جدل العيد ومعضلة الرؤية

جدل العيد ومعضلة الرؤية
3816
عدد القراءات

2019-06-03

بين الدين والعلم كثير من الجدل والاختلاف ومن القبول والرفض، ومن الشك والالتباس، ومن الحذر والمغالطات، وكثير منها يحدث نتيجة رغبة البعض البقاء في قوالب دينية نمطية وبناء الأحكام عليها، وفق منظورات وتصورات لا ترفض الجديد وحسب؛ بل وتعتبر التجديد خطراً على الدين ومساساً به وتحريفاً لأحكامه ومقتضياته.

اقرأ أيضاً: صلاة العيد في مصر تتخلى عن روحانيتها.. لهذه الأسباب
وفي الحياة شواهد كثيرة، بعضها يمكن القبول بالاختلاف فيها، وبعضها يكون الاختلاف عليه بمثابة حشر للدين في الزوايا المعتمة وتكبيل حركته وتجميد مرونته وتعطيل قدرته على استيعاب الجديد في العلم والحضارة والحياة .
في الممارسة الدينية ثمة مستويات للأداء الديني؛ فأداء الصلاة مثلاً في مرتبة أهم من تحديد هلال العيد، ومع ذلك يقر المسلمون خضوعاً والتزاماً بالشرط العلمي لتحديد مواقيت الصلاة عن طريق "الساعة"، ويرفضون الشرط العلمي في تحديد موعد العيد أو هلاله.

لو نظر المسلمون إلى العلم باعتباره خادماً للدين فإنّ مساحات الجدل السلبي ستتضاءل وسينتصر الدين بدلالة أحكامه وببرهان العلم

سيكون مهماً تشكيل قناعة أولية أنّ الهدف هو القطع بصحة الوقت، "وقت العيد" وتولّد هلاله، فإذا كان العلماء ينظرون إلى شهادة أحدهم باعتبارها "ظنّية الثبوت"، وأنّ الحساب الفلكي قطعي الثبوت، يجب أن يصبح الأمر خارج سياق الجدل الذي يثيره كثيرون رغبة منهم في تعطيل الاجتهاد والتجديد والثقة بالدين.
الذين ينظرون مثلاً إلى الحديث النبوي الثابت في الصحيحين حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم  "نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب .. الشهر هكذا وهكذا وهكذا، والشهر هكذا وهكذا وهكذا "، ودلالة هكذا تعني عشرة أيام في إشارة منه صلى الله عليه وسلم إلى أنّ الشهر ثلاثين يوماً، وفي كلمة "هكذا" الأخيرة نقص إصبع في إشارة إلى أنّه يمكن أن يكون الشهر 29 يوماً وليس ثلاثين يوماً. الذين ينظرون إلى هذا نظرة جامدة وتتوقف عند حدود كلمة لا نحسب بل نعتمد الرؤية البصرية، عليهم أيضاً أن يتوقفوا عن قراءة القرآن مكتوباً؛ لأن النبي الكريم، عليه السلام، قال في نفس نص الحديث "لا نكتب".

اقرأ أيضاً: صلاة العيد..وقتها وكيفية أدائها وآدابها
يقول أحد العلماء المتخصصين، د. رحيل الغرايبة، إنّ الحساب الفلكي مقطوع بصحته وهو أكثر ثباتاً ويقيناً من شهادة الواحد والاثنين بكل يقين، وإنّ الأوان قد حان  للاعتماد على الحسابات الفلكية الصحيحة بشكل كامل وقاطع بعدما تأكدت دقة الحسابات الفلكية بطريقة تخلو من الشك والريبة؛ لأن الرؤية الواردة بنص الأحاديث النبوية ما هي إلا آلية للتحقق من ولادة هلال الشهر فقط، والنص لا يمنع التحقق من ذلك بالحساب الفلكي إن أمكن ذلك.

اقرأ أيضاً: لماذا لم يتطور العلم العربي؟
ويضيف غرايبة أيضاً أنّ إطلاق شهر شرعي وشهر غير شرعي ونظام كوني ونظام شرعي ليس صحيحاً؛ فالله، عز وجل، جعل الأهلّة للحساب والتقدير ولنعلم عدد الشهور والسنين، كما رتب الأوقات على حركة الشمس فيثبت الفجر من خلالها ويثبت وقت الظهر بزوالها ويثبت وقت المغرب بغروبها وهكذا، ولذلك فإنّ الكون وآياته مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمواقيت من أجل أداء فروض الدين التي تحتاج إلى علم ونظر وحسن تقدير. فهو يخلص إلى أنّه يجب الاعتماد على العلم اليقيني بحقيقة تولّد الهلال من خلال الحسبة الفلكية المؤكدة؛ حيث إنّ غرة الشهر القمري الحقيقية والطبيعية تثبت بولادة الهلال وليس برؤيته وهنا بيت القصيد، معتبراً أن ليس هناك أشد ضرراً على الدين من انغلاق العقل وتسرب الوهم لأحدهم بأنّه حارس الدين وأنه الأكثر حرصاً على الإسلام وبيده مفاتيح الاجتهاد يمنحها لمن يحب ويحجبها عمن يريد.

غرايبة: إنّ الحساب الفلكي مقطوع بصحته وهو أكثر ثباتاً ويقيناً من شهادة الواحد والاثنين بكل يقين

تلك المعضلة في الذين يرون أنفسهم أوصياء على الشرع والدين والأحكام، وأنّ ما يرونه وما يقطعون به لا ينفع معه مخالفة ولا رأي آخر، ولا بديل عنه، فهم في الحقيقة يسيئون للدين ويكبّلونه بأحكامهم الفردية وأفهامهم الجامدة التي تتوقف عند ظواهر النصوص لا يلجؤون إلى دلالاتها وتأويلاتها العميقة.
كل مسائل الخلاف بين العلم والدين هي مسائل مفتعلة؛ لأن بعض المسلمين ينظرون إلى العلم بالريبة والشك، وأنّه متهم دوماً في علاقته بالدين والأحكام الشرعية، أما لو نظر المسلمون إلى العلم في عصر العلم باعتباره خادماً للدين ومسائل الدين وأحكام الدين، فإنّ مساحات الجدل السلبي ستتضاءل حتماً، وسينتصر الدين بدلالة أحكامه وببرهان العلم ونظرياته.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف أثرت أحداث "الربيع العربي" في الخطاب الديني؟

2020-02-19

تم بناء هذا المقال على فرضية تهمُّ الخطاب الديني في المنطقة العربية بالتحديد، وتفيد بأنّ أحداث "الربيع العربي"، التي اندلعت في كانون الثاني (يناير) 2011، ساهمت في إحداث تحولات لدى الفاعلين في الخطاب الديني.
ونقصد بالخطاب الديني في هذا السياق، كُلّ الفاعلين الدينيين؛ سواءً تعلّق الأمر بأداء المؤسسات الدينية التابعة للدولة الوطنية، أو بالمؤسسات المعنية بصياغة السياسات العامة المرتبطة بالحقل الديني لدول المنطقة، أو الخطاب الديني المُجسّد في الطرق الصوفية؛ أي المشروع الإسلامي الحركي بتفرّعاته الثلاثة؛ الدعوية والسياسية والقتالية، كتنظيم القاعدة وجبهة النصرة وتنظيم داعش.
التحولات في خطاب المؤسسات الدينية
انطلاقاً من التحولات التي عرفها خطاب المؤسسات الدينية، نستحضر المستجدات التي مرت بها أغلب هذه المؤسسات؛ والتي كان أبرزها ما عرفته مؤسسة الأزهر الشريف في مصر، على هامش أحداث "الربيع المصري"، وتحديداً ما سُميّ بـ "وثائق الأزهر"، حيث أُصدِرت 3 وثائق أساسية؛ "وثيقة مستقبل مصر" يوم 19 حزيران (يونيو) 2011 و"وثيقة الأزهر بخصوص الربيع العربي"، يوم 31 تشرين الأول (أكتوبر) 2011، و"وثيقة منظومة الحريات الأساسية"، يوم 8 كانون الثاني (يناير) 2012، هذا بصرف النظر عن السجال الخطابي المباشر الذي جرى مؤخراً بين إمام الأزهر ورئيس جامعة القاهرة، على هامش الخوض في موضوع تجديد الخطاب الديني؛ إذ يفيد هذا السجال بأنّ الانتقال نحو محطة مراجعات حقيقية في عقر المؤسسة الدينية لا يزال بعيد المنال، ولن يتم بين ليلة وضحاها.
التحولات في خطاب حركات الإسلام السياسي
مثلّت أحداث "الربيع العربي" فرصة للحركات الإسلامية، وخاصة حركات "الإسلام السياسي"، لاختبار أطروحة "ما بعد الإسلاموية" التي سطرها الباحث الإيراني آصف بيات قبل عام 2011، بالموازاة مع حديث الباحث الفرنسي أوليفيه روا عن "فشل الإسلام السياسي"، وثلاثية؛ "البيان الدعوي"، "الأخطاء الستة للحركات الإسلامية" و"الفطرية"، للباحث والداعية المغربية فريد الأنصاري.

كان حزب العدالة والتنمية المغربي متواضعاً مقارنة مع الآمال التي عُلّقت عليه قبل أحداث الربيع العربي

وصدرت توقعات هذا الثلاثي؛ الإيراني والفرنسي والمغربي، وتوقعات أخرى بالطبع، قبل أحداث "الربيع العربي"، حيث كان على الباحثين والمتتبعين لأداء المشروع الإسلامي الحركي، انتظار أداء الإسلاميين المشاركين في العمل السياسي بعد اندلاع الأحداث، وفوز الأحزاب الإسلامية في انتخابات ما بعد 2011، لمعاينة المعالم الكبرى لأداء الإسلاميين المنخرطين في العمل السياسي والحكومي، بالصيغة التي عاينوها في عدة نماذج، نذكر منها ما جرى في المغرب وتونس وفرنسا.
واتضح في المغرب، أنّ أداء حزب "العدالة والتنمية" كان متواضعاً، مقارنة بالآمال التي عُلّقت عليه قبل اندلاع أحداث "الربيع العربي"، بل ساهمت مواقف الحزب ومعه حركة "التوحيد والإصلاح" الإخوانية، الموالية له في المجال الدعوي، في تسليط الضوء على النسخة المغربية لخطاب العلمانية، التي تؤكد ضرورة إبقاء تدبير الشأن الديني للمؤسسة الملكية، متمثلة في مؤسسة "إمارة المؤمنين"، مع إبعاد الفرقاء الإسلاميين والحداثيين عن المسألة، أو من خلال مساهمتهما النسبية في حدود مُسطرة سلفاً.

اقرأ أيضاً: سعيد ناشيد: حكومة العدالة والتنمية أصدرت أسوأ القرارات وأشدها إيلاماً
أمّا في تونس، فقد وصلت تعقيدات الأمر حدّ إعلان قيادات حركة النهضة الإسلامية ضرورة التفكير في إحداث قطيعة نظرية بين العمل الدعوي والعمل السياسي، على أمل ترجمة هذه القطيعة على أرض الواقع لاحقاً، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ الحديث عن الفصل بين العمل الدعوي والعمل السياسي عند الحركات الإسلامية المنخرطة في العمل السياسي، ليس واقعاً لا يرتفع، وإنما لا يتجاوز في الغالب مقام إعلان نوايا، كما أشرنا إلى ذلك مراراً، وعاينا هذه المعضلة بشكل ميداني وصريح في التجربة المغربية وتجارب أخرى في المنطقة العربية.

اقرأ أيضاً: هل ينتمي حزب العدالة والتنمية المغربي لتنظيم الإخوان المسلمين؟
وفي فرنسا، وبسبب التحولات التي مرّ بها الخطاب الإسلامي الحركي في المنطقة العربية برمّتها، اضطرت القيادات الإسلامية الحركية، والمجسدة في تنظيم حمل اسم "اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا"، وهو الفرع الفرنسي للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، لتغيير الاسم إلى "اتحاد مسلمي فرنسا"، بمقتضى القلاقل السياسية والأمنية والثقافية والدينية التي أصبحت تثيرها الحركات الإسلامية في الساحة الفرنسية.
التيار السلفي والتيار الصوفي
بالموازاة مع التحولات والمراجعات التي ميّزت أداء المؤسسات الدينية والحركات الإسلامية، عاينا المعطى نفسه مع التيار السلفي والصوفي؛ ففيما يتعلّق بالتيار السلفي، يمكن الوقوف عند دلالات صدور كتاب يحمل عنوان؛ "ما بعد السلفية: قراءة نقدية للخطاب السلفي المعاصر"، لأحمد سالم وعمرو بسيوني، والصادر عام 2015، بكل الإيحاءات الدالة لهذا العنوان، حيث عايشنا مباشرة بعد كانون الثاني (يناير) 2011 تحولات في أداء المشروع السلفي بالمنطقة العربية، لم تكن متوقعة قبل هذا التاريخ، أقلها وأبرزها في آن؛ إعلان سلفية الإسكندرية في مصر تأسيس حزب النور والمشاركة في الاستحقاقات الانتخابية.

لا يمكن للفاعل الديني أنّ يكون بعيداً أو غير معني بالتحولات والمستجدات المجتمعية التي تهم القيم والهوية والتدين

كما تناولت مجموعة من الأعمال البحثية هذه المسألة، نذكر منها عملين على الخصوص؛ كتاب "السلفيون والربيع العربي" لمحمد أبو رمان، الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية عام 2013، وكتاب "صناعة السلفية: الإصلاح الإسلامي في القرن العشرين"، لهنري لوزيير، الذي ترجمه إلى اللغة العربية أسامة عباس وعمر بسيوني، وصدر عن دار النديم ودار روافد، عام 2018.
أمّا فيما يتعلق بالخطاب الصوفي، والذي سلطّت المؤسسات البحثية العربية والغربية الضوء عليه، مباشرة بعد اعتداءات نيويورك وواشنطن، في سياق البحث عن نماذج بديلة للخطاب الديني، بهدف مساعدة شعوب المنطقة على تجاوز المشاريع الدينية الحركية، التي أساءت إليها ولغيرها من الشعوب، ومثال ذلك ما نعاينه في الساحة الأوروبية في ظل تغذية بعض أسباب ظاهرة الإسلاموفوبيا.
ولم يسلم الخطاب الصوفي من موجة المراجعات أو التحولات، ومن ذلك الحديث عن ظاهرة "ما بعد الطُرقية"؛ أي تبني العمل الصوفي بشكل فردي، بعيداً عن العمل المؤسساتي.

اقرأ أيضاً: بن كيران يلبس عباءة المعارض لدعم حظوظ العدالة والتنمية في الانتخابات القادمة
بالنتيجة، يمكن الجزم بأنّ الخطاب الديني في المنطقة العربية، سواء تعلق الأمر بخطاب المؤسسات الدينية أو الحركات الإسلامية أو التيارات السلفية أو الطرق الصوفية، مرّ بتحولات نظرية؛ بدأت أولى معالمها في سياق الإكراهات التي أصابت المنطقة بشكل صادم ومباشر، على هامش التفاعل السياسي والأمني والإستراتيجي مع تداعيات أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001، في مرحلة أولى، وتداعيات أحداث "الربيع العربي" في مرحلة ثانية، وبالتالي، لا يمكن للفاعل الديني أن يكون بعيداً أو غير معني بهذه التحولات، خاصة مع وجود عدة مستجدات مجتمعية موازية تهم القيم والهوية والتدين، وتفرض على الفاعل الديني الانكباب النظري والميداني، نذكر منها؛ ظواهر الإلحاد ومد العلمنة والحريات الفردية وتسليع الخطاب الديني ومستجدات أخرى قائمة وقادمة.

اقرأ أيضاً: "العدالة والتنمية" المغربي.. هل حانت نهاية الحزب الإسلامي في الحكم؟
وساهمت ظاهرة "الصراع على الإسلام"، وفق تعبير رضوان السيد في أحد أعماله المرجعية عام 2014، في تعقيد المشهد، حيث إنّها لا زالت مفتوحة ولم تتوقف، لأسباب عدة؛ أهمها إصرار المشروع الإسلامي الحركي على تغذية الصراع، بما يُخول لنا التعامل مع هذه الجزئية الدقيقة، باعتبارها اختباراً حقيقياً وصريحاً لطبيعة ومآل تلك المراجعات، خاصة المراجعات التي يدّعي المشروع الإسلامي الحركي انخراطه بها، على اعتبار أنّ مراجعات المؤسسات الدينية متوقعة ومطلوبة.

لا زال الانتقال نحو محطة مراجعات حقيقية في عقر المؤسسة الدينية بعيد المنال ولن يتم بين ليلة وضحاها

ولا يخرج خطاب وأداء المؤسسات الدينية، في نهاية المطاف، عن ثلاثية الوعظ والتوجيه والإرشاد، والأمر نفسه مع مراجعات الطرق الصوفية؛ لأنّ هذه الطرق لا تدّعي الوصاية على الدين، وتدافع بالكاد عن جلسات الذكر؛ الفردي والجماعي، مع الابتعاد عن قلاقل العمل السياسي، وتحديداً العمل القتالي، فيما يختلف الأمر عند أغلب الحركات الإسلامية في الساحة، بمقتضى تورّط هذا المشروع في قلاقل لا حصر لها، رغم ترويج خطاب "المراجعات".
من الصعب إحصاء طبيعة التحديات النظرية والعملية التي تواجه الفاعل الديني العربي، ممّا يفرض على هذا الفاعل، سواء في المؤسسة الدينية أو الطرق الصوفية أو الحركات الإسلامية، الوعي بتلك التحديات أولاً، قبل التفكير في الاشتغال عليها، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ بعض نتائج هذا الاشتغال تتطلب الانخراط في مراجعات حقيقية ونوعية، مع أنّ خطاب العديد من هؤلاء لا زال يعمل بنفس الأفق الإبستيمي (المعرفي) الذي كان سائداً من قبل، كأنّ شيئاً لم يتغير في المنطقة التي تعاني الويلات الإستراتيجية والمفتوحة، وفي مقدمة هؤلاء؛ الفاعل الإسلامي الحركي؛ حيث تزكي ذلك أفعاله وأقواله في الساحة، خاصة رموز المشروع داخل وخارج المنطقة.

للمشاركة:

الحداثيون والتراثيون.. هل الجميع بريء من مشكلاتنا؟

أحمد سالم's picture
كاتب وأكاديمي مصري
2020-02-19

من ضمن ما قاله شيخ الأزهر أحمد الطيب في حواره مع رئيس جامعة القاهرة الدكتور محمد عثمان الخشت، في ختام مؤتمر الأزهر العالمي للتجديد في الفكر الإسلامي في 28 كانون الثاني (يناير) الماضي، أنّ جامعاتنا بكل ما فيها لم يسهم منتجها في صناعة إطار سيارة، وأن ترامب وإسرائيل يأخذون القرارات فيما يتعلق بنا مع غياب القيادات العربية، كاشفاً عن إخفاق السلطة الزمنية.

اقرأ أيضاً: هل عارض الفقهاء اختطاف السياسة للدين؟
ثم قال إنّ التراث الذي تتكلمون عنه هو الذي جعل المسلمين يضعون قدماً في الأندلس والأخرى في الصين، بما يعني أنّه يقول للسلطة الزمنية انشغلوا بإخفاقاتكم، فليس التراث هو المشكلة، والسؤال: هل حققت المؤسسة الدينية - الأزهر والأوقاف - نجاحاً في أداء رسالتها الروحية؟ وما مدى مسؤولية التراث عن تدهور أو انحطاط حضور الإسلام حضارياً في العالم؟ وما هي مسؤولية التراث عن العنف وبعض مشكلاتنا الراهنة؟

مَن يمارس العنف باسم الإسلام يكون بناء على اعتقاده بأن ما يقوم به مطلق اليقين والصواب

إذا كان فضيلة الإمام قد تحدث عن إخفاق السلطة الزمنية، فهل قام الإمام بدور فعّال كصاحب سلطة روحية على مدار أكثر من عشرة أعوام؟ الواقع أنّه قد اعترف بإخفاقه حين كان رئيساً لجامعة الأزهر في إحداث تغيير حقيقي بالجامعة، كما وضح للعيان إخفاقه أيضاً وهو على رأس المؤسسة الدينية في عدم تطوير مستوى الدعوة الدينية، ومستوى الخطاب الموجّه لجمهور الشعب المصري، فحين نبحث عن أسباب بعض الظواهر الاجتماعية الجديدة في المجتمع المصري مثل ظاهرة الإلحاد، وانتحار بعض الشباب، وانتشار العنف في الحياة اليومية للمجتمع المصري، واستشهاد أبنائنا من الجيش والشرطة على حدود البلاد علي يد الجماعات الإرهابية، فإننا نشير إلى أنّ أحد أسبابها إخفاق المؤسسة الدينية عن أداء دورها كواحد من جملة الأسباب التي تقف خلف هذه الظواهر، فالكل في الإخفاق سواء ولا ينبغي أن نتنصل من المسؤولية التاريخية.
  وأما ما ورد من كلامه بأنّ التراث هو الذي جعل المسلمين يضعون قدماً في الأندلس وأخرى في الصين، فهذا كلام يحتاج إلى مراجعة؛ لأنّ ذلك يعود إلى الإسلام -كدين وفكرة وقيمة- في بكورته الأولى، وما كان له من مقدرة على الحشد هو الذي فعل هذا في القرنين؛ الأول والثاني الهجريين، وأسهم التجار والصوفية المسلمون في نشر الإسلام في أقصى شرق آسيا وأواسط إفريقيا عبر الفكرة الدينية الحاملة لقيم التسامح والعدل.

اقرأ أيضاً: التراث كان يحكم حتى الحملة الفرنسية.. فما الذي حدث؟
ومن جانب آخر فإنّ الفتح الإسلامي -في جانب منه- كان نتاجاً لضعف الدولة الرومانية الشرقية، والدولة الفارسية، وأنّ الدولة الإسلامية حينما تعرضت للضعف غزاها الصليبيون والتتار، وذبح المسلمون وطردوا من الأندلس، وحين عاودها الضعف في العصر العثماني عجزت عن فتح أسوار فيينا واقتطع الأوروبيون أجزاء منها، ومع مزيد من الضعف استطاعت إنجلترا وفرنسا تقاسم أراضيها في الحقبة الإمبريالية الحديثة، ولم يمنعهم لا الدين ولا التراث عن هزيمة المسلمين، ومن ثم فإنّ الحضارة الإسلامية بدولتها ونظم حكمها قد حكمتها دورات الحضارة من النمو والازدهار والانهيار شأنها شأن كل الحضارات في العالم كما قرر ذلك ابن خلدون في "مقدمته".

كل فصيل من حركات الإسلام السياسي التي اختطفت الإسلام يحاول أن يخصخص الدين لصالحه وفقاً لرؤيته

وأما تراث المسلمين الكتابي المدون -الذي تحدث عنه الإمام الطيب- فلم يبدأ تدوينه إلا في نهاية القرن الثاني وأوائل القرن الثالث الهجريين؛ أي بعد ترسيم معظم أرجاء الخلافة الإسلامية، كانت تشكلات التراث وفقاً لتطور حركة الاجتماع الإسلامي الزمنية، صعوداً وهبوطاً، تسامحاً وتشدداً، فتخلق المذهب الحنبلي وفقاً للخلاف بين أحمد بن حنبل والمعتزلة إبان عصر المأمون والمعتصم والمتوكل، وتخلق تراث ابن تيمية في سياق تدهور وانحطاط العالم الإسلامي إبان الغزوين على العالم الإسلامي فحمل مذهبه الكثير من التشدد، والسعي إلى تعزيز تراث استعلاء الجماعة المسلمة على بقية أهل الكتاب، وأصّل علم العقائد -في مرحلة التدهور- لميراث الصراع والإقصاء والتكفير المتبادل بين المذاهب الإسلامية، فترك هذا ميراثاً من الكراهية والاستبعاد بين المسلمين بعضهم بعضاً، وبين المسلمين وأهل الكتاب؛ حيث رسخ تراث فقه أهل الذمة لتمايز واستعلاء الجماعة المسلمة على أصحاب الأديان الكتابية، وكل ذلك تم تخلقه وفقاً لتطور حركة الاجتماع في التاريخ، بما يعني تاريخية هذا التراث الذي هو في مجمله إنتاج بشري للعقل المسلم في التاريخ.

اقرأ أيضاً: حوار الطيب والخشت.. أي إصلاح ديني نريد؟
وحين نتحدث عن تجليات العنف الذي يحدث في العالم باسم الإسلام الآن، ونقول هل ثمة مسؤولية تاريخية لهذا التراث عما يدور من عنف وكراهية للآخر؟ الإجابة نعم، وذلك لأنّ مَن يمارس العنف باسم الإسلام يكون بناء على اعتقاد لديه بأنّ ما يقوم به مطلق اليقين والصواب، وأنّ الجنة في انتظاره، وهم يستندون إلى تراث فقهي وديني قديم رسخ له الإمام أحمد بن تيمية وغيره.
وحين ننظر لممارسات حركات الإسلام السياسي التي اختطفت الإسلام نرى أنّ كل فصيل يحاول أن يخصخص الدين لصالحه وفقاً لرؤيته هو، فالجميع يفعل ذلك استناداً لتفسيرات تراثية قد انتقاها لخدمة توجهه سواء كان توجهاً دعوياً أو عنيفاً، وما الأحداث الطائفية، واستهداف الكنائس في مصر بين فترة وأخرى إلا نتاج الإيمان بفقه أهل الذمة الذي رسخ لاستعلاء المسلم على الكتابي، والنظر إلى الآخر المغاير لي في الدين على أنّه كافر وضال، وما أحداث القتل وسفك دماء المسلمين – من قتل المصلين في العريش إبان صلاة الجمعة، وقتل أبنائنا من الشرطة والجيش في مشهد مستمر- إلا نتاج حركات منحت نفسها التمايز على المجتمع الذي وصمته بالجاهلية والكفر، ويسعون في تغييره بكل الوسائل التي يملكونها، وذلك باستدعاء الموروثات القديمة – التاريخية – ليكون لها حاكمية على الحاضر بكل تطوراته، فالأزمة في اتخاذ الخلف من تراث السلف الذرائع والمبررات لممارستهم الحاضرة، وتجاهلهم أنّ الزمن قد تغير، وبأنّ الأمة المسلمة التي كانت منتصرة أصبحت الآن مهزومة ومنكسرة ومفككة، ونحن بحاجة إلى قراءة جديدة بفكر ديني جديد وفقاً لظروفنا الحالية.

نحن في حاجة ماسّة إلى مزيد من الحوار بين الأصوليين والحداثيين حول مسألة التجديد

وإذا كنا نؤمن أنّ التراث ابن زمنه وتاريخه ومجتمعه، فإنّ الأزمة الآن ليست في التراث بحد ذاته بل في استقالة العقل لدى علماء عجزوا عن الاجتهاد في الفكر الديني في زمانهم الحاضر بكل تعقيداته وتشابكاته وظروفه المستجدة ومخاطره المستمرة، فإذا بهم يتجهون إلى الاعتصام بالتراث القديم لمواجهة واقعهم المهزوم، معتقدين أنّ التمسك بالتراث والتاريخ المجيد هو سبيلهم القويم للنجاة من ذلك الواقع المهزوم، فإذا بنا نكتشف أنّ الواقع يزداد انهزاماً وتفككاً كل يوم.
إنّ الحوار بين الإمام الطيب والدكتور الخشت هو مواجهة بين تيارين، تيار يرى أنّ التجديد لا بد أن ينطلق من الأصول التقليدية القديمة؛ لأنها الأعمدة الثابتة، وهو تيار الشيخ، وتيار آخر يرى أنّ التجديد لا بد أن يأتي من الخارج باستخدام أدوات العصر من علوم إنسانية وفلسفة، وهو تيار الدكتور الخشت.

اقرأ أيضاً: هل الحاجة ملحّة إلى تجديد العلوم الإسلامية؟
والتيار الأول يخشى أن يكون التجديد طريقاً لتبديد الأصول والتفريط فيها فلذلك يعض عليها بالنواجذ، في حين أنّ التيار الثاني يرى أنّ الأصول في علوم الدين في حاجة إلى نظرة عصرية جديدة، والتيار الأول يتهم الثاني بأنّه يريد أن يفكك حضور الدين في المجتمع، ويحصر سيطرتهم على المجال العام الاجتماعي، والتيار الثاني يتهم الأول بأنّ نظرته مهما اجتهدت فهي جامدة؛ لأنها لا تراعي تطور حركة التاريخ والمجتمع، وفي ظل هذه النظرة المتبادلة من الشك والريبة لا ينظر أي من الطرفين إلى ما في موقف الآخر من إيجابية؛ لأنّ كلاً منهما يدين الثاني ويغمض عينيه عما في موقف الآخر من إيجابيات.

اقرأ أيضاً: هل نتنصّل من مسؤوليتنا باسم القضاء والقدر؟‎
ومن ثم فإننا في حاجة ماسة إلى مزيد من الحوار بين الأصوليين والحداثيين حول مسألة التجديد، حوار يكون هدفه مصلحة الوطن والمجتمع، فنحن جميعاً نقطن في سفينة الوطن التي حين يصيبها العطب فالكل مهدد بلا استثناء، وليس فصيلاً واحداً، فهل ثمة آذان صاغية لأهمية الاستمرار على مائدة حوار واحدة؟
أتمنى أنّ ينصت الجميع لمصلحة الوطن، وضرورة رعاية مصالح العباد التي هي هدف أساسي للإسلام كدين، وبدون ذلك وفي ظل المخاطر التي تحيط بمصر من جهاتها الأربع، وفي ظل ضعف تماسك البناء الاجتماعي لها فإنّ سفينة الوطن قد تتعرض للانهيار والتفكك، فهل لنا من سبيل إلى المحافظة على ما تبقى لنا منها، وذلك بالحفاظ على تماسك البنيان الاجتماعي الداخلي لكي نملك القوة في مواجهة المخاطر الخارجية التي تحيط بنا من كل الجهات من مشاكل المياه ومواجهة حركات العنف والمطامع الخارجية.

للمشاركة:

لماذا نتعلّق بالزمن الجميل؟!

2020-02-18

رغم ارتفاع معدّل الأعمار، وتحسّن الخدمات الصحّية والتعليم، وتقدّم وسائل المواصلات والاتّصال، إلّا أنّ كثيراً من اللّقاءات في الوطن العربي، تختم بهذه العبارة الخالدة: "سقى الله تلك الأيام"! ولو جرّبنا القيام بمقاربة لمواصفات (تلك الأيّام)، لما وجدنا صعوبة في القطع بأنّها كانت (أيّاماً صعبة جداً) على كل المستويات، فردياً وجمعياً، ومع ذلك فإنّ أكثرنا ما زال متعلّقاً بها إلى حدّ بعيد.

 

 

من المنظور العقلاني البحت، يُعدّ هذا التعلّق أبرز أنماط الانشداد لسلطة الماضي، ومن شأنه أن يجمّد حركة الحاضر وأن يغتال استحقاقات المستقبل. ومن المنظور النفسي يُعدّ أبرز أشكال النكوص العاطفي للتهرّب من مواجهة تحدّيات الواقع. ومن المنظور الاقتصادي-السياسي يمثل تعبيراً عن انعدام الرغبة في تطوير علاقات وأدوات الإنتاج. ومن المنظور الثقافي يجسّد الحنين الرومانسي إلى الطفولة القريبة والبعيدة، الذاتية والجمعية.

من المنظور العقلاني يعدّ هذا التعلّق أبرز أنماط الانشداد للماضي ومن شأنه تجميد حركة الحاضر واغتيال استحقاقات المستقبل

ومع ضرورة التذكير بأنّ التوق إلى الزمن الجميل أو الرغبة في استعادة الفردوس المفقود، لا يقتصر على المجتمع العربي فقط، بل هو يشمل كل المجتمعات البشرية بتفاوت ملحوظ في الكم والكيف، فإنّ من الضروري أيضاً التذكير بحقيقة أنّ ثنائية (المجتمع/ التقدم) ترتبط بعلاقة عكسية مع التعلّق بالزّمن الجميل؛ فكلما قاوم المجتمع هذا التعلّق تقدّم، وكلّما استنام له تأخّر! ولا تلغي صحة هذا الاستنباط القاسي حقيقة أنّ المجتمعات المتقدّمة تتألّم وتعاني كثيراً جرّاء هذا التجاوز لسطوة الحنين، كما لا تلغيها حقيقة أنّ هذه المجتمعات لا تدّخر وسعاً للتخفيف من حدّة هذا الألم عبر استعادة الماضي بأدوات الحاضر أو لصالح المستقبل، كما نلاحظ مثلاً في المدوّنة السينمائية الغربية بوجه عام والأمريكية بوجه خاص، سواء من خلال العودة إلى زمن الجذور وإعادة استقرائه من منظور راهن أو من خلال العودة إلى الزمن البدائي بإطلاق وإعادة تأثيثه بأسئلة وهواجس ماثلة ومستجدّة.

اقرأ أيضاً: الجزائر وفرنسا وتركيا: آلام الماضي وأطماع المستقبل
تضم قائمة الزمن الجميل في الوطن العربي العديد من المفردات التي تنطوي أحياناً على كثير من المفارقات؛ فعلى الصعيد السياسي الذي يمتد من أوائل الثلاثينيات حتى أواخر السبعينيات، يميل المعارضون إلى تمجيد حالة المدّ القومي واليساري وتصاعد الحركات الثورية لكنهم يغفلون حقيقة تغلغل الحركة الصهيونية في فلسطين ونجاحها في الاستيلاء عليها كاملة ما بين عامي 1948-1967! كما يغفلون حقيقة تنامي ظاهرة الانقلابات العسكرية ومصادرة مظاهر الحياة الديمقراطية وتسويغ القمع السياسي باسم معركة التحرير، ما يلقي ظلالاً كثيفة من التساؤلات عن الأدوار الحقيقية للعديد من الزعماء السياسيين الذي يقدّمون عادة على أنّهم رموز الزمن السياسي الجميل، وفي طليعتهم طبعاً الرئيس المصري جمال عبد الناصر!

من المنظور الثقافي يجسّد التعلق بالماضي الحنين الرومانسي إلى الطفولة القريبة والبعيدة؛ الذاتية والجمعية

أما على الصعيد الاقتصادي المعاشي، فلا نستطيع أن نمنع أنفسنا من الاندهاش جرّاء واقع الفقر المدقع الذي عاشه آباؤنا وأجدادنا، وهو الواقع المسؤول – على الأرجح- عن تدني مستوى الأعمار سابقاً؛ فنمط الغذاء كان موسمياً وغير ثابت ويخلو من التوازن. صحيح أننا يمكن أن نقع على تطبيقات متفرّقة لمفهوم الاقتصاد المنزلي أو الاكتفاء الذاتي أو ترشيد الاستهلاك، لكن الصورة العامة تملي ضرورة الشعور بالشفقة على تلك الأجيال التي قلّما اختبرت تناول اللحوم بانتظام، ودعك مما يرويه 99% من العرب المعاصرين عن إقطاعيات آبائهم وأجدادهم؛ لأن هذه (السردية) ما كانت لتنتشر على هذا النحو، لولا واقع الهجرة إلى المدينة التي حطّمت الذاكرة الحقيقية للريف والبادية وأنشأت ذاكرة هجينة برعاية السوبرماركت والمول! علماً بأنني أغفلت عامداً الإشارة إلى تدني الخدمات الصحية؛ لأنّ (مطهّر الأولاد) و(الدّاية) كانا يمثّلان في كل بادية وقرية ومخيم ومدينة وزارة الصحة المسؤولة عن كل الأمراض والأدوية!

اقرأ أيضاً: يحيى القيسي: طغيان تقديس الماضي أسهم في أزمة الفكر الإسلامي

وأما على صعيد المواصلات والاتّصالات فحدّث ولا حرج؛ كانت رحلة الحج تستغرق شهوراً، وكان الانتقال من مدينة إلى مدينة أخرى تبعد عشرين كيلومتراً فقط يُعدّ سفراً حقيقياً، وكان (المكتوب) يستغرق أسابيع حتى يصل، وكان الهاتف حكراً على عِلْية القوم. ولو قيّض لأي من أجدادنا أن يقوم من قبره ويشهد ما نشهده الآن من ثورة في عالم المواصلات والاتصالات لأغمي عليه فوراً؛ فمن كان يتخيّل أننا بكبسة زر نستطيع التواصل فوراً بالحرف والصوت والصورة مع أي مكان في العالم، إلى درجة اهتزاز مفهومي الزمن والمسافة في أذهاننا وتحوّلهما إلى مجرّد لفظين افتراضيين ينتميان إلى حقبة بعيدة.

التوق للزمن الجميل لا يقتصر على المجتمع العربي بل يشمل كل المجتمعات البشرية بتفاوت ملحوظ في الكم والكيف

رغم كل هذه الوقائع والمعطيات الموضوعية التي يصعب دحضها، فسوف يظل أكثرنا يهفو إلى ما مضى بطريقته الخاصّة وبلغته الخاصّة – ولا أُعفي كاتب هذا المقال من الإصابة بهذا الافتتان- لأسباب ذاتية وجمعية؛ فمعظمنا ما زال يتوق للعودة إلى رحم الطفولة والحي والبدايات الأولى، ومعظمنا ما زال مسكوناً بزمن الأبيض والأسود في الصور والأفلام والملابس والرسائل المعطّرة وأغاني عبد الحليم حافظ وفيروز، ومعظمنا ما زال معتقلاً في روائح الخبز البيتي والقهوة المطحونة في المنزل، ولأن أبناءَنا وأحفادنا سوف يستحضرون زمننا المتوحش هذا ويختمون كلامهم عنه بالعبارة نفسها: "سقى الله تلك الأيّام"!

للمشاركة:



اعترافات قبطان وطاقم سفينة نقلت الأسلحة من تركيا إلى ليبيا..

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-19

أدلى قبطان السفينة اللبنانية "بانا"، التي استخدمتها تركيا، نهاية الشهر الماضي، لتهريب أسلحة وأفراد إلى طرابلس باعترافات للسلطات الإيطالية، التي أوقفت السفينة في ميناء جنوة، منذ 3 شباط (فبراير) الجاري .

وقالت السلطات: إن "سبب الإيقاف كان الاشتباه في وجود أسلحة بعد تتبع حركة المرور من تركيا إلى ميناء طرابلس، ومن هنا بدأ التحقيق"، وفق ترجمة وكالات ليبية لتقرير نشر على موقع "جنوة 24".

واعترف القبطان بمشاهدته العربات المجنزرة والأسلحة في مخزن السفينة، وأضاف أنّ عشرات الجنود الأتراك كانوا على متنها لمراقبة الشحنة.

وقال أيضاً إنّ الشحنة كانت تحمل مركبات أصغر مزودة بالرادار، وسيارات الجيب ذات المدافع المضادة للدبابات، ثم المدافع الرشاشة والمدافع والصواريخ، وكان يتم تحميل الأسلحةمن ميناء مرسين، في انتهاك لوقف إطلاق النار.

قبطان السفينة اللبنانية "بانا": نقلنا عربات مجنزرة وأسلحة ورادات وجنود أتراك إلى ليبيا

وكشف البحارة من بقية طاقم السفينة؛ أنّ الجيش التركي والأجهزة السرية المخابراتية طلبوا من الطاقم أن يكذب بشأن سبب التوقف في ليبيا، وطلبوا منهم القول إنّ التوقف كان بسبب عطل ما .

واعترف الطاقم بتورطه في نقل رحلة هذه الشحنة المليئة بالسلاح، وبقيامهم بثلاث رحلات على الأقل، قبل أن يتم اعتقالهم وحجز السفينة على الفور بعد وصولها إلى ميناء جنوة في إيطاليا.

وأضاف الموقع، اليوم، إن من بين ما سيطلبه المدعي العام في جنوة في الساعات القادمة من المتهم؛ معرفة سبب اتخاذ السفينة مسارات ملتوية من تركيا إلى طرابلس .

ووفق تقرير "جنوة 24"؛ فقد تم الاستماع إلى قبطان السفينة عدة مرات بالفعل من قبل محققي وشرطة الحدود الإيطالية، بالتنسيق مع المدّعين العامين في جنوة .

 

للمشاركة:

قوات الشرعية تكبّد الحوثيين خسائر كبيرة.. تفاصيل

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

شنّت قوات حراس الجمهورية هجوماً شرساً على مواقع الحوثيين في مدينة الدريهمي، بمحافظة الحديدة، صباح اليوم .

وقالت مصادر محلية، نقلت عنها صحيفة "المشهد" اليمنية: إنّ "الهجوم جاء من ثلاثة محاور على مواقع الميليشيا الحوثية، بعد خرقها لأكثر من مرة لاتفاقات التهدئة السابقة".

هذا وقد سقط قتلى وجرحى من ميلیشیا الحوثي الانقلابیة إثر تجدّد المواجھات مع القوات المشتركة الموالیة للحكومة الشرعیة في جبھة الساحل الغربي بمحافظة الحدیدة (غرب الیمن).

قوات حراس الجمهورية تشنّ هجوماً شرساً على مواقع الحوثيين في مدينة الدريهمي بمحافظة الحديدة

وقال المركز الإعلامي لألویة العمالقة، في بيان له؛ إنّ بقایا جیوب الحوثیین حاولوا التسلل من مزارع الحسینیة صوب منطقة الجاح الإستراتیجیة في مدیریة بیت الفقیة بعد تلقیھم تعزیزات على مدى أسبوع.

وأضاف المركز؛ القوات المشتركة تمكنت من صدّ محاولة تسلّل للحوثیین إلى مواقعھا.

وأشار المركز الإعلامي إلى أنّ القوات المشتركة كبدت ميلیشیا الحوثي خسائر فادحة، مشیراً إلى سقوط قتیلین من القوات المشتركة.

وأكد أنّ تحركات الحوثیین كانت مرصودة منذ وصول التعزیزات وبدء الانتشار بین مزارع النخیل، الأمر الذي جعل محاولتھم انتحاریة تفتقر لعنصر المباغتة.

ألوية العمالقة: القوات المشتركة تمكّنت من التصدي لمحاولة تسلّل الحوثیین إلى مواقعھا عبر المزارع

في سياق متصل بجرائم الحوثيين؛ كشفت وثائق حوثية مسربة، إقرار الميليشيات الحوثية بوجود مقاتلين صغار السن (أطفال) تمّ الاعتداء عليهم جنسياً في معسكراتهم.

وأكّدت إحدى الوثائق وجود أطفال في مراحل عمرية صغيرة في معسكر الاستقبال، يتبعون للقيادي "أبو نهم" الذي يتبع للقيادي أبو محمد القدمي.

على الصعيد نفسه؛ أشار تقرير صادر من اللجنة الثقافية في شعبة التأهيل والتدريب بوزارة الدفاع الانقلابية في بند السلبيات عن مواقع التدريب في إحدى المحاور العسكرية في المنطقة العسكرية المركزية، يذكر في رقم ٣ من السلبيات أنّ القيادي الحوثي، أبو يحيى الجريري، يوجد في مجاميعه أفراد صغار السنّ، كما يتضمن التقرير وجود انتهاكات جنسية طالت أطفالاً بهذه المعسكرات.

وثائق حوثية مسربة تؤكّد تعرض مقاتلين صغار السنّ (أطفال) لاعتداءات جنسية في معسكراتهم

إلى ذلك، ذكرت الوثيقة المرفوعة من قبل الأمن الوقائي في إحدى مواقع التدريب؛ أنّه تمّ ضبط واقعه اعتداء جنسي على طفل بموقع تدريبي تابع للمنطقة العسكرية المركزية التي يديرها عبد الخالق الحوثي.

وتذكر الوثیقة أنّ المدعو محمد مجعل، وھو أحد قیادات الميلیشیات في معسكرات التدریب، ضبط أثناء اعتدائه جنسیاً على أحد المقاتلین صغار السنّ، یوم ١١ كانون الثاني (ینایر) ٢٠١٩.

من جانبها، استنكرت وزارة التربیة والتعلیم الیمنیة، في وقت سابق، استمرار میلیشیا الحوثي في عملیات تجنید الأطفال في جمیع المحافظات الواقعة تحت سیطرتھا، ودعت المجتمع الدولي والمنظمات العاملة في حقوق الإنسان وحمایة الأطفال إلى إدانة ھذه الانتھاكات، والضغط على المیلیشیات الانقلابیة لإیقاف عملیة تجنید الأطفال والزجّ بھم في العملیات القتالیة.

للمشاركة:

حملة اعتقالات جديدة في تركيا.. من تستهدف؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

أصدرت السلطات التركية اليوم مذكرات توقيف بحقّ حوالي 700 شخص؛ للاشتباه بارتباطهم بجماعة الداعية فتح الله غولن، الذي تتهمه أنقرة بتدبير محاولة الانقلاب المزعومة، عام 2016.

وذكرت وكالة "الأناضول" الرسمية للأنباء؛ أنّ المحققين يبحثون عن 695 شخصاً، بينهم عسكريون وشرطيون وموظفون في وزارة العدل، وأوقف منهم ما لا يقل عن 159 شخصاً، صباح اليوم، وصدرت مذكرات التوقيف في إطار عدة تحقيقات عبر تركيا.

وفي أنقرة؛ طلبت النيابة العامة توقيف 467 شخصاً، يشتبه بترتيبهم عمليات تزوير خلال مسابقة للانضمام إلى الشرطة عام 2009 بهدف السماح لمؤيدين لغولن بالحصول على مناصب مسؤولية، بحسب وكالة "الأناضول".

السلطات التركية تصدر مذكرات توقيف بحقّ حوالي 700 شخص للاشتباه بارتباطهم بجماعة غولن

ويشتبه بأنّ جميع المعنيين بمذكرات التوقيف مناصرون لحركة الداعية فتح الله غولن، الذي يتهمه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالوقوف خلف محاولة الانقلاب التي جرت في تموز (يوليو) 2016.

وينفي غولن، المقيم منذ حوالي عشرين عاماً في الولايات المتحدة، أيّ ضلوع له في الانقلاب الفاشل.

وتطارد السلطات منذ ذلك الحين أنصاره في حملات توقيف غير مسبوقة من حيث حجمها في تاريخ تركيا الحديث، أدت إلى توقيف أو إقالة أو تعليق مهام أكثر من 140 ألف شخص.

وتتواصل حملات التوقيف بشكل شبه أسبوعي، رغم مرور حوالي 3 أعوام على محاولة الانقلاب.

 

للمشاركة:



هل فقد الفلسطينيون الحشد وعليهم أن يقبلوا بصفقة القرن؟

2020-02-18

ترجمة: إسماعيل حسن


يرى كتّاب وخبراء سياسيون إسرائيليون؛ أنّ القيادة الفلسطينية والحركات الوطنية، وبعد إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، تفاصيل صفقة القرن، قد سقطت ورقتهم بعد أن فقدوا الحشد والدعم الحقيقي في محاولة التصدي لقرارات الصفقة، في حين أنّه قد آن الأوان كي تفرض إسرائيل سيطرتها الكاملة على بلاد اليهود التاريخية، دون إذن من الفلسطينيين.

إنّ معارضة الفلسطينيين لخطة القرن ليست مفاجئة؛ فقد سبق أن تلقوا اقتراحات سخية جداً ومع ذلك رفضوها

وفي هذا الإطار يقول الكاتب والمحلل السياسي، أفرايم غانور: "لقد فقدت القيادة الفلسطينية والحركات الوطنية كافة أوراقها الأخيرة، فلا داعي للرفض ومحاولة حشد الدعم العربي الرافض للخطة، الرئيس أبو مازن خلق وراءه ناراً أشعلها في خطابه الكفاحي، أقلع إلى الجمعية العمومية بالأمم المتحدة في نيويورك ليعمل ما هو جيد فيه أكثر من أيّ شيء آخر، فيخطب أمام ممثلي الأسرة الدولية، ويطلب تأييدهم الذي لم يجده حتى الآن؛ لا في الشارع الفلسطيني ولا في العالم العربي المحيط به، بالتالي ليس هناك ما يحسد أبو مازن ورفاقه في القيادة الفلسطينية عليه، لقد بقوا بلا أوراق وبلا خيارات عمل، التوجه للأسرة الدولية لن يجدي نفعاً في ضوء الوقوف الذي لا لبس فيه من إدارة ترامب إلى جانب إسرائيل، وللحقيقة؛ الحديث لا يدور فقط عن ترامب وإدارته، فمعظم دول العالم امتنعت عن رفض خطة ترامب، ولا ترى فيها سبباً لتحطيم القواعد التي يهدّد فيها أبو مازن إسرائيل، من يدّعي أنّ ترامب ونتنياهو لم يتركا أمام الفلسطينيين غير طريق واحد، وهو طريق العنف، لكنّ أبو مازن يعرف أكثر منهما أنّ هذا الطريق مآله الفشل، ولن يؤدي إلى أيّة نتائج.

ما فشل الفلسطينيون في تحقيقه
يصعب الافتراض أنّ ما فشل الفلسطينيون في تحقيقه في أيام الانتفاضة في بداية أعوام الألفين، التي خلّفت أكثر من ألف قتيل إسرائيلي، يمكنهم تحقيقه اليوم في ضوء التفاوض الأمني والاستخباري الإسرائيلي، مثلما هو الحال دوماً، تدمن القيادة الفلسطينية على الأمل العابث، وتعلّق آمالها على الأسرة الدولية، أو على تغيير يقع في إسرائيل أو الولايات المتحدة، في أعقاب الانتخابات القريبة في الدولتين، وكما هو الحال دوماً؛ يفضّل الفلسطينيون أن يعيشوا انطلاقاً من الخيار بين خطاب في الجمعية العمومية للأمم المتحدة وخطاب في جلسة مجلس الأمن، وبين انتخابات وانتخابات، ليكتشفوا وليخيب أملهم في كلّ مرة من جديد، أنّ شيئاً لن يحصل مهما يكن من أمر، وحتى حين لا يفعلون شيئاً غير الحديث والخطابة، فلعدم الفعل دينامية خاصة به، ولا يمكن إبقاء السلطة والحركة الوطنية الفلسطينية على قيد الحياة فقط، وعلى أساس الخطابات والأحلام والترقب لنتائج الانتخابات، فالسلطة كفيلة بأن تتفكك في نهاية اليوم، وستكون النتيجة اندفاعاً من الفلسطينيين نحو الإسرائيلية والمواطنة الإسرائيلية".

اقرأ أيضاً: غالبية الإسرائيليين يرفضونها: هل ستبوء "صفقة القرن" بالفشل؟
ويتابع غانور مقالته قائلاً: "الواقع الحالي يثبت أنّ عرب إسرائيل لا يفوتون أيّة فرصة لأن يثيروا ضدّهم حتى الإسرائيليين الذين يتضامنون ويؤيدون ادّعاءاتهم المحقة، والذين يقفون إلى جانبهم في المظاهرات والكفاح؛ ففي المظاهرات التي جرت في تل أبيب ضدّ خطة الضمّ، بمبادرة ومشاركة منظمات اليسار والمئات من عرب إسرائيل، رفعت أعلام فلسطين بينما هتف حاملوها هتافات لا تتوقف، فلسطين مئة في المئة من البحر حتى النهر، الرسالة معروفة ومشهود لها، وتشكل جزءاً لا يتجزأ من عقيدة كفاح منظمة الإرهاب حماس، ثمة كثير من الحقيقة والحقّ في ادّعاءات عرب إسرائيل ضدّ البند الوارد في خطة ترامب، الذي يتحدث عن نقل جزء من بلدات وادي عارة إلى السلطة الفلسطينية المستقبلية.

عرب إسرائيل
الواضح أنّ عرب إسرائيل لا يحتاجون دولة فلسطينية من البحر إلى النهر، وإذا كان هذا بالفعل هو حلمهم؛ فإنّ هذا البند بالذات في خطة ترامب سيساعدهم في تجسيد الحلم من خلال ضمّهم إلى الدولة الفلسطينية، لكن لماذا يتظاهرون؟ فالموضوع كلّه عن العلم الفلسطيني إلى جانب التطلع إلى دولة من البحر إلى النهر مكانه ليس هنا، بمعونة المظاهرات وهتافات كهذه، يقطع عرب إسرائيل الفرع اليهودي الإسرائيلي الذي يدعمهم ويحملهم، كلّ يهودي في هذه الدولة يفهم معنى هتاف يدعو إلى دولة فلسطينية من البحر إلى النهر، بفضل هتافات كهذه تطرأ على رأس كلّ يهودي صور قاسية تحت عنوان "لن تكون هناك مرة أخرى أبداً"، وإذا لم يسارع عرب إسرائيل إلى الإصلاح والاعتذار عن هذا المشهد، فسيكتشفون في الأيام القريبة المقبلة أنّ الكثير من اليهود الذين يؤيدون تلك البنود التي تضمنتها خطة ترامب وتظاهروا واحتجوا ضدّها، من غير المستبعد أن نسمع في الأيام المقبلة ادّعاءات من اتجاهات مختلفة في الوسط العربي، بأنّ هذا لا يعكس موقف كلّ عرب إسرائيل، وأنّ الأمور لم تفهم كما ينبغي، التوقعات مختلفة ومتنوعة ليس فيها ما يقلل خطورة هذه الظاهرة، لقد حان الوقت لأن يفهم كلّ عربي يعيش هنا ويحمل بطاقة هوية زرقاء ويتطلع ويحلم بدولة فلسطينية من البحر إلى النهر، أنّ مكانه ليس هنا، ليس في دولة اليهود، إلى جانب هذا؛ على قيادة عرب إسرائيل، بكلّ تركيبتها، ولا سيما لجنة المتابعة ونوابها في الكنيست؛ أن يستوعبوا أنّ المسؤولية تقع على من يطلب من المؤسسة اليهودية المساواة الكاملة لعرب إسرائيل، ملزم قبل كلّ شيء بأن يكون موالياً وملتزماً بالدولة التي يطلبون منها مطالبهم وحقوقهم، لو جرت مظاهرة لرجال اليمين من حملة أعلام إسرائيل في بلدات وادي عارة، ودعا المشاركون فيها إلى نقل جلجوليا وباقة الغربية، وأم الفحم، وعرعرة، إلى الدولة الفلسطينية المستقبلية، لانطلقت هنا صرخة رهيبة مع ادّعاءات بالعنصرية وما شابه خطاب أبو مازن في اجتماع الجامعة العربية، الذي عرض فيه حقائق كاذبة ومثيرة للحفيظة عن يهود رابطة الشعوب وأثيوبيا، تعزّز الرأي بأنّه لا يوجد مع من ووفق ماذا سيكون الحديث، لو كانت هناك حكمة في الطرف الفلسطيني لكان بوسعهم أن يصدوا ويغيروا خطة ترامب بسهولة، كان عليهم ببساطة أن يقولوا نعم للخطة ويرفقونها بعدة تحفظات لديهم، والاستعداد للبحث فيها في اللحظة نفسها؛ فإنّ عرض هذه الخطة كما عرضت كان سيتوقف أو ينزل عن جدول الأعمال، وحتى نتنياهو نفسه كان سيحرص على وقفها؛ لمعرفته أنّ شركاءه من اليمين لن يكونوا مستعدين لسماع وقبول خطة مع بند يتحدث بشكل واضح وقاطع عن دولة فلسطينية، بل وعن دولة يستعدّ الفلسطينيون لقبولها، هكذا هو الحال حين يحرص الفلسطينيون دوماً على ألا يفوتوا أيّة فرصة ليفوتوها.

أفضل الخطط السياسية الأمنية
في المقابل؛ يقول الكاتب الإسرائيلي، عاموس جلبوع: "إعلان تفاصيل خطة السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين يعدّ من أفضل الخطط السياسية الأمنية التي سبق أن طرحت على إسرائيل في الموضوع الفلسطيني، وعلى إسرائيل أن تتبناها جملة وتفصيلاً بما فيها البنود التي قد لا تكون مريحة لها، لعدة اعتبارات:

الواقع الحالي يثبت أنّ عرب إسرائيل لا يفوتون أيّة فرصة لأن يثيروا ضدّهم حتى الإسرائيليين الذين يتضامنون معهم

أولاً: هذه الخطة تحطم المنظومة الفكرية الكونية دولة فلسطينية في حدود 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وإخلاء المستوطنات التي ترسخت في العالم منذ المحادثات التي جرت سابقاً بين باراك وياسر عرفات، وفي أوساط ما كان عليه اليسار الإسرائيلي، هذه الخطة تلقى في سلة القمامة، بحدود 67 تسمح لإسرائيل بأن تقرر حدودها على أساس اعتراف أمريكي بالاحتجاجات الأمنية لإسرائيل، تعترف بالقدس الموحدة وتعترف بشرعية المستوطنات، وهكذا يخرج من الخطاب السياسي مصطلح الاحتلال، هذه خطة لها إجماع واسع في الحياة العامة الإسرائيلية، باستثناء الأغبياء وغريبي الأطوار في الهوامش المتطرفة من اليمين واليسار.

اقرأ أيضاً: وثيقة فلسطينية ترصد 300 تجاوز قانوني في "صفقة القرن"
ثانياً: هذه الخطة تعيد الحركة الوطنية الفلسطينية إلى نقطة الصفر؛ لا حدود 67، ولا حق عودة، ولا ما تلقوه كهدايا من باراك وأولمرت، السيطرة على نحو 95% من أراضي يهودا والسامرة وإخلاء مستوطنات وعودة رمزية للاجئين وسيطرة على الحرم والحوض المقدس، صحيح أنّ الخطة تتحدث عن دولة فلسطينية بعد أربعة أعوام، عاصمتها شرق القدس، بمعنى القرى مثل أبو ديس وقلنديا، لكن من أجل نيل هذه الجائزة على الفلسطينيين أن ينفذوا سلسلة من الشروط، وعلى رأسها الاعتراف بدولة إسرائيل كدولة يهودية، من ناحية الفلسطينيين فهذا تنكر للأمر الأهم وخيانة للجوهر وللهوية الفلسطينية، فضلاً عن ذلك؛ فإنّ دولتهم ستكون محدودة جداً في سيادتها، ولن تكون لها رقابة على الحدود، وكلّ ما قلته حتى الآن يذكّرني بالإرث الذي تركه إسحق رابين في خطابه في الكنيست قبل شهر من اغتياله، لن نعود إلى حدود 67، القدس ستبقى موحدة والكتل الاستيطانية ستضمّ، وغور الأردن بالمعنى الأوسع سيكون حدودنا الأمنية، ولن تكون دولة فلسطينية، بل شيئاً ما أقلّ من دولة.

ثالثاً: قطاع غزة وحماس، تتحدث الخطة عن نزع سلاح حماس وتجريد القطاع وربطه بيهود السامرة بواسطة نفق أرضي، برأيي هذا أمر مستحيل، وأحلام لا يمكن تحقيقها، من سينزع سلاح حماس؟ هذه المحاولات وبمجرد الحديث فيها فهي تنذر بالشر للخطة، نتنياهو يساوم حماس ويفتح المطارات والمعابر لإدخال الأموال القطرية إليها، إطلاق الصواريخ ما يزال متواصلاً، وهو ما يزال قيد التفاوض، وليس بيده قرار أو حلّ لنزع السلاح.
رابعاً: لقد جاءت الخطة في وقت توجد فيه إسرائيل في موقع قوة إقليمية، والدول العربية مشغولة في مشاكل كبيرة والولايات المتحدة في موقع تأثير في المنطقة، لم يكن لها في الماضي، وفوق كلّ ذلك لا يمكن أن ننسى ولو لأيّة لحظة؛ أنّ المشكلة الحقيقية في المنطقة هي إيران.

اقرأ أيضاً: "كورونا" و"بريكست"و"صفقة القرن" والهشاشة
خامساً: أبو مازن والقيادة الفلسطينية لن يرفضا الخطة فقط، بل وسيحاولان القتال ضدّها وتهديداتهما تناطح السحاب لهم، فمن الصعب اليوم تجنيد الشارع العربي لعنف بعيد المدى، من يمكنه أن يمارس العنف هما حماس والجهاد الإسلامي في قطاع غزة، فهل ستنتج خطة القرن عنفاً كهذا من قطاع غزة إلى أن يرفعنا هذا إلى لحظة الحقيقة بالنسبة إلى مستقبل حماس في القطاع؟ أرى خطرين آخرين محتملين؛ الأول: ألا يعرف سياسيون كيف سيتصدون للتحدي الأكبر الذي يواجه الدولة الآن، والخطر الثاني؛ ألّا ينتخب ترامب مرة أخرى في تشرين الثاني (نوفمبر)؛ لذلك ينبغي الصلاة من أجل انتخابه.

اقرأ أيضاً: "صفقة القرن"... إطار للحل أم توطئة للانفجار؟!
أما الكاتب والمراسل العسكري، يوسى هدار، فقد أشار معقباً على ما سبق إلى أنّه لا توجد هناك خطة سياسية تساوي الورق الذي كتبت عليه، إلا إذا كانت منخرطة جيداً في الواقع اليومي، ومنسقة ومتعاطية مع القوى العاملة في المنطقة نفسها، على الساحة السياسية ومدعومة من القوى العظمى، صفقة القرن، التي هي ثمرة عمل كدّ لإدارة ترامب وإنجاز سياسي لا بأس به لحكومة نتنياهو، تقترب من المقاييس العملية التي ذكرت هنا، رغم أنّها لا تحظى في هذه اللحظة بموافقة كلّ الأطراف، على السطح تبدو هذه خطة ممتازة لإسرائيل، خطة تاريخية تمنح الدولة حدوداً قابلة للدفاع وبسط السيادة على غور الأردن والمناطق المأهولة في يهودا والسامرة اعترافاً بالقدس عاصمة لإسرائيل، بما فيها البلدة القديمة في شرقها، ومزايا عديدة أخرى إضافة إلى ذلك.

الجدير بالذكر؛ أنّ إسرائيل مطالبة بأن توافق على إقامة دولة فلسطينية، وإن كانت مجردة وبشروط مقيدة، إلّا أنّها ما تزال دولة تمتد على نحو 70% من المناطق التي يحسبها كثيرون من الجمهور الإسرائيلي مناطق من الوطن، وفي نظرة تاريخية، ينبغي القول: إنّ الفلسطينيين يحصلون في خطة ترامب على أكثر بكثير مما ينبغي إعطاؤهم إياه، عليهم أن يتذكروا أنّ التطلعات القومية للعرب سبق أن تحققت في نحو 20 دولة في أرجاء الشرق الأوسط، بينما التطلعات القومية والأخلاقية والشرعية للشعب اليهودي لم تجد تعبيرها إلا في دولة قومية واحدة صغيرة ومحوطة بالأعداء، وعليه فليس هناك مكان آخر لتنازلات بعيدة الأثر.
مشروع تقسيم متجدد
إنّ خطة ترامب عملياً هي مشروع تقسيم متجدد، وينبغي أن نرى فيها الخطوة الأقرب لتحقيق العدالة التاريخية، والاعتراف بالحقوق التاريخية والقانونية للشعب اليهودي على بلاد إسرائيل، وبسبب التجمعات السكانية الفلسطينية في المدن الكبرى، وبسبب أهمية احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية، ينبغي السماح للفلسطينيين بإدارة المنطقة بأنفسهم، لكنّ الحلّ الأكثر عدلاً هو حكم ذاتي فلسطيني وكونفدرالية مع الأردن.

تدمن القيادة الفلسطينية على الأمل العابث، وتعلّق آمالها على الأسرة الدولية، أو على تغيير يقع في إسرائيل أو أمريكا

إنّ معارضة الفلسطينيين لخطة القرن ليست مفاجئة؛ فقد سبق أن تلقوا اقتراحات سخية، وسخية جداً، بعضها ليست من حكومات باراك وأولمرت، ومع ذلك رفضوها في ظلّ إصرارهم على تقاليد تفويت الفرص التي تعود إلى المشروع التقسيمي.
لا مفرّ من النظر على نحو سليم، والقول إنّ الفلسطينيين غير معنيين بالاعتراف بدولة يهودية، وعملياً هم معنيون بكلّ الأرض من النهر وحتى البحر، لم يعد ممكناً انتظار الفلسطينيين، وتحمّل رفضهم، والإرهاب الذي يمارسونه، فضلاً عن الولايات المتحدة التي تؤيد مبدئياً فرض السيادة الإسرائيلية، يحتمل أن يكون ممكناً ربط المحور السنّي بمثل هذه الخطة، كذلك الدول العربية المعتدلة، ورغم التصريحات التلقائية التي انطلقت من الاتحاد الأوروبي, يبدو أنّ بريطانيا وألمانيا وفرنسا لم يستبعدوا الخطة تماماً، وقد تؤيد أيضاً هي مثل هذه الخطوة، على إسرائيل أن تعلن الخروج من دائرة الرفض الفلسطيني، وتحدّد حدودها دون انتظار أكثر من ما مضى.


مصدر الترجمة عن العبرية: معاريف
https://www.maariv.co.il/journalists/Article-747896
https://www.maariv.co.il/journalists/Article-744152
https://www.maariv.co.il/journalists/opinions/Article-745049

للمشاركة:

"تجنيد الأطفال" وغياب المسؤولية الدولية

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

حسين الشيخ
لا شيء في الحياة دون قواعد حتى الحروب التي لا مرادف لها إلا الموت والخراب والدمار لها قواعد تحكمها إلا أن هذه القواعد يتم تجاوزها من الأطراف كافة لتغليبها النصر على الأعداء على أي مطلب آخر، وبغض النظر عن النتيجة كإهمال حياة المدنيين وتدمير البنى التحتية واستخدام الأسلحة المحظورة وغيرها من التجاوزات، إلا أن الأمر الأكثر بشاعة هو تجنيد الأطفال وتدريبهم على حمل السلاح، واستخدامه في القتال.

إن تعريف "الطفل" أخذ كثيرا من الأخذ والرد على مستوى الاتفاقات الدولية والقانون الدولي بتحديده بين الخامسة عشرة والثامنة عشرة من العمر، وبغض النظر عن العمر المحدد في الاتفاقات الدولية، فإن العمل على تجنيد الأطفال سواء على يد الجماعات والمليشيات أو حتى الجهات الرسمية التي تجندهم بطريقة التفافية ضمن مليشيات تابعة لها، فإن الأمر الأكثر رعباً هو تجنيد الآلاف من الأطفال ممن هم دون الخامسة عشرة من العمر.

ورغم الحظر الدولي لتجنيد الأطفال فإننا نجد المجتمع الدولي والمنظمات المسؤولة عن حماية الأطفال كمنظمة "اليونيسيف" التي تتعامل مع الموضوع بالتصريحات والانتقادات - وبازدواجية في المعايير في بعض الأحيان – دون اتخاذ خطوات جادة تفرض على المجتمع الدولي عدم التعامل مع أي جهة تسهم في تجنيد الأطفال لما له من تبعات جسيمة تنذر بدمار مجتمعات بأكملها وتحويل أجيال برمتها إلى امتهان القتل والدمار.

وفيما يلي سنرصد أبرز الجماعات المرتبطة بملف تجنيد الأطفال واستخدامهم في الأعمال العسكرية، كما سنتعرض إلى واجبات المجتمع الدولي والمنظمات الدولية المختصة بتطبيق القانون الدولي وحماية الأطفال، وعلى رأسها منظمة "اليونيسيف":
المسألة الأولى تتعلق بأبرز الجماعات العربية المرتبطة بتجنيد الأطفال، في ظل الحروب والنزاعات الدائرة وطول أمدها على الرقعة العربية شكلت منعطفات خطيرة في فقدان الأمن وتحويل البوصلة الفكرية إلى التيارات المتشددة لغياب الحلول السياسية لأزماتها العالقة منذ سنوات طويلة، الأمر الذي ترتب عليه تدهور البنى التحتية، لا سيما قطاعات التربية والتعليم وتسرب الأطفال من مدارسهم، بالإضافة إلى الحالة الاقتصادية المزرية وفقدان أبسط سبل العيش.

الأمر الذي يشكل ظروفاً مناسبة لاستغلال الأطراف المتصارعة لها والعمل على تجنيد الأطفال الذين يحققون لها بعض المكاسب التكتيكية والاقتصادية من خلال سهولة تجنيدهم واستغلال قصورهم الفكري بإلحاقهم بمعسكرات معنوية تعمل على زرع العداوة والبغضاء تجاه الطرف الآخر، الأمر الذي يسهم في تكوين طفل متشدد لا يمكن له في يوم من الأيام أن يقبل الطرف الآخر فتحظى بمقاتل مستميت لنصرة الفكرة التي زرعتها به، عدا عن كونه سهل الحركة وأكثر طواعية في تنفيذ الأعمال العسكرية الموكلة له وبانصياع تام لمُراد مجنِّديه.

هذا الأمر عمل عليه كل من تنظيم "داعش" المهزوم في سوريا والعراق ومليشيات الحوثي في اليمن، علاوة على أن الأطفال يتم تجنيدهم بتكاليف مادية بسيطة من حيث التسليح والأجور، كما أن من لا يستطيع حمل السلاح منهم لأي سبب من الأسباب يمكن استخدامه في نقل الذخيرة أو بناء الدشم، وهو ما عملت عليه كل الجماعات والمليشيات المتصارعة على الأرض العربية، كالجماعات المتطرفة في ليبيا وجبهة النصرة في سوريا والحشد الشعبي في العراق والمليشيات التابعة للحرس الثوري الإيراني.

ولكن الجماعات الأبرز الضالعة بتجنيد الأطفال هما جماعة "بوكو حرام" في الصومال وجماعة "الحوثي" في اليمن، ففي الصومال وبحسب التقارير والإحصاءات الإعلامية يتم تجنيد ما يزيد على ألفي طفل، وفي اليمن ما يقارب الألف طفل، ما يجعلهما في مقدمة المجنِّدين للأطفال مقارنة بالمساحات الخاضعة لهما وتعداد سكانها.

المسألة الثانية تكمن في آلية تعاطي المجتمع الدولي والمنظمات الدولية مع ملف تجنيد الأطفال..

رغم أن تجنيد الأطفال محظور دولياً وباتفاقات مبرمة لا مجال لتجاوزها، وباعتبار تجنيد الأطفال يرقى لجرائم الحرب، فإن تعاطي المجتمع الدولي معه يعد خجولاً مقارنة بقدراته القانونية والسياسية وحتى العسكرية، وذلك من خلال النظر لهذا الخطر على أنه موضوع ثانوي بل إنه لا يرقى حتى لمجرد مقاطعة أولئك المجنِّدين أو اشتراط التوقف عن تجنيد الأطفال كشرط أساسي قبل الجلوس معها على طاولة للحوار، كما في الملف اليمني والسوري.

أما المنظمات الدولية المعنية، لا سيما منظمة "اليونيسيف" فإنها لا تقتصر على التصريحات والمراقبة دون اتخاذ خطوات جادة، بل إنها تتعامل بازدواجية في بعض الأحيان، إذ تدين تجنيد الأطفال وتستصرخ المجتمع الدولي لمد يد العون وإنقاذهم.

وفي الوقت ذاته تعترف بالجماعات المجنّدة لهم من خلال إبرام الاتفاقات وإدخال المساعدات التي تعلم علم اليقين، أنها لن تصل إلى الأطفال، بل إنها ستنهب وتحوّل إلى جبهات القتال كما حدث في اليمن والتعامل مع مليشيات الحوثي، كما أنها تعتمد على تقارير مواربة رغم قدرتها على لمس الواقع بيدها، إذ تساوي بين الحكومة الشرعية والانقلابيين في موضوع تجنيد الأطفال.

وذلك رغم أن تقاريرها هي نفسها التي نشرها موقع "سكاي نيوز عربية" عام 2017، الذي جاء فيه أن "جماعة الحوثي تجند 1940 طفلا، بينما هناك 274 حالة تجنيد مسؤولة عنها الحكومة اليمنية"، جاء التقرير بلغة تشير إلى أن الحالات المسؤولة عنها الحكومة الشرعية تفتقر إلى التوثيق اللازم لهذا الانتهاك، علاوة على أن العدد - رغم إدانتنا لتجنيد أي طفل - المذكور بحق الحكومة الشرعية عدد ضئيل لا مجال للتأكد منه.

كل ذلك يجعل المجتمع الدولي والمنظمات الدولية مسؤولة وبشكل مباشر عن قضية تجنيد الأطفال وتحويل المجتمعات إلى فرق متناحرة تتجذر فيها قيم التطرف والتشدد واستساغة إراقة الدماء وتدمير الأجيال بحرف أهدافها وطموحاتها وطاقاتها من مقاعد الدراسة والانكباب على العلم والبناء إلى دشم القتال والتمترس وراء البنادق، ما ينذر بكارثة حقيقية لا مجال لاحتوائها إذا مضى وقت أطول دون التعامل معها بحزم أو إيجاد الحلول الجذرية لها.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

أردوغان والفائضون عن الحاجة

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

خالد الغنامي

عندما وضع أردوغان إكليل زهور على قبر ثيودور هرتزل في عام 2005 لم يكن يطلق مجاملة عابرة، فتركيا هي ثاني دولة مسلمة تعترف بإسرائيل في عام 1949، بعد إيران التي اعترفت بها في عام 1948. العلاقة بين الجانبين في حقيقتها أقوى من علاقة طيور الحُب في 14 فبراير، خصوصاً على مستوى وزارتي الدفاع (التركية والإسرائيلية)، فالتعاون العسكري يطال العديد من المجالات التي تشمل الجو والبحر والأرض، ومن قوات المشاة إلى التسليح، ومن المجال الاستخباراتي إلى صناعة الطائرات والأسلحة والصواريخ.. وهو تعاون ينطلق أساساً من تعاون اقتصادي راسخ. إنه حلف استراتيجي مؤسسي وبنيوي يشتمل على لجان التوجيه والاجتماعات المنتظمة والحوارات التي لا تنقطع.. مهما مارس أردوغان من مسرحيات هزلية أمام المتفرجين. هذه المسرحيات هي ما جعلت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يسخر من تظاهر أردوغان بعداوة إسرائيل، في حين يقدّر التبادل التجاري بين الجانبين بعشرات المليارات، ويسير على نحو متصاعد في كل عام.
الاتفاق التركي الإسرائيلي في فبراير 1996 يؤكد أنه عندما يكون هناك جنود لإحدى الدولتين، على أراضي الطرف الآخر، فإنهم لن يشاركوا في النزاعات بين الدولة المضيفة وأي طرف ثالث. هذا الاتفاق يتم تمديده سنوياً وقد مهد الطريق للزيارات العسكرية المتبادلة والتدريب الذي يشمل إرسال المراقبين للإشراف على المناورات العسكرية وتبادل الموظفين واكتساب المعرفة العسكرية، وقيام القوات الجوية والبحرية بزيارات متبادلة وتدريبات مشتركة.
وعلى صعيد الطيران العسكري، تُجرى التدريبات الدورية للقوات الجوية ثماني مرات سنوياً، في أربع عمليات انتشار في كلا البلدين. وتُجرى هذه التدريبات في تركيا بسبب حجم إسرائيل الضئيل، مما يتيح لقواتها الجوية أن تمارس التدريب الدوري في حوض البحر المتوسط، فيما يتدرب الطيارون الأتراك على ميدان إطلاق النار المحوسب في إسرائيل وفي مطار نيفاتيم.
ولابد أن نعلم أن إسرائيل قلّصت عبر العقود من مصالحها واستثماراتها في اليونان وكردستان، رغم التعاطف مع قيام دولة للأكراد، ضماناً لمصالحها مع تركيا. وفيما يتعلق بالتعاون الاستخباراتي، وهو مجال حيوي آخر تزدهر فيه العلاقات الإسرائيلية التركية، يجري تبادل المعلومات الروتينية وتحليل البيانات، بما فيها تلك التي جمعتها الأقمار الاصطناعية الإسرائيلية.
الدافع وراء العلاقات الإسرائيلية التركية هو المصالح الوجودية المشتركة التي نسجت علاقاتهما الوثيقة في محيط عربي تستبعدان الاندماج فيه، وتجدان أن شخصيتيهما «الغربيتين» تحثهما على التعاون، خصوصاً بعد أن اتضح أن فائدتهما للمصالح الغربية أصبحت موضع شك، منذ الإعلان عن نهاية الحرب الباردة، مما زاد من رغبتهما في التقارب والتعاون من أجل البقاء. هذا غيض من فيض، مما تشهد به الوثائق الرسمية المعلنة للعالم.
على هذه الخلفية، وفي الوقت الراهن تحديداً، وما تشهده علاقة العالم العربي بالدولة التركية الحالية من توتر.. لا يمكن أن نحسن الظن بأولئك الأتراك الأيديولوجيين الذين يهتفون في بلد ثالث: «بالروح بالدم نفديك يا أقصى»، وكان الأولى بهم أن يذهبوا إلى مقر السفارة الإسرائيلية في أنقرة وأن يهتفوا للأقصى من هناك، أو أن يذهبوا إلى مصانع السلاح التركية التي تصدّر إلى إسرائيل الذخائر التي تقتل بها الفلسطينيين، فيمنعوا تصديرها.
ومع كل هذا، تجد أن الفائضين عن الحاجة، بحسب تعبير نيتشه، وهم جماعة «الإخوان المسلمين»، ما زالوا يدافعون عن خليفتهم المزعوم أردوغان ويمارسون تضليلهم الإعلامي للإنسان العربي العادي الذي لا يملك الوقت للبحث والتقصي حول خلفياتهم ودوافع مواقفهم.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية