خالد الحروب يكتب بـ "حبر الشمس" عن بلاد الغرباء والمثقف اليقيني

1800
عدد القراءات

2019-07-16

حتى تمسك بالكلمتين الرئيستين لتجربة خالد الحروب في الكتابة: الأكاديمي والأديب، لا بد لك من قراءة بعض نتاجه؛ لمعاينة كيف يتغوّل طرف على آخر في مرات، ما يخلق بدوره طابعاً فريداً لنتاجه، إلى حد قد يفكر فيه المتلقي باجتراح توصيف خاص لبعض كتاباته، ما يُذكّر إلى حد ما بحالة القيادي في الجبهة الديموقراطية ممدوح نوفل، الذي دوّن تجربته في كتب عدة، ارتأى نقّاد آنذاك أنّها قد تكون جنساً نادراً اسمه "الرواية غير الخيالية"، وفي حالة الحروب بالوسع قول إنّ بعض نصوصه "قصة غير خيالية".

"حبر الشمس" الصادرة في العام 2016

"حبر الشمس"
أكثر ما يتجلّى السابق، فيما اصطلحت عليه الدار الأهلية "قصص"، تحت عنوان "حبر الشمس"، والصادرة في العام 2016؛ ذلك أنّ نمطها يراوح بين السيرة الذاتية وأدب الرحلات والقصة، وبين المقالات في مرات والتغطيات الصحافية في مرات أخرى لحفل ما أو فعالية في فلسطين.

أنجبت فلسطين مثقفين على سويّة عالية ومفكّرين يُعتدّ بهم في المحافل العالمية وخالد الحروب من صفوتهم

ولم يكن الحروب يراوح بين أجناس كتابية متنوعة فحسب، بل كان كذلك يذهب ويجيء بين التفاصيل والخطوط العريضة، التي تطرّق إليها من خلال تجربة الروائي الأمريكي جوناثان فرانزن في روايته "فريدوم".
المُلاحَظ في مجموعة "حبر الشمس"، التي يُفرِغ فيها الحروب حمولات ثقيلة عن كتفيه، عنوانها العريض فلسطين، المُلاحَظ أمور عدة، أبرزها تغوّل الأكاديمي والمفكّر على الأديب في مرات كثيرة، وهو التغوّل الذي جعل الحروب يعرض وجهات نظره السياسية وفي مرات أن يستشهد بالأرقام والمعلومات، على حساب السرد الأدبي لحادثة بعينها، ما كان يقطع على المتلقي حبل الاندماج في المادة إن أُخِذت على محمل قراءة الأدب، لكن سيعود المتلقي لاستذكار أنّ التصنيف لربما جاء غير دقيق من قِبل دار النشر، ثم إنّ الحروب أكاديمي ومفكر في المقام الأول، قبل أن يكون أديباً أو بعد لا يهمّ، لكن هذه هي صبغته الأبرز. ما يجعل من تقديم المعلومات والرؤى والمقارنات وارادً لديه أكثر من الخيال والصور البديعية، التي لم يغفلها بل جاءت مكثفة وحاضرة بقوة، لكن كان المفكر والأديب يشدّه من جديد وبقوة كلما أراد ترك نفسه على سجيّته في الكتابة الوجدانية.

اقرأ أيضاً: رينيه جينو.. رحلة حيرة تنتهي في الشرق
وفي مرات، كان الجانب الإعلامي يطغى على كتابة الحروب (كما في تغطيته حفل الفرقة الجولانية في رام الله)، وهو أمر ليس مستغرباً أيضاً؛ إذ مارس الحروب الإعلام مرات كثيرة، مرئياً ومكتوباً، وهذا التنوّع ليس مستهجناً؛ إذ هو قبل ما سبق كله مهندس، ودارس مزمن، إن جاز التعبير، في علوم الفلسفة والعلوم السياسية والإحصاء السكاني، كما مارس مهنياً الإعلام والعمل الأكاديمي والهندسي، وفي بقاع شتى آسيوية وأفريقية وأوروبية. كل ذلك، يحضر بقوة في كتابة الحروب، وإن لم يتم ذكره بالفم الملآن، لكنه حاضر.
الطرافة كانت متواجدة إلى حد كبير في بعض النصوص التي كتبها الحروب في "حبر الشمس"، وقد عادَ من خلالها الفلاح الفلسطيني الذي يجلس في مضافة القرية ويتندّر على طرائف أهالي قريته والقرى الملاصقة، كما في النص الذي يتناول خلاله السجال الذي جرى بينه وبين السيدة البتّيرية، حول نسبة الباذنجان البتّيري لقرية بتّير، فيما هو من قريته وادي فوكين.

اقرأ أيضاً: علي مبارك "أبو التعليم في مصر" لا تمثال له في القاهرة
أكثر ما ظهر الجانب الأكاديمي البحت لدى الحروب، في حديثه عن غزة في المادة الأولى؛ إذ ما كاد القارئ يستغرق معه في المشاهد التي ينقلها من هناك، حتى عاد به لخانة العمل الأكاديمي الجدّي، مثيراً قضية بالغة الأهمية وهي التناول الإعلامي لقطاع غزة، وبوسع المتلقي القول إنّ عقل المفكر وانضباط الأكاديمي كانا يوقفان الحروب كلما حاول الانطلاق كأديب. وليس الأمر متعلقاً باللغة هنا، بل التناول. لذا، يبقى الحروب رقيباً على النص ويديره بعقلية الأكاديمي الذي لا يرتاح حتى يُسلّم المتلقي معلومة مفيدة.

اقرأ أيضاً: رضوان السيد.. "مولانا" المدافع عن الدولة الوطنية

نص "ساحرة الشعر" يأخذ المتلقي بعيداً، ولربما يكون من أكثر النصوص التي تجمع الجزالة والطرافة وتحمل فكرة فريدة، وهو النص الذي يظهر فيه الحروب مهجوساً بمحمود درويش، أكثر من بقية النصوص التي يبقى درويش فيها حاضراً بشكل أو بآخر.
ولعل النص الوحيد الذي خرجَ فيه الحروب من جلد الأكاديمي كان "على هذه الأرض ما يستحق الحياة"، والذي استعرضَ فيه بغضب بعض تنظيرات النخب، وبعض استسهالات العامة، بلغة رشيقة متمردة يشتاق المتلقي لها خلال استغراقه بلغة الأكاديمي الرصينة.

"أصفع وجه السماء وأمضي" الصادرة في العام 2017

"أصفع وجه السماء وأمضي"
ضمّن الحروب بعض قصائده في مجموعة حملت عنوان "أصفع وجه السماء وأمضي"، والصادرة كذلك عن دار الأهلية في العام 2017. وفي هذه المجموعة، تطلّ قصيدة بالغة الأهمية، وهي تصبغ وجدان الحروب وحديثه كثيراً، وتحمل عنوان "تينة مريم".
يعود الحروب من خلال هذه القصيدة يافعاً يحوم حول عمته مريم، ويعود شاباً يزورها ويطلّ عليها ويهجس بيومياتها:
كل الحكاية
يا عالم التعقيد والآلات
والغزوات
أن لا حكاية عند مريم
فهي الحكاية قبل أن تُحكى،
وهي النهاية بعد أن تُحكى
وبصدد معرفة المزيد عن الحروب، هناك قصيدة "ليته لم يعد"، التي يحضر فيها بشجنه دونما مواربة. يقول في مقطع منها:
يُطلّ المساء حزيناً
صبايا الحي وراء النوافذ
ستائر تسترُ دمعاً وهمساً:
ألا ليته لم يعد؟
لماذا يا بلد الغرباء
تعيد إلينا فتانا
وقد شاب... أو مات،
وتخلعُ عن كتفيه الكبرياء،
وتسرقُ من عينيه اللهب؟
يا بلد الغرباء: أما كان فيك اتساع
لوقت جديد
يعود لزهر البداية
ليبقى فيكَ
ويأتي منكَ
شباباً ورُمحاً
كما كان يوم ارتحل

"المثقف القلق ضد مثقف اليقين" الصادر عن دار الأهلية في العام 2018

المثقف القلق ضد مثقف اليقين
في كتابه "المثقف القلق ضد مثقف اليقين"، الصادر عن دار الأهلية في العام 2018، يصول الحروب ويجول باقتدار، من دون أن تتنازعه تيارات كتابية شتى. يحضر واثقاً ويُغرِق القارئ تماماً من دفّة الكتاب الأولى للثانية دونما انقطاع، خلال تشريحه ظاهرة المثقف العربي وأدواره وتصنيفاته، مجدّداً قلقه من تعويل الجماهير على المثقف بطريقة تحمّله في مرات ما لا يحتمل، وهو الحديث ذاته الذي كان قد صارحَ الجمهور به ذات مرة في نادي الجسرة الثقافي، قائلاً إنّ المثقف في نهاية المطاف إنسان عادي بالتزامات حياتية كثيرة وبتضييقات أمنية شأنه شأن أي إنسان آخر.

في كتابه "المثقف القلق ضد مثقف اليقين" يصول الحروب ويجول باقتدار من دون أن تتنازعه تيارات كتابية شتى

من يقرأ للحروب كلا الطيفين: الأدبي والفكري، يجد الجانب التنظيري والأكاديمي ميدانه الأوسع، الذي يكتب فيه بزخم لافت، مستشهداً بتجارب كثيرة وممسكاً بتلابيب الخطاب وأدواته كمن يمسك معجونة ليّنة بين أصابعه، يشكّلها ويصوغها كيفما شاء. ثمة زخم لافت في المراجع والمقارنات والاستشهادات والتصنيفات، تجعل القارئ نهماً بالضرورة لكتاب "المثقف القلق ضد مثقف اليقين"، وستتكرّس قناعة أكيدة لدى المتلقي في حينها بأنه أمام مفكر نوعي موسوعي ممسك بأدواته باقتدار لافت.

تصنيفات كثيرة يجترحها الحروب في كتابه ويبني على السابق منها لدى مفكرين آخرين، من قبيل: المثقف العضوي ومثقف القطيع والمثقف الاعتذاري والمثقف الشعبوي الطوباوي والمثقف المهرج ومثقف السلطة والمثقف القلِق والمُقلِق، وغير ذلك.

اقرأ أيضاً: صلاح فضل: أديب أزهري يفتش في جذوره الوجدانية
وبعد أن يوغل الحروب في التصنيفات والتقسيمات والتأملات، يعرض مجموعة من مقالاته السابقة في هذا السياق، ما يترك المتلقي مطمئناً للنتاج الذي يغرف منه، لدى مفكر من عيار ثقيل بلغة رصينة وأفكار مرتبة وخلفية أكاديمية محكمة أيما إحكام.
ما بين الحروب المفكر والأكاديمي، والحروب الشاعر والقاصّ، وما بين الخطوط العريضة والتفصيلات، سيجد المتلقي ما يحتمل الجدل في مرات أو التوافق، لكن شيئاً واحداً سيكون جازماً بشأنه: أنجبت فلسطين مثقفين على سويّة عالية ومفكّرين يُعتدّ بهم في المحافل العالمية، وخالد الحروب من صفوتهم.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



حسن الرمّاح.. كيف قتلنا رائد التصنيع العسكري مرتين؟

2019-08-12

حسن الرمّاح؛ بطل وعالم فذّ لم يتكرّر في التاريخ العربي والإسلامي، لا يعرفه كثيرون، وتكاد سيرته تنقطع، ولولا أنّ كتبه محفوظة في المعاهد الأوروبية لما عرفناه، ولولا وجود نماذج من أعماله في المتاحف الهولندية لما كنّا نملك كتابة مثل هذا المقال.

اقرأ أيضاً: توني موريسون.. الروح الأدبية لتجربة الأمريكيين السود
حسن الرمّاح؛ بطل أثبت أنّنا كنّا نملك ثروة علمية وفكرية، بددناها بأنفسنا، سواء بالإهمال القاتل، أو بعدم استمرار المدارس العلمية.

حسن الرمّاح بطل أثبت أنّنا كنّا نملك ثروة علمية وفكرية بددناها بأنفسنا

الرمّاح؛ عالم قُتل مرتين؛ مرّة عندما انفجر بيته وهو يجري تجاربه، وأخرى عندما لم يرث أحد علمه.
وُلد حسن الرمّاح، أو نجم الدين حسن الأحدب الرمّاح، في الشام، ولا يُعرف بالتحديد وقت مولده، والأرجح أنّه وُلد في العقد الثاني من القرن الثالث عشر، نشأ في زمن مرتبك ومربِك، فالدولة العباسية في أضعف مراحلها، فضلاً عن التناحر الداخلي وظهور الأتابكيات والإمارات التي استقلت عنها، وما ظهر بين هذه الأتابكيات من صراع وتنازع لمدّ سلطانهم وضمّ قلاعٍ إليهم، أما الصليبيون؛ فيحتلون الساحل بإمارات صليبية كاملة، ويهدّدون المناطق المحيطة بهم، فضلاً عن قيامهم بأكثر من حملة عسكرية تستهدف الاستيلاء على أراضٍ عربية أكثر، أما المغول؛ فهم على أطراف الدولة العباسية، ينهبون دولاً بأكملها كدولة "الخوارزمية"، ويستعدّون للانقضاض على بغداد، عاصمة الخلافة.

نموذج لمنصّة إطلاق صواريخ (الرمّاح الطيارة) من اختراع حسن الرمّاح
العصر، إذاً، عصر حروب وقلاع وحصون، وجيوش وجيوش مضادة، وصديق اليوم عدو الغد، ولا يكاد يمرّ شهر إلا وهناك معركة بين طرفين في المنطقة العربية، فكان من الطبيعي أن يتقدّم علم صناعة الأسلحة، وأن يهتمّ الملوك والأمراء بهؤلاء المَهَرة في هذه الصنعة، وكان العالم يتعامل مع المواد الحارقة كوسيلة لإعاقة الجنود، لكنّ العرب الذين عرفوا سرّ مادة البارود قبل هذا الزمان بقرون، تحديداً في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد، تمكّنوا عبر حسن الرمّاح من الجمع بين البارود والنفط في صناعة متفجرات ومقذوفات متعدّدة، وبسبب علمه تطورت صناعة الأسلحة ونقلت الجيوش العربية نقلة نوعية أمام العدو التقليدي، الصليبيين، واشتدّت الحاجة إليه مع حملات استرداد الأرضي العربية المحتلة.

عالِم قُتل مرتين مرّة عندما انفجر بيته وهو يجري تجاربه وأخرى عندما لم يرث أحد علمه

في هذا العصر؛ ظهرت أسرة حسن الرمّاح، فكان جدّه من أمهر صنّاع الأسلحة في وقته، وكذلك والده، وفي هذا الوقت كانت المهن والصنائع تورَّث في الأسرة الواحدة.
أدرك حسن الرمّاح الدولة الأيوبية وهي في قوتها، وشارك في صناعة الأسلحة للملك العادل ولأخيه الملك الصالح، وكان أفضل مَن مارس وكتب عن الفروسية (الحرب فوق الخيل)، وصنع الآلات العسكرية، ذكر هذا عدد كبير من كبار العلماء والمؤرخين للعسكرية في الغرب، منذ القرن الثالث عشر وحتى اليوم.
تعلّم حسن الرمّاح صناعة الأسلحة، فأبدع فيها وابتكر، وهو -كما أشرنا من قبل- أول من دمج البارود بالنفط لصناعة الصاروخ، وكان يسمّي الصاروخ (الطيار)، والصواريخ (الطيارات)، وفي مصادر أخرى؛ كان يسميه (الرمح الصيني)، واختلفت الصواريخ لديه بحسب حجمها وسرعتها، وهو أول من صنع المدفع من الخشب المعالَج، الممسوك بشرائط وأحزمة من الجلد، وأول من وصف البارود كمتفجر بشكل علميّ ودقيق جداً؛ فكتب مكونات ومقادير القاذفات في كتاب "الحيل العسكرية"، كما عُرف بأساليبه العسكرية المذهلة وابتكاره وتطويره للأدوات الحربية، وقد نقل عنه العالم الكيميائي الإنجليزي، روجر بيكون، كثيراً من وصفاته الدقيقة، والعالم الإنجليزي ينسب إلى حسن الرمّاح اختراع البارود، ويؤكّد هذه المعلومة العالم سارتون؛ فأقدم إشارة أوروبية للبارود، العام 1300، في كتاب "ماركوس الإغريقي، وحسن الرمّاح استخدم النفط والبارود كمتفجر قبل هذا الوقت بفترة أطول من نصف قرن، على الأقل، ودوّنه كذلك في كتبه.

اقرأ أيضاً: عبدالله رعاية الدين: ملك ماليزي جديد بروح رياضية

هذا المخطوط موجود لدى المكتبة الفرنسية الوطنية في باريس

وقد ذكرته أسيمة جانو، مؤلفة كتاب "موسوعة الألف عام"، وقالت: "شارك حسن الرمّاح في المعارك ضدّ الحملة الصليبية السابعة، وذكر اللورد جوانفيل الفارس الصليبي، المؤرّخ للحملات الصليبية؛ أنّ الصليبيين تعرضوا لهجوم بكرات لهب تخرج من آلة عجيبة (يقصد المدفع العربي)، والتي كانت سبباً في هلاكهم، وأنّ الملك الفرنسيّ كان يستغيث بالربّ من هذا (الجحيم)!
مؤلَّفاته وملامح مدرسته
لم يترك حسن الرمّاح علمه هباءً؛ بل دوّنه في مجموعة من الكتب وصل إلينا بعض منها، مثل: كتاب "الفروسية والمناصب الحربية"، وتوجد منه صورة مصوَّرة في معهد المخطوطات العربية في القاهرة، وفي هذا الكتاب النادر؛ شرح صناعة أنواع عديدة من الصواريخ "الطيارة"، والتي تختلف بالمدى والسرعة والحجم، وكذلك نوع من الطوربيدات يصطدم بالسفن وينفجر، وكتاب "البنود في معرفة الفروسية"، ومنه نسخة في راميور، ونسخة أخرى في دار الكتب المصرية، المخطوط يتضمن شرحاً وافياً عن استخدام الخيول في المعارك الحربية، ويتحدث عن تشكيل الجيوش، ووصف بعض الأسلحة اليدوية، وأسلحة الحصار، والأسلحة النارية، مع طرق صناعة أنواع عديدة من الصواريخ الطيارة، وحساب كمية الوقود اللازمة بالنسبة لوزن الصاروخ، لينطلق بشكل سليم ويبلغ هدفه.

أدرك الرمّاح الدولة الأيوبية وهي في قوتها وشارك بصناعة الأسلحة للملك العادل ولأخيه الملك الصالح

وكتاب "الفروسية في رسم الجهاد"، وفيه إشارات إلى وصفات كاملة اشتملت تركيب وهيئة البارود الذي كان يُدكّ في المدافع آنذاك.
"كتاب الفروسية والمكائد الحربية"؛ الذي يُقال إنّه ألّفه بين عامي 1270 و1280، فيه شرح مفصل لصناعة البارود باستخلاص ملح البارود من الطبيعة وتفتيته في المختبرات (نترات البوتاسيوم)، وقد جاء فيه ذكر 107 مرحلة لصنع البارود المشتعل، و22 مرحلة لصناعة عدة أنواع من الصواريخ.

ورد في كتبه أول وصف مفصل للصواريخ النارية واستخداماتها، وترسيم الرمّاح والأسهم بالقذائف النارية، وكيفية الرمى بالمنجنيق (كرات اللهب المقذوفة)، و(علم الحيل) وهو العلم المعروف اليوم بالهندسة الميكانيكية.

اقرأ أيضاً: روجيه غارودي: الإسلام والمسيحية والماركسية في قلب واحد

نموذج للطوربيد البحري من اختراع حسن الرمّاح

الطوربيد البحري
وفي معرض (الطيران القومي ومتحف الفضاء) المخصص لـ(الأدوات الحربية) في واشنطن بالولايات المتحدة الأمريكية؛ يعرضون نموذجاً لما سُمّي "طوربيد الرمّاح" الذي كان يُستخدم في ضرب سفن الفرنجة في البحر، وكان يشبه الطوربيد الحالي إلى حدّ كبير، مع اختلاف نوعية الوقود والمادة المتفجرة التي تطورت، ولكن ليس كثيراً بالنسبة إلى ما وصل إليه حسن الرمّاح في القرن السادس الهجري! وكان تصميمه عبارة عن شكل بيضاوي مجوَّف، له زعانف من الجانبين، بهما سهمان لحفظ التوازن، وفي الأعلى أسطوانة يوضع فيها بارود بمثابة الوقود اللازم لدفع الطوربيد فوق سطح الماء، بينما يوضع داخله مزيج من البارود والنفط، الذي ينفجر بشدة فور الاصطدام بجسم السفينة، فيؤدي إلى حرقها بالكامل من القاع، مما يجعل فرصة نجاة طاقمها معدومة، وهو ما يُتَّبع حتى الآن في عالم العسكرية الحديثة.

تعلّم صناعة الأسلحة فأبدع فيها وابتكر وهو أول من دمج البارود بالنفط لصناعة الصاروخ

عبقرية فذّة وعلم غزير وابتكارات تتوالى، لكن –للأسف- تمّ تبديد هذا العلم، فكما كان عصر الحروب دافعاً لحسن الرمّاح لتطوير أبحاثه وعلومه، كان سبباً في اندثار علمه كذلك.
اتّسمت الأجواء بالتناحر الداخلي؛ فالأمراء الأيوبيون حاربوا بعضهم، وتعاونوا مع الصليبين ضدّ بعضهم، فأهملوا العلماء ولم يقدموا لهم الرعاية الكافية، وأصبح شغل كلّ أمير حماية سلطانه أو التوسّع على حساب الآخرين.
انتهت الدولة الأيوبية، وولدت الدولة المملوكية، وفي الوقت نفسه تعرضت بغداد لهجوم التتار (المغول)، وحشد المماليك كلّ قواتهم لمواجهة التتار في المعركة المعروفة بـ "عين جالوت"، عام 1260، والتي شارك فيها حسن الرمّاح، وساهم في إمداد الجيش بمعدات جديدة من مقاليع ومنجنيقات، وقدور متفجرة (قنابل).

اقرأ أيضاً: رينيه جينو.. رحلة حيرة تنتهي في الشرق
ثم دخل العالم العربي والإسلامي مرحلة المواجهة الأخيرة مع الإمارات الصليبية؛ فقام الظاهر بيبرس بمجموعة من المعارك كان لحسن الرمّاح دور كبير في تصنيع وتركيب العتاد والسلاح اللازم لها، فاستعاد مدن قيسارية وحيفا ويافا، ثمّ حصن أرسوف، عام 1265، وحرّر صفد عام 1266، وقلقيلية في الأناضول، وأنطاكيا، عام 1267.
ثمّ حُرِّرت طرابلس العام 1285، على يد السلطان المنصور قلاوون، ثم خلفه بعد وفاته ابنه الأشرف صلاح الدين خليل، الذي استطاع تحرير عكا العام 1291، بعد قرنين من احتلال الصليبيين لها، ثم بعد وقت قليل حُرِّرت صيدا وصور وبيروت وجبيل وطرطوس واللاذقية، وبذلك انتهى وجود الإمارات الصليبية بشكل تامّ على أرض الشام.
وكأنّ انتهاء الحروب كان إيذاناً بانتهاء حياة حسن الرمّاح؛ الذي توفّي العام 1294، عندما انفجر بيته وهو يجري أبحاثه وتجاربه، مات ومات معه علمه، انتهى وانتهت مدرسته، وممّا يثير التعجّب أنّ الأمراء لم يهتمّوا باستكمال مسيرته، فقد انشغلوا كالعادة بكراسي الحكم، وانغمسوا في الصراعات الداخلية؛ فقتلوا حسن الرمّاح مرة ثانية.

للمشاركة:

توني موريسون.. الروح الأدبية لتجربة الأمريكيين السود

2019-08-07

توني موريسون؛ المؤلفة الأمريكية الحائزة على أرفع جائزة في بلادها (بوليتزر)، كانت قد أضاءت أفراح الحياة الأمريكية السوداء وآلامها؛ من خلال أعمال حيوية بل مذهلة، مثل؛ "محبوبة"، و"أغنية سليمان"، رحلت ليلة الإثنين الخامس من آب (أغسطس) الجاري، حسبما أكّد ناشرها، عن 88 عاماً.

خلال مسيرتها الأدبية التي استمرت 6 عقود كتبت 11 رواية و5 كتب للأطفال ومسرحيّتين وأغاني وأوبرا

خلال مسيرتها الأدبية، التي استمرت ستة عقود، كتبت إحدى عشرة رواية، وخمسة كتب للأطفال، ومسرحيّتين، وأغانٍ، بل وحتى أوبرا.
عملت محرّرة وأستاذة، وموجّهة تربوية دؤوبة لأجيال من الكتّاب الشباب السود؛ فقد عانت من تجاهلها إلى حدّ كبير ككاتبة، حتى عقد السبعينيات من القرن الماضي، لكنها واصلت مسيرتها بعناد وصرامة أدبية عالية لتظفر لاحقاً بأرفع الجوائز والأوسمة: "نوبل في الأدب" 1993، وميدالية الحرية الرئاسية (من الرئيس باراك أوباما) وصولاً إلى جائزة "بين"، عن عموم إنجازها في الرواية الأمريكية.

توني موريسون وأوبرا وينفري
وسّعت موريسون "الشريعة الأدبية للأمة الأمريكية، لتكون بمثابة ضميرها من خلال الأوقات العصيبة ورسّخت مكانتها كحارس لتاريخ المهمشين"، من خلال المنعطفات المبتكرة للعبارة الأدبية والتضمين الجميل لصور الشخصيات الأمريكية من أصل إفريقي، وصور الشخصية المحببة، والنظرة التاريخية الحادة والمنعطفات المأساوية، ومن هنا فهي واحدة من أكثر الكتّاب نجاحاً وتأثيراً في تاريخ الأدب الأمريكي.

أعوامها المبكّرة
وُلدت موريسون كلو أرديليا ووفورد، في 18 شباط (فبراير) 1931، في بلدة فقيرة بالجنوب الأمريكي، وكانت الثانية من بين أربعة أطفال، لأب هو جورج ووفورد، كان عامل بناء السفن.

أخبرها والداها حكايات عن الأشباح والحكايات الشعبية الإفريقية الأمريكية وكذلك فعلت جدتها

شهد والداها العنصرية الجامحة في الجنوب بشكل مباشر؛ حيث رأى والدها، وهو طفل، إعدام رجلين أسودين، وكان يعاني من انعدام ثقة عميق بالبيض لبقية حياته، وخلال فترة الكساد الكبير (1929-1933)، عندما كانت موريسون في الثانية من العمر، أشعل مالك عقار عائلتها النار في المنزل، لعدم قدرة الأب على دفع الإيجار.
كانت القصص جزءاً لا يتجزأ من الحياة الأسرية، أخبرها والداها حكايات عن الأشباح والحكايات الشعبية الإفريقية الأمريكية، وكذلك فعلت جدتها أرديلا ويلس، التي عاشت معهم أيضاً.
كتبت موريسون عن جدتها: "لقد أخبرتنا بقصص لإبقائنا نعمل في مهام شاقة، وللتخفيف من الكدمات، ولنأخذ عقولنا بعيداً عن الألم، ولكسر العالم الكئيب نحو عالم آخر ساحر".

توني موريسون تتلقى "وسام الحرية" من الرئيس أوباما 2012
كانت موريسون قارئة نهمة مبكراً، فالتهمت أعمال جين أوستن، وريتشارد رايت، ومارك توين، وغيرهم الكثير، وتحولت إلى الكاثوليكية عندما كانت في الثانية عشرة من عمرها، وانضمت في سنّ المراهقة إلى فريق المناظرات الأدبية والفكرية في مدرستها، ولكسب شيء من المال، نظفت منازل البيض، وعملت سكرتيرة للمكتبة العامة في مكتبة مدينتها العامة.

اقرأ أيضاً: روجيه غارودي: الإسلام والمسيحية والماركسية في قلب واحد
عندما وصلت موريسون إلى سنّ الدراسة الجامعية، قررت الالتحاق بجامعة هاوارد؛ حيث تولّى والدها وظيفة أخرى من أجل تحمّل الرسوم الجامعية العالية لابنته، هناك؛ درست العلوم الإنسانية، وبعد تخرجها، العام 1953، ذهبت إلى كورنيل؛ حيث حصلت على درجة الماجستير في اللغة الإنجليزية، وكتبت أطروحتها عن ويليام فوكنر وفيرجينيا وولف.

بداية مسيرة الكتابة
بعد تخرجها من كورنيل، بدأت موريسون مسيرتها التدريسية؛ حيث حصلت أولاً على وظيفة في جامعة تكساس الجنوبية، ثم عادت إلى هاوارد؛ حيث درّست الناشط الحقوقي الأسود ستوكلي كارمايكل وألهمته، وهناك قابلت هارولد موريسون، المهندس المعماري، قبل أن تتزوجه 1958، لينجبا طفلين (فورد وسليد)، قبل الطلاق، العام 1964.

كان عقد التسعينيات من القرن الماضي محتشداً بالجوائز والأوسمة التي حازتها موريسون

خلال هذه الحقبة، بدأت العمل على روايتها الأولى، "العين الأكثر زرقة"، التي صورت فتاة سوداء مراهقة هي ضحية مهووسة بمعايير الجمال الأبيض (ما انفك هذا يفتك بملايين الفتيات السود)، وتتوسل إلى الله أن تتحوّل عيناها إلى اللون الأزرق "أردتُ أن أقرأ كتاباً لم يكتبه أحد؛ لذلك ربما كتبته كي أقرأه"، كانت تأمل في كتابة رواية خالية من "النظرة البيضاء"، حدّ أنّها كانت تشعر بالضيق من عمل أكثر الكتّاب السود شهرة، مثل رالف إليسون، وفريدريك دوغلاس، ووقعت أسيرة تلك النظرة.

أغلفة مجموعة من كتب توني موريسون
وقالت في فيلم وثائقي عنها، أنتج العام الجاري: "لقد أمضيت حياتي كلّها في محاولة للتأكد من أنّ النظرة البيضاء لم تكن هي المهيمنة في أيّ من كتبي".
لاقت رواية "العين الأكثر زرقة"، المنشورة العام 1970، استجابة بسيطة، رغم أنّ صحيفة "نيويورك تايمز" استعرضتها بشكل إيجابي، واصفة مؤلِّفتها بأنّها: "كاتبة ذات قوة كبيرة وحنان غامر"، ولكسب لقمة العيش لنفسها وطفليها، عملت موريسون محرّرة في دار "راندوم هاوس" للنشر، وشجّعت الكتّاب السود، كأنجيلا ديفيز، على تبنّي أصواتهم الفريدة والمحددة ثقافياً، وقالت في مقابلة أجريت العام 1994: "الطريقة التي يتحدث بها السود ليست في استخدام القواعد غير القياسية بقدر ما هي التلاعب بالاستعارة".

اقرأ أيضاً: خالد الحروب يكتب بـ "حبر الشمس" عن بلاد الغرباء والمثقف اليقيني
في العام 1974؛ نشرت "الكتاب الأسود"، وهو مختارات عن حياة الأمريكيين من أصل إفريقي، والذي أثّر إلى حدّ كبير في صورة الأنثروبولوجيا والثقافة السوداء، بعد ذلك بعامين، ناضلت من أجل نشر وتسويق السيرة الذاتية "الأعظم" لمحمد علي كلاي، على خلفية رفضه المثير للجدل للخدمة في حرب فيتنام.

اخترق جدار الصمت
مع احتفاظ موريسون بوظيفة بدوام كامل، وتربيتها لطفليها، كانت تكتب كلّما سنح لها الوقت؛ في الفجر، أو في منتصف رحلة تنقل، تتذكّر أنجيلا ديفيز، أنّ موريسون كانت تخربش فقرات على ورقة كانت تضعها على عجلة القيادة في سيارتها، بينما تكون عالقة في حركة المرور. سرقت موريسون وقتَ كتابةٍ كافياً لتتمكن من نشر روايتين أخريين في السبعينيات: سولا (1973)، التي تتبعت فيها حيّاً أسود في ولاية أوهايو من خلال أعين اثنين من أفضل الأصدقاء، و"أغنية سليمان" (1977)، وهي ملحمة تمتدّ عقوداً من الزمن، وتؤرّخ حياة رجل أسود.

توني موريسون أضاءت أفراح الحياة الأمريكية السوداء وآلامها من خلال أعمالٍ حيوية ومذهلة

هذا الكتاب الأخير، على وجه الخصوص، اخترق جدار الصمت المضروب حول صاحبته، وفاز بجائزة "الجمعية الوطنية لنقاد الكتاب"، قد أقنعها نجاح الكتاب بأنّها يمكن أن تلزم نفسها ككاتبة متفرغة.
في العام 1981، بعد إطلاق روايتها الرابعة "طفل القطران"، أصبحت أول امرأة سوداء تظهر على غلاف مجلة "نيوزويك"، بعد زورا نيل هيرستون، عام 1954.
نُشر عملها الشهير (Beloved) "محبوبة" العام 1987، وتستند الرواية إلى قصة حقيقية صادفتها موريسون أثناء نشرها "الكتاب الأسود"، لعبدٍ هارب يقتل ابنته الرضيعة بعد أن استعبدها البيض، أثارت الرواية ضجة كبيرة، وبقيت ضمن قائمة أكثر الكتب مبيعاً، لمدة 25 أسبوعاً، وتمت إضافتها إلى قوائم قراءة الأدب في المدارس على امتداد أنحاء البلاد، كما فازت الرواية بجائزة "بوليتزر" عن أفضل عمل أدبي، وعنها قالت موريسون لصحيفة "نيويورك تايمز"، العام 1994: "شعرت أنني ممثلة لعالم بأسره من النساء اللائي كن صامتات، أو اللائي لم يتلقين مطلقاً إنصافاً من العالم الأدبي الراسخ".

اقرأ أيضاً: رينيه جينو.. رحلة حيرة تنتهي في الشرق
بينما أصبحت موريسون على جانب من الاحترام والتقدير، إلا أنّها أصبحت خائفة من "أعمالها الحسّية"، أو ذات المحتوى الجنسي الصريح؛ لذا تمّت إزالة كتبها، مراراً وتكراراً، من المناهج الدراسية، كما تمّ حظر روايتها "الفردوس" في سجون تكساس خشية أن تتسبّب في أعمال شغب.

توني موريسون في واحدة من محاضراتها عن الكتاب وأثره

عقد الأوسمة والجوائز
كان عقد التسعينيات من القرن الماضي محتشداً بالجوائز والأوسمة التي حازتها موريسون؛ إذ تمّ اختيارها لجائزة نوبل في الأدب، العام 1993، وجائزة "جيفرسون للعلوم الإنسانية"، العام 1996، و"ميدالية المساهمات المتميزة للمؤسسة الوطنية للكتاب"، العام 1996.

اقرأ أيضاً: ساراماغو حين لا يعبأ بمعاداة السامية: مع فلسطين ضد إسرائيل
كتبت روايتين أخريين "جاز"، العام 1992، و"الفردوس" 1997، ومقالات مستفيضة حول الخلافات العرقية المشحونة، كما طوّرت رابطة شهيرة مع النجمة التلفزيونية، أوبرا وينفري، التي أضافت بعض روايات موريسون إلى ناديها المؤثر للكتاب، والذي أنتج فيلم "محبوية" (Beloved)، العام 1998، وقالت وينفري: "من المستحيل تخيّل المشهد الأدبي الأمريكي بدون توني موريسون؛ إنّها ضميرنا، هي رائعتنا، هي حكايتنا".

إرث دائم
لكن، مع النجاح جاءت المأساة أيضاً؛ حيث اشتعلت النيران في منزل موريسون، العام 1993، وتوفَّت والدتها بعد أقل من عام.

وينفري: من المستحيل تخيّل المشهد الأدبي الأمريكي بدون توني موريسون إنّها ضميرنا هي رائعتنا هي حكايتنا

ظهرت موريسون على غلاف مجلة "تايم"، العام 1998، بعد إطلاق كتاب "الفردوس"، وتحدّثت في مقال منشور في ذلك العدد عن روايتها الجديدة: "العالم في ذلك الوقت لم يكن يتوقع الكثير من فتاة سوداء صغيرة، لكنّ أبي وأمي فعلا بالتأكيد".
بعد الألفية الجديدة، أصدرت موريسون أربع روايات أخرى لقيت إشادة كبيرة، وظلَّت تُدرّس في جامعة برينستون، حتى تقاعدها من هذا المنصب، العام 2006، وفي العام 2008؛ قدمت أول تأييد رئاسي لها على الإطلاق، دعماً لباراك أوباما، وبعد أربعة أعوام، ردّ الرئيس جميلها بمنحها "وسام الحرية" الرئاسي.
قال الرئيس أوباما في الحفل: "أتذكّر قراءة "أغنية سليمان" عندما كنت طفلاً، ليس فقط لأحاول معرفة كيفية الكتابة، ولكن أيضاً كيف أكون وكيف أفكر، إنّ نثر توني موريسون يجلب لنا هذا النوع من المُثل الأخلاقية والعاطفية التي لم يحاول الوصول إليها سوى القليل من الكتاب".

كلمة أوباما عن موريسون:

 

 

نالت "وسام الحرية" خلال فترة أخرى من الحزن: فقبل عامين من تقليدها الوسام الرفيع، توفّي ابنها، سليد، بسبب سرطان البنكرياس، في سنّ 45 عاماً، وكانت موريسون بصدد كتابة روايتها الرئيسة، لكنّ حزنها جعلها غير قادرة على الكتابة.

بقيت موريسون نشطة في الحياة العامة حتى العام 2010، حيث علقت على القضايا السياسية، وأجرت الكثير من المقابلات، وواصلت الكتابة باستمرار.
"لقد كتبت، أنا خالية من الألم" إنّه المكان الذي لا يخبرني أحد بما يجب فعله؛ إنّه مكانٌ خيالي وأنا بالفعل في أفضل حالاتي، لا شيء أكثر أهمية في العالم، أو في جسدي، أو في أي مكان عندما أكتب".

*استعانت هذه الصورة القلمية ببعض ما كتب أمس بعد رحيل موريسون في مجلة "تايم" ومجلة "نيويوركر" وموقع إذاعة "الراديو الوطني العمومي" الأمريكي.

للمشاركة:

عبدالله رعاية الدين: ملك ماليزي جديد بروح رياضية

2019-08-05

شهد القصر الوطني بالعاصمة الماليزية، كوالالمبور، الثلاثاء الماضي، مراسم تنصيب السلطان عبدالله رعاية الدين المصطفى بالله شاه، ليكون الملك السادس عشر للبلاد، خلفاً للملك السلطان محمد الخامس، الذي استقال من منصبه بشكل مفاجئ، يوم 6 كانون الثاني (يناير) الماضي، بعد تولّيه المنصب في 13 كانون الأول (ديسمبر) 2016.

تتكوّن ماليزيا من 14 ولاية ويتناوب السلاطين التسع منها على هذا المنصب بانتخابات تُجرى خلال اجتماع الملوك والسلاطين

وأدّى عبدالله رعاية الدين اليمين الدستورية الخميس الماضي، كملكٍ جديد لماليزيا، في مراسم احتفالية، بعد انتخابه من قبل مجلس حكام الولايات التسع، ومن المقرَّر أن يشغل منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة، لكنّ مهامه محدودة، وتقتصر على تمثيل بلاده في المهام الدبلوماسية والزيارات الخارجية، دون التدخّل في السياسة العامة للبلاد.
وتتكون ماليزيا من 14 ولاية؛ 9 منها سلطنات وراثية، و5 أخرى بنظام حكّام الولايات، ويتناوب السلاطين التسع للولايات على هذا المنصب بانتخابات تجري خلال اجتماع الملوك والسلاطين.
حياة سياسية مبكرة
ولد الملك السادس عشر لماليزيا، السلطان عبد الله رعاية الدين المصطفى بالله شاه، في 30 تموز (يوليو) 1959، في قصر مانجو نونجال، بمدينة بيكان بولاية باهانج، وتلقَّى تعليمه المبكر في مدرسة كليفورد بمدينة كوالا ليبيس، العام 1965، ثم بعدها انتقل لمدرسة أحمد الابتدائية الوطنية في مدينة بيكان، وقضى خلالها 3 أعوام، من 1966 إلى 1969، ومدرسة سانت توماس الوطنية الثانوية، ودرس فيها خلال الفترة من 1970 على 1974.

اقرأ أيضاً: ماليزيا ترحّل 6 أشخاص.. ما علاقة جماعة الإخوان؟!
وقبل تنصيبه ملكاً لماليزيا، كان السلطان عبد الله يشغل منصب ولي العهد بولاية باهانج، وسط ماليزيا، منذ 1 تموز (يوليو) العام 1975، وتمّ تعيينه وليّاً للعهد وهو في سنّ السادسة عشرة، وأصبح تولّيه مهام والده من حين لآخر عبر الأعوام الماضية أمراً شائعاً، وأحدث مشروعاً له في تشرين الثاني (نوفمبر) 2018، وقاد جهوداً لإعادة استخدام مواقع التعدين المهجورة في باهانج لأغراض الزراعة والسياحة.

مراسيم القسم الدستورية

دبلوماسي وعسكري
أكمل السلطان عبد الله دراسـته في مدرسة الدنهام، إلستري، هيرتفوردشاير، في المملكة المتحدة وكلية ديفيس في لندن (1975-1977)، قبل مواصلة دراسته في الكلية العسكرية في الأكاديمية العسكرية الملكية ساندهيرست، بالمملكة المتحدة (1978-1979)، وكلية ورشستر وكوين إليزابيث في المملكة المتحدة .(1980-1981)  وبعد ذلك، درس الدبلوماسية في جامعة أكسفورد، قبل أن يتابع التدريب العسكري في ساندهيرست.

اقرأ أيضاً: لهذا السبب خسرت ماليزيا استضافة بطولة للسباحة!
وفي 15 كانون الثاني (يناير) 2019، عن عمر يناهز 59 عاماً، تمّ إعلان تقلده منصب السلطان السادس لولاية بهانغ بعد تنازل والده لحالته الصحية الحرجة، وأُقيم حفل التتويج في أستانا أبو بكر، المقر الرسمي لسلطان باهانج، وتمّ إعلان حكمه بأثر رجعي ابتداءً من 11 كانون الثاني (يناير) 2019.

الملك عبد الله رعاية الدين المصطفى بالله شاه إلى جانب زوجته

ميول رياضية
ولدى الملك شاه اهتمام كروي حيث شغل العديد من المناصب في الهيئات الرياضية المحلية والدولية، منها رئيس الاتحاد الماليزي لكرة القدم، ونائب الرئيس التنفيذي للاتحاد الآسيوي لكرة القدم، ورئيس الاتحاد الآسيوي للهوكي، بالإضافة لعضوية اللجنة التنفيذية للاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا".

قبل تنصيبه ملكاً لماليزيا كان السلطان عبدالله يشغل منصب ولي العهد بولاية باهانج وسط البلاد

وقال السيد عبد الرحمن إندوت (65 عاماً)، الذي خدم سلطان باهانج السادس منذ العام 1974: إنّ "الملك عبدالله يتمتع بروح رياضية منذ أيام شبابه"، مضيفاً أنّ "الملك لم يكن يرغب أبداً في الفوز بسهولة؛ لأنّه أراد أن يعامل على قدم المساواة في هذا المجال"، مضيفاً في حديثٍ له لموقع "كنال فور إييشيا"؛: "شعر الجميع بالذعر عندما سقط جلالة الملك على الأرض في إحدى المرات، لكنّه لم يكن غاضباً على الإطلاق، قائلاً: إنّه أمر طبيعي في الرياضة"، وتابع: "كنت قلقاً؛ لأنّه تمّ نصح جلالته بالحصول على العلاج في المستشفى، لكنّه لم يرغب في ذلك"، قائلاً إنّه يخشى أن يشعر بالملل إذا اضطر إلى البقاء طويلاً في المستشفى".
وأشار عبد الرحمن، إلى أنّ السلطان عبد الله، يتمتع بنفس القدر من المهارة في الهوكي والتنس والجولف وركوب الخيل وغوص السكوبا والأسكواش والبولو.

سلاطين وحكام الولايات الماليزية وكبار الضيوف من خارج ماليزيا

مراسم الاحتفال
بدأت مراسم تنصيب الملك الماليزي الجديد بمسيرة لموكبه في شوارع العاصمة كوالالمبور، اتجهت إلى القصر الوطني الملكي؛ حيث يصطف الماليزيون على جوانب الشوارع لتحية الملك بهتافات "دولات توانكو"، وتعني "يحيا الملك"، وعلى وقع أنغام موسيقى ملكية خاصة تُعرف بـ"النوبات" (أوركسترا تضمّ البوق والطبول والأجراس)، ودخل الملك إلى القصر، حيث كان في انتظاره رئيس الوزراء الماليزي، مهاتير محمد، وأعضاء حكومته، إضافة إلى جنرالات الجيش، وغيرهم من كبار الشخصيات، ثم قام سلاح المدفعية الملكي بالتحية عبر إطلاق 21 مدفعاً.

اقرأ أيضاً: النموذج الماليزي: هل يمكن أن تكتسي العلمانية ثوباً إسلامياً؟
وحضر الحفل جميع سلاطين وحكام الولايات الماليزية وكبار الضيوف من خارج ماليزيا، على رأسهم سلطان بروناي حسن البلقية، والشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الإماراتية، الذي زامله أثناء دراستهما في كلية سانت هيرست العسكرية ببريطانيا.

الملك عبد الله رعاية الدين المصطفى بالله شاه

رسائل الملك الجديد
وقام الملك الجديد بقراءة "ورقة الإقرار" التي صاغها سلاطين وحكام ماليزيا الأوائل؛ حيث يقف جميع الحضور لدى قراءة نصّها، الذي يؤكّد تعهّد الملك بالقيام بواجباته بإخلاص في إدارة الدولة، وفق قوانينها ودستورها، وحماية الدين الإسلامي.

اقرأ أيضاً: هكذا امتزجت الثقافة المالاوية بالإسلام في ماليزيا
وأكّد في خطابه الرئيس على إقرار السلاطين والحكام بالإنصاف والعدل والاحترام المتبادل والاقتراب من الشعب، كما شدّد على أهمية دور المؤسسة الملكية في ماليزيا لضمان ممارسة الديمقراطية البرلمانية والملكية الدستورية، وأشار إلى أنّ المؤسسة الملكية في ماليزيا ليست مجرد رمز، قائلاً: إنّها "أساس الوحدة والتقريب بين الشعب الماليزي والحثّ على الروح الوطنية التي يورثها كلّ مواطن، ويعتز بها لتضفي شعوراً بالحبّ والولاء للبلد".

تولى الملك العديد من المناصب في الهيئات الرياضية المحلية والدولية منها عضوية "الفيفا"

ودعا الشعب الماليزي إلى التسامح فيما بينهم، مع جميع الأعراق والأديان، واحترام وتقبّل بعضهم، مشدداً على الابتعاد عن التحريض على سوء الفهم عن طريق إثارة المشكلات التي تقوض وتدمّر الانسجام في البلاد.
ومن جانب آخر؛ حثّ الحكومة الفيدرالية على مواصلة تنفيذ 300 مشروع بتكلفة تبلغ حوالي 2.2 مليار رينجيت ماليزي (536 مليون دولار أمريكي)، والتي تمّت الموافقة عليها سابقاً في باهانج بموجب الخطة الماليزية الحادية عشرة.
ونقلت عنه صحيفة "نيو ستريتس تايمز" قوله، في تموز (يوليو) من العام الماضي، بعد الانتخابات العامة التي أجريت في أيار (مايو)، والتي أسفرت عن فوز المعارضة في ولاية باهانج: "رغم الخلافات السياسية، أريد أن تستمر المشروعات التي تنفذها الحكومة الفيدرالية بالتعاون مع الحكومة الإقليمية".

اقرأ أيضاً: هل سيُحلّل مهاتير محمد "أخونة" ماليزيا ويقضي على التعددية فيها؟
وفي العام الماضي، أثناء تقلده منصب سلطان باهانج، اقترح إعادة تأهيل مواقع التعدين المهجورة في الولاية لتصبح منشآت زراعية أو سياحية؛ حيث توجد هناك مواقع تعدين عديدة تُركت مهجورة؛ حيث تشكّل هذه المناطق خطراً على السكان في المنطقة المجاورة.
وتشهد الصلاحيات الدستورية الممنوحة للمؤسسة الملكية والحكومة الفديرالية العامة في ماليزيا حالة شدّ وجذب، إلا أنّه من المثير للاهتمام؛ أنّ صلاحيات الملوك والسلاطين قُلِّصت في عهد مهاتير محمد، رئيس الوزراء الماليزي الحالي، أثناء تولّيه رئاسة الوزراء للفترة الأولى منذ 22 عاماً.

للمشاركة:



الجزائريون يخرجون في الجمعة الـ 26 لحراكهم... هذه مطالبهم

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-17

خرج آلاف المتظاهرين الجزائريين، أمس، إلى شوارع العاصمة الجزائرية، والعديد من المدن الأخرى، في الأسبوع الـ 26 من الاحتجاجات التي تشهدها البلاد، منذ 22 شباط (فبراير) الماضي.

ومنعت الشرطة الجزائرية تقدّم المتظاهرين الذين خرجوا في مسيرة جديدة بوسط العاصمة الجزائرية، للجمعة الـ26، للمطالبة بتغيير كلّي للنظام ورحيل جميع رموزه.

وتجمّع المئات من المتظاهرين بشارعي ديدوش مراد وعبد الكريم الخطابي، وحاولوا التقدم باتجاه ساحتي موريس أودان والبريد المركزي (معقل الحراك الشعبي)، لكنّ قوات الشرطة وقفت حاجزاً أمامهم، بحسب ما ذكرت الوكالة الألمانية في تقرير من العاصمة الجزائرية.

المتظاهرون ردّدوا شعارات رافضة لرموز الظام والهيئة الوطنية للوساطة والحوار ومنسقها كريم يونس

وشكّل حاجز للشرطة، قبل بدء صلاة الجمعة، علماً بأنّ الحشود غالباً ما تتضاعف بعد انتهاء الصلاة من مساجد العاصمة، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الألمانية.

ورغم تمسّك الحراك الشعبي بمطالبه، تواصل هيئة الوساطة والحوار الوطني مساعيها لإقناع أكبر عدد ممكن من الشخصيات والهيئات بضرورة الجلوس إلى طاولة الحوار؛ لإخراج البلاد من الأزمة التي تعصف بها منذ 22 شباط (فبراير)الماضي.

وردّد المتظاهرون في العاصمة شعارات معارضة لـ "الهيئة الوطنية للوساطة والحوار"، ومنسقها كريم يونس.

وترفض شريحة واسعة من المحتجين تنظيم انتخابات رئاسية، طالما ما يزال كبار المسؤولين من عهد رئاسة بوتفليقة (1999-2019) (الرئيس المؤقَّ عبد القادر بن صالح، والفريق أحمد قايد صالح) في الحكم.

 

للمشاركة:

وحدات المجلس الانتقالي الجنوبي تنسحب... التحالف ينجح في إنهاء الاقتتال

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-17
أعلن تحالف دعم الشرعية في اليمن، صباح اليوم؛ أنّ وحدات المجلس الانتقالي الجنوبي وقوات الحزام الأمني، بدأت بالانسحاب والعودة إلى مواقعها السابقة في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، وذلك استجابة لدعوات التحالف.
وانسحبت قوات المجلس الانتقالي من مستشفى عدن والبنك المركزي ومقر الأمانة العامة لمجلس الوزراء، وتسلمت المواقع ألوية حماية الرئاسة، وفق ما نقلت "العربية".

تحالف دعم الشرعية يعلن أنّ وحدات المجلس الانتقالي الجنوبي بدأت بالانسحاب والعودة إلى مواقعها السابقة بعدن

وجاء إعلان التحالف، اليوم، "إلحاقاً للبيان الصادر من قيادة القوات المشتركة للتحالف، وما تضمنه من رفض التطورات في عدن، ودعوة كافة الأطراف والمكونات لتحكيم العقل وتغليب المصلحة الوطنية، والعمل مع الحكومة اليمنية الشرعية لتخطي المرحلة الحرجة".

وكان التحالف قد طالب بوقف فوري لإطلاق النار في العاصمة اليمنية المؤقتة، كما دعا كافة المكونات والتشكيلات العسكرية من الانتقالي وقوات الحزام الأمني إلى العودة الفورية لمواقعها، والانسحاب من المواقع التي استولت عليها خلال الفترة، وعدم المساس بالممتلكات العامة والخاصة".

وثمّنت قيادة القوات المشتركة للتحالف "استجابة الحكومة اليمنية الشرعية للدعوة لضبط النفس أثناء الأزمة، وتغليبها لمصالح الشعب اليمني، ومحافظتها على مكاسب تحالف دعم الشرعية في اليمن، من أجل إعادة الدولة ومؤسساتها".

كما ثمنت "استجابة الانتقالي في عدن لدعوة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة لوقف إطلاق النار، وتغليب الحكمة ومصالح الشعب اليمني، وعدم الإضرار بها، أو المساس بالممتلكات العامة والخاصة، والبدء اليوم بسحب قواتها وعناصرها القتالية والعودة إلى مواقعها السابقة، قبل الأحداث الأخيرة، وتسليم مقرات الحكومة اليمنية بإشراف من التحالف".

وفي هذا السياق، دعت قيادة القوات المشتركة إلى "استمرار التهدئة وضبط النفس ووقف الخطاب الإعلامي المتشنج، وتعزيز لغة الحوار والتصالح وتوحيد الجهود في هذه المرحلة، والوقوف سوياً لإنهاء الانقلاب الحوثي ومشروع النظام الإيراني الهدام باليمن، وعدم إعطاء الفرصة للمتربصين بالدولة اليمنية وشعب اليمن من التنظيمات الإرهابية، كالميليشيا الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران، وتنظيم القاعدة في جزيرة العرب، وداعش".

 

للمشاركة:

الولايات المتحدة تلاحق ناقلة النفط الإيرانية "غريس ١".. بهذه التهم

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-17

أصدرت الولايات المتحدة مذكرة ضبط بشأن ناقلة النفط الإيرانية "غريس 1"، بعد يوم واحد من السماح لها بمغادرة منطقة جبل طارق.

وتريد وزارة العدل الأمريكية مصادرة الناقلة، وكلّ النفط الذي تحمله، ونحو مليون دولار؛ بناءً على اتهامات بخرق عقوبات والاحتيال المصرفي وغسيل الأموال و"الإرهاب"، وفق ما نقلت الـ "بي بي سي".

وقالت وزارة العدل: "تجب مصادرة الناقلة، لمحاولة الوصول إلى النظام المالي الأمريكي بصورة غير مشروعة ودعم شحنات محظورة إلى سوريا".

العدل الأمريكية تريد مصادرة الناقلة بناء على اتهامات بخرق عقوبات والاحتيال وغسيل الأموال والإرهاب

وتمّ التحفظ على الناقلة "غريس 1" الشهر الماضي؛ للاشتباه في خرقها عقوبات الاتحاد الأوروبي على نقل النفط إلى سوريا.

وقضت المحكمة العليا في جبل طارق، أول من أمس، بأنه يمكن للناقلة أن تبحر إذا قدمت ضمانات بأنّها لن تسلّم حمولتها إلى سوريا.

وتنفي إيران أنّها قدمت أيّة تعهدات لضمان الإفراج عن الناقلة، مؤكدة أنّ وجهتها لم تكن سوريا.

وفي وقت سابق، قال مسؤولون إيرانيون: إنّ الناقلة تستعد للإبحار بعد إصدار جبل طارق الحكم بالإفراج عنها، بعد ستة أسابيع من احتجازها.

وقال جلال إسلامي، نائب رئيس هيئة الموانئ والملاحة الإيرانية، للتلفزيون الرسمي الإيراني، الجمعة: إنّ "غريس 1" ستحصل على اسم جديد وستحمل العلم الإيراني في رحلة عودتها.

وقال مصدر لوكالة "فرانس برس": إنّ "الناقلة تنتظر وصول طاقم جديد قبل أن تغادر جبل طارق".

 

للمشاركة:



القصيبي..النجم الذي هاجمته المنابر

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-15

تركي الدخيل

اليوم، منتصف شهر أغسطس، تحل الذكرى التاسعة لوفاة غازي القصيبي، رحمه الله. وأقول اسمه بلا مناصب علمية ولا إدارية، لأنه كان عَلماً يُدل به على الألقاب، والمسميات.
لم يغادر غازي القصيبي، عالمنا في 15 أغسطس 2010، حتى كتب كل ما يريدُهُ عن نفسِهِ وعن شعره، عن حياته الاجتماعية، وعن طفولته، ومراهقته، وصبوات الشباب، ونضجِ الكهول، وانكسارهم، وحكمة الشيوخ، وغربتهم.
وفي مؤلّفاته التي تربو على ستين كتاباً، خلفها بعد سبعين عاماً، وتوزعت بين ديوانٍ، ودراسةٍ، وحوارٍ، ورواية.
أرّخَ الراحل لسنوات الدراسة الأولى، ومنافسات زملائه في الثانوية، وكتبَ عن الجامعة وشجونها، طالباً مبتعثاً، ومدرّساً، وعميداً.
وكشف لنا عن سيرته الإدارية، وحياته الوزارية، ومهامه الدبلوماسية. وفي بانوراما من العجائب، أَخَذَنا معه على بساطِ علاء الدين، في رحلةٍ ممتعة، ورومانسية ساخرةٍ، وحزينةٍ، ليُشركَنا في حديثٍ صريحٍ عن بريق المناصب، وذُرى المجد، وسحرِ الأضواء، ورفقةِ الملوك والأمراء، وخفايا الرؤساء وأمزجتهم، ودهاليز السياسة، وأسرار الأبواب المغلقة.
ومن كوَّتِه السحرية، حلّق بنا معه في عوالمِ الجميلات، والأميراتِ، وبناتِ ملوك الجان، وأطلَّ كلمحةِ العابر على مجالس الفقهاء، وفِكرِ العلماء وخَتَمَ حياته المثيرة بمقاربةٍ مثيرة، لكشف أسباب تحوّل الإنسان العادي إلى متطرّف، يجعلُ العنفَ وسيلتَه والتطرف فلسفته.
كشف لنا غازي في ما ألفه، عن تحولاتِهِ الفكرية العميقة، وعذاباته النفسية، وآلامهِ الصادقة، وآمالِهِ الكبيرة، وأحلامِهِ الساحرة، وآرائِهِ الجريئة، والجارحةِ أيضاً، في حاضرِ العرب، وعواملِ هزائمهم، وأسباب تخلّفهم.
وفي روايته «العصفورية»، كان يناقش بعمقٍ، أسباب التأخّر العربي في شتى المجالات، منطلقاً من آلية كتابة مختلفة وحَذِرةٍ، لكنها جريئةٌ في الوقت ذاته. وأودعَ رواياتِهِ، كل ما لم يُمكنه أن يكشفَ في غيرها من صنوف الكتابة. كما أودعَها نقدَه اللاذعَ للمثقفين والسياسيين والشعراء، وأعمل سياطَه في العادات الاجتماعية، التي فتكت بمجتمعه وأمّته، وباح بما يصعبُ عليه الكتابة عنه جهاراً، مُتخذاً من شخوص رواياته متنفساً، ومن مواقف أبطاله، وعباراتهم وجنونهم، وصراحتهم، وغرائبيتهم، ومواقفهم الساخرة والمضحكة، وسيلة لإيصال ما يريده... وإن كان قد أفلت مراراً، من الأسئلة التي حاولتْ أن تنتزعَ منه إقراراً بأن أحداثَ بعض رواياته ليست إلا سيرة ذاتية عنه، وأن بعضَ قصائدِه، التي يتناقلها أصدقاؤه، منذ سنوات الجامعة، كانت تعكس واقعاً لا خيالاً.
خلال أربعة عقود، اصطحَبَنا القصيبي معه في رحلةٍ عن تحدّيات التنمية، وقصص النجاح ونشوته، وأعداء الإنجاز، وأصحاب المصالح، وعذاباته من رؤية المعاقين، والبؤساء والمعدمين والمرضى، وبكائه من معاناة العاطلين. لقد قال غازي رحمه الله، صراحة، في برنامج (إضاءات)، أنه عانى في تولّيه وزارة العمل، أقسى ما يمكن أن يُواجهه من معارضة وعداء. يقول: (أنا أعرفُ باعتباري تلميذاً من تلاميذ علم السياسة أن الناسَ، كل الناس، يدافعون عن مصالحهم بضراوةٍ وشراسة، لا أخصُّ رجالَ الأعمال، أو فئة بعينها، ولكني أتحدّثُ عن كل من تضرَّرَت مصالحُه، بمن فيهم المواطن العادي، الذي كان يعتاشُ من بيع أربع، أو خمس تأشيرات في السنة. كل أصحاب المصالح التي تضرَّرَت شنّوا على الوزارة وعلى شخصي الضعيف، وعلى زملائي، حرباً شعواءَ أبعد ما تكون عن الخفاء. وبمواجهة ذلك كلّه لا أقول إلا :«قل لن يصيبَنا إلا ما كتبَ اللهُ لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون». على المسؤول الذي يخشى تبعةَ قراراتِه أن يختفيَ في أقربِ كهفٍ!). ولا غرو فالقصيبي يعتقد أن «الذي لا يريدُ أعداءً، أفضل له أن يجلسَ في بيته، أو يبقى في وزارته يبصمُ على الأوراق. فالذي يريد الإصلاح لا بدَّ له من أن يُعِدَّ نفسَه لعداء كبير وهجوم، ويَحسُنُ به حتى لا يفقد عقله، ولا اتزانه ألا يرى أن الأمر شخصيٌّ».
حلّق بنا غازي، في عالم الحب وأعاجيبه، وأشركَنا معه في التعبير عن لحظات الفقد، ورحيل الأحباب، ومناغاة الأطفال وعالمِهم السحري، واستبدادهم وقسوتهم.
تسع سنوات مضت على رحيل، رجل وطن، ذهب إلى لقاء ربه، والجميع يدعو له بالخير، وهو ملء السمع والبصر، لكن ما لا يعرفه البعض ويتجاهله آخرون، أن غازي القصيبي، عانى بأقسى ما تكون المعاناة، من الإقصاء المجتمعي، والتصنيف الممنهج، والدعاء عليه فوق منابر المساجد، كل ذلك في فترة كان المجتمع فيها يغلي فوق قدر «الصحوة»، فرحمه الله على كل ضرر أصابه.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

تركيا قد تبدأ عملية ترحيل جماعي للسوريين بحجة المنطقة الآمنة

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-15

دايفيد ليبسكا

لو صحت تفسيرات المراقبين بخصوص اتفاق أمريكي-تركي لإنشاء منطقة آمنة في سوريا، فستؤدي على الأرجح إلى تأجيج مخاوف اللاجئين السوريين في الجار الشمالي خلال الأيام المقبلة من احتمال ترحيلهم.

وبدأ التوتر يصيب العلاقة بين اللاجئين السوريين ومضيفيهم الأتراك بفعل حادث وقع في إسطنبول في أواخر يونيو الماضي، حين هاجم بعض من أبناء المدينة لاجئين سوريين وحطموا محال مملوكة لسوريين ردا على شائعة لا أصل لها بأن لاجئا سوريا تعدى على فتاة تركية.

وبدا أن أكرم إمام أوغلو رئيس البلدية الجديد للمدينة قد وقف في صف المعتدين خلال تعليقاته التي أعقبت الحادث بأيام قليلة، وهو أمر دفع مكتب محافظ إسطنبول لتحديد يوم العشرين من أغسطس الجاري كموعد نهائي لعودة اللاجئين السوريين كل إلى المحافظة التركية التي سجل فيها لدى وصوله وإلا فستتم إعادتهم قسرا إلى تلك الأماكن.

وذكرت شبكة (سي.إن.إن) الإخبارية يوم الأربعاء أن "الإعلان قد بعث برسالة مخيفة للسوريين."

وأعقب الإعلان اعتقال نحو 12 ألف شخص فيما تفشى الخوف بين اللاجئين في إسطنبول بينما يقول ناشطون أن ما يصل إلى ستة آلاف شخص قد تم ترحيلهم.

وينفي المسؤولون الأتراك حدوث أي عمليات ترحيل.

ويوم الأربعاء، أكد إمام أوغلو التزامه بإنشاء مكتب للاجئين من أجل تحسين طريقة التعامل مع الأزمة. غير أن هذا ربما لا يكون أمرا ضروريا.

وتصادف يوم الأربعاء أيضا أن اتفقت الولايات المتحدة وتركيا على إنشاء مركز عمليات مشتركة للتنسيق فيما يتعلق بإنشاء منطقة آمنة على الجانب السوري من الحدود.

ولطالم سعت تركيا لإخلاء المنطقة التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب الكردية، وهي قوات تشكل العمود الفقري للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، وذلك من خلال مفاوضات للقيام بعملية إخلاء سلمي أو من خلال طرد المجموعة من المنطقة.

ووفقا للبيان الأميركي التركي المشترك، فإن الطرفين اتفقا على إجراءات تُطبق سريعا للتعامل مع المخاوف الأمنية التي عبر عنها الأتراك.

وترى تركيا في وحدات حماية الشعب الكردية مجموعة إرهابية بسبب صلاتها بحزب العمال الكردستاني المحظور، وهي جماعة مسلحة تقاتل من أجل الحصول على حكم ذاتي للأكراد في جنوب شرقي تركيا منذ ما يزيد على ثلاثة عقود.

وقال البيان أيضا إن المنطقة الآمنة ستكون بمثابة ممر آمن لضمان عودة الاجئين السوريين بسلام إلى وطنهم.

وقال ميتين جورجان، خبير الشؤون الأمنية التركي في تغريدة عن اتفاق المنطقة الآمنة "يبدو أن الولايات المتحدة قد قبلت الاقتراح التركي بنقل اللاجئين السوريين (وأغلبيتهم من السنة) إلى شمال شرق سوريا ليتسنى لتركيا إغلاق الحدود على عناصر وحدات حماية الشعب الكردية."

وأضاف "خلال الأيام المقبلة، ربما نشهد نقل آلاف اللاجئين من تركيا إلى شمال شرق سوريا تحت رقابة من الولايات المتحدة وتركيا."

وبالتأكيد، لو كان أكبر هواجس تركيا هي وحدات حماية الشعب الكردية واتفقت الولايات المتحدة وتركيا على التعامل بهدوء مع مصدر القلق هذا، فإنهما قد يبدآن قريبا العمل سويا لإعادة اللاجئين إلى سوريا من أجل إجبار عناصر وحدات حماية الشعب الكردية على الخروج من المنطقة الحدودية.

وقد تتولى أنقرة خلال الأسابيع المقبلة الإشراف على عملية ترحيل قسري جماعي تحت رقابة أميركية، وهو أمر يعني تغيير الطبيعة السكانية لمساحات كبيرة من سوريا، وينتظر أن يحدث تحولا في المدن والبلدات الكردية الكبرى حين تحل عليها غالبية من السنة المعادين قسرا من تركيا.

ولا شك أن غالبية اللاجئين السوريين في تركيا يحلمون بالعودة للوطن يوما ما. لكن المرء يتعجب كيف ليمكن أن ينتهي المطاف بكثيرين من الحالمين بهم المطاف إلى مواجهة تعامل عنيف والاحتجاز في منطقة آمنة تحت رقابة الجنود الأتراك، حيث يرجح أن يعيش كثيرون في معسكرات دون أن يكون لديهم حق في العمل أو العيش بطريقة طبيعية.

لكن ورغم كل ما يحيط بالأمر من مشاكل، فإن هذه السياسة سترضي غالبية المواطنين الأتراك.

وتشير استطلاعات رأي متتالية إلى مشاعر متنامية تجاه 3.6 مليون لاجئ سوري يعيشون في تركيا حيث تجتاح عبارات معادية للسوريين موقع تويتر، تحركها على الأرجح المشاكل الجمة التي تحيط بالاقتصاد التركي.

وقبل أيام، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي طالما تحمس للاجئين ودافع عنهم، إن الإنفاق الحكومي على اللاجئين السوريين اقترب من 40 مليار دولار.

وقال الرئيس التركي متحدثا لمحطة (سي.إن.إن) "الأتراك يعانون من ارتفاع تكاليف المعيشة ونسب البطالة العالية، وأصبح السوريون كبش فداء سهل لمشاكلهم الاقتصادية."

ومن شأن المنطقة الآمنة أن تتيح للاجئين السوريين في تركيا مكانا بعيدا عن سيطرة الحكومة، مثلما أوردت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

وقالت الصحيفة يوم الأربعاء "يواجه أردوغان ضغوطا متنامية في الداخل، في ظل تراجع اقتصادي وعلو صوت الأحزاب السياسية المعارضة، إذ عليه أن يظهر أن بعض اللاجئين السوريين في تركيا البالغ عددهم ثلاثة ملايين ونصف المليون شخص سيعودون لبلادهم."

وتقول المنظمة الدولية للاجئين إن عددا يصل إلى 900 ألف سوري يعيشون في إسطنبول.

ويملك معظم هؤلاء تصاريح تتيح لهم البقاء في المدينة، لكن تصاريحهم تلك قد لا تنقذهم الآن من الترحيل.

والآن يلزم آلاف اللاجئين السوريين في المدينة منازلهم بعيدا عن قبضة الشرطة، أو يعمدون إلى تغيير مسار تحركاتهم.

وقال معماري سوري يبلغ من العمر 26 عاما ويعيش في إسطنبول متحدثا لمحطة إذاعية إنه توقف عن استخدام وسائل المواصلات العامة في رحلة ذهابه إلى العمل، ويسير بدلا من ذلك لمدة 90 دقيقة عبر شوارع خلفية أكثر أمنا.

وقال رئيسه طلب منه عدم الحضور إلى العمل.

لكنه يقول إن الخوف يتملكه رغم ذلك في كل مرة يخرج فيها من باب شقته.

وقال "إنه أمر مروع. لا يزال هذا في مخيلتي."

وقال معاذ يوسف وهو سوري يعمل في مجال تكنولوجيا المعلومات إنه تلقي مئات من الاتصالات من لاجئين يشعرون بالذعر ويفكرون في تغيير سكنهم ويبحثون عن تأمين صحي ويتساءلون إن كانوا سيتمكنون من البقاء وكسب قوت يومهم بشكل طبيعي.

وأضاف يوسف متحدثا لقناة (بي.آر.آي) "تصلني كل يوم أكثر من 100 قصة. أحاول التواصل مع الحكومة التركية والبحث عن حل."

ولدى الحكومة التركية حل على ما يبدو لهذه القضية، لكنه حل لن ينجح على الأرجح في الحد من مخاوف اللاجئين السوريين.

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:

وجهان لعملة واحدة.. ما أوجه الشبه والاختلاف بين ترامب وجونسون؟

2019-08-15

ترجمة: علي نوار


يسعى الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، ورئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، لتعزيز علاقة التحالف التاريخي بين دولتيهما، رغم أنّ لكلّ منهما دوافعه الخاصة والتي يصعب التوفيق بينها.

ترامب وجونسون سياسيان وافدان من أوساط تتمتّع بالامتيازات كما وصل كلاهما إلى السلطة بعد ركوبهما موجة الشعبوية

وفي كل مرة يحدث فيها تغيير داخل البيت الأبيض أو 10 داونينج ستريت، تسود حالة من الترقّب تجاه مدى التناغم على المستوى الشخصي أو حتى انعدامه بين الشخصين المكلّفين بالحفاظ على ما كان يُنظر إليه باعتباره أمتن تحالف في العالم الغربي منذ الحرب العالمية الثانية، وهو "العلاقة الخاصة" بين الولايات المتحدة وبريطانيا. وبالعودة إلى الوراء في كتاب التاريخ، يتبيّن أنّ الأمر سار على ما يرام حين كانت هناك أيديولوجيا تربط بين زعيمي البلدين- مثل الفكر الليبرالي في حالة رئيس الولايات المتحدة السابق رونالد ريجان ورئيسة وزراء بريطانيا السابقة مارجريت تاتشر- أو البحث عن مسار ثالث في حالة الشابين الأمريكي بيل كلينتون والبريطاني توني بلير- أو قضية مشتركة قوية مثل إلحاق الهزيمة بالنازية التي جمعت بين فرانكلين روزفلت ووينستون تشرشل، رغم أنّهما سليلا عائلتين سياسيتين متناحرتين.

اقرأ أيضاً: جونسون والحلف الشعبوي المحافظ

وخلال زيارتها للبيت الأبيض في كانون الثاني (يناير) 2017، كشفت الصور القليلة التي التُقطت بكل وضوح، غياب التفاهم بين ترامب ورئيسة الوزراء البريطانية السابقة تيريزا ماي، رغم أنّ الزيارة عنت بالطبع أنّ العلاقات لم تُمسّ. إلّا أنّ استقالة ماي بعد هذه الزيارة بعامين ونصف العام تقريباً ووصول بوريس جونسون إلى داونينج ستريت أسهم في زيادة التوقّعات بتعضيد العلاقات الثنائية الخاصة بدرجة أعمق.

رئيسة الوزراء البريطانية السابقة تيريزا ماي

لا يمكن بتاتاً التغافل عن التوافق بين ترامب وجونسون. فهما سياسيان غير تقليديين، وافدان من أوساط تتمتّع بالامتيازات، كما وصل كلاهما إلى السلطة بعد ركوبهما موجة الشعبوية. ربما يكون صحيحاً أنّ جونسون صرّح حين كان لا يزال عمدة العاصمة لندن بأنّ السبب الوحيد الذي يحول دون زيارة مناطق معينة من نيويورك هو "الخطر الحقيقي" المتمثّل في لقاء دونالد ترامب. لكن المديح الذي كاله الرجل فيما بعد لرجل الأعمال النيويوركي يبدو أنّه نجح في رأب الصدع الذي شاب العلاقة بينهما. ويهدف الطرفان اليوم لتعزيز العلاقات الثنائية القوية. بيد أنّ المشكلة تكمن في اختلاف دوافع كلّ منهما والتي يتعذّر تحقيق التوافق بينها.

اقرأ أيضاً: جونسون على خطى ترامب

ويتطلّع جونسون لاتفاق تجاري كبير يعلّق عليه آمالاً عريضة في تخفيف العواقب الوخيمة المتوقّعة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست). في المقابل، يبحث ترامب عن حليف له في الجبهات العديدة التي فتحها على الساحة السياسية العالمية. ومن الواضح أنّ أياً من الرجلين سيعثران بسهولة على ضالتهما في الشريك الآخر القابع على الجانب المقابل من المحيط الأطلسي.

نجح الزعيمان بتحويل الطابع المحافظ الذي اتّسم به حزباهما لنوع من القومية الجديدة

ولا تتبنّى بريطانيا سياسات الولايات المتحدة تجاه إيران، ولا مواقفها إزاء ملفات مثل التغيّر المناخي ومستقبل حلف شمال الأطلسي (ناتو). وبالقطع ليس السياسة الأمريكية العدائية في التعامل مع التهديد الاستراتيجي الذي تمثّله الصين، الدولة التي تنوي لندن الاتجاه إليها بعد البريكست. ولعلّ أبرز ما ميّز مسيرة جونسون السياسية هو الانسيابية التي يغيّر بها مواقفه. رغم أنّ النظام البرلماني البريطاني لديه ما يقوله بشأن هذه السياسات لمجلس العموم حيث لا يحظى جونسون بأغلبية مريحة من الأعضاء المؤيدين له.

علاوة على ذلك، لا يضمن التوافق الشخصي إبرام اتفاق تجاري بشكل سريع ومُرضٍ، رغم أنّه وبعد مرور 48 ساعة فحسب على تولّي جونسون لمنصب رئيس وزراء بريطانيا، تحدّث الزعيمان عن "فرصة سانحة" تلوح في الأُفق لتقوية الروابط الاقتصادية. كل ذلك رغم أنّ ترامب أظهر بعد مرور ثلاثة أعوام من تواجده داخل البيت الأبيض أنّ العلاقات الشخصية تعتمد كلّية على تنفيذ نظرائه لما يريده هو. لكن لا يمكن لأحد التشكيك حيال قُرب دخول ترامب وجونسون في فترة وردية، بدأت مؤشراتها خلال قمة الدول السبع الكبار (جي7)، خاصة مع وجود هدف مشترك لديهما هو العبث مع بروكسل. بيد أنّ لا أحد يستطيع الجزم في الوقت ذاته بأنّه فور تقارب الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء البريطاني، أن يتخلّى ترامب على الفور عن شعاره (أمريكا أولاً).

لا يضمن التوافق الشخصي إبرام اتفاق تجاري بشكل سريع ومُرضٍ

والواقع أنّ لندن لا تتوفّر على هامش كبير للمناورة في المفاوضات. فبريطانيا تمتثل منذ عقود طوال للمعايير الأوروبية، ولن يكون من السهل بالنسبة لجونسون تخفيف وقع هذه العملية الطويلة كي يفتح الباب أمام الشركات الأمريكية العاملة في مجالات مثل الزراعة والعقاقير الطبية، لدخول السوق البريطانية بدون الدعم البرلماني المتواضع. وكلّما تباعدت المسافة عن المعايير الأوروبية، كان من السهل إحراز تقدّم في اتفاق تجاري، لكن هذا الأمر سيستلزم في التوقيت عينه تشديد الرقابة على الحدود الأيرلندية. وفي المقابل يرفض الكونغرس الأمريكي، مثلما حذّرت رئيسته نانسي بيلوسي، أي اتفاق من شأنه إقامة حدود مع بين شطري أيرلندا وينتج عنه تقويض السلام في الجزيرة.

صرّح ترامب مؤخراً بأنّ جونسون رجل صالح إنّه صلب وذكي يلقّبونه بـ "ترامب بريطانيا" ويقولون إنّ هذا شيء جيّد

وتوجد على المحك واردات وصادرات متبادلة قفزت قيمتها الإجمالية عام 2018 إلى 262 ملياراً و300 مليون دولار، وفقاً للبيانات الرسمية الأمريكية. وتعدّ الولايات المتحدة الشريك التجاري الأبرز للمملكة المتحدة (رغم أنّ حجم التبادل الثنائي لا يمثّل 30% من التبادل التجاري مع الاتحاد الأوروبي في عام 2017). أما بالنسبة للولايات المتحدة فإنّ بريطانيا تحتلّ المركز السابع في ترتيب الشركاء التجاريين لها.

لقد نجح الزعيمان في تحويل الطابع المحافظ التقليدي الذي لطالما اتّسم به حزباهما إلى نوع من القومية الجديدة، قاطعين الوعود لناخبيهما بالعودة إلى حقب ماضية. "جعل أمريكا عظيمة من جديد" في حالة ترامب و"استعادة السيطرة" في حالة جونسون. وفي طريقهما نحو أضغاث الأحلام هذه، يطرح رئيس الولايات المتحدة ورئيس وزراء بريطانيا رؤية غريبة للعلاقات الثنائية تتبلور في التخلّص من النظام متعدّد الأطراف القائم على الصعيد الدولي منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، والذي أسهم التحالف التاريخي بين واشنطن ولندن في التأسيس لقيامه.

رئيسة الكونغرس الأمريكي  نانسي بيلوسي

لكن ما هي أوجه الشبه بين الرجلين؟

أثناء زيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة، مرّ رئيس الوزراء البريطاني بتجربة فريدة من نوعها بالنسبة له شكا منها فيما بعد، فقد أحاط به المصوّرون والمارّة الفضوليون الذين كانوا يطلبون إليه التقاط الصور معه ومنحهم توقيعه.

ليس الأمر أنّه لا يحبّذ أن يكون مشهوراً في شوارع نيويورك، واحدة من أكثر مدن العالم تنوّعاً من الناحية الثقافية، ولا لأنّ شهرته كعمدة لندن قد عبرت المحيط الأطلسي، لكن الحقيقة كانت أنّ الناس خلطت بينه وبين أحد أغرب الشخصيات وإثارتها للجدل في المدينة؛ رجل الأعمال ونجم التلفزيون دونالد ترامب.

اقرأ أيضاً: بريطانيا: جونسون يتسلّم رئاسة الحكومة.. أهم ما ينتظره فيها

ويروي جونسون "كنت في نيويورك وحاول بعض المصوّرين التقاط الصور لي، بل أنّ فتاة عبرت الطريق تجاهي ثم توقّفت وقالت "يا إلهي! هل هذا ترامب؟" كانت واحدة من أسوأ اللحظات على مدار رحلتي".

كايل سميث: يوجّه الاثنان دائماً سهام النقد اللاذع لوسائل الإعلام ويتّهمانها على طول الخط بالتضليل ونشر أنباء كاذبة

بعدها بفترة وجيزة، عاد جونسون للتعبير عن "قلقه العميق" من فكرة وصول رجل الأعمال الأمريكي إلى سدة الحكم. لذا يُعتبر رئيس الوزراء البريطاني الحالي هو أول شخصية عالمية تصنّف ترامب بأنّه "لا يصلح" لشغل هذا المنصب، لكن الوقت مرّ وبات الاثنان على رأس قوتين عالميتين، ويبدو أنّ أيام الريبة قد باتت من الماضي. وقد صرّح رئيس وزراء بريطانيا أنّه يودّ العمل مع ترامب، وأنّه يرى ثمة مستقبل "رائع" للعلاقات بين البلدين.

لكن الإطراء لم يكن يسير في اتجاه واحد، فمن البيت الأبيض صدرت الإشادة أيضاً حين صرّح الرئيس الأمريكي مؤخراً، أثناء مؤتمر انعقد في العاصمة واشنطن، بأنّ "بوريس جونسون رجل صالح. إنّه صلب وذكي. يلقّبونه بـ "ترامب بريطانيا"، ويقولون إنّ هذا شيء جيّد"، والحقيقة أنّ ترامب لم يكن الأول ولا الوحيد الذي أجرى هذه المقارنة.

 صرّح جونسون أنّه يودّ العمل مع ترامب وأنّه يرى أنّ هناك مستقبلاً رائعاً للعلاقات بين البلدين

فمنذ وصول بوريس جونسون إلى مقر رئاسة الوزراء البريطانية الكائن في العقار رقم 10 بشارع داونينج ستريت في لندن، انطلقت وسائل الإعلام على جانبي الأطلسي تعقد المقارنات وتسلّط الضوء على أوجه الشبه الكبير بين جونسون وقرينه المقيم بجادة بنسيلفانيا في المبنى رقم 1600.

ويرى الكثيرون أنّ نقاط التشابه تذهب لما هو أبعد من مجرّد الشعر الأصفر الفاقع، فرغم أنّ هناك فارق 20 عاماً في العمر بينهما، إلّا أنّ قصتي حياة جونسون وترامب متماثلة بدرجة كبيرة، فقد وُلد الاثنان في نيويورك لأسرتين ميسورتي الحال وارتادا جامعات الصفوة؛ حيث درس ترامب في جامعة بنسيلفانيا بينما التحق جونسون بجامعة أوكسفورد المرموقة عالمياً، رغم أنّ البريطاني تحصّل على منحة دراسية، فيما اعترف الأمريكي بأنّه طلب المعونة المالية من أسرته كي يستكمل دراسته.

اقرأ أيضاً: لماذا يحبّ الناس دونالد ترامب؟

كما أنّ الزعيمين سلكا مسارات غير معتادة في طريقهما نحو السلطة؛ حيث فعل ترامب ذلك بفضل إمبراطوريته العقارية الهائلة وخاصة برامجه التلفزيونية، بينما وصل جونسون لمراده بفضل مسيرته العملية كصحفي ونجم مدعو في برنامج استعراضي تلفزيوني شهير.

جونسون متحدّث مفوّه ويتّسم خطابه بالبلاغة على النقيض من ذلك تبدو خطابات ترامب كمزيج من أفكار غير مترابطة

بالمثل، يعُتبر 2016 عاماً فاصلاً بالنسبة للحياة السياسية للاثنين: حين فاز ترامب بالانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة التي أُجريت ذلك العام، وكذا حين دُعي البريطانيون للاستفتاء على البقاء في الاتحاد الأوروبي من عدمه، ولم يكن أحد يتصوّر وصول جونسون لرئاسة الحكومة البريطانية.

كتب الصحفي كايل سميث في مجلة (ناشونال ريفيو) ذات الميول المحافظة أنّ "صعود جونسون يشبه صعود ترامب، لذا لا يحب النخبة السياسية، وهو لا يروق بالمثل لأفراد هذه النخبة ولا يثقون به"، علاوة على ذلك يوجّه الاثنان دائماً سهام النقد اللاذع لوسائل الإعلام ويتّهمانها على طول الخط بالتضليل ونشر "أنباء كاذبة".

ترامب وجونسون لمع نجمهما بفضل طبيعة شخصيتيهما ذات الأبعاد المُركّبة شديدة التعقيد

بالمثل، يُتّهم الاثنان بالكذب وبثّ الهراء في خطاباتهما، وقد سبق أن تعرّض جونسون للفصل من جريدة كان يعمل بها بعد فبركته مقابلة صحفية، وعلى الجانب الآخر من الأطلسي يُنظر لترامب دوماً على أنّه يفتقر للصواب السياسي وخطاباته المثيرة للجدل وانحرافاته وتصريحاته العدائية المستفزة، فضلاً عن دأبهما على تغيير معاييرهما وآرائهما التي تتأرجح حتى بين نقيضين في ليلة وضحاها حسبما تقتضي الأمور.

اقرأ أيضاً: هذا رأي الأمريكيين بالرئيس ترامب.. استطلاع

فقبل أسابيع معدودة، لاحظت صحيفة (نيويورك تايمز) الأمريكية واسعة الانتشار أنّ البريطاني- مثله في ذلك الأمريكي- هو "رجل أبيض ممتلئ الجسم ذو شعر أشقر، لديه قاعدة من المريدين، وحياة شخصية غير واضحة المعالم، وعلاقة ضعيفة للغاية مع الحقيقة والمبادئ"، وقد ظهر ذلك بشكل جليّ حين قرّر جونسون وفي اللحظات الأخيرة اتخاذ الجانب المؤيّد للبريكست خلافاً لقناعات رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون رغم انتمائهما لنفس الحزب- (المحافظين)- نكاية في الأخير ومن أجل مصلحته الشخصية فقط بدافع الانتهازية.

نقاط التشابه تذهب لما هو أبعد من مجرّد الشعر الأصفر الفاقع فقصتا حياة جونسون وترامب متماثلة بدرجة كبيرة

ووفقًا لأنتوني زاركر، خبير الشؤون الأمريكية في هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، فإنّ كلّاً من ترامب وجونسون لمع نجمهما في سماء الساحة السياسية بفضل طبيعة شخصيتيهما ذات الأبعاد المُركّبة شديدة التعقيد؛ حيث يرى أنّ "الاثنين يُظهران إيماناً مطلقاً بقوة إرادتهما في سبيل تجاوز العقبات، وهو عنصر يعتقد الآخرون أنّه لا يمكن التغلّب عليه".

وعلى الرغم من أوجه التشابه العديدة في الحياة الشخصية وأسلوبهما الفريد، يظنّ الكثيرون أيضاً أنّ الرجلين يمثّلان مرحلة خاصة في التاريخ الحديث، مع وصول أزمة الزعامة بالنسبة للأحزاب التقليدية إلى قمة المنحنى، وبالتزامن مع صعود التيارات الشعبوية والقومية الأكثر تشدّداً، ويمكن ملاحظة ذلك في التاريخ الطويل من التصريحات المسيئة للأقلّيات والأشخاص المنحدرين من جماعات عرقية بعينها.

اقرأ أيضاً: ترامب يوظّف عنصريته للفوز في الانتخابات.. هذا ما قاله

فمنذ بداية حملته الانتخابية، وضع ترامب المكسيكيين في مواجهة هجماته العنيفة وانتقاداته الحادة، ولم تسلم النساء من الهجوم كذلك، ثم طلب مؤخّراً إلى أربع نائبات ديمقراطيات في الكونغرس، يعارضن سياسات إدارته، أن يعدن إلى بلادهن "التي تعجّ بالجريمة" رغم حملهن الجنسية الأمريكية إلّا أنّ أيّاً منهن تنحدر من العرق الأبيض.

أما جونسون، فيتلقّى الانتقادات بشكل مُعتاد بسبب تصريحاته التي تنمّ عن سخريته من المسلمين والأشخاص من أصحاب البشرة السمراء.

ويشترك الاثنان في أنّهما قدّما أنفسهما بوصفهما "منقذ من الفوضى" التي تعيشها بلادهما.

فقد أعلن ترامب عام 2016 حين فاز بالانتخابات التمهيدية ونال ترشيح الحزب الجمهوري لخوض الانتخابات الرئاسية "اقتحمت معترك الحياة السياسية حتى يتوقّف الأشخاص ذوي النفوذ عن ضرب هؤلاء الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم. لا أحد يعرف النظام مثلما أفعل أنا، لذا فإنّني الوحيد القادر على إصلاحه".

بينما تعهّد جونسون مؤخّراً بـ "إضفاء الحيوية" على بلاده التي شبّهها بـ "عملاق نائم"، مردفاً "سنستغلّ جميع الفرص التي يوفّرها وصول روح جديدة إلى السلطة. سنستعيد الثقة من جديد في أنفسنا وفيما بوسعنا تحقيقه".

اقرأ أيضاً: هل ترامب عنصري؟ 10 تغريدات تكشف الحقيقة

عمد السياسيان إلى إظهار نفسيهما على أنّهما الأنسب لتسوية بعض الملفّات الأكثر إثارة للجدل في بلديهما، فقد اعتبر ترامب نفسه "خبيراً لا يُشقّ له غبار في المفاوضات" سواء فيما يتعلّق بالخلاف مع كوريا الشمالية أو عملية السلام بالشرق الأوسط أو التوتّر التجاري، الذي انتهى في آخر المطاف بحرب تجارية. وعلى الرغم من عدم تحقيقه أي شيء يُذكر في المفاوضات، لكن الرئيس الأمريكي يصرّ على أنّ طريقته تسير في الاتجاه الصائب.

وُلد الاثنان بنيويورك لأسرتين ميسورتي الحال وارتادا جامعات الصفوة حيث درس ترامب بجامعة بنسيلفانيا بينما التحق جونسون بأوكسفورد

من جانبه، تعهّد جونسون بإنهاء الملفّ المضني الذي كلّف سلفيه منصبهما: مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي، حيث وعد بإنجاز المهمة قبل 31 تشرين الأول (أكتوبر) المقبل، وهو الوعد الذي يعتقد حتى المدافعون عن "بريكست حاد"- مثل القومي نايجل فاراج- باستحالة الوفاء به، رغم تمسّك رئيس الوزراء بهذا الأمر، معتبراً أنّ المسألة بالنسبة له هي "خروج أو موت" وتشديده على أنّه الوحيد الذي بوسعه إنجاز هذا العمل.

لكن هل يعني كل ذلك عدم وجود أي نقاط اختلاف؟ بالقطع لا فهناك مواضع تباين واضحة للغاية.

يذكّر الخبراء بأنّ الخبرات التي يتمتّع بها الرجلان متباينة إلى حد بعيد، لذا فإنّ مشروعاتهما قد تكون مختلفة بالتالي: فترامب بدأ مسيرته السياسية بحملته الرئاسية قبل أربعة أعوام، بينما يحمل جونسون في جعبته خبرة سياسية تمتدّ لقرابة عقدين، وسبق وأن شغل مناصب حكومية عدة.

اقرأ أيضاً: من جديد.. تغريدات عنصرية لترامب تثير جدلاً واسعاً

كما أنّ البريطاني متحدّث مفوّه ويتّسم خطابه بالتراص والبلاغة حين يفتح فاه. على النقيض من ذلك تماماً، تبدو خطابات ترامب- حين لا تكون مقروءة- كمزيج من أفكار غير مترابطة فيما بينها.

علاوة على ذلك، فإنّ النظام السياسي مختلف؛ ولا يحظى رئيس الوزراء البريطاني بصلاحيات كبيرة مقارنة برئيس الولايات المتحدة، ويجرى انتخاب كل منهما بطرق متباينة. فلم يفز ترامب في التصويت الشعبي، حيث وصل للبيت الأبيض بـ62 مليون و979 ألف و879 صوتاً، في المقابل انُتخب جونسون بفارق 159 ألف و320 صوتاً فحسب، وهو رقم ضئيل للغاية.

وجّه ترامب انتقادات حادة لسلفه باراك أوباما

لكن بعيداً عن أنظمة الحكم، فإنّ الأفكار السياسية لدى كل من ترامب وجونسون تتباين فيما بينها هي الأخرى، فإذا كان ترامب ينكر حقائق مثل الاحتباس الحراري وقرّر إخراج بلاده من اتفاقية باريس للتغير المناخي، فإنّ جونسون يؤكّد التزامه في هذا الصدد، ولا يتوانى عن التشديد على أنّ بلاده ستظلّ داخل الاتفاقية التي تهدف للحدّ من الانبعاثات الملوّثة.

اقرأ أيضاً: بالصور: ترامب وكيم..خصومة فغزل فلقاء عند الحد "المتأزم"

كذلك، وجّه الرئيس الأمريكي انتقادات حادة لسلفه باراك أوباما، وأعلن العام الماضي مغادرة بلاده للاتفاق النووي مع إيران، الأمر الذي رفع منذ ذلك الحين حدّة التوتّر في منطقة الخليج. ورغم دعوته لخفض أسعار العقاقير الطبية، إلّا أنّه عاد واستبعد تدخّل إدارته في النظام الصحي الذي يهيمن عليه التأمين الخاص باهظ الثمن.

من جانبه، بدا رئيس الوزراء البريطاني مؤيّداّ للإبقاء على الاتفاق النووي مع طهران، ويدافع بقوّة على النظام الصحي في بلاده.

أما فيما يخص سياسة الهجرة، ونظراً لوقوف عمدة لندن السابق شاهداً عياناً على الدور الذي لعبه العاملون الأجانب في تنمية العاصمة البريطانية، وصل الأمر بجونسون إلى درجة اقتراح منح العفو عن جميع هؤلاء الذين أقاموا في البلاد بصورة غير شرعية. رغم أنّ الخبراء يتّفقون على أنّه وترامب ربما يغيّران مواقفهما بين يوم وليلة، وأنّ سياسة المملكة المتحدة بدأت في السير سريعاً نحو نفس الاتجاه الذي تسلكه الولايات المتحدة: التخبّط.


المصادر:

مقال للكاتب بابلو جيمون: https://bit.ly/2MGUr9K

مقال نشرته النسخة الإسبانية من هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي): https://bbc.in/32MMhSZ

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية