الارتياب في الحداثة والتوجس من الحرية

2624
عدد القراءات

2019-06-25

يبدو أنّ التناقض بين التقليد والحداثة لا يزال يخترق جميع مجالات الحياة في بلادنا؛ يُعبَّر عن هذا التناقض ثقافياً بتناقض العقل والإيمان تارة، وتناقض العلم والدين تارة أخرى، أو بتناقض الحرية والمقدس، على نحو ما تناوله المفكر العربي المرموق، فهمي جدعان (1942 – )، في كتابه الذي يحمل العنوان نفسه: "الحرية والمقدس". استمرار هذا التناقض على مدى قرنين من الزمن، يكشف مدى قصورنا الذاتي؛ إذ لا ننفك نطرح الأسئلة نفسها ونجيب عنها بالإجابت نفسها، وقد يفسر لمَ لا تحتفي مجتمعاتنا بالحرية إلا في يوم دفنها. على نحو ما حدث في العراق منذ عام 2003، وما حدث في بلدان الربيع العربي منذ عام 2011، وما يحدث اليوم في السودان والجزائر.

اقرأ أيضاً: سيمون بوليفار.. الحرية لمن يخلص لحلمه حتى النهاية
فقد تبين أنّ الحرية ليست نقيض العبودية أو التبعية، كما يقول القاموس، وليست نقيض الاستبداد، كما نتوهم1 ، بل هي نقيض السلطة، منذ فجر التاريخ؛ لأن مبادئ إنتاج السلطة وآليات اشتغالها وأشكال ممارستها، في جميع مجالات الحياة الاجتماعية، هي التي تحدد مدى تمتع الأفراد بالحرية، في أي مجتمع، وتحدد، من ثم، طبيعة الأعراف والشرائع والقوانين، ومعايير المسؤوليات القانونية والأخلاقية، وتحدد أشياء أخرى كثيرة.
فهل ثمة رابطة أو علاقة ضرورية بين المقدس والسلطة؟
تتناول هذه المقاربة ما تسميه المصادرة الرئيسة 2 في علاقة الحرية بالمقدس، عند فهمي جدعان، تقول المصادرة: "أحدثت الحداثة وقائع جديدة. أقصت الديني، ونصبت العقل إماماً وحاكماً، وأقرت حقوقاً للإنسان، وجعلت من حق الحرية في الاعتقاد والتعبير حقاً مقدساً". هذا عن الحداثة، بوجه عام، كما يقرر النص، ولكن هذه الأحكام القطعية على الحداثة، مقصورة أو تكاد تكون مقصورة على مواطن الحداثة الأصلية.

الحرية ليست نقيض العبودية أو التبعية كما يقول القاموس وليست نقيض الاستبداد كما نتوهم بل هي نقيض السلطة

في مواطن  الحداثة؛ أي في الغرب، يضيف الدكتور جدعان، "استخدم "الفكر الحر" هذا الحق استخداماً مطلقاً. وفي مجراه المرتبط بسلطة "الوحي" وبمؤسسة الكنيسة قصد هذا الفكر، مع فولتير، إلى الإجهاز على "الدجال" ونعت المقدس الديني وأهله بأقذع النعوت وأعنف الأقوال، وأذيعت المصنفات التي تؤنسن المسيح أو تضعه موضع الشك أو الازدراء والسخرية، وحفلت الأدبيات الغربية بما لا عد له ولا حصر من الكتابات المضادة للألوهية وللدين وللمقدس"3 . يعترض الدكتور جدعان على الحرية في مواطن الحداثة؛ وليس لهذا الاعتراض من معنى إلا إذا كان تحذيراً من شرور الحداثة وأخطار الحرية على مجتمعاتنا العربية والإسلامية أو دفاعاً استباقياً عن المقدس الإسلامي بالهجوم على الحرية في مواطن الحداثة.

اقرأ أيضاً: عن شجون الحرية الثقافية
المصادرة والبرهنة على صحتها بنعت المقدس الديني وأهله بأقذع النعوت وأعنف الأقوال، في مواطن الحداثة ... إلخ، تنطويان على أحكام عامة، مطلقة وقطعية، كالقول: "الحداثة أقصت الديني"، في حين أنّ الحداثة أقصت الديني من الحقل السياسي فقط، مثلما أقصت الملكية الخاصة من الحقل نفسه، لا من الحقل الاجتماعي ولا من الحقل الثقافي ولا من الحقل الأخلاقي؛ إذ المجتمعات الحديثة تظهر كلّها تديناً هادئاً ومتسقاً مع إيقاع الحياة الحديثة، بل يقال إنّ المجتمع الأمريكي، على سبيل المثال، من أكثر المجتمعات تديناً. وللكنيسة مكانة مرموقة وتأثير في الفضاء الأوروبي، وللمساجد الإسلامية والكنس اليهودية حريتها وتأثيرها أيضاً.

اقرأ أيضاً: في الحرية تزهر وردة الأمل والعقل
هذا من جانب، من جانب آخر، إنّ جعل العقل إماماً لا يضع العقل في تناقض مطلق مع الدين أو مع المقدس، (بخلاف تناقض العلم والدين)؛ إذ للحداثة مقدساتها أيضاً، كالوطن والأمة والدولة وحقوق الإنسان والحرية والمساواة والعدالة والعمل (العمل عبادة)، وسائر المثل أو القيم التي تتبناها البشرية قاطبة، كالحق والخير والجمال، لكن مقدسات الحداثة ليست مفارِقة أولاً، وليست أسمى من الإنسان ثانياً، وذات طابع كوني عام ثالثاً. ثم إنّ هنالك أصواتاً خافتة في الثقافة العربية، وفي التاريخ العربي، نادت بجعل العقل إماماً، لكنها نُبذت وكُفِّرت، كأصوات المعتزلة أو كأبي العلاءالمعري (973 – 1057م) القائل:  
كذب الظنُّ لا إمام سوى العقل مشيراً في صبحه والمساء
فإذا ما أطعـتــه جلب الرحمة عند المسير والإرســـاء
إنما هذه المذاهب أسبـــابٌ لجذب الدنيا إلى الرؤسـاء
أجل، هنالك من دعا، في الثقافة العربية قديمها وحديثها وفي التاريخ العربي قديمة وحديثه، إلى وضع العقل في مقابل الظن والرجم بالغيب ونسج الأوهام ومقابل الشعور بوجه عام. والظن، في نظر المعري، هو جوهر المذاهب قاطبة، لا جوهر الدين. فالمذاهب "أسباب"، أدواتٌ ووسائلُ لجذب الدنيا إلى الرؤساء، فهل ثمة ما هو أسوأ من جعل المقدس أداة ووسيلة؟!

هنالك أصوات خافتة بالثقافة العربية وبالتاريخ العربي نادت بجعل العقل إماماً لكنها نُبذت وكُفِّرت كالمعتزلة أو أبو العلاء المعري

والأهم، في هذا السياق، ليس علاقة العقل بالإيمان، بل علاقة العقل (المعرفة والإدراك والوعي والفكر والعمل... إلخ) بالواقع. فلم يخرج العرب من التاريخ، بتعبير فوزي منصور، إلا بمحاصرة العقل بالتعييب والتأثيم، وخنقه بالمقدسات والمحرمات، علاوة على القمع الصريح.
وإلى ذلك، إنّ المصادرة الرئيسة، التي أشرنا إليها، تقول هي نفسها: إن الحداثة "جعلت من حق الحرية في الاعتقاد والتعبير حقاً مقدساً"، ومن البدهي أنّ الحق في الاعتقاد والتعبير، ليس مقصوراً على أهل العلم الوضعي والقانون الوضعي، وليس حق فئة من الناس دون غيرها، وليس  امتيازاً للعلمانيين على اللاهوتيين: حق العلماني مساو لحق اللاهوتي، وحق الكنيسة مساو لحق الجامعة، والأهم أنّ حق المرأة مساو لحق الرجل، وحقوق الأطفال مصونة وتحظى باهتمام خاص، وكذلك حقوق ذوي الحاجات الخاصة (التي تعدها ثقافتنا عيوباً)، وهذه كلها وغيرها كثير  من تجليات البعد الإنساني الذي يميز الحداثة، والذي تفتقر إليه ثقافتنا ومجتمعاتنا افتقارها إلى الإنسانيات أو العلوم الإنسانية، وهذه وتلك؛ أي المجتمعات والثقافة، لا تُلقيان بالاً إلى أنّ الإنسان هو الذي يقدِّس ويدنِّس، فتضعان المقدس في مواجهة الإنسان، وتدنّسان الحرية، بوجه عام، وحرية الفكر والضمير، وحرية الرأي والتعبير، بوجه خاص.

اقرأ أيضاً: أبو العلاء المعري يواجه أعداء الحرية والعقل والإنسان
يرى جدعان أنّ "آثار الحداثة الغربية أدركت حدود الفضاءات العربية والإسلامية وعبرتها. لكن "العقلانية" التي حملتها ظلت، في هذه الفضاءات، ذات حدود وقيود. وظل المقدس في الغالب الأعم مبجلاً محترماً، قصارى ما لحق به الدعوةُ إلى فصل الدين عن الدولة، و"شُبَهٌ" هنا وهناك، وتجاوزات طفيفة، يغلب عليها نشدان الإثارة وطلب انتشار الصيت والصوت. ثم ما جاء من عقر  دار الحداثة وما بعدها ومن فضاءات "الحرية المقدسة". وذلك ما وضع الحرية والمقدس في (مدينة الإسلام الكونية) وضعاً جديداً"4 .
من المعروف أنّ الدولة مجال عام، أو فضاء عام، وأي دين من الأديان، هو مجال خاص أو فضاء خاص بأتباعه فقط، فكيف يمكن أن يكون استقلال الدين عن الدولة أو العكس مساساً بالمقدس، وهل يسوغ اعتبار العلمانية شبهة، مثل "شُبَه" (أخرى) هنا وهناك، وتجاوزات طفيفة يغلب عليها نشدان الإثارة وطلب انتشار الصيت والصوت"؟!

اقرأ أيضاً: "التنويريون الأوائل": عمامات ألهمت الثوّار وعشاق الحرية
المقدس، كما يعرِّفه جدعان، هو "المفارق، المتعالي أو العليُّ السامي الطاهر ...، والمدنسُ هو المحايث، "كل ما هو محايث"، (جدعان، ص 22)، أي كل ما هو أرضي، دنيائي، بتعبيره؛ هذه قسمة حدِّية (متطرفة)، تجيز لنا أن نتساءل: ما حكم الحرية المحايثة، الأرضية، أو الدنيائية؟ وما  حكم المساواة والعدالة؟ ما حكم المواطنة في دولة دستورية حديثة، وما حكم الحقوق والخيرات الاجتماعية والقيم الجمالية .. إلخ؟ هل الجمال (المحايث) مدنس وهل المحبة مدنسة؟!
نحن نعتقد أنّ العقل محايث، هو عقل الفرد الإنساني؛ أيِّ فرد يفكر، ويعمل، ويجدد، ويبتكر، ويبدع، في أي مجال من مجالات الحياة، والحرية محايثة، والدين محايث، هو دين في الدنيا، ودين لأهلها، متجذر في حياتهم الأخلاقية، لا للملائكة والملأ الأعلى. والقائلون بوحدة الوجود، من المتصوفة وغيرهم، يعتقدون أن الله محايث.

يعتقد جدعان أنّ خرق المقدس يصدم مشاعر المؤمنين ويلحق بنفوسهم أذى وبأنّ قداسة المقدس ذات طابع شامل يتعين احترامه

يجيبنا جدعان عن سؤال الحرية والقداسة بالتفريق  بين "حرية وادعة وآمنة، وحرية خارقة لكل  الحدود" (ص 24)، في حين أن الحرية والوداعة على طرفي نقيض، حتى ليمكن القول إنّ المجتمعات العربية الراكدة هي مجتمعات الحريات الوادعة، أو مجتمعات وديعة، بكل معاني الكلمة، بل ذليلة للاستبداد والطغيان والتسلط. ماذا تعني قداسة المقدس إذا لم يكن مناهضاً للطغيان والتسلط والاستبداد والإذلال والإفقار والتهميش وثائراً عليها؟!
يعتقد الدكتور جدعان أنّ خرق المقدس يصدم مشاعر المؤمنين ويلحق بنفوسهم أذى لا حدود له، وبأن قداسة المقدس ذات طابع شامل مطلق يتعين احترامه، وأن من شأن الاعتداء على المقدس أن يلحق ضرراً بالسلم الاجتماعي، وهذا ما يسميه "الموقف الإسلامي"، وفي مقابله "الموقف  الغربي" المساند لحرية التعبير، في جميع أشكالها، (والذي) يعتبر أن تقييد حرية التعبير يهدم الأسس القاعدية للنظام الديمقراطي، وأن فرض "الجماعة الدينية" لقيمها على المجتمع وعلى الدولة يهدم الأساس القاعدي للعلمانية، أي تحرير الدولة من أي التزامات دينية، فضلاً عن أنّ المقدس الديني ليس ذا طبيعة كونية شاملة". (ص 29)
وإلى ذلك، كيف يستقيم أنّ الشخص والعقيدة كيان واحد، فيستنكر الدكتور جدعان ما جاء في افتتاحية جريدة لوموند، التي ميزت الشخص من الفكرة أو العقيدة، إذ قالت الافتتاحية: "إن الأشخاص لا الديانات هم الذين يجب أن نضمن لهم الحماية من كل أشكال التمييز" (ص 29)، ومن المؤكد أنّ كاتب الافتتاحية يعني الديانات جميعاً بما فيها المسيحية، على اختلاف مذاهبها.

اقرأ أيضاً: نساء يدخلن التاريخ لمطالبتهن بالحرية والمساواة
الفكرة أو العقيدة محمول متغير لحامل متغير، هو الإنسان، فقد يتخلى الشخص عن فكرة أو عدة أفكار أو عن منظومة أفكار كاملة، وقد يختار التحول من دين إلى آخر، وقد يختار ألا يكون متديناً. الإنسان هو الذي يستحق الحماية، بالفعل، لا الفكرة ولا العقيدة. الفكرة تحمي نفسها أو لا تحميها، ما دام ثمة عقل وعقلاء وعاقلات ومعايير عقلية وأخلاقية، والعقيدة كذلك. لا يحتاج الدين إلى من يحميه أو يدافع عنه، فما بالك بالنبي أو الله!
آن أن نقول: العقيدة ليست أهم من الإنسان، وليست أسمى منه. المؤمنون، لا الأيديولوجيون، يؤمنون أنّ الله كرم الإنسان، واستخلفه في الأرض، وحمله مسؤولية إنسانيته، قبل أن ينتحل الإنسان أي عقيدة، بوحي أو بغير وحي.
وللحديث صلة


هوامش:

1 - نفترض أن نقيض العبودية التاريخي هو المواطنة المتساوية، والنقيض التاريخي للاستبداد هو الديمقراطية.
2 - اعتبرنا الأطروحة المشار إليها مصادرة رئيسة لورودها في مقدمة الكتاب، التي يفترض أن الكاتب يحدد فيها إشكالية بحثه وافتراضاته الرئيسة. وما من شك في أن العلاقة بين الحرية والمقدس علاقة إشكالية، تحتمل تأويلات شتى، قد تكون بعضها متناقضة، على نحو ما يكون التناقض بين القوى الاجتماعية والسياسية في المجتمع المعني، فتكتسب التأويلات، لذلك، طابعاً أيديولوجياً.
3 - فهمي جدعان، الحرية والمقدس، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2009، ص 21.
4 - جدعان، ص 21.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل الاغتصاب حادث عارض في مجتمعاتنا؟

2019-10-16

بات من المحتمل أن يستفز بعضنا سماع ولادة طفلة "أنثى" في مجتمعاتنا، أو أن تستنفر مشاعرنا خوفاً على ما ستلاقيه بطفولتها أو صباها من أهوال ومعاملة مشينة، فسماعنا لكلمة اغتصاب؛ تحفر في نفوسنا مجرىً عميقاً من الألم، فكيف لو سمعنا أو قرأنا عن اغتصاب طفلات لا تتجاوز أعمارهنّ الخمس أو سبع سنوات؟!! هل بلغت مجتمعاتنا هذا الحد من الترهل الأخلاقي والقانوني حتى صار الاغتصاب حادثاً عارضاً يمر من أمام القانون من دون أن يُنظر إليه بعمق، ومن دون أن يحسب تأثيره النفسيّ والجسدي على الضحية، وبالتالي على المجتمع بشكل عام؟ فما هي الأسباب الكامنة وراء هذا الانحراف الأخلاقي في مجتمعاتنا؟

اقرأ أيضاً: هل نفهم التحرش فعلاً؟

الاغتصاب؛ ليس جريمة فردية، إنّها جريمة مجتمع موبوء بالتخلف والجهل والمرض النفسي، جريمة قانون لا يسعى لتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين الأنثى والذكر، جريمة السلطة السياسية التي تستبد بالإنسان المحكوم بالقهر، واستبداد السلطة الدينية التي تحكم بالكبت والتستر على مثل تلك الجريمة خوفاً من الفضيحة التي تُضعف شعور الأمة، جميع تلك السلطات، هي المسؤولة مسؤولية كاملة عن انتشار الجرائم وانحراف الشباب الضائع نتيجة استبدادها والاستمرار في قهره وتهميشه، مضافاً إليها المجتمع الذي يضع قوانينه الجائرة بحق الأنثى؛ والذي أعطى الحق للذكر بالقول وللأنثى بالسمع والطاعة.

لاتزال بنى المجتمعات المتخلفة قائمة على البطريركية الذكورية وثقافتها المعرفية بعيدة عن الاعتراف بالأنثى وحريتها وحقوقها

لا تزال بنى المجتمعات المتخلفة قائمة على البطريركية الذكورية، وثقافتها المعرفية بعيدة عن الاعتراف بالأنثى وحقوقها وعلى أنّها كيان حر ومستقل بذاته، تلك الثقافة بعيدة عن حمايتها من الاعتداءات والانتهاكات، ولا سيما التي تشمل التحرش والاغتصاب والاستغلال الجنسي.. إلخ، فالطفلة جنى المصرية، ومها العراقية، وأماني التونسية، بالإضافة إلى الفتيات اليافعات مثل سارة السعودية التي قُتلت أثناء تأديتها الصلاة التي هي ركن من أركان الدين، وإسراء الفلسطينية، وساندي السورية، جميعهن تعرضن للاغتصاب أو التحرش أو الاشتباه في سلوكهن على أنّه لا يتماشى مع قوانين العائلة والعشيرة والأمة، منهنّ من قتلن بأيدي أقربائهن الذكور ومنهنّ من تسترت العائلة على اغتصابهنّ خوفاً على نفسها من التشوه الأخلاقي المرتبط بالأنثى فقط.

اقرأ أيضاً: لا شرف في "جرائم الشرف"

لا تخلو المجتمعات المتقدمة أيضاً من الانحراف والجرائم؛ وهذا ما أشار إليه عدد كبير من علماء الاجتماع، فذهب عالم الاجتماع الشهير، أنتوني غدنز، إلى دراسة الانحراف وتحليله، ونمذجة المنحرفين والمجرمين، على أنّهم نماذج قابلة لاستقطاب من لديه القابلية للانحراف، على الرغم من صعوبة دراسة هذا المفهوم، حسب تعبيره، فيعرّف الانحراف على أنّه: "عدم الامتثال" أو "عدم الانصياع" لمجموعة من المعايير المقبولة لدى قطاع مهم من الناس في الجماعة أو المجتمع؛ "ولا يمكن أن نضع خطاً واضحاً وفاصلاً في أي مجتمع بين المنحرفين من جهة والممتثلين من جهةٍ أخرى.. وينبغي الإشارة إلى أنّ مفهوميّ الانحراف والجريمة ليسا مترابطين ومتطابقين في المعنى والأثر والنتائج، رغم أنّهما قد يكونان مترابطين ومتداخلين أحياناً".

المجتمعات المحكومة بالاستبداد يضعف فيها الوازع الاجتماعي والديني والأخلاقي عموماً

هذا يعني أنّ الناظم الاجتماعي هو ناظم أخلاقي وليس قانونيّاً، يستطيع أن يعاقب على الانحراف، وليس كل منحرف هو مجرم، لكن قد يقود الانحراف إلى ارتكاب الجريمة؛ كمدمن المخدرات، على سبيل المثال، يمكن أن يقتل ويغتصب، ويتأثر هذا الناظم أو المعيار الاجتماعي بتوزيع السلطة والقوة والنفوذ على الخارطة الاجتماعية؛ فالفرق بين الانحراف في المجتمعات المتقدمة والمجتمعات المتخلفة؛ أنّ الأولى لا تتستر على الاعتداءات أولاً، وتحرِّمها أخلاقياً ثانياً، وتجرِّمها قانونياً ثالثاً، وتعاقب المعتدين عقوبات رادعة رابعاً، في حين تتستر المجتمعات التقليدية على الاعتداءات، وتفرض كتمانها على الضحايا، بسلطاتها الناعمة، أو خوفاً من الفضيحة، وتكتفي بتجريمها أخلاقياً، على الصعيد النظري، دون تجريمها قانونياً، في معظم الحالات، وأخطر ما في الأمر هو التستر على الاعتداءات وإسكات الضحايا وإعفاء المعتدين من العقاب.

اقرأ أيضاً: ما حقيقة الاستعباد الجنسي لعاملات عربيات في مزارع الفراولة بإسبانيا؟

إنّ الكشف عن العيوب والأمراض، التي تصيب الجسم الاجتماعي، فتهدد سلامته، وتضعف مناعته الأخلاقية، فتفضح الاعتداءات، أو تعلنها على الملأ، وتدعو الأفراد إلى الاعتراف بما مارسوه أو بما مورس عليهم من اعتداءات، يحرر الضمائر الفردية ويحرر الضمير الجمعي أيضاً، فيجب أن يعترف المعتدي بفعلته اجتماعياً كما تعترف أو يعترف المعتدى عليها أو عليه، لأن الاغتصاب يقع في بعض الأحيان على الأنثى والذكر، لا يكون اعتداء إلا بوجود معتدٍ ومعتدى عليه أو عليها، لذلك تجب معالجة الاعتداء من هاتين الزاويتين معاً، وإلا تظل الاعتداءات وآثارها جزءاً لا يتجزأ من البنية المعرفية والثقافية والنفسية والأخلاقية لكل من المعتدي والمعتدى عليها أو عليه، وتظل المشكلة الأخلاقية مطموسة ومسكوتاً عنها قانونياً وسياسياً واجتماعياً ودينياً، على الرغم من انتشارها بشكل أو بآخر في المؤسسات الثقافية والتعليمية والسياسية والدينية وفي مجالات العمل، إن لم يكن بالاغتصاب، فالتحرش موجود وبكثرة، وتزداد في البلدان التي تشهد نزاعات داخلية مثل "سوريا والعراق واليمن" وفي غير مكان من العالم.

لا تخلو المجتمعات المتقدمة أيضاً من الانحراف والجرائم وهذا ما أشار إليه عدد كبير من علماء الاجتماع

خلاصة القول؛ إنّ المجتمعات المحكومة بالاستبداد، يضعف فيها الوازع الاجتماعي والوازع الديني والوازع الأخلاقي عموماً، ولا تطبق فيها القوانين الوضعية إلاّ على الضعفاء، "المستبد عدو الحق، عدو الحرية، وقاتلهما، والحق أبو البشر والحرية أمهم، والعوام صبية أيتام نيام لا يعلمون شيئاً، والعلماء هم أخوتهم الراشدون، إن أيقظوهم هبوا، وإن دعوهم لبوا، وإلا فيتصل نومهم بالموت" حسب تعبير عبد الرحمن الكواكبي في كتابه الأشهر "طبائع الاستبداد".

   

 

 

 

 

للمشاركة:

منظمات المجتمع المدني وأحصنة طروادة

2019-10-15

إذا كانت إشكالية التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني في الوطن العربي، قد تراجع اللغط بخصوصها؛ لأسباب تتعلّق بالأمر الواقع؛ حيث لم يعد بمقدور المناوئين تغيير الحال حتى لو صحّت اتهاماتهم، كما لم يعد الأنصار معنيين بتبرير الحال بحكم ضيق أوقاتهم وتصاعد انشغالاتهم، فإنّ التساؤل عن مدى مصداقية هذه المنظمات على صعيد الأداء والتأثير المنشود، ما زال قائماً ومشروعاً.

اقرأ أيضاً: جنان الجابري: منظمات المجتمع المدني للإسلام السياسي قناع لخدمة الأيديولوجيا
وسوف أغامر بوضع العربة أمام الحصان لأخلص بسرعة إلى القول: إنّ ما أحدثته وتحدثه هذه المنظمات من خلخلة في منظومة القيم والأفكار على صعيد الأوساط الشبابية والجامعية والثقافية والنسائية، يتجاوز حجم أدائها البرامجي على أرض الواقع بكثير! ولعل هذه المفارقة في حد ذاتها تتطلّب تفسيراً متأنياً، يمكن أن يوضح الكيفية التي تتطاير وفقها بعض الطروحات النخبوية في قاعات مغلقة، لتبلغ وتمسّ الملايين من أفراد القطاعات الحيوية والرئيسة في المجتمعات العربية التي تشهد منذ عقدين، حالات متوالية من التمخضات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأيديولوجية. ولعل تركيز منظمات المجتمع المدني على استقطاب عدد محدود ونوعي من الناشطين الذين يتمتعون بالقدرة الفائقة على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن يمثل مفتاح التفسير المنشود.

إنّ ما أحدثته وتحدثه هذه المنظمات من خلخلة في منظومة القيم والأفكار يتجاوز حجم أدائها البرامجي على أرض الواقع

وأيًّا كان الأمر، فإنّ من الملاحظ أنّ هذه المنظمات التي طالما أصرّ نشطاؤها على وصف الأحزاب السياسية بـ(الدكاكين) التي لا تعدو كونها مكاتب شبه مهجورة ويافطات برّاقة تهدف لإعادة تأهيل بعض المتقاعدين السياسيين، قد تحوّل كثير منها إلى (دكاكين) أيضاً تكاد تخلو من الروّاد، رغم يافطاتها البرّاقة وأنشطتها الموسمية المتباعدة المثيرة للجدل. ومعظمها الآن، وفي أحسن الأحوال، تحوّل إلى مراكز أبحاث ودراسات ودور نشر ربحية، لا تدّخر وسعاً للمشاركة والمنافسة في معارض الكتب. على حساب حضورها في الشارع وفي ملتقيات الرأي العام، ما يفرغ من مضمونها المطلوب ودورها المأمول.

اقرأ أيضاً: الزبائنية في منظمات المجتمع المدني الشيعية في العراق
وإذا كانت الموضوعية التامة، تتطلّب الإقرار بأنّ معظم هذه المنظمات قد انطلقت ببرامج ذات وتيرة تتسم بالثبات، فإنّ من الضرورة بمكان الآن، التأشير على حقيقة انتقال هذه المنظمات من طور العمل وفق نظام (الجُمْلة) إلى طور العمل وفق نظام (المُفَرَّق)! ولسنا بحاجة إلى كدّ أذهاننا لاستنتاج حقيقة تراجع حجم التمويل الأجنبي؛ لأسباب يقف على رأسها اقتناع الجهات المموّلة بأنّ معظم هذه المنظمات قد اعتنت دائماً بتوفير (الشكل) الذي يسوّغ الحصول على الدعم المالي، لكنها لم تعتن غالباً بتوفير (المضمون) الذي يمثّل غاية التمويل؛ فلم تفاجأ، لذلك، باكتشاف ما يشبه نظام (المقاولة) الذي يقوم على التعاقد الموسمي مع بعض (المورّدين) للروّاد المتحمسين لالتقاط الصور خلف الميكروفونات، ومطالعة أقوالهم في وسائل الإعلام، وتناول وجباتهم في ردهات الفنادق الفخمة، فضلاً عن ارتداء البزّات الأنيقة!\

اقرأ أيضاً: مقاومة الإرهاب بإحياء المجتمع المدني
وقد تزامن هذا الاكتشاف، مع تصاعد تنبه مراكز صنع القرار في الحكومات العربية لتأثير منظمات المجتمع المدني المقلق، فبادرت من جانبها لإطلاق منظّماتها التي يصعب تجاهل تأثيرها من جهة، كما تزامن هذا الاكتشاف أيضاً مع انفضاض كثير من نشطاء منظمات المجتمع المدني عنها؛ لأسباب يلوح في مقدّمتها اقتناعهم بأنّها ليست أكثر من مشاريع تعمل وتُدار لصالح بعض المثقفين والإعلاميين والسياسيين اللّامعين الذين يعرفون كيف ومن أين تؤكل الكتف!
وبوجه عام، فإنّ توقيت اندفاع هذه المنظمات إلى واجهة الأحداث الساخنة في الوطن العربي، وتوقيت اختفائها من مسرح الأحداث وكأنها لم تكن، ألقى وما زال يلقي بكثير من ظلال الشك والتساؤل عن حقيقة الأدوار التي تضطلع بها، إلى درجة أنّ خصومها لا يترددون في القطع بأنها ليست أكثر من أحصنة خشبية مجوّفة تخفي في باطنها العديد من الأجندات التفكيكية، ويدلّلون على ذلك بانبثاقها المفاجئ على سطح الربيع العربي الذي آل إلى ما آل إليه من خواتيم محزنة في ليبيا واليمن وسوريا، ثم اختفائها واختفاء نجومها على نحو مثير للاستغراب.

توقيت اندفاع هذه المنظمات لواجهة الأحداث في الوطن العربي وتوقيت اختفائها ما زال يلقي بالشك حول الأدوار التي تضطلع بها

ومع أنّ خصوم منظمات المجتمع المدني، لا يمارون في حقيقة أنها اضطلعت إلى حد بعيد بإبراز قضيتي الشباب والمرأة في المجتمع العربي، إلا أنّهم يأخذون عليها في المقابل، إسهامها في إكساب القضيتين أبعاداً راديكالية، ذهبت بكثير من الشباب والنساء في اتجاه التمرّد على المجتمع برمّته، بدلاً من العمل على الاندماج فيه والتغيير الهادئ المدروس من خلاله. بل إن بعض هؤلاء الخصوم لا يتورّع عن تحميل هذه المنظمات وزر تصاعد وتيرة العدمية والتشاؤمية والميل إلى العنف الفكري لدى الشباب، جرّاء تصاعد إحساسهم بأنّهم كتلة حرجة مهملة في أوطانهم، ما دفع ويدفع كثيراً منهم إلى الهجرة لأقطار الغرب، دون أسف على أوطانهم التي تمور بالبطالة والعنف والفساد. والأنكى من ذلك، اتجاه كثير منهم إلى ما يشبه القيام بتصفية حساب مع هوياتهم الوطنية والقومية والتاريخية والحضارية، فتراهم ينقضّون دون هوادة على كل الثوابت، وكأنّهم بذلك يوجهون لكمات قاسية لأيام فقرهم ومعاناتهم وإحباطهم وتهميشهم ومحاصرة أحلامهم، التي ترعاها الآن دوائر الهجرة في أمريكا وألمانيا وإنجلترا واستراليا والسويد إلخ إلخ إلخ!!!

للمشاركة:

فيلم الجوكر.. هل يعكس خللاً آخر بين جيلين؟

2019-10-14

نعم، سأتحدّث عن فيلم الموسم "الجوكر"، رغم أنّني لست ناقداً فنياً، ولا أملك أدوات النقد، لكنّني أب لمراهقين يتابعون الفيلم؛ لذا لن أتحدث عنه من حيث الأداء أو التصوير أو الإخراج، ولا من أيّ جانب من جوانب صناعة السينما، إنما سأتناوله من منظور الراشدين، وأثر الفيلم في أبنائهم المراهقين، فلي مع هذا الفيلم تجربة شخصية، قد تكون شأناً خاصاً بي لكنّها بالتأكيد تؤدي للشأن العام.
تبدأ قصتي مع هذا الفيلم من قرابة شهرين؛ عندما جاءني ابني (محمد)، وهو الثاني في الترتيب، وأول الذكور، وأنا منهمك في البحث والكتابة، وفاتحني برغبته في السفر إلى الإسكندرية، يوم 5 تشرين الأول (أكتوبر)، هو ومجموعة من أصدقائه لمشاهدة فيلم "الجوكر".

هل صدقت نبوءة سيد ياسين في كتابه "شبكة الحضارة المعرفية من المجتمع الواقعي إلى العالم الافتراضي"؟

محمد بالكاد استكمل 15 عاماً، وهو بالصف الأول الثانوي، وافقت؛ حيث ظننت أنّه فيلم يعتمد على الشخصيات الخرافية، مثل: "باتمان" و"سوبرمان"، وباقي تلك السلسلة من الأفلام التي تحارب الشرّ وتنتصر للخير، ولماذا الإسكندرية؛ لأنّنا في مدينة صغيرة (دمنهور)، ولا توجد فيها دور سينما تعرض مثل هذه الأفلام؛ لذلك قرّر، هو وأصدقاؤه، الذهاب إلى الإسكندرية؛ لأنّها أقرب مدينة كبيرة منا، ولا تبعد عنا سوى 60 كيلومتراً.
لم أنتبه لتعمّده طلب ما يريد وأنا منهمك في الكتابة، يبدو أنّه أدرك أنّي أوافق على كافة طلباتهم أثناء الكتابة، لهذا لم أناقشه كثيراً، ولم أتفهّم طبيعة مشاعره المرتبطة بالفيلم، ولا بشخصيته الرئيسة.
وبعد مضيّ شهرين؛ جاءني يطلب الإذن بالسفر، كما وعدته، ولأنّي لم أتذكر هذا الوعد، أنكرت أنّي وافقت على طلبه من الأساس، ومثل كافة الآباء، اتّهمته بأنّه متحايل، وظلّ يذكّرني بوعدي بإصرار، ولولا تدخّل أخته، وهي طالبة جامعية، لتؤكّد لي أنّها كانت شاهدة على موافقتي، ما كنت صدّقته، ثم بدأت أتذكر فعلاً وعدي إياه، وعلّلت نسياني بطول الفترة؛ فقد مضى أكثر من شهرين، واعتذرت له على اتهامي له، ثم انتبهت، كمن لسعه عقرب، ما هذا يا محمد أنت وأصدقاؤك تستعدون لهذا الفيلم من شهرين؟! أجاب بتحدٍّ واضح: "أيوا وفيها إيه؟" فتدخلت أمه وقالت: "ليتك كنت تستعدّ للاختبارات قبلها بشهرين، كما استعددت لهذا الفيلم!"، فقال مستعطفاً: "ماما الله يخليكي مش وقته الكلام عن الدراسة خالص".

اقرأ أيضاً: كيف تحول فيلم الجوكر إلى قضية أمنية في الولايات المتحدة؟
أذهلني محمد، ابن الخامسة عشرة، فهو مشترك هو وأصدقاؤه في "مجموعات للدردشة" تنظّم عمليات حجز التذاكر وأيام العرض لمشاهدة هذا الفيلم وغيره في السينما، هل يصدق أحد أنّ هؤلاء الصبية دارت بينهم حوارات توقعوا فيها أحداث الفيلم، لاحقاً سأعلم أنّ أحداث الفيلم جاءت على غير ما توقعوا، لكنّني لم أكن أتخيل أن يصل اهتمامهم إلى مشاركة المخرج والمؤلف صناعة الفيلم، والأسوأ، بالنسبة إليّ، أنّهم يتابعون أخبار الفيلم وأبطاله، وكأنّه فيلم مصري، أو كأنّهم أمريكيون!
لم يدر في خلدي، ولو للحظة، أنّهم يعرفون شركات الإنتاج الأمريكية التي تنتج لهم الأفلام، ويدركون طبيعة الصراع بينهم، ويعلمون أموراً تفصيلية عن تلك الشركات؛ مثل أنّ شركة (DC) تنافس شركة (MARVEL)، وأنّ المتحدث باسم الشركة (DC) هي شركة (WB)، والمتحدث باسم  شركة (MARVEL) شركة (ديزني)، ويعرفون كلّ الأبطال الذين قاموا بدور المهرج، بدءاً من جاك نيكلسون، ومروراً بالممثل الأسترالي، هيث ليدجر، الذي انتحر، والذي يعدّ، بالنسبة إليهم، أفضل من قام بالدور (حتى الآن)، وأخيراً: خواكين فينكس، وأنّ الجوكر هو شخصية من إنتاج شركة "دي سي كومكس"، وأنّهم صنعوه ليكون عدوّ باتمان اللدود.

اقرأ أيضاً: كيف شخّص فيلم فندق مومباي مصادر الإرهاب؟
في المقابل؛ محمد لا يعرف أيّة شركة مصرية، أو حتى عربية، لإنتاج الأفلام، ثم تحدّث ساخراً عن الأفلام المصرية، والتي تقدّم، بحسب قوله الـ(ولا حاجة)، لكنّ الطعنة الحقيقية عندما تناول فيلم "الممر" بسخرية، فقال: "حتى فيلم الممر يلي أنتوا طالعين بيه السما، هو أساساً فيلم متركب، والكثير من مشاهد الحرب فيه مأخوذه من فيلم إنقاذ الجندي ريان، والمصيبة أنّه يؤرخ لمرحلة الهزيمة لا النصر"، فانفعلت عليه وقلت: "بل هو ينقل حقيقة حرب الاستنزاف، يا جاهل"، وظللت اتهمه وجيله بكلّ ما أتذكره من كلمات الانتقاص، ولأنّ محمد مؤدب لم يرد، لكنّه قتلني حين قال: "وحرب الاستنزاف دي كانت انتصار ولا هزيمة؟" فقلت له: "اسكت خالص، ولا أسمع صوتك، يعني مش عاجبك فيلم الممر، ورايح تتفرح على فيلم غربي وشخصيات وهمية أشبه بأفلام الكرتون، لا تمتّ للواقع بصلة"، فقال: "يبدو أنك لا تريد أن تسمعني"، فقاطعته قائلاً: "أسمع ايه! أنت عندك حاجة"، فانفجر محمد في الكلام والدفاع عن الفيلم، وعن نفسه، وعن أفكاره، وعن أصدقائه، وعن حياته، وظلّ يتحدث بانفعال حتى أشفقت عليه، وأعطيته الإذن ومبلغاً سخياً من المال.

اقرأ أيضاً: فيلم "The Lobster": هناك أسوأ من أن تكون وحيداً
كأب يظنّ في نفسه أنّه قام بدوره في تربية ابنه وغرس فيه حبّ الوطن، والفخر بعروبته ومصريّته، أُسقط في يدي، نعم، أعترف بأنّني لم أعد أعرف ابني، وأعترف بأنّني لم أعرف ماذا أفعل؛ فقد استحوذ الفيلم وأخباره على اهتمامهم، ومن ثم على تفكيرهم، ولم يجذبهم فيلم رائع مثل "الممر"، هل هذا طبيعي؟ هل ما يمرّ به محمد ورفاقه مجرد الرغبة في التقليد فحسب، أم هي ثقافة العولمة، أم هي "أمركة" العالم؟ فقديماً كنا "نمصّر" الروايات العالمية لتناسب الشعب المصري، أما الآن فأمريكا "تُؤمرِك" الشعوب لتتناسب مع ثقافتها، أم أنا أبالغ لا أكثر؟ وهل الصواب أن أتنحى جانباً لتمرّ هذه الثقافة العالمية، أم أقف أحاربها حفاظاً على محددات الهوية العربية والوطنية؟
وهل صدقت نبوءة الكاتب الكبير الراحل، الأستاذ سيد ياسين، التي جاءت في كتابه "شبكة الحضارة المعرفية من المجتمع الواقعي إلى العالم الافتراضي"، ص 49، تحت عنوان "الثورة المعرفية"، وأيّاً ما كان الأمر، فإنّ الثورة المعرفية يمكن، في تقديرنا، أن تتلخص في عبارة واحدة: "الانتقال من الحداثة إلى ما بعد الحداثة"؛ فهل انصراف الصبية الناشئة عن الموروث الفكري والثقافي هو أحد تجليات ما بعد الحداثة؟ ربما..

اقرأ أيضاً: "الممر" فيلم مغامرات تقليدي أم علامة بارزة في السينما المصرية؟
حتى تلك اللحظة لم أكن أعرف كثيراً عن الفيلم، أو الشخصية الرئيسة فيه، وبدأت في البحث عنه، وعن أبطاله، ومن هو هذا الجوكر، فاكتشفت أنّه شخصية وهمية، يزعم من صنعها أنّها لشخص ربما سقط في برميل نفايات كيميائية، جعلت وجهه أشبه بالمهرج، وأنّه رسم ابتسامة شريرة على وجهه بالسكين، وأنّه أصبح ينتقم ويقتل في المدينة بلا رحمة أو تمييز.
هذه الشخصية أثّرت في شباب مراهقين في أمريكا، وتسبّبت في إطلاق رصاص في قاعة من قاعات عرض الفيلم؛ لهذا رفض كثيرون العمل وحذروا منه؛ فقد جاء على موقع "بي بي سي"؛  أنّ هذا الفيلم أثار جدلاً واسعاً بين المؤيدين الذين اعتبروه عملاً هادفاً، ويحمل رسائل مهمّة، والمعارضين الذي اتهموه بالعنف الشديد والمشاهد المظلمة التي تجلب الاكتئاب والأمراض النفسية والعقلية، ودعا كثيرون إلى حظر الفيلم من دور العرض، قائلين إنّه يروّج للعنف، ويمكن أن يلهم البعض للقيام بعمل إجرامي مثل إطلاق النار الجماعي.

كأب يظنّ في نفسه أنّه قام بدوره في تربية ابنه وغرس فيه حبّ الوطن والفخر بعروبته ومصريّته أُسقط في يدي

انتظرت محمد حتى عاد، وسألته، عن الفيلم وقصته، وهل كانت أحداثه كما توقّع، فقال: "كنت أتوقع أن يكون فيلماً سوداوياً في جزء منه، لكن ليس إلى هذه الدرجة؛ ففي الإعلان كنت أشاهد مشاهد غير مفهومة، لكنّني لم أكن أتوقع كمّ الكآبة التي شاهدتها في الفيلم".

فقلت له: إذاً كان الأمر لا يستحق عناء السفر؟ قال: "بل يستحق، لأنّ له رسالة"، فقلت له: "وما هي تلك رسالة؟"، فقال: "الفيلم يناقش قضية إنسانية، وليست قضية مجتمعية؛ أي قضية تخصّ مجتمعاً دون آخر، فهو يناقش خطورة ألا تسمع الآخر ولا تعطيه فرصة للتعبير عن نفسه، وكيف يؤدي هذا إلى كبت نفسي سلبي، يمكن أن يخرج على هيئة (الجوكر المدمر والقاتل)، لأنّ أيّ شخص بداخله هذا "الجوكر"، ولكن بنسب متفاوتة"، قفلت له: "وهل كلّ من يتعرض لكبت ما يكون الحلّ أن يخرج لنا "الجوكر" الذي بداخله؟ أليست هذه دعوة للعنف؟"، فقال: "لا، هذه ليست دعوة للعنف، أنتم تريدونها كذلك، لكننا تلقينا الرسالة كتحذير من عدم الاستماع إلى الآخر، أو عدم تفهم الآخر، إنّ الكبت قد يؤدي لظهور "الجوكر"، كلياً أو جزئياً، في تصرفات البعض، المشكلة أنكم تريدون أن تلوموا "الجوكر"، ولا تلوموا من أخرجه من مكمنه، ولا تتحمّلوا جميعاً ثمن كبتكم له"، ثم نظر إليّ نظرة، كنظرة "الجوكر"، بابتسامته القاتلة، فقلت له: "روق يا محمد، أنت حبيبي والله.. مش عاوز فلوس كمان؟".

للمشاركة:



فرار داعشيات فرنسيات من مخيم بسوريا.. وباريس تستنفر

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

قال وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان: إنّ "9 فرنسيات من المنتميات لتنظيم داعش الإرهابي، قد هربن من مخيم خاضع لسيطرة الأكراد في شمال غرب سوريا".

وأكّد لودريان؛ أنّه سيتوجه إلى العراق قريباً، لبحث الإطار القضائي الذي يتيح محاكمة متشددين محتجزين في سوريا"، وفق ما نقلت "رويترز".

وزير الخارجية الفرنسي يؤكّد فرار 9 فرنسيات من المنتميات لـداعش الإرهابي من مخيم خاضع لسيطرة الأكراد

وذكر الوزير الفرنسي، أمس؛ أنّه سيجري محادثات مع زعماء عراقيين وأكراد لمناقشة كيفية تأمين آلاف من مقاتلي تنظيم داعش الأجانب، المحتجزين في مخيمات وسجون سورية.

يذكر أنّ رئيس الوزراء الفرنسي، إدوار فيليب، كان قد صرّح، أمس: بأنّ "القرارات التي اتخذتها تركيا والولايات المتحدة في سوريا ستكون لها عواقب وخيمة على المنطقة، وستؤدي، لا محالة، إلى عودة تنظيم داعش في سوريا والعراق".

وكان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، قد حذّر، الأسبوع الماضي، من أنّ العدوان التركي على شمال شرق سوريا، سيحيي خطر تنظيم داعش الإرهابي في المنطقة.

إدوار فيليب: القرارات التي اتخذتها تركيا والولايات المتحدة في سوريا ستؤدي، لا محالة، إلى عودة داعش

وبدأت تركيا ومقاتلون سوريون موالون لها قبل نحو أسبوع هجوماً في شمال شرق سوريا، تسبّب وفق المرصد، بمقتل نحو 70 مدنياً و135 مقاتلاً من قوات سوريا الديمقراطية، كما قتل أكثر من 120 عنصراً من الفصائل الموالية لأنقرة.

وأحصت تركيا، من جهتها، مقتل 4 جنود أتراك في سوريا، و18 مدنياً، جراء قذائف اتهمت المقاتلين الأكراد بإطلاقها على مناطق حدودية.

ودانت غالبية دول العالم العدوان التركي، وطالبت أنقرة بالانسحاب الفوري من سوريا، باستثناء قطر التي أعلنت تأييدها لتركيا في العدوان على شمال سوريا ضدّ القوات الكردية.

 

للمشاركة:

بنك تركي يتآمر مع إيران.. ماذا فعل؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

أعلنت وزارة العدل الأمريكية، اليوم، أنّها وجّهت إلى مصرف "خلق بنك" التركي تهمة الالتفاف على العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران.

 وأوضحت؛ أنّ المصرف تآمر بين العامين 2012 و2016 للالتفاف على العقوبات المفروضة على النظام الإيراني، من خلال السماح لطهران بالوصول إلى مليارات الدولارات من الأموال، وخداع جهات الرقابة الأمريكية بشأن هذه العمليات، وفق ما نقلت "فرانس برس".

وقالت الوزارة في بيان: إنّ البنك التركي يلاحَق بتهم الاحتيال وغسل الأموال والالتفاف على العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران.

واشنطن تتهم مصرف "خلق بنك" التركي بالسماح لطهران بالوصول إلى مليارات الدولارات

ونقل البيان عن مساعد وزير العدل، جون ديمرز، قوله: "هذا واحد من أخطر الانتهاكات التي رأيناها لنظام العقوبات"، مضيفاً: "ما نؤكّده اليوم؛ أنّ "خلق بنك"، وهو مؤسّسة مالية مملوكة بغالبيتها من قبل الحكومة التركية، قد انخرط عن عمد في أنشطة مضلّلة للالتفاف على العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران"، مؤكّداً أنّ المصرف فعل هذا "بمشاركة وحماية من كبار المسؤولين الإيرانيين والأتراك".

والتهم الملاحق بها المصرف هي التهم ذاتها التي أدين بها، في كانون الثاني (يناير) 2018، محمد حقان آتيلا، الذي كان يشغل منصب نائب مدير في البنك، وحكم عليه بالسجن، وأطلق سراحه في تموز (يوليو) الماضي، قبل انتهاء فترة عقوبته.

ويأتي الإعلان عن توجيه الاتهام إلى البنك التركي في وقت تشهد فيه العلاقات الأمريكية التركية، توتّرات كبيرة أجّجها أخيراً الهجوم الذي شنّته أنقرة على القوات الكردية في شمال شرق سوريا، وردّ الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عليه بفرض عقوبات على أنقرة.

 

للمشاركة:

لماذا اعتقلت حماس الصحفي هاني الآغا؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

طالبت نقابة الصحفيين الفلسطينيين، أمس، حركة حماس بالإفراج عن الصحفي المعتقل، هاني الآغا، محملة الحركة المسؤولية الكاملة عن استمرار اعتقاله لليوم العشرين على التوالي.

وقالت النقابة، في بيان نشر أمس عبر صفحتها على فيسبوك: "الآغا محتجز في ظروف سيئة داخل سجن الأمن الداخلي، غرب غزة، رغم معاناته وتدهور حالته الصحية نتيجة عملية جراحية أجريت له سابقاً في العمود الفقري".

نقابة الصحفيين الفلسطينيين: الآغا محتجز في ظروف سيئة داخل سجن الأمن الداخلي غرب غزة وحالته الصحية تتدهور

ودانت النقابة تصريحات وزارة الداخلية بغزة، بعدم بوجود أيّ صحفي معتقل في سجونها، وتكتمها على سبب اعتقال الصحفي الأغا، أو توجيه أيّ اتهام حقيقي له، في مخالفة واضحة للقانون الأساسي الفلسطيني والقوانين المعمول بها، خاصة في ظلّ استمرار اعتقاله من جهاز أمني.

ووفق عائلة الصحفي؛ فإنّ قوة من أجهزة حماس الأمنية وصلت لمنزله في خان يونس، مساء الأربعاء 25 أيلول (سبتمبر) الماضي، لكنّه لم يكن موجوداً، فسلمته العائلة بلاغ اعتقاله، ليسلم نفسه في اليوم التالي.

وطالبت نقابة الصحفيين الفلسطينيين أجهزة حركة حماس الأمنية بالإفراج الفوري عن الصحفي الأغا، وباتخاذ المراكز الحقوقية العاملة في قطاع غزة، موقفاً واضحاً إزاء استمرار عملية الاعتقال، خاصة مع رفض طلب 3 مراكز حقوقية زيارته في معتقله.

بدورها، دعت نقابة الصحفيين الفلسطينيين المراكز والمؤسسات الحقوقية إلى الضغط من أجل زيارة الزميل الأغا، برفقة طبيب مستقل، لكشف حالته الصحية وتقديم العلاج اللازم له.

اتحاد الصحفيين العرب يدعو للضغط على حماس للإفراج عن الآغا ووقف السطوة الأمنية على الإعلاميين والصحفيين

ودعت النقابة الاتحاد العام للصحفيين العرب والاتحاد الدولي للصحفيين للضغط على حركة حماس من أجل الإفراج عن الزميل الآغا، ووقف السطوة الأمنية التي تمارسها حركة حماس على الإعلاميين والصحفيين في قطاع غزة، مستغلة بعض الحوادث الأمنية من أجل التضييق على حرية الرأي والتعبير.

وفي تصريحات سابقة، قالت والدة المعتقل؛ "إنّها حاولت زيارة ابنها أو الاطمئنان على مكان اعتقاله لكن دون جدوى"، مشيرة إلى أنّها تقدمت بشكوى للمؤسسات الحقوقية للمطالبة بالضغط للإفراج عنه.

 

للمشاركة:



مؤشر 2019.. هذه أسباب انتشار المجاعة في العالم

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

لدينا المعرفة والإمكانيات الفنية والمادية للقضاء على الجوع في العالم، حسب معطيات تقرير مؤشر المجاعة العالمي لهذا العام. فمنذ عام "2000 يتم على مستوى العالم تحقيق خطوات متتالية في التقليل من المجاعة التي تراجعت في العالم بنسبة 31 في المائة"، كما يؤكد ذلك فرايزر باترسون من منظمة مكافحة المجاعة الألمانية، والذي يقول في مقابلة مع DW "نرى (بهذا الخصوص) تقدما في جميع البلدان تقريبا وجميع مناطق العالم". فرايزر باترسون مسؤول أيضاً عن إصدار مؤشر المجاعة في العالم ويطرح في تعاون وثيق مع منظمة Concern Worldwide المؤشر السنوي وتقرير منظمة مكافحة المجاعة.

في عام 2016 لم يصنف بلد واحد في العالم بأنه يعاني من مجاعة حادة. لكن في عام 2017 صنفت جمهورية افريقيا الوسطى كذلك. فالوضع العام للغذاء في البلاد التي تمزقها النزاعات المسلحة كارثي. وسوء التغذية هي الحالة العادية بين السكان. وكل مولود جديد من بين ثمانية يموت قبل بلوغه اليوم الخامس من حياته. والأطفال الذين يبقون على قيد الحياة ضعيفي البنية مقارنة مع سنهم ويعانون من اضطرابات في النمو. وبناء على هذه العوامل يتم تصنيف وضع المجاعة في جمهورية افريقيا الوسطى في المؤشر العالمي بأنه كارثي.

في أربعة بلدان أخرى هي تشاد ومدغشقر واليمن وزامبيا يعتبر الوضع مقلق للغاية. كما تم تصنيف وضع 43 بلدا من بين 117 شملها المؤشر بـ"المقلق". وبشكل عام يشير تقرير مؤشر المجاعة العالمي لهذا العام إلى أن 822 مليون شخص في العالم يعانون من آثار المجاعة، أي واحد من بين تسعة أشخاص يعاني من من المجاعة في العالم. وقبل ثلاث سنوات كان العدد من 800 مليون.

"ارتفاع عدد الأشخاص الذين يعانون من المجاعة في السنوات الثلاث الأخيرة يعود لعاملين اثنين. أولهما يتمثل في تأثير تغير المناخ، والثاني يتمثل في تنامي النزاعات المسلحة على مستوى العالم"، كما يقول باترسون في حديثه مع DW، مؤكداً أن الحروب والنزاعات المسلحة تحتاج إلى حلول سياسية، والمجموعات المهددة بتحول المناخ تحتاج إلى الدعم للتكيف مع تأثيرات تغير المناخ.

مؤشر المجاعة العالمي لعام 2019 يكشف أنه "بسبب الفعل البشري يصبح من الصعب أكثر تغذية السكان بشكل معقول ومستدام". أرقام التقرير الحالية التي تستند على مصادر الأمم المتحدة حول المجاعة والتغذية ووفايات الأطفال يتم مقارنتها مع نتائج السنوات السابقة، مع العلم أن تقرير مؤشر المجاعة العالمي صدر لأول مرة عام 2006. والنتيجة:" تغير المناخ له تأثيرات سلبية على الأمن الغذائي. ليس فقط على الزراعة، بل أيضا على جميع نواحي نظام التغذية بما في ذلك توفر الغذاء وإمكانية الحصول عليه وجودة الغذاء واستقرار الإنتاج".

ومنذ بداية التسعينات تضاعفت حوادث اشتداد مظاهر الطقس على مستوى العالم، كما أشار إلى ذلك باترسون. وهذا يؤدي إلى إتلاف المحاصيل بسبب الجفاف والفيضانات وانجراف التربة والأعاصير. والجهات المتضررة أكثر من تحول المناخ هي البلدان الأكثر فقرا حيث يعم الجوع ولا يوجد تأمين اجتماعي. لكن هناك مشكلة أخرى تؤجج الجوع من خلال تحول المناخ.

ويتعلق الأمر هنا بـ "ارتفاع تركيز ثاني أوكسيد الكربون في الجو، مما يؤدي إلى تناقص المغذيات الدقيقة في النباتات المفيدة وإلى نقص في البروتين والزنك أو الحديد"، كما يقول باترسون. ووانخفاض القيمة الغذائية يطال بالأساس مواد غذائية أساسية مثل القمح والأرز والذرة والصويا.

فليب ألستون، المقرر الخاص للأمم المتحدة حول الفقر المدقع وحقوق الإنسان يصف ذلك بدون تحفظ بـ"التمييزالعنصري بسبب المناخ". نحن نخاطر أمام وضع يسوده التمييز العنصري بسبب المناخ، حيث بإمكان الأغنياء اقتناء كل شيء والفرار من الحرارة المفرطة والجوع والنزاعات في الوقت الذي وجب على باقي سكان العالم المعاناة من تبعات تحول المناخ"، كما قال ألستون عند عرض تقريره حول الفقر المدقع وحقوق الإنسان.

"تحول المناخ يهدد مستقبل حقوق الإنسان. فهو يهدد جميع التقدم المحرز خلال السنوات الـ 50 الماضية فيما يرتبط بالتنمية والصحة ومكافحة الفقر" كما أعلن ألستون في تقريره الذي يتنبأ فيه بمستقبل قاتم للبشرية بحيث أن "مئات ملايين الناس سيواجهون الجوع والنزوح والأمراض والموت".

للمجاعة أسباب بنيوية  بالأساس، يقول فليب ميمكيس من شبكة FIAN لمحاربة المجاعة التي جعلت من عبارة "الجوع ليس مصيرا" شعارا لها.

يقول ميمكيس "إذا نظرنا إلى الحاضر، فإننا سنلاحظ أنه يوجد مواد غذائية أكثر للشخص الواحد مقارنة بالـ 20 و 30 و 40 عاما الماضية". ويضيف نفس المتحدث: "هذا يعني أنه مبدئيا ليس لدينا مشكلة ضعف الإنتاج، بل لدينا مشكلة في التوزيع". ويشير ميمكيس إلى أن أقل من نصف الإنتاج الزراعي في العالم يتم استخدامه مباشرة كمواد غذائية.

أما "الباقي فيذهب إلى أماكن أخرى لاكتساب الطاقة ومواد العلف". وهنا لا ينفع فقط منح الأموال كما تعد الدول الصناعية منذ عقود لمكافحة المجاعةعلى مستوى العالم. وبالتالي فإن "أهم أسباب المجاعة تكمن حقيقة في قضايا سياسية مثل التمييز وانعدام العدالة الاجتماعية وكذلك في وجود بنية غير عادلة في التجارة".

ويشير ميمكيس إلى أنه يوجد في أمريكا الجنوبية مثلا مساحة أكبر من الأراضي الزراعية في الوقت الذي يجوع فيه عدد أكبر من الناس. فما يتم زراعته لا يخدم تغذية السكان المحليين، بل يصلح بالأساس لتصدير مواد العلف أو اكتساب الطاقة. وهذا يتناقض كليا مع المقترحات التي تقدمها دوما الدول الصناعية التي تحث على تقوية الإنتاج.

وحتى فريزر باترسون من منظمة مكافحة المجاعة يرى أن مشكل التوزيع هو سبب المجاعة في العالم. ويقول "إذا لم تتحرك الجهات المسؤولة الآن بحزم، فإن أرقام المتضررين من آفات المجاعة ستواصل الارتفاع".

عن "دويتش فيله"

 

للمشاركة:

طهران ـ النجف.. مشروعية المكان وشرعيته

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

مصطفى فحص

أثبتت أحداث العراق الأخيرة أن مشروع التوسع الإيراني يواجه، لأول مرة، أزمة تهدد مشروعيته العقائدية والسياسية، بعدما وضع نفسه بمواجهة لها بعدان؛ الأول جغرافي، والثاني ديمغرافي، إذا أخذنا بعين الاعتبار مناطق المظاهرات، التي وحدها حددت الهوية العقائدية والثقافية للمتظاهرين، وانتماءاتهم الروحية، وليس المذهبية، التي تَقلَّص حضورها في تكوين الفرد العراقي، وانفعالاته، نتيجة لعوامل عددية؛ أهمها تراجع دور الاستقطاب الطائفي الذي مارسته أحزاب الإسلام السياسي، وفشل تجربتها في بناء دولة حديثة، إضافة إلى عامل اقتصادي معيشي، نتيجة الفساد وسوء توزيع الثروة، الأمر الذي انعكس على مواقف أغلب الطبقات الاجتماعية، خصوصاً العاملة، تلك التي تقطن في أكثر مناطق العراق غناً ولكنها الأشد فقراً.

مما لا شك فيه أن تقلص العامل المذهبي، خصوصاً لدى شيعة العراق، أدى إلى بروز معضلة بنيوية في علاقتهم مع طهران، وموقفهم من هيمنتها على قرارهم الوطني منذ سقوط نظام صدام حسين، هذه المعضلة باتت الآن تمس جوهر العقيدة التي تذرع بها نظام طهران من أجل تبرير مفهومه التوسعي الذي قام على مبدأين؛ تصدير الثورة كنموذج إسلامي أممي بزعامة الولي الفقيه، واستقطاب الحالة الشيعية غير الإيرانية، بعدما قدم نفسه الحامي الوحيد لها، ويأتي تركيزه على الحالة العراقية كونها تمثل الهوية العقائدية الشيعية ورمزيتها (النجف وكربلاء) يستخدمها لتبرير شرعيته خارج حدوده الوطنية، التي إذا خسرها سيتعرض مشروعه إلى انكشاف عقائدي لا يمكن تعويضه. وقد ظهر الربط الواضح والصريح ما بين قدسية المكان وعقيدة النفوذ الإيراني، في تصريح للرئيس حسن روحاني في شهر مارس (آذار) 2016، حين أكد أن «إيران سوف تتدخل في أي مكان توجد به مقامات للشيعة، وتتعرض إلى تهديد من قبل الإرهابيين».

عملياً، كشفت المظاهرات الأخيرة عن فشل مشروع الاستقطاب الإيراني بطبيعته الاستتباعية، التي استهدفت تذويب الهوية الوطنية العراقية بهدف التماهي الكامل مع طهران، حيث شكل صعود الحس الوطني دوراً لافتاً في «انتفاضة تشرين الأول» المطلبية، التي وَجَّهت إنذاراً سياسياً لطهران يحذرها من مغبة خسارة البيئة الاجتماعية الشيعية الرافضة لتصرفاتها في الشأن العراقي، وشكلت صدمة لنفوذها في العراق، ما دفعها إلى استخدام العنف المفرط ضد المتظاهرين من أجل القضاء على حالة شبابية ممكن أن تتوسع، وتصبح جماهرية تهدد سيطرة حلفائه على الدولة، وتهدد وجودها في المكان الذي تستمد منه المشروعية العقائدية لمشروعه.

منذ معاهدة «زهاب» المعروفة باتفاقية «قصر شرين» ما بين السلطة العثمانية والدولة الصفوية، سنة 1639، التي حددت أُطر الوجود الإيراني في العراق حتى أبريل (نيسان) 2003، خضع استقرار النظام السياسي في إيران لتأثيرات النجف، وكانت الحركة المشروطية، أو ما يعرف بالثورة الدستورية عام 1907، المحطة الأبرز في حجم حضور النجف، وتأثيرها على النخب السياسية والثقافية والاقتصادية (البازار) في الدولة الإيرانية، أما المحطة الثانية هي نفي زعيم الثورة الإسلامية الإيرانية الخميني إلى النجف بعد خروجه من تركيا 1965، وفي المحطتين أثرت النجف في التحولات الإيرانية، بسبب الربط ما بين قداسة المكان، وتأثيره على الفرد أو المشروع، ففي النجف كتب الخميني كتابه الذي بنى عليه مشروعه السياسي «الحكومة الإسلامية»، كما أنه من النجف خرجت أول النصوص الإصلاحية في الفقه السياسي الشيعي للمرجع آية الله النائيني كتاب «تنبه الأمة وتنزيه الملة» الذي كتبه النائيني مطلع القرن الماضي، ويعبر عن ذروة تعاطي الحوزة العلمية الشيعية التقليدية في الشؤون السياسية، حيث انحاز مجموعة من أساتذتها إلى «الحركة المشروطية» (الدستورية) بوجه أنصار المستبدة، هذا الانحياز أو التبني النجفي للمشروطية كان له تأثير مباشر على تطور الأوضاع السياسية في إيران، وكان أحد أبرز العوامل التي مهدت للثورة الدستورية سنة 1907.

في الوعي السياسي الإيراني، هناك كتابان يملكان حيزاً كبيراً في ذاكرتهم السياسية والعقائدية صدرا في النجف؛ الأول كشف عن حجم تأثير الحوزة النجفية في المجتمعات الشيعية في العالم، والثاني بقي خارج المنظومة الفكرية النجفية الكلاسيكية التي تحافظ على مسافة دقيقة وحساسة في علاقتها المباشرة مع السياسة، والتي برزت في تحفظها على مشروع ولاية الفقيه، وتمسكها بولاية الأمة على نفسها، وبرزت في تبنيها للمشروطية الدستورية التي تنظم الحياة السياسية في البلدان التي يطبق فيها الدستور، والدعوة إلى اندماج الشيعة في أوطانهم.

يدرك النظام الإيراني أن السيادة العراقية تمر بالنجف العصية على المصادرة، ومن دونها يفقد أي نظام في بغداد أو طهران كثيراً من شرعيته التي لم تعد ممكنة، بعد انحياز النجف بطبيعتها الكلاسيكية إلى المشروطية، فباتت مشروعية طهران ومشروعها التوسعي الاستبدادي أمام تحدٍ نجفي أقرب إلى وجدان المتظاهرين ومشروعيتهم.

عن صحيفة "الشرق الأوسط"

 

للمشاركة:

بوتين في الإمارات

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

د. حسن مدن

أدرك مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، منذ قيام الدولة أهمية أن تكون لها علاقات مع موسكو، السوفييتية يومها، فيما كانت الولايات المتحدة تضغط في اتجاه عزل الاتحاد السوفييتي، والحيلولة دون تعاون الدول الأخرى معه، لكن الشيخ زايد، رحمه الله، ببعد نظره فهم أهمية أن تكون للإمارات علاقات دولية متوازنة.

استمرت الإمارات على النهج الذي رسمه مؤسسها، وأقامت أوجه تعاون مع روسيا، من بين ثمارها، مؤخراً، رحلة رائد الفضاء الإماراتي هزاع المنصوري إلى المحطة الفضائية الدولية بالتعاون مع روسيا، التي حلّ رئيسها فلاديمير بوتين ضيفاً على الإمارات بعد زيارة مماثلة ناجحة إلى المملكة العربية السعودية.

زيارتا بوتين إلى الرياض وأبوظبي تأتيان في التوقيت المناسب تماماً، حيث تظهر التجربة الملموسة أن مصلحة دولنا الخليجية هي في إقامة علاقات دولية متوازنة، والكف عن الاعتماد على قوة دولية واحدة هي الولايات المتحدة، فروسيا صديق مجرب للعرب، أظهرت حرصها على علاقات قائمة على الوضوح ومبنية على تبادل المصلحة المشتركة من خلال أوجه التعاون الاقتصادي والتقني والثقافي وغيرها.

لا تقل أهمية عن ذلك حقيقة أن القراءة الحصيفة لمجريات الوضع الدولي تشير إلى أن زمن الأحادية القطبية والتفرّد الأمريكي بالعالم قد ولى، وأن نظاماً دولياً جديداً متعدد الأقطاب قد تشكّل فعلاً، وهو يشق طريقه صعوداً إلى المستقبل، وأن روسيا، إلى جانب الصين، ركنان أساسيان في هذا العالم الجديد، ومصلحة دولنا هي في الانفتاح على هاتين الدولتين الكبريين، والتعويل على دورهما المحوري ليس فقط في التعاون الثنائي، وإنما أيضاً في حفظ الأمن والاستقرار في المنطقة، وإبعادها عن التوترات والحروب والنزاعات، بما يحافظ على ما تنعم به شعوبنا من أمن واستقرار، ويصون السلم في العالم كله.

إن أمن منطقة الخليج قضية عالمية بامتياز، ومن الخطأ ركن مسؤوليتها إلى قوة دولية واحدة أظهرت مراراً أنها لا تفكر إلا في مصالحها، وتنضج أكثر فأكثر مهمة أن يكون أمن هذه المنطقة مسؤولية جماعية مشتركة، بالنظر لما تمثله من أهمية اقتصادية للعالم، انطلاقاً من مصالحنا الوطنية والقومية بالمقام الأول، ويمكن لروسيا بما تمثله من ثقل دولي متزايد أن تضطلع بدور كبير في ذلك.

زيارة بوتين إلى الإمارات، وقبلها الزيارة الناجحة لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، للصين تأتيان في هذا السياق.

عن صحيفة "الخليج"

 

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية