150 عائلة في غزة تفتقد الشهداء الراحلين: رمضان أقسى الشهور

عشية الذكرى الحادية والسبعين لنكبة فلسطين، وفي غرفة صغيرة؛ اجتمع المواطن الغزي، أحمد مسعود، وعائلته، لتناول طعام الإفطار في شهر رمضان المبارك، وانتظار آذان المغرب، للمرة الأولى خارج منزله، الذي أصبح أثراً بعد عين، جراء تدميره بشكل كامل من قبل الطائرات الإسرائيلية خلال العدوان الإسرائيلي الذي استمر لمدة ثلاثة أيام متتالية، قبل الأول من الشهر الفضيل.

اقرأ أيضاً: بالصور.. غزة عقب العدوان.. أمل الحياة يكسر ألم المجزرة
مسعود فقد منزله خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، الأسبوع الماضي؛ حيث تم تدمير ما يزيد عن 170 وحدة سكنية بشكل كلّي، إضافة إلى تدمير 700 منزل بشكل جزئي، ليستقبل أصحابها شهر رمضان المبارك دون مأوى.
تم تدمير ما يزيد عن 170 وحدة سكنية بشكل كلّي

ضياع "شقى العمر"
يقول مسعود، لـ "حفريات": "الاحتلال قضى على أحلامنا، وحرمنا من استقبال الشهر الفضيل داخل منزلنا؛ حيث إننا أنهينا كافة الاستعدادات له من زينة ومستلزمات السحور والفطور، هي مشاعر حزينة من الصعب وصفها، وأنت ترى (شقى العمر) يذهب في لحظات، فالاحتلال حطم أحلامنا".

اقرأ أيضاً: حصيلة العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة
ويقضي مسعود شهر رمضان من كل عام براحة وسكينة وطمأنينة، "لكن هذا العام نقضيه مشرّدين، فلم أتمكن من توفير منزل حتى هذه اللحظة لعدم امتلاكي مبلغاً للإيجار، فاضطررت أن أسكن، أنا وأبنائي الخمسة وزوجتي، عند أحد أقاربي، لحين توفير مكسن بديل من قبِل الجهات المعنية".
ويتساءل: "لماذا دمّروا بيتي الذي لم أنهِ أقساطه؟ ماذا فعل لهم أطفالي الذين تشردوا وأصبحوا بلا مأوى؟ لماذا حرمونا من استقبال شهر رمضان بأمان واستقرار؟ نحن ندفع فاتورة باهظة، فالاحتلال يريد تشريد عائلاتنا، والقضاء على مستقبل أبنائنا، ولكن هو يهدم ونحن سنعمّر".

يتساءل: "لماذا دمّروا بيتي الذي لم أنهِ أقساطه؟

وصلت متأخراً
من جهته، يقول المواطن أحمد أبو راس، في حديثه لـ "حفريات": "عشية شهر رمضان المبارك كنت ذاهباً لأحد الأسواق لشراء مستلزمات الشهر، تلقيت اتصالاً هاتفياً من زوجتي أبلغتني أنه سيتمّ قصف البرج الذي نسكن به، وأنها غادرت الشقة هي وأبنائي حفاة الأقدام، فتوجهت مسرعاً للمكان؛ ولكني وصلت متأخراً".

الطفل محمد الخضري (15 عاماً)، لم يشعر هذا العام بلذة شهر رمضان فوالده غادره إلى دار الآخرة

ويضيف: "تركت البيت كما هو، عامراً بالحب والسعادة، وأطفالي فرحين بقدوم شهر رمضان، منتظرين قدومه، ليحتفلوا به على طريقتهم الخاصة، ككلّ عام، ولكني عدت ورأيته كومة من الركام، فتعب الأعوام الماضية ذهب في مهبّ الريح، ولم أستطع الحصول على شيء من محتوياته، فملابسي أنا وأبنائي، والشهادات العملية الخاصة بي، كلها أصبحت تحت الركام".
ويتابع بدمع حار: "حلم حياتي ذهب في لحظة، وأنا لم أستطع فعل شيء، فالذكريات الجميلة تحت الركام، في تلك اللحظات شعرت بالإحباط، خاصة مع حلول شهر رمضان المبارك، الذي من المفترض أن أجتمع أنا وأفراد عائلتي فيه، ونردد صوت الأذان، ونستمتع بالأجواء الإيمانية الخاصة بهذا الشهر".
ويستذكر مناسبات عائلية خلال شهر رمضان، في الأعوام الماضية، كيف كانت، وكيف أصبحوا اليوم دون مأوى.
الذكريات الجميلة تحت الركام

فرحة منغصة
ومع بزوغ هلال شهر رمضان، كانت المواطنة أم سامي ثابت تتمنى أن تتجمع مع عائلتها، مثل الأعوام السابقة، ولكنها تعيش هذا العام بحزن شديد؛ إثر تدمير منزلها قبل شهر رمضان بيومين، فعند سماع أذان المغرب تستذكر كيف كانوا يقضون أوقاتهم على مائدة الإفطار، واليوم يجتمعون في غرفة صغيرة لأحد الجيران، بالكاد تتسع لها ولزوجها وأبنائها.

اقرأ أيضاً: غزة.. بيضة قبان "صفقة القرن" وموقف حماس الصعب
وتتساءل في حديثها لـ "حفريات": "عن أيّة ذكريات أتحدث؟! كلّ ركن في البيت له ذكرى جميلة، ولحظات لا يمكن أن ننساها، ولكنّ الاحتلال الإسرائيلي نغّص علينا حياتنا، وسرق لحظاتنا الجميلة، فهربت أنا وأطفالي بلمح البصر، دون مال، أو أوراق ثبوتية، أو أحذية، أو حتى الأدوات المدرسية الخاصة بالأطفال، فالمكان الجميل الذي كان يجمعنا هدم بدقيقة واحدة".
وفي اليوم الثاني؛ وبعد أن أصبح البيت ركاماً بفعل الصواريخ الإسرائيلية بدأت تتأمل منزلها؛ هنا كانت غرفة النوم، وهنا مكان تجمّع العائلة في شهر رمضان، وهنا المطبخ، وهنا غرفة نوم أطفالها ومكان دراستهم، فالأشياء الجميلة التي كانت تجمعهم تحت سقف واحد أصبحت شيئاً من الماضي، وذلك على حدّ تعبيرها.
المكان الجميل الذي كان يجمعهم هدم بدقيقة واحدة

ملامح رمضان غائبة
أتى شهر رمضان هذا العام مختلفاً عن الأعوام السابقة؛ فملامحه تغيب عن منازل عائلات الشهداء الذين ارتقوا خلال العدوان الإسرائيلي الأخير، فاستقبلوا الشهر الفضيل دون أحبتهم، الذين كانوا يجتمعون بهم على مائدتي الفطور والسحور، والتي أصبحت هذا العام خالية منهم، بعد أن غيبتهم صواريخ الاحتلال الصهيوني.

والدة الشهيد عماد نصير: لم أتخيّل أن نستقبل شهر رمضان من دونه فأصوات ضحكاته كانت تملأ المكان

منذ اليوم الأول لشهر رمضان المبارك، تجلس والدة الشهيد عماد نصير، إلى جانب المكان الذي كان يجلس به ابنها دائماً في رمضان أثناء تناول الفطور والسحور، فهي ما تزال تشاهد ملامحه في البيت وصورته لا تغادر عن مخيلتها.
وتقول والدة عماد الذي استشهد في يوم 4 أيار (مايو) الجاري، جراء استهداف قوات الاحتلال الإسرائيلي لشمال قطاع غزة: "لم أتخيّل أن نستقبل شهر رمضان من دون عماد، فأصوات ضحكاته كانت تملأ المكان، ومزاحه مع جميع أفراد العائلة كان يخفف عنهم مشقة الصيام، وكان يساعدني في إعداد الطعام، وشراء سائر المستلزمات من السوق، فراقه أوجع قلبي، ولم أجد مذاقاً للطعام بدونه".
وتضيف: "استقبلنا شهر رمضان هذا العام ونحن نفقد عماد، صاحب القلب الطيب والروح المرحة، للمرة الأولى سوف نجتمع على الإفطار والسحور من دونه، فهو رحل وخطف معه كلّ معالم الفرحة داخل البيت، فعندما نجلس على المائدة وقت الإفطار نشعر بحزن لا وصف له بسبب عدم وجوده معنا".

طفولة وحيدة
الطفل محمد الخضري (15 عاماً)، لم يشعر هذا العام بلذة شهر رمضان المبارك؛ فوالده حامد الخضري غادره إلى دار الآخرة، دون أن يشعره بفرحة شهر الصيام وعيد الفطر؛ حيث قضى شهيداً خلال العدوان الإسرائيلي الأخير، بعد استهداف سيارته بصاروخ مروحي يوم الخامس من الشهر الحالي.

اقرأ أيضاً: العدوان الإسرائيلي يتواصل على غزة
يقول الطفل الحزين لـ " حفريات"، بنبرة متلعثمة: "شهر رمضان هذا العام هو أقسى الشهور التي أعيشها في أعوام عمري الـ 15 الماضية؛ فيدي لن تلامس يد والدي أثناء الذهاب إلى صلاة التراويح، وزيارة الأرحام، ولن أجد ذلك السند الذي كان يدخل البهجة إلى قلبي عندما كان يصطحبني إلى السوق لشراء الملابس الجديدة، خلاصة القول: لا طعم لرمضان، ولا بهجة للعيد من دون والدي الشهيد".

الأقسام: