كيف يمكن قراءة "إعادة انتشار" القوات الإماراتية في اليمن؟

أثار قرار دولة الإمارات العربية المتحدة بسحب بعض قطاعاتها العسكرية من اليمن، بعد تحقيق الجزء الأكبر من أهدافها الإستراتيجية، وخاصة في جنوب وشرق اليمن ممثلاً بالقضاء على "القاعدة"، وتحقيق استقرار نسبي في تلك المناطق، تكهنات واسعة في أوساط إعلامية عديدة، بالغت بعضها بوصف القرار الإماراتي بأنّه اعتراف بـ "هزيمة" مشروعها في اليمن، وأنّه جاء في سياقات خلافات بين الحلفين الرئيسيين في اليمن وهما "السعودية والإمارات"، غير أنّ جملة من التطورات على الأرض، والتي سبقت إعلان الإمارات، تشير إلى أنّ ما تم لا يعدو كونه عملية إعادة انتشار منسقة ومدروسة، ووفقاً لسياقات محددة، ندرجها على النحو التالي:

أثار قرار دولة الإمارات العربية بسحب بعض قطاعاتها العسكرية من اليمن تكهنات واسعة في أوساط إعلامية عديدة

أولاً: تسلمت قوات سعودية وأخرى تابعة للحكومة الشرعية في اليمن المواقع التي أخلتها القوات الإماراتية في مناطق بـ "الخوخة والمخا"، كما نقلت القوات السعودية، قبيل الإعلان الإماراتي بأسابيع، بطاريات صواريخ "باتريوت" إلى مناطق في محافظة "مأرب" وتحديداً تلك التي كانت القوات الإماراتية قد أنشأت فيها مناطق تحصين، وهو ما ينفي جملة وتفصيلاً أنّ هناك انسحاباً إماراتياً وليس "إعادة انتشار"، بالإضافة إلى أنّ بانسحاب القوات الإماراتية من اليمن، يفترض أن تعود العديد من الطائرات الإماراتية، بالإصافة لقطاعات عسكرية مع معداتها من دبابات وناقلات جنود وصواريخ إلى الإمارات، وهذا ما لم يحدث حتى تاريخه.

اقرأ أيضاً: بالأرقام.. الإمارات تدعم القطاع الصحي باليمن

ثانياً: وفقاً لمصادر وصفت بأنّها موثوقة، فقد قام "طارق صالح" قائد لواء العمالقة، الذي تم تشكيله بعد مقتل عمه الرئيس علي عبدالله صالح على أيدي الحوثيين، بزيارة خاطفة إلى الرياض، وذلك بترتيب بين الإمارات والسعودية، وأُعلن بعدها عن تسلم العميد طارق غرفة عمليات عسكرية تم تشكليها، وتضم قطاعات عسكرية يمنية مختلفة "المقاومة التهامية، ألوية العمالقة، وجيوش عدن والمحافظات الجنوبية"، كما تم تكليفها بإدارة ومتابعة عمليات السواحل الغربية في اليمن، ومن المتوقع أن تبدأ بفتح جبهات قتال ضد ميليشيا الحوثي في "إب والبيضاء ومناطق سواحل اليمن على البحر الأحمر".

إنّ تشكيل غرفة العمليات المشار إليها، وبقيادة طارق صالح المعروف بولائه للإمارات، إلى جانب ابن عمه "أحمد علي عبدالله صالح" وقيامه بزيارة إلى الرياض، والتنسيق مع المملكة العربية السعودية، يؤكد أنّ الخطوة الإماراتية منسقة وبكافة تفاصيلها مع المملكة العربية السعودية.

اقرأ أيضاً: إستراتيجية الإمارات في اليمن: السلام أولاً

ثالثاً: لعل ما يؤكد أنّ ما قامت به الإمارات جاء في سياقات "إعادة الانتشار والتموضع" بالتوافق مع المملكة العربية السعودية، فإنّه وخلافاً لما يشاع عن انسحاب قوات إماراتية من اليمن، فقد تم استقدام قوات إماراتية جديدة إلى محافظات حضرموت وشبوة، بالإضافة لاستمرار تواجد القوات الإماراتية في جزيرة سوقطرى وميناء عدن، كما تم سحب جزء من القوات الإماراتية وقوات موالية من الساحل الغربي إلى تلك المناطق.

رابعاً: إنّ الترتيبات العسكرية الجديدة الخاصة باليمن تشير إلى أنّ هناك خطة إماراتية-سعودية، جوهرها مواصلة الإستراتيجية الإماراتية الهادفة لتحييد محافظات ما كان يعرف باليمن الجنوبي، وتحقيق الاستقرار والتنمية فيها، والمساهمة في مواجهة ميليشيات الحوثي وحصرها في مناطق حول صنعاء ومحافظتي صعدة وعمران؛ حيث تتولى السعودية تلك المهمة، بالتعاون مع القوات الوطنية اليمنية بما فيها قوات الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً، وهو ما يجعل تصاعد المعارك في تلك المناطق أمراً مرجحاً في المدى المنظور، وبحيث تبدو مشكلة الشرعية اليمنية مع الحوثيين في صنعاء وليس في مناطق تحظى باستقرار كالمحافظات الجنوبية.

اقرأ أيضاً: انتهاكات حوثية بحق المرأة اليمنية.. تقرير دولي

وبالخلاصة، فإنّه لمن المؤكد أنّ ليس هناك انسحاب للقوات الإماراتية من اليمن، وأنّ أقصى ما يمكن وصف التحركات  العسكرية الإماراتية الأخيرة به، أنّها عملية إعادة انتشار، أملته الخطة الإستراتيجية الإماراتية والإنجازات التي تحققت منها، وبالترتيب والتنسيق مع المملكة العربية السعودية، وأنّها تنفي ما تم ترديده في بعض الأوساط الإعلامية من أنّ الخطوة جاءت في إطار مواقف وانحيازات مسبقة.

تشكيل غرفة عمليات عسكرية بقيادة طارق وأحمد علي عبدالله صالح يؤكد أنّ الخطوة الإماراتية منسقة وبكافة تفاصيلها مع السعودية

غير أنّ الأهم، أنّ الخطوة الإماراتية تفتح آفاقاً واسعة حول السيناريوهات المستقبلية بالنسبة للحرب في اليمن، والتي سيكون من بينها الذهاب إلى مرحلة الحل السياسي، وهو ما أعلنت عنه الإمارات، رغم انقلابات الحوثيين على الاتفاقات التي أنجزت، بما فيها اتفاق السويد الخاص بالحديدة، وعرقلة عمليات تبادل الأسرى، والتركيز على صناعة حملات إعلامية تحت عناوين حقوق الإنسان والمجاعات والمعتقلات، وعرقلة التحالف العربي لعمليات الإغاثة للشعب اليمني، في إطار سياسة استمرار إخضاع الملف اليمني برمّته، بوصفه ورقة تفاوض تستخدمها القيادة الإيرانية في صراعها الدولي مع أمريكا، وصراعاتها الإقليمية خاصة مع المملكة العربية السعودية، ولا يستبعد أن تقدم إيران على خطوات غير متوقعة في اليمن، بإجبار الحوثيين على الانخراط في الحلول السلمية، لإرسال رسالة حسن نوايا للرياض وواشنطن، في ظل حسابات إيرانية، تجنح باتجاه التفاوض مع أمريكا، رغم ما نشهده من تصعيد عسكري في الخليج، وزيادة نصاب تخصيب اليورانيوم في المفاعلات النووية الإيرانية، في الوقت الذي يعلن فيه المرشد الأعلى للثورة "عدم جواز إنتاج القنبلة النووية شرعاً"!

الأقسام: