الإسلاميون بين الثورة والدولة.. العلاقة الملتبسة بين الدين والسياسة

فرضت الثورات العربية بانفجارها المفاجئ واختلافها عن صورة الثورة النمطية السائدة في الذهنية العربية جملة من التحديات على السياسة والفكر العربي بشكل عام، وعلى الفكر الحركي الإسلامي بشكل خاص، وأعادت تحريك الأسئلة الإشكالية التي لم تحسم من قبل حول علاقة السياسة بالدين ودفعتها إلى السطح من جديد.

أعادت الثورات العربية تحريك الأسئلة الإشكالية التي لم تحسم حول علاقة السياسة بالدين

يتصدى الباحث اللبناني  المتخصص في الدراسات الإسلامية المعاصرة، رئيس المركز الثقافي للدراسات والأبحاث والتوثيق الدكتور عبد الغني عماد في كتابه " الإسلاميون بين الثورة والدولة"، الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية 2013، يتصدى لرصد وتحليل أثر هذه التحديات والأسئلة في فكر المنظرين الإسلاميين الذين التحقوا بهذا الحراك المفاجئ بعد تردد وتخوف أملته المرجعية النصية النظرية حول فقه "الثورة" وجواز أو عدم جواز عزل الحاكم الجائر في المنظومة الفكرية التي يعمل هذا الفكر من داخلها على الصعيد النظري، وتجربة الإسلاميين المريرة مع القمع السلطوي في التجارب الفاشلة، وجهلهم بطبيعة وخصائص "الفاعل الاجتماعي" الجديد وشعاراته ودرجة الرهان عليه على الصعيد العملي. لكنهم التحقوا بالحراك وأصبحوا بالتالي جزءاً أساسياً منه ومن ثم استأثروا بالنصيب الأكبر من المكاسب بخروجهم من دائرة الظل إلى العمل السياسي العلني؛ ووصولهم إلى السلطة لأول مرة عبر اللعبة الديمقراطية وصناديق الاقتراع في بلدين عربيين.

غلاف الكتاب
بخبرته الطويلة في شؤون الحركات الإسلامية التي كتب حولها عدداً من الأبحاث والدراسات من قبل، ومستعيناً بمفهوم "النموذج المثالي" الفيبري (نسبة لماكس فيبر) كأداة تحليلية في استقصاء استجابة الإسلاميين للتحدي الذي فرضته الثورات العربية، وهل قدموا إجابات حقيقية على أسئلة تلك الثورات الملحّة حول إمكانية إصلاح النظام السياسي العربي بإدماج الديمقراطية في صميم بنيته كفلسفة ونظام وآليات تكفل عدم إعادة إنتاج الاستبداد من جديد، يذهب الباحث في معاينته للفكر الحركي الإسلامي إلى القول: "إنّ التفكير الحركي الإسلامي وقف عند حدود "النموذج المثالي" الذي استمده من المدّونة التاريخية الفقهية، وبقي في الغالب تفكيراً يدور في حقل النصوص ولم ينتقل إلى التجربة السياسية التاريخية، بل كان متجاهلاً لها، وحاملاً ما يوحي بالإدانة لهذا التاريخ الذي انحرف عن "النموذج"".

كشفت شهية الإسلاميين للسلطة رؤيتهم الحقيقية للديمقراطية التي لم يتعد التنظير الفقهي لها "فقه الضرورة"

مع أنّ هذا النموذج شديد العمومية ومتعدد المرجعيات الفقهية، لكنّه يقوم على الدمج بين الأمة والدولة، الأمر الذي أدى إلى تهميش فكرة "الدولة" لصالح مفهوم "الأمة" وأدّى إلى الاهتمام بالتنظير لكل ما له علاقة بالهوية والانتماء والأمة والجماعة والشريعة والأصالة والحاكمية، وعدم التركيز على بناء نظرية في الدولة والمؤسسات وفصل السلطات وتداول السلطة والحريات، ما جعل التنظير للدولة يتبع الحالات الظرفية التاريخية وعلاقة الإسلاميين بالدولة القائمة في كل مرحلة أساساً لهذا التنظير، وليس الأساس الفلسفي المفهومي لها؛ فقد رفع الإسلاميون شعار "الدولة الإسلامية" قبل قرن من الزمان.

اقرأ أيضاً: "الإخوان المسلمون والانكفاء إلى الظل".. قراءة في مسار حركات الإسلام السياسي بالربيع العربي
وترافق ذلك مع مرحلة الاستعمار وثورات التحرر الوطني حيث اشتقه الخطاب الإخواني في مرحلة التأسيس كتوسط بين "الدولة العلمانية" و"الدولة الدينية" التي رأى فيها رشيد رضا آنذاك بديلاً من دولة الخلافة المنهارة أو مكافئاً لها، ثم رفعوا شعار "الدولة الثيوقراطية" في المرحلة الشعبوية وبروز الظاهرة القطبية، وصاغ سيد قطب، بتأثير المودودي، شعار "الحاكمية الإلهية" بموازاة دولة الاستبداد الشرقي وحكم العسكر، وغدا فكره مرجعاً أساسياً في فكر الإسلام الحركي "الجهادي" فيما بعد، ثم ظهر شعار "الدولة المدنية" بصيغته الملتبسة نظرياً والمربكة في التجسيد العملي الذي أشهره الإسلاميون المعاصرون مع استحقاقات ثورات الحرية التي فجرها الشباب العربي وفرضت على الإسلاميين وغيرهم تحديات فكرية وسياسية جديدة.

العلاقة بين الدين والسياسة في فكر الإسلاميين بقيت على مدار مراحلها علاقة ملتبسة
لكن العلاقة بين الدين والسياسة في فكر الإسلاميين بقيت على مدار تلك المراحل علاقة ملتبسة، وبقيت قضية الديمقراطية والمواطنة وحقوق الفرد والعلاقة مع الآخر بلا حل، وبقي الجهاز المفهومي الإسلاموي عصياً على النقد والتحديث، رغم الجهود الفردية للبعض. 

التفكير الحركي الإسلامي وقف عند حدود "النموذج المثالي" الذي استمده من المدّونة التاريخية الفقهية

ومازال التفكير الإسلامي في موضوعة الدولة يتأرجح بين "النموذج المثالي" للحكم والسلطة كما يتخيله الإسلاميون، ومحاولة إدراج عناصره ضمن منظومة الدولة الديمقراطية الحديثة، أما الدولة الوطنية فستبقى خياراً مستبعداً ما دام هذا الفكر، كشقيقه القومي، يرى في الدولة القائمة وليداً غير شرعي ومؤقتاً، أو كياناً "غصبياً" حسب الفقه الشيعي، أو وسيلة لغاية أبعد منها هي "وحدة الأمة"، الأمر الذي أدى إلى تهميش فكرة "الدولة" في التنظير السياسي باعتبارها منقوصة الشرعية الدينية والفقهية والسياسية.
ولعل هذا الموقف من الدولة في أساسه هو موقف من السلطة ونموذج نظام الحكم التوتاليتاري الذي ابْتُليت به المجتمعات العربية، وعملت مصالح دوائر القرار الدولية على تكريسه ودعم استمراره تحت مبرر التخوف من البديل الإسلامي الذي ارتبط اسمه بالعنف والإرهاب، وقدم نموذجاً فاشلاً للحكم عمل على محق الدولة والسياسة والمؤسسات، "وكرس حياة سياسية فارغة من أي مضمون سياسي أو أخلاقي" وفاشلة بالإيفاء بحاجات المجتمع والفرد الحمائية والتنموية، ومدمرة إلى حد سحق كرامة الإنسان على مستوى الحريات والعدالة الاجتماعية والمساواة بحقوق المواطنة،  فانسد المجال العام أمام قوى المعارضة والتغيير على اختلاف أيديولوجياتها، وحملت قوى التغيير القومية والليبرالية والاشتراكية وزر هذا الفشل فانفتح  الطريق أمام التيار الإسلامي لطرح نفسه كبديل اكتسب الكثير من الجاذبية بقدرته على تحويل الظلم إلى "مظلومية" سياسية، واعتماده تبيان أخطاء ونواقص خصومه وعجزهم البنيوي وسيلة للتحريض والتعبئة الجماهرية، "وهذا ما ساهم في إمداد "المشروع الإسلامي" بعناصر جديدة يتغذى منها عندما يفشل الآخرون".

بعد تراجع مقولات وشعارات ما قبل الثورة حاول الإسلاميون تعويضها بإثارة قضية "الهوية" و"تطبيق الشريعة"

وهو ما يفسر وصول الإسلاميين السهل إلى السلطة في التجربتين التونسية والمصرية في أول انتخابات نزيهة،  فالحركات الشبابية التي قادت الحراك الشعبي لا تجمعها أيديولوجية واحدة، ولا ينظمها إطار تنظيمي موحد، فيما المعارضات التقليدية التي شتّتها الأنظمة السلطوية بين المنافي والمعتقلات وحرمتها من إمكانية تأسيس أحزاب جماهيرية حقيقية، بدت قليلة الفاعلية والأثر، عدا عن كونها تحمل تركة ثقيلة من فشل التجارب والشعارات السابقة ، الاشتراكية منها والقومية، التي أفرغتها أحزاب السلطة وممارساتها من مضمونها ومعانيها، وهذا ما يساعد على فهم تعثر الثورة وتحولها إلى العنف في الدول العربية الأخرى، حيث أحكمت السلطة فيها اللعب بالورقة الإسلامية بصورتها "الداعشية" أمام الداخل والخارج، لكن السؤال الذي يبقى مفتوحاً، ماذا تغير في خطاب وأيديولوجيا الإسلاميين وشعاراتهم بعد انتقالهم من الثورة إلى السلطة؟

اقرأ أيضاً: الربيع العربي بين فوضى مصر وعفريت تونس
في استقرائه لهذه التغيرات وحال الإسلاميين بعد الثورات العربية، يقف عبد الغني عماد عند عدد من الملاحظات، لعل أهمها هو الإقبال المتنامي على التسييس والاشتغال بالسياسة الذي دفع إلى تشكيل أحزاب جديدة أو تفرع وانقسام الأحزاب القديمة في جو جديد من الديمقراطية فسح المجال العام أمام القوى المجتمعية للتعبير عن نفسها، لكن هذا الإقبال قد رفع منسوب التدين في المجال العام و"أيقظ الهواجس والمخاوف لدى التيارات الأيديولوجية العلمانية والليبرالية، خاصة أنه ترافق مع محاولة التفرد بالسلطة".

اقرأ أيضاً: السلفيون إبان "الربيع العربي".. الأئمة على منابر السياسة
وبالرغم من تراجع مقولات وشعارات ما قبل الثورة من التداول السياسي وفقدها الكثير من دلالاتها الرمزية وشحنتها التعبوية مثل؛ شعار "الإسلام هو الحل"، الأثير في الخطاب الإسلامي الكلاسيكي، وتراجع شعار "الدولة الإسلامية" لصالح شعار "الدولة المدنية" مضافاً إليها "المرجعية الإسلامية"، فقد حاول الإسلاميون تعويضها من خلال اللجوء المكثف إلى إثارة قضية "الهوية" وشعار "تطبيق الشريعة" من دون أن يرافق ذلك حراك فكري وثقافي يواكب هذه التطورات، "فقد بقي الخطاب الإسلامي في منظومته الرئيسية يخضع لمنطق "الدعوة" وما قبل الثورة ولم يرتقِ إلى منطق السلطة والدولة ومهامها وخطابها ومستلزماتها، فهو لا يزال يستبطن الرؤى التقليدية والتاريخية ويعيد إنتاجها شكلانياً بدون أي اجتهادات عميقة وجادة".

اقرأ أيضاً: الإسلام والحداثة: "الربيع العربي" وجدل الدين والسياسة مجدداً
كشفت شهية الإسلاميين للسلطة رؤيتهم الحقيقية للديمقراطية التي لم يتعد التنظير الفقهي لها "فقه الضرورة" على المستوى النظري، والقبول بجانبها الإجرائي المتعلق بإدارة الحكم وتنظيم الانتخابات وتداول السلطة على الصعيد السياسي والعملي، مادام ذلك في صالحهم، فيما استمر رفضهم لقبول أساسها الفلسفي ومنظومتها القيمية الثقافية والأخلاقية التي تستمد منها مشروعيتها واستمراريتها.

كما أنّ تركيز الإسلاميين على السياسة والسلطة من خلال تسييس الدين قد غيّب إمكانية إنتاج نموذج للدولة في نتاجهم الفكري والثقافي؛  إذ "أسقط الفكر الحركي الإسلامي الماهية السياسية للدولة، وألبسها ماهية عقدية، وحولها إلى أداة قابلة للتملك والاستعمال في مشروع سياسي أيديولوجي مسيّس"، واختصر بالتالي التنظير للدولة في حدود علاقتها بالدين، وبقي النص الإسلامي الحركي يدور حول "النموذج المثالي" وما أنتجته المنظومة التراثية دونما تطوير دلالي يذكر لجملة المفاهيم الحادثة والمتغيرة في العالم المعاصر.

الدولة الوطنية ستبقى خياراً مستبعداً لدى الإسلاميين ما داموا يرون فيها وليداً غير شرعي ومؤقتاً

فاستمرار النظر إلى الدولة وكأنّها جهاز عقائدي أو مؤسسة وعظية أو وسيلة للحفاظ على الدين ونشر الدعوة لن يحل مشاكل الفقر والظلم والتخلف الاجتماعي والاقتصادي، الأمر الذي يضع الإسلاميين بعد الفشل السريع للتجربة المصرية أمام خيارين: إما المراجعة النقدية والتعلم من دروس التجربة والفشل، والانفتاح على مفاهيم الديمقراطية والمواطنة وحقوق الإنسان والمشاركة والتعددية واحترام الآخر والاعتراف باختلافه وحقه بالاختلاف في الفكر والممارسة، وإما العودة لاستلهام النمط القطبي والقطيعة مع الدولة والمجتمع والدوران في دوامة العنف والعمل السري.
ولمّا كان في المرجعية والذاكرة الإخوانية جذور لكلا النمطين، وما زلنا نشهد كلا السلوكين على الصعيد السياسي العملي، يبقى السؤال مفتوحاً حول الطريق الذي سيتخذه الإسلاميون في عالم سريع التغير ومتعدد الخيارات ومستقبل مفتوح على كل الاحتمالات.

الأقسام: