالما لم يكن لهم نصيب منها، أو هي تحت سيطرتهم.
كيف تفكر أزمة القيادة التي تحدثت عنها؟
القيادي بصفة عامة بهذه التنظيمات تحركه قوته فقط، أما إذا شعر بالضعف تجده تحت الأقدام يقدم الأطروحات والتنازلات ويصبغها بصيغة شرعية وإصلاحية، ظناً منه أنّ من يقرأ له هو مثل أفراده أو من يطيعونه معدومو العقل والفهم، ومن هنا رأيناهم ينقضون عهدهم مع الدولة المصرية، التي منحتهم الكثير والكثير، وتحالفوا مع الإخوان طمعاً في تقسيم (التورتة)، وعدم انفراد مكتب الإرشاد بالسلطة وحدهم، وكان هذا من أجل الحكم، وليس من أجل الإسلام، كما يزعمون.
لكن الجماعة الإسلامية انسحبت من هذا التحالف المسمى "دعم الشرعية"؟
هي لم تنسحب فعلياً، إنما انسحبت إعلامياً، فما تزال قياداتها تحت رعاية الإخوان في تركيا وقطر، بينما الأفراد في الداخل حوسبوا قضائياً على أفعال تمت بأوامر القيادات الهاربة، ودفعوا الثمن، بينما الآخرون فيرفلون بالنعمة.

"لا يصلحون إلا أن يكونوا موظفين"

 لم يقدموا أيّ شيء للبلد، ولن يقدموا
لماذا تعتقد أنّ تجربة حزب البناء والتنمية خاطئة؟

لأنهم بالحزب لم يقدموا أيّ شيء للبلد، ولن يقدموا، لأنهم ببساطة لا يصلحون إلا أن يكونوا موظفين يتلقون الأوامر ممن يمولهم؛ حيث إنّهم ينفّذون دون وعي وعلم، فكلهم أو أكثرهم حصلوا على مؤهلاتهم العلمية بالغشّ في الامتحانات داخل المعتقلات، وقادة الحزب ما يزالون يفتون بتكفير الحاكم وجواز الخروج عليه والتحالف، رغم أنهم يعملون من داخل نظامه السياسي!
في ظلّ تلك التغيرات؛ هل من المتوقع إجراء مصالحة أو مراجعة جديدة؟
مستقبل المصالحة مع الإخوان مرهون بالفهم الصحيح للإسلام، والعمل من خلال مؤسسات الدولة المدنية، وأن ينتموا للوطن كأفراد من الشعب، ويحافظوا على أمن بلادنا القومي، وليس ككيان موازٍ للدولة؛ لأنّ تجربة الجماعة الإسلامية غيرت المفاهيم والنظرة إلى الجماعات المسماة الإسلامية.
حدثنا عن جبهة إصلاح الجماعة بصفتك أحد المؤسسين لها؟
السبب الرئيسي في تأسيسها؛ كان من أجل إصلاح الجماعة، وعزل قادة العنف وأمراء الدم من قيادتها، وإعادة الشيخ كرم زهدي إلى قيادتها، والدعوة إلى العودة لصحيح الدين، وحلّ حزب البناء والتنمية، ذراعها السياسي، والانسحاب من تحالف دعم الشرعية؛ لأنّه تحالف غير شرعي وغير دستوري، ولا يخدم إلا طائفة الإخوان المسلمين وعودتهم للحكم، والاعتراف بمؤسسات الدولة الدينية، المتمثلة في الأزهر الشريف والكنيسة، لكننا حين فشلنا في الإصلاح حللنا هذا الكيان، وأدركنا أنه لا حلّ مع هذا التنظيم من الداخل.

قبل عزل "الإخوان"

ماذا فعلتم بجبهتكم خلال حقبة الإخوان؟
قبل عزل الإخوان؛ كنا نحذّر من الإخوان ومن أفعالهم، التي لا ترتقي إلى درجة رجال دولة، وأثناء اعتصام رابعة، دعونا الحكماء للتدخل بعد تحالف الجماعة الإسلامية مع الإخوان، واعتلاء منصة رابعة من قبل طارق الزمر وعاصم عبد الماجد، وساعتها قلت: إنّ مبادرة وقف العنف انتهت بعد التحالف مع الإخوان والخروج عن الإجماع الوطني، خاصة بعد تهديد البلتاجي بإشعال سيناء، لكن للأسف كان ردّهم هو من خلال تشويه جبهة الإصلاح، والافتراء على شخصي.
بعد تجربة جبهة الإصلاح؛ هناك تجربة أكبر هي جماعات التكفير بمدينة دمياط، التي هي أكبر البؤر التكفيرية بمصر، ماذا تقول عنها؟
مدينة دمياط تنتشر فيها جماعة القطبيين، وكذلك التوقف والتبين، وهذا يرجع إلى الستينيات؛ حيث إنّ مؤسس فكر التكفير، علي عبده إسماعيل، من المدينة نفسها، وبعد أن تنازل عنه وتراجع خلفه أخوه، عبد الفتاح إسماعيل، حتى أعدم مع سيد قطب، وخلفه ابنه نجيب عبد الفتاح، ومع ظروف الدولة الصعبة والجهل الديني، وتكاسل بعض الدعاة، انتشر في دمياط ومنها إلى باقي الجمهورية، بل تعدّى الأمر لبعض البلاد العربية، أما أفعالنا تجاهه؛ فقد بيّنا لكثير من النشء خطأ هذا الفكر المخالف للإسلام، وخطورته على الإسلام والمسلمين، إلا أنه عندما وصل الإخوان إلى الحكم انتشر في دمياط مرة أخرى، كالنار في الهشيم، وظهر الإخوان على حقيقتهم التكفيرية، وحدث ما حدث من قتلى ومواجهات داخل دمياط.

 

جماعة الخوارج

الحلّ: هو في عودة وزارة الأوقاف إلى إدارة الوقف الخيري
هل كان الاقتصاد عاملاً في انتشار هذا الفكر بدمياط؟
الاقتصاد سلاح ذو حدّين؛ إن كان ضعيفاً فيزرع في بعض النفوس الحقد والعداء مع المنحرفين فكرياً، خاصة جماعات الخوارج، التي تتخذ منه طريقاً للدخول إلى عقولهم وزرع التطرف في النفوس، أما مع ازدهاره فيستخدم لتوجيه مَن تمت السيطرة عليهم للمواجهة مع الدولة، إما لصالح الأعداء أو صالح القيادات المرتزقة.
وما هو، في رأيك، الحلّ مع تلك الجماعات وهذه التنظيمات؟
الحلّ: هو في عودة وزارة الأوقاف إلى إدارة الوقف الخيري، وترك الدعوة والمساجد تحت إشراف الأزهر الشريف، قسم الدعوة، وأن يكون هناك دور للإعلام في نشر حقيقة هذه التنظيمات وحقيقة قياداتها، وإطلاق العلماء الحقيقيين في المساجد لنشر الفهم الصحيح للإسلام، وليس نشر فكر الجماعات والتنظيمات، وأن يكون لمؤسسات الدولة دور في حلّ مشاكل المجتمع، من خلال العمد ومشايخ القرى وأقسام الشرطة، كإصلاحيين، وليس كجهات أمنية، كما يجب توجيه الدراما السينمائية لمعالجة مشكلات المجتمع، وليس لنشر الأخطاء أو الاستهزاء ونشر السخرية، وأن يكون هناك أحزاب حقيقية تحتك بمشاكل المجتمع، وتكون نبضاً حقيقياً للمعارضة البنّاءة، لا للوجاهة الاجتماعية.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



خبير مصري يحذّر: الحرب بين أمريكا والصين ميدانها الذكاء الاصطناعي

2020-05-19

أجرى الحوار: سامح فايز

قال أستاذ علوم الكمبيوتر بجامعة نيويورك الدكتور محمد زهران إنّ حروب المستقبل، وأهمها بين أمريكا والصين، ستكون تكنولوجية، محذراً من أنّ استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب هو الخطر الأكبر، لافتاً إلى أنه عندما يتحارب البشر يوجد حد أدنى من القواعد مثل التفرقة بين المدني الأعزل والعسكري المحارب وبين الرد على الهجوم بمثله أو استخدام قوة مفرطة وتقليل الدمار في الأبنية مثل المتاحف والمدارس والجامعات إلخ، تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لن تكون عندها تلك الأخلاقيات.

هناك سلاحان في الحرب المعلنة بين أمريكا والصين: تطوير برمجيات الذكاء الاصطناعي، وتطوير أجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة

وأضاف زهران في حواره لـ "حفريات" أنّ الخطر من الذكاء الاصطناعي يأتي إذا أعطيناه سيطرة أكثر من اللازم، مثلاً إذا جعلنا الكمبيوتر يصف العلاج لمريض بدون تدخل بشري فهذه سيطرة أكثر من اللازم؛ لأن الكمبيوتر حالياً في برامج الذكاء الاصطناعي تعطيك حلاً دون أن تذكر كيف وصلت لهذا الحل، لذلك لا يجب أن نثق في هذه البرامج بنسبة 100%. يجب أن يكون هناك تدخل بشري في نقطة ما؛ لأنّ البشر يملكون ثقافة ووعياً وأخلاقيات، وهذه لا يمكن ترجمتها في أجهزة الذكاء الاصطناعي، هذه الأجهزة هي أداة، ويجب أن تظل أداة ونستخدمها لرفاهية البشر.
يذكر أنّ زهران عضو هيئة التدريس بجامعة نيويورك بتخصص هندسة وعلوم الحاسبات، حاصل على الدكتوراة في نفس التخصص من جامعة ميريلاند الأمريكية، له العديد من الأبحاث العلمية المنشورة في الدوريات والمؤتمرات الدولية، بالإضافة إلى الأبحاث والتدريس.. له اهتمامات عديدة بتاريخ وفلسفة العلوم، ويرى أنها من دعائم البحث العلمي.

هنا نص الحوار:

حصلت على البكالوريوس والماجستير من هندسة القاهرة والدكتوراة من جامعة ميريلاند الأمريكية ودرَّست في جامعة القاهرة كمعيد وفي جامعة نيويورك كأستاذ، فهل هناك فارق بين الحياة الجامعية في مصر وأمريكا؟
هناك فارق بينهما وقد تكلمت عن ذلك في إحدى مقالات صحيفة "الشروق". الاختلافات أنّ أغلب الطلاب في أمريكا معتمدة على نفسها تماماً (أنا أتكلم عن مرحلة البكالوريوس)، ستجد طالب البكالوريوس في أمريكا يدرس ويعمل في مطعم أو أي مكان آخر أثناء الدراسة؛ لأنه غالباً يدرس عن طريق قروض، هذه القروض تعني أنّ هذا الطالب يجب أن "يستقتل" كي يحصل على درجات عالية ليتمكن من الحصول على وظيفة مرموقة تؤهله لدفع القرض وفوائده، هذا يسبب ضغطاً عصبياً كبيراً للطلبة، الطلبة عندنا في مصر لا تعاني من ذلك؛ لأنّ الأهل يساعدونهم والمصاريف في الجامعات الحكومية ليست كبيرة، الأساتذة في مصر كلهم مصريون لكن أغلب الأساتذة في أمريكا ليسوا أمريكان، كل له فائدته، الفائدة من جميع الأساتذة من نفس الجنسية هي الشعور العائلي في الجامعات المصرية، الفائدة من وجود أساتذة من جنسيات مختلفة هي وجود طرق تفكير مختلفة، وهذا يدرب الطلبة على أنواع مختلفة من التفكير وعلى التعامل مع شخصيات مختلفة.

ستجد طالب البكالوريوس في أمريكا يدرس ويعمل في مطعم أو أي مكان آخر أثناء الدراسة
هل ترى أنّ البحث العلمي مصرياً وعربياً يسير بخطى ثابتة وقادر على المنافسة عالمياً، أم أنّ الوضع لا يزال سيئاً؟
الأساتذة عندنا في مصر تعمل بإمكانيات قليلة، والإمكانيات هنا تعني الأدوات المعملية والوقت والبيروقراطية يعني "بيغزلوا برجل حمار" زي ما المثل عندنا بيقول ولهم كل التحية، الأساتذة في الخارج عندهم كل الإمكانيات المعملية وطلاب دراسات عليا يعملون معهم طوال اليوم لمساعدتهم في أبحاثهم، لذلك عندما نقارن يجب أن نكون منصفين ونقارن الذي ينتجه كل أستاذ بما معه من إمكانيات، ولا يجب أن نقارن في المطلق.

التفاؤل قادم من الجيل الجديد من الطلبة، هؤلاء عندهم حب شديد للبحث العلمي ويبحرون في الإنترنت ليتعلموا

لكن ما يجعلني متفائلاً أكثر هم الجيل الجديد من الطلبة، هؤلاء عندهم حب شديد للبحث العلمي، ويبحرون في الإنترنت ليتعلموا، والخبر الجيد أنّ محاضرات الجامعات الكبرى في العالم موجوده على الإنترنت في مجالات كثيرة بالمجان، فمن يريد العلم سيجده. حتى نسير بخطى سريعة نحو التقدم العلمي يجب أن نشجع هؤلاء الطلاب عن طريق تشجيعهم على النشر العلمي، وعلى الابتكار، ويكون عن طريق وضع خطة متكاملة لاكتشاف الموهوبين علمياً في مختلف المجالات، وتعهدهم بالرعاية منذ البداية، لكن عندي بعض التحفظات: تعهدهم بالرعاية لا يعني استضافتهم في برامج تليفزيونية؛ لأن الشهرة مدمرة في هذا السن الصغيرة، وتعهدهم بالرعاية لا يعني أن نقول لهم إننا نجهزكم لكي تحصلوا على نوبل؛ لأنّ ذلك يجعلهم تحت ضغط، وإذا لم يفوزوا بالجائزة سيشعرون بالإحباط، وأن تتعاطى العلم من أجل الجوائز ليس هو الطريق الصحيح، وأيضاً قد تجعلك تختار بحثاً علمياً لأنك تظن أنه سيربح جائزة، وقد تكون شخصيتك كباحث لا تتواءم مع هذا البحث، لأنه كما للباحثين شخصيات، فإنّ للمعضلات العلمية شخصيات، ويجب أن تتواءم هذه مع تلك حتى تكون هناك فرص للنجاح.
هل التكنولوجيا الآن هي أكبر مؤثر على الاقتصاد في هذا العصر المعتمد على المعلومات والذكاء الاصطناعي وأجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة؟
العلاقة بين التكنولوجيا والاقتصاد علاقة متبادلة تؤثر كل منهما على الآخر، فمثلاً التكنولوجيا الحالية تجمع عنك معلومات كثيرة لتظهر لك إعلانات موجهة وهذه الإعلانات هدفها أن تدفعك لشراء سلعة أو خدمة، وهذه منفعة اقتصادية، البحث العلمي لكي يتحول إلى تكنولوجيا يلزمه تمويل والتمويل يأتي أغلبه من الشركات، وهذه الشركات لن تدفع نقوداً حتى تكون متأكدة أنها ستحصل على أضعافه؛ فهي تختار من الأبحاث العلمية ما يفيدها، والبحث العلمي نفسه قد يوجه الشركات إلى ما ينفعها، وبهذا تكون العملية متبادلة، لكن لا يجب أن ننسى الفاعل الثالث وهي الحكومات فهناك تمويل يأتي من حكومات لتكنولوجيات تفيدها؛ لأن الحروب ستكون حروباً تكنولوجية ومعلوماتية في المقام الأول.

يرى البعض أنّ الخطر الأساسي من وجود الذكاء الاصطناعي يرجع إلى الفرضية القائلة إنّ التقدم الكبير في الذكاء الاصطناعي العام قد يؤدي إلى الانقراض البشري أو إلى كارثة عالمية غير قابلة للاسترداد والحجة الداعمة لهذه الفرضية هي أنّ البشر مهيمنون على باقي المخلوقات لامتيازهم بدماغ ذي قدرات مميزة تفتقر إليها أدمغة المخلوقات الأخرى (كالحيوانات مثلًا)، وعليه إذا تفوق الذكاء الاصطناعي العام على الأدمغة البشرية وأصبحت بدورها فائقة الذكاء فإنها ستكون قوية ويصعب التحكم بها، ويتوقف مصير البشرية على تصرفات هذه الأجهزة؟
الهيمنة تستلزم الشعور بالعظمة والسطوة وهذا ما لن يصل إليه الذكاء الصناعي، الخطر يأتي إذا أعطينا الذكاء الاصطناعي سيطرة أكثر من اللازم، مثلاً إذا جعلنا الكمبيوتر يصف العلاج لمريض بدون تدخل بشري فهذه سيطرة أكثر من اللازم؛ لأنّ الكمبيوتر حالياً في برامج الذكاء الاصطناعي تعطيك حلاً دون أن تذكر كيف وصلت لهذا الحل، لذلك لا يجب أن نثق في هذه البرامج بنسبة 100% يجب أن يكون هناك تدخل بشري في نقطة ما؛ لأنّ البشر يملكون ثقافة ووعياً وأخلاقيات، وهذه لا يمكن ترجمتها في أجهزة الذكاء الاصطناعي، هذه الأجهزة هي أداة ويجب أن تظل أداة ونستخدمها لرفاهية البشر.

التعليم في مصر يواجه مصاعب جمة والخطر يأتي إذا أعطينا الذكاء الاصطناعي سيطرة أكثر من اللازم

  من مخاوف الذكاء الاصطناعي أيضاً تحويل الهجمات الإرهابية إلى وسائل إلكترونية ذكية بلا وجود فعلي للبشر، من خلال استخدام الطائرات بدون طيار أو المركبات ذاتية القيادة كأسلحة. أيضاً الهجمات عن بُعد، حيث إنّ الروبوتات الذاتية ليست بحاجة للتحكم بها من أي مسافة مهما كانت بعيدة.
استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب هو الخطر الأكبر، عندما يتحارب البشر يوجد حد أدنى من القواعد مثل التفرقة بين المدني الأعزل والعسكري المحارب، وبين الرد على الهجوم بمثله أو استخدام قوة مفرطة وتقليل الدمار في الأبنية مثل المتاحف والمدارس والجامعات إلخ، تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لن تكون عندها تلك الأخلاقيات، وهذا هو الخطر والمرتبط بسؤالك السابق وهو إعطاء الذكاء الاصطناعي سلطة أكثر من اللازم، كما قلنا الحروب المستقبلية هي حروب تكنولوجية، لكن النصر فيها سيكون لمن يستخدم تكنولوجيا متطورة تحت مراقبة بشرية.
  ترى أن الحرب أصبحت معلنة بين الصين وأمريكا وقد خرجت من الخفاء إلى العلن وتُستخدم وستُسخدم فيها جميع أنواع الأسلحة ماعدا العسكرية منها على الأقل في الوقت الحالي، فما هي الأسلحة المستخدمة في تلك الحرب؟
هناك سلاحان: تطوير برمجيات الذكاء الاصطناعي، وتطوير أجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة، الذكاء الاصطناعي له استخدامات عدة في الحرب والسلم، ولكن لأنّ الذكاء الاصطناعي ما هو إلا برمجيات فهي تحتاج إلى أجهزة كمبيوتر فائقة السرعة، هذه الأجهزة تستخدم بالإضافة إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تصنيع الأسلحة والبحث عن علاجات للأمراض المستعصية مثل السرطان، بالإضافة إلى المساعدة في الأبحاث المتعلقة بالعلوم الطبيعية مثل الفيزياء والكيمياء والأحياء عن طريق المحاكاة وتحليل الكمية المهولة من المعلومات المتولدة من تلك النظم، هذه النقطة الأخيرة المتعلقة بتعليل كم كبير من المعلومات تجعل أجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة من أهم الأسلحة في يد الأجهزة الأمنية أيضاً، لذلك فالحرب ضارية بين أمريكا والصين في هذين المجالين: الذكاء الاصطناعي وأجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة.
  أدى تطور التكنولوجيا وظهور الأجهزة الذكية المحمولة إلى التأثير بشكل سلبي على العلاقات الاجتماعية والتنمية الاجتماعية للبالغين والأطفال على حدّ سواء، إلى جانب سلبيات أخرى عديدة مثل إجبار الطلاب على استخدام مهارات تعليمية أساسية بشكل أقلّ، حيث ساهم استخدامهم للحاسوب وما يحتويه من أنظمة لتصحيح الأخطاء الإملائية على خفض مهاراتهم الكتابية والإملائية، كيف نتجاوز تلك السلبيات؟
للأسف هذا الكلام حقيقي؛ لأنّ الجيل الجديد أصبح يعاني من ثلاثة أمراض اجتماعية: أصبح تركيزه أضعف، وقراءاته أقل، ويتحرك في أغلب الأحيان قبل التفكير المتأني، وهذه تأثير شبكات التواصل وألعاب الكمبيوتر، لن نتمكن من إلغاء ذلك، لكن يجب تصميم العملية التعليمية حول تلك السلبيات وفي نفس الوقت تدرب الجيل الجديد على استخدام التكنولوجيا الجديدة والمتجددة دائماً في التعلم وإيجاد الحلول، هذا ليس سهلاً ويحتاج إلى جيل كي نرى النتائج، يحتاج إلى تكاتف خبراء التعليم والاجتماع وعلم النفس.

ترى أنّ  البحث العلمي ليس ترفاً بل إنه مع التعليم يعتبر من أهم دعائم بناء دولة قوية، دون التعليم لن يكون هناك بحث علمي ودون بحث علمي سنتسول التكنولوجيا التي تجود علينا بها الدول الغربية بأثمان باهظة وبالتأكيد لن يعطوننا أفضل ما عندهم، فهل التعليم في مصر على ذلك القدر الذي تتمناه؟
التعليم في مصر يواجه مصاعب جمة تأتي من جهات عدة، الأسر تريد من أبنائها الحصول على الشهادة بأية طريقة "لأننا بلد شهادات"، والكثير من المدرسين يعانون من أزمات مالية فيضطرون إلى الدروس الخصوصية على حساب التدريس في المدارس، ومن المدرسين من يعمل بالتدريس وهو لا يحبه ولكنه العمل الوحيد الذي وجده وبذلك لن يبدع، المجتمع لا ينظر إلى المدرس نظرته إلى مهن أخرى، ناهيك عن البيروقراطية، هذه كلها عقبات في طريق التعليم وتستلزم كما قلنا في السؤال السابق تكاتف الكثير من المؤسسات بدءاً من الأسرة، لكن كما قلت أيضاً عندي أمل كبير في هذا الجيل الجديد المتعطش للعلم، نحن نخطو خطوات للأمام لكن الطريق مازال طويلاً.

للمشاركة:

جاد الكريم الجباعي: للإخوان والجماعات الإرهابية أيديولوجيا واحدة

2020-05-12

همّه الدائم الإنسان والإنسانية، الحرية والديمقراطية، المواطنة المتساوية والإرادة الحرة والمستقلة، الاعتراف بالآخر المختلف في وطن يتساوى فيه النساء والرجال في الكرامة الإنسانية والكرامة الوطنية، والحقوق المدنية والسياسية. لا مسافة تفصل بين روحه وقلمه. له العديد من الكتب المنشورة وغير المنشورة: المجتمع المدني، جدلية السياسة والمعرفة، وردة في صليب الحاضر، في حرية الفرد، المسألة الكوردية، طريق إلى الديمقراطية، من الرعوية إلى المواطنة، في الدولة الوطنية، فخ المساواة، إضافة إلى الكثير من الأبحاث والمقالات في الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية. إنه المفكر السوري جاد الكريم الجباعي الذي التقته "حفريات" وحاورته في كثير من القضايا الراهنة فيما يخص الأزمة السورية، وحركات الإسلام السياسي ومسألة الهويات والعصبية وتحرر المرأة وغيرها؛ حيث أوضح أنّ الأيديولوجيا الإخوانية "هي نفسها أيديولوجيا الجماعات الإرهابية، كالنصرة وداعش وغيرهما"، منوهاً إلى أنّ "من أخطر الأوهام اعتبار هذه الجماعات ممثلة للمسلمين؛ السنة أو الشيعة".

وفيما يلي نص الحوار:

*منذ أكثر من ست سنوات والحرب السورية السورية لا تزال في أوجها، برأيكم هل من مخرج لهذه الحرب في ظل التطرف الديني والتعصب السياسي القائمين بين طرفي النزاع، وما هي الممكنات للوصول إلى الاعتدال الديني لدى الجهات الإسلامية المتشددة بوجه عام والسورية على وجه الخصوص؟
أولاً أريد أن أشكرك سيدتي على هذا التقديم، الذي يُلزمني أن أكون كذلك، وأتمنى أن أكون. وهذه براعة النساء، براعة الأنوثة، التي تصنع ذكورة تريدها أن تليق بها. وأشكر موقع (حفريات) الذي شرفني بهذا الحوار، وهذه المحاوِرة. هل تمانعين إذا قلت: المثقفة الجميلة؟
*أشكرك على هذا الإطراء أستاذنا.
الحرب التي لا تزال دائرة في سوريا، وهي حرب قذرة، غير مسبوقة في همجيتها وكارثية آثارها، كانت كامنة في ثنايا الحياة الاجتماعية – الاقتصادية والسياسية، فقد هيأت النخبةُ الثقافيةُ والسياسيةُ، ولا سيما الأقلية الحاكمة، شروط إمكانها، وعززتها السلطة التربوية والتعليمية، التي استمرأت الاستبداد، وكانت أداة فعالة في إعادة إنتاجه، في الحقلين الثقافي والسياسي، ثم في المجتمع، على مدى أكثر من نصف قرن.
هذا، في اعتقادي، ما شكل الخلفية المعرفية والثقافية للتطرف والإرهاب، التي أنتجت نسقاً من التفكير والإدراك والتمثل والتقدير والعمل، ذا طابع ثنوي (مانوي) تفاصلي، إن لم نقل تعادمي، قوامه المركزية الذاتية والتمايز والتفاصل والتفاضل، يعاد إنتاجه مرة تلو مرة، فيصبح ذاتي التغذية. وهو ما يفسر هشاشة المجتمع وسرعة تفككه وتنثُّره ونكوصه إلى الهمجية، سواء في إرهابها المذهبي (الطائفي) أو الإثني أو القومي، وما يفسر انقسامه بين موالين ومعارضين ينبذ بعضهم بعضاً.
*عفوا أستاذ إذا سمحت لي، هذا يعني أنك تحمّل مسؤولية ما يجري في سوريا اليوم إلى النخبة الثقافية التي حضرتك أحد أفرادها، وهل هذا ما دعاك للتراجع عن يساريّتك وانتقادها؟
إذا لم تكن نخبة المثقفين مسؤولة أخلاقياً عما جرى ويجري في وطنها، وفي العالم، لا تكون نخبة، ولا يستحق أفرادها صفة المثقف. ثم إنني لم أتراجع عن يساريّتي؛ تراجعت عن الأيديولوجية اليسراوية التي لا تختلف عن أي أيديولوجية مذهبية، بصفتها أيديولوجية. فقد اتهمني بعضهم بالنكوص عن الماركسية إلى الليبرالية، فشكرتهم على ذلك؛ لأنني رجعت إلى النسغ الحي للماركسية، وأعدت قراءتها ليبرالياً، وصرت أرى في ماركس فيلسوفاً إنسانياً وديمقراطياً، له ما له وعليه ما عليه.

سأتابع:
لكل حرب نهاية مهما طالت؛ فقد تكون هذه الحرب متجهة نحو نهاية ما، تحددها، وتحدد نتائجها، نسبة القوى الضالعة فيها، ولا سيما القوى غير السورية. ولكن الفوضى الشاملة، التي أشاعتها الحرب، على كل صعيد، لا تزال في أوجها، وقد تكون مفتوحة على المزيد. يمكن أن يتوقف القتال، ولكن الحرب قد تستمر بأشكال مختلفة، ما دامت عواملها وشروط إمكانها المشار إليها قائمة في الواقع. التوافق بين الدول الكبرى والقوى الإقليمية لا ينهي حرباً، كالحرب السورية السورية، ولا يحل مشكلات الشعب السوري، ولا يلبي حاجاته وتوقعاته؛ بل لعلّه يعيق عملية تشكل مجتمع سوري وشعب سوري، وإن سيطر هذا الطرف أو ذاك على الجغرافيا السورية، كلها أو بعضها. الجغرافيا ليست كل شيء؛ الشعب هو الأساس. فلا يزال السوريون مختلفين على تعريف الشعب، وتعريف المواطن، ومن ثم تعريف الوطن والوطنية.

الحرب في سورية حرب بين مستبدين يتسلحون جميعاً بأيديولوجيات متشابهة في مبادئها المعرفية والأخلاقية ومتفارقة في شعاراتها وأهدافها

ليس هناك وصفة جاهزة "للوصول إلى الاعتدال الديني"، إذا كان المقصود تحول جماعات الإسلام السياسي إلى الاعتدال. فما زلت أعتقد أن الاعتدال كان السمة الأبرز من سمات الحياة الاجتماعية السورية، لكن الاستبداد الذي جثم على صدر المجتمع السوري، منذ عام 1958، وبلغ ذروته مع ما سمي الحركة التصحيحية، عام 1970، كان هو العامل الرئيس في توليد التطرف والعنف والإرهاب، ابتداء من حظر الأحزاب السياسية وتسييس النقابات وغيرها من تنظيمات المجتمع المدني والسيطرة عليها وصولاً إلى حكم الحزب القائد وأيديولوجيته العنصرية. فالمسألة في سوريا ليست مسألة دينية أو مذهبية، بل هي مسألة اجتماعية – اقتصادية وثقافية وسياسية وأخلاقية أولاً وأساساً، بل يمكن القول إنّها مسألة سياسية؛ إذ عرفنا السياسة بأنّها مُحرَز مدني إنساني، يعني إدارة الشؤون العامة ديمقراطياً، وحل التعارضات الاجتماعية سلمياً، أداتها المثلى هي الحوار، وليست حرباً على المختلفين والمعارضين، كما كانت الحال في سوريا، قبل عام 2011، ولا تزال كذلك، لا في سوريا وحدها؛ بل في جميع البلدان التي ينخرها الاستبداد والفساد. فإنّه من العيب الأخلاقي والضلال المعرفي نسبة التطرف والإرهاب إلى الإسلام والمسلمين، لا إلى جماعات الإسلام السياسي، التي هي الوجه الآخر للاستبداد والتسلط والفساد، كما بينت تجربة الإخوان المسلمين المصريين في السلطة، وتجربة الإخوان المسلمين السوريين في الحرب. أعتقد أن الأيديولوجيا الإخوانية هي نفسها أيديولوجيا الجماعات الإرهابية، كالنصرة وداعش وغيرهما، ومن أخطر الأوهام اعتبار هذه الجماعات ممثلة للمسلمين السنة أو الشيعة.

جماعات الإسلام السياسي نفسها ليست إرهابية بالفطرة؛ بل ثمة ظروف اجتماعية اقتصادية وثقافية وسياسية جعلتها كذلك. الاستبداد والتسلط والاحتكار والفساد والإفقار والتهميش وتقفير الحياة الإنسانية؛ أي جعلها قفراً وقاعاً صفصفاً .. هي ما يولد التعصب والإرهاب. أو بقول آخر أكثر وضوحاً: إن "الاحتكار الفعال لمصادر السلطة والثروة والقوة" وهدر عمومية الدولة؛ أي وطنيتها، وغياب القانون وفساد القضاء، وأدلجة الثقافة والتربية والتعليم وهدر المؤسسات وهدر الوطن والوطنية والمواطنة، وهدر الإنسان جملة هي ما يولد التعصب والإرهاب، حسب تحليل مصطفى حجازي.
لا يكون سلام إلا بزوال أسباب الحرب، وما زلت أعتقد أن الاستبداد والتسلط والاحتكار وما نجم عنها، في مختلف مجالات الحياة، من أبرز أسباب الحرب الدائرة في سوريا. ولما كان الاستبداد الديني ظهيراً وحليفاً للاستبداد السياسي، على مر التاريخ، فإنّ الحرب الدائرة في سورية حرب بين مستبدين، يتسلحون جميعاً بأيديولوجيات متشابهة في مبادئها المعرفية والأخلاقية ومتفارقة في شعاراتها وأهدافها؛ لأنّ الجميع يقاتلون من أجل "الغنيمة والعشيرة والعقيدة"، بتعبير محمد عابد الجابري.
*في مقالة لكم نشرت في حيرون بتاريخ 29 أيار(مايو)، 2017 بعنوان "الوطنية واللغة/ الفكر والممكنات الأخلاقية"، تقولون فيها: "لا يمكن تغيير الواقع من دون تغيير فكره. فكر البعث وفكر الشيوعيين وفكر الجماعات الإسلامية هو فكر هذا الواقع الذي يجب تغييره، للشروع في تغيير الواقع نفسه، وإطلاق الممكنات الأخلاقية للأفراد السوريات والسوريين والأسر السورية، أي لإطلاق سيرورة تشكل مجتمع حديث ودولة حديثة، مركزية أو فدرالية. على من تراهنون في تغيير المجتمع، هل تراهنون على المثقفات والمثقفين أم على الأفراد، أم على السياسيين والمتدينين؟
كل نموذج ثقافي يتأسس على نموذج معرفي – أخلاقي، هو الذي يحدد أنماط التفكير وأنماط السلوك بالتلازم، بين التفكير والسلوك، والأخلاق محايثة للفكر والسلوك. فمع صعود المد القومي العربي، الذي دشنته ثورة 23 تموز (يوليو) 1952، في مصر، وتُوِّج بالوحدة المصرية السورية، تفكك الحقل السياسي الوطني، في كل مما سميت "الدول التقدمية"، وتبلورت ثلاثة اتجاهات ساسية – أيديولوجية ما فوق وطنية: قومية عربية، واشتراكية (ماركسية) وإسلامية أصولية وسلفية، أزعم أنّ لهذه الاتجاهات جذراً معرفياً وأخلاقياً مشتركاً، قوامه ثنوية إقصائية، تقسم كل منها المجتمع قسمين: تقدمي ورجعي، أو اشتراكي ورأسمالي، أو إسلامي وجاهلي، تحولت في حالات كثيرة إلى استئصالية. التفاصل الأكثرة خطورة كان بين الحركة القومية.
*عفواً، برأيكم لماذا انزلق الشعب السوري إلى التفاصل الذي تتحدثون عنه؟
لنقل: إنّ السوريين والسوريات انزلقوا وانزلقن إلى التفاصل؛ لأنّهم لم يتشكلوا مجتمعاً مدنياً وأمة حديثة وشعباً، ولم يجعلوا من سوريا وطناً، ولم ينتجوا دولة. هذا يفتح ملفات كثيرة ليس هنا تفصيلها. فإنّ جمعاً غير منسوج من العائلات الممتدة والعشائر والإثنيات بمحمولاتها الدينية والمذهبية لا يساوي شعباً.

ما يسمى صراعاً دينياً كثيفاً ليس سوى صراع لجعل الدين أداة ووسيلة، لتحقيق غايات سياسية ومنافع مادية، دنيئة على العموم

الحركة القومية هي التي استولت على السلطة في كل من مصر وسوريا والعراق والجزائر وليبيا، وأسفر عن نبذ جماعات الإسلام السياسي، ولا سيما جماعة الإخوان المسلمين، وجمهورها من المجال العام، واحتواء الاتجاه الاشتراكي (الماركسي)، النخبوي عموماً، بالترغيب والترهيب، جراء التحالف مع الاتحاد السوفييتي السابق. هذا التفاصل الأيديولوجي، الذي يقنِّع مصالح خاصة عمياء، من جهة، ويعيد إنتاج الاستبداد في الحياة العامة من الجهة المقابلة، أدى إلى تصدع الحقل السياسي وتفككه، وانقسام المجتمع إلى متن يحظى بالسلطة والثروة والجاه، وهامش محروم يتسع باطراد، ويزداد فقراً وبؤساً ومهانة. (تبلغ نسبة الفقر العام، في سوريا، نحو 80%)
تفكك الحقل السياسي الوطني، انتقل إلى الحقل الثقافي، وإلى حقل التربية والتعليم، ثم إلى المجتمع، أو إلى "الشارع"، كما يقال، فآلت هذه الدول "التقدمية" إلى سلطات شمولية، ومجتمعات مفككة، وأيديولوجيات عدمية وتعادمية، وتصحُّر معرفي وانحطاط أخلاقي: الآخر المختلف رجعي أو خائن أو عميل أو كافر أو زنديق، استبعاده أو استئصاله والقضاء عليه إذا أمكن، واجب قومي أو ثوري أو ديني. وهذا لا يزال شائعاً بصيغ مختلفة. لذلك لا بد من حركة نقدية ونقاش عام، لكشف عدمية هذه الأيديولوجيات، وكنسها، تمهيداً للانشغال بالواقع والاشتغال فيه ومفهمته أو تنظيره (على الرغم من السمعة السيئة للتنظير؛ أي للفكر، التي أشاعتها هذه الأيديولوجيات القاتلة). على هذا الأساس نراهن على ما نسميه آليات الدفاع الذاتي، والممكنات الأخلاقية، التي يتوفر عليها أي مجتمع يتعرض لمثل ما تعرض له المجتمع السوري، ويقرر (أفراداً وجماعات) ألا يتعرض له مرة أخرى. وهذا لا يتحقق إلا بالنسيان الإيجابي، الذي تعززه إجراءات العدالة الانتقالية. هذا النسيان الإيجابي نفسه، في أفق المستقبل وتدبير المصير، أحد الممكنات الأخلاقية، إضافة إلى إرادة الحرية والحياة الكريمة، التي لا تكون إلا بشعور عميق وأصيل بسموّ الرابطة الإنسانية، وسموّ الرابطة الاجتماعية، على سائر الروابط الأخرى. رهاننا معقود على المجتمع، الذي ينتج نفسه، على الأفراد والأسر والتنظيمات والمؤسسات، ومن ثم على دولة حق وقانون لا تقل ضرورتها عن ضرورة الاجتماع المدني.
*ورد في مقدمة كتابكم فخ المسواة: مفهوم العصبية أكثر نجاعة من مفهوم الصراع الطبقي، ولكنه لا ينفيه ولا يلغيه، بل يساعد في تعيين حدوده وقوته الإجرائية في مجتمع تتجاور فيه بنى وتشكيلات قديمة وحديثة، وثالثة بين بين. ولكن تحليل العصبية، بما هي أكثر العقبات كؤداً في طريق التحول الديمقراطي وتحليل صراع العصبيات أو الهويات، الذي يسم تاريخنا القريب والبعيد، يطمسان أثر نصف الجماعات والمجتمعات المعنية في إعادة إنتاج العصبية وتأريث النزاعات، ويهملان الرابطة القوية بين المركزية الإثنية والمركزية الذكورية، ما يثلم التنظير لبواعث التحول الديمقراطي ومقتضياته، ومن ثم لتحديد معوقاته والعقبات التي تعترض سبيله.
هل من رابط يربط بين العصبية الدينية وبين العصبية الذكورية؟ وما دور المرأة في إعادة تشكيل مجتمعٍ خالٍ من التعصب والتطرف بكافة أشكاله؟

أشكرك على هذا السؤال. زعمي أنّ مفهوم العصبية أكثر نجاعة في تحليل بنى المجتمع السوري متأتٍ من واقع الانقسامات العمودية، العائلية والعشائرية والإثنية والمذهبية، ما قبل المدنية، المؤسسة كلها على وهم المركزية الذاتية. ثمة علاقة لا تنفصم بين العصبية والمركزية، ناتجة من علاقات القوة، وإرادة السيطرة ومبدأ الغلبة والقهر، وحق الأقوى، في حين يفترض القائلون بالصراع الطبقي أنّ المجتمع منقسم أفقياً، بحكم تقسيم العمل الاجتماعي الحديث، وهذا حق، أما إسقاطه على المجتمعات القديمة والمجتمعات المتأخرة، كمجتمعنا، ففيه كثير من التعسف. لذلك، صرت أميل إلى مفاهيم رأس المال الاجتماعي ورأس المال الثقافي ورأس المال الرمزي، بصفتها أدوات تحليل، تنطلق من أولوية التواصل والتعاون والثقة والعلاقات الأفقية والشبكية، وتستبعد الصراع التعادمي بين طبقتين: البورجوازية والبروليتاريا على سبيل المثال. كما أميل إلى استعادة مفهوم الاغتراب، لتحليل الظاهرات الاجتماعية والثقافية.
العلاقة بين العصبية والمركزية، بقدر ما هي واقعية، تفسر كون المركزية ذكوريةً، لأن أول تعصب في التاريخ كان تعصباً على النساء، وأول عبودية في التاريخ كانت عبودية النساء، وشتان ما بين العبدة والحر. والحرَّات أو الحرائر، (في مقابل الإماء)، في تاريخنا ومجتمعنا لسن كذلك بذواتهن، بل بآبائهن وأجدادهن وأزواجهن.
*ما زال السؤال قائماً، ما دور المرأة في حل النزاع؟
دور المرأة، في الأوضاع الراهنة محدود جداً، للأسف، كيف يمكن أن تسهم النساء في حل نزاع أقحمن أنفسهن فيه أو أقحمهنّ الرجال فيه؟ ألم تسمعي عن المشادات والشتائم البذيئة المتبادلة بين منتدِيات ومؤتمِرات، في ندوات ومؤتمرات نسوية ضمت مواليات ومعارضات؟ تعصب النساء على طرفي الموالاة والمعارضة لا يترك لهن مجالاً للإسهام في حل النزاع وبناء السلام، وهذا يفترض أن يكون دورهن الرئيس، فهنّ أقرب إلى الذكور على صعيد التفكير والإدراك والتمثل والتقدير والعمل، أي استبطان النموذج البطركي الذكوري والمشاركة النشطة في إعادة إنتاجه؛ مَثلُهن الأخلاقي الأعلى المرأة المحاربة والمشجعة على الحرب، والتي تقدس البطولة والشهادة، والمستثنيات من ذك قلة مبشِّرة على كل حال. ظاهرات المجندات المقاتلات، على طرفي النزاع، مخجلة ومحبطة، من وجهة نظري غير المقبولة. أنا ضد الجيوش والحروب كافة، وضد التربية على التوحش والهمجية، بوجه عام، وضد تجنُّد النساء أو تجنيدهن في صفوف الجيش والشرطة والمخابرات، بوجه خاص. الداعيات إلى المساواة لا يجدن بأساً في ذلك؛ بئست المساواة في الهمجية والتوحش.
*في كتابكم في الدولة الوطنية، تحيلون فكرة الدولة المدنية إلى "سيد قطب" زعيم جماعة الإخوان المسلمين، ونرى اليوم أن السواد الأعظم من القطب المعارض في سوريا يطالبون بدولة مدنية. هل نفهم أن جماعة الإخوان المسلمين وراء هذه المطالبة بالدولة المدنية أم لكم رأي آخر؟
لقد وصفت شعار الدولة المدنية بأنه "تلفيق فكري وتلبيس سياسي"، قد أكون مخطئاً، ولكنني ما زلت عند هذا الرأي. لأن الشعار المذكور روجه الأخوان المسلمون في مصر وسورية، مع أنه متناقض على طول الخط مع مقولات حسن البنا، موسس جماعة الإخوان المسلمين: "الإسلام دين ودنيا ودولة .. مصحف وسيف"، التي تتبناها الجماعة، ومتعارض بالقدر نفسه مع مبدأ الحاكمية عند الجماعة، ومع مبدأ الدعوة والجهاد، والدعوة أساس التطرف والجهاد أو النضال أساس الإرهاب، عند الإسلاميين وغير الإسلاميين، كالبعثيين والشيوعيين.
* يشهد اليوم العالم العربي والإسلامي صراعاً دينياً كثيفاً، كما يشهد تشكيل جماعات إسلامية متطرفة غالبيتها من الشباب والشباب المتعلم أو بالأحرى الشباب الأكاديمي. برأيكم، ما الدوافع وراء انخراط الشباب في الجهاد والتطرف والتعصب؟
ما يسمى صراعاً دينياً كثيفاً ليس سوى حجاب كثيف يخفي طبيعة الصراع الفعلية ومرامي القوى المتصارعة. وهو؛ أي ما يسمى صراعاً دينياً، تعبير فج عن جعل الدين أداة ووسيلة، لتحقيق غايات سياسية ومنافع مادية، دنيئة على العموم. ليس هنالك صراع بين الإسلام والمسيحية، أو بين المسلمين والمسيحيين، على سبيل المثال. ولم يكن هناك صراع بين المسلمين واليهود، قبل قيام "دولة إسرائيل"، والصراع العربي الإسرائيلي، ليس صراعاً دينياً، لا في مبتداه ولا في سيرورته، إلا في نظر إسلاميين متطرفين. الحركة الصهيونية استثمرت الدين اليهودي، وأرادت أن تجعل منه "قومية يهودية"، وعندنا من أراد ولعلّه يريد أن يجعل من الدين الإسلامي "قومية إسلامية"، مع أن تعبير قومية إسلامية متناقض في ذاته، كالقومية اليهودية. الأيديولوجيات التي أشرنا إليها، وهي أيديولوجيات عدوانية، صراعية وعدمية وتعادمية، هي تحوير للواقع الفعلي، القاسم المشترك بينها هو كره الأخر المختلف، والتنكر لإنسانيته فضلاً عن حريته وحقوقه
 

* ما أهم المظاهر الفكرية للتعصب والتطرف الديني، وما هي نتائجه؟
هناك مظاهر كثيرة تنم على المبادئ المعرفية والخلفيات الفكرية للتعصب والتطرف، سواء كانا دينيين أم لادينيين، من أكثرها وضوحاً اليقين المطمئن بامتلاك الحقيقة، يُعبَّر عن هذين اليقين وامتلاك الحقيقة بالتصديق التام لكل ما يتصل بمرجعية المتكلم أو المتكلمة، والرفض التام لما عداها، ومن ثم، القبول التام بكل ما توجبه هذه المرجعية من تصديقات ومعاملات، والرفض التام لما عداها. الحقيقة عند المتعصب المتطرف مطلقة وثابتة، اجتُرحت مرة واحدة وإلى يوم الدين، وهي مستقرة في نص مقدس، دينياً كان النص أم غير ديني، كالنص الماركسي أو الماركسي اللينيني، على سبيل المثال، أو في "القواين العلمية" حتى، لدى العلمويين، الذين لا يدركون أن تاريخ العلم هو تاريخ أخطائه. ولعل أخطر المظاهر "الفكرية" للتعصب والتطرف أن المتعصبين والمتطرفين يمنحون أنفسهم حقاً مطلقاً في تقرير مبادئ الحق والأخلاق، ويفرضونها على الآخرين بالقوة.

المتطرف داعية ومبشر، متعهد خلاص النفوس وحامل مفاتيح الجنة. الدعوة والتبشير هما لب التطرف وقوامه

ولكن، إذا كان الاستبداد والتسلط والإفقار والتجهيل والتهميش وهدر كرامة الإنسان ومصادرة حريته، وتشييئه أو تحويله إلى أداة ووسيلة وموضوع للسلطة .. من أبرز العوامل التي تولد التعصب والتطرف، فإن المتعصبين والمتطرفين ضحايا هذه الشروط اللاإنسانية، لذلك لا تُعالَج مسائلُ التعصب والتطرف والعنف والإرهاب إلا بالقضاء على أسبابها، لا بالقضاء على ضحاياها، على نحو ما نرى ونسمع اليوم. هل هذا دفاع عن الإرهابيين؟! أجل، هو دفاع عن الإنسان، لا عن الإرهاب. المتعصبون والمتطرفون أبناء مناخ عصيب وسلطات متطرفة. من أقبح مفارقات هذه الأيام محاربة الإرهاب ومناصرة من يصنعونه صنعاً وحمايتهم. هذه المفارقة لدى حكومات الدول الديمقراطية أكثر قباحة. بحسبة بسيطة، الأموال والجهود التي تبذل في سبيل كذبة "الحرب على الإرهاب"، منذ عام 2001، كافية لتجفيف منابعه شيئاً فشيئاً على الأقل، لو أن معايير هذه الحرب إنسانية أو مدنية على أقل تقدير.
بالعودة إلى المظاهر الفكرية للتعصب والتطرف، تجب الإشارة إلى أن المتعصب لا يصير متطرفاً، وقابلاً لأن يصير إرهابياً، إلا حين يُقنع نفسه، ويحب أن يقنع الآخرين بأنه حامل رسالة لهداية البشرية وإنقاذ العالم تعويضاً عن إنسانيته المهدورة وذاته الضائعة. المتطرف داعية ومبشر، متعهد خلاص النفوس وحامل مفاتيح الجنة. الدعوة والتبشير هما لب التطرف وقوامه.

للمشاركة:

سعيد ناشيد: الإسلام السياسي دمر مفهوم الوطن بشعارات دينية جياشة

صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
2020-05-06

يرى المفكر المغربي سعيد ناشيد أنّ معضلة الإسلام السياسي تكمن في أنّه ساهم في تدمير مفهوم الوطن، بدعاوى تدغدغ العواطف الدينية الجياشة، معتبراً أنّ شعار "القرآن دستورنا"، كان لحظة الخطيئة الكبرى، التي أفضت إلى استكمال دائرة أدلجة الإسلام؛ حيث أصبح الإسلام مجرد أداة للتهييج الانفعالي.

ففي ظلّ تمدّد مساحة الدين، التي أضحت تستولي على مواقع وقطاعات عديدة، في الحياة، وتعالي نبرة خطابها، تلاشت وتقلّصت مساحة المشترك الإنساني والكوني، تحت ألوية الصراعات الهوياتية والتجزئة الدينية.

هل يُعقل أن تسمّى صحيفة "المدينة" دستوراً، فيما لو كان الدستور هو القرآن، أم ثمة أكثر من دستور واحد؟!

ولئن عمد ناشيد؛ صاحب "دليل التدين العاقل"، في مؤلفاته، إلى قطع أشواط جريئة ضدّ العقل الأسطوري وإسلام النص، الذي يحول دون مقدرتنا على الوصول لصياغة حقيقية للإصلاح الديني، والانتقال للحداثة العلمية والسياسية، فإنّه لا يكفّ عن التفكير في كلّ المسلمات الموروثة، واقتفاء أثر الدين في حالته الأولى والبدائية، قبل أن يتحول إلى أداة سلطوية تصادر حقّ الإنسان في تعبيره الحرّ عن إيمانه.

ويتصدّى ناشيد إلى محاولات التطبيق القسري للدين واستدعائه، في عالم له شروطه التاريخية المختلفة وقوانينه ومؤسساته، ولم تعد تحكمه قيم الولاء والبراء والطاعة والغلبة، ولا يعترف بالسبايا، وما ملكت أيمانهم والجواري والإماء. فتحوّل "الخطاب القرآني من رسالة تعبدية تنطلق من جوارح المؤمن إلى وصايا أبدية تعطل الإبداع، وتشلّ الإرادة، وحوّلوا القرآن إلى عائق من عوائق التحديث"، كما يؤكد ناشيد في حواره مع "حفريات".

هنا نص الحوار:

تتنامى ظاهرة التشدّد الديني، الأصولي والسلفي والجهادي، بصورة تتخطى التصورات النمطية التي كانت تفسر الأمر كرد فعل على الفقر والتهميش، كيف ترى الأمر في صورته الكلية بناء على المعطيات والأمثلة الراهنة؟

دعنا نعترف، ابتداء، بأننا ننتمي إلى حضارة مهزومة، في كلّ تفاصيلها (من الشارع إلى الإدارة، والمدرسة، والأسرة، ...إلخ)، وبأن شعوبنا تعاني من وطأة الشعور بالهزيمة الحضارية، وهذا الشّعور قد بدأ يتحول، مؤخراً، إلى عصاب وسواسي جماعي، يفرز ردود فعل عبثية، مجانية ولا عقلانية. يتعلّق الأمر بحالة مرضية تجعل المسلمين يتوجّسون من كلّ شيء، يعدّون أيّ شيء مؤامرة على الإسلام، أو كما جاء في الذكر الحكيم: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ}، وللأسف، لا نستطيع أن ننكر الفرح، الذي يظهره عدد من المسلمين بالهجمات الإرهابية في الغرب، وهو دليل على أنّ الشعور بالهزيمة قد أمسى حالة مرضية مزمنة.

لا يجب أن يقتصر النقد على الإسلام السياسي بل يجب أن يطال البيئة الثقافية والأخلاقية

في واقع الأمر، ليست الهزيمة العسكرية هي المشكلة؛ فلقد انهزمت اليابان وانهزمت ألمانيا أيضاً، في الحرب العالمية الثانية، ولم تمنعهما الهزيمة من معاودة النهوض، دون صراخ أو عويل، ورغم ذلك؛ فقد كان حجم العدوان الذي واجهته اليابان، لا مثيل له، في تاريخ البشرية؛ حيث تعرّضت لإلقاء القنابل الذرية على هيروشيما وناكازاكي، لكنّ المشكلة عندنا نحن بالذات، تكمن في أنّ الشعور بالهزيمة صادف شعوراً ثقافياً بالعجز والشلل والاتكال، سواء في الأبعاد الغيبية، أو في الأبعاد الاجتماعية، وليس يخفى أنّ من طبائع العاجز، أن يحمّل مسؤولية عجزه للآخرين دائماً (السماء، السلطة، الغرب، ...إلخ).

الدّاء فينا، والإنكار داء آخر، وطالما أنّ الخطاب الديني هو الأكثر تأثيراً على شعوبنا، فمن الطبيعي أن يكون الخلل كامناً في طريقة بناء الخطاب الديني، التي تكرّس العجز الإنساني والشلل الحضاري. يكفي أن نتفحّص القيم التي يكرّسها الخطاب الديني لدى أطفالنا (الله سيعذبك إن فعلت كذا، الله من يرزقك إن أطعته، يكفي أن يرضى عنك أبواك، خاصة أمك، أمّا رضاك عن نفسك فلا يهم)، لذلك أقول أيضاً: لا يجب أن يقتصر النقد على الإسلام السياسي حصراً، بل يجب أن يطال البيئة الثقافية والأخلاقية المنتجة لقيم العجز وثقافة التخلف.

جورج بوش استعمل الخطاب الديني، بغية تبرير العديد من قراراته التي يصعب تبريرها بالعقل

الاستخدام النفعي للدين

هل الاستخدام النفعي والوظيفي للدين في السياسة، سواء من جانب الأنظمة أو الجماعات الدينية، ساهم في خلق شرعية لتحويل النص الديني إلى أيدولوجيا انبثق عنها العنف والتكفير؟

أعتقد أنّ سؤالك هذا هو صيغة جيدة لإمكانية الإجابة، لكن علينا أن نميز ابتداءً، وقبل الإجابة، بين الاستغلال السياسي للدين، والاستعمال الأيديولوجي له. الاستغلال السياسي للدين هو ما تقوم به الغالبية العظمى، من الدول والزعامات في العالم الإسلامي؛ بل قد تستعمله حتى بعض الزعامات في الغرب أحياناً. لا ننسى أنّ الرئيس الأمريكي الأسبق جورج والكر بوش قد استعمل الخطاب الديني، بغية تبرير العديد من قراراته التي يصعب تبريرها بالعقل. أمّا الاستعمال الأيديولوجي للدين فهو ينطلق من اعتبار الدين مرجعاً شمولياً لكلّ المشكلات والمسائل، ويجب أن تخضع له كافة مؤسسات الدولة، مثلما هو الحال اليوم في إيران، على سبيل المثال.

الثورة الإيرانية أوحت، في بدايتها، أنّها قد تقدم نموذجاً لدولة دينية وديمقراطية، في الآن نفسه، على الطريقة "الإسرائيلية"

تحويل النص إلى أيديولوجيا، بمعنى أدلجة الدين، هو سيرورة تاريخية طويلة الأمد، انطلقت منذ لحظة التحكيم ورفع المصاحف على السيوف، إبّان الصراع بين علي ومعاوية، وقد أكملها الإسلام السياسي، في القرن العشرين، بعبارة "القرآن دستورنا".

المفارقة؛ أنّ الذين يرفعون اليوم شعار "القرآن دستورنا"، هم أنفسهم من يفتخرون جهاراً نهاراً، بأنّ صحيفة "المدينة" هي دستور دولة الرّسول، وهي أول دستور لدولة المسلمين. فهل يُعقل أن تسمّى صحيفة "المدينة" دستوراً، فيما لو كان الدستور هو القرآن، أم ثمة إمكانية لأكثر من دستور واحد؟!

قديماً، عندما أرسل علي بن أبي طالب ابن مسعود لمحاورة الخوارج، أوصاه بالقول: "لا تجادلهم بالقرآن فإنك تقول فيقولون"، ذلك أنّ من خصائص القرآن أنّه "حمّال أوجه"؛ لذلك فإنّ اعتماد الخطاب القرآني مرجعاً جامعاً، لم يساهم في درء الفتنة بأية حال، وقد نجح عثمان بن عفان في تجميع القرآن ضمن نصّ واحد، جامع وموحَّد، إلّا أنّ وحدة النص، لم تحل دون تفرّق المسلمين واقتتالهم، حول مفاهيم نصّ سيظلّ "حمَّال أوجه" في الأخير.

كيف ترى تلك الإشكالية التي رافقت الدولة الحديثة، في المنطقة العربية، وتأسيس أنظمة الحكم في فترة ما بعد الاستقلال، حيث عمدت إلى احتواء وتأميم المجال الديني، عبر مصادرة أدواته وحشد رأسماله الرمزي، بغية شرعنة سياساتها وتبرير إجراءاتها المختلفة وانحيازاتها المتفاوتة؟

ثمة معطى لا يجب أن ننساه، لقد صادف بناء دولة ما بعد الاستقلال، مناخ الحرب الباردة، وأثناء ذلك لجأ العالم الرأسمالي، بزعامة أمريكا، إلى سلاح الدين، في مواجهة "الإلحاد" الماركسي الستاليني.

لقد بدأ الانتباه إلى سلاح الدين، منذ فترة الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، التي صادفت أيضاً، اندلاع الجهاد الأفغاني وقيام الثورة الإيرانية، علماً – للتذكير أيضاً- بأنّ الثورة الإيرانية قد أوحت في بدايتها بأنّها قد تقدّم نموذجاً لدولة دينية وديمقراطية في الآن نفسه، على الطريقة "الإسرائيلية" طبعاً، ولا ننسى كذلك أنّ بناء أنظمة دينية وديمقراطية، وفق نموذج إسرائيل، هو مطلب المحافظين الجدد، حلفاء جورج والكر بوش.

والهدف، كما لا يخفى، أن يكون الشرق الأوسط متناغماً مع النموذج الإسرائيلي: دول دينية طائفية مذهبية بالفعل، لكنّها ديمقراطية أيضاً، بمعنى فيها انتخابات غير مطعون في نزاهتها.

لقد شكّلت دول ما بعد الاستقلال نوعاً من التحدي أمام الهيمنة الرأسمالية على العالم. نتذكّر إعلان باندونغ، وتجربة دول عدم الانحياز في عهد عبدالناصر، وسوكارنو، وبنبركة، وغيرهم من رموز حركات التحرر الوطني في العالم. أثناء ذلك انتبه الغرب الرأسمالي إلى إمكانية توظيف مظلومية الإخوان المسلمين، في مواجهة أنظمة كانت تبدو للغرب الرأسمالي أقرب إلى المعسكر الاشتراكي، رغم عدم انحيازها المعلن.

تم توظيف حركة المقاومة الإسلامية حماس منذ نشوئها لسحب البساط من تحت أقدام منظمة التحرير الفلسطينية

وفي السياق نفسه؛ تم توظيف حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، منذ نشوئها ولغاية سحب البساط من تحت أقدام منظمة التحرير الفلسطينية، التي كانت تمثل التهديد الأكبر للاحتلال، وفعلاً، ما إن انهارت منظمة التحرير الفلسطينية، حتى انهار مجد القضية الفلسطينية.

والجيل الحالي من شباب المسلمين في العالم –وهذا مؤسف- لا يعرف شيئاً من مآثر وملاحم فتح، والجبهة الشعبية، والجبهة الديمقراطية، ذلك أنّ التحالف العالمي بين الغرب الرأسمالي، والإسلام السياسي، والأنظمة الرجعية العربية، قد أفضى إلى مسح ذاكرة الإنسان، وذاكرة الأرض، من الإرث الوطني لحركات التحرّر.

وبوجه عام، الكلام هنا له شجون، لكن كي أضع خلاصة واضحة أقول: تحتاج دولة المؤسسات إلى مواطنين قادرين على التحكم في الانفعالات السلبية والغرائز البدائية، تحتاج مأسسة القضاء إلى تحكّم المواطنين في غرائز الثأر والانتقام، تحتاج المنافسات الانتخابية إلى تحكّم المواطنين في غرائز الغيرة والغضب، ...إلخ. غير أنّ الخطاب الديني الشائع والسائد عندنا، يساهم في تأجيج الانفعالات السلبية والغرائز البدائية؛ بل يعدّها، في الغالب، من أخلاق المؤمن: الغيرة (قد تنطلق من الغيرة على الدين ثم لا تنتهي)، والغضب (قد ينطلق من الغضب للدين ثم لا ينتهي)، والخوف (قد يبدأ بالخوف من عذاب الله ثم لا ينتهي)، الغيظ (قد ينطلق من إغاظة الكافرين ثم لا ينتهي)، ...إلخ. هذا الخلل في بناء الشخصية، يمثّل عائقاً كبيراً أمام بناء دولة المؤسسات الحديثة.

الفكر الاشتراكي في العالم الإسلامي

ثمة تناقضات شهدتها فترات الحكم في مصر؛ ففي العهد الناصري، عدّ بعض المؤرخين أنّ الدولة استعانت بالدين، لكن بشكل (تثويري وتنويري) في مواجهة خصومها، وإيجاد خطاب سياسي، يستعير عناصره من الدين، حتى تتطابق وانحيازها الاشتراكي والقومي، فكان الخطاب الديني بين طرفي المعارضة والسلطة، ينزاح إلى حالات نزاع، تستخدمه الأخيرة لمواجهة خطاب التكفير، من جانب القوى المحافظة وجماعة الإخوان، فهل ترى بالفعل إمكانية الاستخدام التثويري للدين؟

لا شكّ في أنّ الفكر الاشتراكي، في العالم الإسلامي، قد حاول أحياناً إعادة تأويل الرؤية الدينية، بما يخدم مطلب العدالة الاجتماعية، مستلهماً نماذج فقراء الصحابة، من قبيل أبي ذر الغفاري، كما لا ننسى أنّ سيد قطب نفسه، وقبل انقلابه الأيديولوجي، لم يتورّع عن الكتابة في قضايا العدالة الاجتماعية في الإسلام، غير أنّ التأويلات "الاشتراكية" للإسلام سرعان ما انمحت أمام التأويل الرأسمالي، الذي عدّه الإسلام السياسي، بكلّ أطيافه، الأقرب إلى الدين والفطرة.

وفي تلك الأثناء، أملت ظروف الحرب الباردة على العالم الرأسمالي، أن ينظر إلى المعسكر الشيوعي، كعدوّ شرس قد تطول المواجهة معه لعدة قرون، كما حسب كثيرون، كما لا ننسى التدخّل السوفياتي في أفغانستان، والجهاد الأفغاني، ونجاح رموز الإسلام السياسي في شيطنة ماركس؛ بل شيطنة الفكر الغربي برمّته، بعد وصمه بالمادية والإلحاد والانحلال، غير أنّ الاستخدام التثويري للإسلام، يبقى هو الأطروحة التي بدأها علي شريعتي نفسه، قبيل الثورة الإيرانية، وقبل أن ترتد أطروحته إلى نحرها.

مآل الثورة أن تصير دولة في النهاية؛ لذلك لن يكون تثوير الدين سوى مدخل إلى دولنته أيضاً؛ بمعنى أنّنا أمام لعبة خطيرة، في آخر التحليل.

كيف ترى تورط الدولة الناصرية في تبنيها قصّة تجلي العذراء فوق أحد الكنائس بضاحية الزيتون، وتوظيفها إعلامياً باعتبارها تعزية ومساندة من السماء على الهزيمة العربية في حزيران (يونيو) 1967، وهو ما وصفه المفكّر السوري، صادق جلال العظم، بحيلة لتصفية آثار العدوان؟

هذا يؤكّد لنا، بالملموس، أنّ ردّ فعلنا إزاء الهزيمة، جراء نرجسيتنا المجروحة، جاء على نحو نكوصي مرضي، سرعان ما سيجعل من الدين نوعاً من العصاب الوسواسي، بدل أن يكون رحمة للعالمين. فنحن لم نحوّل الهزيمة إلى سؤال عقلاني، كما فعلت اليابان مثلاً؛ بل جعلناها مبرّراً للبحث عن انتصارات أسطورية غيبية، تمنحنا مسكّنات تكرّس العجز في آخر المطاف.

أخبرني أصدقاء في غزة عن ظاهرة جديدة بدأت تنتشر عندهم مؤخراً، يتعلق الأمر بظاهرة طرق الأبواب فجراً، للذهاب على شكل أفواج وجماعات إلى صلاة الفجر، وكلّ من يفعل ذلك يظنّ أنّ له أجراً عظيماً، بل الرهان أعظم من ذلك؛ إذ ثمة خطاب تبشيري، مفاده أنّ الحرص على صلاة الفجر، سيكون مدخل الأمة إلى الانتصار (الانتصار على من؟!).

وفي كلّ الأحوال، يبقى السؤال معلقاً: ما علاقة صلاة الفجر بالانتصار كيفما كان نوعه؟ بكل تأكيد، ليس المقصود بالانتصار هنا القضاء على الفقر والجهل والرشوة والغش والخرافة. كلّ ما في الأمر أنّنا نعيش بوادر انتكاسة مروّعة إلى الرؤية السحرية للعالم؛ حيث بعض الطقوس الجماعية، يمكنها أن تكون كافية لإقناع السماء بمساعدتنا، على التمكين والنصر المبين.

لجأ السادات لسلاح الدين واصطلح على نفسه صفة "الرئيس المؤمن" لكن في الأخير اغتالته أيادي الإسلام السياسي نفسها

يُردّ الجهل بالمعرفة

إلى أي حدّ يمكن عدّ الاستخدام الانتهازي والمحدود للدين سبباً في توسيع حاضنة أصولية ومتطرفة في المجتمع؟

التوظيف الأيديولوجي للدين، في إطار الصراع على السلطة، لم يخدم في آخر المطاف سوى القوى الأصولية النكوصية. وهذا طبيعي؛ فقد حاول أنور السادت في مصر أن يضرب عصفورين بحجر واحد، احتواء الإسلام السياسي وتصفية تركة جمال عبد الناصر؛ لذلك لجأ إلى سلاح الدين، وقد اصطلح على نفسه صفة "الرئيس المؤمن"، لكن ماذا حدث في الأخير؟ اغتالته أيادي الإسلام السياسي نفسها.

لذلك نقول: ليس صحيحاً أنّ الدواء من جنس الدّاء، فلا يُردّ الجهل بالجهل، بل يُردّ الجهل بالمعرفة.

لماذا لم يتحرّر العقل العربي من التفكير البدائي، ويتجاوز المرحلة اللاهوتية، لو استعرنا تعريف أوغست كونت للمراحل التاريخية التي تمرّ بها البشرية، وتنتهي عند المرحلة الوضعية العلمية، وأدوات التحليل النقدي؟

شخصياً، لا أراهن على أن تتخطى البشرية المرحلة اللاهوتية، وفق الرؤية الوضعية، لأوجست كونت؛ بل أراهن على تحوّلات جذرية في حقل الروحانيات والتدين، وفي المستوى العالمي كذلك.

وبكلّ بساطة، لا يمكن تخطّي المرحلة الدينية ما لم تنجح البشرية في القضاء على الموت، على أقل تقدير، فبوجود الموت ستظل البشرية في حاجة إلى نوع من العزاء. صحيح أنّ ثمة ما يسمّى "موت الفلاسفة"، وهو الأسلوب الذي تحدّث عنه جاك ديريدا، في آخر حواراته، لا بل سبق أن تحدّث عنه سينيكا وشيشرون ومونتين، الذي يتعلّق بكيفية تقبّل الفناء كقدر أخير، بكامل الرضا، وبدون عزاء بالضرورة، لكن الناس ليسوا جميعاً فلاسفة، وليسوا جميعاً حكماء.

الخطاب الديني الشائع يساهم في تأجيج الانفعالات السلبية والغرائز البدائية، بل يعدّها في الغالب من أخلاق المؤمن

وفي كل الأحوال، فأنا أميّز بين الخروج عن الدين، الذي هو شأن شخصي، والخروج من الدين، الذي هو صيرورة تاريخية طويلة الأمد.

غير أنّني أظنّ، في المقابل، أنّنا نعيش انتكاسة ليس فقط نحو الاستعمال الأيديولوجي للدين، إنّما نحو الاستعمال السحري للدين. يكفي أن ننظر من حولنا إلى تكاثر مراكز الرقية الشرعية، واستعمال القرآن في العلاج الطبي، وبرامج الإعجاز العلمي التي هي مجرّد عجز علمي، وليست إعجازاً، حتى نتأكد من حجم الانتكاسة إلى أنماط التدين البدائي.

ما هي الشروط المؤدية إلى ذلك الانسداد التاريخي في المجتمعات العربية والإسلامية والمتسببة في انتصار متزايد لأصحاب نظرية الحق الإلهي، واغتيال العقل في الإسلام، منذ هزيمة المعتزلة وتأبيد واقع ونمط ديني محدَّد ومغلق؟

كان الانقلاب المتوكّلي لحظة حاسمة ضمن مسلسل هزيمة العقل، وتغييبه بدعوى شعار يقول: "لا اجتهاد مع النصّ"، وهو الشعار الذي سرعان ما أصبح يعني "لا اجتهاد في النص" أيضاً.

والمفارقة؛ أنّ النص الديني نفسه هو ثمرة اجتهاد المسلمين عقب وفاة الرسول، من حيث الجمع والترتيب والتبويب والتدوين، سواء تعلّق الأمر بالمصحف أو الصحاح، بيد أنّ المعضلة الكبرى تكمن في أنّ مركز ثقل النصّ، قد انتقل من الخطاب القرآني، إلى الخطاب الحديثي.

ولقد صار كلام الرسول، في آخر المطاف، أهم من كلام الله، لا سيما بعد أن انتهى الأمر إلى الإقرار بأنّ "السنة قاضية على القرآن"، كما ردّد الإمام ابن حنبل، وبهذا المعنى، وبصريح العبارة؛ فإنّ الذي سيعطّل العقل ليس النصّ القرآني، إنّما هو النص الحديثي، مضاف إليه النص الصحابي، والنص التابعي، وصولاً إلى شيوخ الفضائيات اليوم.

بخصوص شعار "القرآن دستورنا"

لقد تحوّل النص الديني، في لغته الحسية والتصويرية والمجازية، إلى قوانين ونصوص دستورية ونظريات علمية، يجري توظيفها البراغماتي لبناء المشروعية السياسية.. لماذا تخفق مشروعات التحديث في تصفية ذلك الاتحاد بين السلطتين؛ الدينية والسياسية؟

أعتقد أنّ شعار "القرآن دستورنا"، كان لحظة الخطيئة الكبرى، التي أفضت إلى استكمال دائرة أدلجة الإسلام؛ حيث أصبح الإسلام، لدى بعض الناس، مجرد أداة للتهييج الانفعالي، والمزايدة الغوغائية، طلباً للسلطة أو الغنيمة. لا بأس أن نذكر، مرة أخرى، أنّ القرآن ليس دستوراً؛ لأنّه لم يصف نفسه بأنه دستور، ولأنّ آياته حمّالة أوجه، وفيها محكمات ومتشابهات، وناسخات ومنسوخات..إلخ.

وليس هكذا يكون الدستور، الأدهى من ذلك؛ أنّ الدسترة سوف لن تقتصر على النصّ القرآني حصراً، إنّما ستشمل مدوّنة الحديث بعد تضخّمها، فضلاً عن المتن الصحابي والتابعي، فقد تحوّل النص الديني إلى سلطة ضدّ العقل، والإبداع، وحرية الإنسان، ويكفي أن نسمع في خطب الجمعة نصاً دينياً منسوباً إلى الرسول، يتردد أمام مسامع المؤمنين، ويقول: "كلّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار"، حتى ندرك أنّنا، باسم النص، نقتل روح الإبداع. وهل تكون الحداثة شيئاً آخر غير القدرة على الإبداع؟!

كيف تصف ذلك المشهد الذي أضحى فيه المصحف بين منزلتين؛ إما وسيلة للحكم والقتل أو أيقونة مقدسة للزينة والتبرك؟

حال القرآن، الآن، محصور بين مآلين: الاستعمال الأيديولوجي في إطار الصراع على السلطة، وهو ما قلت في سؤالك إنّه "وسيلة للحكم". والاستعمال السحري في إطار الرؤية السحرية للعالم، وهو ما قلت في سؤالك إنّه "أيقونة للتبرّك"، أمّا مسألة الزينة، فهي، في وجهة نظري، تبقى إيجابية لو تحرّرت من الاستعمال الإيديولوجي، والاستعمال السحري.

يتعلّق الأمر، في كل الأحوال، بخضوع النص القرآني للأدلجة والأسطرة، أولاً: أدلجة النص القرآني من حيث عدّه مرجعاً شمولياً لكلّ شيء، الدولة والسياسة والاقتصاد والجنس، ...إلخ. وثانياً: أسطرة النص القرآني، من حيث عدّه مفتاحاً سحرياً لكلّ المسائل والمشكلات، من أسواق المال إلى طبّ العيون، ومن الملاحة الجوية إلى أسعار الجبن، وكل هذا مجرّد عبث بالدين.

 شعار "القرآن دستورنا"، كان لحظة الخطيئة الكبرى، التي أفضت إلى استكمال دائرة أدلجة الإسلام

الأخطار المتوقعة

تواجه مجتمعاتنا، بعد الربيع العربي، ولادة تيارات دينية تقود ما يمكن تسميته بدويلات طائفية، وتستولي على مساحات جغرافية تهدد وحدة الدولة الوطنية، وفي المقابل؛ أصبح لكلّ فئة وكتلة اجتماعية وسياسية، مذهباً له مجالسه العلمية ودور الإفتاء التي تضمن له الشرعية وتكفير خصومه ومنافسيه... كيف ترى مآلات ذلك المشهد ومسبّباته الواقعية؟

يمكننا القول: إنّ الخطر الذي ينتظرنا، يتّصف بالتركيب والتعقيد، فثمّة توجّه عامّ نحو التفكّك والتفتت، في إطار طغيان نوعين من الولاءات: أولاً؛ الولاءات الدينية المحلية (الإمارات الصغرى)، من قبيل تلك المحاولات التي راهنت على تشكيل إمارات، في تومبوكتو أو سيناء أو غرداية، ...إلخ. وثانياً: الولاءات الدينية العابرة للأوطان، والموسومة بالاحتلال والحنين إلى عصر التوسعات الإمبراطورية.

وهنا نلاحظ كيف يحاول السلطان "أردوغان" العثماني، استثمار ولاء فصائل الإسلام السياسي لأجل إعلان عودة الخلافة، وهو يقصد الخلافة العثمانية تحديداً، التي هي، باختصار، الفترة الأكثر غزواً، والأقل إبداعاً، في تاريخ الحضارة الإسلامية. لكن مقابل ذلك؛ ثمّة مشروع مذهبي منافس، يقوم على أساس ولاية الفقيه الإيرانية، وتدعمه إيران هذه المرّة.

وبالنسبة إلى الشرق الأوسط، يتعلق الأمر بولاءات طائفية واستعمارية، سواء كانت عابرة للأوطان، أو دون الأوطان، لكنّها ستشعل مزيداً من الفتن وتدمّر البقية الباقية، من مفهوم الوطن.

ما يجري في سوريا يعكس حجم الفراغ الوطني الذي تحاول أن تملأه ولاءات طائفية واستعمارية، باسم الإسلام

وما يجري اليوم في سوريا؛ من قتال الإخوان المسلمين والنصرة تحت لواء القوات التركية، وقتال حزب الله تحت لواء الحرس الثوري الإيراني، يعكس حجم الفراغ الوطني الذي تحاول أن تملأه ولاءات طائفية واستعمارية، ولو باسم الإسلام هذه المرّة، الذي هو أعزّ شيء إلى قلب الشعوب.

ولا ننسى أنّ المغول دخلوا إلى الإسلام فقط من أجل شرعنة احتلالهم للعالم الإسلامي، غير أنّ الاحتلال، في كل الأحوال، يبقى احتلالاً، وحتى التاريخ الرسمي لا يقول غير ذلك، معضلة الإسلام السياسي تكمن في أنّه ساهم في تدمير مفهوم الوطن، بدعاوى تدغدغ العواطف الدينية الجياشة (أمة محمد، أمة لا إله إلا الله، ...إلخ).

والواقع، أنّ الوطن هو خطّ الرجعة الأخير، قبل اشتعال الفتنة التي ستحرق اليابس والأخضر. وهذا تحذيرنا الأخير.

للمشاركة:



هل يشعل خط الغاز خلافاً بين تركيا وإيران؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-27

أعلن وزير النفط الإيراني، بيجن زنغنه، أول من أمس، عن "تأخر تركيا في ترميم خط أنبوب تصدير الغاز الإيراني" الذي تضرر بسبب انفجار وقع في وقت سابق، مضيفاً أنّ أنقرة رفضت مقترحاً إيرانياً بترميم هذا الخط، فيما أكد مراقبون أنّ رفض أنقرة مؤشر على تغيير مفاجئ في علاقة البلدين، خاصة بعد أن أغلقت تركيا حدودها في وجه الإيرانيين، بسبب فيروس كورونا المستجد، ولم تقدم لهم أي مساعدات تذكر، مشيرين إلى أنّ المسألة يمكن أن تتحول لخلاف في ظل تعنّت تركيا.

تركيا تتأخر في ترميم خط أنبوب تصدير الغاز الإيراني وترفض مقترحاً إيرانياً بالمشاركة في أعمال الصيانة                                         

وفي مقابلة إذاعية أجراها، حول أوضاع صادرات الغاز الإيراني إلى تركيا، قال زنغنه: "إنّ الأنابيب ما زالت متضررة بسبب الانفجار الذي وقع في وقت سابق من العام الحالي في خطوط تصدير الغاز الإيراني إلى تركيا، ولم يتم ترميمها بعد، رغم أنّ عملية إصلاح هذه الخطوط لا تحتاج وقتاً طويلاً"، وفق ما أورد موقع "إيران انترناشونال".

وتابع أنّ "إيران أعلنت عن استعدادها للمساعدة في عمليات الترميم ولكن هذا الاقتراح لم يحظ بترحيب الطرف الآخر".

وقال زنغنه إنّ إيران في الوقت الحالي تقوم بتصدير مليون متر مكعب من الغاز يومياً إلى أرمينيا، كما يتم تصدير الغاز إلى العراق أيضاً عبر مسارين.

البنك المركزي الإيراني يؤكد أنّ التضخم سيكون 22%، بينما توقع صندوق النقد الدولي أن يبلغ 34.2 %

وحول نقل الغاز من إيران إلى سوريا، قال زنغنه: "لا توجد حالياً خطة حول تصدير الغاز إلى اللاذقية. وإذا كانت هناك خطة بهذا الخصوص، فإنّ إيران ليست لديها مشكلة بشأن توفير الغاز للنظام.

وفيما يتعلق بالأزمة الاقتصادية في إيران أصدر البنك المركزي في خطوة مفاجئة،  توقعاته السنوية للتضخم، قائلاً إنّه سيكون 22% هذا العام.

وقال البنك المركزي في بيان: "إنّ التضخم هذا العام سيستمر في الانخفاض"، بينما توقع صندوق النقد الدولي، أن يبلغ معدل التضخم في إيران 34.2% هذا العام.

للمشاركة:

قاضٍ في نيوزيلندا يكشف عن معاداته للإسلام.. كيف تعاملت معه السلطات؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-27

قررت نيوزيلندا إسقاط عضوية أحد قادة الجالية الهندية من جمعية الضباط القضائيين الفخريين؛ تمهيدًا لفصله كقاضٍ بسبب كتابته منشورات معادية للإسلام على وسائل التواصل الاجتماعي.

وتعتبر حالة القاضي، كنتيلال بيتال، الأولى من نوعها في نيوزيلندا، أن يطلب شخص في منصبه مقاطعة المسلمين، وأن يتم إقصاؤه أيضاً نتيجة ذلك، فهو في الأساس يعمل موظفاً قضائيّاً للصلح، يؤدي وظائف مهمة في العدالة بالبلاد، وبالتالي فإنّ اتهامه بالعنصرية والطائفية يتعارض تماماً مع مهمته ومع الجوائز المتعددة التي حصل عليها.

نيوزيلندا تقرر فصل قاض بسبب كتابته منشورات معادية للإسلام على وسائل التواصل الاجتماعي

وأشار موقع "ذا وير" الإخباري الذي نقل الخبر، إلى أنّ الفعل الذي أقدم عليه القاضي بيتال، كان نتيجة تأثره بحملة مشابهة، انتشرت في بلده الأصلي الهند، فعبر فيديوهات بثت من الهند، تولى بعض القضاة حث المواطنين على عدم شراء المنتجات والسلع من التجار المسلمين، بسبب التخوف من أن يكونوا منتمين لجماعة التبليغ.

فهذه المقاطعة الاقتصادية، يروج لها كردّ على ما أقدم عليه عناصر جماعة التبليغ –تأسست 1926 في الهند وتعتبر أفكارها راديكالية إسلاموية- حين نشر أعضاؤها فيديوهات تحض على اللعق والبصق على العملات الورقية والبصق في الشوارع لنشر فيروس كورونا بين المواطنين الهندوس بسرعة أكبر.

واتخذ السلطات النيوزيلندية مواقع أكثر صلابة ضد القضايا الطائفية لتخوفها من تكرار حادث كرايستشرش مرة أخرى.

يذكر أنّ هجوم كرايستشرش، الذي راح ضحيته 51 قتيلًا وعشرات المصابين، على يد إرهابي عنصري يعادي المسلمين وينادي بنصرة العرق الأبيض، كان بمثابة نقطة تحول لسياسات نيوزيلندا.

للمشاركة:

هذا ما يخطط له تنظيم داعش.. هل ينجح؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-27

هاجم عناصر من تنظيم داعش الإرهابي أحد السجون التابعة لقوات سوريا الديمقراطية "قسد" في مدينة الرقة السورية، بعد أيام من تنفيذ قوات التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، تدريبات مكثّفة لعناصر حماية السجون في "قسد"؛ لتطوير قدرات التعامل مع حالات العصيان التي تكررت خلال الآونة الأخيرة في السجون المخصصة لعناصر داعش شمال شرق سوريا.

تنظيم داعش يهاجم عدداً من السجون في سوريا ويساعد عدداً منهم بالفرار

وأكد مركز الرقة الإعلامي، المقرب من الإدارة الذاتية لقوات سوريا الديمقراطية، أنّ خلايا "داعش" النائمة شنّت هجوماً على أطراف سجن الطبقة المركزي المخصص لعناصر التنظيم؛ ما أسفر عن مقتل 7 من المهاجمين، والقبض على عدد آخر منهم، وفق ما نقل مركز المرجع للدراسات الاستشرافية حول الإسلام الحركي.

وهاجم عناصر التنظيم، نهاية الأسبوع الماضي، حاجزاً لقوات الأمن التابعة للإدارة الذاتية قرب السجن المركزي على أطراف مدينة الطبقة بريف الرقة؛ ما أسفر عن سقوط ضحايا من الجانبين، بالتزامن مع عصيان نفذه أسرى تنظيم داعش، ما أسفر عن فرار مجموعة من عناصر التنظيم المعتقلين داخل السجون.

وأعلن التنظيم عبر وكالة "أعماق"، الذراع الإعلامية له، في بيان يوم الجمعة الماضي، مسؤوليته عن الهجوم الذي استهدف الحاجز الأمني لقوات سوريا الديمقراطية، واقتحام السجن، دون التطرق لتفاصيل أخرى حول فرار بعض من عناصر التنظيم من السجن.

هذا وكثّف تنظيم داعش من عملياته الإرهابية خلال شهر رمضان، عن طريق استجابة خلاياه النائمة لرسائل التنظيم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، التي دعتهم للظهور من جديد، وارتكاب المزيد من العمليات في المناطق التي خسرها، وتحديداً في سوريا.

داعش ينفذ 43 عملية إرهابية استهدفت قوات النظام السوري وقوات "قسد" خلال رمضان

ونفذت عناصر التنظيم ما يقرب من 43 عملية إرهابية متنوعة، استهدفت قوات الجيش النظام السوري، وقوات سوريا الديمقراطية "قسد"؛ حيث تنوعت العمليات التي نُفذ معظمها في وسط سوريا وشرقها بين تفجير وهجوم واستهداف وكمائن.

يأتي ذلك في الوقت الذي أعلن فيه التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية مواصلته عملياته ضد "داعش" بالتعاون مع شركائه في العراق وسوريا للحيلولة دون عودة ظهور التنظيم، عقب تنفيذه عملية مشتركة بالتعاون مع قوات "قسد" في مدينة دير الزور السورية، أسفرت عن مقتل قياديين من التنظيم الإرهابي، أحدهما كان يشغل منصب والي شمال بغداد وهو أحمد عيسى إسماعيل إبراهيم الضاوي، الملقب بـ"أبي علي البغدادي"، والآخر هو المسؤول اللوجستي لـتنظيم داعش وعمل في مجال توفير ونقل الأسلحة والعتاد بين العراق وسوريا المدعو أحمد عبد محمد حسن الجغيفي، والملقب بـ "أبي عمار".

للمشاركة:



الصحفي الفلسطيني الذي اغتيل في اليوم العالمي لحرية الصحافة.. ماذا تعرف عن حنّا مقبل؟

2020-05-28

يُعد الصحفي والمناضل الفلسطيني حنّا مقبل من أهم الرموز في تاريخ الثورة الفلسطينية، فقد آمن بأهمية الكلمة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي وعكف على التصدي للرواية الصهيونية، وبناء وعي شعبي يقوم على أسس الديمقراطية وحرية الرأي، وبلورة الهوية النضالية الفلسطينية بوصفها هوية جامعة؛ فبرأيه إنّ من يناضل من أجل فلسطين هو فلسطيني "ولو ولد في الهنولولو" ومن لا يناضل، ليس فلسطينياً ولا علاقة له بفلسطين "وإن ولد في القدس".

ساهم مقبل في إصدار صحيفة (فتح) التي تعد أولى الدوريات الفلسطينية وكانت تصدر من العاصمة الأردنية عمّان

وقد دفعه إيمانه بضرورة توحيد الخطاب الفلسطيني لبناء جهاز إعلامي يوحد خطابات فصائل منظمة التحرير، كما أنّ طموحه بإنشاء مجلة عربية قومية تحت عنوان "دفاتر عربية" يشي بالنزعة القومية لدى الرجل الذي انتخب أميناً عاماً لاتحاد الصحفيين العرب. ورغم تاريخه الحافل بوصفه مُفكراً وصحفياً ومناضلاً اغتاله الاحتلال الإسرائيلي، إلّا أنّ كثيرين لا يعرفون من هو الشهيد حنّا مقبل.
من هو حنّا مقبل؟
ترعرع حنّا عيد مقبل، المولود عام 1939 في قرية الطيبة القريبة من رام الله، في وسط وطني رافض لوجود الاحتلال الإسرائيلي، وقد اختار الدراسة والعمل في القدس في بداياته؛ فحصل على دبلوم بالمراسلة في مجال الصحافة من جامعة الإسكندرية، قبل أن ينتقل إلى العواصم العربية والأوروبية، وقد عمل في جريدة "فلسطين" ثم في جريدة "الدستور" الأردنية وفي عدد من الصحف الأخرى.

  كتاب "سيرة الأرجوان والحبر الثوري" الذي يتناول سيرة حنا مقبل ومختارات من مقالاته

وقد حمل مقبل قضية شعبه باكراً، وأولى في كتاباته أهمية كبيرة لبناء الديمقراطية في منظمة التحرير الفلسطينية والمجتمع الفلسطيني كشرط أساسي لمواجهة الاحتلال، وقد جُمعت مقالاته في عدة كُتب منها؛ "كتاب حنّا" الذي أعده الروائي الفلسطيني رشاد أبو شاور إلى جانب ابنة الشهيد سلام مقبل، بالإضافة إلى كتاب صدر عام 2017 عن الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين يروي سيرة الشهيد على لسان رفاقه ويجمع عدد من المقالات المُختارة له.

وتعتبر مقالات مقبل تأريخاً لمرحلة مفصلية من التاريخ الفلسطيني؛ فقد كان شاهداً على انتقال الثورة الفلسطينية الناشئة من الأردن إلى لبنان، والفصول التي عايشتها هناك، فضلاً عن كتاباته عن حرب تشرين (أكتوبر) والتسوية التي تلتها بين مصر وإسرائيل.
في صفوف الثورة الفلسطينية
بعد هزيمة الدول العربية في حرب حزيران عام 1967، التحق مقبل بحركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح"، وعمل في جهازها الإعلامي، ليتبوأ العديد من المواقع النضالية والمهنية البارزة على امتداد حياته الحافلة بالحفاظ على ثقافة المقاومة الوطنية والتحريض ضد الاحتلال الإسرائيلي وفضح جرائمه التي يرتكبها بحق الفلسطينيين والعرب.

 

 

وساهم مقبل في إصدار صحيفة "فتح" التي تُعد أولى الدوريات الفلسطينية، والتي كانت تصدر من العاصمة الأردنية عمّان، حيث عمل مديراً لتحريرها، كما ساهم في تأسيس وقيادة "جهاز الإعلام الفلسطيني الموحد" عام 1972، الذي اتفق عليه في إطار توحيد مختلف أدوات منظمة التحرير الفلسطينية العسكرية والمالية بما فيها الإعلام، حيث تم توحيد المجلات والمنشورات الفصائلية المختلفة في صحيفة "فلسطين الثورة" الأسبوعية، التي شغل منصب رئيس تحريرها كمال ناصر، حتى استشهاده عام 1973، ليتولى مقبل منصب رئيس تحرير المجلة.

اقرأ أيضاً: لماذا صار زمن إشهار الثورة الفلسطينية أقسى الشهور؟
واستمر نشاط مقبل في نشر ثقافة الوحدة الوطنية والديمقراطية والمقاومة، ليبدأ في عام 1978 بإنشاء مؤسسة "القدس برس"، محاولاً من خلالها أن يضخ للناس "ما يمكن أن يساهم في جلاء الحقيقة" بحسب تعبيره.
أميناً عاماً لاتحاد الصحفيين العرب

انتخب حنا مقبل عام 1979 أميناً عاماً لاتحاد الصحفيين العرب ثم جدد انتخابه عام 1983 لأربعة أعوام أخرى

ساهم الصحفي الفلسطيني في تأسيس "الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين"، الذي رفع شعار "بالدم نكتب لفلسطين"، وتولى منصب أمين سر الأمانة العامة للاتحاد حتى عام 1980، وكان قد انتخب عام 1979 أميناً عاماً لاتحاد الصحفيين العرب بصفته ممثلاً عن فلسطين؛ ثم جدد انتخابه عام 1983 لأربعة أعوام أخرى؛ إذ عُرف بوحدوية صوته وحرصه على إيصال هموم شعبه وآماله دون انحياز فصائلي.
وكان يمارس كل هذه المهام إلى جانب مهامه كعضو في اللجنة الدولية لحماية الصحفيين، المنبثقة عن منظمة الصحافيين العالمية "I.O.J" وإدارة وكالة "قدس برس"، ووكالة "الشرق برس"؛ إذ كان مقبل طاقة متقدة من النشاط والحيوية في سبيل تطبيق مقولته إنّ "الثقافة الوطنية من الطبيعي أن تنحاز لفلسطين، وتؤسس لواقع لا يقبل إلا بالتحرير والعودة".
شهيد الكلمة
في صباح يوم الخميس الموافق 3 أيار (مايو) من العام 1984، وأثناء توجه مقبل لمكتبه في نيقوسيا بقبرص برفقة مديرة مكتبه "ريموندا فران"، أقدم مجهولون على إطلاق النار عليهما باستخدام مسدسٍ كاتمٍ للصوت، لتخترق إحدى الرصاصات صدره بعد أن اخترقت بطاقة الصحافة التي كانت في جيب قميصه، كما تعرّضت مديرة مكتبه لإصابات بليغة نقلت على إثرها للمستشفى وتعافت من جروحها لاحقاً، فيما فارق مقبل الحياة شهيداً للكلمة الحرة، ونقل جثمانه إلى العاصمة الأردنية عمّان، حيث دفن في مقبرة أم الحيران.

نظارة لا تزال ملطخة بدم المناضل الفلسطيني حنا مقبل وأثر الرصاص على بطاقة عضويته في اتحاد الصحفيين العرب

ومن المفارقات التاريخية أنّ الأمم المُتحدة أقرّت يوم الثالث من أيار، يوماً عالمياً لحرية الصحافة، يحتفل به العالم في كُل عام، إحياءً لـ "إعلان ويندهوك" التاريخي الذي تم في اجتماع للصحفيين الأفارقة، في ويندهوك عاصمة ناميبيا يوم 3 أيار (مايو) 1991، حيث خُصص هذا اليوم للاحتفاء بالمبادئ الأساسية، والتعريف بانتهاكات حق الحرية في التعبير، والتذكير بالصحافيين الذين واجهوا الموت أو السجن في سبيل القيام بواجبهم.

اغتيل حنا مقبل صباح يوم الخميس 3 أيار من العام 1984 أثناء توجهه لمكتبه في نيقوسيا بقبرص

ويحيي الفلسطينيون، بشكل خاص، هذا اليوم مستذكرين جرائم وانتهاكات جيش الاحتلال الإسرائيلي بحق الصحفيين الفلسطينيين، الذين يتعرضون لشتى أنواع التضييق والملاحقة أثناء القيام بواجبهم، والذي لم يكن مقبل أولهم ولن يكون آخرهم؛ فقد رحل ليكون حلقة أخرى في مسلسل جرائم الاحتلال وانتهاكاته المستمرة بحق الصحفيين والكتاب الفلسطينيين، الذي اغتال غسان كنفاني، ووائل زعيتر، وهاني جوهرية وغيرهم.
وسام الاستحقاق والتميز الذهبي
في العام 2015 منح الرئيس الفلسطيني محمود عباس، حنا مقبل وسام الاستحقاق والتميز الذهبي، تكريماً لدوره في تاريخ العمل الصحفي الفلسطيني، وتثميناً لمواقفه وتاريخه النضالي في الدفاع عن وطنه وشعبه وقضيته العادلة، حيث حضر مراسم التكريم زوجته ونجلاه.

تكريم زوجة حنا مقبل ونجليه من قبل الرئيس الفلسطيني عام 2015

وفي العالم 2017، أصدر الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين كتاب "سيرة الأرجوان والحبر الثوري حنا مقبل: بالدم نكتب لفلسطين"، الذي يتكون من 500 صفحة، وتحمل مقدمته عنوان الحبر الساخن والفعل الثوري، لرئيس الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين؛ مراد السوداني، ونصاً لابنته سلام مقبل، وشهادات لأصدقائه رشاد أبو شاور وخالد أبو خالد وجهاد حتر، فضلاً عن عشرات المقالات السياسية التي كتبها مقبل طيلة حياته في عدد من المنابر الإعلامية.

اقرأ أيضاً: في ذكرى اغتياله: هكذا أنقذ غسان كنفاني الحكاية عن فلسطين
كما أطلقت نقابة الصحفيين ودائرة الإعلام في جامعة بيرزيت الفلسطينية، جائزة الشهيد حنا مقبل للإعلام، كخطوة لتشجيع طلبة الإعلام في الجامعات الفلسطينية.

 

للمشاركة:

إخوان اليمن يلوحون بورقة أنقرة - الدوحة لإفشال اتفاق الرياض

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-27

ربطت مصادر يمنية مطلعة بين الجهود التي يبذلها التحالف العربي لإنقاذ اتفاق الرياض، وبين لجوء قيادات سياسية وجهات إعلامية يمنية للتلويح مجددا بورقة التدخل التركي في اليمن، على غرار السيناريو الليبي.

وقالت المصادر إن تواجد قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي في العاصمة السعودية منذ أيام وتسرّب أنباء عن قرب التوافق على بنود ملحق تنفيذي جديد لاتفاق الرياض أثارا غضب التيار الإخواني المدعوم من قطر وتركيا داخل الحكومة الشرعية، في ظل تنامي المخاوف لدى هذا التيار من خسارة ما يعتبرها استحقاقات سياسية مكّنته من السيطرة على محافظات غنية بالنفط والغاز مثل شبوة وحضرموت.

وفيما تشير المعطيات الميدانية إلى فشل أي طرف في تحقيق انتصار عسكري حاسم في مواجهات أبين بين قوات الحكومة اليمنية المدعومة من الإخوان وقوات المجلس الانتقالي، قالت دائرة الشؤون الخارجية في المجلس في بيان لها حول طبيعة النشاط الذي يقوم به وفد المجلس المتواجد في الرياض منذ حوالي أسبوع إنّ الوفد برئاسة عيدروس الزبيدي يواصل مشاوراته “لإيجاد حلول عاجلة للملف الخدماتي والإنساني في عدن والجنوب، وكذا استمرار مناقشة الملفات الأخرى السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية بما يخدم الجنوب وقضيته العادلة وتطلعات أبنائه المشروعة”.

واستبق مستشار الرئيس اليمني ونائب رئيس مجلس النواب عبدالعزيز جباري نتائج الجهود التي تبذلها الرياض لدفع الأطراف الموقّعة على الاتفاق لتنفيذه وفق برنامج مضبوط بمواعيد زمنية، من خلال رفض أي مخرجات في هذا الاتجاه.

وقال جباري في تغريدة مثيرة للجدل نشرها على حسابه في تويتر قبل أيام “إذا صحت الأخبار المسربة بخصوص ما يسمى بملحق لاتفاق الرياض وفرض تسمية رئيس حكومة جديدة بإرادة غير يمنية، فخير للرئيس ونائبه الانسحاب من المشهد السياسي بدلا من البقاء المذل”.

وأكدت مصادر مطلعة لـ”العرب” وصول وزير الداخلية أحمد الميسري ووزير النقل المستقيل صالح الجبواني إلى محافظة المهرة بأقصى شرق اليمن في سياق التصعيد الذي يقوم به تيار قطر وتركيا في الحكومة الشرعية الهادف لإفشال اتفاق الرياض ودفع الأمور باتجاه صراع مفتوح بين المكونات المناهضة للمشروع الحوثي، بهدف تخفيف الضغط على الميليشيات الحوثية وخلق فوضى تفتح المجال أمام دخول لاعبين جدد في الملف اليمني على رأسهم أنقرة.

وأوضحت ذات المصادر أنّ محافظة المهرة تحولت إلى حديقة خلفية لمشروع الإخوان في اليمن بعد تعيين محافظ جديد سمح للشخصيات المدفوعة من الدوحة ومسقط بالتحرك بحرية وتحويل المحافظة إلى جبهة متقدمة للمشروع المعادي للتحالف العربي بقيادة السعودية.

التدخل التركي في اليمن بات أكثر من مجرد تكتيك سياسي
وترافقت الجهود التي تبذلها السعودية لتنفيذ اتفاق الرياض مع تجدد الخطاب الإعلامي والسياسي الإخواني المطالب بدور لتركيا في المشهد اليمني. وكشف ناشطون وإعلاميون يمنيون وعرب ينتمون لجماعة الإخوان عن وجود مخطط تركي جاهز للتدخل في اليمن.

وقال السياسي الإخواني الكويتي ناصر الدويلة في تغريدة على تويتر حظيت باستحسان إعلاميين وناشطين من إخوان اليمن “نظرا لتطاول الحرب في اليمن أقترح أن يُمنح الأتراك دورا في البلد وستنتهي كل الخلافات فورا. واقترح أن تُمنح تركيا قاعدة لها في جزيرة سوقطرى تدير منها عمليات دعم الشرعية في اليمن والصومال وتضبط الأمن في بحر العرب بالتنسيق مع دول المنطقة”.

وعلق الناشط والإعلامي اليمني كامل الخوداني على تغريدة الدويلة بالقول “الجماعة أرادوا التحالف حصان طروادة لتسليمهم حكم اليمن وإرسال مفاتيح صنعاء لأردوغان باسم إعادة الشرعية.. رأوا أن التحالف لم يمكّنهم من هذا ويعتبر نفسه مسؤولا عن كل الأطراف وليس تسليط طرف، فرفعوا ورقة تركيا مشروعهم الحقيقي من البداية”.

وكانت “العرب” قد انفردت في تقارير سابقة بكشف مخطط التدخل التركي في اليمن الذي ينتظر تسوية الأرضية المناسبة من قبل التيار القطري النافذ في الشرعية اليمنية الذي يسيطر على محافظات مأرب وتعز وشبوة ووادي حضرموت ويسعى للسيطرة على منفذ بحري في إحدى تلك المحافظات لتحويله إلى بوابة لتدخل أنقرة.

وتحدثت مصادر سياسية يمنية لـ”العرب” في تقارير سابقة عن اتساع دائرة النشاط التركي في اليمن من خلال زيارة ضباط استخبارات أتراك للمناطق المحررة تحت لافتة المنظمات الإنسانية وتواجد خبراء أتراك في محافظة شبوة، إضافة إلى بروز مؤشرات على وجود أياد تركية خلف تأجيج الصراع في محافظة أرخبيل سقطرى والذي تصاعد في أعقاب زيارة سرية قام بها محافظها رمزي محروس لتركيا والتقى خلالها ضباطا أتراك وقطريين وقيادات إخوانية تدعم مشروع التدخل التركي في اليمن.

وبينما يتحدث مراقبون يمنيون عن وجود انقسام في الحكومة اليمنية حول طبيعة العلاقة مع التحالف ونمو تيار وحيد يراهن على خلق تحالفات أخرى، يؤكد آخرون أن الأمر برمته قد يكون مجرد تقاسم أدوار ومحاولة لتخفيف الضغط على الشرعية حيال تنفيذ التزاماتها السياسية تجاه التحالف العربي والقوى والمكونات الأخرى، عبر التلويح بخيارات معادية لابتزاز التحالف العربي.

غير أنّ مصادر “العرب” تشير إلى أن مسألة التدخل التركي في اليمن باتت أكثر من مجرد تكتيك سياسي يستخدمه بعض المسؤولين في الشرعية لابتزاز التحالف وتخفيف الضغط على الشرعية حيث أنه جزء من صميم التركيبة الأيديولوجية لجماعة الإخوان المسلمين في اليمن التي تهيمن على الشرعية، ويتواجد الكثير من قياداتها في تركيا، وتجاهر بنزعتها الرامية لعودة “الخلافة الإسلامية” من إسطنبول. ووفقا لذات المصادر تستخدم أنقرة الدوحة كقفاز للعبث في المشهد اليمني.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

6 مقومات لنمو اقتصاد الإمارات 2021

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-27

عبدالحي محمد

توقع صندوق النقد الدولي أن تحقق الإمارات نمواً اقتصادياً إيجابياً في ناتجها المحلي الإجمالي بنسبة 3.3 % لعام 2021، كما توقع خبراؤه، في أحدث تقارير الصندوق، أن تحقق الإمارات فائضاً في ميزان المدفوعات إلى الناتج الإجمالي المحلي بحدود 4.1 % للعام المقبل مقابل 1.5 % للعام الجاري.

وأشار التقرير إلى أن أكثر التحديات التي ستواجهها دول العالم، وخاصة الدول المنتجة للنفط في منطقة الشرق الأوسط خلال العامين الجاري والمقبل، هو توفير السيولة المالية الكافية لاقتصاداتها ودعم استقرارها المالي وخاصة مع تراجع إيراداتها النفطية بشكل كبير بسبب التراجع الكبير في أسعار النفط وتداعيات تفشي جائحة كورونا، وأكد التقرير أن البلدان ذات الديون المرتفعة الأكثر عرضة للتقلبات المالية والاقتصادية.

6 مقومات

ويمتلك اقتصاد الإمارات 6 مقومات رئيسة تجعله أكثر قدرة وصلابة على مواجهة صدمات الأزمات والتقلبات الاقتصادية والمالية التي عصفت باقتصادات العالم والمنطقة خلال السنوات الأخيرة وخاصة منذ الأزمة المالية العالمية 2008 والتي خرج منها أكثر صلابة ومتانة.

تنويع اقتصادي

ويتمثل المقوم الأول في سياسة التنويع الاقتصادي الناجحة التي بدأتها الإمارات منذ أكثر من 30 عاماً وتحصد ثمارها اليوم. وطبقاً لأحدث تقارير الهيئة الاتحادية للتنافسية والإحصاء، فإن مساهمة قطاع النفط والغاز والتعدين والمحاجر في الناتج المحلي الإجمالي للإمارات تقلصت بشكل كبير، وبلغت قيمتها 387 مليار درهم تشكل نسبة 25% فقط من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي البالغ تريليوناً و546.6 مليار درهم بنهاية عام 2019 بالأسعار الجارية.

في المقابل، تتعاظم مساهمة أدوار قطاعات غير نفطية أخرى مثل قطاع تجارة الجملة والتجزئة بنسبة 12.5 % والصناعة التحويلية 8.7 % والتشييد 8.4 % والأنشطة المالية والتأمين 8.6 %، وقطاعات أخرى غير نفطية بحصة 36.7 %. وهذا التنوع الاقتصادي يساهم بقوة في امتصاص أثر صدمات تراجع أسعار النفط.

وخلال السنوات العشر الماضية 2010 - 2019 والتي شهدت أزمات عالمية وإقليمية اقتصادية كبرى ارتفع الناتج الإجمالي للإمارات بنسبة 45.3 % بالأسعار الجارية، من 1.06 تريليون درهم عام 2010 إلى 1.54 تريليون درهم بنهاية 2019.

وبموازاة توسع الإمارات في سياسة التنويع الاقتصادي، فإنها توجه استثمارات نوعية ضخمة لقطاع النفط والغاز لزيادة إنتاجها وتعظيم احتياطاتها من النفط كما يقول نجيب الشامسي الخبير الاقتصادي المدير العام لشركة مسار للدراسات الاقتصادية، حيث تقدر هذه الاحتياطات بنحو 98.6 مليار برميل لتحتل المركز السادس عالمياً في إنتاج النفط.

كما أن الإمارات ضمن نادي الخمسة الكبار في احتياطات الغاز بمخزون مقداره 353 تريليون قدم مكعبة.

صناديق عالمية

وثاني المقومات هو امتلاك الإمارات لأصول استثمارية ضخمة توفر لها سيولة مالية كافية، فالدولة لديها عدة صناديق للثروة السيادية واستثمارات خارجية تناهز قيمة أصولها 1.5 تريليون دولار، وأبرزها جهاز أبوظبي للاستثمار الذي احتل مؤخراً المرتبة الثالثة عالمياً ضمن أكبر الصناديق السيادية.

وذلك بقيمة 697 مليار دولار، ومؤسسة دبي للاستثمارات الحكومية التي حلت في المركز الـ13 بأصول نحو 233.8 مليار دولار وشركة مبادلة للتنمية في المركز الـ14 بقيمة ناهزت 226 مليار دولار، وهيئة الإمارات للاستثمار في المرتبة 28 عالمياً بأصول بلغت قيمتها 34 مليار دولا، وهذه الأصول توفر لها سيولة مالية تحت الطلب.

احتياطات دولية

وثالث المقومات هو احتياطات دولية متزايدة، سواء للمصرف المركزي والبنوك والبالغة بنهاية مارس الماضي 449.6 مليار درهم وهذه الاحتياطات تحقق نمواً مستمراً تدعمها استراتيجية فعالة يطبقها المصرف المركزي لتوفير السيولة للاقتصاد الوطني. وحلقت السيولة إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق بنهاية أبريل الماضي .

حيث بلغت 1.75 تريليون درهم. ويدعم هذه السيولة قطاع مصرفي قوي تزيد أصوله وفقاً لأحدث الإحصاءات إلى 3 تريليونات و155.7 مليار درهم، وودائع مصرفية للمقيمين وغير المقيمين ارتفعت بنهاية أبريل إلى تريليون و872.2 مليار درهم. كما ارتفعت ودائع الحكومة إلى 286.7 مليار درهم بنهاية أبريل.

ويؤكد أمجد نصر، الخبير الاقتصادي مستشار التمويل، أن السيولة المالية الضخمة التي تملكها الإمارات سواء عبر صناديقها السيادية أو احتياطاتها النقدية في الخارج أو أصول قطاعها المصرفي والاستثماري في الداخل، كفيلة بأن تمكنها من مواجهة أية أزمات سواء جائحة كورونا أو غيرها.

كما أن المصرف المركزي يقوم بدور كبير في توفير السيولة بشكل ناجح وهو ما ظهر بشكل واضح في خطته الشاملة المرصود لها أكثر من 265 مليار درهم وهي أكبر خطة دعم مالية في المنطقة.

مديونية

المقوم الرابع هو تضاؤل المديونية الخارجية للدولة. وكما يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور علي العامري، فإن الإمارات لا توجد عليها أعباء أو التزامات مالية ضاغطة سواء كانت ديوناً أو غيرها، والموجود فقط ديون ضئيلة غالبيتها لشركات، وهذه الديون تتضاءل كثيراً أمام الأصول الاستثمارية للدولة والشركات الحكومية والخاصة وكذلك أمام سعر صرف الدرهم القوي.

سياسات منفتحة

المقوم الخامس هو السياسات الاقتصادية المنفتحة وبيئة العمل التنافسية التي تمتاز بها الإمارات وترسخت عبر عشرات السنين ما جعلها بيئة الأعمال والاستثمار الأولى في المنطقة. وتكشف إحصاءات وتقارير منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «أونكتاد» عن أن الإمارات تحتل المرتبة الأولى عربياً في جذب وتصدير الاستثمارات.

وارتفع رصيد الاستثمارات الأجنبية الداخلة للدولة من 76.1 مليار دولار لعام 2010 إلى 140.32 مليار دولار لعام 2018 بارتفاع مقداره 64.2 مليار دولار وبنسبة نمو 64%. كما ارتفع صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الداخل للدولة من نحو 4 مليارات دولار لعام 2010 إلى 10.4 مليارات دولار لعام 2018

علاقات تجارية واسعة

والمقوم السادس هو العلاقات التجارية الواسعة للإمارات مع نحو 220 دولة في قارات العالم الست. وارتفعت قيمة التجارة الخارجية غير النفطية من 754.4 مليار درهم بنهاية عام 2010 إلى 1.62 تريليون درهم بنهاية عام 2018 بزيادة مقدارها 873.6 مليار درهم وبنسبة نمو 115%. وارتفعت الصادرات غير النفطية من 83.1 مليار درهم إلى 212 مليار درهم بارتفاع مقداره 129 مليار درهم وبنسبة نمو 155 %.

صادرات

وفقاً لإحصاءات التجارة الدولية 2019 الصادرة عن منظمة التجارة العالمية فإن صادرات الدولة من الخدمات تحتل المرتبة 22 عالمياً وتساهم بما نسبته 1.2% من الصادرات العالمية من الخدمات.

فيما تأتي الصادرات السلعية وتشمل النفط في المرتبة 16 عالمياً وتساهم بما نسبته 1.8% من الصادرات العالمية، كما تتصدر دولة الإمارات المرتبة الأولى عربياً في الصادرات السلعية والخدمية، وتحتل الدولة المرتبة الـ3 عالمياً في إعادة تصدير السلع.

عن "البيان"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية