لماذا أعدموني؟.. نظرة في كلمات "قطب" الأخيرة

أن تقرأ آخر كلمات خطّها يراع شخص قضي عليه بالإعدام، فمعناه بلا شكّ أنّ الشخص بات يشعر بأنّه لم يعد له في هذه الدنيا نصيب، وأنّ طائر الموت يحلق فوق جسده منتظراً كتاب أجله.
لا تتشابه هذه اللحظة مع أمثالها من اللحظات السابقة؛ فهي لحظة المصارحة والمكاشفة، وإلقاء ثقل الحمولة، وتجمع قوى الاعتراف والمعذرة إلى الله والناس.

اقرأ أيضاً: سيد قطب وقصته مع يوسف شحاتة
لكنّ سيد قطب، قبيل أن يطوق حبل المشنقة عنقه، مارس كلّ ما سبق؛ إذ كتب وثيقة بخطّ يده، عرفت بعد ذلك إعلامياً بــ "لماذا أعدموني؟" غير أنّه يعترف بأنّه فعل، لكن يرى أنّ هذا الفعل يعاقب عليه في القوانين الأرضية لا السماوية، إنّه لم يتزحزح عن أفكاره قيد أنملة.
القربان
لم يدخل أحد بين جوانحه حتى يرى دوافع مواقفه، أهي الخوف من الآخرة، كما ألمح، أم الاعتداد بالذات، كما اتهمه كثيرون من الناس؟

تحت عنوان "الحركة الإسلامية تبدأ من القاعدة" يتحدث قطب عن إيمانه بضرورة وجود حركة إسلامية تناهض المخطط الصهيوني والصليبي

"إنه آن أن يقدّم إنسان مسلم رأسه ثمناً لإعلان وجود حركة إسلامية وتنظيم غير مصرّح به، قام أصلاً على أساس أنّه قاعدة لإقامة النظام الإسلامي، أيّاً كانت الوسائل التي سيستخدمها لذلك، وهذا في عرف القوانين الأرضية جريمة تستحق الإعدام!".
إذاً، في هذه حالة يعدّ فيها المعدوم نفسه قرباناً لله تعالى، يتقدم بخطوات ثابتة نحو منضدة الإعدام، وهو على يقين بأنّه شهيد ذاهب إلى ربّه، ومستمتع بجنته، لا أنّه نظّم أناساً، وجمع سلاحاً، كي يسفك به الدماء في الأرض ويفسد فيها؛ بل ويجعل من نفسه مثالاً لغيره ممن سيعزم في قابل الأيام إلى أن يسلك الدرب نفسه.
لقد بدا أنّ هذا الرجل كان يرى نتيجة موقفه هذا، وما عساه أن يفعل في أفئدة الملايين من المسلمين.
كتب وثيقة بخطّ يده عرفت بعد ذلك إعلامياً بــ "لماذا أعدموني؟"

آثار عابرة للعصور
لم تتلخص الأزمة في سيد قطب فقط؛ بل يتحمل رجالات الدولة وقتها جزءاً كبيراً من اللائمة، إذ إنّ شخصاً مثل شمس بدران، اندلعت بينه وبين "قطب" مناظرة تحت قبو السجن الحربي، أعتقد أنّه سحق خصمه فيها، بعدما أثبت له من خلال فتح شاشة التلفاز، ونثر أوراق الجرائد، أنّه لم يتحرك من أجله أحد، وأنّ العالم في الخارج يدور دون اكتراث به أو بغيره.

اقرأ أيضاً: سيد قطب والكتاب القادياني المُرضع
لم يتجاوز نظر "بدران" جدران الحجرة الأربع، ولم يمتد أفقه لأعلى من سقفها، ولم تتسع مداركه لتحتوي خطورة أفكار سيد الطويلة، والممتدة امتداد العتمة في دهاليز مدافن ملكية فرعونية سرية.
تطفو في الأوراق الأخيرة لـ "قطب" الذكريات، لكنّه لا يبدأ السرد إلا من حيث نمت بذرة "الإسلامي" بداخله ليس في طين القاهرة ورمالها؛ بل هناك حيث الغرب، وفي الولايات المتحدة الأمريكية تحديداً.

اقرأ أيضاً: لماذا وكيف انبهر سيد قطب بالمودودي؟
يرى أنّ أول ما لفت انتباهه لجماعة الإخوان المسلمين، هو اهتمام الأمريكيين والإنجليز بها، ثم ما كان من شماتتهم في مقتل مرشدها، حسن البنا، ومن حديث عن خطر هذه الجماعة على مصالح الغرب في المنطقة، وعلى ثقافة الغرب وحضارته فيها، وصدور كتب بهذا المعنى، عام 1950، منها كتاب لجيمس هيوارث دن، بعنوان "التيارات السياسية والدينية في مصر الحديثة".
كتاب "العدالة الاجتماعية في الإسلام" لسيد قطب

حتمية الصراع!
لكن، هل خشية الغرب من جماعة ما على حضارته وثقافته، يعني أنّ تلك الجماعة على حقّ، بمجرد ذلك الخوف، أم أنّ ثمة ما كان يحرك مكنونات سيد في اتجاهات أخرى قبل تلك الرحلة المشؤومة؟
كان قطب قد كتب قبل أن يحط برحاله في بلاد الأمريكيين كتاباً عنونه بــ "العدالة الاجتماعية في الإسلام"، لم يتعرض فيه لجاهلية أو حاكمية؛ لكنّه قد يعدّ إرهاصة أولى للتحوّل المدهش، ومن ثمّ؛ فإنّ صدمة الغرب لم تكن هي الأولى لعقله ووجدانه.

اقرأ أيضاً: "أشواك" سيد قطب.. هل تصنع المرأة متطرفاً؟
صدّر قطب كتاب العدالة الاجتماعية بهذه الكلمات: "إلى الفتية الذين ألمحهم في خيالي قادمين يردون هذا الدين جديداً كما بدأ، يجاهدون في سبيل الله لا يخافون لومة لائم...)، لا شكّ في أنّه لم يكن يقصد "الإخوان"، لكنّ تلك الكلمات، بلا شكّ، كانت تكشف عن خيال قائد ينتظر جماعة مختارة.
"لماذا أعدموني؟" لسيد قطب

الجماعة المختارة
يقول قطب في "لماذا أعدموني؟"، تعليقاً على تلك الكلمات: "فهم الإخوان في مصر أنني أعنيهم بهذا الإهداء، ولم يكن الأمر كذلك، ولكنهم من جانبهم تبنوا الكتاب، واعتبروا صاحبه صديقاً، وبدؤوا يهتمّون بأمره، فلمّا عدت في نهاية عام 1950، بدأ بعض شبابهم يزورونني ويتحدثون معي عن الكتاب، ولكن لم تكن لهم دار؛ لأنّ الجماعة كانت مصادرة".
حرّك الجمهور الكاتب، وجذبه إلى حيث اتجاهه، وربما التقط الإخوان، بحسّهم التجنيدي، نوازع هذا الناقد الدفينة في اتجاه الاسلام السياسي، فأشعروه بأنّ حوله رجالاً، فذهب للكتابة لهم في صحفهم السيّارة.

اقرأ أيضاً: "في ظلال القرآن" لسيد قطب: هل اختبأ التكفير خلف سحر البيان؟
بدأت قطب رحلة بحثه عن جماعته المثالية الصالحة لنزول أفكاره عليها، فمرة يرى من "هيئة التحرير" التي أنشأتها ثورة "32 يوليو" نموذجاً صالحاً، لكنّه يصطدم مع حلفائه من رجال الثورة حول منهجية تكوينها.
يقول: "في الوقت نفسه، كانت علاقاتي بجماعة الإخوان تتوثق باعتبارها في نظري حقلاً صالحاً للعمل للإسلام على نطاق واسع في المنطقة كلها، بحركة إحياء وبعث شاملة، وهي الحركة التي ليس لها في نظري بديل يكافئها للوقوف في وجه المخططات الصهيونية والصليبية الاستعمارية التي كنت قد عرفت عنها الكثير، خاصة في فترة وجودي في أمريكا، وكانت نتيجة هذه الظروف مجتمعة؛ انضمامي بالفعل، عام 1953، إلى جماعة الإخوان المسلمين".
 أول ما لفت انتباهه لجماعة الإخوان المسلمين هو اهتمام الأمريكيين والإنجليز بها

ماذا فعل المعتقل؟
لم ينخرط قطب في العمل التنظيمي للجماعة ذاك الحين، إلى أن وجد نفسه معتقلاً مع من اعتقلوا عام 1954، بتهمة الانتماء إلى الجهاز السرّي، ولم يكن شيء من هذا كلّه صحيحاً "وفق تعبيره".
عند هذه النقطة يصرّ قطب، الذي يكتب هذه المذكرات عام 1965، على أن يعود إلى حادثة اغتيال جمال عبد الناصر، عام 1954؛ إذ إنّه يرى أنّ التعريج عليها ذو علاقة قوية بالقضية الجديدة.

ربط قطب بين جمعية الفلاح والأمريكيين الذين في عقله يحاربون الإسلام ممثلاً في الإخوان خوفاً على ثقافتهم وحضارتهم

يقول: "عام 1951 سافر الدكتور أحمد حسين، وزير الشؤون الاجتماعية في وزارة الوفد، إلى أمريكا، وعاد منها مستقيلاً من الوزارة، ورغم كلّ الترضيات التي قدمها له النحاس باشا فقد أصرّ على الاستقالة، ثم أخذ بعدها في تكوين جمعية الفلاح، وفي مقدمة أهدافها: تحقيق العدالة الاجتماعية للفلاحين والعمال، وبرنامج ضخم حول هذه الأهداف. وهلّلت الصحافة الأمريكية للجمعية بصورة كشفت طبيعة العلاقة بين الجمعية والسياسة الأمريكية في المنطقة، ووضعت الهالات الكبيرة حول الشاب الدكتور أحمد حسين، وحرمه المتخرجة، على ما أذكر، في الجامعة الأمريكية، وانضم إلى هذه الجمعية كثيرون، برئاسة الشاب الدكتور أحمد حسين، مع أنّهم أكبر منه شأناً ومقاماً في ذلك الحين، وهي ظاهرة تلفت الأنظار".
المؤامرة الكونية
ربط قطب بين جمعية الفلاح والأمريكيين، الذين في عقله، يحاربون الإسلام ممثلاً في الإخوان، خوفاً على ثقافتهم وحضارتهم، لكن ذلك الربط غير المبني سوى على ظنون، يوصله في النهاية، بالتأكيد، إلى أنّ هناك مؤامرة كبرى يدير خيوطها الغرب.
يكمل: المهم فيما يتعلق بالخلاف بين رجال الثورة والإخوان المسلمين، وكنت في ذلك الوقت ألاحظ نموه عن قرب؛ لأنّني أعمل أكثر من 12 ساعة يومياً، قريباً من رجال الثورة، ومعهم ومع من يحيط بهم، أقول: المهمّ أنّ الأستاذ فؤاد جلال كان وزيراً في أول وزارة برياسة الرئيس السابق، محمد نجيب، كان من بين أعضاء جمعية الفلاح، وكنت ألاحظ في مناسبات كثيرة أنّه يغذي الخلاف بين رجال الثورة والإخوان المسلمين، ويضخم المخاوف منهم، ويستغل ثقة الرئيس جمال عبد الناصر فيه، ليبثّ هذه الأفكار في مناسبات كثيرة لم يكن يخفيها عني؛ لأنّه كان يراني كذلك مقرباً من رجال الثورة، وموضع ثقتهم، مع ترشيحهم لي لبعض المناصب الكبيرة المهمّة، ومع تشاورنا كذلك على المفتوح في الأحوال الجارية إذ ذاك.

اقرأ أيضاًً: مَن سبق سيد قطب بتجهيل المجتمعات؟
يخلص: لقد كنت أربط بين خطة الأستاذ فؤاد وجمعية الفلاح، كمنظمة أمريكية الاتجاه والاتصال، وبين إشعال الخلاف بين الثورة والإخوان، وقد حاولت في وقتها ما أمكن منع التصادم الذي كنت ألمح بوادره، ولكنّني عجزت، وتغلب الاتجاه الآخر في النهاية.

سياق تآمري
كان يرى؛ أنّ سياق الأحداث الذي تجري فيه الحياة السياسية في مصر وغيرها، هو عبارة عن خيوط نسجها المتآمرون ليدمروا الجماعة التي حملت لواء الدين من أجل عدم قيامة هذا الدين نفسه.
وهكذا وضع عملية اغتيال جمال عبد الناصر، في هذا السياق التآمري: "منذ أن وقع هذا الحادث، وأنا أشكّ في تدبيره، لم أكن أعلم شيئاً يقينياً عن ذلك، ولكن كلّ الظروف المحيطة كانت تجعلني أشكّ في أنّه ليس طبيعياً، كان شيئاً ما يلحّ على تفكيري في أنّه مدبَّر لتكملة الخطة التي تنتهي بالتصادم الضخم بين الثورة والإخوان تحقيقاً لأهداف أجنبية".

اقرأ أيضاً: في ذكرى رحيله..سيد قطب مُلهم الإخوان ومرجع الحركات الجهادية
زاد ذلك في شعوره النفسي بأنّ السياسة التي يراها مخططة من جانب الصهيونية والصليبية الاستعمارية لتدمير حركة الإخوان المسلمين في المنطقة، تحقيقاً لمصالح ومخططات تلك الجهات، قد تحقّقت بنجاح.
لذا؛ فإنّه قد عزم على "محاولة الردّ على تلك المخططات بإعادة حياة ونشاط الحركة الإسلامية، حتى ولو كانت الدولة، لسبب أو أكثر، لا تريد، فالدولة تخطئ وتصيب، كما أنّها كانت تملأ نفسي شعوراً بالظلم الذي أصاب آلاف الأفراد وآلاف الأسر والبيوت، بناءً على حادث واضح جداً تدبيره، ثمّ تضخّم هذا الشعور، وأنا أرى النتائج الواقعية في حياة المجتمع المصري، من الانتشار الهائل للأفكار الإلحادية وللانحلال الأخلاقي، نتيجة تدمير حركة الإخوان المسلمين، ووقف نشاطها التربوي، وكأنّما كان وجود هذه الجماعة سدّاً قد انهار وانطلق بعده التيار".

ثنائية الإسلامي والملحد
يربط الكثير من المسلمين بين انتشار الإلحاد، وما يسمّونه بالانهيار الأخلاقي، وبين الفراغ الذي يخلفه الإسلاميون، وتلك نتيجة تحتاج إلى مزيد من التحليل والتفكير؛ إذ إنّ البعض يرى أنّ الظاهرة تلك يأتي جزء منها بسبب الصدمة التي يخلفها الإسلاميون من تجربتهم السياسية الفاشلة، وكشف عوار تجربتهم الدعوية التي تضربها السياسة، وترمي بها في قاع مستنقع آسن.

اقرأ أيضاً: كتاب سفر الحوالي يبعث سيد قطب من جديد
وبعد أن شاهد تمرد المساجين في سجن طرّة، وما تبع ذلك من قتل وجرح العشرات منهم، يرجع قطب تلك الواقعة للمؤامرة أيضاً، فيقرّر إنشاء جماعة جديدة تخرج من رحم الجماعة الأم.
وتحت عنوان "الحركة الإسلامية تبدأ من القاعدة"، يتحدث قطب عن إيمانه بضرورة وجود حركة إسلامية تناهض المخطط الصهيوني والصليبي، إلا أنّه يؤمن بضرورة وجود تنظيم مسلح يعمل على حماية تلك الحركة من البطش، فيظهر كأنّه لم يستفد من تجربة جماعته القريبة.

الأقسام: