إشكالية العلاقة بين السلطة والمعرفة في التاريخ الإسلامي

إشكالية العلاقة بين السلطة والمعرفة في التاريخ الإسلامي
6302
عدد القراءات

2019-06-16

يحاول مؤلف كتاب "المعرفة والسلطة في التجربة الإسلامية: قراءة في نشأة علم الأصول ومقاصد الشريعة"، عبدالمجيد الصغير، كما يعرض في المقدمة الإضافية للكتاب، التأسيس لطريقة جديدة في البحث، وإنشاء رؤية تعيد طرح الإشكالية من الأساس، إضافة إلى إعادة النظر في مفاهيم سابقة تخص إشكالية السلطة العملية في الإسلام.

اقرأ أيضاً: فقه الاستبداد: العلاقة الجدلية بين السياسة والأخلاق في التاريخ الإسلامي

ويطرح المؤلف في ذلك سؤالاً إشكالياً: كيف يجوز تقويم العلم في الإسلام دون أن نضع في الاعتبار دور السلطة السياسية كإطار اجتماعي؟ وإذا أمكن لرجل السياسة الاستحواذ على "أجساد المحكومين" فكيف تسلم "عقولهم" وينجو إنتاجهم المعرفي من تأثيره وتوجيهه؟ وفي ذلك يجب الاعتراف بأنّ إشكالية العلاقة بين السلطة والمعرفة أثبتت حضورها القوي في تاريخ الإسلام سيما في الفترات الحرجة المتسمة بـ "الفتنة" و"انحلال السلطة".

غلاف الكتاب

يملك العالم أو الفيلسوف أو المفكّر، بوجه عام، القدرة على النقد والتأثير والتوجيه، وبرغم أنّه لا يملك السلطة فإنّ معرفته سلطة، وبالتالي فهو ينافس رجل السياسة، أو يكون هدفاً له لأجل امتلاك السلطة الشرعية. واعتباراً لهذا التداخل بين المعرفي السياسي وجب عند منظّري السياسة في الإسلام ضرورة الفصل بين مفهوم السياسة ذاته ومفهوم القوة. فـ "السياسة" هي القيام على الشيء بما يصلحه؛ فهي تدبير، يقضي ضرورة القيام على الشيء وإتقانه بهدف ترشيده وإصلاحه قبل كل شيء، كما أنّ من شأن ذلك التعريف أن يوسع مفهوم السياسة بحيث يجعل منها مآلا متداخل الاختصاصات؛ فسواء تعلق الأمر برجل السلطة الفعلية أو بصاحب المعرفة العلمية فكل منهما رجل سياسة يملك سلطة وقدرة على التأثير. يقول الفخر الرازي: السياسة رياسة، وعلم السياسة هو علم الرياسة.

يحاول عبدالمجيد الصغير أن يعالج مصادر أصول الفقه على نحو مختلف عما نهجه المستشرقون والباحثون العرب

أسست نصوص إسلامية عديدة إضافة إلى النص الأصلي (الكتاب) تقليداً فكرياً لدى "العلماء" في الإسلام، جعلهم يفتخرون بكونهم "الموقعين عن رب العالمين" كما جعلهم يقفون غالباً موقف الحذر من السلطة السياسية الفعلية، وتنعدم لديهم الثقة باختياراتها وبنواياها، مما يعني على مستوى آخر مشكلة العلاقة بين رجل السياسة ورجل العلم في الإسلام، وقد عكست إشكالية اتخذت دوماً صيغة التوتر بين منطق الواقع ومنطق الواجب، وبين الكائن والذي ينبغي أن يكون، بين السياسة الفعلية و"السياسة الشرعية"؛ والمشكلة في آخر التحليل مشكلة العلاقة بين من يتخذ سيطرته على الواقع حجة للتمسك بسلطته العليا ومبرراً لإضفاء "الشرعية" عليها، وبين من يرفض الاحتكام إلى القوة ومنطق الواقع ويسوّد الصفحات، ويسهر الليالي في التقويم والاعتبار وتحليل المعاناة اليومية في صلب ذلك الواقع الكائن، ليفكر فيما ينبغي أن يكون.

اقرأ أيضاً: المثقف اللامنتمي: مواجهة الفكر والسلطة في التاريخ الإسلامي

ولا ريب أنّ المشكلة اتخذت صوراً مختلفة عبر حقب وعصور تاريخ الإسلام حتى وقتنا الحاضر، لكنها تظل في سائر الأحوال محتفظة بسمتها الأساسية، سمة الجدال والصراع والحذر! هكذا تتقاطع السلطتان في تاريخ الإسلام: سلطة المعرفة التي تطمح أن تكون "سياسية" وسلطة السياسة التي ترغب في امتلاك المعرفة وتوظيفها.

اقرأ أيضاً: "المهمشون": المعارضة المنسية في التاريخ الإسلامي

يرى المستشرق المجري جولد زيهر (1850 – 1921) في كتابه "العقيدة والشريعة في الإسلام"؛ أن التآخي بين الدين والدولة تراث فارسي اقتبسه العباسيون، وهو ما يفسر لديه تلك المنزلة التي احتلها الفقهاء في بلاط العباسيين والحظوة التي كانت لهم عند خلفائهم، لكن ربما يكون، كما يؤكد زيهر نفسه، أنّ المسألة مرتبطة بتطور الفقه الإسلامي، فقد احتاج المسلمون إلى فترة زمنية لبناء المعرفة والتنظيم السياسي والفقهي، إلى أن جاء الوقت الذي صار رجال القضاء والفقه يحتلون مكانة عظيمة في الدولة والحضارة.

 التأصيل الفقهي للسياسة والتشريع بدأ بالشافعي في كتابه "الرسالة"

ويردّ مستشرقون مثل؛ المستشرق الألماني جوزيف شاخت (1902 – 1969) إلى أنّ التأصيل الفقهي للسياسة والتشريع بدأ بالشافعي في كتابه "الرسالة" والمؤسس لأصول الفقه، وقد سبقه بقليل ابن المقفع في "رسالة الصحابة" لكن شاخت ومستشرقين آخرين مثل؛ برانشفيك ويتابعهما محمد أركون ونصر حامد أبو زيد يعتقدون أنّ الشافعي قد ثبت علم الأصول ما تسبب في عقمه، لكن برأي أركون فإنّ الشاطبي بكتابه "الموافقات" خفف كثيراً من حدة النظرية الصارمة لأصول الفقه.

يملك العالم أو الفيلسوف أو المفكر القدرة على النقد والتأثير والتوجيه وبرغم أنّه لا يملك السلطة فإنّ معرفته سلطة

وفي المقابل فهناك باحثون ومفكرون حاولوا أن ينشئوا رؤية مستقلة لعلم الأصول، مثل حسن حنفي (من النص إلى الواقع) ومحمد خالد مسعود في دراسته للفكر الأصولي عند الشاطبي، وعبدالمجيد التركي في كتابه مناظرات ابن حزم والباجي حول أصول الفقه الإسلامي. وهناك بالطبع ابن رشد والغزالي والجويني وغيرهم من العلماء والفلاسفة الذين طوروا الفكر العربي الإسلامي في الأصول والشريعة والسياسة.

أما عبدالمجيد الصغير، فهو يحاول، حسب قوله، أن يعالج مصادر أصول الفقه على نحو مختلف عما نهجه المستشرقون والباحثون العرب، وذلك بإجراء دراسة شاملة ومقارنة للمصادر لتشمل أطيافاً وأجيالاً ممتدة في الفكر الأصولي، ورصد جدلية العلاقة بين الواقع والإنتاج الفكري لعلماء الأصول، والاهتمام أيضاً بكتب الآداب السلطانية وأدب الكتاب والدواوين والقضاة والوزراء، وكذلك المصادر غير المباشرة مثل كتاب المحن لأبي العرب التميمي في القرن الرابع الهجري والذي يمكن اعتباره، كما يقول عبدالمجيد الصغير، من أقدم النصوص التي تحرص على أن توثق للعلاقة بين رجل العلم ورجل السياسة في الإسلام في شكل محن متلاحقة، وكذلك أعمال ابن خلدون وابن الخطيب والمقري الحفيد والمقريزي وكتب الطبقات والرحلات، هذا بالطبع إلى المصادر الحديثة التي اعتنت بالفكر الأصولي والسياسي الإسلامي.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كتاب ينقد الأصولية فكرياً من خلال واقعها .. كيف؟

2019-12-12

برز دور الأصوليات الدينية وغير الدينية بشكل واضح ومؤثر في تشكيل العالم من بعد أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، التي كان لتنظيم القاعدة السلفي الجهادي الإسلاموي، الذي أصبح أصولياً فيما بعد، دوراً مفصلياً فيها. ونجم عن ذلك انشغال الفكر والبحث والإعلام  الغربي والعربي بتفاصيل تلك الظاهرة وتجلياتها عبر العصور من خلال نبش كل الماضي السلفي/الأصولي الديني، ومحاولة استشراف مستقبل تلك الظاهرة ورصد تأثيرها في الواقع المحلي والعالمي، ثقافياً وسياسياً واجتماعياً، في القادم من الأيام.

اقرأ أيضاً: التجربة الإخوانية في الميزان: كيف تبني الأصولية وعياً زائفاً؟

كتاب "تهافت الأصولية: نقد فكري للأصولية الإسلامية من خلال واقعها المعاش"
وإذا كان ثمة قصور في الفكر العربي ومؤسساته البحثية والإعلامية في التعمق في الإلحادي دراسة تلك الظاهرة عن مثيله الغربي فمردّه إلى حملات التشويه والقدح والشتم التي تشنّها السلفية/ الأصولية الإسلامية على كل  من يتعرض لها بالنقد السلبي، عدا عن محاولتها أن توحد بين فكرها وقناعاتها وأيديولوجياتها وبين الدين ذاته على ما بينهما من فروق، كي ترمي كل من يطالها بالنقد، بالكفر الإلحادي أو الكفر الشركي أو الزندقة. خاصة وأنّها تتمسك بقراءة حرفية جامدة للنصوص الدينية ترفض منطق العقل والمجاز والتأويل، وتركز على النصوص التي جاءت في المرحلة المدنية من حياة الإسلام التي أبُيح بها استعمال القوة والسيف في محاربة الكفار من قريش وأنصارها حرباً مكشوفة.

حاول الباحث التمييز بين أربعة أنواع من السلفيات من حيث نشأتها المكانية وعلاقتها بكل من الدولة العثمانية والحداثة الغربية

يسهم كتاب الباحث الأردني شاكر النابلسي "تهافت الأصولية: نقد فكري للأصولية الإسلامية من خلال واقعها المعاش"، الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت 2009، في التعريف بالظاهرة السلفية/الأصولية ومحاولة استدراك مخاطر هذه الظاهرة على الدين والواقع العربي حاضراً ومستقبلاً. وقد جعل الباحث كتابه في بابين عريضين ينضوي تحت كل منهما العديد من العناوين الفرعية المركزة والمباشرة تماشياً مع إيقاع العصر السريع وثورة الاتصالات والإنترنت من جهة، وتيسيراً يفيد منه القارئ المهتم والباحث المتخصص على السواء. فيذهب في الباب الأول "في السلفية" إلى التعريف بالسلفية وجذورها وأنواعها وغاياتها والتماس الفروق بينها وبين الأصولية، محاولاً التمييز بين أربعة أنواع من السلفيات من حيث نشأتها المكانية وعلاقتها بكل من الدولة العثمانية والحداثة الغربية، فيقسمها إلى:
- السلفية الشامية التي نشأت في بلاد الشام، والتي ناصرت الدولة العثمانية وتحفظت على الحداثة الغربية، ونادت باستمرار الخلافة الإسلامية نكاية بالمسيحيين والعلمانيين في مصر وبلاد الشام تحت شعار العودة إلى الجذور واستنساخ تجارب الماضي، وساعدت على قيام مجموعة من الأحزاب السياسية الإسلامية كحركة الإخوان المسلمين وحزب التحرير الإسلامي وغيرهما.

 

-السلفية المصرية التي نادت بالعودة إلى التراث مع عدم رفض المعاصرة، لكنها ناصرت الدولة العثمانية ونادت باستمرار الخلافة الإسلامية نكاية بالاحتلال البريطاني لمصر وحاربت الحداثة الغربية وقيمها وأفكارها، وبفضلها تحقق قيام مجموعة من الأحزاب السياسية الدينية على رأسها جماعة الإخوان المسلمين التي تفرعت منها الجماعات الإسلامية الإرهابية بدءاً من النصف الثاني من القرن العشرين.

 

يلفت الباحث إلى أنّ السلفية بنت القرن الثامن عشر وظهرت كدعوة دينية اجتماعية لتطهير الدين من البدع والخرافات

-السلفية الخليجية التي نشأت في الخليج العربي بهدف القضاء على الخرافات والطقوس والعادات السيئة والدعوة إلى العودة للتراث وسيرة السلف الصالح، وثارت على الدولة العثمانية وناصبتها العداء وعدتها عدوة الدين الصحيح الخالي من الخرافات، لكنها لم تعرف الحداثة بحكم منشأها البدوي وانغلاقها الجغرافي والتاريخي ولم تناصبها العداء الشرس إلا في الربع الأخير من القرن العشرين.
- السلفية المغاربية التي نشأت في المغرب العربي بعيداً عن نفوذ الدولة العثمانية لعدم خضوعها السياسي المباشر للباب العالي؛ فدعت إلى العودة إلى سيرة السلف الصالح وتبنّت الحداثة بتحفظ وناضلت ضد الاستعمار الفرنسي نضالاً بطولياً طويلاً واستطاعت أن تحصل لبلدانها على الاستقلال.

اقرأ أيضاً: كيف أصبحت الأصولية ملاذَ المغتربين في المدينة؟
ويلفت الباحث أنّ الغاية من هذا العرض التاريخي هو التمييز بين السلفية والأصولية؛ فالسلفية أقدم تاريخياً من الأصولية، وهي بنت القرن الثامن عشر، وقد ظهرت كدعوة دينية اجتماعية لتطهير الدين من البدع والخرافات والعودة إلى الإسلام الصافي، ونشأت في بيئات بسيطة؛ حيث التدين الصوفي الشعبي البسيط، في حين ظهرت الأصولية مع ظهور الإسلام السياسي في النصف الثاني من القرن العشرين وبدايات القرن الواحد والعشرين في بيئات مدنية أو شبه مدنية تقرأ وتكتب، وهي أحد منجزات الحداثة ورد فعل عليها في آنٍ، وهي، وإن كانت قد نشأت من رحم السلفية، لكنها دعوة دينية سياسية تشبه من بعض وجوهها الحركات والدعوات اليسارية الراديكالية، هدفها الأقصى الوصول إلى السلطة وإقامة الخلافة الإسلامية والدولة الإسلامية.

 

وإذا كان جميع الأصوليين سلفيين لكن ليس كل السلفيين أصوليين، فثمة من يعرف نفسه من السلفيين "بالسلفي العقلاني المتنور" أو المستنير الذي يسعى لأخذ الدين من منابعه النقية وليس من فكر العصور الوسطى ومتونها وحواشيها، ويدعو إلى إصلاح الدين وتحديث المؤسسات التعليمية الدينية، وإدخال العلوم الوضعية والطبيعية في مناهجها التعليمية، واعتبار (الإنسان من أكبر أسرار هذا الكون، وهو قادر بعقله على استجلاء ما غمض واستكشاف ما جَهُل). ولعل الفرق الجوهري الذي يشير إليه النابلسي بين الدعوتين؛ السلفية والأصولية، يتمثل في ميل السلفية للمهادنة والسمع والطاعة لولي الأمر وتحريم الخروج على الحاكم الجائر ورفض الثورة أو التظاهر أو العصيان، في حين يمثل الوصول إلى السلطة وقلب الحكم وأسلمة الدولة والمجتمع الفكرة الأساسية التي توجه سلوك أصحاب الأصولية وتتحكم به. وهم لا يتورعون بالوصول غايتهم تلك عن استخدام حتى (جثثهم وجثث غيرهم من المسلمين، وغير المسلمين، الممزقة، والمقطعة الأوصال، والمحترقة في شوارع مدن العالم). ويستميت الأصولي في طلب السلطة حتى ولو على قطعة أرض صغيرة يقيم عليها "دولته" ويطبق فيها شرعه وعقيدته، "كحماس" في غزة و"حزب الله" في الجنوب اللبناني كمثالين ساطعين.

 

اقرأ أيضاً: تجديد الخطاب الديني بين الوهم والواقع.. هل سيكون الجيل الجديد أقل أصولية؟
أما السلفية الجهادية الإرهابية فيعتبرها النابلسي بأنّها الابن الشرعي للقطبية ومرجعيتها الفكرية والأيديولوجية هي أفكار سيد قطب وأبو الأعلى المودودي وليس الفكر السلفي الوهابي، وأنّها هي والسلفية /الأصولية السياسية ليستا حركتين دينيتين، إنما حركتان سياسيتان بمسوح دينية. فزعماء هذه التنظيمات السياسية ليسوا من علماء الدين ولا من خريجي المعاهد الدينية ولم يدرسوا الدين دراسة أكاديمية، بل هم من خريجي التعليم الوضعي الحديث الذي عممته الدولة الحديثة بعد الاستقلال.

 

الأصولية ظاهرة
يفرد الباحث النابلسي الباب الثاني من كتابه للبحث في معنى الأصولية، بشكل عام، والأصولية الإسلامية، بشكل خاص، منطلقاً من الأصولية بأنّها (قرينة كل فكر يحيل النصوص، أو القواعد، أو الأفكار، أو الآراء البشرية، إلى أصول ثابتة، جامدة، متصلبة، لا تعرف المرونة ولا تراعي التغيرات في الواقع المتحول، الذي يحيط بها). ولا تقتصر الأصولية على الأديان التوحيدية وغير التوحيدية بل هي سمة كل فكر وأيديولوجيا تميل إلى التعصب وتضفي على معتقداتها طابع القدسية والثبات وترفض التغير مع تحولات الواقع والزمان، ولا تختلف الأصولية المدنية على اختلاف تياراتها الفكرية في ذلك عن الأصولية الدينية المتعصبة التي تشكل أساسها التكويني ومنشأها الأول؛ فالأصوليات تهيج بعضها بعضاً، وتكره بعضها بعضاً وعدوه المشترك واحد، (وهو النزعة الإنسانية العلمانية أو فلسفة التنوير والحداثة). فرغم أنّ الأصوليين ومنهم الإسلاميون هم أبناء العصر الحديث وينتمون بعقولهم إلى العصر الحديث يرحبون باستعمال منتجات التكنولوجيا الحديثة لصالحهم ولصالح انتشار أفكارهم، لكن أرواحهم تنتمي إلى العصور الوسطى أو ما قبلها، ويعيشون انفصاماً عقلياً ما بين حبهم لمنتجات الحداثة المادية وتمتعهم باستعمالها وما بين كرههم ورفضهم لفلسفتها وعقلها التنويري وطريقة الحكم السياسي فيها. وهذا هو حال الأصولية الإسلامية التي قامت حسب المؤلف على أفكار أربعة من الإسلاميين هم: الباكستاني أبو الأعلى المودودي المنظر الأول للأصولية الإسلامية المعاصرة وصاحب فكرة "الحاكمية"، وتلميذه المصري النجيب سيد قطب، ومن إيران، الخميني صاحب "ولاية الفقيه".

ظهرت الأصولية مع ظهور الإسلام السياسي في النصف الثاني من القرن العشرين في بيئات مدنية وشبه مدنية تقرأ وتكتب

وقد قامت هذه الأصولية كغيرها من الأصوليات لكن ربما بشكل أكثر مبالغة على رفض إعمال العقل بالنص الديني ومزج النسبي بالمطلق، والحقيقة العابرة بالحقيقة الأبدية، ومن ذلك كان عداؤها الصريح للعلمانية التي تقوم على التفكير النسبي، ووصمها بالكفر والإلحاد، وطالت يدها بالتنكيل والاغتيال كل من استطاعت الوصول إليه من مخالفيها. وقد مرت الأصولية، كما يذكر النابلسي، مستشهداً برؤية فرانسوا بورجا في سياق تطورها بثلاث مراحل:
المرحلة الأولى وتبدأ من تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في مصر ومحاولة إحياء الخلافة الإسلامية التي أنهاها أتاتورك وحتى عام 1950، وتحويل مصر إلى دولة دينية.

 

المرحلة الثانية وتبدأ منذ فجر الاستقلال وحتى 1990 والتي شهدت تنافس الأصولية مع موجة الفكر القومي الصاعد وتعرض الأصوليون خلالها إلى الملاحقة والسجن والطرد من الحلبة السياسية حتى بدأ صعودهم من جديد عندما أفرج السادات عند كوادرهم وأطلق يد الأصولية في المعاهد التعليمية والصحافة لكي يقلل من ضغط الناصرية وأتباعها عليه بعد توجهه نحو الغرب ومحاولة انفكاكه من المحور السوفييتي، كما رافق ذلك انتعاش الأصولية في بلدان الخليج العربي بعد هجرة الإخوان إليها.
والمرحلة الثالثة وتبدأ بعد حرب الخليج عام 1991 والتي شهدت انطلاق تنظيم القاعدة  وعدد من العمليات الإرهابية أعادت الأصولية إلى المسرح السياسي المحلي والدولي. خاصة بعد استثمارها من مراكز القرار الدولية والأنظمة الاستبدادية العربية التي عبدت الطرق نحو الراديكالية الإسلامية التي ما زلنا نشهد كوارثها حتى اليوم، خاصة في مصر. 

 

أهم مظاهر انتشار الأصولية في المرحلة المتصلة بعصر العولمة وثورة الاتصالات بروز دعاة الأصولية كنجوم إعلاميين والشيوخ المفتين

وأهم مظاهر انتشار الأصولية في هذه المرحلة المتصلة بعصر العولمة وثورة الاتصالات بروز دعاة الأصولية كنجوم إعلاميين والشيوخ المفتين وتحول الأصولية إلى مصدر للمعرفة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والدينية وتغلب الفقهاء على العلماء والخبراء وهو ما يعزوه الباحث إلى حالة الجهل والإحباط والتجهيل التي انحدر إليها الوضع العربي بفعل سلطات الاستبداد التي أطلقت يد الأصولية في مناهج التعليم واستفادت منها في تحصيل شرعيتها السياسية المنقوصة ومحاربة خصومها السياسيين، وليس نابعاً من قوة الأفكار الأصولية وثقافة ومعرفة رجال الدين. ما جعل من الأصولية تتحول إلى عائق حقيقي أمام عملية التحديث والتطوير على جميع المستويات المعرفية والثقافية والاجتماعية والسياسية والتعليمية واللغوية..، وسداً في وجه القوى الحيوية الشابة الباحثة عن مستقبل أفضل لأوطانها ومجتمعاتها، والساعية نحو إرساء حكم سياسي ديمقراطي رشيد يقوم على مبدأ المواطنة وحفظ الحقوق، والاعتراف بحرية الآخر المختلف والانفتاح عليه وليس على مبدأ الولاء والبراء ودار الإسلام ودار الحرب، ونحو إقرار المساواة بين الجنسين والتخلص من فوبيا المرأة وإفساح المجال أمامها للمشاركة الفعلية في الحياة السياسية، والتفريق بين المواطن والمؤمن تفريقاً يقيم السياسة بما هي سياسة وينصف الدين بدلاً من  إعادة إنتاج التخلف والاستبداد والتطرف والعنف.

للمشاركة:

"تحرير الإسلام".. هل تستطيع الأدوات التقليدية مواجهة تحديات الحداثة؟

2019-12-01

يوحي عنوان كتاب المفكر الأردني فهمي جدعان "تحرير الإسلام ورسائل زمن التحولات"، الصادر عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر في بيروت العام 2014، بنفحة نضالية أو نزوع أيديولوجي معين، نظراً لارتباط مفردة التحرير في الفكر العربي والفكر السياسي العربي بشكل خاص بالأيديولوجيات النضالية على اختلاف أطيافها من جهة، ونظراً لأنّ الكتاب صدر في زمن التحولات الكبرى؛ عالمياً ومحلياً، وفي خضم الثورات العربية واستجابة لأسئلتها الحارقة وملابسات دور الإسلام السياسي وحركة الإخوان المسلمين في هذه التحولات من جهة ثانية.

اقرأ أيضاً: فهمي جدعان إذ يدعو إلى تحرير الإسلام من التطرف والغلوّ الديني
لكن فهمي جدعان ينفي عن نفسه أي صفة أيديولوجية من تلك الأيديولوجيات، ويقدم نفسه في مقاربته "للمسألة الإسلامية" التي ينهض لها، بكونه مفكرَ بحث، وفق تصنيف إدوارد سعيد "للمثقف المفكر"، (يلتزم منهجاً عقلياً تكاملياً، واقعياً، حراً، نقدياً) وليس "داعية" أو "واعظاً" من "وعاظ السلاطين" ولا "إسلامياً سياسياً" أو غير سياسي.

غلاف الكتاب
إنّ المهمة التي يقوم بها جدعان، في هذا الكتاب، هي، كما يقول، "اجتهاد إنساني نقدي في مسائل الوجود والمجتمع وحياة دين الإسلام وأهله، وبذل الوسع من أجل حماية هذا الدين من أهله أولاً، ومن مبغضيه وأعدائه ثانياً"؛  فالتحدي الذي يتعرض له الإسلام اليوم، كما يرى الباحث، لا يقتصر على تحدي الحضارة الغربية الظافرة والعولمة بلكنتها الليبرالية الجديدة ووجهها الأمريكي البشع وحسب؛ بل يشارك المسلمون أنفسهم في صنع هذا المصير البائس الذي آل إليه الإسلام "بما أحدثوه في أعطاف هذا الدين من فهوم ورؤى ومسالك وخيارات ومظاهر ذهنية وميثية وعملية أعادت تشكيل تصورات المسلمين لدينهم ولمستقبل هذا الدين في العالم". 

اقرأ أيضاً: سوداوية الإسلام السياسي
ويبين أنّ تحرير الإسلام اليوم: هو تحريره من تلك الرؤى والفهوم والتصورات والمظاهر والخيارات الجالبة للإساءة، والمشوهة لحقيقة الدين، والمضرّة بمصالح أهله؛ أي تحرير الدين من السياسة، وتحرير الإسلام كدين من الإسلام السياسي؛ فالإسلام السياسي في رأي الباحث، "بدعة" أيديولوجية حديثة، ونَسجٌ على منوال الأحزاب السياسية الحديثة، وهو انحراف صريح عن غائية الإسلام الحقيقية التي هي غائية أخلاقية حضارية، لا حركة سياسية مكيافيلية تطلب السلطة والغلبة والإقصاء للمختلف.

الإسلام السياسي في رأي جدعان بدعة أيديولوجية حديثة وانحراف صريح عن غاية الإسلام الحقيقية

وإذا كان ثمة من يجادل بأنّ الإسلام "دين ودولة" منذ نشأته الأولى فإنّ المسلمين ليسوا في حاجة إلى أن يخططوا لوجودهم في هذا العالم وفقاً لمبادئ السياسة في الصراع والاقتتال والحرب الدائمة فحسب، إنّما في حاجة إلى إصلاح الإنسان والمجتمع بالمعنى، والقيمة، والمبادئ الأخلاقية والإنسانية الرحيمة؛ فالإيمان التقي الرحيم، التواصلي العادل، هو طريق الخلاص، لا "الإيمان المستعلي" المسكون بإغراءات التفرد والسلطة والاستبداد والانفصال، وإنّ "المطلوبات  العظمى" المتمثلة في الشعارات التي رفعها شباب الثورات العربية تعبيراً عن حاجتهم وحاجة مجتمعاتهم للحرية والكرامة الإنسانية والعدل والخير العام والديمقراطية والدولة العادلة والنظام السياسي السديد... واحترقت لأجلها النفوس والأبدان والمجتمعات والأوطان تفرض راهنيتها وضرورتها وأسبقيتها، وتفرض على الفكر والسياسة استئناف النقاش العقلاني البنّاء حولها لا الوعود المبدَّلة والنفاق الأيديولوجي.

اقرأ أيضاً: كيف تكيّف الإسلام السياسي مع "سيولة" الحداثة؟
ولا تقابل هذه المطالب باستدعاء التاريخ المتخيّل أو التراث المكيف حسب الرغبة والأيديولوجيا الصلبة والدوغمائية التي لا تقيم غير التحاجز والتنابذ والترافع والعنف وفق منظور سياسي مسرف للدين يحتقر العقل والقيم الإنسانية، وينكص إلى روح القبيلة والعصبية، ويطلق فتاوى التكفير بحق المخالفين ويحلل قتلهم دون أدنى اعتبار لمبادئ أو أخلاق أو أصول دين، ويجعل من الإسلام ديناً مثيراً للخوف والكراهية والنفور، ليس في العالم غير الإسلامي فحسب؛ بل في بيئته وعوالم أهله أيضاً، وهو ما يوجب حسب رأي الباحث "تحرير الإسلام".

ما بين الخوف على الإسلام والخوف منه
يفتتح الدكتور فهمي جدعان الجزء الثاني من كتابه بالتأمل في حال الإسلام اليوم وبسؤال إشكالي حول مصيره ومستقبله، يسوقه معاكساً للمطالعات الفكرية والسياسية التي تتحدث عن عودة الديني والمد الأصولي وقوة الدين في المجال العام مقابل إحباطات الحداثة والعقل الأداتي.. بقوله: "هل نشهد حقاً زمن ارتداد الإسلام إلى حدوده الدنيا، وأنّنا في قبالة أمارات تنبئ بحدث كوني عظيم يتجه فيه الإسلام في طريق التشظي والعجز والأفول وغيض الملامح؟ أم نشهد عودة الإسلام واستيقاظه من سباته الطويل ليحل بديلاً عن النظم الليبرالية والعلمانية والديمقراطية المخفقة"؟

تحديات الإسلام اليوم لا تقتصر على الخارج بل يشارك المسلمون أنفسهم في صنع هذا المصير

لا يتعجل فهمي جدعان، الذي لا يخفي غيرته على دين الإسلام، توجّسه وخوفه على مستقبل الإسلام أمام التحديات الحضارية الماثلة في زمن العولمة المتخطية لكل الحدود، والمهددة لكل الهويات والخصوصيات في تقديم جواب أيديولوجي أو عقائدي على السؤال الذي انطلق منه، كما يفعل الكثير من منظري الإسلام السياسي الحركي وتيارات الأيديولوجيا السياسية الواثقة والمتفائلة، أو من خلال براغماتية سياسية تلتمس تفسيراً ذرائعياً كنوع من الانحناء أمام العاصفة، بل يمكن القول: إنّ جملة فصول الكتاب اللاحقة التي ساقها تحت عناوين مختلفة هي محاولة لتقديم إجابة على سؤاله الإشكالي الأول، في زمن يعتبره من أكثر الأزمنة العربية حيوية وتوتراً وانشغالاً بهواجس التحليل والبناء والتقدم، ويشهد تقابل وتضافر وتدافع شتى النظم المعرفية والأيديولوجية، ومختلف أدوات المعرفة والتحليل والنقد التي تعمل على فتح طرق جديدة جديرة بالمستقبل. 

اقرأ أيضاً: بداية نهاية الإسلام السياسي في المنطقة
ومن هذا المنطلق وعلى هذه الأرضية الجديدة يستأنف النظر حول جملة من القضايا الحيوية والمفصلية في الفكر العربي والإسلامي كقضية: الحرية والعدالة والحداثة والعلمانية والديمقراطية والعلاقة مع الآخر المختلف وقضية المرأة والمساواة بين الجنسين...، التي بات يتوقف مستقبل الإسلام ووجوده الحي، في بلدانه أو في المساحة الكونية، على حسم تلك الأسئلة وتقديم إجابات شافية حولها من خلال قراءة إنسانية تأويلية للنصوص الدينية تليق بمتطلبات الإنسان والمجتمع الحديث ومعارف وعلوم وثقافة العصر. 

فالإسلام السياسي الذي بات اليوم يحتكر تمثيل الإسلام ويقدمه في صورة ترعيبية طاردة منفرة وشعارات انتحارية لا يرى فيها الآخر المختلف غير العنف والإرهاب واضطهاد النساء، والتجربة التاريخية للإسلام الذي انحدر سريعاً نحو الملك العضوض، والتي لم تحفل بقضايا الحرية والعدالة والمساواة أو بمفهوم الدولة فكريا وسياسياً، و"الدولة الوطنية" التي تأسست بعد الاستقلال وانحدرت نحو التسلط والاستبداد والقهر وجعلت من لوحة الحاضر العربي والإسلامي لوحة قاتمة، كلها أمور تدفع لاعتبار الإيمان بالحرية مدخلاً لا بد منه لإدراك النهضة، وتقدم قضية الحقوق والحريات الأساسية وانحسار الاستبداد والقمع والقهر وتحقيق دولة العدل والمواطنة مقدمة لا بد منها لمواجهة مخاطر العولمة.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن تفسير براغماتية الإسلام السياسي؟
فالأزمنة الحديثة كما يرى الباحث "قد أفرزت أوضاعاً ومسائل وشروطاً وجودية لا تستطيع التجربة العربية والإسلامية أن تتصدى لها بنجوع بأدواتها وطرائقها التقليدية"؛ لذا يدعو إلى المصالحة بين "القيم الدينية" و"القيم الإنسانية" وتجاوز القراءة الظاهرية "الذرية" للنصوص نحو قراءة شمولية تأويلية واعتماد مناهج جديدة تقوم على التأويل العقلي والمقاصدي للنصوص وتغليب المصلحة كما فعل مفكرو الإسلام من قبل أو "اعتماد مناهج حديثة يمكن أن تعزز مبادئ المساواة والعدالة والخير العام والكرامة الإنسانية من منظور قرآني على غرار ما أجرته "النسويات التأويليات" في المسألة النسوية".

لا يخفي جدعان خوفه على مستقبل الإسلام أمام التحديات الحضارية الماثلة في زمن العولمة المتخطية لكل الحدود

تحتل قضية الحرية والعدل ودولة العدل والمساواة وقضية المرأة، مساحة مهمة من "رسائل زمن التحولات" التي أرسل الكاتب القول بها باعتبارها قضايا ذات أولوية فرضها زمن التحولات ذاته من جهة، وبكونها قضايا إشكالية لم تستوفِ حقها من النظر في التجربة التاريخية الإسلامية من جهة ثانية، وفي كون أحزاب الإسلام السياسي التي اتخذ معظمها من لفظ "العدالة" اسماً وعلامة له، كالعدالة والتنمية أو الحرية والعدالة أو العدالة والإحسان... والتي أصبحت تعتبر نفسها صاحبة الإسلام الحق والناطق الحصري باسمه، ترى أنّ العدالة هي تحقيق أحكام الشريعة الإسلامية، وأن تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية كفيل بتحقيق العدل والرفاهية حتى دون النظر في مبادئ الشريعة ومقاصدها النهائية من جهة ثالثة. فعمد الباحث إلى إعادة طرح تلك القضايا ومعالجتها باعتماد المنهج التأويلي الكلي ونظرية "المصلحة" التي تتوخى الخير العام ومضاهاتها بجملة النظريات الغربية في العدالة.

الأزمنة الحديثة أفرزت أوضاعاً لا تستطيع التجربة العربية والإسلامية أن تتصدى لها بأدواتها وطرائقها التقليدية

اللافت أنّ الكاتب يلجأ إلى محاولة التوفيق "النفعي" في مقارباته لجملة القضايا التي يتعرض لها بين منتجات الفكر الحديث بميسمه الغربي، وبين الفكر الإسلامي عبر عرض جملة من التقابلات الضدية أحياناً بين المنتجين بغية استخلاص ما يراه الأنسب أو الأقرب لمقتضيات الواقع وتحقيق النفع العام، فيعرض مثلاً جملة النظريات الغربية حول العدالة: كالنفعية و الليبرالية والليبرتارية والجماعتية والماركسية والنسوية ويقابلها بنظرية "المصلحة" أو المقاصدية الإسلامية ليخلص إلى "الليبرالية التكافلية التي تحقق النفع العام وتحفظ الحريات الأساسية والمساواة في الفرص في توزيع الخيرات الاجتماعية مع الإقرار بالتفاوت وإنصاف الأفراد الأقل حظاً...".

أو كما يعرض للديمقراطية وأنواعها وتاريخ المفهوم وتطوراته الغربية وملابساته العملية والتمثيلية، مقابل بذوره التي يراها في الشورى رغم ملابساتها العملية هي الأخرى، ليخلص إلى "الديمقراطية الاجتماعية" التي تحقق الإرادة التمثيلية العامة وإنفاذ مبادئ الحرية والعدالة والمساواة والخير العام، أو في استخلاصه لـ"علمانية إسلامية" حيادية من تقابل العلمانية الغربية في صيغتها اللائكية الفرنسية أو الإقصائية الأتاتوركية  المتصلبة التي تستعصي على المصالحة مع الدين، مع المقابل الإسلامي المتشدد هو الآخر في فرض القواعد الدينية كفكر المودودي أو سيد قطب وغيرهما، أو المقابلة في موضوع "النسوية الإسلامية" التي سبق للمفكر فهمي جدعان أن خصها بكتاب سابق بعنوان "خارج السرب: بحث في النسوية الرافضة وإغراءات الحرية"، فيجري التقابل بين "النسوية الراديكالية" "الرافضة"، حسب تعبير الكاتب، والمستغرقة بقيم الحداثة والحرية  التي ترى أنّ أسباب اضطهاد المرأة والتمييز بينها وبين الرجل والافتئات على شخصها وحقوقها الإنسانية مرده إلى فهم الدين نفسه الذي يسوّغ الأوضاع غير العادلة بين الجنسين، والتي يعتبرها الباحث نتيجة قراءة حرفية ظاهرية للنصوص التراثية ورؤية أحادية للدين تجد تحققها الواقعي في الوهابية والسلفيات المعاصرة.

وبناء عليه يجد أنّ المركّب الأوفق يتمثل في "النسوية الإسلامية" أو "النسوية التأويلية" التي يثني على كفاءة صاحباتها الأبتسمولوجية ورصانتهن العلمية وتمكنهن من مناهج العلوم الإنسانية والاجتماعية الحديثة والعلوم الدينية في آنٍ، وعدم وقوعهن في براثن القراءة السلفية للنصوص الدينية، فهؤلاء اعتبرن أنّ المساواة الأنطولوجية ثابتة ومتحققة في النصوص لكن التمييز الحاصل بين الرجال والنساء والاضطهاد الواقع على المرأة مردّه إلى واقع المجتمعات الإسلامية والثقافة البطريريكية التي يسود فيها تفسير ذكوري للدين يجسد مصالح وأهواء وأذواق هؤلاء المفسرين من الرجال. وهو ما يعيد الكاتب دوماً إلى التأكيد على "أنّ المنهج التأويلي في فهم النصوص، هو الجهاز المحرر للعقل الديني من "الصيغ الطاردة" السلبية للدين، والمحرر للمرأة من كل أشكال العسف واللامساواة".

اقرأ أيضاً: هل يصبّ لاهوت التحرير الإسلامي في صالح الإسلام السياسي؟
أخيراً لا بد من التنويه أنّ كتاب المفكر فهمي جدعان كبير الحجم، كثيف المادة، متنوّع الموضوعات، جميل البيان وغزير العبارة، يصعب تقديم إحاطة شاملة حوله في هذه المساحة الصغيرة، لكنه مرجع مهم للبحث ودعوة إصلاحية ومحاولة تنويرية إسلامية تستحق التأمل والنقد سواء اتفق القارئ مع صاحبها أو اختلف معه.

للمشاركة:

"الرايات السوداء".. كيف فوّتت الحماقة الأمريكية إجهاض داعش؟

2019-11-26

حتى الآن يمكن رصد كتابين متميزين من المؤلّفات التي تتبّعت بالتفصيل ظهور خطر تنظيم داعش قبل أن يتم القضاء عليه ميدانياً في سوريا، ويقضي زعيمه في عملية أمريكية خاصة في سوريا بتاريخ 26 تشرين الأول (أكتوبر) 2019؛ أول هذه الكتب هو كتاب ويل مكانتس (Will McCants) "داعش ونهاية العالم" الصادر العام 2015.

تفرد الكتاب برسم الخطوط الأولى لصعود الزرقاوي من الشارع الأردني ليصبح أحد أكثر الجهاديين وحشية في العالم

أما الكتاب الثاني الذي نعرض له هنا؛ فهو "الرايات السوداء.. صعود داعش" الصادر العام 2016 لمؤلفه الصحفي الأمريكي جوبي واريك الذي حاز عليه جائزة "بولتزر" في العام نفسه.
عبر رواية درامية مثيرة تتكون من 345 صفحة موزعة على ثلاثة أجزاء؛ الأول عن صعود أبو مصعب الزرقاوي من الأردن، والثاني عن الساحة العراقية، والثالث عن تنظيم داعش، يتتبع جوبي واريك كيف أنّ سلالة الإسلام المتشدد وراء داعش ظهرت لأول مرة في سجن أردني بعيد وانتشرت بمساعدة غير مقصودة لرئيسين أمريكيين هما؛ بوش الابن وباراك أوباما.

غلاف الكتاب
اعتماداً على معلومات فريدة من نوعها عالية المستوى لوكالة الاستخبارات المركزية والمصادر الأردنية، نسج واريك التفاصيل العملية لحظة بلحظة مع وجهات نظر الدبلوماسيين والجواسيس والجنرالات ورؤساء الدول، وكثير منهم توقع تهديداً أخطر من "القاعدة" وحاول بشكلٍ يائس وقف ذلك.

اقرأ أيضاً: "البغدادي"... فكرة تدرك أمريكا أنّها لم تمت
يبدأ واريك تتبعه السردي من الأردن، ومن السجن الذي كان يُحتجز فيه الإرهابيون والمشتبه بهم، وضمنهم الشخصيات القيادية والنشطاء الجهاديون الذين سيؤدون أدواراً محورية في الإرهاب لاحقاً في العراق وسوريا، والشخصيات الرئيسية في الأجهزة الأردنية المعنية (الذين ذكر أسماءهم الوهمية).

الكتاب بالمحصلة استعراض بالتفاصيل لكيفية بروز تنظيم داعش حيث يلعب الزرقاوي دور الأب الروحي

من المعروف اليوم لدى خبراء ومنظري الإرهاب أنّه لا يمكن الحديث عن الإرهاب المعاصر، وجذور تنظيم داعش دون المرور على المحطة الرئيسة التي دشنها أبو مصعب الزرقاوي؛ ولذلك نلاحظ أنّ واريك بدأ كتابه من الأردن ومن سجونها التي شهدت بدايات ظهور أبو مصعب الزرقاوي، ثم استعرض بالتفصيل-الممل أحياناً- كافة العمليات التي نفّذها الزرقاوي في الأردن وعلى رأسها عملية اغتيال الأمريكي لورنس فولي في العاصمة عمّان.
لكن؛ مع الوصول غير المسبوق إلى المصادر الأولية للمعلومات، التي يُحرم منها الكثير من الخبراء والصحفيين في العالم العربي عادة، تمكن واريك من إنتاج صورة مفصلة عن صعود الزرقاوي إلى السلطة، شخصيته، رسالته القاتلة، ولماذا سقطت تلك الرسالة على آذان صاغية من مجاميع كبيرة من الساخطين خاصة في الأردن والعراق آنذاك.
وحسب واريك فإنّ الشخصية الجهادية الرئيسية في الرايات السوداء هي أبو مصعب الزرقاوي، زعيم الفصيل المنشق عن تنظيم القاعدة في العراق ومؤسس داعش المتطرف الديني الحقيقي، ومعروف أنّ الزرقاوي سافر بعد الإفراج عنه من السجون الأردنية العام 1999 إلى أفغانستان لمحاربة الأمريكيين "الكافرين".

اقرأ أيضاً: هل حسمت عملية البغدادي الصراع الاستخباري بين التكنولوجيا والبشر؟
وعلى الرغم من أنّ إسهاماته في ساحة المعركة أظهرت شجاعة غير عادية، إلا أنّ بن لادن وجماعته كانوا يكرهونه ولا يثقون به وأبقوه بعيداً، وبما أنّ الأمريكيين انتزعوا معاقل طالبان، تراجع الزرقاوي إلى جيب غير شرعي من العراق لا تسيطر عليه حكومة صدام حسين، ومن هذا الجيب في 2002 وضع الزرقاوي الهيكل التنظيمي لجماعة جهادية من شأنها أن تؤدي في نهاية المطاف الى قيادة التمرد ضد الأمريكيين في العراق، بالطبع فإنّ هذه التفاصيل كثيرة جداً ومتعددة وليس في نيّتنا في هذا العرض المكثف للكتاب، أن نستعرضها بالتفصيل.

هذا الكتاب بالمحصلة استعراض بالتفاصيل لكيفية بروز تنظيم داعش؛ حيث يلعب أبو مصعب الزرقاوي دور الأب الروحي ويستعرض الجهود التي قام بها الكثير من الأشخاص الذين أطلق عليهم المؤلف "الأبطال" في تتبع نشاطات الزرقاوي لدى الاستخبارات المركزية الأمريكية، مع الإشارة الى الأخطاء الكارثية التي ارتكبها الرئيس بوش الابن باحتلال العراق.

حماقة غزو اعراق قد ولّدت تنظيم داعش وخلقت العديد من الفرص الضائعة لوقف الزرقاوي بسرعة

تفرّد كتاب واريك بأنّه رسم الخطوط الأولى لصعود الزرقاوي من الشارع الأردني الى أحد أكثر الجهاديين وحشية في العالم، وهو يبين مدى ارتباط مقاتلي "داعش" بإرث الزرقاوي، الذي قتل في العام 2006-ليس فقط أيديولوجيتهم؛ بل حتى لون الملابس التي يرتديها الإرهابيون السجناء في مقاطع الفيديو، وفيها يقول مقاتلو "داعش" إنّهم "أطفال الزرقاوي".
ركّز المؤلف على نقاط الوميض الدرامية وأدوار اللاعبين الرئيسيين في بروز تنظيم داعش من رحم تنظيم الزرقاوي، ثم الأدوار التي لعبها مختلف اللاعبين الدوليين خاصة الأجهزة الأمنية الأردنية والاستخبارات الأمريكية، مؤكداً كيف أنّ "حماقة الغزو العراقي قد ولدت تنظيم داعش وخلقت العديد من الفرص الضائعة لوقف الزرقاوي بسرعة".

اقرأ أيضاً: هل البغدادي ميتاً أخطر منه حياً؟
من المؤكد أنّه سيكون هناك كتب أخرى كثيرة حول الجهود التي تبذل على مستوى العالم لسحق الإرهاب العالمي، لكن يبقى أن نقول إنّ كتاب الرايات السوداء يُقرأ مثل رواية سريعة الخطى، كجزء من فيلم عن الجاسوسية، وجزء كقصة حرب، وجزء عن المؤامرات السياسية التي غالباً ما تنتصر على مصادر الخطر الحقيقية للإرهاب العالمي الذي لن ينتهي بالقضاء على تنظيم داعش.

للمشاركة:



إسرائيل تفسد فرحة مسيحيي غزة

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-15

منع الاحتلال الصهيوني المسيحيين في قطاع غزة من زيارة مدينتي بيت لحم والقدس للاحتفال بعيد الميلاد هذا العام.

وأخطرت سلطات الاحتلال المسيحيين في قطاع غزة، أمس، أنّه لن يكون بوسعهم السفر إلى مدينة بيت لحم بالضفة الغربية المحتلة لحضور احتفالات عيد الميلاد.

وأرجعت الحكومة الإسرائيلية قرار تعديل سياستها الخاصة بالسماح للمسيحيين في غزة بزيارة بيت لحم إلى "أسباب أمنية".

وأعلن مكتب منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق الفلسطينية؛ أنّه لن يُسمح للمسيحيين من سكان قطاع غزة بزيارة الأماكن المقدسة في بيت لحم والقدس، خلال فترة أعياد الميلاد المجيدة الوشيكة، وفق ما أوردت "بي بي سي".

وأضاف: "تمّ اتخاذ هذا القرار بسبب معارضة جهاز الأمن العام للقيام بهذه الزيارات".

هذا وقد انتقدت جماعات حقوقية في دولة الاحتلال الإسرائيلي القرار، كما دعا عدد من قادة الكنيس إسرائيل إلى التراجع عن القرار.

دولة الاحتلال الإسرائيلي تقرّر منع مسيحي غزة من زيارة بيت لحم أثناء احتفالات عيد الميلاد

بدورها، نددت حركة "حماس"، أمس، بـ "عنصرية" إسرائيل ضدّ المسيحيين في قطاع غزة، بعد أن قررت حرمانهم من المشاركة في احتفالات أعياد الميلاد بمدينتي القدس وبيت لحم، حيث توجد المواقع المسيحية المقدسة.

وقال عضو مكتب العلاقات الدولية بـ "حماس"، باسم نعيم، في بيان: إنّ "هذه السياسة الممنهجة، والتي تتكرر في كلّ عام تعكس عنصرية هذا الكيان، وتكذب كلّ ادعاءاته بالديمقراطية واحترام حقوق الإنسان".

واتخذت إسرائيل، العام الماضي، قراراً مشابهاً، ثم تراجعت عنه في اللحظات الأخيرة بعد تدخلات دولية.

ويعيش نحو ألف مسيحي، أغلبهم من طائفة الروم الأرثوذكس، في قطاع غزة الخاضع لسيطرة حركة حماس.

وتبدأ هذه الاحتفالات الأسبوع المبقل لدى الطوائف المسيحية في القدس وبيت لحم، وتستمر حتى كانون الثاني (يناير) المقبل.

 

 

 

للمشاركة:

هل ينهي الرئيس الجزائري الجديد التظاهرات؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-15

دعا الرئيس الجزائري الجديد عبد المجيد تبون، أمس، الحراك الشعبي إلى حوار "جاد" لمصلحة البلاد، وتعهد بإجراء "مشاورات" لإعداد دستور جديد يخضع للاستفتاء شعبي.

وقال الرئيس المنتخب، في أول مؤتمر صحفي عقده الجمعة: "أتوجه مباشرة للحراك المبارك وأمدّ له يدي لحوار جاد من أجل جمهورية جديدة".

وأضاف: "أنا مستعد للحوار مع الحراك مباشرة، ومع من يختاره الحراك، حتى نرفع اللبس بأنّ نيتنا حسنة، لا توجد استمرارية لولاية خامسة"، ردّاً على من وصف ترشحه بأنّه استمرار لحكم الرئيس المستقيل، بوتفليقة، وفق "فرانس برس".

ووعد تبون بتعديل الدستور في الأشهر الأولى من ولايته الرئاسية "حتى يشعر الشعب بالصدق"؛ حيث سيعرضه للاستفتاء، بدل تمريره عبر تصويت البرلمان، كما فعل بوتفليقة في كلّ التعديلات التي أجراها.

عبدالمجيد تبون يدعو الحراك الشعبي إلى حوار ويتعهد بإجراء "مشاورات" لإعداد دستور جديد يخضع للاستفتاء

كما التزم بإعادة النظر في قانون الانتخابات "لفصل السياسة نهائيا عن المال"، و"استرجاع نزاهة الدولة ومصداقيتها لدى الشعب".

وأصبح تبون (74 عاماً) رئيساً جديداً للجزائر، خلفاً لعبد العزيز بوتفليقة، الذي استقال تحت ضغط الشارع، إثر فوزه في الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية، الخميس الماضي.

وبحسب النتائج التي أعلنتها السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، حصل المرشح عبد المجيد تبون، على نسبة 58.15٪؜ من الأصوات.

وتظاهر جزائريون بوسط العاصمة، أمس، تعبيراً عن رفضهم لتبون، الذي مدّ يده للحراك الرافض لنتائج الانتخابات التي اتسمت بنسبة مقاطعة قياسية.

وكان الحراك نفسه رفض مبادرة أولى لبوتفليقة، قبل استقالته، بتنظيم حوار شامل لإعادة النظر في الدستور الذي يمنح رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة.

وقد أمضى تبون حياته موظفاً في الدولة، وكان دائماً مخلصاً لبوتفليقة، الذي عينه رئيساً للوزراء لفترة وجيزة، قبل أن يصبح منبوذاً من النظام.

ويعدّ أول رئيس من خارج صفوف جيش التحرير الوطني الذي قاد حرب الاستقلال ضدّ المستعمر الفرنسي ١٩٥٤-١٩٦٢).

واتسم الاقتراع الرئاسي بمقاطعة قياسية من الحراك الشعبي الذي دفع بوتفليقة للاستقالة في نيسان (أبريل)، بعد 20 عاماً في الحكم.

وبلغت نسبة المشاركة في الانتخابات 39.83٪؜، أي ما يقارب عشرة ملايين ناخب من أصل أكثر من 24 مليوناً مسجلين في القوائم الانتخابية.

تظاهر جزائريون بوسط العاصمة، خلال اليومين الماضيين، تعبيراً عن رفضهم لتبون ولنتائج الانتخابات

وهي أدنى نسبة مشاركة في الانتخابات الرئاسية في تاريخ الجزائر كلّه، وهي أقل بعشر نقاط من تلك التي سجلت في الاقتراع السابق، وشهدت فوز بوتفليقة لولاية رابعة في 2014.

واعترف المرشحون الخاسرون بالنتيجة، معلنين عدم طعنهم فيها أمام المجلس الدستوري، الذي يفترض أن يؤكد النتائج النهائية لسلطة الانتخابات، بين 16 و25 كانون الأول (ديسمبر).

وحلّ في المركز الثاني؛ المرشّح الإسلامي عبد القادر بن قرينة، بنسبة 17.38 بالمئة من الأصوات، الذي أكّد منذ بداية الحملة الانتخابية أنّه "الرئيس القادم للبلاد".

ودعت الأحزاب الإسلامية الكبيرة، مثل "حركة مجتمع السلم" المقربة من الإخوان المسلمين، و"جبهة العدالة والتنمية" القريبة من السلفيين، إلى عدم المشاركة في الانتخابات.

وحلّ رئيس الحكومة الأسبق، علي بن فليس، ثالثاً، ولم يحصل سوى على 10.55 بالمئة من الأصوات، أي أقل من آخر انتخابات خاضها ضدّ بوتفليقة في 2014، حيث حصل على اكثر من 12 بالمئة من الأصوات وندّد، حينها بـ "تزوير شامل للنتائج".

وحصل المرشح الرابع، عز الدين ميهوبي، الذي وصفته وسائل الإعلام بمرشح السلطة، على 7.26 بالمئة من الأصوات، بينما جاء النائب السابق، عبد العزيز بلعيد، أخيراً بـ ٦.٦٦ بالمئة من الأصوات.

وفرض قائد الجيش الذي كان حاكم البلاد الفعلي خلال الأشهر الماضية إجراء انتخابات؛ بهدف الخروج من الأزمة السياسية والمؤسساتية، على حدّ قوله، ورفض الحديث عن مسار "انتقالي"، وهو ما تقترحه المعارضة والمجتمع المدني لإصلاح النظام وتغيير الدستور.

وفي ردّ الفعل الأول من الخارج؛ دعا الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، السلطات الجزائرية لبدء "حوار" مع الشعب.

وقال من بروكسل: "أخذت علماً بالإعلان الرسمي عن فوز السيد تبون في الانتخابات الرئاسية الجزائرية من الجولة الأولى".

ومن القاهرة؛ قدّم الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، عن "التهنئة الخالصة إلى الرئيس المنتخب متمنياً له التوفيق والسداد في مهامه".

 

 

 

 

للمشاركة:

ترحيل إخواني جديد من الكويت إلى مصر.. تفاصيل القبض عليه

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-15

ألقت السلطات الأمنية في الكويت القبض على طبيب أسنان مصري مرتبط بخلية الإخوان، التي سلمتها الكويت لمصر في تموز(يوليو) الماضي، وذلك عقب عودته من تركيا إلى الكويت.

وأفادت صحيفة "الرأي" الكويتية؛ بأنّ الإخواني طبيب الأسنان على علاقة بأعضاء الخلية الذين ضبطتهم الكويت وحققت معهم ثم رحلتهم إلى مصر بموجب اتفاق أمني بين البلدين.

وأضافت الصحيفة: "الطبيب كان قد غادر الكويت مع آخرين إلى تركيا ودول أخرى لدى انكشاف أمر الخلية، ومكث هناك نحو 4 أشهر، إلى أن تمّت طمأنته من قبل بعض المواطنين المتعاطفين مع التنظيم بأنّ ملفه لم يعد تحت الرقابة كما كان من قبل، وأنّ بإمكانه العودة وترتيب بعض الأمور المتعلقة به ثم السفر لاحقاً إلى أيّة جهة أخرى، إن شعر بأنّه مستهدف".

الإخواني غادر الكويت مع آخرين إلى تركيا بعد انكشاف أمر الخلية وعاد بعد طمأنته بأنّ ملفه لم يعد تحت الرقابة

وذكرت الصحيفة؛ أنّ الطبيب اعترف في التحقيقات التي أجرتها السلطات الأمنية الكويتية بعلاقته بأعضاء خلية "الإخوان" الذين ضبطتهم الكويت، وأنّه شارك في تأمين الدعم المالي لعناصر التنظيم في مصر، سواء عبر التحويلات أو عبر تزويد مسافرين بالمال.

 كما رجّحت مصادر على صلة بالتحقيقات أن يكون الرجل على صلة قرابة من الدرجة الأولى بأحد المتهمين في أعمال عنف بينها حرق كنائس في مصر.

بدورها، أفادت صحيفة "الرأي" بأنّه تم ترحيل إسلام إلى القاهرة، أمس، رغم تدخل عدد من النواب الحاليين والسابقين المنتمين إلى "الإخوان" بغية إبقائه موقوفاً في الكويت، أو ترحيله إلى تركيا، أو أيّة دولة أخرى غير مصر، إلا أنّ الردّ كان واضحاً بأنّ الكويت تلتزم بالاتفاق الأمني المبرم مع مصر، وأنّ موضوع الأمن والاستقرار "خط أحمر" لا وجود معه لوساطات أو تسويات.

وكانت السلطات الأمنية الكويتية قد اعتقلت، في إطار ملاحقاتها المستمرة ومتابعاتها، مطلع تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، ثلاثة عناصر من تنظيم "الإخوان المسلمين" على علاقة بالخلية قبل محاولتهم السفر إلى تركيا، هم: خالد محمود المهدي، وإسلام عيد الشويخ، ومحمد عبد المنعم.

 

للمشاركة:



أكراد إيران بين كمين طهران وفخ واشنطن

مدني قصري's picture
كاتب ومترجم جزائري
2019-12-15

ترجمة: مدني قصري


إنّ مصير الأكراد الإيرانيين البالغ عددهم ستة ملايين، على الرغم من تأثرهم بشدة بموجة القمع الأخيرة، لا يثير سوى القليل من الاهتمام، وقدر أقل من التضامن.

اقرأ أيضاً: أردوغان "فاشي العصر".. لماذا لقّبه الأكراد بذلك؟
ليست أرقام السكان الأكراد في بلدان إقامتهم الأربعة الرئيسية سوى تقديرات فقط. لكن عدد أكراد إيران قد لا يقل عن عدد أكراد العراق، وهو أقل مرتين إلى ثلاث مرات من عدد الأكراد في تركيا ... فيما يمثل الأكراد ثلاثة أضعاف عدد الأكراد في سوريا. على الرغم من هذا الوزن الديموغرافي النسبي، إلا أنّ الأكراد الإيرانيين غائبون فعلياً عن المعالجة الإعلامية "للمسألة الكردية" وعن التعبئة السياسية حول هذه القضية. هذه اللامبالاة الواسعة النطاق مقلقة للغاية سيما وأنّ ألواناً من التمييز تضرب هؤلاء السكان في إيران.

تاريخ طويل من المقاومة

في إيران، تحديداً في كانون الثاني (يناير) 1946، تم إعلان "جمهورية كردية" لأول مرة، وعاصمتها مهاباد. وقد قاد هذه الجمهورية الفتيّة التي تلقت الدعمَ الكامل من الاتحاد السوفييتي، الحزبُ الديمقراطي لكردستان الإيرانية (PDKI). وقد رحب بها الآلاف من أفراد عشيرة البرزاني المطاردين المضطهدين بسبب القمع الذي كانوا يتعرضون له في العراق. ومع ذلك، فإنّ إعادة تأسيس سلطة الشاه ما فتئت أن أنهت هذه "الجمهورية"، التي احتلتها طهران وأقصت حُكامها. بعد عشرين عاماً، انقلب الحزب الديمقراطي الكردستاني (PDK) في العراق، المرتبط عضوياً بعائلة البرزاني، على حلفائه في الحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية PDKI، من أجل ضمان دعم الشاه لتمرّده على بغداد. بعد إضعافه نتيجة لهذه الخيانة، أعاد الحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية، هيكلة نفسه عام 1973 حول شخصية عبد الرحمن غاسملو. وقد ساهم البشمركة (المقاتلون الأكراد) من الحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية بنشاط فعال في حرب العصابات ضد نظام الشاه، الذي أطاح به آية الله الخميني في عام 1979. لقد قبلوا بأن يكونوا راضين عن حُكم ذاتي بسيط داخل إطار الجمهورية الإسلامية، لكن هذا لم يُثنِ الخميني عن قمع انفصالهم، باسم "الوحدة الوطنية" التي أضحت مهددة في عام 1980 بغزو إيران من قبل عراق صدام حسين.

نصف المعتقلين السياسيين في إيران هم من أصل كردي، وفقاً لمقرر الأمم المتحدة، بينما يشكل الأكراد أقلّ من عُشر السكان الإيرانيين

بعد أن أُجبِر غاسملو على المنفى إلى فيينا قام مغاوير أرسِلوا من إيران باغتياله عام 1989. وفي عام 1992، قام قتلةُ مأجورون من الجمهورية الإسلامية بتصفية الزعيم الجديد للحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية PDKI في فيينا. لذا ظل التشكيل التاريخي للأكراد الإيرانيين، بعد هاتين التصفيتين، يعاني من أجل الحفاظ على وجود سري في إيران، ويعاني من نزاعاته الداخلية. كما تلقى معارضة من قبل حزب الحزب من أجل حياة حرة في كردستان (PJAK)، الفرع الإيراني الذي أسسه حزب العمال الكردستاني (PKK) في عام 2004، والذي كان قد أسِّس قبل ربع قرن في تركيا. وقد لعبت السلطات الإيرانية لعبة الحزب من أجل حياة حرة في كردستان PJAK، بمهارة ضد الحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية، سيما منذ عام 2012، عندما أصبحت طهران تراهن على حزب العمال الكردستاني وفرعه السوري لإضعاف المعارضة الثورية لنظام الأسد. بالمقابل، وافق حزب العمال الكردستاني والمنظمات التابعة له على التضحية بأكراد إيران للاستثمار بكثافة في المسرح السوري؛ حيث ساد وقفٌ لإطلاق النار من 2013 إلى 2015 في تركيا.

تمييز الدولة المتعدّد

الأكراد في إيران مستهدفون من قبل الجمهورية الإسلامية بواقع سلسلة مزدوجة من التمييز، بصفتهم أكراداً في نظام قائم على مركزية مهووسة متغطرسة، من ناحية، وبصفتهم من الطائفة السنّية في نظام منحاز للأغلبية الشيعية بشكل منهجي، من ناحية أخرى. اللغة الكردية، المحظورة في المدارس العامة، لا يُسمح بتدريسها إلا في مؤسسات خاصة، والتي تخضع هي نفسها لترخيصٍ مسبق من الدولة. يتم قمع النضال الكردي بشكل منهجي، سواء في المناطق الحدودية للعراق، أو في خراسان، في الشمال الشرقي من البلاد. إنّ ما يقرب من نصف المعتقلين السياسيين في إيران هم من أصل كردي، وفقاً لمقرر الأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في البلاد، بينما يشكل الأكراد أقلّ من عُشر السكان الإيرانيين. الأكراد، وهم من الأقليات العرقية والدينية، يعانون من عقبات خطيرة أمام وصولهم إلى العمل والسكن والممتلكات والقيادة السياسية والإدارية. المحافظتان الكرديتان، تقعان من حيث التنمية، في الرتب الأخيرة للمحافظات الإيرانية الثلاثين، مع بلوشستان.

أدى التمييز الذي يتعرض له الأكراد والسياسات القمعية التي يتعرضون لها بشكل خاص، إلى دفع الكثيرين إلى حمل السلاح

هذا الوضع المؤسف في إيران نفسها، ترافقه في كردستان العراق، تدخلاتٌ دموية من قبل النظام الإيراني ضد كوادر وقواعد الأحزاب الكردية الإيرانية. وتقدر المصادر الكردية أيضاً بـ 35 قتيلًا، على الأقل، عدد الأكراد ضحايا قمع الاحتجاجات الشعبية الأخيرة في إيران، بما في ذلك كرمانشاه وجوانرود. وتشير صحيفة "لوموند" الفرنسية في هذا الصدد إلى شهادة كردية عن تدخل الحرس الثوري وتورطه، إلى جانب الشرطة العاملة في بقية البلاد. هذا البعد المأساوي للمسألة الكردية يثير اليوم القليل من الاهتمام والتضامن. صحيح أنّ الزعماء الحاليين للأكراد في إيران ليس لديهم الشبكات الدبلوماسية التي عرضتها الاشتراكية الدولية في ذلك الوقت على غاسملو وخلفه. لكن هذا الصمت الصارخ هو في الأساس نتيجة لقرار من حزب العمال الكردستاني، وهو قوي للغاية في الشتات الكردي، الذي أخضع كل دعايته لضرورة دعم "روج آفا" السورية، باستثناء المكونات الأخرى للشعب الكردي.

في حين يقع مصير الأكراد في العراق أو تركيا أو سوريا غالباً في قلب الأحداث، فإنّ مصير مواطنيهم في إيران نادراً ما يتم ذكره. ومع ذلك، فبينما تتفاقم التوترات بين واشنطن وطهران، فإنّ وضعهم الجغرافي السياسي يجعلهم رهاناً رئيسياً.
في صباح يوم 8 أيلول (سبتمبر) 2018، أصابت سبعة صواريخ إيرانية من طراز Fateh-110 مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (KDPI) في كيسندجك، بالقرب من أربيل، مما أسفر عن مقتل 18 من أعضائه وإصابة 50 آخرين. تباهى الحرس الثوري بقيامه بهذه الضرية، بدعوى أنّه "عاقب [...] الإرهابيين الذين ينفذون باستمرار هجمات ضد حدود جمهورية إيران الإسلامية"، ووعد بـ "إنهاء أنشطة المخالفين قريباً". ومع ذلك، بعد تسعة أشهر، جلس دبلوماسي مخضرم من إيران، سيد محمد كاظم سجادبور، على طاولة واحدة مع وفد من عدة حركات مسلحة إيرانية كردية للتفاوض على وقفٍ لإطلاق النار.

اقرأ أيضاً: "حفريات" توثّق عمليات مصادرة ممتلكات الأكراد في سوريا وسرقة أعضائهم في أنقرة

من هي هذه الجماعات المسلحة الإيرانية؟ لماذا حملت السلاح؟ هل تستفيد هذه الجماعات من النجاح السياسي العسكري للأكراد في سوريا والعراق؟ ما هي العلاقات التي تربطها بإيران والولايات المتحدة، بالنظر إلى التوتر المتزايد بين القوتين المتنافستين في الأشهر الأخيرة؟
في قلب سياسات تمييز طهرانية
على غرار الأكراد في تركيا والعراق وسوريا يخضع أكراد إيران لسياسات تمييزية تنفذها طهران، على الرغم من التسامح النسبي الذي يمنحه النظام لهم، وخاصة في المسائل الثقافية – بعض وسائل الإعلام تبث باللغة الكردية، كما تحظى تقاليد الملابس والموسيقى الكردية ببعض التسامح.
على الرغم من التعتيم الإعلامي السائد في الجمهورية الإسلامية، فإنّ هذه التمييزات يتم توثيقها بانتظام من قبل المنظمات غير الحكومية، أو الأمم المتحدة. في تقرير نُشر في 16 آب (أغسطس) 2019، قال مقرر الأمم المتحدة الخاص لحقوق الإنسان في إيران، جافيد رِحمن، إنّ الأكراد يمثلون ما يقرب من نصف المحتجزين في السجون بِتُهَم انتهاكهم للأمن القومي، وفي معظم الأحيان، تصدر في حقهم أحكام بعقوبات أشد من غيرهم.

بالإضافة إلى ذلك، يتم إهمال المحافظات ذات الغالبية الكردية عن عمد من قبل السلطة، وهي في المرتبة الثانية والثالثة في المناطق الأقل نمواً في إيران.
بالإضافة إلى هذا التهميش الاقتصادي، فإنّ التمييز ضد الاثني عشر مليون كردي إيراني هو أيضاً تمييز اجتماعي ثقافي. اللغة الكردية غير معترف بها رسمياً من قبل طهران التي حظرت تعليمها في المدارس. كما يتم رفض بعض الأسماء الكردية الأولى (الشخصية) من قبل إدارة الحالة المدنية، في حين أنّ ممارسة مصادرة الملكية القسرية التي تنفذها الدولة الإيرانية لصالح المواطنين الشيعة - الأكراد في الغالب من السنة – غالباً ما تُرفَض وتدان من قبل منظمات غير حكومية، مثل منظمة العفو الدولية (تقريرها السنوي 2017/2018).

اقرأ أيضاً: تركيا... تاريخ حافل بالقمع ضد الأرمن والأكراد

أدى التمييز الذي يتعرض له الأكراد والسياسات القمعية التي يتعرضون لها بشكل خاص، إلى دفع الكثيرين إلى حمل السلاح وفقاً لتقاليد تمرّد ممتد عبر مئات السنين، ولعل أشهرها في تاريخ إيران المعاصر هو تمرد جمهورية مهاباد، عندما أنشأ المتمردون في عام 1946 دولة كردية مستقلة قبل أن يدمرها الجيش الإيراني. وتشكل خمس مجموعات مسلحة كردية إيرانية، وهي وريثة هذه الحركات مع تطورها على مدى الديناميات الجيوسياسية الإقليمية، رأس الحربة للمعارضة المسلحة للسلطة في طهران.
المجموعات المسلحة النشطة
تقيم خمس حركات داخل إقليم كردستان المتمتع بالحكم الذاتي (ARK) في العراق، ومن هذا الإقليم تُعِدّ عملياتها، وتخطط لهجماتها على الحدود، أو في المحافظات الحدودية (خاصة تلك الموجودة في أذربيجان الغربية وكردستان وكردستان وكرمنشاه). فهذه الحركات هي أخشى ما تخشاه طهران بشكل متزايد بسبب الاختيار المثالي للوكيل (الوسيط) الذي تمثله للولايات المتحدة في حالة التصعيد العسكري مع إيران.

اقرأ أيضاً: هل يفسد الأكراد التحالف التركي القطري الدافئ؟
الحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية PDKI هو أكبر هذه المجموعات، أو على الأقل المجموعة التي تحظى بأكبر قدر من الاهتمام من قبل طهران. يديره مصطفى الهجري منذ عام 2010 ، بعد مرور عشر سنوات من توقف النشاط العسكري، استأنف القتال ضد إيران في نيسان (أبريل) 2016. لدى الحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية PDKI عدة آلاف من البيشمركة (المقاتلون الأكراد العراقيون والإيرانيون). هؤلاء المقاتلون المجهزون والمدربون جيداً يقومون بشكل أساسي بمهاجمة ومضايقة القوات الإيرانية، مع تناوب المناوشات والكمائن. هناك مجموعات خاصة، مجتمعة تحت لواء "نسور زاغروس" تسمح لها بإجراء عمليات كوماندوز في عمق الجهاز الإيراني. هذا الهيكل المتنقل والفعال يجعل من الحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية PDKI الشخصية الرائدة في العمليات العسكرية التي يقوم بها الأكراد الإيرانيون ضد نظام الملالي.
في مواجهة استئناف الأعمال العدائية هذه، لم يتأخر رد طهران طويلاً: في وقت مبكر من كانون الأول (ديسمبر) 2016، استهدف هجوم مزدوج بالمتفجرات مقرَّ الحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية PDKI في كيساندجاك، في كردستان العراق، مما أسفر عن مقتل العديد من البيشمركة والموظفين المحليين. وفي 8 كانون الأول (سبتمبر) 2018 ، كان هذا المقر نفسه هدفاً لضربة صاروخية. وحتى وقت قريب، قصفت المدفعية الإيرانية مراراً مواقع المتمردين في الجبال العراقية.
روابط مع حزب العمال الكردستاني
يشكل الحزب من أجل حياة حرة في كردستان (PJAK)، النسخة الرمزية لحزب العمال الكردستاني (PKK)،  ثاني أكبر قوة سياسية عسكرية. الحزب من أجل حياة حرة الذي تأسس في عام 2004، يمثل المنافس المباشر ولكنه ليس عدواً للحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية PDKI ، ولا يتمتع بالكثير من النجاحات العسكرية والدبلوماسية التي يتمتع بها زملاؤه في قوات الدفاع الشعبية ( HPG )، الذراع المسلح لحزب العمال الكردستاني PKK) في العراق وحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني) في سوريا. مع وجود جناح مسلح قوي يضم حوالي 3000 رجل ، وهي وحدات كردستان الشرقية (YRK) ، يظل الحزب من أجل حياة حرة في كردستان (PJAK) متحفظاً نسبياً ونادراً ما يقاتل القوات الإيرانية.

يتناقض هذا التحفظ مع الهجمات شبه اليومية التي شنها الحزب من أجل حياة حرة في كردستان (PJAK)  في عام 2010. وربما يفسر ذلك العملية الواسعة التي شنها الجيش الإيراني في عام 2011 ضد مواقعه في جبال زاغروس. تعمل القوات الإيرانية منذ شهرين على دفع YRK (وحدات كردستان الشرقية) إلى الخلف على الجانب العراقي من الحدود ، مما تسبب في خسائر غير معروفة، لكنها خسائر فادحة للغاية، ما جعل الجانبين يوقعان في صيف 2011 ، اتفاقاً على وقف إطلاق النار.
حتى الآن، لا يزال هذا الاتفاق ساري المفعول، وقد أضحت المناوشات بين وحدات كردستان الشرقية YRK وقوات الأمن الإيرانية نادرة، ويبدو أنّها ناتجة عن أفراد معزولين بدلاً من رغبة الحزب من أجل حياة حرة في كردستان PJAK في استئناف الكفاح المسلح. تزعم الحركات الكردية العراقية والإيرانية المعادية - دون أي دليل - أن طهران سوف تدعمه مستقبلاً حتى "تغلق" الحدود ضد خصومها الأكراد المتمركزين في كردستان العراق.
التنازل عن دولة مستقلة؟
ثلاث حركات أخرى تُكمل قائمة الجماعات المسلحة: كومالا، وحزب من أجل حياة حرة في كردستان (PJAK) والحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية (PDK-I)، المنبثق من انقسام في عام 2006 للحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية (PDK-I). لكن دورها السياسي العسكري لا يزال محدوداً للغاية.

اقرأ أيضاً: العملية التركية في سوريا: هل ارتكب حلفاء تركيا جرائم حرب ضد الأكراد؟

إذا كانت أيديولوجيا الجماعات الكردية مختلفة، من القومية إلى اليوتوبيا الثورية، فإنّه يبدو أن جميعها متوافقة حول استحالة تأمين دولة كردية مستقلة منفصلة عن إيران. هدفها بالتالي هو تحقيق وضع مشابه لوضع كردستان العراق: منطقة تتمتع فيها هذه الجماعات الكردية بالحكم الذاتي داخل دولة فيدرالية، والاعتراف بهويتها، واحترام حقوقها الاجتماعية والسياسية. وقد تتجلى هذه الإرادة المشتركة في إنشاء مركز تعاون للأحزاب السياسية في كردستان الإيرانية في عام 2018 بمبادرة من الحزب الديمقراطي الكردستاني. الحزب من أجل حياة حرة في كردستان PJAK، الذي يُعتبر حزبًا "للأجانب" بسبب قربه من حزب العمال الكردستاني التركي، لم تتم دعوته للانضمام إلى برنامج التعاون هذا.
فبسبب نشاطهم العسكري والدور الذي يمكن أن يلعبوه في حالة نزاع مسلح بين الولايات المتحدة وإيران، فقد تم التعامل مع هذه الحركات في مناسبات مختلفة من قبل كلا الطرفين.

جهات فاعلة تتودد وتشترط

اللقاءات بين الأميركيين والأكراد الإيرانيين التي ظلت سرية في البداية ما فتئت أن تسربت أنباؤها من خلال الصحافة المتخصصة. فهكذا، من 11 إلى 17 يونيو 2018، ذهب الأمين العام للحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية (PDK-I)، مصطفى هجري، إلى واشنطن، بدعوة من الأمريكيين. وخلال إقامته، استقبله العديد من أعضاء الكونجرس الأمريكي ووزارة الدفاع، بما في ذلك المسؤول عن القضايا الإيرانية.

اقرأ أيضاً: إسرائيل تتّهم ترامب بخيانة الأكراد وتخشى من مصير مماثل
اهتمام الأمريكيين بـالحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية (PDK-I) واضح وبديهي: في آب (أغسطس) 2017، قبل تعيينه مستشاراً للأمن القومي، نشر جون بولتون افتتاحية دعا فيها الإدارة الأمريكية للتوصل إلى اتفاق مع الأقليات العرقية في إيران، وفي مقدمتها الأكراد، وعرب خوزستان والبلوشيس، من أجل إنشاء شبكة من الحلفاء الإقليميين ضد إيران. في نفس العام، أشار تقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، المؤثر، إلى أنّ الولايات المتحدة تدعم الأكراد الإيرانيين من أجل زعزعة استقرار النظام الإيراني من الداخل. في الواقع، ليس هناك شك في أنّ الأكراد الإيرانيين يشكلون "الكتائب" الأرضية في الحرب ضد إيران؛ لأن الأكراد السوريين كانوا هُم الكتائب الميدانية ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ويعني ذلك، فوق كل شيء، حرمان إيران من السيطرة على حدودها الغربية التي تتواصل من خلالها مباشرة مع حزب الله اللبناني، والنظام السوري، وميليشيات الحشد الشعبي، وما إلى ذلك، والتي تتم من خلالها بشكل أساسي حركة انتقال الأسلحة.

إدراكاً منها للدور المزعزع للاستقرار الذي قد يضطلع به الأكراد الإيرانيون في حال حدوث المواجهة مع الولايات المتحدة، استحوذت إيران أيضاً على هذا الموضوع، وفتحت في النرويج في أيار (مايو) 2019 جولة من المفاوضات مع ممثلين من مركز تعاون الأحزاب السياسية لكردستان الإيرانية. وكدليل على التهديد المحتمل الذي تمثله هذه الجماعات في نظر طهران، فهو الاجتماع الأول من نوعه منذ عام 1979. فبقيادة الإيراني سيد محمد كاظم سجادبور، مستشار وزير الخارجية الإيراني، حاول الإيرانيون في هذا الاجتماع إقناع الأكراد بوقف الأعمال القتالية، وعدم الانخراط مع الأمريكيين في حالة حدوث صراع. بالمقابل، طالب الأكراد باحترام حقوقهم ودراسة تشكيل منطقة يتمتعون فيها بالحكم الذاتي على غرار منطقة العراق. بالطبع، كان الإيرانيون سيردون بالإيجاب.

35 قتيلًا، على الأقل، هو عدد الأكراد ضحايا قمع الاحتجاجات الشعبية الأخيرة في إيران، بما في ذلك كرمانشاه وجوانرود

من هذه المقاربات الأمريكية والإيرانية، خرج الأكراد مرتابين متشككين. وقد أوضح العديد من مسؤوليهم، شريطة عدم الكشف عن هويتهم، أنّهم طالبوا من الولايات المتحدة مقابل دعمهم لها، حمايتهم. ومع ذلك، فلم ترفض هذه الأخيرة طلبهم وحسب، بل والأكثر من ذلك، فإنّ الإعلان المفاجئ بانسحاب القوات الأمريكية من سوريا في كانون الأول  (ديسمبر) 2018 لم يطمئن الأكراد فيما يتعلق بولاء الأمريكيين إزاء حلفائهم. علاوة على ذلك، فيما يتعلق بالمفاوضات مع الإيرانيين، أبدى الأكراد الكثير من الحذر والارتياب بسبب اغتيال الأمين العام بـالحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية PDKI في فيينا عام 1989 على أيدي أجهزة الاستخبارات الإيرانية بعد أن دعوه إلى مفاوضات السلام. إن عناد الإيرانيين بعدم منحهم المزيد من الحقوق ما انفك يزيدهم قناعة بعدم رغبة طهران في التوصل إلى حل وسط.
من تاريخهم، يتذكر الأكراد بأنّهم لا يستطيعون الاعتماد بشكل كامل على مُحاور أو شريك: المقولة القائلة بأنّ "الأكراد ليس لديهم أصدقاء بخلاف الجبال" مقولة بليغة تماماً في هذا الصدد. إذا بقيت نهاية المفاوضات مع الأمريكيين والإيرانيين سرية، تظل الحقيقة هي أنّ المصادمات بين المقاتلين الأكراد والقوات الإيرانية على الحدود قد انخفضت بشكل كبير في صيف عام 2019. دون أن نستنتج أنّ "اتفاق السلام" بين طهران والجماعات المسلحة الكردية قد حدث بالفعل، وهذا التراجع في المصادمات ربما يكون مرادفاً لإرادة الأكراد في الظهور كمراقبين بدلاً من جهات فاعلة، في الوقت الذي يتطور فيه الوضع: أياً كان هذا الوضع فإنّ التعاون الكردي، الذي تم التعبير عنه في اللحظة الأخيرة، سيكون موضع ترحيب بالتأكيد من جانب واشنطن وطهران.


إميل بوفيير: باحث في العلوم السياسية، متخصص في المواضيع التركية والكردية
مصدر الترجمة عن الفرنسية:
orientxxi.info/magazine و lemonde.fr

للمشاركة:

الكشف عن أسرار اتفاقية أردوغان- السراج يُحوّل ليبيا إلى بلد مُحتل

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-15

فيما أثارت الاتفاقات الأخيرة بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية انتقادات إقليمية وأوروبية واسعة، وبعد غموض كبير أحاط مضمون ما تمّ التوقيع عليه طوال الأسابيع الماضية، تمّ الكشف اليوم عن كافة البنود والتفاصيل التي حرص الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان على إبقائها سرّية وبعيدة عن مُتناول الإعلام، والتي اتضح أنها تنتهك القانون الدولي على نحوٍ كبير ولا تُراعي حقوق الدول المُجاورة من جهة، فيما تُحوّل ليبيا إلى بلد مُحتل من قبل تركيا من جهة أخرى، خاصة وأنها ممتدة بحيث تشمل الأنشطة الاجتماعية والثقافية والرياضية كذلك، في ظل ضعف موقف وإمكانات الطرف الليبي الذي وقع الاتفاقية.
يأتي ذلك بينما دعا برلمان البلاد، وجامعة الدول العربية كذلك، إلى سحب الاعتراف الدولي من حكومة الوفاق التي يرى خبراء أن ليس لها قوة حقيقية لا للدفاع عن طرابلس ولا لتنفيذ بنود الاتفاق مع أردوغان، وهي بحاجة ماسة للدعم التركي الذي سيتحول لقوة احتلال لاحقاً.
واليوم الأحد، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، في تصريحات للصحفيين في مقر البرلمان التركي، إنه لطالما كانت هناك اتفاقيات تعاون عسكري وأمني مع ليبيا في الماضي، مشابهة للاتفاقية الأخيرة.
ويؤكد مراقبون سياسيون أنّ اتفاقية أردوغان- السراج، تسعى لإشعال المتوسط عبر حرب إقليمية واسعة، حيث قال زعماء تكتل الاتحاد الأوروبي إن الاتفاق لا يتوافق مع القانون البحري. كما وتعتبر مصر واليونان وقبرص الاتفاق محاولة تركية صارخة للهيمنة في المياه المتنازع عليها.
وليبيا في صراع أيضاً مع اليونان بشأن تراخيص الاستكشاف البحرية الصادرة عن أثينا للمياه جنوب جزيرة كريت، الواقعة بين تركيا وليبيا.
وفي وقت تكثر فيه الخلافات بشأن تقسيم مناطق النفوذ في البحر المتوسط، الذي يُعتقد أنه غني بموارد الغاز الطبيعي، أفادت هيئة البث الإسرائيلي اليوم الأحد بأن أنقرة أعربت عن استعدادها للتفاوض مع إسرائيل بشأن نقل إمدادات الغاز الإسرائيلية إلى أوروبا عبر الأراضي التركية.
وقال مصدر تركي إن بلاده تنتظر تشكيل حكومة مستقرة في إسرائيل وتعيين وزير طاقة جديد لبحث هذه المسالة.
ولفتت الهيئة إلى أن هذا الموقف التركي يأتي بعكس تصريحات سابقة مفادها أن أنقرة لن تسمح بمد أنابيب غاز إسرائيلية إلى أوروبا عبر المياه التي تقول أنقرة إنها تتبع لها.
وقدّم رئيس البرلمان التركي مصطفى سينتوب اتفاق التعاون الأمني والعسكري مع ليبيا إلى البرلمان للموافقة عليه بعد تفعيل اتفاقية ترسيم الحدود البحرية في الأسبوع الماضي، حسبما ذكرت صحيفة "حرييت".
ويشمل الاتفاق، الذي تم توقيعه في نهاية نوفمبر، الأمن والتدريب العسكري وصناعة الدفاع ومكافحة الإرهاب والاستخبارات والتخطيط العسكري وإنشاء مكتب للتعاون الأمني والدفاعي في حال طلب ذلك، حسبما ذكرت وكالة أنباء بلومبرج.
من جهة أخرى، نشرت الجريدة الرسمية التركية اليوم الأحد مرسوما يفيد بمنح تركيا إعفاء من الحصول على تأشيرة الدخول للسائحين الليبيين دون 16 عاما وأكثر من 55 عاما.
ووفقا لما نقلته وكالة "بلومبرج" للأنباء فإن الحد الأقصى للإعفاء هو 90 يوما كل 180 يوما.
وفي ظلّ أنباء متواترة عن انهيارات لقوات حكومة الوفاق الليبية وتوقعات بدخول قريب للجيش الوطني الليبي للعاصمة طرابلس، الأمر الذي يعني بالتالي انهياراً سريعاً لاتفاقية السراج-أردوغان، التقى كل من وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو ووزير الدفاع التركي خلوصي أكار، مع رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الليبية فائز السراج، في قطر، حيث بحثا معه سُبل الدعم العسكري السريع، على الرغم من نفي أنقرة ذلك.
كان الرئيس التركي قال الأسبوع الماضي إن بلاده قد ترسل قوات إلى ليبيا إذا طلبت الحكومة التي يتزعمها فائز السراج وتتخذ من طرابلس مقرا لها، وذلك في أعقاب الاتفاق الأمني والعسكري بين الطرفين.

وانتشرت اليوم عبر العديد من المواقع الإخبارية نسخة عن مذكرة التفاهم التي وقعها فايز السراج مع أردوغان، والتي أكدت في كثير من بنودها على أهمية السرّية الكاملة في التعاون بين الجانبين، وهي تشمل في المجالين الأمني والعسكري:
- إنشاء قوة الاستجابة السريعة ضمن مسؤوليات الأمن والجيش في ليبيا لنقل الخبرات والتدريب والاستشارات والدعم المادي والمعدات من قبل تركيا.
- إنشاء مكتب مشترك للتعاون الأمني والدفاعي في تركيا وليبيا مع عدد كافٍ من الخبراء والموظفين عند الطلب.
- توفير التدريب، والمعلومات الفنية، والدعم، والتطوير، والصيانة، والإصلاح، والتعافي، والتخلص، ودعم الموانئ والمشورة، وتخصيص المركبات البرية والبحرية والجوية والمعدات والأسلحة والمباني والعقارات (قواعد التدريب).
- تقديم خدمات التدريب والاستشارات فيما يتعلق بالتخطيط العسكري المشترك وأنشطة نقل الخبرات والتدريب والتعليم وأنظمة الأسلحة واستخدام المعدات التي تغطي مجالات نشاط القوات البرية / البحرية / الجوية ضمن هيئة قواتها المسلحة داخل حدود الطرفين، بناءً على دعوة من الطرف المتلقي.
- التدريب والتعليم الأمني والعسكري.
- المشاركة في التمارين / التدريبات أو التدريبات المشتركة.
- الصناعة الخاصة بالأمن والدفاع.
- التدريب وتبادل المعلومات الاستخباراتية والخبرات في تنفيذ العمليات المشتركة في مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية وأمن الأراضي والحدود البحرية والجوية ومكافحة الإرهاب والتهريب والتخلص من الذخائر المتفجرة والعبوات الناسفة وعمليات الإغاثة الطبيعية في حالات الكوارث.
- التعاون في المجالات المختلفة وتبادل الزيارات بين الأطراف.
- الهيكل التنظيمي لقوات الدفاع والأمن، وهيكل المعدات ووحدات الدفاع والأمن وإدارة شؤون الموظفين.
- تبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون العملياتي.
- التعاون اللوجستي والمنح والأنظمة اللوجستية .
- الخدمات الطبية والصحية العسكرية .
- الاتصالات والإلكترونيات وأنظمة المعلومات والدفاع الإلكتروني.
- عمليات حفظ السلام والمساعدات الإنسانية ومكافحة القرصنة.
- تبادل المعرفة حول قانون أنظمة البحار والأنظمة القانونية العسكرية.
- رسم الخرائط والهيدروغرافيا (علم المسح ورسم المسطحات المائية).
- تبادل الموظفين للتطوير المهني.
- تبادل الموظفين الضيوف والمستشارين والوحدات.
- تبادل المعلومات والخبرات في مجالات البحث العلمي والتكنولوجي في مجال الدفاع والأمن.
- الأنشطة الاجتماعية والثقافية والرياضية.
- التاريخ العسكري والمحفوظات والنشر والمتاحف.
- تبادل ومشاركة المعلومات حول الوعي بالمجال البحري.

وتسارعت التطورات الميدانية في محيط العاصمة الليبية، منذ إعلان قائد الجيش الليبي، المشير خليفة حفتر عن بدء معركة الحسم لتحرير طرابلس من سطوة الميليشيات وعبث التنظيمات الإرهابية، وسط تقديرات غربية وأميركية بأن دخول الجيش الليبي إلى وسط العاصمة والسيطرة عليها بات وشيكا.
وكان المبعوث الأممي لليبيا غسان سلامة صرّح مؤخراً بأن المشير خليفة حفتر قائد "الجيش الوطني الليبي" يقترب من إحكام القبضة على طرابلس وربما تحقيق انتصار كبير، وذلك بفضل الدعم الروسي له.

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:

"المراجعات"... فكرة غائبة يراهن عليها شباب "الإخوان"

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-15

وليد عبد الرحمن

بين الحين والآخر، تتجدد فكرة «مراجعات الإخوان»، الجماعة التي تصنفها السلطات المصرية «إرهابية»، فتثير ضجيجاً على الساحة السياسية في مصر؛ لكن دون أي أثر يُذكر على الأرض. وقال خبراء في الحركات الأصولية، عن إثارة فكرة «المراجعة»، خصوصاً من شباب الجماعة خلال الفترة الماضية، إنها «تعكس حالة الحيرة لدى شباب (الإخوان) وشعورهم بالإحباط، وهي (فكرة غائبة) عن قيادات الجماعة، ومُجرد محاولات فردية لم تسفر عن نتائج». ففكرة «مراجعات إخوان مصر» تُثار حولها تساؤلات عديدة، تتعلق بتوقيتات خروجها للمشهد السياسي، وملامحها حال البدء فيها... وهل الجماعة تفكر بجدية في هذا الأمر؟ وما هو رد الشارع المصري حال طرحها؟ خبراء الحركات الأصولية أكدوا أن «الجماعة ليست لديها نية للمراجعات».

وقال الخبراء لـ«الشرق الأوسط»: «لم تعرف (الإخوان) عبر تاريخها (مراجعات) يُمكن التعويل عليها، سواء على مستوى الأفكار، أو السلوك السياسي التنظيمي، أو على مستوى الأهداف»، لافتين إلى أن «الجماعة تتبنى دائماً فكرة وجود (محنة) للبقاء، وجميع قيادات الخارج مُستفيدين من الوضع الحالي للجماعة». في المقابل لا يزال شباب «الإخوان» يتوعدون بـ«مواصلة إطلاق الرسائل والمبادرات في محاولة لإنهاء مُعاناتهم». مبادرات شبابية مبادرات أو رسائل شباب «الإخوان»، مجرد محاولات فردية لـ«المراجعة أو المصالحة»، عبارة عن تسريبات، تتنوع بين مطالب الإفراج عنهم من السجون، ونقد تصرفات قيادات الخارج... المبادرات تعددت خلال الأشهر الماضية، وكان من بينها، مبادرة أو رسالة اعترف فيها الشباب «بشعورهم بالصدمة من تخلي قادة جماعتهم، وتركهم فريسة للمصاعب التي يواجهونها هم وأسرهم - على حد قولهم -، بسبب دفاعهم عن أفكار الجماعة، التي ثبت أنها بعيدة عن الواقع»... وقبلها رسالة أخرى من عناصر الجماعة، تردد أنها «خرجت من أحد السجون المصرية - بحسب من أطلقها -»، أُعلن فيها عن «رغبة هذه العناصر في مراجعة أفكارهم، التي اعتنقوها خلال انضمامهم للجماعة».

وأعربوا عن «استعدادهم التام للتخلي عنها، وعن العنف، وعن الولاء للجماعة وقياداتها». وعقب «تسريبات المراجعات»، كان رد الجماعة قاسياً ونهائياً على لسان بعض قيادات الخارج، من بينهم إبراهيم منير، نائب المرشد العام للجماعة، الذي قال إن «الجماعة لم تطلب من هؤلاء الشباب الانضمام لصفوفها، ولم تزج بهم في السجون، ومن أراد أن يتبرأ (أي عبر المراجعات) فليفعل». يشار إلى أنه كانت هناك محاولات لـ«المراجعات» عام 2017 بواسطة 5 من شباب الجماعة المنشقين، وما زال بعضهم داخل السجون، بسبب اتهامات تتعلق بـ«تورطهم في عمليات عنف». من جهته، أكد أحمد بان، الخبير في شؤون الحركات الأصولية بمصر، أن «(المراجعات) أو (فضيلة المراجعات) فكرة غائبة في تاريخ (الإخوان)، وربما لم تعرف الجماعة عبر تاريخها (مراجعات) يُمكن التعويل عليها، سواء على مستوى الأفكار، أو على مستوى السلوك السياسي التنظيمي، أو على مستوى أهداف الجماعة ومشروعها»، مضيفاً: «وحتى الآن ما خرج من (مراجعات) لم تتجاوز ربما محاكمة السلوك السياسي للجماعة، أو السلوك الإداري أو التنظيمي؛ لكن لم تطل (المراجعات) حتى الآن جملة الأفكار الرئيسية للجماعة، ومقولتها الرئيسية، وأهدافها، وأدبياتها الأساسية، وإن كانت هناك محاولات من بعض شباب الجماعة للحديث عن هذه المقولات الرئيسية». محاولات فردية وقال أحمد بان إن «الحديث عن (مراجعة) كما يبدو، لم تنخرط فيها القيادات الكبيرة، فالجماعة ليس بها مُفكرون، أو عناصر قادرة على أن تمارس هذا الشكل من أشكال (المراجعة)، كما أن الجماعة لم تتفاعل مع أي محاولات بحثية بهذا الصدد، وعلى كثرة ما أنفقته من أموال، لم تخصص أموالاً للبحث في جملة أفكارها أو مشروعها، أو الانخراط في حالة من حالات (المراجعة)... وبالتالي لا يمكننا الحديث عن تقييم لـ(مراجعة) على غرار ما جرى في تجربة (الجماعة الإسلامية)»، مضيفاً أن «(مراجعة) بها الحجم، وبهذا الشكل، مرهونة بأكثر من عامل؛ منها تبني الدولة المصرية لها، وتبني قيادات الجماعة لها أيضاً»، لافتاً إلى أنه «ما لم تتبنَ قيادات مُهمة في الجماعة هذه (المراجعات)، لن تنجح في تسويقها لدى القواعد في الجماعة، خصوصاً أن دور السلطة أو القيادة في جماعة (الإخوان) مهم جداً... وبالتالي الدولة المصرية لو كانت جادة في التعاطي مع فكرة (المراجعة) باعتبارها إحدى وسائل مناهضة مشروع الجماعة السياسي، أو مشروع جماعات الإسلام السياسي، عليها أن تشجع مثل هذه المحاولات، وأن تهيئ لها ربما عوامل النجاح، سواء عبر التبني، أو على مستوى تجهيز قيادات من الأزهر، للتعاطي مع هذه المحاولات وتعميقها».

وأكد أحمد زغلول، الباحث في شؤون الحركات الأصولية بمصر، أن «الجماعة لم تصل لأي شيء في موضوع (المراجعات)، ولا توجد أي نية من جانبها لعمل أي (مراجعات)»، مضيفاً: «هناك محاولات فردية لـ(المراجعات) من بعض شباب الجماعة الناقم على القيادات، تتسرب من وقت لآخر، آخرها تلك التي تردد أنها خرجت من داخل أحد السجون جنوب القاهرة - على حد قوله -، ومن أطلقها صادر بحقهم أحكام بالسجن من 10 إلى 15 سنة، ولهم مواقف مضادة من الجماعة، ويريدون إجراء (مراجعات)، ولهم تحفظات على أداء الجماعة، خصوصاً في السنوات التي أعقبت عزل محمد مرسي عن السلطة عام 2013... وتطرقوا في انتقاداتهم للجوانب الفكرية للجماعة، لكن هذه المحاولات لم تكن في ثقل (مراجعات الجماعة الإسلامية)... وعملياً، كانت عبارة عن قناعات فردية، وليس فيها أي توجه بمشروع جدي». وأكد زغلول، أن «هؤلاء الشباب فكروا في (المراجعات أو المصالحات)، وذلك لطول فترة سجنهم، وتخلي الجماعة عنهم، وانخداعهم في أفكار الجماعة»، مضيفاً: «بشكل عام ليست هناك نية من الجماعة لـ(المراجعات)، بسبب (من وجهة نظر القيادات) (عدم وجود بوادر من الدولة المصرية نحو ذلك، خصوصاً أن السلطات في مصر لا ترحب بفكرة المراجعات)، بالإضافة إلى أن الشعب المصري لن يوافق على أي (مراجعات)، خصوصاً بعد (مظاهرات سبتمبر/ أيلول الماضي) المحدودة؛ حيث شعرت قيادات الجماعة في الخارج، بثقل مواصلة المشوار، وعدم المصالحة». وفي يناير (كانون الثاني) عام 2015، شدد الرئيس عبد الفتاح السيسي، على أن «المصالحة مع من مارسوا العنف (في إشارة ضمنية لجماعة الإخوان)، قرار الشعب المصري، وليس قراره شخصياً». وأوضح زغلول في هذا الصدد، أن «الجماعة تتبنى دائماً فكرة وجود (أزمة أو محنة) لبقائها، وجميع القيادات مستفيدة من الوضع الحالي للجماعة، وتعيش في (رغد) بالخارج، وتتمتع بالدعم المالي على حساب أسر السجناء في مصر، وهو ما كشفت عنه تسريبات أخيرة، طالت قيادات هاربة بالخارج، متهمة بالتورط في فساد مالي». جس نبض وعن ظهور فكرة «المراجعات» على السطح من وقت لآخر من شباب الجماعة. أكد الخبير الأصولي أحمد بان، أن «إثارة فكرة (المراجعة) من آن لآخر، تعكس حالة الحيرة لدى الشباب، وشعورهم بالإحباط من هذا (المسار المغلق وفشل الجماعة)، وإحساسهم بالألم، نتيجة أعمارهم التي قدموها للجماعة، التي لم تصل بهم؛ إلا إلى مزيد من المعاناة»، موضحاً أن «(المراجعة أو المصالحة) فكرة طبيعية وإنسانية، وفكرة يقبلها العقل والنقل؛ لكن تخشاها قيادات (الإخوان)، لأنها سوف تفضح ضحالة عقولهم وقدراتهم ومستواهم، وستكشف الفكرة أمام قطاعات أوسع».

برلمانياً، قال النائب أحمد سعد، عضو مجلس النواب المصري (البرلمان)، إن «الحديث عن تصالح مع (الإخوان) يُطلق من حين لآخر؛ لكن دون أثر على الأرض، لأنه لا تصالح مع كل من خرج عن القانون، وتورط في أعمال إرهابية - على حد قوله -». وحال وجود «مراجعات» فما هي بنودها؟ أكد زغلول: «ستكون عبارة عن (مراجعات) سياسية، و(مراجعة) للأفكار، ففي (المراجعات) السياسية أول خطوة هي الاعتراف بالنظام المصري الحالي، والاعتراف بالخلط بين الدعوة والسياسة، والاعتراف بعمل أزمات خلال فترة حكم محمد مرسي... أما الجانب الفكري، فيكون بالاعتراف بأن الجماعة لديها أفكار عنف وتكفير، وأنه من خلال هذه الأفكار، تم اختراق التنظيم... وعلى الجماعة أن تعلن أنها سوف تبتعد عن هذه الأفكار». وعن فكرة قبول «المراجعات» من قبل المصريين، قال أحمد بان: «أعتقد أنه يجب أن نفصل بين من تورط في ارتكاب جريمة من الجماعة، ومن لم يتورط في جريمة، وكان ربما جزءاً فقط من الجماعة أو مؤمناً فكرياً بها، فيجب الفصل بين مستويات العضوية، ومستويات الانخراط في العنف». بينما أوضح زغلول: «قد يقبل الشعب المصري حال تهيئة الرأي العام لذلك، وأمامنا تجربة (الجماعة الإسلامية)، التي استمرت في عنفها ما يقرب من 20 عاماً، وتسببت في قتل الرئيس الأسبق أنور السادات، وتم عمل (مراجعات) لها، وبالمقارنة مع (الإخوان)، فعنفها لم يتعدَ 6 سنوات منذ عام 2013. لكن (المراجعات) مشروطة بتهيئة الرأي العام المصري لذلك، وحينها سيكون قبولها أيسر». يُشار إلى أنه في نهاية السبعينات، وحتى منتصف تسعينات القرن الماضي، اُتهمت «الجماعة الإسلامية» بالتورط في عمليات إرهابية، واستهدفت بشكل أساسي قوات الشرطة والأقباط والأجانب. وقال مراقبون إن «(مجلس شورى الجماعة) أعلن منتصف يوليو (تموز) عام 1997 إطلاق ما سمى بمبادرة (وقف العنف أو مراجعات تصحيح المفاهيم)، التي أسفرت بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية وقتها، على إعلان الجماعة (نبذ العنف)... في المقابل تم الإفراج عن معظم المسجونين من كوادر وأعضاء (الجماعة الإسلامية)».

وذكر زغلول، أنه «من خلال التسريبات خلال الفترة الماضية، ألمحت بعض قيادات بـ(الإخوان) أنه ليس هناك مانع من قبل النظام المصري - على حد قولهم، في عمل (مراجعات)، بشرط اعتراف (الإخوان) بالنظام المصري الحالي، وحل الجماعة نهائياً». لكن النائب سعد قال: «لا مجال لأي مصالحة مع (مرتكبي جرائم عنف ضد الدولة المصرية ومؤسساتها) - على حد قوله -، ولن يرضى الشعب بمصالحة مع الجماعة». 

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية