كيف حاولت قناة "الجزيرة" القفز عن الواقع في فيلمها "حرب الموانئ"؟

بثت قناة "الجزيرة" القطرية، بتاريخ 17 آذار (مارس) الماضي، فيلماً وثائقياً بعنوان "حرب الموانئ"، ضمن برنامجها التحقيقي "المسافة صفر"؛ الذي تقدمه الصحفية سلام هنداوي؛ وسعى الفيلم إلى تقديم رؤية القناة القطرية والقائمين عليها حول الصراع المحتدم من قبل القوى الإقليمية والدولية على موانئ شرق إفريقيا، في سبيل السيطرة على خطوط الملاحة البحرية، وحجز مواقع لها على الخريطة.

اقرأ أيضاً: مصور سابق في "الجزيرة" يكشف علاقة القناة بالجماعات المسلحة

ونظراً إلى ما تمثله موانئ شرق إفريقيا، خاصة تلك الواقعة بمنطقة القرن الإفريقي من أهمية إستراتيجية كونها الشريان الرئيس لحركة الملاحة الدولية والتجارة العالمية، والتي حوّلت هذه المناطق إلى دوائر صراع وتنافس ساخنة، جاءت مقاربة قناة "الجزيرة" متساوقة مع تصاعد حدة الصراع الإعلامي بين القوى الإقليمية لتوسيع دائرة النفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي، التي تصاعدت منذ بدء الأزمة الخليجية.

 

 

تهويلات وتمويهات

أول ما يلاحظه مشاهد فيلم "الجزيرة"؛ لجوء القناة إلى لغة تهويلات وتمويهات، فمن ناحية تهوّل بتصويرها عن حرب موانئ قائمة فعلاً على ساحل البحر الأحمر، لكن القناة بالوقت نفسه تدعي أنّ هذه الحروب تشعلها دولة واحدة، على خلاف مع قطر.
ويمثل عنوان الفيلم مثالاً يجسد هذا التهويل؛ حيث اقتبس معدّو البرنامج لغة الحروب، وتظهر لقطات البداية في الفيلم مشاهد تمثيل عن الغزو الأوروبي على السواحل الإفريقية، ليعطي دلالة أننا أمام حروب مثيلة، لكن بنمط مختلف، تمثل السيطرة على الموانئ هدفه الرئيس.

اقرأ أيضاً: الجزيرة تعتذر لإسرائيل
من جهة أخرى، سعى الفيلم بشكل مكشوف إلى ربط شركة تحويلات صومالية بالإرهاب، تدعى "دهب شيل"، فقط لأنّ مقرها الرئيس يقع في دبي، فعلاوة على أنّ ورود اسم الشركة من أساسه في البرنامج يبدو متكلفاً، فيتهم البرنامج الشركة بأنّها دفعت لإسراع اتفاقية موانئ دبي مع حكومة صومالي لاند، فإنّ أدلة ادعاء البرنامج على تورط الشركة في الإرهاب، تتلخص بأنّها تعرضت لمراقبة دقيقة من قبل الولايات المتحدة، وأنّ أحد موظفيها انتهى بسجن غوانتانامو.

استضاف البرنامج في مدة عرضه شخصيات تمثل رؤية الحكومة الجيبوتية فقط

لكن بتدقيق بسيط يتبيّن أنّ الولايات المتحدة في تلك الفترة المشار إليها في البرنامج؛ أي بداية الألفية، وجهت تهمة الإرهاب لمعظم الشركات الكبرى الفاعلة في الصومال وقتئذ؛ في أعقاب تفجيرات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001؛ بل وصل الأمر في بعض الأوقات إلى قطع خدمة الإنترنت في كامل الصومال، ضمن مخاوف الولايات المتحدة من أن تتحول الصومال إلى ملجأ للقاعدة، نظراً لحالة الفوضى التي كانت تمر بها البلاد.
أما تهمة سجن أحد موظفيها؛ فبهذا المنطق في توجيه التّهم، لن تسلم قناة "الجزيرة" نفسها من تهم مثيلة، لكن يبدو في المجمل أنّ البرنامج حاول أقصى ما يمكنه تشويه سمعة الشركات والأشخاص والجهات التي لا تتماشى مع الفكرة التي يسوّق لها؛ وهي أنّ هناك دولة تشن حرباً على البحر الأحمر، وكل من يتعاون مع هذه الدولة يغدو إما إرهابياً أو مرتشياً، أو الاثنين معاً!

يتهم البرنامج الشركة بأنّها دفعت لإسراع اتفاقية موانئ دبي مع حكومة صومالي لاند

أسباب فسخ جيبوتي عقدها المبرم مع شركة موانئ دبي

حاول البرنامج تقديم جيبوتي بصورة الدولة المنتفضة ضدّ ما يسميه ادعاء "التوسع الإماراتي"؛ حيث يفرد البرنامج مساحة كبيرة للحديث عن ميناء دورالية للحاويات، وهو الوحيد الذي زاره فريق البرنامج من الموانئ التي يتم الحديث عنها.

اقرأ أيضاً: بالفيديو.. سودانيون يطردون مدير مكتب قناة الجزيرة .. لماذا؟
تأسس الميناء عام 2006، بعقد بين جيبوتي وشركة "موانئ دبي" الإماراتية، التي امتلكت فيه حصة 33%، بقيمة 45 مليون دولار، لمدة خمسين عاماً، ويعدّ من أوائل الموانئ التي طورتها شركة "موانئ دبي" العالمية في شرق إفريقيا، والشركة من ضمن أكبر الشركات العالمية في إدارة الموانئ والخدمات البحرية؛ إذ تعد رائدةً للتجارة العالمية، وتعمل في مجالات الموانئ والمحطات البحرية والبرية، والخدمات البحرية واللوجستية، والخدمات المساندة، وتضم محفظة أعمال الشركة نحو  78 محطة برية وبحرية عاملة، مدعومة بأكثر من 50 نشاطاً ذا صلة في 40 بلداً عبر قارات العالم الست.

حاول البرنامج أن يظهر جيبوتي بصورة دولة تريد منافسة  ميناء جبل علي الإمارتي

وفي معرض تناوله الصراع الذي نشب بين طرفيْ العقد، بعد أن طالبت جيبوتي، عام 2013، شركة دبي بمراجعته، حاول البرنامج أن يظهر جيبوتي بصورة دولة تريد منافسة ميناء جبل علي الإمارتي؛ حيث يحاجج الفيلم بأنّ تشغيل الشركة الإماراتية لميناء دوراليه مردّه "إبقاء دبي بعيدةً عن منافسة الجيران، ومركزاً إقليمياً وعالمياً للتجارة والسفر ونقل البضائع، ومن أجل ذلك تقوم بتحجيم الموانئ التي تدخل في إدارتها"، مضيفاً أنّ "الإمارات من خلال النفوذ الاقتصادي تريد التأثير على دول الجوار؛ فمن خلال هذه المشروعات الاقتصادية تستطيع الإمارات أن تحمي نفسها".

اقرأ أيضاً: كتّاب وسياسيون موريتانيون يكشفون تصرفات "الجزيرة" القطرية
لكن السبب الحقيقي للخلاف الذي دبّ بين طرفي الاتفاق مختلف عما تزعمه القناة؛ فعندما نشب الخلاف، عام 2014، بين الرئيس الجيبوتي إسماعيل غيلة وعبد الرحمن بورية، رئيس موانئ جيبوتي آنذاك، قدمت جيبوتي دعوى قضائية ضد بورية، تزعم فيها أنّ شركة موانئ دبي دفعت رشاوى بشكل غير شرعي، عام 2006، لضمان حقوق إدارة ميناء الحاويات، لكنّ المحكمة التجارية البريطانية في لندن أسقطت جميع اتهامات جيبوتي ضد بوريه، في آذار (مارس) عام 2016، وحكمت المحكمة في قرارها النهائي الجزئي بدفع جيبوتي تكاليف التحكيم لشركة موانئ دبي ولبورية.

يعطى البرنامج تصوراً مغلوطاً لدى المشاهد بأنّ الحكومة الفيدرالية هي التي تحكم صومالي لاند

وفي شباط (فبراير) من العام الماضي، ألغت سلطات جيبوتي بشكل مفاجئ عقد موانئ دبي العالمية لإدارة محطة "دورالية"، بسبب قرب بورية من الإمارات، ورأت شركة موانئ دبي العالمية أنّ التحرك للسيطرة على الميناء غير قانوني، واصفة إياه بانتهاك "تعسفي" لاتفاقية سارية المفعول بموجب اتفاق الامتياز.
استضاف البرنامج في مدة عرضه شخصيات تمثل رؤية الحكومة الجيبوتية فقط، ومنها؛ رئيس موانئ جيبوتي، أبو بكر عمر، الذي روّج لفكرة تعارض وجود الشركة مع مصالح البلد، وحين تمّ سؤاله عن سبب قبولهم لهكذا اتفاقية من البداية، إذا كانت متعارضة مع مصالح بلده، بحسب قوله، أجاب: "قلة الخبرة وحسن النية مع الشريك سبّبا هذا الخطأ، كما أنّ مشكلة الإمارات ليست مع الميناء؛ بل مع تطوير جيبوتي نفسها"، ولكن الجميع يعرفون جلياً بأنّ جيبوتي مشهورة بتعاملها مع الدول الكبرى لتأجير أراضيها؛ فهي تستضيف قواعد فرنسية وأمريكية منذ عشرات الأعوام، وهو ما يستبعد فكرة "قلة الخبرة"، ويرشّح وجود أسباب أخرى لم يأتِ البرنامج على ذكرها، وهي متعلقة، على الأغلب، بالصراع بين الحكومة الجيبوتية وبين عبد الرحمن بورية المقيم في الإمارات.

اقرأ أيضاً: انفتاح شهية تركيا الإعلامية للمنطقة العربية بعد تراجع حظوظ الجزيرة
وفي 22 شباط (فبراير) 2018، حينما قررت جيبوتي تجريد شركة موانئ دبي من الامتيازات التي حصلت عليها، بدأت الشركة من جانبها معركة قضائية مع جيبوتي، وأكدت أنّها لن تنظر في خيارات بديلة خارج تسوية المحكمة في نزاعها مع حكومة جيبوتي حول امتيازها في محطة حاويات دورالية.

القفز عن الواقع

بعد فسخ عقد الشركة مع جيبوتي، حوّلت الشركة وجهة اهتمامها إلى كلّ من إريتريا وصومالي لاند؛ حيث عقدت صفقات لإدارة وتشغيل موانئ في تلك البلدين.

ما تفعله قناة الجزيرة القطرية هو تصفية حسابات، خاصة مع دول على خلاف معها

فقد وقّعت الشركة مع صومالي لاند، بشكل رسمي، في بداية شهر آذار (مارس) 2018، تدير الشركة بموجبه ميناء بربرة لمدة ثلاثين عاماً، باستثمارات قدرها 430 مليون دولار، بهدف أن يصبح ميناء إقليمياً محورياً، ومعبراً رئيساً لمختلف البضائع المتجهة إلى إيثوبيا، البلد ذو المئة مليون نسمة، والذي يفتقر إلى منفذ بحري منذ انفصال إرتيريا عنه عام 1993.
لكنّ برنامج "الجزيرة" سعى للقول إنّ اتفاقية الشركة مع صومالي لاند "غير شرعية"، والدليل الذي استند عليه الفيلم في ذلك؛ هو عدم اطلاع الرئيس الصومالي، محمد عبد الله فرماجو، على نص اتفاقية المشروع.
وبهذا يعطى البرنامج تصوراً مغلوطاً لدى المشاهد بأنّ الحكومة الفيدرالية هي التي تحكم صومالي لاند، وأنّ دولة الإمارات، بعدم تنسيقها مع الحكومة الصومالية فيما يخص صومالي لاند، إنما تسعى للانتقاص من سيادة الصومال.

يتضح لدى متابع البرنامج فقر معلومات فريقه ومعدّيه عن واقع الانقسام الصومالي

لكنّ الواقع يختلف تماماً عن ذلك؛ فهناك انقسام حقيقي في المشهد السياسي الصومالي، فصومالي لاند ليست إقليماً تابعاً للفيدرالية الصومالية، صحيح أنّها دولة غير معترف بها، لكنها كيان منفصل عن الصومال، وتجري مفوضات ومحادثات متقطعة بينهما لفكّ الارتباط، ونصت آخر تلك المحادثات على أحقية صومالي لاند في دخول الاتفاقيات التجارية والاقتصادية بما يخدم مصالح شعبها.
وقد تمّ التوصل في جيبوتي، عام 2014، إلى اتفاقية بين الصومال وصومالي لاند، تجيز للأخيرة، باعتبارها سلطة الأمر الواقع، الانخراط في علاقات خارجية تعدّ هي المسؤولة الوحيدة عنها قانونياً، خاصة في الحالات التي تنطوي على الاستثمار الأجنبي، وقد سبق أن دخلت صومالي لاند اتفاقيات عدة مع شركات وجهات مختلفة، ولم تحتج الحكومة الصومالية على أيّ واحدة منها.

اقرأ أيضاً: قانون أمريكي جديد يستهدف قناة "الجزيرة"..تفاصيل
ويتضح لدى متابع البرنامج فقر معلومات فريقه ومعدّيه عن واقع الانقسام الصومالي؛ فعلى سبيل المثال، سؤال الصحفية المقدمة للبرنامج وزيرة الموانئ في الحكومة الفيدرالية الصومالية، مريم أوريس جامع، الذي قالت فيه: لماذا لم تتواصلوا مع إدارة تلك الموانئ التي بدأت الشركة الإماراتية في تشغيلها بصفتها مديرة الموانئ الصومالية، وكأنّ هذه الموانئ تابعة للحكومة الفيدرالية التي لا تحكم سوى نصف مدينة مقديشو.
وهذا يعيد للأذهان تصويت البرلماني الصومالي ضدّ اتفاقية ميناء بربرة، مطلع العام الماضي، ورد على هذا الحدث طرف صومالي لاند بأنّه مجرد "نكتة". وذكّر السلطة الفيدرالية الصومالية بأنّها لا تملك سيادة صومالي لاند إلا بصفة اسمية، وأنّ أيّ مسؤول من الفيدرالية وبرلمانها لا يستطيع عبور الحدود إلى جانب صومالي لاند.

اقرأ أيضاً: هل صارت الجزيرة واحدة من أذرع إيران في المنطقة؟
في المجمل؛ ليس من العسير الفهم أنّ مادة الفيلم تأتي في سياق تدافع المحاور الإقليمية على الصومال، لكن ما تفعله قناة "الجزيرة" القطرية هو تصفية حسابات، خاصة مع دول على خلاف معها، لكن على حساب شعوب لم تأتِ "الجزيرة" على ذكرها في مسيرتها الطويلة، بإعطاء "صوت من لا صوت له" إلا على سبيل تبخيسهم وتنمطيهم.

الأقسام: