مضيق هرمز وإيران: تهديد بالحرب أم محاولة انتحار؟

11822
عدد القراءات

2019-06-16

منذ اكتشافه، ثم استخدامه في التجارة والتنقل، لم يعد مضيق هرمز مجرد مضيق بحريّ طبيعي، فقد كان يُسمّى قديماً باسم (باب الشرق السحري) إلى أن تشكلت العديد من الدول العربية والآسيوية حوله مطلع القرن العشرين، ليتحول من شريان حياة طبيعي، إلى معلم جغرافي مهم لتصدير النفط.

اقرأ أيضاً: إلى أي مدى سيصمد سيناريو عض الأصابع بين أمريكا وإيران؟
ومع مجيء النفط، حضرت السياسة، وطوال القرن العشرين، نهضت قوى إقليمية ودولية مختلفة، لتلعب أدوارها في الشرق الأوسط، وكثيراً ما ذُكر مضيق هرمز في مسائل النزاع، والحرب، والسلم، فما هي أبرز الأحداث التي تشكلت حوله؟ خصوصاً مع وجود دولة إيران، التي تتخذ منه مؤخراً أداة تهديد لدول الخليج العربي والعالم.

ماء وسياسة
يقع مضيق هرمز في منطقة تفصل بين إيران وسلطنة عُمان، ويربط الخليج العربي بخليج عمان وبحر العرب. كما "يبلغ عرض المضيق 33 كيلومتراً عند أضيق جزء منه، لكن الممر الملاحي له، لا يتجاوز عرضه ثلاثة كيلومترات في كلا الاتجاهين" بحسب تقريرٍ لـ"MCD" في 13 أيار (مايو) الماضي، ويشير موقعه الحساس جغرافياً، إلى أهمية بقائه مفتوحاً طوال الوقت، وبعيداً عن الصراعات السياسية والعسكرية، خصوصاً أنّه شريان حيوي لتصدير النفط من دول الخليج العربي وإيران، إلى دولٍ عديدة كاليابان والهند والصين وأمريكا وغيرها.

منذ اكتشافه ثم استخدامه في التجارة والتنقل لم يعد مضيق هرمز مجرد مضيق بحريّ طبيعي

لكن وقائع القرن العشرين، تثبت أنّ مضيق هرمز لم يتمتع يوماً بالأمان المنشود، فقد تعرض مراتٍ عديدة للتهديد منذ "استيلاء البرتغال عليه بعد معارك طاحنة مع الدولة العثمانية، ثم خاضت بعد ذلك العديد من الدول الأوروبية حروباً للسيطرة عليه وخاصة بريطانيا التي اعتبرته طريقاً للوصول إلى الهند، فخاضت معارك ضد فرنسا وهولندا والبرتعال للسيطرة عليه بالتوازي مع إنشاء شركة الهند الشرقية"، وفقاً لدراسة نشرها موقع "اتحاد العمال الكويتي" في 2012. وبعد الحرب العالمية الثانية، صارت الولايات المتحدة الأمريكية تنظر إليه كأهم مضائق العالم، وكشريانٍ نفطيٍ مهم.

موقع حساس لمضيق هرمز المطل على شواطئ عربية نفطية مهمة

المضيق، لم يظهر كورقة تهديد عسكريةٍ وجيوسياسية بشكلٍ واضح، إلا بعد احتلال إيران لمجموعة جزرٍ إماراتية تشرف على المضيق العام 1971. ومن ثم صعود الخميني إلى السلطة في 1979. فقد تحول مسار محاولات اللعب بالمضيق وموقعه المهم من أداة استعمارية تكاد تتلاشى مع تلاشي الاستعمار المباشر، إلى أداة ضغطٍ إقليمية، تستخدمها (جمهورية الثورة الإسلامية) ضد الدول العربية التي تمتلك حقاً أساسياً بإدارة المضيق اقتصادياً، الذي يربط مائياً بين العديد من شواطئها، خصوصاً خليج عُمان، ودولة الإمارات العربية المتحدة.

اقرأ أيضاً: إيران إلى أين في ظل كل هذه الضغوط الأمريكية؟
وقد حاولت إيران مبكراً، خلط الماء بالسياسة منذ احتلالها الجزر الإماراتية الثلاث (طنب الصغرى وطنب الكبرى وأبو موسى)، وبدأت سلسلة المضايقات الطويلة، التي تمتد إلى اليوم، والتهديدات التي ازدادت حول إمكانية إغلاقه أو ضرب السفن المارة به، بسبب استمرار الحرب في اليمن بعد 2011، بين قوات التحالف العربي والحوثيين من أتباع دولة إيران، إضافةً إلى التهديدات الإيرانية والأعمال التخريبية المحتملة ضد سفنٍ نفطية في خليج عُمان وقرب موانئ دولة الإمارات أخيراً. 

ربما تسهم مسألة تفعيل خطوط نقل النفط البرية والبحرية في حل جزءٍ من المشكلة

ويبدو أنّ إيران لا تدرك أهمية مضيق هرمز إلى العالم ككل، وترى أنّ الدعوات لوقف أطماعها في العالم العربي، هي دعواتٌ تستوجب قض مضاجع العالم أجمع؛ إذ إنّ "40% من نفط العالم يمر عبر المضيق، إضافة إلى 88% من نفط المملكة العربية السعودية و98% من نفط العراق وكل نفط دولتي الكويت وقطر، كما تستفيد دولٌ كبرى كالصين واليابان والهند من هذه الصادرات مباشرةً"، وفقاً لتقريرٍ أعدته "بي بي سي" في 5 حزيران (يونيو) الجاري.

اقرأ أيضاً: ماذا تستفيد إيران من الهجمات في خليج عُمان وعلى السعودية؟
ورغم ذلك، تراهن إيران أنّ هنالك دولاً ربما تقف بصفها في حال استمرت بإيذاء السفن النفطية وتهديد أمن دول الحليج والعالم العربي، غير أنّ الأرقام السابقة، تشير إلى أنّ محاولات إيران استفزاز دول عربية وعالمية، ربما تسفر في النهاية عن عقوباتٍ أشد ضدها، وعن مواجهة توقف استنزاف اقتصاد وأمن هذه الدول، لكن، هل هذه الحلول كافية فعلاً أو منطقية؟ بما فيها خيار الحرب، وما هو مستقبل الخليج العربي مع مضيق هرمز وإيران؟

لن تردع إيران العالم باعتداءاتها المحتملة بل ربما تضطر لتحمل العواقب مستقبلاً

صيادون في ممرٍ ضيق

بالنسبة إلى دولٍ الخليج العربي، فإنّ عمليات تصدير النفط والتجارة البحرية وغيرها، ترتبط بصورةٍ طبيعيةٍ بالاستقرار الأمني، ومضيق هرمز، الذي يسمح بمرور سفينةٍ أو ناقلة نفط كل نصف ساعة تقريباً، يتسع للجميع في حال تم نبذ الخلافات، فالحروب ليست في مصالح دولٍ تنشد الاستقرار، حتى إيران التي تمر صادراتها النفطية عبر المضيق ذاته، ولكنّها الدولة الأكثر عدائية بشأنه، من أجل إدارة ملفاتها السياسية الخاصة، المتعلقة بالتدخلات في دولٍ عربية كاليمن ولبنان، وكذلك ملفها النووي العالق مع أمريكا.

ظهر مضيق هرمز كورقة تهديد عسكريةٍ وجيوسياسية بعد  احتلال إيران لمجموعة جزرٍ إماراتية تشرف على المضيق في 1971

وبالعودة إلى تقرير "MCD"، فإنّ دول الخليج تحاول التغلب على معضلاتها مع إيران بشأن المضيق، من خلال "القفز على ضروريات تصدير النفط من خلاله، وذلك من خلال مد مزيد من خطوط أنابيب النفط، مثل خط بترولاين (خط أنابيب شرق-غرب): هو خط سعودي عامل تبلغ طاقته الاستيعابية 4.8 مليون برميل يومياً، وهو غير مستغل تماماً، وكذلك خط  أنابيب أبوظبي للنفط الخام: خط إماراتي عامل سعته 1.5 مليون برميل يومياّ، يُستخدم منها نصف مليون برميل بينما تبلغ الطاقة غير المستغلة مليون برميل".

إيران تهدد مضيق هرمز:

 

 

وربما تسهم مسألة تفعيل خطوط نقل النفط البرية والبحرية في حل جزءٍ من المشكلة، وتحويل الورقة الإيرانية جزئياً إلى ورقةٍ غير صالحة للتهديد، غير أنّ هذا لا يكفي أبداً، فبرأي الباحث الجزائري صخري محمد، فإنّ "إيران منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي، تخوض صراعاً إقليمياً ودولياً بشأن مضيق هرمز، وتتخذ قواتها العسكرية وسياستها الأمنية من محاولات السيطرة على المضيق، نقطةً استراتيجيةً طويلة الأمد، ليس من أجل حماية أمنها من تهديداتٍ غربية فقط كما تدعي، بل ومن أجل التحكم مستقبلاً ربما، بمصالحها وأطماعها في الخليج ومحيطه العربي".
ويضيف الباحث في دراسته المنشورة في 2012، عن مركز "موسوعة الدراسات الاستراتيجية والأمنية الجزائرية"، أنّ "إيران بَنَت العديد من القواعد البحرية للاستمرار في تهديد نفط الخليج الاستراتيجي بصورةٍ مستمرة، امتداداً من ميناء باسباندر قرب حدود باكستان، وحتى ميناء بندر عباس الإيراني، المطل على المضيق".

من أجل أطماعها لا يُقلق إيران تقويض اقتصاد ومصالح الخليج والعالم العربي والعالم ككل

بذلك تكشف دراسة الباحث الموثقة، أنّ محاولات تفادي تصدير كمياتٍ كبيرةٍ من النفط العربي عبر مضيق هرمز، لن يردع إيران عن أطماعها وتهديداتها المستمرة منذ عقود مستقبلاً، والمتجلية اليوم بالحوادث الاستفزازية ضد دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ودولة عمان.
أخيراً، إنّ الموقف السياسي الدولي الحالي، يشير إلى مدى تضرر إيران من العقوبات التي فرضتها أمريكا عليها في الآونة الأخيرة؛ حيث تراهن دولٌ عديدة على رضوخ إيران لمفاوضاتٍ جديدة، تغير معادلاتٍ سياسية داخلية إيرانية، وأخرى خارجية في العالم العربي، وإن لم تفكر إيران بعواقب سياساتها هذه على مدى عقودٍ ماضية،  وأخرى لاحقة، فإنّ عليها الاستعداد مستقبلاً لتلقي النتائج أكثر من ذي قبل، فلغة الاقتصاد العالمي والأرقام، ومحاولات إنهاء حرب اليمن، وإيقاف التغول في سوريا والعراق ولبنان، تكشف جميعها عن زمنٍ قريب ستنكمش فيه إيران، لتستوعب مشكلاتها الداخلية على أرضها هي، وتتوقف عن لعب دور (البلطجي) وتصدير أزماتها إلى أراضي الوطن العربي.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



الفقر في أفريقيا: كيف استعادت القارة السمراء مسيرتها التنموية؟

منى يسري's picture
صحافية وكاتبة مصرية
2019-11-18

لمئة عام، أو يزيد، خضعت القارة الأم "أفريقيا" لحملات استعمارية استعبادية، نهبت مواردها الطبيعية، وجرفت مواردها البشرية، ليتركها الاستعمار أرضاً مسكونة بشبح الموت والأوبئة والفقر المدقع والحروب الأهلية.

اقرأ أيضاً: رحلة "بيزنس الإخوان" من تجارة الخيوط إلى شرق أفريقيا
لكن، منذ منتصف التسعينيات تحديداً، بدأت أنظار العالم تتوجه نحو أفريقيا التي بدأت اللحاق في صنع مجدها الخاص، وبدت أكثر جاذبية للمستثمرين، وبشكل خاص التنين الصيني، الذي يكتسح أفريقيا بمشروعات عملاقة لم يسبق لها مثيل.
وحشية ونهب
بين سبعينيات القرن التاسع عشر وعام 1900، واجهت أفريقيا عدواناً إمبريالياً أوروبياً، وضغوطاً دبلوماسية، وغزوات عسكرية، وغزواً، واستعماراً، في نهاية المطاف، وفي الوقت نفسه، وضعت المجتمعات الأفريقية أشكالاً مختلفة من المقاومة ضدّ محاولة استعمار بلدانها وفرض هيمنة أجنبية، ومع ذلك، بحلول أوائل القرن العشرين، كانت معظم الدول الأفريقية، باستثناء إثيوبيا وليبيريا، قد استعمرت من قبل القوى الأوروبية؛ إذ كان الدافع وراء الدفع الإمبريالي الأوروبي إلى إفريقيا من خلال ثلاثة عوامل أساسية؛ اقتصادية وسياسية واجتماعية، تطوّرت في القرن التاسع عشر بعد انهيار ربحية تجارة الرقيق، وإلغائها، وقمعها، إضافة إلى توسّع الثورة الصناعية الرأسمالية الأوروبية؛ حيث ضرورات التصنيع الرأسمالي، بما في ذلك الطلب على مصادر مضمونة للمواد الخام، والبحث عن أسواق مضمونة ومنافذ استثمارية مربحة، حفّزت التدافع الأوروبي والقسمة والغزو الأفريقي في نهاية المطاف، وهكذا كان الدافع الرئيس للتسلّل الأوروبي اقتصادياً لأفريقيا، ولكن لعبت عوامل أخرى دوراً مهمّاً في هذه العملية، تمثّل في الزخم السياسي المستمد من تأثير صراعات القوى الأوروبية المشتركة والمنافسة على التفوق.

لمئة عام أو يزيد خضعت القارة الأم "أفريقيا" لحملات استعمارية استعبادية

كانت بريطانيا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا وإيطاليا والبرتغال وإسبانيا تتنافس على السلطة في سياسات القوة الأوروبية، إحدى الطرق لإثبات التفوق الوطني كانت من خلال الاستحواذ على أقاليم حول العالم، بما في ذلك أفريقيا، وكان العامل الاجتماعي هو العنصر الرئيس الثالث، وكنتيجة للتصنيع، نمت المشاكل الاجتماعية الكبرى في أوروبا "البطالة والفقر والتشرد الاجتماعي من المناطق الريفية"، تطورت هذه المشكلات الاجتماعية جزئياً؛ لأنّه لا يمكن استيعاب جميع الأشخاص بواسطة الصناعات الرأسمالية الجديدة، إحدى طرق حلّ هذه المشكلة هي الحصول على مستعمرات وتصدير هذا "الفائض من السكان"، أدّى ذلك إلى إنشاء مستعمرات للمستوطنين في الجزائر وتونس وجنوب أفريقيا وناميبيا وأنغولا وموزمبيق ومناطق وسط أفريقيا، مثل زيمبابوي وزامبيا، في النهاية أدّت العوامل الاقتصادية الغالبة إلى استعمار أجزاء أخرى من أفريقيا، هكذا كان التفاعل بين هذه العوامل والقوى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية هو الذي أدّى إلى التدافع لأفريقيا والمحاولات المحمومة من قبل الوكلاء التجاريين والعسكريين والسياسيين الأوروبيين، لإعلان وتأسيس حصة في أجزاء مختلفة من القارة من خلال أمور "المنافسة التجارية الإمبريالية"، وإعلان المطالبات الحصرية لأقاليم معينة للتجارة، وفرض الرسوم الجمركية على التجار الأوروبيين الآخرين، والمطالبات بالسيطرة الحصرية على المجاري المائية والطرق التجارية في أجزاء مختلفة من أفريقيا.

المقاومة والتحرر
في كتابه "عصر الاستعمار الجديد في أفريقيا: أطروحات عن المقاومة بعد الاستقلال"، يقدم البروفيسور والمؤرخ النيجيري، إيهيدو إي. جي، أطروحته عن تجريف أفريقيا الذي تمّ تحت سطوة الدبابات الأوروبية، وكيف تمّت مقاومة هذا الاحتلال من قبل الأفارقة.

يتفاءل العديد من الاقتصاديين حول العالم بما تحرزه أفريقيا من تقدّم، فهي اليوم تغادر قروناً من التخلف والاستبداد

يشرح إيهيدو كيف ناضلت المجتمعات الأفريقية بشجاعة، إلّا أنّ قوة المحتل، أدّت إلى خلق صراعات فاقمت المشكلة؛ حيث فقدت المجتمعات الأفريقية القديمة في النهاية، وكان هذا جزءاً من أسباب سياسية وتكنولوجية؛ إذ كان القرن التاسع عشر فترة من التغييرات العميقة والثورية في الجغرافيا السياسية لأفريقيا، التي تميزت بزوال الممالك والإمبراطوريات الأفريقية القديمة، وإعادة تشكيلها في كيانات سياسية مختلفة، أعيد بناء بعض المجتمعات القديمة وأسست مجتمعات أفريقية جديدة على أسس أيديولوجية واجتماعية مختلفة، ونتيجة لذلك؛ كانت المجتمعات الأفريقية في حالة من التقلب، والكثير منها ضعيف من الناحية التنظيمية وغير مستقر من الناحية السياسية، وبالتالي لم يتمكنوا من ممارسة مقاومة فعالة ضدّ الغزاة الأوروبيين، وبحلول عام 1900، استعمرت سبع قوى أوروبية معظم أفريقيا، بريطانيا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا، بعد غزو الدول الأفريقية اللامركزية والمركزية، بدأت القوى الأوروبية في تأسيس أنظمة الدولة الاستعمارية، كانت هي آلية الهيمنة الإدارية التي أنشئت لتسهيل السيطرة والاستغلال الفعالَين للمجتمعات المحتلّة.

اقرأ أيضاً: لماذا لم يحتل الإرهابيون الساحل الغربي لأفريقيا؟

كتاب "عصر الاستعمار الجديد في أفريقيا: أطروحات عن المقاومة بعد الاستقلال"

جاءت التحركات الأولى في عملية التحرّر لما يمكن اعتباره القومية الأفريقية؛ ردّاً على نقد الحضارة الأفريقية من قبل الأوروبيين؛ حيث انطلقت في وقت مبكر من القرن السادس عشر في السودان، وكان الكُتّاب الأفارقة يدافعون عن الثقافة الأصلية من خلال وصف إنجازات الدول القوية، مثل إمبراطورية سونجهاي، ومع ذلك؛ فقد كان نمو تجارة الرقيق في المحيط الأطلسي، بين عامَي 1700 و1800، هو الذي أنتج أقوى الهجمات المبكرة على الهيمنة الأجنبية، وبين عامَي 1957 و1993، حصلت حوالي 50 دولة أفريقية على الاستقلال عن الحكم الاستعماري، بدأت شرارات المقاومة الأولى للسيطرة الأجنبية في وقت أبكر بكثير، وتطورت حركات الاستقلال في جميع أنحاء إفريقيا في منتصف القرن العشرين، رغم أنّهم اتبعوا مسارات مختلفة، إلا أنّهم شاركوا في بداية مشتركة وهي مقاومة هيمنة القوى الأجنبية، لكن بمجرد السيطرة، فرضت العديد من حركات الاستقلال هذه شكلها الخاص من الهيمنة، وهو ما تسبّب في مشكلات سياسية واقتصادية ما تزال تعاني منها أفريقيا، وهو ما يمكن تسميته "الإرث الاستعماري".

اقرأ أيضاً: بالصور.. أفريقيا كما لم نرها من قبل
القارة الأفريقية خفّضت معدلات الفقر بسرعة كبيرة

النجم الصاعد
عام 2010؛ توجّهت أنظار العالم تجاه القارة الأفريقية، تحديداً جنوب أفريقيا، التي كانت مسرحاً لبطولات المونديال، ما جعلها حديث الإعلام العالمي آنذاك، فالدولة التي، ولوقت ليس ببعيد، عانت من صراعات عرقية، وحروب طائفية، وتجريف لمواردها؛ ها هي ذا تستقبل ضيوفاً من كلّ أنحاء العالم، ليصرح بعدها الأكاديميان الأمريكيان؛ كزافييه سالا مارتن، ومكسيم بينكوفيسكي، بأنّ القارة الأفريقية قد خفّضت معدلات الفقر بسرعة كبيرة في الأعوام العشرة التي سبقت الأزمة الائتمانية، عام 2008، وهو ما أيدته أستاذة الاقتصاد بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، أمينة كامل، في حديثها مع "حفريات": "لا شكّ في أنّ الأزمة الاقتصادية، عام 2008، لم تكن بالتأثير ذاته على أفريقيا، مقارنة بالولايات المتحدة، فأفريقيا ما تزال تخطو بحذر تجاه التنمية، وما تزال عالقة في إرث استعماري بلا شكّ، بيد أنّ عملية تجريف الموارد البشرية والطبيعية، كان، وما يزال، أخطر مشكلات القارة الأم، لكنّها اليوم تجني بعضاً من ثمرات التطور التكنولوجي الذي أتاح الموارد المعرفية الشرط الأهم في عملية التنمية، ولا شكّ في أنّ تعاون أفريقيا مع بلدان مثل؛ الصين ودول الخليج، كان له الدور الأكبر، في الحدّ من معدلات الفقر، وتحجيم الجوع الذي عايشه الأفارقة لعشرات السنين".

أمينة كامل: تعاون أفريقيا مع الصين ودول الخليج كان له الدور الأكبر في الحدّ من معدلات الفقر

وأوضح تقرير نشره المكتب الوطني الأمريكي للبحوث الاقتصادية، أنّه بحلول عام 2006، كان معدل الفقر في أفريقيا أقل بنسبة 30٪ عن عام 1995، وأقلّ بنسبة 28٪ عن عام 1990، ونفى التقرير الحجة القائلة إنّ هذا كان فقط نتيجة للنخبة الأثرياء التي تحصد عائدات ثروة النفط الوفير، رغم أنّهم ما يزالون مرتفعين، وفق معايير الدول المتقدمة، إلا أنّهم يقولون إنّ معامل جيني، وهو مقياس دولي لعدم المساواة الاجتماعية، قد انخفض باستمرار، ولو ببطء، منذ أوائل التسعينيات، لكنّ هناك فريقاً يرفض تلك الفكرة، في مقدّمتهم البروفيسور في جامعة أكسفورد، ستيفان ديركون، الذي يرفض إحصاءات هذا التقرير، موضحاً أنّه تغافل عن قياس عوامل أخرى واستند إلى قيمة الناتج المحلي الإجمالي، وهو بذلك مضلل إلى حدّ كبير، لكن بالنظر إلى جوانب أخرى في أفريقيا، نجد أنّ بلداناً مثل رواندا وإثيوبيا وزامبيا، خفّضت عدد الوفيات الناجمة عن الملاريا لأكثر من الثلثين، وهي على وشك القضاء عليه، كما تضاعفت نسبة طلاب المدارس في مرحلة التعليم الأساسي، وهي مؤشرات أكثر إيجابية.
يتفاءل العديد من الاقتصاديين حول العالم بما تحرزه أفريقيا من تقدّم، فهي اليوم، وبعد قرون من التخلف والاستبداد، تفتح أحضانها للسياحة، وتقدّم صورة مغايرة عمّا رسخ في أذهان العالم.

للمشاركة:

تونس: رئيس الحكومة الجديد مستقل فعلاً أم واجهة لحركة النهضة الإخوانية؟‎

2019-11-18

بعد ماراثون من المشاورات، رشّحت حركة النّهضة الإسلامية التونسية كاتب الدولة للزراعة السابق، الحبيب الجملي لمنصب رئيس الحكومة الجديد، الأمر الذي أثار انتقادات كثير من المراقبين والمحللين الذين شككوا في استقلاليته، واعتبروا ترشيحه "واجهة لحركة النهضة ومشاريعها"، سيما أنّ الجملي شغل مهامه في إطار حكومتي "النهضة" اللتين ترأسهما كلٌّ من حمادي الجبالي وعلي لعريّض (2011-2014).
وسيخلف الجملي (60 عاماً)، الذي أكّدت حركة النّهضة أنّه "شخصية مستقلّة"، الرئيس الحالي يوسف الشاهد في غضون 60 يوماً، برغم كلّ المآخذ التي أبدتها الأحزاب السياسية حول مسألة استقلاليته، فيما يخشى التونسيون من أن يكون واجهة جديدة لمشاريع حركة النّهضة التي فازت برئاسة البرلمان، تحت يافطة الاستقلالية.

اقرأ أيضاً: الحبيب الجملي: تكنوقراط بلا انتماء سياسي يرأس حكومة تونس
مخاوف يبرّرها قرار مجلس شورى "النّهضة"، وهو أعلى سلطة داخل الحركة، باختيار مرشحٍ من داخلها لترؤس الحكومة، أو شخصية مقربة منها على أساس "الكفاءة والنزاهة والخبرة في مجال الإدارة".
وينص الدستور التونسي على أن يكلف رئيس الجمهورية، مرشح الحزب الفائز بأغلبية الانتخابات التشريعية لتشكيل الحكومة الجديدة، في مدّة زمنية لا تتجاوز الشھرین.
الحبيب الجملي مرشح حركة النهضة لرئاسة حكومة تونس

"نهضاوي" متخفّ؟
وبالرغم من أنّه لم يُعرف عن الجملي أيّ نشاطٍ سياسي تابعٍ لنظام بن علي، الذي أطاحت به ثورة 14 كانون الثاني (يناير) 2011 ولا أيّ نشاطٍ معارض له، كما لم يبرز في أيّ عملٍ سياسي بعد الثورة، خاصّة أنّه يقدم نفسه في سيرته الذاتية على أنّه "ليس له أي انتماءات سياسية"، فإنّ متابعين للشأن الحزبي يعتبرونه "مقرّباً" من حركة النّهضة التي عيّنته في حكوماتها المتعاقبة خلال السنوات الأولى التي أعقبت الثورة أحد أعضائها، كما يرى المحلّل السياسي، باسل ترجمان.

التونسيون يخشون من أن يكون رئيس الحكومة المكلّف واجهة جديدة لمشاريع حركة النّهضة التي فازت برئاسة البرلمان

وقال ترجمان، في تصريحه لـ "حفريات": إنّه من غير المعقول أن يكون، الحبيب الجملي، مرشّح النّهضة لقيادة الحكومة والعضو فيها، مستقلاً عنها، مشيراً إلى أنّ الحركة هي من رشّحته في السابق لتولّي منصب كاتب الزراعة، حسب ما هو منشورٌ على صفحتها، وبالتالي هذه الحكومة "ستكون حكومة النّهضة وتوجهاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتوجهات من سيتحالف معها".
المحلل السياسي اعتبر أيضاً أنّ إصرار حركة النّهضة وتصريحاتها بخصوص استقلالية الجملي، "محاولة منها للتملّص من الفشل الذي تتوقّع أن تعيشه هذه الحكومة كغيرها من الحكومات التي سبقتها"، لافتاً إلى أنّ حركة النّهضة استطاعت السيطرة على البرلمان بعد انتخاب زعيمها راشد الغنّوشي رئيساً له بـ123 صوتاً، وعلى أعلى سلطة تنفيذية (رئاسة الحكومة).
وشدّد ترجمان على ضرورة أن تتحمّل الحركة هذه المرّة مسؤوليتها السياسية كاملة، وأن لا تتملّص من المسؤولية بتعلّاتٍ غير منطقية.

اقرأ أيضاً: تونس والغنوشي في انتظار صراع الدين والدولة
من جهتها، أكّدت حركة النهضة، في بيانٍ لها، على استقلالية شخصية الحبيب الجملي، وعلى كفاءته وخبرته الاقتصادية والمالية عامة وفي الشأن الفلاحي خاصةً.
حركة النهضة تشدد على أنّ الحبيب الجملي شخصية مستقلة

"خرج من عدم"
ومن بين الانتقادات التي رافقت اختيار الجملي لرئاسة الحكومة، أنّه لم يكن معروفاً لدى التونسيين، ولا في الأوساط السياسية، فضلاً عن تكوينه في مجال الزراعة الذي لا يؤهله لقيادة حكومة أمامها تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة، إلى جانب وصفه بشخصية الظلّ ذات الأيادي المرتعشة التي لا تجيد إدارة الخلافات.
وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي، فيصل الشريف، في حديثه لـ "حفريات"، إنّ الرئيس المكلّف "خرج من عدمٍ"؛ لأنّه غير معروف لدى التونسيين، كما أنّه لم يسبق له أن ظهر إعلامياً، ولا حتّى حكومياً حين تقلّد منصباً وزارياً، ليتيح الفرصة إلى الشعب لمعرفته، ومعرفة توجّهاته وأفكاره.

اقرأ أيضاً: هل تنجح حركة النهضة الإخوانية بالاستفراد بالمشهد السياسي التونسي؟‎
وأبدى الشريف تخوّفه من أن تتحكّم به حركة النّهضة التي رشّحته لهذا المنصب، دون التشاور مع باقي الأحزاب المكوّنة للمشهد السياسي، والتي انتخبها الشعب التونسي لتمثيله في البرلمان، وهو ما يرجّح أن يبقى الجملي تحت طائلة تجاذبات النهضة وخصومها.
وأكّد عددٌ من قيادات حزب التيار الديمقراطي، الثالث في ترتيب البرلمان، وحزب حركة الشعب الذي حلّ رابعاً، في تصريحات مختلفة لـ"حفريات"، أنّهم لم يتخذوا موقفاً بعد من إمكانية المشاركة في حكومةٍ يرأسها الحبيب الجملي من عدمها، في وقتٍ ذكرت فيه مصادر خاصّة أنّ الحزبين لديهما مؤاخذات حول انتماء الجملي أو قربه من حركة النّهضة.
وقال الجملي مباشرةً بعد حصوله على رسالة التكليف التي سلّمها إيّاه رئيس الدولة قيس سعيّد، إنّه مستقل ولا ينتمي إلى أيّ حزب، قائلاً ''أنا مستقلٌ دون أدنى شكٍ، ليس فقط عن النهضة بل عن جميع الأحزاب السياسية، لم ولن أنتمي لأي حزب والمقربون مني يعرفون ذلك''.

باسل ترجمان: من غير المعقول أن يكون الحبيب الجملي مرشّح النّهضة لقيادة الحكومة والعضو فيها مستقلاً عنها

وعن اقتراحه من قبل النهضة بخطة كاتب دولة للفلاحة خلال فترة الترويكا قال: إنّ ذلك تم على أساس أنّه شخصيةً مستقلة ذات كفاءة.
وشدّد الجملي على أنّ "الحكومة المقبلة ستُشكّل على أساس الكفاءة والنزاهة مهما كانت الانتماءات السياسية"، مؤكداً أنّه سيسعى إلى إيجاد برنامج عمل مشترك من دون التحفظ على أي حزب، كما أنّه يعوّل في هذا الصدد على مساهمات المنظمات الوطنية وهيئات المجتمع المدني واقتراحات بقية الأحزاب الأخرى.
هذا ونقلت مصادر مقرّبة من "النّهضة" أنّ مجلس الشورى اختار بعد تصويتٍ سرّي، الحبيب الجملي، من بين عشرة مرشحين، جرى اقتراحهم من أبناء وأصدقاء الحركة لتولّي مهمة تشكيل الحكومة الجديدة.
رئيس تونس يكلّف مرشح حركة النهضة بتشكيل حكومة جديدة

هل تلتقي الخطوط المتوازية مرّة أخرى في تونس؟
ويذهب محللو الشأن التونسي إلى أنّ منح الثقة لحكومة الجملي يبقى مرتبطاً بتصويت نواب حزب "قلب تونس"، مثلما حصل لدى انتخاب زعيم "النهضة" راشد الغنوشي رئيساً للبرلمان بـ 123 صوتاً، ثلثها تقريباً من ذلك الحزب الذي يتزعمه نبيل القروي (38 نائباً).

إبراهيم الرفاعي: الحكومة الجديدة قد تواجه صعوبةً كبيرةً في البرلمان وقد لا تحصل على ثقة النوّاب بسهولة

يأتي ذلك بعد إعلان حركة النهضة التونسية، عن موقفها الثابت، باستحالة التحالف مع هذا الحزب التقدّمي، انتصاراً لروح الثورة وقطيعةً مع الفساد، وفق ما روجت له في خطابٍ ثوري مفاجئ روجت له خلال حملتها الانتخابية.
وقد لا يتكرر ذلك في مسار تشكيل الحكومة الذي يراه البعض مختلفاً عن المسار التشريعي، خصوصاً أن تصويت "قلب تونس" للغنوشي قوبل بانتقاد كبيرٍ من أنصاره وناخبيه ودفع أحد مؤسّسيه، عبد العزيز بلخوجة، إلى الاستقالة.
كما تسبّب ذلك في موجة غضب كبيرة واجهتها "النهضة" من قبل أنصارها وقواعدها؛ لأنّها خذلتهم حسب تدويناتٍ انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، حتّى أنّ بعضهم اتّهمها بالانتهازية، وبازدواجية الخطاب، وتغليب مصالحها السياسية، وعدم استعدادها للتخلّي عن الحكم تحت أيّ ظرفٍ.
من جانبه، يتوقع المختص في العلوم السياسية، إبراهيم الرفاعي، أن تواجه الحكومة صعوبةً كبيرةً في البرلمان، وأن لا تحصل على ثقة النوّاب بسهولةٍ، نظراً لتركيبته الفسيفسائية، واختلاف أفكار ورؤى الكتل المكوّنة له.
وقال الرفاعي لـ"حفريات"، إنّ الرئيس المكلّف تقني، وله خبرةٌ في العمل الإداري، غير أنّه قريبٌ من حركة النّهضة التي رشّحته لهذا المنصب، في إطار القانون الذي يخوّل لها ذلك كصاحبة أغلبيةٍ في البرلمان، مشدّداً على أنّ التجاذبات السياسية ستعقّد عملية مرور حكومته بسلاسة.
جديرٌ بالذكر أنّ تعيينات رئاسة الحكومة في تونس منذ عام 2015 كانت تتم في صفوف مهندسين مختصين في الزراعة، بدءًا برئيس الحكومة الحبيب الصيد (تقلد المنصب من كانون الثاني 2015 إلى آب2016) مهندس زراعي، وكذلك يوسف الشاهد (آب 2016 حتى الآن) أستاذ جامعي في الزراعة.

للمشاركة:

هل تأثرتْ إيران بانتفاضة العراق؟

2019-11-18

ليس واضحاً تماماً إلى أي حدّ تركتْ الاحتجاجات الشعبية في العراق مفاعيلها على الجارة إيران، والأرجح أنّه يصعب على أي مراقب في هذه المنطقة المأزومة أن يغفل تأثير "العدوى" في فضاء جيوسياسي، تكاد تتشابه أزماته وعلله: الفساد والسلطوية وسوء الحوكمة وضعف التنمية، وخلاصته: تراجع الأوضاع المعيشية وانكماش الأفق والخيارات أمام المواطن العادي.

طهران ستعمل جاهدة كي لا تكون الاحتجاجات الحالية نسخة من تلك التي اجتاحت البلاد في الأعوام 2009، و2017 و2018

لكن ما هو واضح أنّ إيران تعاني اقتصادياً، وإلا لما رفعت أسعار البنزين في هذا الوقت الحرِج. وما هو واضح أيضاً أنّ طهران ستعمل جاهدة كي لا تكون الاحتجاجات المطلبية الحالية في العديد من المدن الإيرانية نسخة من الاحتجاجات التي اجتاحت الجمهورية الإسلامية في الأعوام 2009، و2017 و2018. ولعلّ وصف الزعيم الأعلى في إيران، السيد علي خامنئي، المحتجين في المدن الإيرانية على رفع أسعار البنزين بـ "مثيري الشغب" و"الأشرار" و"المخربين"، ولومه "أعداء إيران الأجانب"، هو ضوء أخضر لقوى الأمن بقمع الاحتجاجات، واستخدام القبضة الأمنية لوأدها من جهة، وهو تأكيد، من جهة أخرى، لدعمه رفع أسعار الوقود، وعدم التراجع عن ذلك.
وبالفعل، حذرت وزارتا الأمن والداخلية في إيران، أمس، من أنّ قوات الأمن ستتصدى بحزم "من الآن فصاعداً" للمتظاهرين الذين يتجمعون في الشوارع؛ احتجاجاً على القرار المفاجئ للحكومة برفع أسعار البنزين وتقنين توزيعه.
وقد خرج عشرات آلاف الإيرانيين في مختلف المدن للتنديد بارتفاع أسعار البنزين، ووقعت مواجهات بينهم وبين قوات الأمن في عدد من المواقع، فيما تحدثت وسائل إعلام محلية عن اعتقال أكثر من ألفي شخص. ولا تتوافر أرقام موثوقة من مصادر مستقلة.

اقرأ أيضاً: هل تهدّئ مبررات روحاني غضب الشعب الإيراني؟
وقالت وزارة الأمن الإيرانية، في بيان لها، إنّها "في ضوء توجيهات قائد الثورة الإسلامية... تعتبر من مسؤوليتها التصدي للأشرار، وستتصدى بحزم لأي عناصر مخلة بالأمن والنظام واستقرار وراحة الشعب الإيراني"، وفقاً لما جاء في البيان.
من الواضح أنّ إيران تعاني اقتصادياً وإلا لما رفعت أسعار البنزين في هذا الوقت الحرِج

"انتفاضة العراق"
لقد انتفض الشعبان؛ العراقي واللبناني، فاعتبرت طهران-كما يقول الكاتب مصطفى فحص في مقال نشرته قناة "الحرة"- أنّ "النيران وصلت حدائقها الخلفية؛ وأنّ هذا الأمر سيؤثر في موقع واقعها الجيوسياسي، ضمن ما باتت تُسميه بفضائها الإستراتيجي الممتد من طهران إلى جنوب لبنان براً، ومن مضيق هرمز إلى باب المندب بحراً، والذي غلّفته بغطاء جيو-عقائدي برر لها مشروع نفوذها الجيواستراتيجي خارج حدودها الوطنية؛ باعتباره جزءاً من عقيدة النظام الثورية".
وانتشر على نطاق واسع في موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" بإيران هاشتاغ  #قیام_عراق" ويعني باللغة الفارسية "انتفاضة العراق".
وفي ملامسته لهذه الجوانب، قال حسام الدين آشنا، مستشار الرئيس الإيراني، حسن روحاني، السبت، إنّ "إيران ليست العراق ولا لبنان، والسفارة الأمريكية مغلقة منذ سنوات"، حسبما أفادت وكالة "إرنا" الإيرانية للأنباء. وتابع آشنا، عبر حسابه بموقع "تويتر": "المتربصون بإيران ارتكبوا أخطاء إستراتيجية، ونحن الإيرانيين لن نسمح لوسائل الإعلام العميلة بأن تقرر لنا المصير"، على حدّ قوله.

اقرأ أيضاً: ماذا بقي لإيران في العراق؟
في هذه الظروف السياسية تأتي الاحتجاجات الإيرانية الحالية، أما الظروف الاقتصادية فتقول إنّ الاقتصاد الإيراني تضرر منذ أيار (مايو) 2018 بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الموقع مع طهران في تموز (يوليو) 2015، وفرض عقوبات شديدة عليها. وعلى إثر ذلك، انخفضت قيمة الريال الإيراني بشدة، وبلغ معدل التضخم أكثر من 40 في المئة، فيما نسبة البطالة 15 في المئة، ويتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة تسعة في المئة في 2019 ويعقبه ركود في 2020.
 المتظاهرون الإيرانيون رددوا شعارات مناهضة للحكومة

ضغوط قبيل الانتخابات البرلمانية
وتشير وكالة "رويترز" للأنباء إلى أنّ المتظاهرين الإيرانيين رددوا شعارات مناهضة للحكومة في أنحاء مختلفة من البلاد، مع تحول بعض الاحتجاجات إلى العنف، وذلك عقب زيادة الحكومة سعر البنزين العادي إلى 15 ألف ريال (0.13 دولار) للتر من عشرة آلاف ريال وتحديد حصص لصرفه. وستبلغ تكلفة المشتريات الإضافية 30 ألف ريال للتر.

حذرت وزارتا الأمن والداخلية في إيران من أنّ قوات الأمن ستتصدى بحزم من الآن فصاعداً للمتظاهرين الذين يتجمعون بالشوارع

وذكر تحليل نشرته صحيفة "الإندبندنت" أنّ هذه المظاهرات "تضيف المزيد من الضغوط على النظام الإيراني، الذي يعاني بالفعل تحت وطأة العقوبات الاقتصادية الأمريكية. كما أنّ هذه المظاهرات قد تتحول إلى خطر شديد على النظام الإيراني ككل إن استمرت لفترة طويلة، وعلى الرئيس حسن روحاني بشكل خاص؛ وذلك قبيل الانتخابات البرلمانية المنتظرة في شهر شباط (فبراير) المقبل؛ لأنها توضح أثر انخفاض معدل الدخل وارتفاع معدلات البطالة وانهيار قيمة العملة المحلية الريال".
وتلفت "الإندبندنت" إلى أنّه بالرغم من هذه المظاهرات "تبقى إيران وبعد الزيادة الأخيرة من بين الدول التي تقدم الوقود لمواطنيها بأرخص الأسعار عالمياً؛ حيث يبلغ سعر اللتر نحو 15 ألف ريال بما يعادل 35 بنسا"، موضحة أنّه "أمر يتوقعه المواطنون ببساطة لأن البلاد تضم احتياطيات ضخمة من النفط، وتعد رابع أكبر دولة في العالم بهذا الصدد".
في المحصلة، لا شك في أنّ تكرار الاحتجاجات في إيران، وفي غالبها مطلبي، إنما يؤشر إلى خلل هيكلي في النظام والإدارة الحكومية، لكنّ تجارب 2009، و2017 و2018 لا تسعف كثيراً بتوقّع أن تُفضي هذه الاحتجاجات إلى نتيجة مؤثرة؛ في ظل غياب أطراف وازنة من داخل النظام تكون مؤيدة للاحتجاجات أو متفهمة لها، وفي ظل غياب معارضة سياسية في إيران، قد تُمثّل حاملاً سياسياً لمطالب المحتجين الشرعية، وفرزها عن بعض أعمال العنف الملتبسة من بعض المتحتجين.

للمشاركة:



بريطانيا متّهمة بالتستر على جرائم حرب.. تفاصيل

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

تفتح محكمة الجنايات الدولية أول تحقيق لها بشأن الجيش البريطاني في أعقاب بثّ برنامج لـ "بي بي سي" عن ارتكاب الجيش ما وصفه بجرائم حرب.

ووجد برنامج "بانورما" أدلة على أنّ الدولة تستّرت على قتل مدنيين بأيدي قوات بريطانية في العراق وأفغانستان.

محكمة الجنايات الدولية تفتح تحقيقاً بشأن ارتكاب الجيش البريطاني جرائم حرب في عدة أماكن

وقالت المحكمة إنّها تنظر بجدية إلى ما توصل إليه البرنامج، لكنّ وزارة الدفاع البريطانية قالت إنّ تلك الادعاءات لا أساس لها.

وأضافت الوزارة؛ أنّها تعاونت بالكامل مع المحكمة، ولا ترى أنّ هناك مبرراً لتدخّل المحكمة من جديد في الأمر.

وسيكون التحقيق الرسمي للمحكمة، التي يوجد مقرها في لاهاي بهولندا، هو أول إجراء تتخذه ضد مواطنين بريطانيين بسبب جرائم حرب.

وقالت المحكمة إنّها ستقيّم بحيادية ما توصلت إليه "بي بي سي"، وقد تفتح قضية تاريخية إذا اعتقدت أنّ الحكومة تحمي الجنود من الملاحقة القضائية.

وكانت المحكمة قد توصلت في السابق إلى وجود أدلة ذات مصداقية على أنّ قوات بريطانية ارتكبت جرائم حرب في العراق، وتتضمن معظم تلك الحالات ادّعاءات بإساءة معاملة معتقلين.

وأشهر تلك القضايا المعروفة؛ قضية بهاء موسى، الذي كان عامل فندق في البصرة، وتوفَّى بعد تعذيبه وضربه على أيدي قوات بريطانية، عام 2003، وأدّت قضيته إلى بدء تحقيق علني، انتهى بالإدانة الوحيدة لجندي بريطاني بجرائم حرب في العراق.

لكنّ برنامج "بانوراما"، بالتعاون مع صحيفة "صنداي تايمز" البريطانية، كشف معلومات جديدة عن حالات قتل قيل إنّها حدثت في مركز اعتقال بريطاني.

ويقول محققون من فريق الادعاءات التاريخية في العراق، وهو الفريق الذي حقق في جرائم حرب قيل إنّ قوات بريطانية ارتكبتها خلال احتلال العراق؛ إنّه وجد "أدلة على انتهاكات واسعة النطاق حدثت في قاعدة بريطانية في البصرة قبل ثلاثة أشهر من قتل بهاء موسى".

"بي بي سي": أدلة على أنّ الدولة تستّرت على قتل مدنيين بأيدي قوات بريطانية في العراق وأفغانستان

وحدثت تلك الحالات في معسكر ستيفن، الذي كانت تديره بلاك ووتش، والكتيبة الثالثة، والفوج الملكي الأسكتلندي، وحقّق الفريق في وفاة رجلين، ماتا خلال أسبوعين متتاليين في شهر أيار (مايو) 2003، وأقرت وزارة الدفاع البريطانية بأنّهما كانا مدنيَّين بريئَين.

وجمع الفريق شهادات من جنود بريطانيين، وموظفين في الجيش، وصفت كيف عُذب الرجلان قبل العثور عليهما ميتين، وقد رُبط رأساهما بكيسَين من البلاستيك.

وقرّر الادعاء العسكري البريطاني هذا الصيف عدم محاكمة أيّ شخص في قتل الرجلَين.

وقال رئيس الادعاء العام السابق، اللورد ماكدونالد، حينما عرضت عليه أدلة "بانوراما": أعتقد أنّه من المذهل عدم توجيه أيّة تهمة لأيّ جندي".

وقالت وزارة الدفاع؛ إنّ "العمليات العسكرية تسير طبقاً للقانون، وهناك تحقيق مكثف في الادّعاءات".

وقال متحدث باسم الوزارة "بي بي سي": إنّ "التحقيقات والقرارات الخاصّة بالمحاكمة مستقلة عن وزارة الدفاع، وتنظر فيها بدقة جهة خارجية، كما تستعين الوزارة بمن يعطيها الاستشارات القانونية المطلوبة".

وأضاف المتحدث: "بعد تمحيص دقيق للحالات المشار إليها، قررت هيئة خدمة الادعاء المستقلة ألا تحاكم أحداً".

 

 

للمشاركة:

علاقة الإخوان بفيلق القدس في وثائق مسرّبة

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

كشفت وثائق مسربة علاقة جماعة الإخوان المسلمين وفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني.

فبعد شهور من عزل الرئيس المصري الراحل، محمد مرسي، التقى مسؤولون في فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، بأعضاء من جماعة الإخوان المسلمين، في أحد فنادق تركيا، أما الهدف فقد كان السعودية.

مسؤولون في فيلق القدس يلتقون بأعضاء من جماعة الإخوان المسلمين في أحد فنادق تركيا

تفاصيل الاجتماع كشفتها وثائق سرية مسربة، وهي جزء من أرشيف الاستخبارات الإيرانية السرية، حصل عليها موقع "The Intercept" الذي تشارك في نشرها مع صحيفة "نيويورك تايمز" في وقت واحد.

"القمة السرية"، كما وصفها موقع "ذا إنترسبت" جمعت أقوى منظمتين في الشرق الأوسط من حيث النفوذ.

بحسب الوثائق؛ فإنّ القمة السرية جاءت في لحظة حرجة لكلّ من فيلق القدس وجماعة الإخوان، وبالتحديد، في نيسان (أبريل) 2014، حيث كان الجيش العراقي يواجه داعش الذي كان يهدد استقرار الدولة المجاورة لإيران.

بينما كانت جماعة الإخوان المسلمين تعاني، بعد إزاحة الجيش حكومة الإخوان والرئيس المحسوب على التنظيم محمد مرسي، في الثالث من تموز (يوليو) 2013.

ما لم يكن يعرفه الطرفان؛ أنّ جاسوساً كان يحضر القمة، ويسجل كلّ ما يدور في الاجتماع، وهو ممثل وزارة الداخلية الإيرانية التي يزعجها دور الحرس الثوري ومكانته في جهاز الأمن القومي الإيراني.

كانت تركيا تعدّ مكاناً آمناً للقمة؛ حيث كانت واحدة من الدول القليلة التي تربطها علاقات جيدة مع كل من إيران والإخوان المسلمين في ذات الوقت، رغم أنّها رفضت منح تأشيرة دخول لقائد فيلق القدس، قاسم سليماني، بحسب الوثيقة المسربة من وزارة الداخلية الإيرانية.

وحضر الاجتماع وفد رفيع المستوى من فيلق القدس، بقيادة أحد نواب سليماني، عرف في الوثيقة باسم أبو حسين، فيما حضره من جانب الإخوان ثلاثة من أبرز قياداتها المصرية في المنفى، وهم: نائب المرشد العام لجماعة الإخوان، والأمين العام للتنظيم الدولي، إبراهيم منير، ومحمود الإبياري، ويوسف ندا.

غير أنّ يوسف ندا أنكر، في مقابلة مع "ذا انترسبت"، حضوره هذا الاجتماع، قائلاً: "لم أحضر مثل هذا الاجتماع في أيّ مكان، ولم أسمع به أبداً".

ويقول الموقع؛ إنّه لم يتمكن من الوصول إلى منير والإبياري للتعليق.

جماعة الإخوان وفيلق القدس يؤكّدون أنّ العدو المشترك لكلّ منهما هو المملكة للسعودية

افتتح وفد الإخوان الاجتماع بالتفاخر بأنّ "الجماعة لديها حضور في 85 دولة على مستوى العالم"، ربما كانت محاولة منهم لمواجهة دعم الحكومة الإيرانية لفيلق القدس، حيث لم تكن لجماعة الإخوان المسلمين في ذلك الوقت قوة وطنية تقف خلفها.

وأكّد وفد الإخوان أنّ هناك بالفعل خلافات بين إيران كرمز، وممثل عن الشيعة والإخوان المسلمين، كممثل للعالم السنّي، لكنّه أكّد أنّه "ينبغي التركيز على أرضية مشتركة للتعاون، وأن العدو "المشترك لكل منهما هو كراهيتهما للملكة العربية السعودية".

بحسب الوثيقة؛ فقد بحث الطرفان إمكانية التعاون بين الحوثيين وجماعة الإخوان المسلمين في اليمن، لتقليل الصراع بينهما وإدارته ناحية السعودية.

في الوقت ذاته، أرادت جماعة المسلمين إحلال السلام في العراق، ووقف الحرب بين الفصائل السنية والشيعية هناك، وإعطاء الفرصة للسنّة للمشاركة في الحكومة.

وحول سوريا؛ أشارت الجماعة إلى أنّ الوضع المعقد "خارج عن سيطرة كلّ من إيران وجماعة الإخوان حالياً، لذلك فإنّه ليس ثمة شيء يمكن فعله حيال ذلك".

ورفضت الجماعة في الاجتماع أيّة مساعدة من إيران بشأن الأحداث في مصر "بالنسبة لقضية مصر، فإننا كجماعة الإخوان غير مستعدين لقبول أيّة مساعدة من إيران للتأثير في الحكومة في مصر"، رغم أنّ الجماعة كانت قد أُزيحت حينها من الحكم واعتُقلت قياداتها في مصر قبل أقل من عام.

ورأت برقية وزارة الداخلية الإيرانية؛ أنّه "رغم السعي الواضح لجماعة الإخوان لتشكيل تحالف، فإنّ الوفد ربما أراد إهانة فيلق القدس بهذا الحديث من خلال التلميح بأن إيران تستخدم القوة في سوريا واليمن والعراق"، وقالوا: إنّ "أعضاء جماعة الإخوان المسلمين دربوا أنفسهم على التحلي بالصبر أكثر من الإيرانيين".

وتأتي هذه المعلومات ضمن وثائق مسربة من أرشيف الاستخبارات الإيرانية، مكونة من 700 صفحة، كتبها ضباط أمن واستخبارات إيرانيون، في الفترة 2014-2015.

وكشفت تلك الوثائق حقائق عن الدور الخفي لإيران في العراق وتعزيز نفوذها والسيطرة على مفاصل الحكم في الدولة الجارة.

 

للمشاركة:

الإمارات تمدّ يد العون لأهالي حضرموت

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

سيّرت دولة الإمارات، عبر ذراعها الإنساني "هيئة الهلال الأحمر"، قافلة مساعدات غذائية جديدة إلى أهالي مديرية بروم ميفع، بمحافظة حضرموت اليمنية، استفاد منها 4500 فرد من ذوي الدخل المحدود والأسر المحتاجة، وذلك في إطار جهودها الرامية لرفع المعاناة وتطبيع حياة الأسر التي تعاني أوضاعاً صعبة؛ بسبب الظروف الاقتصادية التي يمرّ بها اليمن.

الإمارات تسيّر قافلة مساعدات غذائية لأهالي حضرموت يستفيد منها 4500 فرد من ذوي الدخل المحدود والأسر المحتاجة

وقامت هيئة الهلال الأحمر الإماراتي بتوزيع 900 سلة غذائية، تزن 72 طناً و720 كيلو غراماً على مناطق: حصاحصة، وانتيشة، والمسيني، وحرو، وظلومة، بالمديرية، ضمن سلسلة من الحملات نفذتها في عموم مناطق حضرموت، ووصلت إلى عدة مناطق نائية، وفق ما أوردت وكالة "وام".

وأعرب المستفيدون عقب تسلمهم المواد الإغاثية، عن شكرهم وتقديرهم لدولة الإمارات، قيادة وحكومة وشعباً، على وقفتها الأخوية معهم في محنتهم، وجهود الإغاثة المتواصلة لأبناء محافظة حضرموت.

يذكر أنّ عدد السلال الغذائية التي تمّ توزيعها منذ بداية عام التسامح، بلغت 33 ألفاً و644 سلة غذائية، بمعدّل "2718 طناً و435.2 كيلو غراماً، استهدفت 168 ألفاً و220 فرداً من الأسر المحتاجة في محافظة حضرموت.

 

 

 

للمشاركة:



خلافات "التحالف" أكبر من تسلّم "الدواعش"

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

عبد الوهاب بدرخان

أخيراً وبعد خلافات عكسها الإعلام اجتمع وزراء خارجية دول «التحالف الدولي ضد الإرهاب» قبل أيام في واشنطن، وعلى غير العادة ظهرت الخلافات ولم يعتّم عليها ولم تكن مسألة استرداد مقاتلي «داعش» الأجانب وأفراد عائلاتهم، سوى الجانب الظاهر منها. أما الجوانب الأخرى للخلاف فبقيت بعيدة عن الأضواء، لكنها استحقّت إشارة من الأمين العام لحلف شمال الأطلسي «ينس ستولتنبرغ»، كذلك من منسّق مكافحة الإرهاب في الخارجية الأميركية «ناثان سيلز»، فكلاهما وصف الوضع في سوريا بأنه لا يزال «هشّاً وصعباً» ويمكن «أن يتغير بلمح البصر». فعلامَ الخلاف إذاً؟ إنه على تقلّبات المواقف الأميركية وعدم وجود تقويم مشترك لمستوى الخطورة التي يواصل تنظيم «داعش» تشكيلها رغم هزيمته وزوال «دولته». لذلك بدت الكلمة الافتتاحية للوزير «مايك بومبيو» عليمةً بمآخذ الحلفاء ومحاولةً الردّ عليها، وإذ تجاهل الجدل حول «الانسحاب الأميركي»، فإنه حرص على تأكيد أن الولايات المتحدة مستمرّة في «قيادة المعركة»، وأن الهدف هو منع التنظيم من استعادة قوّته.
والواقع أن هذا الخطر قائم إذا أوقف «التحالف» حربه أو قلّص من قدراتها، تحديداً بسبب تأخّر الحلّ النهائي للأزمة السورية، ذاك أن آلاف «الدواعش» الذين لم يؤسروا يتوزّعون في مناطق شمال سوريا، خصوصاً في إدلب، ويمكن أن يشكّلوا نواةً لظهور «داعش» التالي. ويبدو أن أجنحة الإدارة في واشنطن استطاعت التوصل إلى صيغة في شأن إعادة الانتشار في شمال سوريا، وبالتالي إقناع الرئيس دونالد ترامب الذي تولّى تسويقها على النحو الذي يريده. فهو حدّد لبقاء نحو ستمئة عسكري هناك مهمة «حماية حقول النفط» وتمكين الأكراد من التموّل باستخدام مواردها، لكنهم يتمركزون في منطقة مفصلية متواصلة مع العراق لمتابعة الضغط على فلول «داعش» ومراقبة تحركات الإيرانيين وميليشياتهم بالقرب من الحدود مع سوريا. لم يشر هذا الترتيب إلى مصير مشاركة دول غربية كفرنسا وبريطانيا في «التحالف» وعناصرها القليلة المنتشرة في تلك المنطقة ولم يُعلن عن انسحابها.
كان أعضاء كثيرون في «التحالف» يريدون مناقشة العملية التركية في شمال سوريا والمخاطر التي تسبّبت بها لـ «الحرب على داعش». والأكيد أن لدى أعضاء «الناتو» الأوروبيين وشركاء عرب في «التحالف» علامات استفهام كثيرة عن مغزى الاتفاقين المنفصلين بين أنقرة وكلٍّ من واشنطن وموسكو، إذ أن نصوصهما المعروفة لم تتبنَّ تزكية مكتوبة لـ «محاربة الإرهاب» كما تقدمها تركيا كهدفٍ معلنٍ ضد الأكراد. لم يتّضح ما إذا كان اجتماع واشنطن استطاع تبديد غموض السياق الذي وُضع التدخّل التركي فيه، أهو مراعاة لضرورات الأمن القومي التركي، أم توسيع مدروس للنفوذ التركي ولتوظيفه لاحقاً في سوريا، أم أن تركيا تستغلّ التنافس الأميركي - الروسي على موقعها؟ في أي حال، يرى الحلفاء والشركاء أن واشنطن لا تبدو مهتمّة بالجوانب المقلقة في السلوك التركي.
ليست مفهومة تماماً أسباب رفض الدول تسلّم «الدواعش» الذين يحملون جنسيتها أو سحبت منهم. فثمة مصيرٌ يجب أن يُرسم لهؤلاء ولنسائهم وأطفالهم، ولعل دولهم حسبت أنهم لن يعودوا أبداً وأن الحرب ستتكفّل بهم، فما العمل الآن وقد نجوا من الموت. الضغط لإبقائهم في العراق أو عند أكراد سوريا ليس خياراً، وقد عرض بعض الدول كفرنسا دفع مساهمة مالية في تكاليف محاكماتهم واحتجازهم «الدائم»، لكن الأعباء والإشكاليات أكبر من أن تُعالج بهذه الطريقة، خصوصاً بالنسبة إلى الأكراد. كانت واشنطن الأكثر إلحاحاً على حلّ هذه المعضلة، ومع أن عدد رعاياها الراغبين في العودة قليل إلا أنها لم تقدّم نموذجاً في سرعة استردادهم. بدهي أن التعقيدات القانونية للمشكلة كثيرة، وكان يفترض أن تستبقها الدول بالتشاور لوضع الحلول المناسبة.
عندما قاربت المعارك ضد «داعش» نهايتها سارعت الدول إلى التنسيق في ما بينها لإجلاء عملائها الذين أرسلوا لاختراق التنظيم استخبارياً، وها هي تتلكأ الآن في تسلّم المقاتلين وتجازف بجعلهم «قنبلة موقوتة» تستولد الجيل التالي من «داعش». لم ينسَ أحد أن هذا التنظيم ولد عملياً في سجون العراق. قد يكون هذا الهاجس دفع أنقرة إلى حسم الجدل والبدء بترحيل الأجانب المعتقلين لديها إلى دولهم غير الراغبة بعودتهم لكن المضطرّة للتعامل مع الأمر الواقع. روسيا وحدها مهتمّة ومتعجّلة لتسلّم الذين هم من تابعيتها أو من الدول التابعة لها ولا تتعذّر بـ «صعوبات» في محاكمتهم والحكم عليهم.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

وثائق إيرانية سرية تكشف هيمنة طهران على بغداد بهذه الطريقة

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

أحمد هاشم

قالت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية إن مئات الوثائق الاستخباراتية الإيرانية المسربة كشفت عن سعي طهران الحثيث للاستحواذ على السلطة في بغداد عبر تجنيد مسؤولين عراقيين.

وذكرت الصحيفة أن تحقيقا استقصائيا أجرته الصحيفة بالتعاون مع موقع "إنترسبت" الأمريكي، أظهر أن طهران جندت مسؤولين عراقيين، وأن رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي يرتبط بالسلطات الإيرانية.

وأشارت الصحيفة إلى أنه في منتصف أكتوبر/تشرين الأول الماضي ومع تصاعد الاضطرابات في بغداد، تسلل "زائر مألوف" خلسة إلى العاصمة العراقية المحاصرة منذ أسابيع، حيث خرج المتظاهرون إلى الشوارع، مطالبين بوضع حد للفساد والدعوة إلى الإطاحة بعبدالمهدي، كما نددوا بالنفوذ الهائل لجارتهم إيران في السياسة العراقية، وحرقوا الأعلام الإيرانية وهاجموا قنصليتها.

وأوضحت أن هذا الزائر هو اللواء قاسم سليماني، قائد "فيلق القدس" الإيراني الذي جاء لاستعادة النظام، لكن وجوده سلط الضوء على أكبر مظالم للمتظاهرين، وقد جاء لإقناع حلفاء إيران في البرلمان العراقي بمساعدة رئيس الوزراء على الاحتفاظ بمنصبه.

ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يُرسل فيها الجنرال سليماني إلى بغداد لمحاولة السيطرة على الوضع، وفقا للصحيفة، التي لفتت إلى أن جهود طهران لدعم عبدالمهدي تعد جزءا من حملتها الطويلة للحفاظ على العراق كدولة خاضعة طيعة.

وأوضحت أن الوثائق الإيرانية المسربة تقدم صورة مفصلة حول محاولات طهران المستميتة لترسيخ نفسها في الشؤون العراقية، والدور الفريد الذي يضطلع به الجنرال سليماني.

ونوهت بأن الوثائق كانت ضمن أرشيف برقيات استخباراتية إيرانية سرية حصل عليها "ذا إنترسبت"، وشاركها مع صحيفة "نيويورك تايمز"، لإعداد هذا التقرير الذي نشرته كلتا المؤسستين الإخباريتين في وقت واحد.

وتكشف التسريبات غير المسبوقة عن نفوذ طهران الهائل في العراق، وتوضح بالتفصيل سنوات من العمل الشاق الذي قام به الجواسيس الإيرانيون لتجنيد قادة البلاد، ودفع رواتب وكلاء عراقيين يعملون لصالح الأمريكيين لتغيير مواقفهم والتسلل إلى كل جانب من جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والدينية في العراق.

وأوضحت التسريبات أن مصادر المعلومات كانوا يختبئون في مطار بغداد يلتقطون صورا للجنود الأمريكيين ويراقبون الرحلات الجوية العسكرية للتحالف، وكان العملاء يمشون في طرق متعرجة لحضور الاجتماعات للتهرب من المراقبة، بينما تغدق عليهم هدايا من الفستق والكولونيا والزعفران، وتقدم رشاوى للمسؤولين العراقيين، إذا لزم الأمر.

كما يحتوي الأرشيف على تقارير نفقات من ضباط وزارة الاستخبارات في العراق، بما في ذلك تقرير بلغ إجماليه 87.5 يورو تم إنفاقه على هدايا لقائد كردي.

كما تظهر إحدى البرقيات الاستخباراتية الإيرانية أن رئيس الوزراء عبدالمهدي، الذي عمل في المنفى عن كثب مع إيران في عهد الرئيس الراحل صدام حسين، كانت له "علاقة خاصة مع إيران"، عندما كان وزير النفط بالعراق في عام 2014.

وتعطي البرقيات المسربة نظرة استثنائية داخل النظام الإيراني السري؛ حيث توضح بالتفصيل إلى أي مدى سقط العراق تحت النفوذ الإيراني منذ الغزو الأمريكي عام 2003، الذي حول العراق إلى مدخل للنفوذ الإيرانية.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

هل يسعى أردوغان لتأسيس حزب جديد يعمل من تحت عباءته؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

جتين غورر

لم يعد من الأهمية بمكان الاجتهاد لشرح التطورات، التي تجري في تركيا في الوقت الراهن، أو فهمها أو التعليق عليها باستخدام قواعد الاستنباط العقلي المعتادة. والسبب في هذا أن تلك القواعد لم تعد صالحة منذ فترة طويلة للحكم على تلك الأحداث.
والواقع أن التحليلات، التي ظللنا، لفترة طويلة، نقوم بها حول التطورات التي تحدث داخل حزب العدالة والتنمية، هي أيضاً من هذا النوع الذي بات من الصعب تفسيره بتحليلاتنا المعتادة.
تحدثنا، فيما سبق، عن النواب الذين انفصلوا عن حزب العدالة والتنمية، والأعضاء الذين استقالوا أو فقدوا أماكنهم داخل الحزب، بعد أن تبوأوا مكانة عالية داخل الحزب؛ بسبب انتقادهم سياسة الحزب، وليس حال عبد الرحمن ديليباك، وخروجه غير المتوقع من الحزب عنا ببعيد.
تناولنا كذلك الصراع المحتدم داخل الحزب، بين وزير الداخلية التركي سليمان صويلو ووزير المالية وصهر أردوغان بيرات البيرق. وأخيراً كان موضوع الحزب الجديد، الذين يسعى كلّ من داود أوغلو وباباجان لتأسيسه. نظرنا، نحن جبهة المعارضة، إلى هذه التطورات بشكل مُجمل، باعتبارها مؤشرات على بداية تصدع فاشية حكم أردوغان، إيذاناً بانهياره.
ولكن ماذا إذا كانت كل هذه التطورات، التي نشهدها في الفترة الراهنة، تدور في إطار خطة محكمة، وضعها أردوغان وحزبه بشكل يذكرنا برواية "1984"، وهي رواية ديستوبية (أدب المدينة الفاسدة أو عالم الواقع المرير) للروائي الإنجليزي جورج أورويل، التي تحكي عن "الأخ الكبير"، الذي يحكم سيطرته ورقابته على كل شيء، وبالتالي يمكننا القول، استناداً إلى هذه الفرضية، إن مساعي باباجان وداود أوغلو لتشكيل حزب جديد لا تتم، هي الأخرى، بعيداً عن أردوغان، بل لا نبالغ إذا قلنا إنها تجري بموافقته، وتحت إشرافه شخصيًا.  والواقع أنه، وإن كان أمر كهذا غير وارد من الناحية المنطقية، فإننا لا نستبعد وقوعه في إطار أحداث رواية ديستوبية كالتي تحدثتُ عنها قبل قليل.
يزخر التاريخ السياسي لتركيا، منذ قيام الجمهورية وإلى الآن، بالكثير من النماذج على "إنشاء حزب جديد"، سواء أكان ذلك استناداً لخطة جرى الإعداد لها سلفاً أم نتيجة لانفصال عن حزب آخر بسبب وجود صراعات وصدامات داخل هذا الحزب. وهناك العديد من الأمثلة الدالة على ذلك؛ أذكر منها تأسيس الحزب الجمهوري الحر، والصدام بين مسعود يلماز وأركان مومجو داخل حزب الوطن الأم، وتفكك حزب اليسار الديموقراطي عام 2000، والانقسام الذي أصاب حزب الحركة القومية بعد ألب أرسلان تُركَش، وظهور الحزب الصالح مؤخراً، ومولد حزب العدالة والتنمية نفسه بعد انفصال أردوغان عن  حركة الرأي الوطني...
وباستثناء الأحزاب، التي تمّ التخطيط لإنشائها، لم تكن الانقسامات والصدامات والصراعات، التي أدت إلى ظهور أحزاب جديدة، تجري في الخفاء أو بدون إثارة ضجة داخل الحزب أو في الساحة السياسية في تركيا؛ الأمر الذي جعل "الصراعات السياسية" داخل الأحزاب التركية سمة أساسية للثقافة السياسية في تركيا. ومن ناحية أخرى، يمكننا القول إن تركيا لم تشهد، في أي وقت من الأوقات، قيام حزب جديد بعد "انفصال مدني" عن حزب آخر، وإنما، دائماً، ما ارتبط تأسيس الأحزاب الجديدة بصراعات وصدامات داخل الحزب الأم.
لقد قرأ المواطنون ظهور داود أوغلو أثناء عبوره من فوق أحد الكباري في إسطنبول، ورؤيته بالمصادفة أحد المواطنين، وهو يحاول الانتحار من فوق هذا الكوبري، ونجاحه، بعد ذلك، في إقناع هذا المواطن بالعدول عن هذا الأمر، بأن هناك حزباً جديداً في سبيله للظهور على الساحة السياسية، وأن هذا الحزب هو الذي سينقذ تركيا بكاملها من الانتحار، وأن داود أوغلو سيصبح الزعيم لهذا الحزب الجديد. ولكن ما حدث أنه مرّ الآن وقت طويل على هذه الواقعة تخلله الكثير من الأحداث، ولم نرَ تركيا، وهي تتراجع بعيداً عن حافة الانتحار، ولم نشهد كذلك ظهور الحزب الذي كثر الحديث عنه.
كذلك مرّ وقت طويل على الزيارة المفاجئة، التي قام بها كل من رئيس الأركان التركي ورئيس جهاز الاستخبارات، بإحدى الطائرات العمودية، إلى عبد الله غول، وناقشا خلالها مع الأخير ما يتردد عن تحالفه مع علي باباجان، وسعيهما لتأسيس حزب سياسي جديد. ولكن ماذا حدث بعد هذا أيضاً ؟ لم يقم أي من عبدالله غول أو باباجان بتشكيل حزبهما الجديد حتى الآن.
سؤالي أيضاً: هل سيفضل أردوغان وأي شخص أو هيكل يحكم تركيا لسنوات طويلة من خلال حزب تعسفي "ديستوبي" مثل حزب العدالة والتنمية أن يلتزم الهدوء، وينظر بود إلى تحركات كوادر وشخصيات من حزبه ظلت تشغل لسنوات مناصب وزارية، أو حتى شغلت منصب رئيس الوزراء قبل ذلك، وهي تنفصل عن الحزب، بل وتحاول استمالة الكتلة التصويتية الخاصة به إلى جانبها؟ هل يستقيم في ذهن أحد أن أردوغان، الذي تدخل من أجل استصدار قرار من المحكمة في إحدى مدن ولاية سيواس لمنع حدوث انقسامات حزب الحركة القومية، ومنع عقد الاجتماع الطارئ لحزب الحركة القومية سيكتفي بدور المتفرج، وهو يتابع الكوادر، التي تنفصل عن حزبه الواحد تلو الآخر، وسعيها لإنشاء حزب سياسي جديد؟
في رأيي، إن أردوغان، الذي صعد إلى السلطة من قبل بعد الانفصال عن حزب سياسي آخر، وليس عن طريق الاتحاد بين ذلك الحزب وحزب آخر، لن يرضى بدور المتفرج، ولن يبقى مكتوف الأيدي، وهو يرى حالة الانقسام والصراعات التي تجتاح حزبه في الوقت الراهن.
أي انفصال هذا الذي يتحدثون عنه وداود أوغلو وعلي باباجان، اللذان استقالا من حزب العدالة والتنمية، ومن المفترض أنهما يستعدان لتأسيس حزبهما الجديد، لم يتوقفا عن لقاء أردوغان في السر والعلن ويطلبان منه المشورة.
قرأتُ بالأمس أيضاً خبراً يتحدث عن أن أردوغان طلب مقابلة باباجان والاجتماع معه. والواقع أن هذه المقابلة لم تتم، ليس لسبب آخر سوى أن أردوغان نفسه لم يرد الالتقاء بباباجان قبل رحلته إلى أميركا، والاستماع إلى آرائه ومقترحاته بشأن هذه الزيارة، وأن كل ما في الأمر أنه ربما أراد أن يبعث إليه برسالة تحذير مفادها "لا أريد أية مفاجآت في أثناء غيابي عن تركيا".
من ناحية أخرى، لم نسمع عن أي صراع أو صدام مباشر بين أردوغان من ناحية، وداود أوغلو وعلي باباجان من ناحية أخرى، على الرغم من أننا نشهد فترة لا يستطيع المجتمع أو الساحة السياسية التركية التقاط أنفاسهما من حدّة التوترات بها، بل وعلى العكس من ذلك تماماً جرت عملية الانفصال بشكل متحضر للغاية، ودون أي تحدٍ من جانب أي من الطرفين. والوقع أن هذا الاحترام المتبادل قد يكون أمراً محموداً يحسدون عليه في ظل الظروف العادية، وليس في فترة كالتي نعيشها الآن؛ حيث ازدادت أعمال العنف، وسقطت البلاد في مستنقع الحرب والموت والفقر والجوع؛ مما أدى لارتفاع نسبة الانتحار بين المواطنين بشكل غير مسبوق.
لقد بثت القناة التليفزيونية الألمانية-الفرنسية ARTE ، الأسبوع الماضي، فيلمًا وثائقيًا رائعًا نال اهتماماً كبيراً من جانب المُشاهِد الأجنبي. تناول الفيلم وجه الشبه بين أردوغان ومؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك، وكيف أن أردوغان يعتبر المؤسس الثاني لتركيا، وهو موضوع ألِف المشاهد التركي الحديث عنه.
ولكن عند النظر إلى حقيقة أن أتاتورك هو الذي أسس الحزب الجمهوري الحر بيده، عندئذ تصبح فرضية أن أردوغان، الذي يسعى اليوم كي يصبح أتاتورك الثاني في تركيا، يخطط الأن لإنشاء حزب بأيدي داود أوغلو وباباجان يصبح أكثر "ليبرالية" مما كان عليه حزب العدالة والتنمية عند تأسيسه، فرضيةً أكثر منطقيةً وتوافقاً مع الدور الذي يؤديه الآن.
السؤال الآن: لماذا يحتاج أردوغان إلى حزب جديد يعمل من تحت عباءته، وكيف سيلبي ذلك الحزب تطلعات أردوغان خلال الفترة المقبلة؟
لا شك أن وجود هذا الحزب الجديد سيضعف، بشكل كبير، الجبهة المعارضة لأردوغان وحزب العدالة والتنمية، وللنظام الرئاسي ككل. ومع هذا، تبقى فرضية أن هذا الحزب قد لا ينضم إلى جبهة المعارضة من الأساس، ويفضل الدخول في شراكة مع السلطة إذا اقتضى الأمر. وبالتالي من الممكن أن يؤدي دوراً مهماً في اتجاه تعزيز سلطة أردوغان والنظام الرئاسي بصفة عامة وترسيخها؛ مما يعني أن أعضاء هذا الحزب قد يرتدون نفس القميص الذي يرتديه المنتمون لحزب العدالة والتنمية. وبالتالي ينجح أردوغان في تحقيق ما لم يقدر عليه بالصراع مع الأحزاب الأخرى أو عن طريق الانتخابات.
في رأيي، إن أردوغان يفضل، في سعيه لترسيخ سلطته في تركيا، تكليف أي حزب أو قوة أخرى بمهمة تفكيك الأحزاب الائتلافية مثل حزب الشعب الجمهوري عن طريق اجتذاب "الديمقراطيين"، الذين لم يجدوا أمامهم خيارات مناسبة في الماضي سوى التصويت لحزب الشعب الجمهوري أو لغيره من الأحزاب الديمقراطية اليسارية الصغيرة الأخرى، وتوجيهها، إلى التصويت لداود أوغلو وباباجان، بدلاً من محاولته، عن طريق حزب العدالة والتنمية، استرداد أصوات الليبراليين والمحافظين والأكراد، الذين كانوا يدعمونه ويدعمون حزبه في السابق، أو السعي لاستمالة بعض الأصوات من حزب  الشعب الجمهوري أو حزب السعادة.
ويرى أردوغان كذلك أن ظهور الحزب الجديد، الذي سيعمل بتوجيهاته بطبيعة الحال، سيعمل على تهميش مطلب أحزاب مثل حزب الشعب الجمهوري والحزب الصالح وحزب السعادة، بإعادة العمل بـِ "النظام البرلماني" من جديد، وإضعاف أصواتهم، والقضاء على أية محاولة لانتقاد النظام الرئاسي، ووصف أردوغان بأنه "ديكتاتور" أو "مجرم حرب"؛ مما يسهم في تقوية نفوذه بالداخل.
وكان من الطبيعي أن يلتزم أردوغان الصمت، وألا يعلق على إنشاء الحزب الجديد، الذي سيؤدي هذا الدور الحيوي بتوجيه منه، بل سيمنحه بعض النواب داخل البرلمان. وفي رأيي، إن أمراً كهذا لا يدعو إلى الطمأنينة، ولا يبعث على الأمل بأي حالٍ من الأحوال، وآمل أن أكون مخطئًا، وأن تكون الأغلبية محقة في تصورها للوضع، بعيداً عن هذه الفرضية ...

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية