ملحمة الحزب الشيوعي العراقي .. بدم الرفاق لا راية الثورة

7280
عدد القراءات

2019-06-12

عقب انهيار الحكم العثماني للعراق وبدء استعماره من قِبل بريطانيا العام 1918 شهد المجتمع العراقي تحولات كبرى كان أبرزها تشكُّل طبقة عاملة لأول مرة في تاريخه بفعل حاجة الاحتلال البريطاني لتشغيل البنى التحتية اللازمة لوجوده مثل السكك الحديدية والموانئ، بالإضافة إلى المصانع التي تسد احتياجات قواته، ومع استقرار الحكم الاستعماري رأت النخبة الوطنية، المتأثرة بأفكار النهضة والتنوير في المنطقة العربية فضلاً عن ثورة أكتوبر في روسيا العام 1917، ضرورة التحرر من ربقة الاستعمار والإقطاع معاً.

اقرأ أيضاً: الحزب الشيوعي السوري.. حين ضيّعنا "السوفييت"
تكونت أولى الحلقات الماركسية من الطبقة الوسطى العراقية وأبناء الارستقراطية المتعلمين وسط شعب تهيمن عليه الأمية نتيجة الاحتلال العثماني لوادي الرافدين الذي دام أكثر من أربعة قرون، والمسماة بـ"الفترة المظلمة".
ورغم حضور الأفكار الاشتراكية في المجال العام إلا أنّ أول تجربة تنظيمية تعود إلى "بيوتر فاسيلي" وهو مسيحي أشوري نشأ وتعلم في جورجيا التي هاجر إليها والده، دخل فاسيلي العراق عن طريق إيران العام 1922 وبدأ لقاءاته مع النخب الفاعلة؛ ليبدأ تشبيك الحلقات الماركسية في أنحاء العراق، وهي الحلقات التي صهرها يوسف سلمان يوسف الملقب بـ"الرفيق فهد" في الحزب الشيوعي العراقي العام 1934.
 الحزب الشيوعي العراقي لازال حاضراً في المشهد السياسي

سنوات المخاض الدموي
ليس من الممكن مقاربة تاريخ الحزب الشيوعي العراقي إلا على ضوء فهم البيئة السياسية العراقية التي تتميز تاريخياً بالعنف بين الخصوم السياسيين الذين غالباً ما يتبادلون أدوار الضحية والجلاد كل فترة؛ وقد قُدّر للحزب الشيوعي العراقي أن يعمل ضمن هذه البيئة ووسط ظروف غاية في القسوة والوحشية، وفرضت السرية والهروب الدائم من التصفية والاعتقال ظلالها على تفكير وسلوك الحزب، عدا فترات انفراج نسبية والتي غالباً ما تكون فخاخ تنصبها السلطة لكشف تنظيماته وقادته استعداداً للانقضاض عليه.

تكونت أولى الحلقات الماركسية العراقية من الطبقة الوسطى وأبناء الأرستقراطية المتعلمين

وبسبب هذه الظروف الصعبة ارتبطت بدايات الحزب الشيوعي العراقي بالبراعة التنظيمية والنضالية، وليس الفكرية، للرفيق فهد الذي بعد دراسته في أكاديمية "كادحي الشرق" انفتقت قدراته التنظيمية.
كانت أدبيات الحزب آنذاك تتمثل بالترجمات السوفييتية المقتضبة للماركسية وكراسات فهد التنظيمية والتي تغطي القضايا التي عني بها الحزب الشيوعي آنذاك من قبيل مكافحة الاستعمار وسياساته في العراق (على الرغم من أنّ البلد نال استقلاله العام 1932 إلا أنّ تبعيته لبريطانيا كانت واضحة) ومحاربة الإقطاع والفئات المتحالفة مع الاستعمار.
كما انشغل فهد بالمعركة الفكرية التي كانت سائدة في أوساط اليسار العالمي بين التيار الشيوعي والتيارات الاشتراكية الديمقراطية، وأصدر كتابه "حزب شيوعي لا اشتراكية ديمقراطية" وكتاب آخر عن الصهيونية وهو له أثره في هذا الجانب؛ حيث شكّل اليهود العراقيون نخبة مهمة من قيادات الحزب الشيوعي العراقي، وفي وقت كان فيه الكيان الصهيوني في بدايات نشوئه، امتازت الأقليات العراقية بجهد فكري دؤوب بصدد محاربة الصهيونية، لتتشكل لاحقاً وبتوجيه من فهد "عصبة مكافحة الصهيونية".
في العام 1949 أعدم النظام الملكي فهد والقياديَين في الحزب حازم وصارم ليقع الحزب الشيوعي العراقي في حيرة تنظيمية أفقدته كثيراً بالنسبة لحزب ناشئ، مما أرغم أعضاءه الشباب آنذاك على القيام بمواجهات غير محسوبة مع السلطة في ظل انكشافهم بهذا الشكل، وانعدام توازن القوى وانعدام قدرتهم على الاختباء بعد انكشاف المخابئ السرية بفضل الخيانات.

الحزب الشيوعي العراقي يتحالف مع العلمانيين مرة ومع الأصوليين أخرى

اقرأ أيضاً: كيف تحول حزب البعث في العراق من الأيديولوجيا إلى العائلة؟
واستمرت الانشقاقات والاضطرابات التنظيمية داخل الحزب منذ إعدام فهد وحتى 1955 حين قرّرت اللجنة المركزية انتخاب حسين أحمد الرضى "سلام عادل " سكرتيراً لها، وهو مُعلّم تعرض لملاحقات عدة وقاد إضرابات وتنظيمات حزبية بكفاءة في ظروف صعبة؛ فعمل أولاً على توحيد الحزب؛ فلم تبقَ منظمة خارجه، ورجعت التنظيمات المنشقة إلى حضن الحزب.
ورغم هذا النجاح التنظيمي إلا أنّ الخسارات الكبيرة والتصفيات الجسدية وظروف العمل السري لم تتح للحزب الشيوعي بناء منظومة فكرية، وإنتاج مفكرين بالشكل الذي يوازي مسيرته النضالية والأدوار المهمة التي لعبها في تاريخ العراق الحديث؛ فاستلهم نموذج الحزب الشيوعي السوري ونقل منه الأفكار والشعارات، وفي بعض مراحل الخلاف والانشقاق داخل الشيوعي العراقي كانت الأطراف تُحكّم فيما بينها خالد بكداش أمين الحزب الشيوعي السوري.

اقرأ أيضاً: حزب البعث السوري: تجربة خمسة عقود من الحكم.. ما أبرز التحولات؟
رغم دراسة العديد من الشيوعيين العراقيين في أكاديمية "كادحي الشرق" الروسية ومشاركة الحزب في المؤتمرات الدولية إلا أنّ العلاقة بينه وبين "الكومنترن" (الأممية الشيوعية) لم تكن واضحة أبداً؛ ويعلّل الشيوعيون العراقيون ذلك بأنّهم ليسوا النسخة المفضلة لدى الاتحاد السوفييتي الذي كان يُركّز بشكل أكبر على الشيوعي السوري في المنطقة.
استطاع عبد الكريم قاسم سحق انقلاب الشواف بدعم من الشيوعيين

الجمهورية الأولى
تعاون الحزب الشيوعي العراقي مع أحزاب تقدمية أخرى وضباط وطنيين للإطاحة بالنظام الملكي العراقي، وبدأ التخطيط لهذا الهدف منذ العام 1956 لينجز العام 1958 وكانت أداة تنفيذ ذلك تنظيم الضباط الوطنيين الذي يقوده الزعيم الركن عبد الكريم قاسم.

اقرأ أيضاً: حزب الوسط المصري إذ يدور في فلك جماعات الإسلام السياسي
ففي صباح يوم 14 تموز (يوليو) العام 1958 سيطر الضباط على مفاصل الدولة؛ لتعلن الجمهورية العراقية الأولى وإنهاء حلف بغداد وتحرر العراق من سيطرة الجنيه الإسترليني؛ وبدأ مشروع اجتماعي اقتصادي كبير كان للشيوعيين دور بارز فيه، مثل تشريع قانون جديد للأحوال الشخصية الذي أقر المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث، وكذلك قانون الإصلاح الزراعي الذي فتّت ملكية الإقطاعيين الكبار.

أول تجربة تنظيمية تعود إلى بيوتر فاسيلي وهو مسيحي أشوري نشأ وتعلم في جورجيا

وعلى هذا النحو تميّزت هذه الفترة بقُرب الشيوعيين من السلطة وسيطرتهم الكاملة على الشارع العراقي، ورغم ذلك لم تكن هذه الفترة التي تحرر فيها الشيوعيون من العمل السري على ما يُرام طوال الوقت.
بدأت المشكلات من شخص قائد ثورة 1958 عبد الكريم قاسم الذي فضّل الانفراد بالسلطة، وقد كان أقرب للحزب الوطني الديمقراطي الذي يرأسه آنذاك كامل الجادرجي (وهو حزب يؤمن بالاشتركية الفابية) منه للحزب الشيوعي العراقي رغم أنه لم يكن منتمياً للاثنين.
في المقابل قصر الحزب الشيوعي في بادئ الأمر مطالبه على إيجاد مؤسسات ديمقراطية ونظام حكم برلماني، ولم يطالب بالاشتراك بالحكم؛ إذ بدا له أن النتيجة الأكثر احتمالاً هي الفوز بالانتخابات والمشاركة في الحكم.
وعلى عكس المتوقع انتهى الوفاق بين قاسم والشيوعيين في السنة الأولى من الثورة بعد أحداث كركوك العام 1959 التي اتهم قاسم فيها الشيوعيين بالتورط في القتل وسفك الدماء؛ وقد كان بعض الكرد المنتمين للحزب الشيوعي شاركوا، دون أن يمثلوا سياسة حزبهم، في معارك عرقية بين الأكراد والتركمان (الأتراك) أدت إلى مقتل العشرات من الطرفين.

اقرأ أيضاً: كيف حفّز حزب النور سلفيي الدول العربية على العمل الحزبي؟
ومع ذلك حين حاول القائد العسكري عبد الوهاب الشواف، بدعم من مصر وبتحالف داخلي مع القوميين والإقطاعيين وتيارات دينية ناقمة على نفوذ الشيوعيين، الانقلاب على عبد الكريم قاسم، كان تدخل الشيوعيين حاسماً في وأد المحاولة، وإثر تلك الأحداث رفع شعار الحزب الشيوعي ضرورة المشاركة في الحكم وهو ما رأى فيه عبد الكريم قاسم مزاحمة في السلطة.
اقترب الحزب الشيوعي بالفعل من الوصول إلى السلطة خاصة أن أعداد المنتمين إليه شكلت رقماً هائلاً، وقد سجلت تنظيماته الآلاف بعد ثورة 1958، مما حدا بالحزب إلى وقف الانتماءات الجديدة بعد العام 1959 لعدم قدرة هياكله على استيعاب هذه الأعداد، فيما بلغ عدد أعضاء لجنته المركزية 33 عضواً؛ وعلى الرغم من أنّ الحزب كان مؤهلاً لتسلم السلطة وإدارة الدولة إلا أنّ ما أوقف القيادة عن المضي في مشروعها الذي كانت تؤيده القواعد هو مذكرة الحزب الشيوعي السوفييتي المليئة بالنقد للحزب الشيوعي العراقي.
اعتبرت المذكرة موقف الحزب الشيوعي تطرفاً يسارياً، وطالبته بضرورة دعم قاسم ضد ما يتعرض له العراق من "مؤامرات ودسائس إمبريالية"، ليبقى الحزب في موقف المنتظر لهبات عبد الكريم قاسم في إشراكه بالسلطة.
وهكذا تنازل الحزب عن برنامجه دون أي بديل، وبقي في "تحالف من طرف واحد" مع النظام، رابطاً مصيره بمصير شخص قاسم، ولم يرسم لنفسه أي آفاق مستقبلية.
عبد الكريم قاسم تقرب من الشيوعيين في البداية وتخلى عنهم لصالح القوميين الذين انقلبوا عليه

إبادة وانشقاق
كانت النتيجة المنطقية لحكم قاسم الفردي وتقريبه القوميين من هرم السلطة هو أن يستثمر هؤلاء هذا القرب في الانقلاب عليه، وهو ما حدث فعلاً في 17 تموز (يوليو) العام 1963، ورغم أنّه كان بإمكانه قلب الطاولة على القوميين بتسليح الشيوعيين إلا أنّه فضّل تجنب إراقة الدماء، لتنتهي فترة حكمه بنهاية مأساوية تمثلت في إعدامه ورفاقه، ثم أذاع قادة الانقلاب بياناً في الصحف وتم توزيعه في الشوارع يحث على "إبادة الشيوعيين" وهو ما تحقق فعلاً في حملة راح ضحيتها الآلاف منهم، وفقد الحزب فيها معظم كوادره وقياداته وعلى رأسهم سكرتير اللجنة المركزية للحزب سلام عادل الذي عذب بطريقة وحشية حتى فارق الحياة.

ليس من الممكن مقاربة تاريخ الحزب الشيوعي العراقي إلا على ضوء فهم البيئة السياسية العراقية

بعد رحيل عادل المأسوي استلم عزيز محمد سكرتارية الحزب (وهي فترة السكرتارية الأطول في تاريخ الحزب من العام 1963 حتى 1993) وكانت الفترة من 1963 إلى 1968 عهد الجمهورية العراقية الثانية ذات نشاط خافت للشيوعيين وتميزت بحدوث أكبر انشقاق في تاريخ الحزب.
فقد ظهرت العام 1964 اتجاهات لدى بعض قيادة الحزب تتحدث عن بروز البرجوازية الصغيرة القومية وتسلمها قيادة الثورة الوطنية الديمقراطية، وإمكان تحقيقها أهداف الثورة الاشتراكية، ورافق هذه الاجتهادات تقليل من دور الحزب والطبقة العاملة والفئات الكادحة، وعلى الرغم من أنّ ذلك كان محل رفض لدى تيار واسع من القاعدة الحزبية، إلا أنّه تم إقرار تلك الاستنتاجات في اجتماع اللجنة المركزية في براغ العام 1964 وعُرف هذا الاتجاه فيما بعد بـ"خط آب".
وعلى الرغم من تخلي الحزب عن "خط آب" بعد عام واحد، إلا أنّ هذا لم يلغِ جذور الانشقاق الفكري والتنظيمي الذي يبرز مع كل انتكاسة؛ فحصل الانشقاق الأول العام 1967 ليتم تشكيل "الحزب الشيوعي العراقي – القيادة المركزية" الذي شطر معظم منظمات الحزب، ورافق هذا الانشقاق اعتقال بعض قيادات الحزب الشيوعي العراقي من قبل التنظيم الجديد المنشق.

عزيز محمد سكرتير الحزب الشيوعي من عام 1963 حتى 1993

اقرأ أيضاً: حزب التحرير: الخلافة الإسلامية والأسطورة المهدوية
دعا التنظيم الجديد إلى أساليب "حرب العصابات" و"البؤر الثورية" و"الانتفاضات المسلحة في الريف" وأصرّ على رفض الانقلابات العسكرية وإنْ كان تقبل فكرة دعم الجيش انتفاضته الشعبية المأمولة، والتي كانت بمثابة محاكاة لتجارب الكفاح المسلح الصاعدة في التيارات الشيوعية العالمية آنذاك بتأثير التجربة الكوبية وبتأييد مباشر من السفارة الصينية في العراق.
ومع ذلك ظلّت المحاولات العسكرية للتنظيم الجديد ضد السلطة محدودة ولم تمسّ بنيته، بل كانت خبرة الأجهزة الأمنية في قمع نشاط الشيوعيين التي تراكمت منذ العهد الملكي قد تنامت بعد إمساك البعثيين بمفاصل العمل الأمني خاصة بعد انقلاب 1968 الذي قام به البعثيون ضد القوميين ليترأس الجمهورية أحمد حسن البكر ونائبه صدام حسين الذي تولى الملف الأمني حتى تنحيته البكر العام 1979.
شهد التنظيم ضربة موجعة بعد نجاح الأجهزة الأمنية في القبض على قسم معتبر من كوادره، إلا أنّ الضربة الأكثر إيلاماً تمثلت في اعتقال مسؤوله عزيز الحاج العام 1969 الذي تم إظهاره بشكل مُهين في التلفزيون الرسمي معترفاً على كل مفاصل التنظيم، ليتم إعدام رفاقه، بينما تم تعيينه لاحقاً سفيراً للعراق في اليونسكو جزاء وشايته.
أحمد حسن البكر الأب الروحي لصدام حسين

فخ الجبهة الوطنية
بدأ حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق منذ العام 1970 مشاريع مهمة، فأعلن تأميم النفط ذلك العام، وأصدر بيان آذار (مارس) العام 1971 وهو أول بيان في العراق يمنح الحكم الذاتي للأكراد العراقيين، واعترف باللغة الكردية، وبذلك أنهى (مؤقتاً) مشكلة مستعصية عجزت الأنظمة العراقية المتعاقبة عن حلها.

اقرأ أيضاً: التجربة الحزبية عند الإخوان المسلمين: التنظير والعمل السياسي
كما عقد البعث معاهدة تعاون وصداقة مع الاتحاد السوفييتي واعتراف في وقتٍ مبكر بألمانيا الديمقراطية (الشرقية) وهو ما دفع الاتحاد السوفييتي للضغط على قيادة الحزب الشيوعي للتعاون والتحالف مع حزب البعث، بل وصل الأمر إلى اعتبار السوفييت نظام البعث أكثر جدارة للدعم من الشيوعيين.

كانت أدبيات الحزب الأولى تتمثل بالترجمات السوفييتية المقتضبة للماركسية وكراسات الرفيق فهد التنظيمية

ولم يصدر الضغط على الشيوعيين من قِبل الاتحاد السوفييتي فحسب، بل كان هناك ضغط موازٍ من قبل النظام البعثي أيضاً، ولم يكن هذا الضغط في بادئ الأمر بطرق الإرهاب المعتاد ضد الشيوعيين بل جرى على الساحة الصراع على النفوذ الجماهيري وعلى برنامج الشيوعيين أنفسهم، مما دفع الحزب الشيوعي إلى توقيع ميثاق العمل الوطني مع البعث العام 1973 من موقع التابع.
أتى درس الانقلاب الفاشل الذي حاول القوميون القيام به 1963 بثماره؛ وتجنب البعث العداء للشيوعيين إلى أن ثبّت دعائم سلطته، وكان للبعثيين عدة أسباب للمضيّ في التحالف، أهمها إظهار الشيوعيين في موقع الداعم لهم والاستفادة من امتدادات الحزب الشيوعي العربية والدولية، بالإضافة إلى المكانة التي يحوزها الحزب بين الجماهير العراقية والمثقفين، فكان التحالف معهم بمثابة تزكية للبعثيين على كافة المستويات خاصة مع تاريخ دموي ينوء بحمله البعثيون.
استمر التحالف بين الطرفين، إلى أن اتضح أنّ هدف البعثيين هو تجريد الحزب من مواقعه الجماهيرية عبر الإرهاب والقانون، خاصة مع ضغط البعثيين على الحزب لحل منظماته الجماهيرية التي كانت تضم عشرات الألوف من العراقيين في قطاعات الطلبة والشباب والنساء.

 خاض مصطفى البارزاني حرب عصابات في شمال العراق ضد الأنظمة العراقية ومنها البعث

اقرأ أيضاً: الأحزاب الكردية: صراعات وأحلام تنتظر التغيرات الدولية
استفاد البعثيون من شق الحركة الوطنية العراقية في الانفراد بالقوى الكبرى آنذاك، وهي؛ الحزب الشيوعي العراقي والحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يقوده الملا مصطفى البارزاني الذي خاض حرب عصابات ضروساً في شمال العراق ضد الأنظمة العراقية ومنها البعث.
كانت سياسة البعث في العمل الجبهوي قائمة على التحالف الثنائي مع الأحزاب الأخرى، وتجنب الدخول في تحالف جماعي بين الأحزاب، بهدف السيطرة على الأحزاب وتسهيل تقديمها لتنازلات فكرية وتنظيمية كبيرة لم يكن من المتصور تقديمها لو دخلوا معاً في جبهة مع البعث، ومن جانب آخر رفض الحزب الديمقراطي الكردستاني التحالف مع الشيوعيين رغم المواقف المشتركة والقتال جنباً إلى جنب ضد البعث، رغبةً منه في الاستئثار بالوضع في كردستان وعدم تقوية الشيوعيين الأكراد.
كان عمل الجبهة معتمداً على اللجان القاعدية للحزبين؛ البعثي والشيوعي، ترأستها لجنة مركزية في بغداد يتولى صدام حسين بنفسه إدارتها، ولجان قيادية في كل المحافظات، شريطة أن تكون ممثلة من مستويات قيادات الحزبين، مع امتياز أن يفتح الحزب الشيوعي مقراته في كل أنحاء العراق، وهذا ما كانت تنتظره بشغف الأجهزة الأمنية التي سجلت كل شاردة واردة بانتظار ساعة الصفر.
كانت ساعة الصفر، بعد فترة من الانتعاش النسبي بين عامي 1973 و1976، متزامنة مع موعد انعقاد المؤتمر الحزبي الثالث، علنياً، في بغداد للمرة الأولى منذ وصول البعث إلى السلطة، وكانت علانية المؤتمر بمثابة فخ للحزب؛ إذ انكشفت قواعده التنظيمية لأجهزة الأمن المختصة بمكافحة الشيوعية.

وسط ظروف غاية في القسوة فرضت السرية والهروب الدائم ظلالها على تفكير وسلوك الحزب

تصاعد الإرهاب ضد الشيوعيين، وبعد سيطرة الشيوعيين الأفغان على الحكم في أفغانستان ارتفع مؤشر الخطر لدى البعثيين من عمل مشابه في العراق، وقرر النظام العراقي إعدام 31 من العسكريين العام 1978 بتهمة انتمائهم للحزب الشيوعي داخل الجيش، ورغم الحملة العالمية ضد إعدامهم وتدخُل بريجنيف الذي أبرق للنظام العراقي، إلا أنّ البعث قام بإعدامهم وتسيير جنازاتهم أمام المقر الرئيسي الحزب الشيوعي كنوع من التحدي والاستهانة.
وكان آخر مسمار دُقّ في نعش الجبهة هو رفض الحزب الشيوعي إدانة النظام السوري بناءً على رغبة حزب البعث؛ إذ بيّن الشيوعي العراقي أنّ النظام السوري ينطبق عليه ما ينطبق على النظام العراقي، وأنّ المشكلة البعثية-البعثية لا تعنيهم، وكذلك رفضه إدانة منظمة التحرير الفلسطينية بعد خلافها مع النظام العراقي، ومع تصاعد الإرهاب ضد الحزب رفع كوادره شعار "دبر نفسك رفيق" في إشارة إلى أنّه على الرفاق الهروب فوراً من العراق.
ولأنّه لم تكن هناك خطة لهروب الشيوعيين، فقد سقط الآلاف منهم رجالاً ونساءً بيد الأجهزة الأمنية؛ لتبدأ حملة إبادة ثانية للشيوعيين فقد الحزب فيها معظم كوادره الوسطى وقاعدته إما عبر الإعدام أو السجن، واستطاع بعض كوادره الهرب إلى كردستان العراق التي وجدوا فيها ملاذاً مؤقتاً.
جدارية للرفيق فهد مؤسس الحزب الشيوعي العراقي

الكفاح المسلّح
تشكلت أولى خلايا الكفاح المسلّح الشيوعية في شمال العراق العام 1979 ليقر الحزب لاحقاً هذا المنهج فكرياً وتنظيمياً كوسيلة للإطاحة بالنظام البعثي، وأطلق على تلك الخلايا اسم "قوات الأنصار"، وقد سبق للشيوعي العراقي أن خاض كفاحاً مسلحاً وكان له متدربون في اليمن الجنوبية ولدى التنظيمات الفلسطينية.

في العام 1949 أُعدم فهد والقياديان الشيوعيان حازم وصارم ليقع الحزب في حيرة تنظيمية

إلا أنّ هذه الفترة لم تخل من بعض المفارقات المُنغِّصة؛ فكان الحزب الشيوعي العراقي يحارب إلى جانب القوى القومية الكردية ضد النظام العراقي، وكانت القوتان الرئيسيتان لتلك القومية هما؛ الحزب الديمقراطي الكردستاني، بقيادة الملا مصطفى البارزاني، والاتحاد الوطني الكردستاني، المنشق عنه، بقيادة جلال طالباني، يخوضان حرباً موازية ضد بعضهما البعض، وكلما شعر فريق منهم بقرب هزيمته استعان بالنظام العراقي ضد غريمه لتغيير المعادلة.
عانى الشيوعيون من هذا الصراع، وحاولوا مراراً التوفيق بين الطرفين دون جدوى؛ فاضطروا للدخول في جبهتين مختلفتين معهما بشكل منفرد، وهو ما أثار حنق الاتحاد الوطني الكردستاني؛ فهاجم في الأول من أيار العام 1983، المقرات المركزية للحزب الشيوعي في جبال كردستان العراق وأوقع فيهم مقتلة كبيرة فيما بات يعرف اليوم بـ"مذبحة بشتاشان".
أدى انعدام توازن القوى بين الشيوعيين والنظام واستعمال الأخير للأسلحة الكيماوية في شمال العراق، بالإضافة إلى الخلافات بين رفاق السلاح من التنظيمات القومية الكردية إلى فشل استراتيجية الكفاح المسلح في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، رغم مساحات الأراضي الهائلة التي سيطر عليها الحزب وكم الشهداء الذين قدمهم.

اقرأ أيضاً: الأحزاب العربية: خيبات الفرص الضائعة
في المحصلة خرج الحزب الشيوعي العراقي من كل التحالفات خاسراً؛ فتحالفه مع الأحزاب الوطنية فترة عبد الكريم قاسم ودفاعه عن ثورته، من منطلق مساندة الحكم الوطني، أسفرا عن ملء السجون بالشيوعيين، وحصلوا في ختام تلك المرحلة على مذبحة، وسلّمهم تحالفهم مع البعثيين في منتصف سبعينيات القرن الماضي إلى مجازر العام 1979، وتحالفه مع الأحزاب القومية الكردية في تجربة الكفاح المسلح كان خاضعاً لتقلبات "الأخوة الأعداء" وكانت نتيجته مذبحة بشتاشان.
وقد أقدم قسم كبير من الشيوعيين على مراجعة سياسات الحزب عبر تاريخه، واعتبروا تلك التحالفات غير مبررة، بينما رأى فيها الآخرون ضرورة لالتقاط الأنفاس، وأنّه في ساحة عمل كالعراق من المحال إنجاز برنامجهم بمفردهم، ومنذ البدايات وصى فهد رفاقه بالقول "قووا تنظيم حزبكم قووا تنظيم الحركة الوطنية".
انتهى الوفاق بين قاسم والشيوعيين في السنة الأولى من الثورة

مأزق الاحتلال والطائفية
أدركت القوى السياسية العراقية المعارضة خارج العراق استحالة إسقاط نظام صدام حسين، كما أنّ كل محاولة لإسقاطه من الداخل ستكون نتائجها وخيمة؛ فسياسة العقاب الجماعي التي كان يمارسها النظام ضد أقارب المعارضين إلى الدرجة الرابعة أنهت بشكل مطلق مجرد التفكير بالتغيير من العراق، سواء عبر الانتفاضة أو الانقلاب العسكري.
ومع اندلاع أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 واحتلال أفغانستان بات غزو العراق مسألة وقت، وبين قسوة النظام العراقي الذي في رقبته دماء آلاف من الشيوعيين العراقيين وبين احتلال قوة إمبريالية للعراق رفع الحزب شعار "لا للحرب لا للدكتاتورية"، وهو الشعار الذي تبناه اليسار الأوروبي أيضاً.

استمرت الانشقاقات والاضطرابات التنظيمية داخل الحزب منذ إعدام فهد وحتى العام 1955

رفض الحزب الشيوعي الحرب باعتبارها الخيار الأسوأ والأشد تدميراً، مؤكداً أنّ مشروعه في الخلاص لا يتأتى بدعم احتلال أجنبي، وفضّل خياره السياسي المعتمد على الشعب والقوات المسلحة ووحدة القوى الوطنية المعارضة.
لكن القوى المعارضة التي راهن عليها الحزب من التيارات الرئيسة: الإسلامية والقومية والليبرالية تعاملت مع الاحتلال واعتبرته أمراً واقعاً، وهيأ الجميع نفسه لمرحلة ما بعد صدام حسين.
أرسى المشروع الأمريكي منهج المحاصصة الطائفية والعرقية كأسلوب لحكم العراق، وكانت النتيجة صعود الهويات الفرعية وممثليها كأطراف حاكمة، مع ما تستثمره من تهييج وصراع عرقي وطائفي.
إلا أنّه مع هامش الحرية النسبية المتاح في عراق ما بعد الاحتلال، فضّل الحزب الشيوعي الدخول في العملية السياسية الجديدة، رغم انقطاعه عن الشارع العراقي منذ العام 1979؛ فأعاد افتتاح مقراته في جميع أنحاء العراق وأعاد الصلة بتنظيماته، إلا أنّ الواقع الجديد الذي يعيشه الحزب أصبح مخيباً لآمال الشيوعيين وأنصارهم، وترجع حالة الضعف التي يعانيها الحزب وتنظيماته إلى سببين رئيسين:
أولاً، ضعف اليسار والتيارات الشيوعية في العالم بعد انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفيتي وبروز القطب الواحد، على الرغم من أن الحزب حاول تلافي تبعات الانهيار مبكرا؛ فعقد مؤتمره الخامس "مؤتمر الديمقراطية والتجديد" العام 1993 وأقر الديمقراطية منهجاً في تنظيماته، لكن انهيار اليسار العالمي، الذي ألقى بظلاله على كل الأحزاب الشيوعية في العالم، كان أكبر من أن تُعالجه إصلاحات التنظيم الداخلي لحزب مُهّشم.

فقد الحزب الشيوعي معظم كوادره وقياداته

اقرأ أيضاً: الأحزاب الدينية المصرية بعد ثورة يناير: متى تتجاوز مربع الشعارات؟
ثانياً، صعود التيارات الإسلامية السياسية في العراق، ورغم أنّ ذلك يعد جزءاً من حالة عامة في الشرق الأوسط بعد نكسات القومية، إلا أنّ العراق عانى من التداعيات الكارثية لصعود تلك القوى التي ساهم في نموها واستفحالها سياسة النظام السابق الطائفية التي تبناها بعد حرب الخليج العام 1991، متمثلة في "الحملة الإيمانية" التي استهدفت القوى الشيعية التي حصدت بدورها ثمار مظلوميتها بعد العام 2003 وما زالت مستمرة في استثمار السياسات الطائفية للنظام السابق.
وعلى هذا النحو أفقد النهج الحاكم الجديد المبني على الطائفية والعرقية، بالإضافة إلى تفضيل الأقليات تنظيم نفسها بعيداً عن الإطار التاريخي للدفاع عنها وهو الحزب الشيوعي العراقي، الشيوعيين كثيراً وضاعف حجم عزلتهم في المجتمع عن الشرائح الفقيرة والكادحة التي أصبحت وقوداً للتيارات الإسلامية في معاركها الطائفية.

الخسارات الكبيرة والتصفيات الجسدية وظروف العمل السري لم تتح للحزب الشيوعي بناء منظومة فكرية

ومع ذلك مازال الحزب محتفظاً بتنظيماته ويحاول الانتشار في كل مناطق العراق، مستثمراً في إرثه التاريخي وعدم تورطه في قضايا الفساد المالي وهي السمة الأبرز للأحزاب العراقية، وكذلك عدم دخوله في مطحنة الاحتراب الطائفي، وما يزال مشروعه الحالي هو وحدة القوى المدنية الديمقراطية في برنامج اقتصادي اجتماعي قائم على العدالة الاجتماعية والديمقراطية، رغم أنّ برنامجه يحظى اجتماعياً بنسب قبول كبيرة خاصة بين الطبقة الوسطى العراقية، إلا أنّه من الصعب ترجمة هذه المقبولية العالية إلى أصوات انتخابية، لكن الحزب مُصرّ على أن يبلور نفسه كبديل يقف دائماً قرب الأحداث مهما كان حجم تأثيره.
يحتفل الحزب هذا العام بذكرى تأسيسه الخامسة والثمانين، ليكون بذلك عميد الأحزاب العراقية، إلا أنّ التاريخ وحده لا يشفع أمام التحديات التي تواجهه في الساحة العراقية، ولعلّ أهمها تجديد دمائه بالشباب، وإعادة تصعيد مسألة توزيع الثروات كأساس للاستقطاب السياسي، في ساحة سياسية كالعراق يتم الاستقطاب فيها على أسس عرقية وطائفية.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



من الطابو العثماني إلى الإصلاح الزراعي.. تحوّلات ملكيّة الأرض في العراق الحديث

2019-07-23

عرف العراق سلسلة من التحوّلات على المستوى الاقتصادي، خلال  المئة وخمسين عاماً الماضية، كان لها آثار وانعكاسات على مجمل البنى الاجتماعية والسياسية في البلاد، وكان الإصلاح الزراعي أحد أهم هذه التحوّلات.

الطابو.. إعادة إنتاج الإقطاع

كما في سائر البلاد الخاضعة للحكم العثماني، عرف العراق قانون تنظيم الأراضي وإقرار الملكيّة الشخصيّة للمرة الأولى عام 1858 مع إقرار سندات التملّك وتسجيل الأراضي المعروفة بـ "الطابو"، ورغم الطابع الإصلاحي الذي حمله القانون، والأمل الذي صاحبه لإنهاء عصر الإقطاع، والانتقال إلى عصر الملكيّة الشخصيّة، إلّا أنّ المتنفذين والآغاوات استغلوا علاقتهم بالحكومة وجهل الفلاحين، فسجلوا جميع الأراضي، أو أغلبها، بأسمائهم، وأخذوا يتصرفون بها تصرّف المالكين، بغضّ النظر عن حقوق الفلاحين المقيمين، بالتالي؛ فإنّ قانون الطابو لم يفلح في تغيير الوضع عمّا كان عليه في العراق، وأعيد إنتاج الإقطاع في شكل ومسمّى جديدَين، مع ظهور طبقة من كبار الملّاك.

ثورة العشرين.. كيف انتهت إلى تعزيز التفاوت في الملكيّة؟

مع وقوع الحرب العالمية الأولى، ونهاية الحكم العثماني، انتقلت مساحات شاسعة من أراضي "الجفتلك" والأراضي الأميريّة التي كانت ملكاً شخصياً للسلطان العثماني وللدولة العثمانية، إلى ملك الدولة الجديدة الناشئة تحت رعاية الانتداب البريطاني، وبعد إقرار حكم الانتداب والتنكّر لوعود الاستقلال، بادر العراقيون للانتفاض والثورة على الحكم البريطاني، فكانت أحداث "ثورة العشرين".

اقرأ أيضاً: الإصلاح الزراعي في مصر.. لماذا انحاز الضابط إلى الفلاح؟
بعد إخماد البريطانيين للثورة، وبسبب ما أحدثته من زعزعة واضطراب، بادروا باتخاذ سلسلة إجراءات لتمكين حكمهم، كان من ضمنها إصدار بيان تحديد وتسجيل الأراضي، والذي جرى بموجبه منح أراضٍ واسعة من أملاك الدولة للشيوخ ورؤساء العشائر الذين أظهروا ولاءهم، ووقفوا إلى جانب سُلطة الاحتلال، في مواجهة الثورة العراقية، عام 1920، وبذلك كانت النتيجة تعزيز تركيز الأراضي في أيدي فئات قليلة.

الفلاحون عماد ثورة 1920 كما لقيت دعماً من المرجعيّة الدينية

العهد الملكي... قوانين الأراضي وصناعة الولاء
بعد استقلال المملكة العراقية مباشرة، عام 1932، بادر الحكم الجديد لإصدار قانون عُرف بـ "قانون تسوية الأراضي"، واستُحدثت لجان خاصة لتطبيقه، والذي جرى بموجبه انتزاع الحيازات القبليّة والعشائريّة، والتي كانت عبارة عن ملكية جماعية للأراضي، كانت تملكها عشائر بأكملها، ووزِّعت وحُصرت ملكيّتها بأيدي شيوخ ورؤساء العشائر، وبالتالي ساهم القانون في قيام ملكيات واسعة لأشخاص من أصحاب النفوذ والثراء، وساهم بذلك في زيادة تركيز المُلكيّة.

اقرأ أيضاً: ما أبرز تحوّلات مُلكيّة الأرض في مصر قبل ثورة يوليو؟
وكان الهدف من "تسوية الأراضي"؛ تعزيز نفوذ شيوخ العشائر واكتساب ولائهم للأسرة الحاكمة، وكان النظام الملكي قد اعتمد على العشائريّة وشجّعها، باعتبارها وسيلة لإرساء وتعزيز الولاء له، استمرت لجان التسويّة بالعمل حتى عام 1955، وانتهت التسويّة إلى أن تحوّل أفراد العشائر إلى مستأجرين، أو عمال زراعيين، دون وجود أيّة حقوق لهم في ملكية الأرض.

عشيّة الثورة.. التفاوت يبلغ ذروته

بلغ التفاوت في توزيع الملكيّة ذروته مع نهاية الخمسينيات، ويشير الدكتور محمد سلمان حسن، في كتابه "التطور الاقتصادي في العراق" إلى أنّه "في عام 1957 كان حوالي (3418) من الملّاك الزراعيين، أو ما نسبته 2% من مجموع الملّاك الزراعيين، يملكون حوالي (15.8) مليون دونم، أو ما نسبته 68% من مجموع مساحات الأراضي الزراعية في البلاد، وكانت المُلكيّات الصغيرة التي تقلّ مساحتها عن مئة دونم، تؤلّف حوالي 86% من المُلكيّات الزراعيّة، ولكن مجموع مساحتها لا يزيد عن 10.5% من مجموع مساحة الأراضي الزراعيّة في العراق، وتؤلف الملكيّات التي مساحتها ما بين مئة وألف دونم حوالي 12% من المُلكيات، وتشغل مساحتها 12.5% من مجموع الأراضي الزراعية، أما المُلكيّات الكبيرة، التي تبدأ من ألف دونم فما فوق؛ فإنّ نسبتها من الملكيات الزراعية لا تتجاوز 2%، ولكنها تشغل مساحة كبيرة تبلغ حوالي 68% من مجموع الأراضي الزراعيّة.

اقرأ أيضاً: من التجارة إلى الإقطاع... كيف حصلت الانعطافة الكبرى في التاريخ الاقتصادي للمشرق؟
وكانت هذه الحالة من التفاوت الكبير تؤثر على مجمل الاقتصاد بالبلاد، وذلك باعتبار أنّ عدد سكان المناطق الريفية عام 1957 بلغ حوالي أربعة ملايين نسمة، بنسبة 60% من مجموع السكان، وكانت تقدَّر نسبة السكان العاملين بالزراعة والذين يعيشون عليها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بنحو 70% من مجموع السكان.

بلغ التفاوت في ملكية الأراضي ذروته مع نهاية العهد الملكيّ

الثورة.. في الاجتماع والاقتصاد كما في الحكم
يؤكّد المؤرخ العراقي، فاضل حسين، في كتابه "سقوط النظام الملكي في العراق"؛ أنّ أعضاء اللجنة العليا لتنظيم الضباط الأحرار، قائد الثورة على حكم الأسرة الحاكمة في 14 تموز (يوليو) 1958، كانوا عازمين على القضاء على الإقطاع قبل الثورة بزمن؛ وذلك باعتباره عماداً ومرتكزاً أساسياً للنظام الملكي.

هدف قانون تسوية الأراضي عام 1932 لتعزيز نفوذ شيوخ العشائر واكتساب ولائهم للأسرة الحاكمة

وهكذا عمد الضباط الثوّار إلى إحداث تبديل في مجمل النظام الاجتماعي والاقتصادي للبلاد؛ عبر هدم النظام الإقطاعي، وذلك باعتباره يعرقل النهوض الاقتصادي والاجتماعي وتقدّم البلاد إلى الأمام، وكان الثوّار متأثرين في ذلك بالإصلاح الزراعي الذي قامت به عام 1952 "ثورة يوليو" في مصر.
ومباشرة، بعد قيام الثورة، أُعلن نصّ الدستور المؤقت، ونصّت المادة الرابعة عشرة فيه على أنّ "الملكية الزراعية تحدد وتنظم بقانون"، وفي أيلول (سبتمبر) 1958، جاء الإعلان عن بدء تطبيق قانون الإصلاح الزراعي الأول، وذلك عبر بيان للرئيس عبد الكريم قاسم.
نصّ القانون على تحديد المُلكيّات بالحد الأعلى، على أن تستولي الحكومة على ما يزيد عن الحدّ، مقابل تقديم تعويض عادل، وليتمّ بعدها توزيع الأراضي المستولى عليها والأرض الأميريّة على الفلاحين.
ووفق القانون؛ فقد تم تحديد الملكية للفرد بألف دونم من الأراضي المروية، وألفي دونم من الأراضي البعليّة.

جاء الإعلان عن تطبيق قانون الإصلاح الزراعي عبر بيان للرئيس قاسم

وعام 1970، بعد عامين تقريباً من وصول حزب البعث، بقيادة أحمد حسن البكر، إلى الحكم، صدر قانون الإصلاح الزراعي الثاني في العراق، وفي هذا القانون جرى إدخال جملة من الاعتبارات؛ كخصوبة التربة، وطرق الريّ، ومعدّل سقوط الأمطار، ونوعية الزراعة، وتقرّر فيه تقليص الحدّ الأعلى للأراضي البعليّة مع وضع تحديد أكثر دقة بناءً على معدّل السقوط المطري؛ فالأراضي التي يسقط فيها فوق الـ 400 ملم، يكون الحدّ الأعلى فيها ألف دونم، وما دون ذلك يبقى الحدّ ألفي دونم، أما الأراضي المرويّة فجرى تخفيض الحدّ الأعلى فيها أيضاً، وكانت أكبر مساحة مسموحة هي في الأراضي غير وافرة الخصب، وذلك بحدّ ستّمئة دونم، في حين تدنّى الحدّ في الأراضي التي تسقى سيحاً وتزرع بالأرز إلى مئة دونم.

أقرّ قانون الإصلاح الزراعي الثاني في عهد البكر وحمل تعديلات راعت جملة من الاعتبارات

إضافة إلى استهداف إحداث تغييرات اجتماعية جذريّة تتمثل في القضاء على النظم العشائرية والقبلية، هدف تطبيق الإصلاح الزراعي اقتصادياً إلى إضعاف تعلق فئة كبار المالكين بالأرض الزراعية والملكية العقارية وتوجيه الجزء الأكبر من مدخّراتهم إلى القطاعات الإنتاجيّة، أما سياسياً؛ فهدف إلى تجريد الإقطاع من نفوذه الواسع والحدّ من سلطته السياسية، إضافة إلى تعبئة الفلاحين جماهيرياً، وتنظيم قواهم سياسياً ضمن جمعيات ونقابات.

للمشاركة:

أشلاء زوج في أكياس وردية: قصة القاتلة الأولى

2019-07-23

في ثمانينيات القرن الماضي، وقعت حادثة شنيعة في مصر، بعدما أقدمت سيدة على قتل زوجها وتقطيعه إرباً، لكن الذي أثار الجدل حول القضية، ليست الفعلة الشنعاء في ذاتها، بل لأنّ الزوجة وضعت أشلاء زوجها في أكياس شفافة تميل إلى اللون البمبي/ الوردي (بالإنجليزية: pink)، وفرّقتها في أماكن مختلفة، وهي تأمل في أن تستقر في نهاية الأمر في بطون الكلاب، التي ستدفن السر معها إلى الأبد.

اقرأ أيضاً: أفلام المافيا: أيقونات فنية تعيد قراءة الجريمة المنظمة فلسفياً

باتت هذه القصة المؤلمة مثاراً للسخرية المخلوطة بالمأساة؛ إذ إنّ كثيراً من الزوجات، كنّ يتعمدن إثارتها أمام أزواجهن، على سبيل الهزل المشوب بالتهديد المبطن، إذا أقدم الزوج على إغضابهن، بالزواج عليهن، أو في حالة أن تثبت لديهن خيانته، وكانت هذه السخرية تواجَه من جانب الأزواج بنكات مقابلة، من عينة "لماذا تريدين شراء أكياس بلاستيكية؟"
أشلاء للكلاب
تم الرجوع إلى المحضر الأصلي للقضية، للتعرف على تفاصيل الجريمة التي وقعت في مدينة السويس، شرق مصر، في ظهر يوم 22 شباط (فبراير) 1985، والذي أورده اللواء سراج الدين الروبي، في كتابه "زوجات قاتلات".
في ذلك اليوم، عقب صلاة الجمعة، تبلغ قسم الأربعين بالسويس، من المواطن (..) بمشاهدته لجمع من الأهالي يلتفون حول أجزاء لجثة آدمي بالمنطقة، وبالانتقال والمعاينة الميدانية تبيّن من المناظرة الميدانية لها أنّها عبارة عن ساق كاملة وقدم.

 كتاب "زوجات قاتلات" لسراج الدين الروبي

وأثناء العودة إلى ديوان قسم الشرطة، أبلغ مواطن آخر عن تجمع جماهيري بكفر سليم، بعد العثور على أجزاء آدمية، وبالانتقال تبين أنّها عبارة عن فخذين كاملين.
وبعد فترة زمنية قصيرة عثر على أحشاء آدمية ملقاة فوق كوم قمامة بمنطقة اليهودية، وهي منطقة قريبة من المنطقتين السابقتين.

قضت المحكمة بإعدام الزوجة لكن المدهش أنها لم تبدِ ندماً على تقطيع جثته لقد كانت ترى أنه يستحق ذلك

في اليوم نفسه، عثر على الكفين، والساعدين، والعضدين وأجزاء من الصدر، معبأة في سبعة أكياس من البلاستيك الشفاف من اللون البمبي، على حافة إحدى القنوات المائية، بمنطقة كفر سليم الحي، وتبيّن أنّ الأجزاء كلها عارية تماماً من أية ملابس، وهي لذكر أسمر البشرة ممتلئ الجسم.
وفي اليوم التالي نما إلى علم الشرطة وجود تجمّع لبعض الأهالي على شاطئ ترعة المغربي أمام مدرسة سامي البارودي بكفر أبو العز، أول موقع عثر فيه على أشلاء الجثة، حيث عثروا على رأس لجثة آدمي ذكر، وبالانتقال تبين أنّها لذكر أسمر البشرة أكرت الشعر، وملامح الوجه مشوهة، حيث قطع النسيج اللحمي منها في منطقة الوجنتين والجبهة والأذنين وجزء من الأنف والشفتين.
وفاة بسبب مجهول
كانت نتيجة التشريح النهائية، هي أنّ الأجزاء الآدمية المعثور عليها هي لشخص واحد، إذ تستكمل هذه الأجزاء البنيان الجسدي لشخص ذكر، وإن انتقصت الأجزاء السابق الإشارة إليها، لم يستطع الطبيب الشرعي تحديد سبب الوفاة لفقدان الأجزاء السالفة، مع عدم وجود جروح نافذة أو وخزية أو طعنية بمختلف أجزاء الجثة والقلب، والرئتان سليمتان، ولا توجد سوى جروج طويلة بالرئتين غير حيوية، وتلك الجروج نتيجة قيام الجاني بتخليص الرئتين من داخل القفص الصدري، أما زمن الوفاة فيتراوح ما بين أربعة أو سبعة أيام قبل تاريخ التشريح، واستخدم الجاني في تقطيع الجثة جسماً ذا حافة حادة كسكين أو ما شابهها، أما المجني عليه فيتراوح عمره ما بين الأربعين عاماً والخمسة والأربعين، أسمر اللون يميل إلى السواد، ممتلئ البنية، طوله يبلغ 169 سم.

كانت نتيجة التشريح النهائية هي أنّ الأجزاء الآدمية المعثور عليها هي لشخص واحد (تعبيرية)
أسفر تنفيذ الخطة في الشق الخاص بالغائبين في مناطق العثور عن تغيب المواطن (..) عن مسكنه بالعقار رقم (..) بمساكن كفر سليم، قسم شرطة الأربعين بالسويس، وأنه قد تغيب يوم 18 /2/ 1985، ولم يتم الإبلاغ عن غيابه من أسرته، وإنما هي معلومات للمباحث تتردد على ألسنة السكان بالمنطقة.

اقرأ أيضاً: ألمانيا تلاحق داعشية..هذه الجريمة الفظيعة التي ارتكبتها
باستخراج صحيفة الحالة الجنائية الخاصة بالشخص الغائب من ملف خدمته بالشركة التي تبين أنه يعمل بها، وهي شركة السماد بدائرة قسم شرطة عتاقة، وبمضاهاة بصمات أصابع الكفين بأشلاء الجثة انطبقت البصمات، مما يؤكد أنّ الأشلاء خاصة بجثة هذا الغائب.
تبين أنّ المذكور متزوج من السيدة.. وتبلغ من العمر 34 عاماً، ربة منزل، وهي ابنة خالته وأنجبا خمسة أبناء أكبرهم المدعوة البالغة من العمر أربعة عشر عاماً، وأنّ الأخيرة وأشقاءها، محمد ومحمود لم يذهبوا للمدرسة بالسويس منذ يوم 20-2- 1985
ميت متهم بالحرق
اتضح أنّ والدهم المتوفى مطلوب ضبطه وإحضاره لقيامه بإِشعال النار بشقة الزوجية، مما دعا الزوجة إلى ترك الشقة، والإقامة قرب أقاربها بنزلة السمان بالهرم بالجيزة، جنوب القاهرة.
قامت الزوجة بإيهام أهل الزوج بأنه قام بإحراق الشقة يوم البلاغ 24/2/ 1985 وأنها مُحافظةً منها على العلاقة الزوجية لن تتهمه حتى لا تقبض النيابة عليه.

اقرأ أيضاً: المغرب: تفاصيل جديدة حول جريمة السائحتين.. ما هي؟
تبين أنّ واقعة الحريق محرر عنها في المحضر رقم 678 جنح قسم الأربعين لسنة 1985 تسرب غاز من الأنبوبة في شقة المجني عليها.
باستكمال التحريات حول الزوجة تبين أنه يتردد همساً بين سكان العقار الذي تقيم فيه عن تردد شخص عليها حال غياب زوجها بالمصنع، وأنها تدعي قرابتهما.

قامت الزوجة بإيهام أهل الزوج بأنه قام بإحراق الشقة (تعبيرية)
التحريات تشير إلى المدعو الذي كان قد اعتاد التردد على شقة القتيل في غيابه، والذي كان قد سبق له الإقامة مع أسرة القتيل في فترة التهجير، وتؤكد المعلومات استمراره في موقع العمل بطلخا، شرق دلتا مصر، في الفترة المتوقع حدوث عملية قتل المجني عليه فيها.
الفاعل في الميزان
أصبح ميزان الاشتباه بقتل القتيل يتأرجح ما بين المدعو بصفته على علاقة غير طبيعية بزوجة القتيل، فقد يكون الزوج قد فاجأه حال اختلائه بزوجته فحدثت مشاجرة وقام بمساعدة الزوجة بقتله.
ويمكن أن تكون الزوجة بصفتها عشيقة للمذكور، ويرجح توافر الرغبة في التخلص من زوجها للانفراد بالعشيق، أو للرغبة في التخلص منه لشعورها بأنّ زوجها قد شعر بخيانتها، واحتمال الانتقام منها يتوافر لديه.
أما الزوجة فيتوافر الدافع لديها على القتل للتخلص من الزوج الذي أصبحت أذناه تستمع إلى ما يتردد همساً بين الجيران.

اقرأ أيضاً: أحياء المسلمين في إسبانيا.. غياب الحياة الكريمة وحضور التطرف والجريمة
طريقة القتل تنم عن تمكن القاتل من القتيل بطريقة ما جعلته فريسة سهلة للقاتل، ولذلك لم تظهر أي آثار في الجثة بخلاف الكدم الرضي في مقدمة الجبهة.
الأداة التي استخدمها القاتل، وهي سكين حاد تعد من الآلات المتوافرة في المنزل لدى الزوجة.
أسلوب تقطيع الجثة بهذه الطريقة للتخلص منها، ووضعها في أكياس بلاستيك يشير إلى عملية الهدوء التي تمت بها، والأمان الذي ظل فيه القاتل أثناء عملية التقطيع.
طول الوقت الذي استغرقه القاتل يشير إلى وجوده في مكان مسكون بعيداً عن اقتحام الغرباء عليه.
مكان الإلقاء بالنسبة للأجزاء الثقيلة الوزن لا يتجاوز بعده عن منزل القتيل ستين متراً، مما يشير إلى أنّ القاتل حاول التخلص سريعاً من الأجزاء الثقيلة، بينما نقلت الأجزاء الخفيفة الوزن إلى مكان أبعد مما يشير إلى عدم توافر وسيلة للنقل، وهي متوافرة في حالة الزوجة.
ابنة خائفة
نوقشت الابنة الكبرى، وقبل أن يتم الشروع في إدخالها إلى غرفة الاستجواب، لوحظ أنّ الأم تصمم على ضرورة حضور المناقشة مع ابنتها، لظروف ابنتها النفسية بعد وفاة والدها وحبها وتعلقها به.
هدأت الابنة، ولكن وجد أنّ تعلق نظراتها لوالدتها ليس نوعاً من التمسك بها بقدر ما هو رغبة في الانفراد بعيداً عن الوالدة.
لم تبد جديداً يفيد التحقيق من حيث كلماتها، إلا أنّ ما وراء الكلمات والمعاني في عينيْ الابنة تقول جملاً وفقرات ومعاني تجاوز الألفاظ التي تنطق بها، فالكلمات شيء وتعبيراتها في عينيها وجهها وانفعالاتها شيء آخر.
تولد إحساس داخلي لدى فريق البحث، بأنّ هناك أموراً تائهة في عقل هذه المراهقة الصغيرة ابنة الـ14 عاماً تريد أن تفضي بها إلى إنسان مؤتمن، ولكن تجمع أعضاء الفريق معها يحول دون ذلك، فتم الاتفاق على أن تكون المناقشة ثنائية بين رئيس فريق البحث والابنة.

اقرأ أيضاً: في المجر... التشّرد جريمة يعاقب عليها القانون!
بمجرد خروج فريق البحث من غرفة الاستجواب، وبقاء الابنة بمفردها مع رئيس الفريق، تشعر بأنّ ثمة أمراً جسيماً على صدر الفتاة، وقد أزيح من خلال تصرف انفعالي واحد منها، وهو عمق التنهيدة من القلب وبنفس عميق منها.
وقبل أن تمضي خمس دقائق على ذلك، وبدون أي حديث آخر كانت هذه الكلمات تنساب من فم الفتاة، أمي قتلت أبي وقطعته بالسكين أمام عيني.
قامت الأم بسحب الجثة بملابسها ودفعتها تحت السرير (تعبيرية)

كشف المستور
ترك العنان لها لكي تسترسل في حديثها ذي الشجون، وبانفعال شديد سردت باقي التفصيلات:
يوم الحادث كلفتها والدتها بالتوجه إلى الصيدلة المجاورة للمسكن لشراء شريط أقراص مهدئة لشعورها بإرهاق شديد، وبعد أن أحضرته لها، كلفتها بعمل كوب من شاي لوالدها، وقامت الأم بإذابة الأقراص العشرة في الكوب، وأعطته لزوجها العائد من عمله الساعة 10 مساءً، وتوجهت الأم والأب إلى غرفة النوم حيث اختليا ببعضهما فترة من الوقت، وخرجت الزوجة بعد حوالي ربع ساعة، وقامت بفتح "شفنيرة" في الصالة، وأخرجت قطعة من القماش.
وأثناء ذلك، تتابع الفتاة، خرج أبي من الغرفة إلى الصالة، وهو مرهق، ويكاد يقع على الأرض، وقامت أمي بخنق والدي من الخلف، وشاهدت الابنة والدها يسقط على الأريكة ويتبول على نفسه، وأخبرتها والدتها أنّ أباها قد توفي الآن، وطلبت منها مساعدتها في وضعه تحت السرير، إلا أنّ الابنة انهارت فقامت الأم بجذب الجثة ووضعتها تحت السرير حتى اليوم التالي، وتوجهها للنوم أعلى السرير.

اقرأ أيضاً: كيف حلّ الأمن المصري لغز جريمة أطفال الجيزة؟
في اليوم التالي قامت الأم بتقطيع جثة زوجها وتعبئتها في أكياس، وقامت بوصف كيفية تقطيعه، وأقرت الفتاة بأنها استعطفت والدتها حتى لا تكسر الجمجمة حيث إنها كانت تنوي ذلك فوافقتها بعد إلحاح في الرجاء.
وأثناء ذلك طرقت الباب عمتها وزوجة عمها، فاستقبلتهما الأم على التوالي، ولم تشعرا بشيء حتى صلاة الفجر وانصرفا بعد ذلك، وأضافت الابنة أنه بعد ذلك استكملت الأم تقطيع الجثة إلى أجزاء وتشويه الوجه ففوجئتنا بطارق يطرق الباب فقامت الأم بإخفاء الجثة أسفل السرير، وتبيّن أنّ الطارق هو صديق والدتهما. وبعد أن دعته والدتها إلى الدخول اصطحبته إلى غرفة النوم وأشارت إليه بالبحث عما هو تحت السرير، فرفع غطاء السرير ليفاجأ بالمشهد، فما كان منه إلا أن بحث عن باب الشقة وأصيب بالدوار ولم يعد يعرف أين الباب الذي دخل منه، وظل يردد أثناء ذلك "مجنونة" إلى أن وصل إلى باب الشقة الذي يبحث عنه فخرج مسرعاً إلى الطريق العام، وأضافت الابنة أنها خشيت من إبلاغه الشرطة إلا أن أمها طمأنتها باستحالة ذلك.
استباق بالقتل
كانت الزوجة قد بدأت تشعر بأنّ زوجها متأكد من خيانتها له مع صديقه العامل، وقد بدأت قسوته في التعامل معها دائماً، وأنه قبل الحادث بعدة أيام حدثت مشاجرة بينهما بسبب اتهامه لها بسماحها بمبيت عشيقها بغرفة النوم حال مبيته بالمصنع، ويوم 20-2-1985 حضر الزوج وتعدى عليها بالضرب، وكذلك على أنجالها، فقامت بوضع عشرة أقراص مهدئة له في كوب شاي، وبعد أن تناوله توجه لغرفة نومه وقام بمعاشرتها، وعقب ذلك خرج من الغرفة، وحدثت بينهما مشادة كلامية لاعتقاده أنها خرجت من الغرفة للجلوس في الصالة انتظاراً لمجيء رجل آخر، وأثناء ذلك قالت الزوجة لزوجها سأقتلك، وأحضرت "إيشارباً" من دولاب الملابس، وخرجت إليه حيث كان قد جلس على أريكة في الصالة، وأثناء ذلك كانت ابنته مرفت تقف في نفس الصالة، ولاحظت أنّ قوى أبيها وهنت، واستطاعت الزوجة أن تلف الإيشارب حول رقبة زوجها، وأن تقف خلفه بطريقة تجعله في متناول يدها دون أن يقوى حتى على الوقوف على قدميه نظراً لسريان مفعول الأقراص المنومة، وأخذت في شد الإيشارب بعد أن أحكمته حول رقبته واستمرت على هذا الوضع حوالي عشر دقائق، مرت على ابنتها وكأنها الدهر كله، رأت وجه أبيها وقد تحول إلى كتلة من الدماء التي تكاد تنفجر من العينين.

لم تقرر الزوجة ما الذي تفعله بجثة زوجها أسفل السرير خشيت من بقائها حتى لا تتعفن وتنطلق الرائحة الكريهة

وما إن تركت الأم الإيشارب حتى وجدت الفتاة أباها قد تبول على نفسه، وأمها تقول (قتلته ابن ال..) وشعرت أنّ أمها في هذه اللحظة ذئب سينقض عليها، حتى إنها خشيت مجرد النظر إلى عيني أمها، فالشرر يتطاير منها وبريق عينيها كما لو كان ناراً حامية، وتنطلق منها كلمات مكتومة بعد إيقاظ أحد من أشقائها، ودفعتها إلى أن تسحب جثة أبيها.
إلا أنّ الابنة لم تستطع الثورة على الأم ولا تستطيع أن تقترب من أبيها، الذي تحول إلى جثة هامدة فتسمرت مكانها، فسقطت من الإعياء، فقامت الأم بسحب الجثة بملابسها ودفعتها تحت السرير، وجذبت ابنتها من الصالة وأطفأت اللمبة المضيئة، ونامت على السرير غير عابئة بما تخفيه أسفلها من جثة لزوجها والد أطفالها وابن خالتها ورفيق رحلة كفاح خمسة عشر عاماً في معركة الحياة.
أعصاب باردة
استيقظت الأم صباحاً وكانت ابنتها إلى جوارها لم تنم طوال الليل، فأعدت أبناءها للمدارس وخرج ابناها محمود وبقيت الطفلة الصغيرة وابنتها الكبيرة في المنزل.
لم تقرر الزوجة ما الذي تفعله بجثة زوجها أسفل السرير، خشيت من بقائها فترة أكثر من اليوم حتى لا تتعفن وتنطلق الرائحة الكريهة، واستقر تفكيرها على تمزيق الجثة إلى أجزاء وإلقائها بالطريق العام، وهي تعلم بوجود كلاب كثيرة بالمنطقة كفيلة بالتهام أجزاء الجثة لو ألقتها إليهم ليلاً يأكلون فيها حتى الصباح ولن يبقَ منها شيء يشير إلى شخصية صاحبها وتتخلص من ثمرة الجريمة.
قضت المحكمة الجنائية بإعدام الزوجة، لكن المدهش أنها لم تبدِ ندماً على قتله وتقطيع جثته، لقد كانت ترى أنه يستحق ذلك.

للمشاركة:

أطماع تركية في شرق المتوسط تهدّد الأمن القومي المصري

كريم شفيق's picture
صحافي وكاتب مصري
2019-07-23

منذ إعلان تركيا نيّتها التنقيب عن الغاز، في شرق المتوسط، تتواصل حلقة جديدة في الصراع الإقليمي المحتدم، حول البحث عن الثروات الطبيعية، والسعى إلى السيطرة عليها؛ إذ تشتد المواجهات والصراعات، في ظل التنافس الجاري بين دول المنطقة، على عدة ملفات سياسية وعسكرية واقتصادية، وتفتش من خلالها عن موطئ قدم، وأوراق ضغط، ومساحة نفوذ، خاص، وأنّ احتياطي الغاز الطبيعي، في تلك المنطقة التي جرى اكتشافها، يتراوح بين 102 و170 مليار متر مكعب، وهي المنطقة التي ترى قبرص أنّها "منطقتها الاقتصادية الحصرية".
قبل عامين صرح أردوغان برفضه تطبيع العلاقات مع مصر إلا بشروط

الفصل الأول من الأزمة
تبدأ قصة اكتشاف الغاز في شرق المتوسط، في العام 2011، عبر شركة "نوبل إينرجي"، ومقرها تكساس؛ حيث أعلن عن وجود الغاز في حقل "أفروديت"، يقدر احتواؤه، بشكل كامل، على 4.5 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي.

التحركات التركية تأتي في إطار السياسة الدفاعية الخارجية التي تدعم استمرارية تواجدها في المنطقة عبر السيطرة على المعابر الدولية

وفي العام 2015، أعلنت القاهرة عن اكتشاف حقل "ظهر" لإنتاج الغاز الطبيعي، باحتياطي يقدر بنحو 30 تريليون قدم مكعب، والذي يحتل مساحة تصل لنحو 100 كيلو متر مربع، فيما يعتبر الحقل الأضخم لإنتاج الغاز الطبيعي بالبحر المتوسط، والذي من المتوقع أن يشكل انفراجة في ملف الطاقة بمصر، كما سيلبي احتياجاتها من الغاز حتى عقود مقبلة.
بيْد أنّ ذلك الملف الاقتصادي المهم، يبعث بأزمات أعمق بين القاهرة وأنقرة، بدأت تتصاعد، على إثر سقوط حكم الإخوان في مصر، منذ العام 2013، والتي تتواتر، بصورة متواصلة، على صعيد العلاقات السياسية بين البلدين، منذ عمدت تركيا إلى تصعيد نبرة الهجوم السياسي والإعلامي، كما جاء في تصريح للرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، قبل عامين، عندما صرح برفضه تطبيع العلاقات مع مصر، إلا بشروط، من بينها، الإفراج عن محمد مرسي وأعوانه المسجونين، من جماعة الإخوان المسلمين، الموقوفين على ذمة قضايا تتعلق بالإرهاب والعنف.

صراع أنقرة والقاهرة في شرق المتوسط

وفي المقابل، جاء إعلان وزير خارجية أنقرة، مولود جاويش أوغلو، ليشير إلى عدم اعتراف بلاده باتفاقية ترسيم الحدود البحرية، بين مصر وقبرص، المبرمة في العام 2013، الأمر الذي دفع قبرص بالرد على أنقرة، ولوحت الأخيرة باستخدام القوة العسكرية.

اقرأ أيضاً: الغاز في شرق المتوسط يزعزع العلاقة القطرية التركية
أعلنت قبرص اكتشافها حقل "أفروديت"، في كانون الأول (ديسمبر) العام 2011، عن احتياطيات تقدر بنحو 4.5 تريليون قدم مكعب، قبل أن تعلن شركة إيني الإيطالية، في 8 شباط (فبراير) العام 2018، عن اكتشاف حقل كاليبسو 1، شمال الحدود البحرية بين مصر وقبرص، وبحسب التقديرات، فإنه قد يصل احتياطي الحقل لنحو 5.6 تريليون قدم مكعب.
القاهرة تعقب على استفزاز أنقرة
جاءت اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر وقبرص، في العام 2003، حيث تم تحديد 8 نقاط إحداثية، تحدد من خلالها مساحة المياه الاقتصادية لكل بلد، بينما تم توقيع الاتفاقية، في ديسمبر (كانون الأول) العام 2013، قبل أن يتم التصديق عليها في أيلول (سبتمبر) العام 2014، بين الرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي، والرئيس القبرصي، نیكوس أنستاسیادس.

واجهت القاهرة أطماع تركيا في الحصول على الموارد الطبيعية وإصرارها على التنقيب عنها فقامت بتدشين منتدى غاز شرق المتوسط

لكنّ إصرار تركيا على عملية التنقيب، يثير أزمات قانونية ودولية، لا تتعلق بمصر وحدها، إنما تنضم إليها عدة أطراف دولية وإقليمية، كالولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي. وقد وصفت واشنطن ما تقوم به أنقرة بأنه بمثابة "عمليات "استفزازية تثير التوترات في المنطقة". ومن جهته، أعلن الاتحاد الأوروبي، مؤخراً، عن فرض عقوبات على تركيا، تصل إلى تعليق أي اجتماعات رفيعة المستوى بين الجانبين.
وأكدت الخارجية المصرية، في بيان رسمي، مطلع الأسبوع الماضي، أنّ القاهرة تتابع باهتمام وقلق التطورات الجارية، بشأن ما أعلن عن نوايا تركيا، للبدء في أنشطة حفر في منطقة بحرية، تقع غربي جمهورية قبرص.
كما حذر بيان الخارجية المصرية من انعكاس أية إجراءات أحادية على الأمن والاستقرار، في منطقة شرق المتوسط، مؤكداً على "ضرورة التزام أي تصرفات لدول المنطقة بقواعد القانون الدولي وأحكامه".

اقرأ أيضاً: "يورونيوز": تركيا تعالج فقرها من الطاقة بـ"سرقة غاز قبرص"
في مطلع العام الحالي، واجهت القاهرة أطماع تركيا، في الحصول على الموارد الطبيعية، وإصرارها على التنقيب عنها، حيث قامت بتدشين "منتدى غاز شرق المتوسط"، مقره القاهرة، ويضم مجموعة دول بشرق المتوسط، بهدف تنسيق التعاون فيما بينهم، من جانب، وتشديد الحصار والضغط على تركيا، من جانب آخر.

التنافس الإقليمي والتلويح بالهجوم العسكري
يمكن الإشارة إلى أنّ أحد جوانب الأزمة، تتأتى من كون الحكومة القبرصية، لا تفرض سيادتها إلا على الشطر الجنوبي من الجزيرة، والذي تقدر مساحته بثلثي البلاد، بينما يخضع الشطر الشمالي للسيطرة التركية، منذ العام 1974، حين قامت أنقرة، بحملة عسكرية، لمواجهة وصد محاولة انقلاب، بغية ضم الجزيرة إلى اليونان. لذا، فإن جمهورية قبرص اليونانية، تحصل على شرعية واعتراف دوليين، بينما جمهورية "شمال قبرص التركية" لا تعترف بها غير أنقرة.
وتشير دراسة، أصدرها المركز العربي للبحوث والدراسات، في القاهرة، إلى أنّ حالة التنافس والصراع بين مصر وتركيا، يعود إلى جملة من العوامل، سواء على مستوى العلاقات الثنائية فيما بينهما، أو الظروف الإقليمية التي تثير بؤراً من التوترات المتجددة على الدوام، ومن بينها أنّ معظم دول شرق البحر المتوسط، لم تكن مؤهلة تجاه البيئة القانونية المناسبة، لاستثمار الثروات قبالة سواحلها، وذلك منذ بدء الاكتشافات، قبل نحو عقد من الزمان، ما اضطر دول المنطقة إلى الدخول في سباق مع الزمن.

اقرأ أيضاً: غاز قبرص يضع "الناتو" في مواجهة مع تركيا
ويلفت المركز العربي إلى أنّ الاتفاق على ترسيم الحدود، وتحديد الحقول مع الدول المجاورة معلق، لكن مع الاكتشافات الضخمة، أصبحت المسألة مهمة للغاية، وباتت موازين القوى أكثر أهمية في المعادلة، غير أنّه بالرغم من وجود العديد من الأسس القانونية، الحاكمة لقانون البحار واتفاقيات ترسيم الحدود بين الدول، لكنّ ذلك لم يمنع من وجود طموحات إقليمية، لبعض الدول التي تسعى وراء مكاسب سياسية واقتصادية.

الربيع العربي ورمال السياسة المتحركة
الدور التركي المعادي للعديد من دول المنطقة؛ مثل: اليونان وقبرص ومصر، بات يكشف عن خريطة التحالفات الإقليمية الجديدة، في شرق المتوسط، وصراع المراكز الإقليمية على هذه الثروات، خاصة على خلفية الادعاءات التركية، بأنّها ترى أنّ هذه الأعمال تنتهك الجرف القاري التركي، وأنّ هذه الاتفاقيات تتجاوز السيادة التركية.

اقرأ أيضاً: بعد 45 عاماً .. مؤرخ بريطاني ينبش ذكريات قبرص التي مزقها الأتراك
ويعتقد الدكتور هاني سليمان، الباحث المصري في الشأن العربي، أنّ تركيا تخلت عن السياسة الدفاعية، منذ اندلاع ثورات "الربيع العربي"، وذلك بعد سنوات من اعتماد نظرية "صفر مشاكل"، والتي يعد عرابها، أحمد داود أوغلو، رئيس الحكومة السابق، بينما انطلقت إلى السياسة الهجومية، باعتبارها محرك السياسة التركية الخارجية؛ إذ لم تعد تركيا تنتظر مشاكل المنطقة من حولها، وتشاهدها من دون تدخل. فعلى لسان أردوغان، في معرض تعليقه على التحديات الإقليمية التي تواجه تركيا بالخطر، داخلياً وخارجياً، قال إنه لن ينتظر المشاكل لتدق أبوابه، ولن يصبر على المخاطر والتهديدات، حتى تصل إليه، لكنه أعلن، وبوضوح، أنّه سيسير باتجاه المشاكل. ومن هنا، أقر البرلمان التركي، القيام بعدة عمليات عسكرية، خارج الحدود، في ليبيا وسوريا والعراق.

اقرأ أيضاً: إسلاموية أردوغان تزرع الانقسام بين أتراك قبرص
وفي نظر سليمان، حسبما صرح لـ "حفريات"، فإنّ تلك التحركات التركية، تأتي في إطار السياسة الدفاعية الخارجية التركية، التي تدعم استمرارية تواجدها في المنطقة، عبر السيطرة على المعابر الدولية، لحماية مصالحها التجارية، وتدشين تواجدها في المنطقة العربية وإفريقيا، بالإضافة إلى تفعيل الأداة العسكرية، وفتح أسواق جديدة للأسلحة التركية؛ حيث ارتفعت الصناعات العسكرية التركية، في العام 2015، لتصل إلى 4.3 مليار دولار، وصدرت منها ما يبلغ قيمته 1.3 مليار دولار.

للمشاركة:



قانون أسترالي جديد يتعلق بتنظيم داعش..

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-23

تتّجه الحكومة الأسترالية إلى اتّخاذ المزيد من الإجراءات القانونية، بما يتعلّق بمواطنيها الذين قاتلوا إلى جانب تنظيم داعش الإرهابي.

واقتربت الحكومة الأسترالية من إقرار قوانين جديدة تمنع عودة عناصر التنظيم المتطرف، ممّن يحملون جنسيتها إلى أراضيها، وفق ما أوردت وكالة "فرانس برس".

الحكومة الأسترالية تقترب من إقرار قوانين جديدة تمنع عودة عناصر تنظيم داعش الإرهابي

ويمنح التشريع الجديد المثير للجدل، والذي ناقشه البرلمان الأسترالي، اليوم، وزير الداخلية، بيتر داتون، صلاحية تفعيل "أوامر إقصاء" لمنع الإرهابيين المشتبه بهم من العودة إلى الديار.

ويستند القانون الجديد إلى تشريع مشابه مطبق في المملكة المتحدة، يقوم بموجبه قاضٍ باتخاذ قرار حول مسألة تطبيق أمر بالإقصاء.

وقال داتون أمام البرلمان، مطلع تموز (يوليو) الجاري: إنّ "القانون يستهدف 230 أسترالياً توجّهوا إلى سوريا والعراق للقتال في صفوف تنظيم داعش، وما يزال 80 منهم في مناطق تشهد نزاعاً مستمراً".

وبرزت مخاوف من أن يكون المقترح الأسترالي غير دستوري، ويمنح الوزير كثيراً من النفوذ، وطالب حزب العمال المعارض بإحالته إلى لجنة الاستخبارات والأمن البرلمانية لمزيد من الدراسة.

ويعدّ مشروع القانون أحد الإجراءات العديدة المثيرة للجدل التي يناقشها البرلمان في الأسبوع التشريعي الأول له منذ إعادة انتخاب الحكومة المحافظة، في أيار (مايو) الماضي.

وتتضمّن المقترحات الأخرى؛ إلغاء قانون "ميديفاك"، الذي يسمح بنقل طالبي اللجوء والمهاجرين الموقوفين في مخيمات في المحيط الهادئ إلى أستراليا للعلاج.

وأبدت المعارضة، حتى الآن، رفضها إلغاء القانون، وقال زعيم حزب العمال أنتوني البانيز: إنّه لا يعتقد أنّ الحكومة قدمت حججاً مقنعة.

وأضاف: "هناك قرابة الـ 90 شخصاً نُقلوا إلى أستراليا بموجب قانون ميديفاك، و900 نقلتهم الحكومة بنفسها قبل وجود القانون".

ودانت الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان سياسة كانبيرا المتشددة، إزاء قرابة 900 لاجئ ما يزالون على جزر ناورو وماناوس، التابعة لباباوا غينيا الجديدة.

غير أنّ أستراليا دافعت عن سياساتها الإنسانية في طبيعتها، قائلة: إنّ مئات الأشخاص قضوا غرقاً في البحر أثناء محاولتهم الوصول لأراضيها، وبأنها تسعى إلى ردع الناس عن القيام بمثل تلك الرحلات.

 

 

للمشاركة:

الانشقاقات تعصف بحزب العدالة والتنمية.. أسماء

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-23

كشفت مصادر صحفية الستار عن مجموعة من قيادات حزب العدالة والتنمية الإسلامي، المحتمَل انشقاقهم عن الحزب الحاكم في المرحلة المقبلة، لينتقلوا إلى حزب علي باباجان الجديد.

وأوضح علي بايرام أوغلو، الكاتب الصحفي بجريدة "قرار"، المقربة من رئيس الوزراء السابق، أحمد داود أوغلو؛ أنّ الأسماء المؤكد انشقاقها عن الحزب للانضمام إلى حزب وزير الاقتصاد السابق علي باباجان، ورئيس الجمهورية السابق عبد الله جول، من داخل حزب العدالة والتنمية هي: بشير أتالاي، وسعد الله أرجين، ونهاد أرجين، وهاشم كيليتش، وفق ما نقت صحيفة "زمان" التركية.

كاتب صحفي يكشف الستار عن مجموعة من قيادات حزب العدالة والتنمية المتوقَّع انشقاقهم عن الحزب

ويعدّ بشير أتالاي الاسم الألمع داخل حزب العدالة والتنمية، خاصة أنّه من الدائرة المقربة للغاية من رئيس الجمهورية ورئيس حزب العدالة والتنمية، رجب طيب أردوغان، وعمل نائباً له (2011-2014)، كما عمل قبلها وزيراً للداخلية (2007-2011).

أما سعد الله أرجون؛ فقد شغل منصب وزير العدل، في الفترة بين عامَي 2011 و2013، كما أنّ نهاد أرجين أيضاً كان وزيراً في حكومة أردوغان، في الفترة بين عامَي 2011 و2013، أما هاشم كيليتش؛ فقد كان رئيساً للمحكمة الدستورية في الفترة بين عامَي 2007-2015، والشخص الذي منع حلّ حزب العدالة والتنمية من قبل المحكمة الدستورية عام 2008.

يذكر أنّ وزير الاقتصاد السابق، علي باباجان، تقدّم باستقالته من حزب العدالة والتنمية بشكل رسمي، ونشر بياناً عبر مواقع التواصل الاجتماعي انتقد فيه سياسات حزب العدالة والتنمية وأردوغان في الفترة الأخيرة، بصيغة شديدة اللهجة، كما كشف نيّته تأسيس حزب سياسي جديد ينافس حزب العدالة والتنمية، مع مجموعة من أصدقائه، دون أن يكشف هويته، إلا أنّ كواليس حزب العدالة والتنمية تؤكّد أنّه يسير مع رئيس الجمهورية السابق، عبد الله غول، لتأسيس الحزب الجديد، ليكون غول رئيساً شرفياً للحزب.

على الجانب الآخر؛ شهدت الفترة الأخيرة تحركات مكوكية من رئيس الوزراء السابق، أحمد داود أوغلو، وسط ادعاءات بأنّه كذلك سيؤسس حزباً منشقّاً عن حزب العدالة والتنمية، والتي لم ينفها خلال اللقاء المباشر الذي شارك فيه قبل أيام، وإنما قال: "كنت أتمنى أن يكون تحرّكي أنا وباباجان معاً، لكنّ السيد علي قرر الابتعاد"، كما وجه انتقادات حادة لحزب العدالة والتنمية وأردوغان، محمّلاً إياه المسؤولية الكاملة عن السياسات والإجراءات التي تمت خلال رئاسته للوزراء، وأنه لم يكن بيده أيّة صلاحيات.

الأسماء المؤكّد انشقاقها عن الحزب، هي: بشير أتالاي، وسعد الله أرجين، ونهاد أرجين، وهاشم كيليتش

وكان داود أوغلو قد أثار ضجة كبيرة، عندما قال إنّه عرض على أردوغان ترسيخ وتدعيم النظام البرلماني بدلاً من البحث عن أنظمة أخرى، ثم كشف السبب الحقيقي الذي دفع أردوغان وحلفاءه إلى إقالته من رئاسة الوزراء، في أيار (مايو) 2016، قائلاً: "كان يجب إبعادي من رئاسة الوزراء من أجل تنفيذ سيناريوهات من قبيل انقلاب 15 تموز (يوليو) 2016، والدفع بالبلاد إلى انتخابات متتالية، وتحقيق نقل تركيا من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي المغلوط".

 

 

 

 

للمشاركة:

الإمارات تخفّف آلام اليمنيين..

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-23

أطلقت هيئة الهلال الأحمر الإماراتي، عيادات طبية متخصصة في العاصمة اليمنية المؤقتة، عدن، بغية علاج المصابين بأمراض مستعصية، والجرحى الذين سقطوا بنيران ميليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران.

وافتتح الهلال الأحمر، ضمن المساعدات الإنسانية الإماراتية للقطاع الصحي اليمني، عيادتَين متخصّصتَين في المستشفى الجمهوري التعليمي، فرع عدن، لاستقبال وعلاج جرحى حرب الحوثي من المدنيين والعسكريين.

الهلال الأحمر الإماراتي يطلق عيادات طبية متخصصة في عدن بغية علاج الجرحى والمرضى

وتعالج العيادات الطبية في عدن الجرحى المصابين بالمخّ والأعصاب والعظام والمسالك البولية، فضلاً عن تقديم جراحة عامة، والتعامل مع الحالات الطارئة، بحسب الدائرة الصحية بألوية الدعم والإسناد في الجيش اليمني.

وكانت دولة الإمارات قد قدّمت، الشهر الماضي، بواسطة ذراعها الإنساني الهلال الأحمر حزمة مساعدات للشعب اليمني، تمثلت في مشروعات طبية وإغاثية وخدمية.

وأصدرت وزارة الخارجية والتعاون الدولي الاماراتية تقريراً بالأرقام عن إجمالي المساعدات التي قدمتها دولة الإمارات للشعب اليمني، منذ نيسان (أبريل) 2015 حتى حزيران (يونيو) 2019، حيث بلغ إجمالي المساعدات 20.57 مليار درهم إماراتي (5.59 مليارات دولار أمريكي)، ثلثا المساعدات خصصت للمشاريع التنموية، واستفاد من إجمالي الدعم الإماراتي 17,2 مليون يمني يتوزعون على 12 محافظة.

 

للمشاركة:



"الإخوان" المصريون وثورة 23 تموز

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-23

إبراهيم الصياد

على رغم مرور 67 عاماً على ثورة 23 تموز (يوليو) في مصر، إلا أن الجدل في شأنها لم ينقطع بين نُخب المثقفين أو حتى بين المواطنين العرب العاديين الذين ما زالت صورة جمال عبدالناصر تتصدر باحات منازلهم. يتمحور الجدل حول علاقة عبدالناصر بجماعة "الإخوان المسلمين"، ومن الثابت تاريخياً ومن خلال شهادات محايدة مصرية وغير مصرية أن الرجل كان متديناً لكن ليس معنى هذا أنه كان متصالحاً مع هذه الجماعة، لسببين. الأول أن "الإخوان" ليسوا أوصياء على الدين أو التدين على رغم أن مظهرهم يوحي بعكس جوهرهم، إذ أثبت تاريخهم أنهم يعدون نموذجاً لمن يستغل الدين ويجعله سُلَّماً لكي يحقق مآرب سياسية ومنها طبعاً الوصول إلى السلطة. وهذا ما عرفناه بعد قيام الثورة في مصر عام 1952 حين ساوَمَ "الإخوان" قادة حركة الجيش للحصول على مكاسب سياسية مقابل تأييدهم للحركة. بعبارة أخرى إنهم لا يتحركون من منطلقات وطنية ولكن طوال تاريخهم منذ مؤسس جماعتهم حسن البنا تحكمهم أهداف نفعية.

السبب الآخر أن علاقة عبدالناصر بالـ "إخوان" مرَّت بمراحل تقارب في محاولة لفهم توجهاتهم وشهدت محاولة تباعد عندما اكتشف حقيقتهم وسوء مقصدهم. بدأت العلاقة مقبل قيام الثورة عندما حاول تنظيم "الضباط الأحرار" أن يستفيد من بعض عناصر "الإخوان" في ذلك الوقت لصالح الاتجاه نحو التغيير المرتقب. وبالتالي لم يكن عبدالناصر في يوم من الأيام كادراً تنظيمياً في الجماعة كما يحاول خصومه داخلها الترويج لتشويه الرجل. ويمكن القول إن نزوعه البراغماتي هو الذي جعله يقرأ عن هذه الجماعة ويدرس توجهاتها. اصطدم ناصر بأفكار الجماعة التي وصفها في أحد خطاباته بأنها "مستغلة" وأرادت أن تجعل من نفسها "وصية" على ثورة 1952. ويقول خالد محيي الدين عضو مجلس قيادة الثورة في كتابه "والآن أتكلم" أن عبدالناصر كان يساير تنظيم "الإخوان" فقط ولا يسير وفق هوى سمعه وطاعته المطلقة.

وتشير الوقائع بوضوح إلى أن عبدالناصر كان مع "الإخوان" ترتيباً وليس تنظيماً، بمعنى أنه تنقَّل منذ حداثته بين تنظيمات متعددة الاتجاهات، ولم يكن منتمياً فكرياً إلى أحدها. لم يكن له أي علاقة فكرية بجماعة "الإخوان" حتى قامت حرب 1948 وبعدها قرر عبدالناصر إنشاء تنظيم "الضباط الأحرار". وتؤكد الدراسات التاريخية لهذه الفترة أن عبدالناصر قطع صلته بـ "الإخوان" وما يسمى "النظام الخاص" التابع لها سراً، وعارضَ توجهاتهم السياسية، ووصفهم بالاستغلال. والثابت أن الجماعة كانت على اتصال ما بعدد غير قليل من أعضاء "الضباط الأحرار"، لكنها لم تكن سنداً لثورتهم، فالقصة برمتها تلخَّصت فى رغبة التنظيم فى الاستحواذ على أكبر قدر ممكن من المكاسب الخاصة، عبر مساندة مستترة لهم؛ إذا نجحوا تمت الاستفادة منهم وإذا فشلوا لا يخسرون شيئاً.

وبعد نجاح حركة الجيش وتحولها إلى ثورة شعبية ذات أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية، اكتشف مجلس قيادة الثورة أن الجماعة تريد أن تركب الحكم من خلالهم، فكان الصدام العنيف بين الطرفين بعد أن رفض مرشد "الإخوان" آنذاك حسن الهضيبي إصدار بيان تأييد صريح للثورة، على رغم أن ذلك كان مطلب "الضباط الأحرار". هكذا، بدأت تزداد تدخلات "الإخوان" في شؤون الحكم، في محاولة للسيطرة على دفة السلطة في البلاد. وتركَّز أهم الخلافات بين التنظيم والثورة، في إجراء محادثات مباشرة مع الإنكليز بشأن الجلاء، وتجنيد "الإخوان" لأفراد في الجيش والبوليس، ورفض طلب عبد الناصر حل التنظيم السري، ورفضه مطالبات الهضيبي بإصدار قانون لفرض الحجاب والتصديق على قرار مجلس قيادة الثورة قبل إصدارها، إضافة إلى تراجع الجماعة عن تعيين وزراء من جانبها في الحكومة، فضلاً عن دورها في أزمة آذار (مارس) 1954 التي دارت رحاها بين أعضاء مجلس قيادة الثورة.

لعب تنظيم "الإخوان" على الحِبال كافة، فنجده يتفاوض مع جمال عبد الناصر، ويساند اللواء محمد نجيب ثم يشعل التظاهرات فى الشارع، ثم يتصدَّر مشهد الداعين إلى التهدئة. وهو في هذا كله، كان لا يبحث سوى عن مكاسب خاصة ولم تكن تعنيه مصر أو الثورة من قريب أو بعيد.

وأصبح الصراع علنياً بين عبد الناصر و"الإخوان" في 14 كانون الثاني (يناير) 1954 عندما صدر قرار بحل الجماعة، إذ تبعت ذلك حملة اعتقالات واسعة في صفوف التنظيم، طالَت المرشد ذاته، حسن الهضيبي، حتى جاء حادث المنشية في 26 تشرين الأول (أكتوبر) من العام ذاته، حين أطلق أحد التابعين لجماعة "الإخوان" النار على جمال عبد الناصر غير أن رصاصاته طاشَت ولم تصبه وتمت محاكمة الجاني وأُعدِم مع عدد من أعضاء الجماعة. وأنهى هذا الحادث المستقبل السياسي لجماعة "الإخوان المسلمون" بعد ثورة العام 1952 ولم تقم لهم بعدها قائمة حتى تحالَفَ معهم الرئيس المصري الراحل أنور السادات، وتلك قصة أخرى.

عن "الحياة" اللندنية

للمشاركة:

لماذا نفكر بدلاً من إيران؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-23

فاروق يوسف

العالم كل العالم وبضمنه العالم العربي حريص على أن لا تنشب حرب جديدة في المنطقة، بسبب سياسات إيران وطريقة تعاملها مع أزمتها.

لا يتعلق ذلك الحرص بالخوف من إيران بل عليها. فليس هناك مزاح في حسابات الربح والخسارة في مسألة من ذلك النوع.

إيران بعكس مناصريها لا تمني نفسها بالانتصار في تلك الحرب. كيف تنتصر والعالم كله ضدها؟ ذلك سؤال يقع في هامش غير مرئي.

لا يريد المجتمع الدولي تكرار جريمة حرب العراق عام 2003 التي أدت إلى غزوه واحتلاله وتدميره وإعاقة قيام دولة مدنية فيه حتى الآن.

كما أن الطرف الخاسر في الحرب يراهن على استعمال قدراته الحربية التدميرية قبل أن يتحقق من هزيمته. فهو لن يستسلم بيسر.

الحرب التي ستقع في منطقة استراتيجية بالنسبة للطاقة سيكون لها أثر سلبي على الاقتصاد العالمي وهو ما يمكن أن يلحق الضرر باقتصاديات بلدان صغيرة، لا علاقة مباشرة لها بالحرب.

في كل الأحوال فإن الحرب ستكون ضارة للجميع. غير أن ضررها الأكبر سيقع على إيران، على شعبها بالأخص.  

إيران هي الطرف الذي ستدمره الحرب. ميزان القوى يؤكد ذلك. وإذا ما كان مناصرو إيران يعتقدون أن هناك قوى خفية ستعين إيران في حربها وستبعد عنها الدمار فإن النظام الإيراني يعرف جيدا أن لا وجود لتلك القوى.

لذلك فإن على إيران تقع مسؤولية التفكير في البحث عن حلول للخروج من الأزمة التي هي فيها من غير الوصول إلى حافة الحرب.

اللعب الإيراني على الوقت لا معنى له أبداً.

فما من أمل في أن تتراجع الولايات المتحدة عن العقوبات الاقتصادية التي فرضتها عليها. كما أن أحدا في العالم لا يملك القدرة على مد طوق النجاة لها في ظل الإصرار الأميركي على أن المفاوضات المباشرة هي البديل عن الحرب. وهو حل مثالي بالنسبة للجميع.

وإذا ما كانت إيران لا ترى في المفاوضات حلا عادلا لأزمتها فإنها كمَن يهدد العالم بالحرب التي لا يرغب في وقوعها أحد.

ما يحدث على الجانب الإيراني يمكن اعتباره نوعا من المراوغة السياسية التي لا علاقة لها بما يفكر فيه خصوم النظام الإيراني الذين يشعرون أن تلك المراوغة لا تمت بصلة إلى أصل الصراع.

في حقيقة ما يفعله فإن النظام الإيراني لا يرغب في أن يتراجع عن سياساته التي أدت إلى نشوب الأزمة مع المجتمع الدولي. ما يفكر فيه ينحصر بين تفجيره لمشكلات جانبية ورغبته في أن يرى الآخرين وهم يبحثون عن حل لتلك المشكلات.

اما أزمته الجوهرية فإنه لا يفكر في مواجهة أسئلتها.

هل ومتى ستقع تلك الحرب؟ كيف يمكن تفادي وقوعها؟ ما المطلوب لكي لا تقع؟ ما حجم الأرباح والخسائر فيما إذا وقعت تلك الحرب؟ ما الذي نخسره من أجل أن لا تقع قياسا لما نربحه؟

تلك أسئلة ينبغي أن يجيب عليها الإيرانيون وهم الملومون إذا تأخروا في البحث عن إجابات لها. فالوقت ينفد. كما أن سلوك النظام الإيراني الطائش في الخليج قد لا يؤدي إلى تأخير اندلاع شرارة الحرب بل بالعكس قد يؤدي ذلك السلوك إلى إفساد الرغبة العالمية في تحاشي وقوع الحرب.  

ليس من الصائب أن يفكر الآخرون في حل سلمي لأزمة إيران فيما يصر النظام الإيراني على اللعب بالنار.

الصحيح أن يُترك الإيرانيون عزلتهم ليتصرفوا وفق ما تمليه عليهم تقديراتهم. فإن شاءوا الخروج بسلام من الأزمة فما عليهم سوى الدخول من باب المفاوضات المفتوحة أمامهم. أما إذا أصروا على الاستمرار في العابهم الشيطانية من خلال التهديد بضرب الأمن في الخليج فإن ذلك يعني أنهم يضعون العالم أمام احتمال الحرب الكريه الذي لابد منه.

الخوف على إيران له حدود. وهي حدود تنتهي حين يكون الأمن العالمي في خطر.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

هل يتهاوى "حزب الله"؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-23

أمل عبد العزيز الهزاني

من الطبيعي أن كل حصار على إيران، وكل تضييق عليها، وتهديد أموالها وتجارتها، يؤثر بشكل مباشر على جماعاتها المسلحة بأسمائها المختلفة ومواقعها الجغرافية؛ «حزب الله»، جماعة الحوثي، فصائلها في العراق... إلخ.
التل اختل، ولم تعد الموارد المالية تقدم ما يكفي من معاشات لعناصرها الميليشياوية لتفتح بيوتها وتطعم أطفالها. لكن «حزب الله» اللبناني تحديدا، أقوى الأذرع الإيرانية وأكثرها خبرة وتسليحاً وانتشاراً، لم يكن يعتمد على ما تقدمه إيران من أموال، واستخدم مرجعيته إليها في رسم استراتيجية عملياتية تعمل في الخارج في دول ذات علاقة جيدة بالنظام الحاكم في إيران مثل فنزويلا، أو دول رخوة أمنياً تنتشر فيها التجارة المحرمة من عصابات لها شبكات نقل وتوزيع مثل كولومبيا والبيرو والأرجنتين.
الأنظمة الحاكمة المتقاربة تمهد لبعضها كما كان نظام هوغو تشافيز الذي منح «حزب الله» جزيرة لإقامته، وإدارة عملياته المالية في أميركا اللاتينية؛ وغسل عوائدها لتبدو نظيفة على هيئة عملات محلية. إضافة إلى الرئيس مادورو الذي تربطه علاقة قوية بإيران ومنح الحزب مناجم للتنقيب عن الذهب. باختصار، «حزب الله» يدير شركته الكبرى ومصادر تمويله من القارة الأميركية الجنوبية وليس من أي مكان آخر.
إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعمل في الجهة الأخرى المقابلة لنا من العالم، بإداراتها المتخصصة في أميركا اللاتينية، من أجل تحجيم النفوذ الإيراني من خلال ملاحقة عناصر «حزب الله». تعتقد واشنطن، وهذا صحيح، أن حصار إيران يجب أن يكون متكاملاً، لأن الأطراف التي تعمل لصالح النظام الحاكم في طهران كانت ولا تزال أهم أدوات قوته وتأثيره، بل إنها أساس التهديد الموجه للدول العربية والعالم. الإدارة الأميركية بدأت في ملاحقة عناصر ما يسمى «وحدة النخبة» في «حزب الله»، وهي الجهة المسؤولة عن عمليات الحزب خارج لبنان، وكشفت عن أسماء قيادات عليا كانت تنشط منذ عقود من المكسيك في أميركا الوسطى وحتى الأرجنتين جنوباً، مثل سلمان رؤوف سلمان الذي عرضت الولايات المتحدة مكافأة بلغت 7 ملايين دولار لمن يقدم معلومات عنه، كونه مشتبهاً به في تنفيذ عمليات إرهابية دموية في الأرجنتين وله وجود ونشاط في أميركا الجنوبية وجنوب شرقي آسيا. بحسب التقارير فإن عوائد «حزب الله» من تجارة المخدرات وغسل عوائدها يصل إلى مليارات الدولارات.
حكاية «حزب الله» في تلك المنطقة البعيدة حكاية طويلة بدأت منذ سنوات، وتعززت إبان فترة حكم محمود أحمدي نجاد. بدأت بهجرة وتوطين عناصر لبنانية من الحزب، وتمكينهم من خلال شراء ذمم بعض السياسيين والعسكريين وتوطيد علاقاتهم مع العصابات الثورية في كولومبيا والمكسيك.
العقوبات الاقتصادية التي تفرضها إدارة ترمب لا يقع تأثيرها على إيران الدولة فقط، بل على مراكز القوى التي تتبعها. وبعد فرض العقوبات، تقلصت قدرة شركة «حزب الله» لغسل الأموال في الخارج عن العمل، فهو المصدر الرئيسي لتمويل عمليات الحزب وليس مبلغ الستين مليون دولار الذي يقدمه علي خامنئي للحزب كل عام.
العقوبات أوجعت طهران لأنها أضعفت النشاط التجاري لـ«حزب الله»، وقلصت من حركة إدرار الأموال عبر شبكته الدولية العابرة للمحيطات. لذلك كنا نقول ولا نزال، إن الضغط بالعقوبات هو الطريق إلى خلخلة بنيان إرهابي تشكل منذ عقود، وهو السبيل الأنجع والأقل تكلفة والأشمل والأقوى تأثيراً. جاء قرار الإدارة الأميركية بمتابعة وملاحقة نشاط «حزب الله» في الخارج متزامناً مع قرار الانسحاب من الاتفاق النووي. وكلما انكشفت أسرار «حزب الله» في القارات المتباعدة أدركنا أكثر خطر اتفاق باراك أوباما النووي على السلم الدولي، لأنه نظر بتواضع إلى زاوية واحدة في مشهد كبير، وتجاهل أن هذا الاتفاق من الهشاشة ليس فقط أنه أفرج عن مليارات الدولارات لصالح حكومة مارقة، بل إنه تغاضى عن نشاطها في التجارة المحرمة ومهد لها الاستقرار والتمكين في مناطق ليس من السهولة سبر أغوارها.
القوى الكبرى تحشد عسكرياً في منطقة الخليج لتأمين الممرات الدولية وحركة الملاحة، ورصد التحركات اليائسة من إيران لاستفزاز دول المنطقة وحلفائها، لشن حرب تمنح إيران هدفها وهو خلق فوضى وفتح أبواب لتدخلات قوى أخرى لدول وجماعات، ووقف عجلة التنمية في دول الخليج، وتنشيط تجارة وتهريب السلاح، وكلها أمور يبرع فيها الإيرانيون ولهم فيها سوابق.
ما يحصل اليوم هو عمل تكاملي لخنق الرأس وبتر الأطراف، يستوجب التعاون الدولي خاصة الاستخباراتي، ومزيداً من العقوبات الدولية على حركة الأموال من الدول اللاتينية المتماهية مع نظام طهران. إن ضعف «حزب الله»، هو ضعف قلب النظام الإيراني.
عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية