هل كان الإمام محمد عبده سلفياً أم مُستغرباً؟

إنّ تناول أفكار المنظرين البارزين عملية مشوبة بالتعقيد؛ لأنّهم باحثون مجددون لا يعرفون الجمود على رأي ولا التعصب لمدرسة، فغالباً، ما تتبدّل أفكارهم، وتتغير مواقفهم، ومنهم الشيخ محمد عبده الذي تنقّل بين مدارس التراث، وتعرّف على ثقافات الغرب؛ فتراه في قضايا يبدو أشعرياً، وفي أخرى يبدو معتزلياً، وثالثة سلفياً، ورابعة مستغرباً، على نحو يُصيب الباحث عن تصنيف للإمام بالحيرة، لكن من يتتبّع فكر الإمام في ضوء المنهج التاريخي الذي لا يُهدر أثر الزمن في نتاج الشخصية فسيجد أنّ الشيخ محمد عبده من الشخصيات العصيّة على التصنيف.

اقرأ أيضاً: الإصلاح الديني بين مارتن لوثر ومحمد عبده

كثيراً ما تبنّى الإمام محمد عبده الفكرة زمناً ثم عدل عنها إلى نقيضها، ففي وقتٍ ما نظر إلى الدولة القومية كحاجز يُقسّم دولة الخلافة إلى أقطار، ورأى الجنسية عصبية تناقض الإسلام بقوله: "وطن المسلم من البلاد الإسلامية هو المحلّ الذي ينوي الإقامة فيه، ويتخذ فيه طريقة كسبه وعيشه، يجري عليه عرفه، وينفّذ فيه حكمه، فهو رعية الحاكم الذي يقيم تحت ولايته، أما الجنسية فليست معروفة عند المسلمين، ولا لها أحكام تجري عليهم، وإنّما هي عند الأمم الأوروبية تشبه ما كان يُسمى عند العرب عصبية، ولقد جاء الإسلام فألغى تلك العصبية، ومحا آثارها".

استساغ الإمام مبدأ المواطنة ووصف الدولة القومية بأنها لا تفرق بين دين وآخر وأنها سمة العصر الحديث منذ الثورة الفرنسية

ثم تراجع عن تلك الأفكار، فاستساغ مبدأ المواطنة، وقبِل بفكر الدولة القومية، التي وصفها بأنّها "لا تفرق بين دين وآخر، وأنّها سمة العصر الحديث منذ الثورة الفرنسية، وهي نزعة فكرية وعاطفية تُوجه ولاء الفرد للأمة، وقد سميت القومية نسبة إلى القوم الذين يعيش الفرد بين ظهرانيهم، ويشعر أنّ كيانه جزء لا يتجزأ من كيانهم، وللقومية مقوماتها الخاصة كاللغة والأرض والكيان السياسي والعادات والتقاليد أو الدين".

نشأ الشيخ محمد عبده صوفياً، يلبس الخشن، ويأخذ نفسه بالرياضات والتأملات، لا يُكلّم أحداً إلا بمقدار الضرورة، ثمّ لم يلبث أن عدل عن هذا كله بعد أن اتّصل بجمال الدين الأفغاني، فاندمج في حياة أهل عصره، معنياً بإصلاح أحوالهم مخالفاً ما كان عليه متصوفة عصره من الابتعاد عن حياة الناس والمغالاة في الزهد، والاعتقاد في الجبر، وإن ظلّ بالإمام قليلٌ من تأملات ورياضات المتصوفة.

اقرأ أيضاً: الشيخ محمد عبده في "كنيسة أورين"

كذلك تأثّر الشيخ محمد عبده في مقتبل حياته الفكرية بالمدرسة التقليدية المحافظة، والتي نشأت على تبديع الفلاسفة ومجافاة العلوم الفلسفية، وما تزال تجافيها إلى يومنا هذا رغم أثرها في الحضارة الحديثة، إلا أنّ موقفه تغيّر بعد أن أتقن اللغة الفرنسية في المنفى، وتعرّف أكثر على الثقافة الغربية، فقويت صلته بكتب الفلسفة، لما رأى من آثارها في نهضة أوروبا، والتقى بعدد من كبار الفلاسفة في زمنه، فعندما أعجب بالفيلسوف الإنجليزي "هربرت سبنسر" سافر لمقابلته في بريطانيا، وترجم كتابه في التربية من الفرنسية إلى العربية، وسعى عند عودته إلى مصر إلى تدريس علوم الفلسفة في الأزهر ضمن حزمة من العلوم الحديثة إلا أنه قُوبل بالرفض الشديد حينها.

اقرأ أيضاً: محمد عبده... النهضة الفكرية والإصلاح المتدرج

وفي الوقت الذي يبدو فيه الشيخ محمد عبده سلفياً متأثراً بابن تيمية في دعوته إلى فهم الدين على طريق السلف قبل ظهور الخلاف، وإنكاره على مشايخ الطرق الصوفية شيوع البدع والخرافات الدينية، إلا أنّه كان على خصومة مع جانبٍ كبير من أفكار ابن تيمية، ففتح الشيخ محمد عبده باب الاجتهاد على مصرعيه، وفسّر القرآن الكريم تفسيراً يلائم روح العصر الحديث، وأوّل النقل بما يُوافق العقل عند التعارض بينهما، ودان بالتأويل في العقائد على خلاف ما عليه أتباع ابن تيمية قديماً وحديثاً؛ في إنكارهم التأويل، والتزامهم بظواهر النصوص، ولا شكّ أنّ ما جرى عليه الشيخ محمد عبده في التأويل وتقديم العقل يجعله أقرب إلى مدرسة ابن رشد منه إلى مدرسة ابن تيمية، التي ثار أتباعه داخل الأزهر بتحريض من الخديوي عباس الثاني على إصلاحات الشيخ للأزهر، واتّهموه بالزندقة.

تأثّر محمد عبده في مقتبل حياته الفكرية بالمدرسة التقليدية المحافظة والتي نشأت على تبديع الفلاسفة ومجافاة العلوم الفلسفية

لاسيما بعد أن سعى الشيخ في فتاواه الدينية إلى الملاءمة بين رُوح الإسلام ومطالب المدنية الحديثة! فأجاز ارتداء زيّ غير المسلمين، في وقت كان هناك إجماع دينيّ من معاصريه على عدم جواز ذلك، مما أثار جدلاً كبيراً، حتى بعد أن انتشر البنطلون والقميص في المدينة ظلّ من مصائب الدهر أن يرتديه زائر إلى القرية المصرية، على حدّ تعبير فريد أبو حديد؛ لأنه من المنظور الريفي "ملابس قليلة الحيا تُجسم عورة الرجال"، ثم تقبّله المجتمع في غير الصلاة، ثم تقبّله في الصلاة لغير الإمام، ثم تقبّله لغير خطيب الجمعة، ثم تقبّله في مختلف الأحوال. فالخطاب الديني في هذه المسألة بدأ من نقطة كان يخلط فيها بين العادة الاجتماعية والشعيرة الدينية والعادات والتقاليد الاجتماعية، وإنْ كانت جديرة باحترام ما تحمله من خصوصية ثقافية إلا أنّ المنتِج لها في النهاية المجتمعُ بدافع من حاجاته القابلة للتغيير.

اقرأ أيضاً: بين محمد عبده وفرح أنطون.. ما تبقى من سجالات النهضة المُجهضة

من جانب آخر، لا يُمكننا أن نحكم على الشيخ محمد عبده بما انتهى إليه أشهر تلاميذه، فكثيراً ما يُخالف بعض أتباع نظريات معينة المنظرين الأصليين في طريقة تفسيرهم للمصطلحات والمفاهيم، فيجمد التلميذ، ولا يتطور مع تطور المواقف الفكرية للمُنظّر الأصلي، فإذا كانت كتب ومقالات ودروس الشيخ محمد عبده تُظهر تغيّرَ موقفه الفكري إزاء الكثير من المفاهيم بما يُواكب تطور أفكاره حول الخلافة والمواطنة والجنسية والفلسفة، والإصلاح الديني، وعلاقة العقل بالنقل، فإنّ تلميذه الشيخ محمد رشيد رضا اتخذ موقفاً مغايراً بتوجهه فكرياً إلى صحراء نجد متأثراً بالدعوة الوهابية، وما تبع ذلك من تأثّر خليفة رضا في رئاسة تحرير مجلة المنار حسن البنا بها، فاستعار اسم جماعته "الإخوان المسلمين" من جيش الإخوان الذي تشكّل في الرياض من قبائل البادية التي توحّدت حول دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب الدينية، وقيادة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود الذي خاض معركته ضد الدولة العثمانية ذات الدعوة الدينية بأنّها دولة الخلافة الإسلامية بدعوة دينية هو الآخر أطلق عليها الدعوة الإسلامية الإصلاحية "دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب"، وهكذا تنازعت الدعوات الدينية وتعددت ونجحت بشعاراتها الدينية في تهميش دعوات التمدن والتحوّل، مكتفيةً من التحديث بالقشرة، فأصبحنا دولاً بقشرة ضعيفة تُخفي تحتها جماعات وقبائل.

سعى الإمام عند عودته إلى مصر لتدريس علوم الفلسفة في الأزهر ضمن حزمة من العلوم الحديثة إلا أنه قُوبل بالرفض

أخيراً، على حد تعبير أودن W.H.Audan، "إنّ كلمات الموتى تتحوّل وتتبدل عندما يجترها الأحياء"، وتتبدل وتتغيّر أكثر عندما تتمثّل في واقع معيش فيه؛ فالشيخ محمد عبده لا ينطق بأفكاره اليوم بيننا، وإنّما نحن من ننطق بأفكاره، ونُعيد تقديمها؛ فالقراءات التي تُهمل مسار التطور الفكري الذي عاشه الإمام، فتنسبه إلى السلفية أو الأشعرية أو العصرانية أو الرّشدية، إنّما تقف عند محطة فكرية بعينها مهملة مساراً حيوياً متطوراً مرّ به، فمن يقرأ نتاج الإمام يجد فرقاً كبيراً بين نقطتي البداية والنهاية؛ فلم ينته في مسيرة أفكاره كما بدأ؛ لأنّ بينهما عمراً طويلاً من الأسئلة والأجوبة التي لن تنته حتى برحيله وسكوت قلمه؛ لأنّ أفكاره ظلّت حية تنمو وتتطور في فكر تلامذته، ومنهم أحمد لطفي السيد، وطه حسين، وأمين الخولي، وشكري عياد، ونصر حامد أبو زيد..، الذين أثروا جميعاً في تلامذتهم، وهكذا تدور الأفكار دورة الحياة فلا تموت لكنها تتجدد.

الأقسام: