كيف أصبح الطفل نواف أيقونة الحرب السورية؟

2258
عدد القراءات

2019-07-17

يستلهم الأدب عادة الواقع الذي نعيشه، ليبدأ في سرده وتوثيقه، كمحاولة لفهم ما الذي حدث، وأيضاً حتى تعرف الأجيال المقبلة ما حدث، من هذا الأدب ما يعرف بـ "أدب الحرب"، تلك الكتابات التي خرجت من رحم المعارك والحروب، تحكي عن الناس والحياة والأماكن في ظلّ تلك المواجهات، من تلك الروايات رواية "نواف – حكاية طفل سوري"، الصادرة مؤخراً في القاهرة، عن مركز القاهرة للدراسات الكردية، من تأليف الكاتب والصحفي اللبناني، فادي عاكوم.

تسرد الرواية رحلة عائلة ساقها حظها بالصدفة لمشاهدة ويلات الحرب السورية عبر أكثر من مكان

تسرد الرواية رحلة عائلة ساقها حظها بالصدفة لمشاهدة ويلات الحرب السورية، عبر أكثر من مكان، بدأت الرحلة برغبة الأب في التوجه من دمشق، مقرّ إقامته، إلى مدينة الرقة؛ ليزور عائلته، لكنّه في الطريق فوجئ بالعديد من الحواجز الأمنية التي تستوقفهم، وتسأل بصرامة شديدة عن وجهتهم، ما دفعهم لقضاء العديد من الساعات الطويلة في الطريق، بسبب تلك الحواجز، ليكتشف الأب أثناء الطريق أنّ مواجهات ومناوشات مسلحة تحدث الآن بين النظام الحاكم وتنظيم داعش، إلى جوار العديد من التنظيمات المسلحة الأخرى.
يستطيع الأب أن ينهي رحلته إلى الرقة، لكن بعد العديد من العقبات والمصاعب، التي انتهت بوفاة والدته، السيدة المريضة التي لم تتحمل أهوال الرحلة فماتت في الطريق، وعندما وصلت الأسرة إلى الرقة تحولت زيارتهم العائلية إلى مأتم، بدفن الأم والصلاة عليها.
رواية "نواف – حكاية طفل سوري"

نواف... بطل الرحلة
بطل الرحلة الرئيس الذي ركّز عليه الراوي؛ هو الطفل نواف، صاحب العشرة أعوام، ذلك الطفل الذي كبر عمره يوماً بعد يوم؛ من هول ما شاهده، فطفل في ذلك العمر، رأى وفاة جدته، وشاهد مواجهات مسلحة، بين العديد من التنظيمات المقاتلة، من المؤكد أنّه لن يظلّ طفلاً صغيراً، وزاد من تلك العقبات قرار الأب بالعودة إلى دمشق منفرداً؛ كي يحضر المال اللازم الذي سيساعدهم على الفرار من سوريا نهائياً، عاد الأب إلى دمشق في سرية تامة، ولم يخبر سوى الابن، نواف؛ لأنّه توسم فيه رجلاً كبيراً عركته الحياة بعدما شاهده في رحلته من دمشق إلى الرقة، وفور خروج الأب من الرقة أحكم تنظيم داعش سيطرته على المدينة، وأعلنها ولاية تابعة لتنظيم "الدولة الإسلامية" في العراق والشام.

اقرأ أيضاً: "أخوّة السلاح...مذكرات الثورة السورية": سردٌ عميق يثير الأوساط الأمريكية
الرواية تضمّ جانباً تسجيلياً وتوثيقياً لما اقترفه تنظيم داعش في الأماكن التي أحكم سيطرته عليها، وكيف أنّه طبق أحكام الشريعة فيما يخص الحدود على الفور بمجرد سيطرته على الرقة، وتحريمه العديد من ملذات الحياة؛ بدعوى أنّها من المحرمات التي تضعف القلوب، وتشير أيضاً إلى الأفكار شديدة التطرف التي تمتع بها تنظيم داعش، وكيف أنّ الدواعش لم يكونوا متهاونين أبداً في أيّ ردّ فعل على أيّ تجاوز من سكان المدينة، بعواقب قد تصل إلى حدّ الإعدام.
الكاتب والصحفي اللبناني فادي عاكوم

سوريا في ظل حكم التنظيم
بعد سفر والد نواف إلى دمشق من أجل إحضار المال، قرر العودة سريعاً إلى الرقة، لاصطحاب الأسرة في رحلة جديدة، لكنها خارج سوريا بالكامل هذه المرة، غير أنّه قبض عليه على مشارف الرقة، وللصدفة عثر رجال التنظيم على علبة سجائر وبعض الأموال في حوزته، فظنوه عميلاً للنظام الحاكم في سوريا، ليقرروا صلبه وسط المدينة ليشاهد الناس عقوبة من يتعاون مع النظام الحاكم.

بطل الرحلة الرئيس الذي ركّز عليه الراوي هو الطفل نوف الذي كبر عمره من هول ما شاهد

قتل والد نواف أمام عيني طفله، الذي لم يصبح صغيراً، وظلّ معلقاً لأيام ثلاثة على صليب خشبي كي يشاهده الناس، ثم أفرج التنظيم عن جثته كي تدفنها الأسرة، بشرط ألا يصلوا عليه؛ لأنّه كافر ملحد، من وجهة نظرهم.
استقبلت الأم الخبر بقلب حزين، وعقل قرر استكمال ما بدأه الأب، فالرجل الذي دفع حياته ثمناً لنجاة أسرته يجب أن يتحقق حلمه حتى بعد الوفاة، هنا تبدأ الأم رحلة جديدة للهرب من سوريا بصحبة طفليها، وفي تلك الرحلة يرصد المؤلف الأوضاع السورية في ظلّ الحرب، وكيف انتشر سماسرة تهريب الأشخاص من الداخل السوري إلى أوروبا، وكيف أنّ تنظيم داعش نفسه كان يغضّ الطرف عن عمليات التهريب تلك في مقابل الأموال التي يحصل عليها من المهربين.

 الحدود التركية السورية

على حدود تركيا
وصلت الأسرة إلى الحدود التركية، غير أنّ المهرب قد خدعهم عندما أخبرهم أنّ حرس الحدود التركي لن يتعرض لهم؛ بعد أن وجدوا أنفسهم تحت النيران التركية، التي حصدت أرواحهم، ومع بداية الضرب سقطت والدة نواف قتيلة، الدهشة التي عاشها نواف، ذو العاشرة، أفقدته توازنه، ثم ما لبثت سريعاً أن أضافت إلى عمره العديد من الأعوام، التي أهّلته لأن يكون رجلاً يحكم التصرف، فقام بمساعدة البعض بدفن أمه، ثم قرر أن يكمل الرحلة بمصاحبة أخيه، آخر من تبقى من العائلة، الرحلة التي بدأها الأب، وحاولت جاهدة أن تنهيها الأم، رحلة الوقوع تحت أسر مشهد الحرب السورية، التي حصدت أرواح الجميع دون أن تفرق، مشهد تنظيم الدولة الإسلامية الذي أحضر أفكاراً انتهت منذ مئات السنين، كي يطبقها اليوم في العصر الحديث.

أيقونة الحرب السورية
يقرر نواف أن يكمل الرحلة، بعد أن صار رجلاً، مصطحباً أخاه الصغير، غير أنّه ونتيجة انتقاله فقد أخاه الصغير أيضاً برصاص التنظيمات المقاتلة، وفي تلك اللحظة أصبحت الحياة غير مفهومة بالنسبة إلى الطفل نواف، فقد الجميع، والده، ووالدته، وأخاه، ومن قبلهم جميعاً جدته، ولم يتبقَّ سوى نواف، وحيداً في ذلك العالم الذي لا يرحم.

اقرأ أيضاً: الإسلاميون.. والثورة السورية
نواف نستطيع أن نعتبره أيقونة الحرب السورية التي صنعها الراوي بامتياز، سارداً في خلفية الرحلة مصاعب الحياة التي خلفتها الحرب، وكيف أنّ الجميع انقسم على نفسه لتمتلئ سوريا بالتنظيمات العديدة المتناحرة، وكيف أنّ شمل العائلة قد تمزق، كما تمزق الوطن، وكيف أنّ جميع الأحباء رحلوا، ليتركوا الطفل نواف وحيداً في ذلك العالم، ليقرر الطفل مواجهة ذلك العالم بقلب غير واهن، وعقل زادته المحنة أعواماً على أعوامه الحقيقية.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف أصبح "تشيرنوبل" أنجح مسلسل في التاريخ؟

2019-08-06

تبدو معالجة الكارثة بالكذب مسألةً معقدةً جداً قياساً بالزمن، خصوصاً إذا بقيت آثار تلك الكارثة تتوسع مثل بقعةِ دمٍ على ثوبٍ أبيض كبير معروض على الناس. وهذا بالضبط ما يحاول أن يشير إليه المسلسل الأشهر "تشيرنوبل" الذي أطلقته شبكة "HBO" التلفزيونية في أيار (مايو) الماضي.

أبرز ما يميز القصة يكمن في أن كل ما نحتاجه يومياً من أجل الحياة أو نحيا به يصبح مميتاً

وكانت حادثة التسرب النووي من مفاعل تشيرنوبل، حظيت بالكثير من التعتيم حين حصولها في السادس والعشرين من نيسان (إبريل) 1986 خلال حقبة الاتحاد السوفييتي، ولعلها كانت أول كارثةٍ كونية نووية من نوعها، مما جعلها تثير الكثير من التساؤلات، خصوصاً أنّ مسألة محاسبة طرفٍ واحد بشأنها، تبدو معقدةً على المدى الطويل، إذا عرفنا أنّ الكثير من الدول تمتلك مفاعلاتٍ نووية، وأنّ مثالاً سيئاً مثل تشيرنوبل، كان ليؤثر على فكرة امتلاكها تلك المفاعلات، فما الذي قدمه المسلسل أيضاً حتى يحظى بكل هذه الشهرة اليوم؟ بعد مرور 34 عاماً على الكارثة.

حادثة التسرب النووي من مفاعل تشيرنوبل حظيت بالكثير من التعتيم

القصة على الشاشة
حلقات المسلسل الخمس التي جاءت في مدةٍ لا تزيد عن خمس ساعاتٍ ونصف الساعة تحبس الأنفاس، بسبب التكثيف العالي الذي تتميز به القصة (السيناريو)، ولعل أبرز ما يميز  القصة يكمن في فكرةٍ مفادها أنّ كل ما نحتاجه يومياً من أجل الحياة، أو نحيا به، يصبح مميتاً. وذلك من خلال عكس المقولة الشهيرة "إنّ كل شيءٍ يتحول إلى سلاحٍ إذا نحن أتقنّا استخدامه"، لكن هذه المرة، كان الفشل في استخدام مصادر الطاقة النووية ووجود سلسلة أخطاء متراكمة سبباً في حصول كارثةٍ مرعبة سببها عدم الإتقان.

اقرأ أيضاً: مسلسل "دقيقة صمت" وقفة على روح الوطن

"إن كل شيءٍ ملوث"، تلك هي العبارة التي تحكم مجريات المسلسل منذ بدايته إلى نهايته، فكل مصدرٍ للحياة كالماء والأنهار والحليب والقمح والخضار والفواكه والأشجار باتت ملوثةً بالإشعاع النووي الذي تسرب من المفاعل رقم 4. وبالنسبة للعامة من أهل المنطقة المحيطة بتشيرنوبل، لم يكن الحدث عادياً، لكنه لم يكن مفهوماً كذلك. فما هو هذا القاتل المتخفي الذي يتسرب إلى كل شيء؟ إنه ليس وحشاً في الحقيقة يمكن مواجهته والتغلب عليه، بل إنه لا يُرى، وبالتالي فإنّ قدرته على القتل لا مثيل لها. ولعل هذه النقطة بالذات تم التركيز عليها في المسلسل، من خلال حديث أحد أبطال المسلسل وهو كبير المحققين "ليغاسوف" الذي يقول إنّ اليورانيوم بمثابة "رصاص" وإنّ كل ذرةٍ منه قاتلة، أما التسرب من المفاعل، فقد بلغ مليارات الذرات.

النيران كانت العدو الوحيد الظاهر فيما التسربب الإشعاعي كان قاتلاً لا يراه أحد

لكنّ هذه النقطة أيضاً، كانت المحور الرئيسي للنقاد في آرائهم حول المسلسل الذي تفوق على أشهر مسلسلات التاريخ مثل "breaking bad" و"game of thrones"، حيث رأى بعضهم أنّ هنالك مبالغة في "تحويل القصة الحقيقية، إلى نوعٍ آخر من الحقيقة، إلا أنّ ذلك غير مهم ما دام صانعو المسلسل اختاروا حقيقةً درامية". بحسب ما جاء في مقالة هنري فونتين بصحيفة "نيويورك تايمز" في 2 حزيران (يونيو) الماضي.

اقرأ أيضاً: "جن": مسلسل متواضع المستوى أثار زوبعة في فنجان
ويضيف فونتين، أنّ "مشاهد المصابين الملطخين بالدماء لم تكن صالحةً لحادثة تسربٍ نووي، إضافةً إلى أنّ الشخصيات الرئيسية ككبير المحققين وعالمة الفيزياء التي تبحث عن سبب الحادثة هي شخصيات مفتعلةٌ أو مبالغٌ في أدوارها"، هذا إضافةً إلى الدخان الذي كان يغلف مشاهد المسلسل في معظم حلقاته كأنه دليلٌ للمشاهد على (الدمار)، رغم أنّ التسرب الإشعاعي أساس القصة، لا يترك خلفه أي أثر.

اقرأ أيضاً: جدل في الشارع الأردني بعد عرض مسلسل "جن" عبر "نتفليكس"
وبالنسبة للنقاد أيضاً، قال المحرر الثقافي في صحيفة "السبيكتاتور" جيمس ديلنجويل، إنّ تشيرنوبل المسلسل من المؤكد أنه لا يشبه تشيرنوبل الكارثة. فالكارثة الأساسية ربما كانت "الكذب والتعتيم اللذينِ طورا الحادثة إلى كارثةٍ فعلاً، لكن فعلياً، كم عدد القتلى الحقيقيين؟ كم عدد المصابين؟ كم دولةً عرضت التعاون لإنهاء الحادثة؟" وفقاً لمقالته المنشورة في 8 حزيران (يونيو) الماضي. ويقدم الكاتب معلوماتٍ عديدة، من أبرزها أنّ الحادثة لم تتسبب بمقتل مئة شخصٍ حتى، ولم يزد عدد المصابين على ألفي مصاب. لكن المسلسل ناجحٌ جداً بأي حال، فقد داعبت الحادثة خيال عدة أجيالٍ ممن عاصروها أو ولدوا بعدها، لأنها بقيت غامضةً لسنوات. وها هم يرونها عبر الشاشة بطريقةٍ تجعلهم يعيشونها لأول مرة، كأنها الحقيقة الوحيدة التي يعرفونها عن تشيرنوبل.

أبطال المسلسل الأساسيون مبالغٌ في أدوارهم كما رأى بعض النقاد

القصة بين الواقع والخيال
يشير  ديلنجويل في مقالته ذاتها، إلى أنه "بالنسبة للآثار الجانبية التي استمرت على سكان المنطقة، من إصاباتٍ بالسرطانات (سرطان الغدة الدرقية حاصةً) والولادات لأجنةٍ مشوهة، وغيرها من أحداثٍ تالية، فإنها خاضعةٌ لنقاشٍ علميٍ كبير وتساؤلاتٍ عديدة".

داعبت تشيرنوبل خيال العديدين ممن عاصروها أو ولدوا بعدها لأنها بقيت غامضةً وها هم يرونها بطريقة تجعلهم يعيشونها لأول مرة

ومع ديلنجويل، يتفق العديد من النقاد في صحفٍ مختلفةٍ كالغارديان البريطانية مثلاً، بينما وعلى العكس، احتفلت "بي بي سي" بالمسلسل، ورأت أنه يمثل "حقيقة الأمر كما لم يعرفها أحد".
ورغم هذا النقد، يمكن العودة إلى الكاتبة البيلاروسية سفيتلانا ألكسيفيتش، الحائزة على جائزة نوبل 2015 للسبب ذاته ربما الذي جعل من تشيرنوبل أعظم مسلسلٍ في التاريخ خلال أقل من شهر. ففي أعمالها الروائية، خصوصاً (أصوات تشيرنوبل)، ركزت ألكسيفيتش على إيصال ما أسمته بـ "صوت من لا صوت لهم" وتحويل أولئك الذي كانوا مجرد حجارةٍ مرصوصةٍ في جدار التاريخ، إلى قصص مستقلة بحد ذاتها. فرسمت من خلال روايتها المستندة على شهاداتٍ حقيقية مسجلة لسكان المنطقة حول الحادثة، الآلام التي عاناها هؤلاء، وبصورةٍ محزنةٍ واقعية، ومرعبة أحياناً. حتى إنه "تم قطع أشجار الغابات ودفنها هناك، لأنها ملوثة بالإشعاع".

اقرأ أيضاً: "دفعة القاهرة": مسلسل ممتع لكنه مخيّب للآمال
المسلسل، الذي لا بد أنّ مؤلفه "كريغ مازن" تأثر بأليكسيفيتش، تعرض الرواية ذلك الخوف المرعب من الإشعاع، أو متلازمة "الراديوفوبيا" التي كانت تنتشر بين الناس لأول مرةٍ في التاريخ. فلا أحد يشرح للناس والضحايا ماذا يحدث، ولا أحد يقول كيف حدث ما حدث، ولا أحد يهتم بهم اهتماماً كافياً، لأنه لا أحد يعرف إن كان هنالك شيء سينقذهم. كل هذا الذي قالته ألكسيفيتش تمت استعادته نوعاً ما في المسلسل، لكن دون وجود ربطٍ علميٍ واضح حول التلوث الإشعاعي وماهيته وكيف يؤثر على جسد الإنسان.
ولم يوضح المسلسل المدة الزمنية والمسافة الجغرافية لهذا التأثير  الإشعاعي (التي تُعد أقل رعباً أحياناً). بل في الواقع، بالغ في أشياء كثيرة، واستخدم مآسي ضحايا تشيرنوبل كأداة للإشارة إلى المؤسسات المتعفنة في النظام السوفييتي القديم، بينما كان الضحايا هم كل القصة بالنسبة لألكسيفيتش. أما حادثة التسرب وما يشوبها من خفايا علمية وأخطاء تقنية وسياسية، فإنه غالباً لم يكن ممكناً تفادي آثارها لو حدثت في أي بلدٍ آخر.

اقرأ أيضاً: هل تجتمع الإنسانية مع العنف في الثقافة العامة؟.. مسلسل الهيبة نموذجاً
وبصورةٍ عامة، ووفقاً للنقاد عموماً، أبهر المسلسل مشاهديه، ومن المؤكد أنّ العديد منهم رأى فيه رسالةً سياسيةً ما، خصوصاً الروس الذين لم يعجبهم المسلسل واعتبروا أنه مملوءٌ بالتلفيقات. لكن التساؤل حول خطر المفاعلات النووية، سواء كانت سلميةً أم عسكرية، يظل هو الأقل حظاً في الاستمرار والتطور كتساؤلٍ عالميٍ مهم على هامش المسلسل. الذي نجح كدراما نجاحاً باهراً، وكل شيء قابل للنجاح، ما دام يدعي تصوير الحقيقة، وجعلها من دمٍ ولحم.

للمشاركة:

أماكن واقعية وشخصيات سحرية: تمرين المكان عند محمد خان

2019-08-05

تُطالعنا، بشاشة سوداء قاتمة، في بداية فيلم إبداعيّ بعنوان "خرج ولم يعد" 1984، للمخرج الراحل، محمد خان، (1942-2016) عبارة، ربّما تمثّل مدخلاً ملائماً للتعاطي مع سينما خان، تقول ببساطة: "ربّما كانت الشخصيّات من الخيال، لكن ثقْ أنّ الأماكن من الواقع". وفي الذكرى الثالثة لرحيل واحدٍ من أهمّ المخرجين على الإطلاق، والمتميّز في حقبةٍ مليئة بمبدعين كبار من أمثاله، يكون الأسى ههنا مضاعفاً بصورة لا تُحتمَل بسبب التدهور الذي تعيشه السينما الرسمية في مصر، والتي كان الراحل خان شاهداً على تقهقرها، لكنّه استطاع وسط هذا الغُثاء أن يصنع في كلّ فيلم صوتاً خاصّاً، وحكايةً لا تمثّل الواقع فحسب، بل تخلقه أيضاً.

اقرأ أيضاً: السينما الجزائرية ومرثيات اليأس السياسي

فبدايةً من عمله الأوّل "ضربة شمس" 1978، وحتى آخر عمل "قبل زحمة الصّيف" 2015، ونحن نجدُ أنّ كلّ فيلمٍ لخان ممزوج بحبكة خاصّة، من تدرّب على سينما خان يعرف تماماً أنّها اللمسة "الخانيّة" التي تضفي على الواقع صفة الشوتّات (Shots)، وكأنّها إضاءة على المكان الحقيقيّ جداً، بقدر إيلامه الشديد، بما يحمله من فوضى وديكتاتوريّة، وعمران مشوّه، ومكان مسلوب يعيشه أشخاص يفقدون ما هو ذاتيّ في سبيل تحصيل لقمة العيش.
"خرج ولم يعد" 1984

الواقعيّة الجديدة.. إعادة مساءلة
المشهور في الوسط السينمائي، وفي أوساط مَن يعتنون بالسينما والتحليل السينمائي، أنّ محمد خان ممّا أُطلق عليه "مدرسة الواقعيّة الجديدة" رفقة المخرجين المُجايلين له؛ عاطف الطيب وداوود عبد السيّد وخيري بشارة. ورغم أنّه لا مشكلة في الإطار العام لهؤلاء المخرجين، والذي يمكن نعته فعلاً بتلك النزعة، إلّا أنّ المشكلة بالتحديد تكمن، ومن ثمّ السؤال الذي أُريد التفكير فيه ههنا، في أنّ هذا التوصيف أحياناً ما يفقد معناه، ويلغي الفوارق التي تميّز كلّ مخرج مُبدع من هؤلاء المخرجين عن بعضهم البعض. وبالتالي، أيّ معنى لواقعيّة جديدة؟ وكيف يمكن أن نلقط الخيط اللامع الذي تميّز به خان داخل هذه المدرسة العريقة، والتي لا شكّ أنّها أخرجت أفلاماً غايةً في الإبداع، عالميّة رغم محليّتها، أو ربّما لعدم اعتراف "العالمي" بما هو محلّي.

كان خان شاهداً على تقهقر السينما في مصر لكنّه استطاع وسط هذا الغُثاء أن يصنع في كلّ فيلم صوتاً خاصّاً

لا شكّ أن محمد خان قد عملَ، في البداية، في وسطٍ مليء بمخرجين مهمّين، وسأركز على هؤلاء المخرجين الذين يُلصق بهم عندما يتمّ ذكره وذكر أعماله، كعاطف الطيّب وغيره. إلّا أنّ مقارنةً بينه وبين الطيّب مثلاً لتوضّح لنا تفاوتاً وتغايراً كبيريْن في مفهوم "الواقعيّة" وفي الشخصيات التي يرسمها كل مخرج.

في واحدٍ من أشهر وألمع أفلام عاطف الطيّب، ألا وهو فيلم "سوّاق الأتوبيس" 1982، سنجدُ الفارق الجليّ بين سينماتين مختلفتين. في "سواق الأتوبيس" تتجلّى ما أسمّيه بـ"الواقعيّة الفجّة" لعاطف الطيّب: الأشخاص حادّون، صارخون في وجه الحكومة والظلم والناس، شخصيّات طيّبة ونبيلة ووطنية تماماً، وأخرى شريرة ولا مجال للخير لديها، غرامٌ بين البطل حسن (الفنان نور الشريف) وميرفت أمين، يضيع من أجل حسابات الواقع الماديّة تماماً.

اقرأ أيضاً: "الممر" فيلم مغامرات تقليدي أم علامة بارزة في السينما المصرية؟

شخصيّات الطيّب فجّون جداً، لا مجال لديهم لبشرية ما، هم إمّا خيّرون أو سيئون عن بكرة أبيهم، وبالتالي أفلام الطيب مزعجة، فهي لا تعطي مساحةً للتفكير مثلاً في الشخصيات: إنّها تجبرك على الانحياز لشخصية دون أخرى، وللانخراط في الواقع كما هو دون رؤية التعقيدات التي تكمن "ما وراء الخير والشر" إذا استعرنا من نيتشه.

 "ضربة شمس" 1978

في مقابل "الواقعيّة الفجّة" هذه للطيّب، هناك واقعيّة محمد خان السحرية، التي ترسمُ شخصيات تشبهنا، شخصيات تخطئ وتصيب، غير منطويةٍ داخل أحلام كبرى، أو في سرديّة وطنويّة مزعجة. ففي "الحريّف" مثلاً، وهو من أجمل أفلام خان التي لم أرد الإطالة بشأنه ههنا لأنه يحتاج لمقال خاصّ به، سنصادف البطل فارس (عادل إمام) شخصاً عاديّاً تماماً، يمارس حياته بكلّ خفّتها ذاتيّاً وبكلّ ثقلها الواقعيّ جداً، والصادق، والأليم. فارس، الحرّيف، هو ذلك العامل العادي الذي يحترف مهنة في الصباح في مصنع أحذية، وفي المساء يحترف لعب الكرة، وهنا رمزيّة كبيرة من محمد خان لا بد من الالتفات إلى ذكائها؛ فالملعب هو الحياة، ورغم أنّ فارس حرّيف فعلاً ومشهور بالكسب الدائم، إلّا أنّه يشعرُ بالخيبة والخسارة الذاتيّة دوماً، وخاسر لعمله وحياته الأسريّة.

يحاول خان ابتكار عالم ذاتيّ لكل شخصيّة بالفيلم مع اهتمام كبير بفكرة المكان التي كان هو نفسه مولعاً بها

ورغم أنّ خان عملَ تحت ظروف واقع مماثل تماماً لمخرجين أمثاله كداوود عبد السيد أيضاً بالإضافة، كما ذكرت، لعاطف الطيب، إلّا أن عبد السيد مختلف عن الاثنين السابقين، قد نحا منحىً مركّباً تميّز به عن كلّ أقرانه في السينما المصريّة؛ تلك الوجوديّة والنزعات الذاتية والخوف من الوحدة ومساءلة السلطة الدائمة والتفكير في قدرات غير عادية للتمكن من العيش في عالمٍ، أو واقعٍ، غير عادي.

ما قصدته من تلك المقارنة هو تفكيك الغموض الذي يكتنفُ هذه التسمية التي تمّ إلحاق الراحل محمد خان بها، ليس دفاعاً عنه ولا كرهاً في المخرجين الآخرين. وإنّما الأمر أنّ لكلٍّ عالماً "عالم حياة"، إذا استعرنا من الفلسفة، خاصاً به، يقوم بصناعته واستلهامه في آنٍ واحد. عوالم خان السينمائيّة رغم أنها واقعة تحت ضغوطات فترة عصيبة مرت بها مصر من تحوّل جذريّ نحو النيوليبرالية وإضعاف المجال العُمّالي، والإفقار الملاصق لكل سيرورات اللبرلة الجديدة، مثله مثل مجايليه تماماً، إلّا أنّه يحاول دائماً ابتكار عالم ذاتيّ لكل شخصيّة في الفيلم، مع اهتمام كبير بفكرة "المكان" التي كان هو نفسه مولعاً بها. ولذا، فأفلام خان هي شخصيات سحريّة بأماكن واقعية، واقعية جداً.

"سوّاق الأتوبيس" 1982

عودة مواطن.. الشهادة على الخراب

لا أحد ممّن يشاهد سينما محمد خان، إلّا ويلمس دائماً عشقه للمدينة، ولتفاصيل المكان. هناك ولع لدى خان في إظهار بيئة العمل الذي يقوم به، ليرفعها إلى درجة من الفانتازيا الواقعية، وكأنّك للمرة الأولى تجترح مشاهدة هذا المكان، رغم أنك تعيش فيه. خان مولع بالمدينة ولما لها من سطوة في البعد النفسيّ. ومع كون خان يظهر لنا القاهرة التي نعرفها، لكننا لا نعرفها في الآن نفسه، إلا أنه متميز عن يوسف شاهين، الذي يخلق مدينة لا تمت لنا بصلة في أغلب أعماله، لا سيما الثلاثية.

خان وضع المصريين أمام ثلاثة خيارات ما تزال إلى الآن ويبدو أنّ ما يتحكم فيها هو الظرف الاقتصادي

رغم هذه الملاحظة العامة والاستباقية، إلا أنني أود التركيز على فيلم خان "عودة مواطن" 1986، والذي أراه من أنضج أعمال خان، هو "الحرّيف". ففي "عودة مواطن"، نحن نلمس البعد الاقتصادي للقاهرة التواقة إلى الكزومبوليتانيّة، وانخراطها في المشروع النيوليبرالي، وما لحق به من تبعات ما يزال الوضع المصري يرزح تحتها.

يعود يحيى الفخراني "شاكر" من دولةٍ خليجيّة "قطر"، بعدما كوّن مبلغاً جيداً من المال، على نية الاستقرار في مصر. ويكون الفيلم هو عبارة عن تغيرات المدينة، الاقتصاد والذوات أنفسهم؛ من خلال رؤية العائد من الخليج، الشخصية المألوفة التي ذهبت في الثمانينيّات لتكوين ثروة صغيرة تضمن لها البقاء في الطبقة الوسطى في مصر حينها.

اقرأ أيضاً: مصر: سينما الغيبوبة إذ تصادر أشواق الإنسان البسيط

ستكون أسرة العائد هي موطن تركيز خان، حيث سيجد أن الفضاء الذي ترك إخوته فيه نفسه قد تغيّر. لا أريد أن أسرد الفيلم. بيد أنني أودّ أن ألمح إلى أنّ خان من خلال الشخصيات التي رسمها، برأيي، رافقتنا إلى يومنا هذا، مع تعديلات زمانية بكل تأكيد.

"الحريّف"

حاول خان في "عودة مواطن" التغلل في البعد الاقتصاديّ وكشف الزيف الذي ميّز تجار العمارات الذين سرقوا، بالتضليل، أمواله على أساس أن يستلم شقة كانت مباعة لعشرة أشخاص غيره. أما أخوه مهدي "أحمد عبد العزيز" فهو فريد في تمثله لدور الشاب الذي يتعاطى أدوية اكتئاب احتجاجاً على الواقع، ويدخن بشراهة، ولا يهتمّ لشيء. حاول خان رسم صورة مهدي على هيئة الخريج الذي لا يجد عملاً "آثار الخصخصة والنيوليبراليّة"، والذي يرفض الزواج لأخته لا لشيء إلا لأن "فكرة الزواج خاطئة حتى ولو معك ملايين. الزمن دا لا يمكن حد يكون فيه مبسوط"، لأننا كمصريين سنصل إلى مئة مليون شخص. "أنت عارف يا شاكر لما نبقى 100 مليون دا معناه ايه؟ إن الناس تاكل بعضها. يرضيك شعب عريق زينا يبقى من أكلة لحوم البشر؟"، يسأل مهدي أخاه شاكر.

واقعيّة محمد خان السحرية ترسمُ شخصيات تشبهنا شخصيات تخطئ وتصيب غير منطوية داخل أحلام كبرى

أما الأخ الثاني إبراهيم "شريف منير" فمتفائل، يحب الحمام الزاجل، الذي سنعرف فيما بعد أنّه يساريّ مثله مثل خاله المسجون السياسيّ السابق، يجد أمانه ووظيفته الاجتماعية في التواصل مع تيار يساري عبر الحمام. ويلفت خان النظر أيضاً إلى البعد التحرري للمرأة في ضوء الشرط المعولم، بحيث ستعيش أخته الكبرى مع عشيقها، وستتزوج أخته الأخرى، وسيودع مهدي في مصحة نفسية يلعب الشطرنج ويرى بعقلانيّة أن المصحّة أكثر راحة من الواقع، وسيُزج بإبراهيم في غياهب أمن الدولة. وستتفكك الأسرة ذات الطبقة الوسطى، ليحتار هذا العائد، شاكر، في فهم الطبيعة الجديدة التي حلّت بالمكان.

إنّ خان وضعنا كمصريين أمام ثلاث خيارات ما تزال إلى الآن، ويبدو أنّها خيارات كلّ ما يتحكم فيها هو الظرف الاقتصادي.

-الشخص العاطل رغم حصوله على شهادة، أو المصحة النفسيّة كأفق من ضيق القاهرة العجوز.

-التمرّد الجذريّ كسبيل حتميّ للسجن.

-العودة إلى الخليج كمجال للعمل وللقبض بالدولار والانخراط في الطبقة الوسطى "الهادئة سياسياً".

ولذا، فالحقيقة أن "عودة مواطن" هو عمل عظيم في أنّه يعبّر عن خرابنا، وعن المدينة المتحولة، التي تأكل من نفسها ومنّا كل يوم شيئاً.

 "عودة مواطن" 1986

"خرج ولم يعد": الريف كفردوس

وفي عمل مميّز آخر لخان، ألا وهو فيلم "خرج ولم يعد" (١٩٨٤)، سنجدُ الثيمةَ نفسها في التركيز على المكان، وخرابه المستمرّ، والبطل الذي ينحدر به الحال يوماً فيوماً، مثله مثل سقف بيته المتهالك الذي وقعِ بالفعل وانهدّ البيت على مَن فيه. في "خرجَ ولم يعد"، يكون عطيّة (الفنان الكبير يحيى الفخرانيّ) موظفاً كلّ طموحه أن يكون مديراً عامّاً في يوم (حلم أبيه الذي مات دون أن يحققه، ووعده شاكر، كما حكى لليلى علوي في الفيلم، بأن يموت مطمئناً بأنّه سيكونه)، وكلّه أمل أن يحصّل شقة ليتزوج الفتاة التي خطبها لسنواتٍ دون جدوى، مما يضطره إلى السفر إلى الرّيف، حيث أصله، ليبيع قطعة الأرض التي كانت ميراثاً حتى يحصّل شقة.

اقرأ أيضاً: داوود عبد السيد: تحويل الأدب إلى السينما "افتراس"

"خرجَ ولم يعد" هو مشهديّة تامّة، وليس فيلماً، هو كاميرا متنقّلة توضّح المعاناة والبؤس غير العاديّ الذي يحياه إنسان مفرط جداً في عاديّته. فبعد وصوله إلى الريف، وحدوث حكايات كثيرة، يقع في حبّ خيريّة (ليلى علوي)، والريف، والعيش في بيت الأكّيل الكبير كمال بك (فريد شوقي) الذي ستكون رمزيّة الأكل الشّره في بيته لها ما لها مما حاول محمد خان بإبداع تصويره.

اقرأ أيضاً: هل يمكن أن تصنع السينما إرهابياً حقيقياً؟

الريف ببساطة، في هذا الفيلم، هو الجنّة التي يعود إليّها الإنسان، والمدينة هي الأرض، بكلّ ما عليها. "خرجَ ولم يعد" هو كفرانٌ بالأرض، أو ملل من الإقامة فيها، وضجرٌ من هذا الركام البشريّ والسكانيّ والعمران المتهالك. ويبدو أنّنا لا نعود للقرية أو الريف، بل هي شرط تصوّرنا لحياة أهدأ وأقلّ ظلماً وعنفواناً من المدينة الطائشة والظالمة والتي تتجلّى فيها الفروقات الطبقيّة بشكل مزرٍ.

اقرأ أيضاً: فلسطين عرفت دور السينما منذ مئة عام وأنتجت أفلاماً رغم المآسي

إلّا أنّ المهمّ في هذا الفيلم الجميل جداً هو اكتشاف ما أخذته المدينة منّا، لدرجة أنّ الأكل -حتى ولو بشراهة- هو أمر مستغرب بالنسبة إلى عطيّة القادم من المدينة؛ فالأكل في الريف سلوك دائم، وعاديّ، ويحصل بشكلٍ أليف وحميميّ. بينما المشهد كان مستغرباً بالنسبة إلى عامل مدينيّ قاهريّ لأنّ القاهرة هي كلّ ما ليس ذلك ببساطة. هي العزلة الضروريّة عن الطقوس الجماعيّة هذه مثلاً، وهي سعي لا يهدأ بين المكتب (الوظيفة) والمكان العامّ (الشارع الذي تغمره مياه المجاري) والبيت (الذي سينهدّ عمّا قريب لرثاثة بنائه)، وما بين ذلك كلّه حياة فرديّة مليئة بالبؤس والفقر واللاحميميّة.

اقرأ أيضاً: كيف خدمت السينما أعمال إحسان عبدالقدوس؟

إذا كان خان، الذي أخرجَ لنا كلّ هذه الأفلام العظيمة قد أنجز شيئاً يستحق، وهو فعل الكثير من الأشياء، لا شيء واحد، فهو أنّه درّبنا على رؤية المكان، وعلى الإنصات للشخصيات، والتصالح مع عاديّتنا تماماً، مع هؤلاء الذين يشبهوننا في المقهى والبيت والوظيفة.

للمشاركة:

ما الإشكاليّات التي تواجه اللغة العربية في ظل العولمة؟

عمر الرداد's picture
كاتب وخبير أمني أردني
2019-08-01

يتّسع الدرس اللغوي اليوم، ليتجاوز معيارية اللغة ونظريات الصرف والنحو (المعيارية) للغة العربية، وأصبح يشمل قضايا مرتبطة بما يعرف بالنقد الثقافي، ومن بينها بحث أثر العولمة والتكنولوجيا، وغيرهما من الظواهر المستجدة على اللغة العربية، في ظلّ مفاهيم علم اللغة الاجتماعي، التي تؤكّد أنّ اللغة هي تعبير وصورة حقيقية لماضي المجتمعات وموروثها، من عادات وتقاليد ومُثل وقيم وأديان، وارتباطها بمفاهيم الهوية والمقدس، وتمظهرها بوصفها عنوان أية أمة.

اقرأ أيضاً: إلى أي مدى طوعت جماعات الإسلام السياسي اللغة لصالح مشروعها؟

وتكتسب اللغة أهميتها في ميدان الاتصال؛ كونها الأداة الأساسية التي من خلالها يمكن توحيد المفاهيم، الأفكار، ونقل التكنولوجيا وتوطينها، لدرجة أصحبت معها مقولة: "من يستطيع تسويق لغته، بقوة وجدارة، يستطيع أن يسوّق منتجاته وبضائعه"، كما ينظر للغة من حيث قوتها وسيادتها، كونها أحد أبرز مظاهر الاستقلال والحرية.

تشير دراسات إلى أنّ ما بين 3 إلى 4 آلاف لغة ستختفي خلال القرن الواحد والعشرين بسبب العولمة

إنّ المفاهيم السابقة تعطي مؤشراً واضحاً على واقع اللغة العربية اليوم؛ إذ بفقدانها فقد العربي استقلاله، وهو ما أدركته قوى تعاقبت على استعمار العرب في العصور الحديثة، بدءاً من الجمعية الطورانية التركية في أوائل القرن الماضي؛ التي شكّل "تتريك" العرب واستبدال اللغة العربية بالتركية، جوهر أهداف هذه الجمعية التي قامت على أساس قومي، فيما يتم النظر اليوم لاستخدام القوة الناعمة في تحويل العرب عن لغتهم الأم إلى اللغة الإنجليزية، أحد أبرز مظاهر الغزو الثقافي الغربي، وخاصة الأمريكي، وهي مقاربة، حريّ بالدارسين التوقف عندها، في ظل حقيقة أن هناك الكثير من الولايات الأمريكية (الجنوبية) تتحدث الإسبانية، فيما تتحدث كندا الإنجليزية إلى جانب الفرنسية، ودون أن ينعكس ذلك سلباً على الانتماء الثقافي لسكان أمريكا وكندا، وهو ما يدعو للتساؤل عن حقيقة كون اللغة إحدى أدوات التصدي للخارج.
وفي ظلّ ما يوصف بـ (سطوة) العولمة وعمق تأثيرها؛ فإنّ دراسات موثقة تشير إلى أنّه ما بين ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف لغة ستختفي خلال القرن الواحد والعشرين، خاصّة في القارة الأوروبية.

اقرأ أيضاً: 3 طرق لتطوير مهارات الكتابة باللغة الإنجليزية.. عليك تعلمها
من هنا، فإنّ الدراسة تنطلق من التوقف عند المفاصل الأساسية، التي تشكّل معايير حقيقية يمكن الركون إليها، في استجلاء حقيقة تأثيرات العولمة على اللغة العربية، في ظلّ سيادة رؤية أحادية تزعم أنّ اللغة العربيّة في خطر، وأنّها تخوض حرباً ضروساً بمواجهة العولمة، التي تستهدف اقتلاعها من جذورها، وبالتالي التأثير على القرآن الكريم، وهو الكتاب المقدّس ليس عند العرب فقط، بل عند كلّ المسلمين.
من يستطيع تسويق لغته، بقوة وجدارة، يستطيع أن يسوّق منتجاته وبضائعه

اللغة العربية والعولمة
تهدف هذه الدراسة لاستجلاء آثار العولمة، السلبية والإيجابية، في اللغة العربية، ومدى انتشار لغة الضاد، وتقلّصها أمام اللغات التي تمثل القوى الفاعلة والرائدة في العولمة (الإنجليزية والفرنسية)، وما يوصف بأنّه حرب داخلية تُشنّ من قِبل بعض أبناء اللغة العربية على اللغة الفصحى، بالمطالبة بتقنين اللهجات المحلية في الأقطار العربية، بوصفها واقعاً معيشاً، وبديلاً عن اللغة الفصحى، والشبهات حول ارتباط بين الدعوات بالمستشرفين ودوائر غربية تستهدف الأمة العربية، وتاريخها، ولغتها.

اقرأ أيضاً: اللغة كترياق: هل يمكن تأسيس فلسفة دين استناداً إلى اللغة؟

تكمن أهمية الدراسة في استجلاء مدى إدراك الباحثين والدارسين في العالم العربي، للجوانب الإيجابية والسلبية للعولمة على اللغة العربية، والوصول إلى خلاصات علمية، تبيّن وفق منهجية الدراسة، حقيقة الأفكار والأحكام والمواقف تجاه هذه القضية، خاصة أنّ غالبيتها تتّخذ موقفاً سلبياً من العولمة، وتنظر لتأثيرات العولمة في اللغة العربية، بأحكام مسبقة، تعكس في جوهرها أبعاداً ثقافية ونفسية تجاه الآخر المستعمر، الذي يستهدف الأمة ولفظها وتاريخها وإرثها الحضاري.

التباكي على اللغة العربية مرتبط بمواقف مسبقة من الآخر، دون تقديم بدائل وحلول للتكيف لا المواجهة

تطرح الدراسات جملة من الأسئلة، بوصفها إشكاليات تواجهه اللغة، وتأمل أنّ الإجابات عليها ستشكل مفاتيح لدراسة الظاهرة، واكتشاف حقيقة هذا التأثير للعولمة على اللغة العربية:
1.  ما هو واقع اللغة العربية، مقارنة مع اللغات الأخرى؟
2.  هل هناك إيجابيات للعولمة، يمكن أن تنعكس إيجاباً على اللغة العربية، من ناحية زيادة انتشارها واستخدام التطبيقات الحاسوبية التي تشكل الأداة الرئيسية للعولمة؟
3.  هل هناك سلبيات للعولمة، تؤثّر في اللغة العربية؟ وهل هناك إمكانية للتعامل مع تلك السلبيات وتقليل آثارها ومخاطرها على اللغة؟

اقرأ أيضاً: علاء خالد: اللغة تتشكل في لحظة انهيارها

تنطلق الدراسة من فرضية أنّ العولمة، وبقوة مظاهرها وأدواتها، أثّرت سلباً في اللغة العربية، رغم أنّ هناك إيجابيات لتلك العولمة، لكن لم يُحسن العرب استخدامها، وذهبوا للتعامل مع العولمة وأداتها التكنولوجية، بما يخدم (الثوابت المقدسة)؛ بدلالة أنّ المحتوى العربي على الشبكة العنكبوتية، يغلب عليه طابع التطرف، وإنتاج (قواميس) جديدة تحفل بخطابات مليئة بالكراهية، ونبذ الآخر، وشيطنته، وأنّ التباكي على اللغة العربية مرتبط بمواقف مسبقة من الآخر، دون تقديم بدائل وحلول للتكيف، لا المواجهة.

اعتمدت الدراسة مقاربة المدخلات والمخرجات؛ أي دراسة ما أدخلته العولمة على اللغة العربية من تأثيرات إيجابية أو سلبية، وكيف تعاملت اللغة العربية، من خلال القائمين عليها والناطقين بها مع بعض المدخلات.

العولمة أثّرت سلباً في اللغة العربية

الفصل الأول: الإطار النظري:
- مفهوم الإشكالية.
- مفهوم العولمة.
- مفهوم اللغة.

الفصل الثاني: مظاهر تأثر اللغة العربية بالعولمة.

الفصل الأول
الإطار النظري
•  الإشكالية.
• العولمة.
•  اللغة.
أولاً: الإشكالية:
الإشكالية في اللغة مشتقة من الفعل (شَكَل)، وقد جاء في مقاييس اللغة لابن فارس: الشين والكاف واللام، معظم بابه المماثلة، تقول هذا شكل هذا؛ أي مثله، ومن ذلك أمر مشكل كما يقال أمر مشتبه؛ أي هذا شابه هذا، وهذا دخل في شكل هذا، ومن باب الشُّكلة: وهي حمرة يخالطها بياض، ويسمّى الدم "أشكل" للحمرة والبياض المختلطين منه.

من أبرز مظاهر تأثير العولمة في اللغة العربية طرح تساؤلات على نطاق واسع حول جدلية العلاقة بين الفصحى والعامية

وفي لسان العرب؛ الشكل بالفتح: الشّبه والمثل، والجمع أشكال وشكول، وخلاصة القول: في المعنى المعجمي لمادة (ش. ك. ل) معان عدة، مشتركها الالتباس والاختلاط.
أما الإشكال، فهو الالتباس، ويطلق على ما هو مشتبه، وفي الموسوعة الفرنسية؛ الإشكالية هي: سمة أو قضية قد تكون صحيحة.
والإشكالية في تبني القضية التي يمكن الإقرار بها بالإثبات أو النفي، أو أنّها تحمل النفي والإثبات معاً، وتستبطن غموضاً وتعدداً في الحلول، وهو ما يميزها عن المشكلة التي تحتمل إجابات مغلقة وحاسمة، قد تكون صحيحة أو خاطئة.
ووفق مفهوم "الإشكالية"، بوصفها القضية التي تحتمل إجابات مفتوحة، قد تحمل النفي والإثبات، ذهب الباحث إلى وصف ما تواجهه اللغة العربية في ضوء العولمة بالإشكالية استناداً لكونها قضية مفتوحة، وأن تأثيرات العولمة على اللغة العربية تؤكد أنّ هناك جوانب إيجابية، لم يتم استثمارها واستخدامها، وهناك سلبيات، يبدو أنّها الأكثر وضوحاً، وكلّ من السلبيات والإيجابيات يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمواقف ومقاربات وأفكار مُصدر هذا الحكم أو ذاك، تجاه العولمة والآخر، وهواجسه من العولمة ومخاوفه على اللغة العربية بوصفها لغة مقدسة.

سيطرة الشقّ الاقتصادي في العولمة، جعل غالبية تعريفاتها مرتبطة بهذا الشقّ

ثانياً: العولمة
تتعدّد تعريفات العولمة، وتخلط تلك التعريفات بين العولمة بوصفها مفهوماً، ومظاهرها وأدواتها، وتكاد تركز على الجوانب الاقتصادية، ومفهوم الشركات المعلومة، متعددة الجنسيات، بما يضفي مفهوماً قاصراً لها؛ إذ إنّها تغطي كافة مظاهر حياة المجتمعات: السياسية، والاقتصادية والاجتماعية، والثانية؛ فهي نظام عالمي جديد تقوم على العقل الإلكتروني، والثورة المعلوماتية والاتصالية، والإبداع التقني، دون النظر إلى الحضارات والثقافات والقيم السائدة في المجتمعات والحدود الجغرافية، "وهي كذلك" القوى التي لا يمكن السيطرة عليها من أسواق الدولة والشركات متعددة الجنسيات، التي لا سلطة لأية دولة قريبة عليها.
وذهب آخرون إلى أنّها: "عملية إخضاع العالم بأكمله لأنماط واحدة في السياسة والاقتصاد والثقافة".

اقرأ أيضاً: تعليم اللغة العربية في كندا ثغرة تتسلل منها جماعات الإسلام السياسي
إنّ سيطرة الشقّ الاقتصادي في العولمة، جعل غالبية تعريفاتها مرتبطة بهذا الشقّ، كون انتقال البضائع والسلع، وبمفاهيم السوق الحرّ، تشكّل أبرز عناوين العولمة وتمظهراتها، فيما يتحدث آخرون حول الشقّ السياسي للعولمة؛ كونها وصفة استعمارية جديدة تقضي على مفاهيم السيادة الوطنية للدول، من خلال ترسيخ مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان وحريات الأفراد والمجتمعات، وهو ما يعني، بحسب رأيهم، القضاء على السيادة الوطنية لصالح الولاء والانتماء لمؤسسات وأفكار عالمية فوق وطنية.

مقولة: اللغة العربية في طريقها للاندثار مثل كثير من اللغات غير دقيقة

ولكن في المقابل؛ هناك من يبشّر بفوائد العولمة، ومنهم الكاتب الأمريكي (فوكوياما)؛ الذي يرى أنّ العولمة ستقرر شعوب الأرض لتوافق تدريجي لكافة التناقضات بين الشعوب.
ويستند مؤيدو العولمة، ومعارضوها، إلى جملة من المظاهر التي تشكّل نتائج للعولمة؛ حيث يرى المؤيدون أنّها ستعمل على: تقريب الاتجاهات العالمية، وزيادة وإنعاش الاقتصاد العالمي، والإنتاج المحلي للدول، في إطار تنافسية حرة، وحلّ المشكلات الإنسانية؛ كأسلحة الدمار الشامل، والبيئة، والمناخ، وفي المقابل؛ يرى معارضوها أنّها تثبت هيمنة الاقتصاد الأمريكي، والتحكم في قرارات الدول لصالح أمريكا، وتدمر الهويات الوطنية ونسيجها الاجتماعي، وتجعل الدول النامية مكشوفة، من خلال تعزيز الصراعات الإثنية بين شعوبها، وتساعد في انتشار الفوضى والجريمة المنظمة والنزاعات المسلحة.
ومن الواضح أنّ وجهتَي النظر تستبطنان ما يؤيدها وما يرفضها؛ فعلى سبيل المثال: إنّ اقتصاديات الصين والهند والبرازيل المتصاعدة، والمتفوقة، أو المنافسة بقوة لاقتصاديات أمريكيا وأوروبا، تجعل مقاربة أنّ العولمة ما هي إلا سيطرة أمريكية على العالم موضع شكّ، فيما تحوّلت بعض الدول إلى طريق الديمقراطية، بدلاً من الحكم الدكتاتوري الشمولي، كما في ليبيا والعراق، رغم أنّ ديمقراطية هذه الدول ما تزال في مرحلة تحولات عميقة، وقد جهد مفكرون في التمييز بين العولمة والعالمية؛ حيث يقول محمد عابد الجابري: إنّ "العالمية تفتح العالم على الثقافات الأخرى والاحتفاظ بالاختلاف الثقافي والخلاف الأيديولوجي، أما العولمة؛ فهي نفي للآخر، وإحلال للافتراق الثقافي".

ثالثاً: اللغة
يختلف مفهوم اللغة باختلاف نظرة معرفيها وتصورهم لوظائفها؛ فهي عند ابن جنى: "أصوات يعبّر بها كلّ قوم عن أغراضهم"، وهذا التعريف يؤكد الطبيعة الصوتية للغة، ووظيفتها الاجتماعية في التعبير ونقل الفكر. أما تراجر، فتعرفها: بأنّها "نظام من الرموز المتعارف عليها، وهي رموز صوتية متعارف عليها، يتفاعل بواسطتها أفراد مجتمع ما في ضوء الأشكال الثقافية الكلية عندهم".
ويعرفها تشومسكي، صاحب نظرية النحو التوليدي، بقوله: "اللغة مجموعة من الجمل المحددة، أو غير المحددة، يمكن بناؤها من مجموعة محددة من العناصر".
وترتبط اللغة بالعديد من الوظائف، أبرزها: (النفعية، التنظيمية، التفاعلية، الاستكشافية، التخيلية، البيانية، والشعائرية).

اقرأ أيضاً: اللغة وكيفية الإفادة من الحُزم الرّمزية
وبموازاة ذلك؛ ترتبط اللغة ارتباطاً وثيقاً بالمفهوم التواصلي؛ حيث إنّها بنية تعتمد على عدد من المراحل، كما وصفها "جاكبسون"، هي: مرحلة تكوين الرسالة، وإطلاقها من خلال أصوات، وتلقّي تلك الأصوات في المرحلة الثانية من قبل المتلقي، ومن ثم القيام بعمليات تحليل الرموز التي تضمنتها تلك الأصوات بوصفها شيفرات، تحليلاً صرفياً ونحوياً ودلالياً.
من هنا، فإنّ أهمية التعاطي مع المفهوم التواصلي للغة العربية، كون اللغة تحمل رسالة، تحظى بأهمية أكبر في هذه المرحلة، خاصة أنّ اللغات العالمية تطورت بهذا الاتجاه، ما مكّنها من الوصول إلى أوسع القطاعات؛ بمن فيهم غير الناطقين بها أصلاً، مقابل جمود اللغة العربية وتوقفها عند المعنى المعجمي، الذي يمتدّ عمره لأكثر من ألف عام مضى؛ لذا فإنّ التساؤلات حول قدرة اللغة على حمل تلك الرسالة، في ضوء تغول لغات أخرى عليها، بما في ذلك السؤال فيما إذا كان القصور من اللغة ذاتها، أو من القائمين عليها، يبدو مقبولاً اليوم، رغم عدم القدرة على الوصول إلى إجابات شافية.

كافة اللغات الحيّة تواجه التحديات ذاتها، بمستويات متفاوتة

الفصل الثاني
مظاهر تأثّر اللغة العربية بالعولمة

لا تواجه اللغة العربية وحدها التفاعل والتحديات للتعامل مع العولمة؛ حيث إنّ كافة اللغات الحيّة تواجه التحديات ذاتها، بمستويات متفاوتة، تعكس مدى تفهم الناطقين بأيّة لغة، والعلاقة بين أية لغة والعولمة، يحدّدها مستقبل تلك اللغة وتطويرها، واحتمالات بقائها أو تراجعها أو اندثارها، والذي يعكس بالضرورة احتمالات بقاء أو تراجع أو اندثار الناطقين بها، وامتلاك القوة الذاتية والقدرات التقنية والعلمية، تشكّل أدوات مهمة في المواجهة المفترضة بين الأقوى والأضعف، من هنا؛ فإنّ تطوير اللغة العربية وجعلها لغة عصرية أصبح ضرورة مرتبطة بمستقبل الناطقين بها.

اقرأ أيضاً: اللغة الصينية في السعودية
وبعيداً عن الأحكام المسبقة؛ فإنّ للعولمة إيجابيات على اللغة العربية، في إطار العولمة الثقافية التي تهدف إلى الانتقال بالأفكار والثقافة من المحلية إلى العالمية، على أساس الحرية في انتقال الأفكار والقيم والاتجاهات والقيم، رغم أنّ هذه اللغة لم ترتقِ إلى أن تكون لغة عالميّة، لكنّ اللغة العربية استفادت من التقنيات التكنولوجية والوسائل السمعية والبصرية الاتصالية، وتحديداً في تعليم اللغة العربية، كما أسهم انتشار الفضائيات، بما فيها الأجنبية الناطقة باللغة العربية في نشرها، بما تبثّه من برامج ثقافية واجتماعية ومسلسلات مدبلجة، وأصبحت اللغة العربية مطلباً للشعوب والأمم الأخرى، خاصّة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001؛ إذ تزايد الإقبال على تعلّم اللغة والثقافة العربية، وازدادت أعداد المعاهد والأكاديميات التي تدرس اللغة العربية لغير الناطقين بها.

تشير توقعات مستشرقين إلى أنّ اللغات العالمية ستندثر باستثناء الإنجليزية والإسبانية والصينية والعربية

ومع ذلك؛ فإنّ تلك الإيجابيات ستبقى مرهونة بظروف محددة تضمن الابتعاد عن التطرف والتعصب، وتنمية الفكر بروح عصرية، يتم خلالها التحرر من الرواسب والأنساق المغلقة، وانفتاح المدارس والجامعات ودور العلم على الآخر، وهو ما يؤشّر إلى صعوبة المهمة؛ كونها مرتبطة بجهات عديدة، رسميّة وشعبية.
أما سلبيات العولمة على اللغة العربية؛ ففي ظلّ سطوة العولمة وجبروتها، بدأت تدخل الكثير من الألفاظ الإنجليزية إلى العربية، ويتم التعامل مها باعتبارها عربية (كنتاكي، ماكدونالدز، ببايز، فاستافود، سوبر ماركت، تلفون، إنترنت، إستراتيجية، أكاديمية، كمبيوتر، تاكسي، ماسج، موبايل، فورمات، ...إلخ)، وشيوع استخدام التقويم الميلادي، حتّى أنّ المركبات والوثائق والصحف والفضائيات جميعها تستخدم الإنجليزية والفرنسية، ويتعدى الأمر ذلك لاستخدام الشباب العربي لغة خاصة أثناء استخدام الإنترنت (عربيزي)، ورغم أنّ كثيرين يربطون استخدام الشباب العربي للغة جديدة بنوازع التمرد الاجتماعي عند هذه الفئة، غير أنّ أحداً لا يقرّ بالمقاربة التي تقول إنّ اللغة العربية، وفي ظلّ حالة "الجمود" وعدم القدرة على تطويرها، بما يجعلها مقبولة، وتزويدها بأسباب القوة لمجاراة العصر، فإنّ الشباب العربي ذهب للبديل الأسهل والذي توفره التكنولوجيا.
كما أنّ الكتابة باللغة العربية من خلال الإنترنت تواجه تحديات في ظلّ عقبات متعددة ومتنوعة، منها: تعدّد صيغ الحرف العربي والكتابة العربية وعلامات الترقيم، كما أنّ ارتباط الكلمات في اللغة العربية بالجذور الثلاثية يُصعّب إدخالها في برامج الكمبيوتر؛ حيث إنّ اللغات الأخرى تعتمد صيغة الفعل أو الاسم المجرور.

اقرأ أيضاً: اللغة الإنجليزية في خطر.. هذا هو السبب
ولعلّ أبرز مظاهر تأثير العولمة في اللغة العربية، تكمن في طرح تساؤلات على نطاق واسع حول جدلية العلاقة بين اللغة الفصحى والعامية ومفاهيم الازدواجية والثنائية في اللغة، وفيما إذا كانت الفصحى عاجزة عن إيصال الأفكار والمعاني للجمهور، وإذا ما كانت الفصحى معقدة وصعبة لدرجة ألّا يستطيع الجمهور فهمها؟ إضافة إلى تساؤلات أخرى مرتبطة بالعلاقة بين اللغة والهوية، وأنّه مع ما يوصف بضياع اللغة العربية؛ فإنّ الهوية الجامعة للأمة معرضة هي الأخرى للضياع.

إنّ فرضية أنّ اللغة العربية مستهدفة في إطار غزو ثقافي في حاجة إلى إعادة نظر

النتائج
إنّ فرضية أنّ اللغة العربية مستهدفة في إطار غزو ثقافي في حاجة إلى إعادة نظر، خاصة أنّها مرتبطة بالعولمة، كما أوضحنا، تلك العولمة التي يواجه مُطلقها المفترض، وهو أمريكا وأوروبا، ذات التحديات التي تواجهها الدول الأخرى؛ إذ يبدو أنّ مقولة: "العولمة (حصان) لم يعد صاحبه قادراً على أن يضبطه بعد فكّ لجامه"، تخطئ بشيء من الموضوعية.

اقرأ أيضاً: اللغة بين نمطين من التفكير.. هل "العربية" استثناء؟
ويبدو أنّ هناك مصداقية في فرضية البحث المتضمنة أنّ آثار العولمة السلبية في اللغة العربية أكبر من آثارها الإيجابية، لأسباب أبرزها: أنّ الناطقين بهذه اللغة، من عرب ومسلمين، هم في آخر سُلّم الأمم في المعرفة والقوة السياسية والاقتصادية والعسكرية.
أما الإيجابيات؛ فرغم استثمار الأداة التكنولوجية والإنترنت، إلا أنّ ذلك أسهم في شيوع اللهجات العامة، خاصة في البرامج الإعلامية، من مسلسلات وغيرها، غير أنّ الأخطر فيها هو شيوع العامية في برامج الأطفال.
ومع ذلك؛ فإنّ مقولة: "اللغة العربية في طريقها للاندثار، مثل كثير من اللغات"، هي مقولة غير دقيقة، خاصة أنّ تلك اللغة ما تزال هي اللغة الرسمية للدول والحكومات العربية، كما أنّها لغة الدين وخطباء وروّاد المساجد، هذا إضافة إلى توقعات تصدُر عن مستشرقين تشير إلى أنّ اللغات العالمية ستندثر باستثناء (الإنجليزية، الإسبانية، الصينية، والعربية).

اقرأ أيضاً: نحو منهاج يُخرج تعليم اللغة العربية من جمود التقليد
إنّ الاعتراف بحقيقة أنّ اللغة بمعياريتها ومعجميتها التي بنيت قبل ألف عام، غير قادرة على الاستجابة لتطورات العصر، تعدّ ضرورة قومية للبدء بالبحث عن حلول فاعلة وقابلة للتطبيق، للحفاظ على اللغة، وإعادة فحص المزاعم حول علاقة اللغة بالمقدس، وإنّ تحديث اللغة العربية لا يعني  استهداف القرآن الكريم، ولعلّ التساؤل المطروح: كيف يمكن فهم القرآن الكريم بالنسبة إلى متلقٍّ لم يعد يفهم هذه اللغة؟ كما أنّ إصرار مجامع اللغة العربية في الدول العربية على الالتزام باللغة العربية الفصحى، وعدم القدرة على توفير بدائل تستجيب لمنطق العصر، مدعاة لإعادة النظر بالقائمين على تلك المجامع، وإنتاج مناهج وطرق جديدة للخروج بحلول توافقية تضمن الاحتفاظ بالمعنى، والتوقف عن اتخاذ موقف معادٍ ورافض للهجات العامية.


المصادر والمراجع:
1.  أبو زعرور، محمد سعيد بن سهو، 1998، العولمة، ط 1، دار البارق، الأردن.
2.  جابري، محمد عابد، 1997، قضايا في الفكر المعاصر، ط 1، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.
3.  حديثي، مؤيد عبد الجبار، 2002، العولمة الإعلامية، ط 1، الأهلية للنشر، عمان – الأردن.
4.  حسين، عدنان السيد، 1998، نظرية العلاقات الدولية، منشورات الجامعة اللبنانية.
5.  الجناوي، مصطفى محمد، واقع لغة الإعلام المعاصر، دار أسامة للنشر، عمان – الأردن، 2011.
6.  خطيب، أحمد شفيق، المواصفات المصطلحية وتطبيقاتها على اللغة العربية، المنظمة العربية للثقافة والفنون، الجامعة العربية، تونس.
7.  عايد، حسن عبد الله، 2004، أثر العولمة في الثقافة العربية، ط 1، دار النهضة، بيروت.
8.  فريحة، أنيس، في اللغة العربية وبعض مشكلاتها، ط 1، دار النهار، بيروت.
9. مجاهد، أسامة أحمد، اللغة والهوية والتفاعل الثقافي، منشورات جامعة القاهرة.
10. ناهدة محمد محمود، اللغة العربية والتحديات، كتاب المؤتمر الدولي الثاني "اللغة العربية في قطر"، دبي، 2013.
11. مرتاض عبد الجليل، اللغة والتواصل، دار هومة للنشر والتوزيع، الجزائر.

للمشاركة:



الجزائريون يخرجون في الجمعة الـ 26 لحراكهم... هذه مطالبهم

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-17

خرج آلاف المتظاهرين الجزائريين، أمس، إلى شوارع العاصمة الجزائرية، والعديد من المدن الأخرى، في الأسبوع الـ 26 من الاحتجاجات التي تشهدها البلاد، منذ 22 شباط (فبراير) الماضي.

ومنعت الشرطة الجزائرية تقدّم المتظاهرين الذين خرجوا في مسيرة جديدة بوسط العاصمة الجزائرية، للجمعة الـ26، للمطالبة بتغيير كلّي للنظام ورحيل جميع رموزه.

وتجمّع المئات من المتظاهرين بشارعي ديدوش مراد وعبد الكريم الخطابي، وحاولوا التقدم باتجاه ساحتي موريس أودان والبريد المركزي (معقل الحراك الشعبي)، لكنّ قوات الشرطة وقفت حاجزاً أمامهم، بحسب ما ذكرت الوكالة الألمانية في تقرير من العاصمة الجزائرية.

المتظاهرون ردّدوا شعارات رافضة لرموز الظام والهيئة الوطنية للوساطة والحوار ومنسقها كريم يونس

وشكّل حاجز للشرطة، قبل بدء صلاة الجمعة، علماً بأنّ الحشود غالباً ما تتضاعف بعد انتهاء الصلاة من مساجد العاصمة، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الألمانية.

ورغم تمسّك الحراك الشعبي بمطالبه، تواصل هيئة الوساطة والحوار الوطني مساعيها لإقناع أكبر عدد ممكن من الشخصيات والهيئات بضرورة الجلوس إلى طاولة الحوار؛ لإخراج البلاد من الأزمة التي تعصف بها منذ 22 شباط (فبراير)الماضي.

وردّد المتظاهرون في العاصمة شعارات معارضة لـ "الهيئة الوطنية للوساطة والحوار"، ومنسقها كريم يونس.

وترفض شريحة واسعة من المحتجين تنظيم انتخابات رئاسية، طالما ما يزال كبار المسؤولين من عهد رئاسة بوتفليقة (1999-2019) (الرئيس المؤقَّ عبد القادر بن صالح، والفريق أحمد قايد صالح) في الحكم.

 

للمشاركة:

وحدات المجلس الانتقالي الجنوبي تنسحب... التحالف ينجح في إنهاء الاقتتال

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-17
أعلن تحالف دعم الشرعية في اليمن، صباح اليوم؛ أنّ وحدات المجلس الانتقالي الجنوبي وقوات الحزام الأمني، بدأت بالانسحاب والعودة إلى مواقعها السابقة في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، وذلك استجابة لدعوات التحالف.
وانسحبت قوات المجلس الانتقالي من مستشفى عدن والبنك المركزي ومقر الأمانة العامة لمجلس الوزراء، وتسلمت المواقع ألوية حماية الرئاسة، وفق ما نقلت "العربية".

تحالف دعم الشرعية يعلن أنّ وحدات المجلس الانتقالي الجنوبي بدأت بالانسحاب والعودة إلى مواقعها السابقة بعدن

وجاء إعلان التحالف، اليوم، "إلحاقاً للبيان الصادر من قيادة القوات المشتركة للتحالف، وما تضمنه من رفض التطورات في عدن، ودعوة كافة الأطراف والمكونات لتحكيم العقل وتغليب المصلحة الوطنية، والعمل مع الحكومة اليمنية الشرعية لتخطي المرحلة الحرجة".

وكان التحالف قد طالب بوقف فوري لإطلاق النار في العاصمة اليمنية المؤقتة، كما دعا كافة المكونات والتشكيلات العسكرية من الانتقالي وقوات الحزام الأمني إلى العودة الفورية لمواقعها، والانسحاب من المواقع التي استولت عليها خلال الفترة، وعدم المساس بالممتلكات العامة والخاصة".

وثمّنت قيادة القوات المشتركة للتحالف "استجابة الحكومة اليمنية الشرعية للدعوة لضبط النفس أثناء الأزمة، وتغليبها لمصالح الشعب اليمني، ومحافظتها على مكاسب تحالف دعم الشرعية في اليمن، من أجل إعادة الدولة ومؤسساتها".

كما ثمنت "استجابة الانتقالي في عدن لدعوة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة لوقف إطلاق النار، وتغليب الحكمة ومصالح الشعب اليمني، وعدم الإضرار بها، أو المساس بالممتلكات العامة والخاصة، والبدء اليوم بسحب قواتها وعناصرها القتالية والعودة إلى مواقعها السابقة، قبل الأحداث الأخيرة، وتسليم مقرات الحكومة اليمنية بإشراف من التحالف".

وفي هذا السياق، دعت قيادة القوات المشتركة إلى "استمرار التهدئة وضبط النفس ووقف الخطاب الإعلامي المتشنج، وتعزيز لغة الحوار والتصالح وتوحيد الجهود في هذه المرحلة، والوقوف سوياً لإنهاء الانقلاب الحوثي ومشروع النظام الإيراني الهدام باليمن، وعدم إعطاء الفرصة للمتربصين بالدولة اليمنية وشعب اليمن من التنظيمات الإرهابية، كالميليشيا الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران، وتنظيم القاعدة في جزيرة العرب، وداعش".

 

للمشاركة:

الولايات المتحدة تلاحق ناقلة النفط الإيرانية "غريس ١".. بهذه التهم

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-17

أصدرت الولايات المتحدة مذكرة ضبط بشأن ناقلة النفط الإيرانية "غريس 1"، بعد يوم واحد من السماح لها بمغادرة منطقة جبل طارق.

وتريد وزارة العدل الأمريكية مصادرة الناقلة، وكلّ النفط الذي تحمله، ونحو مليون دولار؛ بناءً على اتهامات بخرق عقوبات والاحتيال المصرفي وغسيل الأموال و"الإرهاب"، وفق ما نقلت الـ "بي بي سي".

وقالت وزارة العدل: "تجب مصادرة الناقلة، لمحاولة الوصول إلى النظام المالي الأمريكي بصورة غير مشروعة ودعم شحنات محظورة إلى سوريا".

العدل الأمريكية تريد مصادرة الناقلة بناء على اتهامات بخرق عقوبات والاحتيال وغسيل الأموال والإرهاب

وتمّ التحفظ على الناقلة "غريس 1" الشهر الماضي؛ للاشتباه في خرقها عقوبات الاتحاد الأوروبي على نقل النفط إلى سوريا.

وقضت المحكمة العليا في جبل طارق، أول من أمس، بأنه يمكن للناقلة أن تبحر إذا قدمت ضمانات بأنّها لن تسلّم حمولتها إلى سوريا.

وتنفي إيران أنّها قدمت أيّة تعهدات لضمان الإفراج عن الناقلة، مؤكدة أنّ وجهتها لم تكن سوريا.

وفي وقت سابق، قال مسؤولون إيرانيون: إنّ الناقلة تستعد للإبحار بعد إصدار جبل طارق الحكم بالإفراج عنها، بعد ستة أسابيع من احتجازها.

وقال جلال إسلامي، نائب رئيس هيئة الموانئ والملاحة الإيرانية، للتلفزيون الرسمي الإيراني، الجمعة: إنّ "غريس 1" ستحصل على اسم جديد وستحمل العلم الإيراني في رحلة عودتها.

وقال مصدر لوكالة "فرانس برس": إنّ "الناقلة تنتظر وصول طاقم جديد قبل أن تغادر جبل طارق".

 

للمشاركة:



القصيبي..النجم الذي هاجمته المنابر

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-15

تركي الدخيل

اليوم، منتصف شهر أغسطس، تحل الذكرى التاسعة لوفاة غازي القصيبي، رحمه الله. وأقول اسمه بلا مناصب علمية ولا إدارية، لأنه كان عَلماً يُدل به على الألقاب، والمسميات.
لم يغادر غازي القصيبي، عالمنا في 15 أغسطس 2010، حتى كتب كل ما يريدُهُ عن نفسِهِ وعن شعره، عن حياته الاجتماعية، وعن طفولته، ومراهقته، وصبوات الشباب، ونضجِ الكهول، وانكسارهم، وحكمة الشيوخ، وغربتهم.
وفي مؤلّفاته التي تربو على ستين كتاباً، خلفها بعد سبعين عاماً، وتوزعت بين ديوانٍ، ودراسةٍ، وحوارٍ، ورواية.
أرّخَ الراحل لسنوات الدراسة الأولى، ومنافسات زملائه في الثانوية، وكتبَ عن الجامعة وشجونها، طالباً مبتعثاً، ومدرّساً، وعميداً.
وكشف لنا عن سيرته الإدارية، وحياته الوزارية، ومهامه الدبلوماسية. وفي بانوراما من العجائب، أَخَذَنا معه على بساطِ علاء الدين، في رحلةٍ ممتعة، ورومانسية ساخرةٍ، وحزينةٍ، ليُشركَنا في حديثٍ صريحٍ عن بريق المناصب، وذُرى المجد، وسحرِ الأضواء، ورفقةِ الملوك والأمراء، وخفايا الرؤساء وأمزجتهم، ودهاليز السياسة، وأسرار الأبواب المغلقة.
ومن كوَّتِه السحرية، حلّق بنا معه في عوالمِ الجميلات، والأميراتِ، وبناتِ ملوك الجان، وأطلَّ كلمحةِ العابر على مجالس الفقهاء، وفِكرِ العلماء وخَتَمَ حياته المثيرة بمقاربةٍ مثيرة، لكشف أسباب تحوّل الإنسان العادي إلى متطرّف، يجعلُ العنفَ وسيلتَه والتطرف فلسفته.
كشف لنا غازي في ما ألفه، عن تحولاتِهِ الفكرية العميقة، وعذاباته النفسية، وآلامهِ الصادقة، وآمالِهِ الكبيرة، وأحلامِهِ الساحرة، وآرائِهِ الجريئة، والجارحةِ أيضاً، في حاضرِ العرب، وعواملِ هزائمهم، وأسباب تخلّفهم.
وفي روايته «العصفورية»، كان يناقش بعمقٍ، أسباب التأخّر العربي في شتى المجالات، منطلقاً من آلية كتابة مختلفة وحَذِرةٍ، لكنها جريئةٌ في الوقت ذاته. وأودعَ رواياتِهِ، كل ما لم يُمكنه أن يكشفَ في غيرها من صنوف الكتابة. كما أودعَها نقدَه اللاذعَ للمثقفين والسياسيين والشعراء، وأعمل سياطَه في العادات الاجتماعية، التي فتكت بمجتمعه وأمّته، وباح بما يصعبُ عليه الكتابة عنه جهاراً، مُتخذاً من شخوص رواياته متنفساً، ومن مواقف أبطاله، وعباراتهم وجنونهم، وصراحتهم، وغرائبيتهم، ومواقفهم الساخرة والمضحكة، وسيلة لإيصال ما يريده... وإن كان قد أفلت مراراً، من الأسئلة التي حاولتْ أن تنتزعَ منه إقراراً بأن أحداثَ بعض رواياته ليست إلا سيرة ذاتية عنه، وأن بعضَ قصائدِه، التي يتناقلها أصدقاؤه، منذ سنوات الجامعة، كانت تعكس واقعاً لا خيالاً.
خلال أربعة عقود، اصطحَبَنا القصيبي معه في رحلةٍ عن تحدّيات التنمية، وقصص النجاح ونشوته، وأعداء الإنجاز، وأصحاب المصالح، وعذاباته من رؤية المعاقين، والبؤساء والمعدمين والمرضى، وبكائه من معاناة العاطلين. لقد قال غازي رحمه الله، صراحة، في برنامج (إضاءات)، أنه عانى في تولّيه وزارة العمل، أقسى ما يمكن أن يُواجهه من معارضة وعداء. يقول: (أنا أعرفُ باعتباري تلميذاً من تلاميذ علم السياسة أن الناسَ، كل الناس، يدافعون عن مصالحهم بضراوةٍ وشراسة، لا أخصُّ رجالَ الأعمال، أو فئة بعينها، ولكني أتحدّثُ عن كل من تضرَّرَت مصالحُه، بمن فيهم المواطن العادي، الذي كان يعتاشُ من بيع أربع، أو خمس تأشيرات في السنة. كل أصحاب المصالح التي تضرَّرَت شنّوا على الوزارة وعلى شخصي الضعيف، وعلى زملائي، حرباً شعواءَ أبعد ما تكون عن الخفاء. وبمواجهة ذلك كلّه لا أقول إلا :«قل لن يصيبَنا إلا ما كتبَ اللهُ لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون». على المسؤول الذي يخشى تبعةَ قراراتِه أن يختفيَ في أقربِ كهفٍ!). ولا غرو فالقصيبي يعتقد أن «الذي لا يريدُ أعداءً، أفضل له أن يجلسَ في بيته، أو يبقى في وزارته يبصمُ على الأوراق. فالذي يريد الإصلاح لا بدَّ له من أن يُعِدَّ نفسَه لعداء كبير وهجوم، ويَحسُنُ به حتى لا يفقد عقله، ولا اتزانه ألا يرى أن الأمر شخصيٌّ».
حلّق بنا غازي، في عالم الحب وأعاجيبه، وأشركَنا معه في التعبير عن لحظات الفقد، ورحيل الأحباب، ومناغاة الأطفال وعالمِهم السحري، واستبدادهم وقسوتهم.
تسع سنوات مضت على رحيل، رجل وطن، ذهب إلى لقاء ربه، والجميع يدعو له بالخير، وهو ملء السمع والبصر، لكن ما لا يعرفه البعض ويتجاهله آخرون، أن غازي القصيبي، عانى بأقسى ما تكون المعاناة، من الإقصاء المجتمعي، والتصنيف الممنهج، والدعاء عليه فوق منابر المساجد، كل ذلك في فترة كان المجتمع فيها يغلي فوق قدر «الصحوة»، فرحمه الله على كل ضرر أصابه.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

تركيا قد تبدأ عملية ترحيل جماعي للسوريين بحجة المنطقة الآمنة

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-15

دايفيد ليبسكا

لو صحت تفسيرات المراقبين بخصوص اتفاق أمريكي-تركي لإنشاء منطقة آمنة في سوريا، فستؤدي على الأرجح إلى تأجيج مخاوف اللاجئين السوريين في الجار الشمالي خلال الأيام المقبلة من احتمال ترحيلهم.

وبدأ التوتر يصيب العلاقة بين اللاجئين السوريين ومضيفيهم الأتراك بفعل حادث وقع في إسطنبول في أواخر يونيو الماضي، حين هاجم بعض من أبناء المدينة لاجئين سوريين وحطموا محال مملوكة لسوريين ردا على شائعة لا أصل لها بأن لاجئا سوريا تعدى على فتاة تركية.

وبدا أن أكرم إمام أوغلو رئيس البلدية الجديد للمدينة قد وقف في صف المعتدين خلال تعليقاته التي أعقبت الحادث بأيام قليلة، وهو أمر دفع مكتب محافظ إسطنبول لتحديد يوم العشرين من أغسطس الجاري كموعد نهائي لعودة اللاجئين السوريين كل إلى المحافظة التركية التي سجل فيها لدى وصوله وإلا فستتم إعادتهم قسرا إلى تلك الأماكن.

وذكرت شبكة (سي.إن.إن) الإخبارية يوم الأربعاء أن "الإعلان قد بعث برسالة مخيفة للسوريين."

وأعقب الإعلان اعتقال نحو 12 ألف شخص فيما تفشى الخوف بين اللاجئين في إسطنبول بينما يقول ناشطون أن ما يصل إلى ستة آلاف شخص قد تم ترحيلهم.

وينفي المسؤولون الأتراك حدوث أي عمليات ترحيل.

ويوم الأربعاء، أكد إمام أوغلو التزامه بإنشاء مكتب للاجئين من أجل تحسين طريقة التعامل مع الأزمة. غير أن هذا ربما لا يكون أمرا ضروريا.

وتصادف يوم الأربعاء أيضا أن اتفقت الولايات المتحدة وتركيا على إنشاء مركز عمليات مشتركة للتنسيق فيما يتعلق بإنشاء منطقة آمنة على الجانب السوري من الحدود.

ولطالم سعت تركيا لإخلاء المنطقة التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب الكردية، وهي قوات تشكل العمود الفقري للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، وذلك من خلال مفاوضات للقيام بعملية إخلاء سلمي أو من خلال طرد المجموعة من المنطقة.

ووفقا للبيان الأميركي التركي المشترك، فإن الطرفين اتفقا على إجراءات تُطبق سريعا للتعامل مع المخاوف الأمنية التي عبر عنها الأتراك.

وترى تركيا في وحدات حماية الشعب الكردية مجموعة إرهابية بسبب صلاتها بحزب العمال الكردستاني المحظور، وهي جماعة مسلحة تقاتل من أجل الحصول على حكم ذاتي للأكراد في جنوب شرقي تركيا منذ ما يزيد على ثلاثة عقود.

وقال البيان أيضا إن المنطقة الآمنة ستكون بمثابة ممر آمن لضمان عودة الاجئين السوريين بسلام إلى وطنهم.

وقال ميتين جورجان، خبير الشؤون الأمنية التركي في تغريدة عن اتفاق المنطقة الآمنة "يبدو أن الولايات المتحدة قد قبلت الاقتراح التركي بنقل اللاجئين السوريين (وأغلبيتهم من السنة) إلى شمال شرق سوريا ليتسنى لتركيا إغلاق الحدود على عناصر وحدات حماية الشعب الكردية."

وأضاف "خلال الأيام المقبلة، ربما نشهد نقل آلاف اللاجئين من تركيا إلى شمال شرق سوريا تحت رقابة من الولايات المتحدة وتركيا."

وبالتأكيد، لو كان أكبر هواجس تركيا هي وحدات حماية الشعب الكردية واتفقت الولايات المتحدة وتركيا على التعامل بهدوء مع مصدر القلق هذا، فإنهما قد يبدآن قريبا العمل سويا لإعادة اللاجئين إلى سوريا من أجل إجبار عناصر وحدات حماية الشعب الكردية على الخروج من المنطقة الحدودية.

وقد تتولى أنقرة خلال الأسابيع المقبلة الإشراف على عملية ترحيل قسري جماعي تحت رقابة أميركية، وهو أمر يعني تغيير الطبيعة السكانية لمساحات كبيرة من سوريا، وينتظر أن يحدث تحولا في المدن والبلدات الكردية الكبرى حين تحل عليها غالبية من السنة المعادين قسرا من تركيا.

ولا شك أن غالبية اللاجئين السوريين في تركيا يحلمون بالعودة للوطن يوما ما. لكن المرء يتعجب كيف ليمكن أن ينتهي المطاف بكثيرين من الحالمين بهم المطاف إلى مواجهة تعامل عنيف والاحتجاز في منطقة آمنة تحت رقابة الجنود الأتراك، حيث يرجح أن يعيش كثيرون في معسكرات دون أن يكون لديهم حق في العمل أو العيش بطريقة طبيعية.

لكن ورغم كل ما يحيط بالأمر من مشاكل، فإن هذه السياسة سترضي غالبية المواطنين الأتراك.

وتشير استطلاعات رأي متتالية إلى مشاعر متنامية تجاه 3.6 مليون لاجئ سوري يعيشون في تركيا حيث تجتاح عبارات معادية للسوريين موقع تويتر، تحركها على الأرجح المشاكل الجمة التي تحيط بالاقتصاد التركي.

وقبل أيام، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي طالما تحمس للاجئين ودافع عنهم، إن الإنفاق الحكومي على اللاجئين السوريين اقترب من 40 مليار دولار.

وقال الرئيس التركي متحدثا لمحطة (سي.إن.إن) "الأتراك يعانون من ارتفاع تكاليف المعيشة ونسب البطالة العالية، وأصبح السوريون كبش فداء سهل لمشاكلهم الاقتصادية."

ومن شأن المنطقة الآمنة أن تتيح للاجئين السوريين في تركيا مكانا بعيدا عن سيطرة الحكومة، مثلما أوردت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

وقالت الصحيفة يوم الأربعاء "يواجه أردوغان ضغوطا متنامية في الداخل، في ظل تراجع اقتصادي وعلو صوت الأحزاب السياسية المعارضة، إذ عليه أن يظهر أن بعض اللاجئين السوريين في تركيا البالغ عددهم ثلاثة ملايين ونصف المليون شخص سيعودون لبلادهم."

وتقول المنظمة الدولية للاجئين إن عددا يصل إلى 900 ألف سوري يعيشون في إسطنبول.

ويملك معظم هؤلاء تصاريح تتيح لهم البقاء في المدينة، لكن تصاريحهم تلك قد لا تنقذهم الآن من الترحيل.

والآن يلزم آلاف اللاجئين السوريين في المدينة منازلهم بعيدا عن قبضة الشرطة، أو يعمدون إلى تغيير مسار تحركاتهم.

وقال معماري سوري يبلغ من العمر 26 عاما ويعيش في إسطنبول متحدثا لمحطة إذاعية إنه توقف عن استخدام وسائل المواصلات العامة في رحلة ذهابه إلى العمل، ويسير بدلا من ذلك لمدة 90 دقيقة عبر شوارع خلفية أكثر أمنا.

وقال رئيسه طلب منه عدم الحضور إلى العمل.

لكنه يقول إن الخوف يتملكه رغم ذلك في كل مرة يخرج فيها من باب شقته.

وقال "إنه أمر مروع. لا يزال هذا في مخيلتي."

وقال معاذ يوسف وهو سوري يعمل في مجال تكنولوجيا المعلومات إنه تلقي مئات من الاتصالات من لاجئين يشعرون بالذعر ويفكرون في تغيير سكنهم ويبحثون عن تأمين صحي ويتساءلون إن كانوا سيتمكنون من البقاء وكسب قوت يومهم بشكل طبيعي.

وأضاف يوسف متحدثا لقناة (بي.آر.آي) "تصلني كل يوم أكثر من 100 قصة. أحاول التواصل مع الحكومة التركية والبحث عن حل."

ولدى الحكومة التركية حل على ما يبدو لهذه القضية، لكنه حل لن ينجح على الأرجح في الحد من مخاوف اللاجئين السوريين.

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:

وجهان لعملة واحدة.. ما أوجه الشبه والاختلاف بين ترامب وجونسون؟

2019-08-15

ترجمة: علي نوار


يسعى الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، ورئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، لتعزيز علاقة التحالف التاريخي بين دولتيهما، رغم أنّ لكلّ منهما دوافعه الخاصة والتي يصعب التوفيق بينها.

ترامب وجونسون سياسيان وافدان من أوساط تتمتّع بالامتيازات كما وصل كلاهما إلى السلطة بعد ركوبهما موجة الشعبوية

وفي كل مرة يحدث فيها تغيير داخل البيت الأبيض أو 10 داونينج ستريت، تسود حالة من الترقّب تجاه مدى التناغم على المستوى الشخصي أو حتى انعدامه بين الشخصين المكلّفين بالحفاظ على ما كان يُنظر إليه باعتباره أمتن تحالف في العالم الغربي منذ الحرب العالمية الثانية، وهو "العلاقة الخاصة" بين الولايات المتحدة وبريطانيا. وبالعودة إلى الوراء في كتاب التاريخ، يتبيّن أنّ الأمر سار على ما يرام حين كانت هناك أيديولوجيا تربط بين زعيمي البلدين- مثل الفكر الليبرالي في حالة رئيس الولايات المتحدة السابق رونالد ريجان ورئيسة وزراء بريطانيا السابقة مارجريت تاتشر- أو البحث عن مسار ثالث في حالة الشابين الأمريكي بيل كلينتون والبريطاني توني بلير- أو قضية مشتركة قوية مثل إلحاق الهزيمة بالنازية التي جمعت بين فرانكلين روزفلت ووينستون تشرشل، رغم أنّهما سليلا عائلتين سياسيتين متناحرتين.

اقرأ أيضاً: جونسون والحلف الشعبوي المحافظ

وخلال زيارتها للبيت الأبيض في كانون الثاني (يناير) 2017، كشفت الصور القليلة التي التُقطت بكل وضوح، غياب التفاهم بين ترامب ورئيسة الوزراء البريطانية السابقة تيريزا ماي، رغم أنّ الزيارة عنت بالطبع أنّ العلاقات لم تُمسّ. إلّا أنّ استقالة ماي بعد هذه الزيارة بعامين ونصف العام تقريباً ووصول بوريس جونسون إلى داونينج ستريت أسهم في زيادة التوقّعات بتعضيد العلاقات الثنائية الخاصة بدرجة أعمق.

رئيسة الوزراء البريطانية السابقة تيريزا ماي

لا يمكن بتاتاً التغافل عن التوافق بين ترامب وجونسون. فهما سياسيان غير تقليديين، وافدان من أوساط تتمتّع بالامتيازات، كما وصل كلاهما إلى السلطة بعد ركوبهما موجة الشعبوية. ربما يكون صحيحاً أنّ جونسون صرّح حين كان لا يزال عمدة العاصمة لندن بأنّ السبب الوحيد الذي يحول دون زيارة مناطق معينة من نيويورك هو "الخطر الحقيقي" المتمثّل في لقاء دونالد ترامب. لكن المديح الذي كاله الرجل فيما بعد لرجل الأعمال النيويوركي يبدو أنّه نجح في رأب الصدع الذي شاب العلاقة بينهما. ويهدف الطرفان اليوم لتعزيز العلاقات الثنائية القوية. بيد أنّ المشكلة تكمن في اختلاف دوافع كلّ منهما والتي يتعذّر تحقيق التوافق بينها.

اقرأ أيضاً: جونسون على خطى ترامب

ويتطلّع جونسون لاتفاق تجاري كبير يعلّق عليه آمالاً عريضة في تخفيف العواقب الوخيمة المتوقّعة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست). في المقابل، يبحث ترامب عن حليف له في الجبهات العديدة التي فتحها على الساحة السياسية العالمية. ومن الواضح أنّ أياً من الرجلين سيعثران بسهولة على ضالتهما في الشريك الآخر القابع على الجانب المقابل من المحيط الأطلسي.

نجح الزعيمان بتحويل الطابع المحافظ الذي اتّسم به حزباهما لنوع من القومية الجديدة

ولا تتبنّى بريطانيا سياسات الولايات المتحدة تجاه إيران، ولا مواقفها إزاء ملفات مثل التغيّر المناخي ومستقبل حلف شمال الأطلسي (ناتو). وبالقطع ليس السياسة الأمريكية العدائية في التعامل مع التهديد الاستراتيجي الذي تمثّله الصين، الدولة التي تنوي لندن الاتجاه إليها بعد البريكست. ولعلّ أبرز ما ميّز مسيرة جونسون السياسية هو الانسيابية التي يغيّر بها مواقفه. رغم أنّ النظام البرلماني البريطاني لديه ما يقوله بشأن هذه السياسات لمجلس العموم حيث لا يحظى جونسون بأغلبية مريحة من الأعضاء المؤيدين له.

علاوة على ذلك، لا يضمن التوافق الشخصي إبرام اتفاق تجاري بشكل سريع ومُرضٍ، رغم أنّه وبعد مرور 48 ساعة فحسب على تولّي جونسون لمنصب رئيس وزراء بريطانيا، تحدّث الزعيمان عن "فرصة سانحة" تلوح في الأُفق لتقوية الروابط الاقتصادية. كل ذلك رغم أنّ ترامب أظهر بعد مرور ثلاثة أعوام من تواجده داخل البيت الأبيض أنّ العلاقات الشخصية تعتمد كلّية على تنفيذ نظرائه لما يريده هو. لكن لا يمكن لأحد التشكيك حيال قُرب دخول ترامب وجونسون في فترة وردية، بدأت مؤشراتها خلال قمة الدول السبع الكبار (جي7)، خاصة مع وجود هدف مشترك لديهما هو العبث مع بروكسل. بيد أنّ لا أحد يستطيع الجزم في الوقت ذاته بأنّه فور تقارب الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء البريطاني، أن يتخلّى ترامب على الفور عن شعاره (أمريكا أولاً).

لا يضمن التوافق الشخصي إبرام اتفاق تجاري بشكل سريع ومُرضٍ

والواقع أنّ لندن لا تتوفّر على هامش كبير للمناورة في المفاوضات. فبريطانيا تمتثل منذ عقود طوال للمعايير الأوروبية، ولن يكون من السهل بالنسبة لجونسون تخفيف وقع هذه العملية الطويلة كي يفتح الباب أمام الشركات الأمريكية العاملة في مجالات مثل الزراعة والعقاقير الطبية، لدخول السوق البريطانية بدون الدعم البرلماني المتواضع. وكلّما تباعدت المسافة عن المعايير الأوروبية، كان من السهل إحراز تقدّم في اتفاق تجاري، لكن هذا الأمر سيستلزم في التوقيت عينه تشديد الرقابة على الحدود الأيرلندية. وفي المقابل يرفض الكونغرس الأمريكي، مثلما حذّرت رئيسته نانسي بيلوسي، أي اتفاق من شأنه إقامة حدود مع بين شطري أيرلندا وينتج عنه تقويض السلام في الجزيرة.

صرّح ترامب مؤخراً بأنّ جونسون رجل صالح إنّه صلب وذكي يلقّبونه بـ "ترامب بريطانيا" ويقولون إنّ هذا شيء جيّد

وتوجد على المحك واردات وصادرات متبادلة قفزت قيمتها الإجمالية عام 2018 إلى 262 ملياراً و300 مليون دولار، وفقاً للبيانات الرسمية الأمريكية. وتعدّ الولايات المتحدة الشريك التجاري الأبرز للمملكة المتحدة (رغم أنّ حجم التبادل الثنائي لا يمثّل 30% من التبادل التجاري مع الاتحاد الأوروبي في عام 2017). أما بالنسبة للولايات المتحدة فإنّ بريطانيا تحتلّ المركز السابع في ترتيب الشركاء التجاريين لها.

لقد نجح الزعيمان في تحويل الطابع المحافظ التقليدي الذي لطالما اتّسم به حزباهما إلى نوع من القومية الجديدة، قاطعين الوعود لناخبيهما بالعودة إلى حقب ماضية. "جعل أمريكا عظيمة من جديد" في حالة ترامب و"استعادة السيطرة" في حالة جونسون. وفي طريقهما نحو أضغاث الأحلام هذه، يطرح رئيس الولايات المتحدة ورئيس وزراء بريطانيا رؤية غريبة للعلاقات الثنائية تتبلور في التخلّص من النظام متعدّد الأطراف القائم على الصعيد الدولي منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، والذي أسهم التحالف التاريخي بين واشنطن ولندن في التأسيس لقيامه.

رئيسة الكونغرس الأمريكي  نانسي بيلوسي

لكن ما هي أوجه الشبه بين الرجلين؟

أثناء زيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة، مرّ رئيس الوزراء البريطاني بتجربة فريدة من نوعها بالنسبة له شكا منها فيما بعد، فقد أحاط به المصوّرون والمارّة الفضوليون الذين كانوا يطلبون إليه التقاط الصور معه ومنحهم توقيعه.

ليس الأمر أنّه لا يحبّذ أن يكون مشهوراً في شوارع نيويورك، واحدة من أكثر مدن العالم تنوّعاً من الناحية الثقافية، ولا لأنّ شهرته كعمدة لندن قد عبرت المحيط الأطلسي، لكن الحقيقة كانت أنّ الناس خلطت بينه وبين أحد أغرب الشخصيات وإثارتها للجدل في المدينة؛ رجل الأعمال ونجم التلفزيون دونالد ترامب.

اقرأ أيضاً: بريطانيا: جونسون يتسلّم رئاسة الحكومة.. أهم ما ينتظره فيها

ويروي جونسون "كنت في نيويورك وحاول بعض المصوّرين التقاط الصور لي، بل أنّ فتاة عبرت الطريق تجاهي ثم توقّفت وقالت "يا إلهي! هل هذا ترامب؟" كانت واحدة من أسوأ اللحظات على مدار رحلتي".

كايل سميث: يوجّه الاثنان دائماً سهام النقد اللاذع لوسائل الإعلام ويتّهمانها على طول الخط بالتضليل ونشر أنباء كاذبة

بعدها بفترة وجيزة، عاد جونسون للتعبير عن "قلقه العميق" من فكرة وصول رجل الأعمال الأمريكي إلى سدة الحكم. لذا يُعتبر رئيس الوزراء البريطاني الحالي هو أول شخصية عالمية تصنّف ترامب بأنّه "لا يصلح" لشغل هذا المنصب، لكن الوقت مرّ وبات الاثنان على رأس قوتين عالميتين، ويبدو أنّ أيام الريبة قد باتت من الماضي. وقد صرّح رئيس وزراء بريطانيا أنّه يودّ العمل مع ترامب، وأنّه يرى ثمة مستقبل "رائع" للعلاقات بين البلدين.

لكن الإطراء لم يكن يسير في اتجاه واحد، فمن البيت الأبيض صدرت الإشادة أيضاً حين صرّح الرئيس الأمريكي مؤخراً، أثناء مؤتمر انعقد في العاصمة واشنطن، بأنّ "بوريس جونسون رجل صالح. إنّه صلب وذكي. يلقّبونه بـ "ترامب بريطانيا"، ويقولون إنّ هذا شيء جيّد"، والحقيقة أنّ ترامب لم يكن الأول ولا الوحيد الذي أجرى هذه المقارنة.

 صرّح جونسون أنّه يودّ العمل مع ترامب وأنّه يرى أنّ هناك مستقبلاً رائعاً للعلاقات بين البلدين

فمنذ وصول بوريس جونسون إلى مقر رئاسة الوزراء البريطانية الكائن في العقار رقم 10 بشارع داونينج ستريت في لندن، انطلقت وسائل الإعلام على جانبي الأطلسي تعقد المقارنات وتسلّط الضوء على أوجه الشبه الكبير بين جونسون وقرينه المقيم بجادة بنسيلفانيا في المبنى رقم 1600.

ويرى الكثيرون أنّ نقاط التشابه تذهب لما هو أبعد من مجرّد الشعر الأصفر الفاقع، فرغم أنّ هناك فارق 20 عاماً في العمر بينهما، إلّا أنّ قصتي حياة جونسون وترامب متماثلة بدرجة كبيرة، فقد وُلد الاثنان في نيويورك لأسرتين ميسورتي الحال وارتادا جامعات الصفوة؛ حيث درس ترامب في جامعة بنسيلفانيا بينما التحق جونسون بجامعة أوكسفورد المرموقة عالمياً، رغم أنّ البريطاني تحصّل على منحة دراسية، فيما اعترف الأمريكي بأنّه طلب المعونة المالية من أسرته كي يستكمل دراسته.

اقرأ أيضاً: لماذا يحبّ الناس دونالد ترامب؟

كما أنّ الزعيمين سلكا مسارات غير معتادة في طريقهما نحو السلطة؛ حيث فعل ترامب ذلك بفضل إمبراطوريته العقارية الهائلة وخاصة برامجه التلفزيونية، بينما وصل جونسون لمراده بفضل مسيرته العملية كصحفي ونجم مدعو في برنامج استعراضي تلفزيوني شهير.

جونسون متحدّث مفوّه ويتّسم خطابه بالبلاغة على النقيض من ذلك تبدو خطابات ترامب كمزيج من أفكار غير مترابطة

بالمثل، يعُتبر 2016 عاماً فاصلاً بالنسبة للحياة السياسية للاثنين: حين فاز ترامب بالانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة التي أُجريت ذلك العام، وكذا حين دُعي البريطانيون للاستفتاء على البقاء في الاتحاد الأوروبي من عدمه، ولم يكن أحد يتصوّر وصول جونسون لرئاسة الحكومة البريطانية.

كتب الصحفي كايل سميث في مجلة (ناشونال ريفيو) ذات الميول المحافظة أنّ "صعود جونسون يشبه صعود ترامب، لذا لا يحب النخبة السياسية، وهو لا يروق بالمثل لأفراد هذه النخبة ولا يثقون به"، علاوة على ذلك يوجّه الاثنان دائماً سهام النقد اللاذع لوسائل الإعلام ويتّهمانها على طول الخط بالتضليل ونشر "أنباء كاذبة".

ترامب وجونسون لمع نجمهما بفضل طبيعة شخصيتيهما ذات الأبعاد المُركّبة شديدة التعقيد

بالمثل، يُتّهم الاثنان بالكذب وبثّ الهراء في خطاباتهما، وقد سبق أن تعرّض جونسون للفصل من جريدة كان يعمل بها بعد فبركته مقابلة صحفية، وعلى الجانب الآخر من الأطلسي يُنظر لترامب دوماً على أنّه يفتقر للصواب السياسي وخطاباته المثيرة للجدل وانحرافاته وتصريحاته العدائية المستفزة، فضلاً عن دأبهما على تغيير معاييرهما وآرائهما التي تتأرجح حتى بين نقيضين في ليلة وضحاها حسبما تقتضي الأمور.

اقرأ أيضاً: هذا رأي الأمريكيين بالرئيس ترامب.. استطلاع

فقبل أسابيع معدودة، لاحظت صحيفة (نيويورك تايمز) الأمريكية واسعة الانتشار أنّ البريطاني- مثله في ذلك الأمريكي- هو "رجل أبيض ممتلئ الجسم ذو شعر أشقر، لديه قاعدة من المريدين، وحياة شخصية غير واضحة المعالم، وعلاقة ضعيفة للغاية مع الحقيقة والمبادئ"، وقد ظهر ذلك بشكل جليّ حين قرّر جونسون وفي اللحظات الأخيرة اتخاذ الجانب المؤيّد للبريكست خلافاً لقناعات رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون رغم انتمائهما لنفس الحزب- (المحافظين)- نكاية في الأخير ومن أجل مصلحته الشخصية فقط بدافع الانتهازية.

نقاط التشابه تذهب لما هو أبعد من مجرّد الشعر الأصفر الفاقع فقصتا حياة جونسون وترامب متماثلة بدرجة كبيرة

ووفقًا لأنتوني زاركر، خبير الشؤون الأمريكية في هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، فإنّ كلّاً من ترامب وجونسون لمع نجمهما في سماء الساحة السياسية بفضل طبيعة شخصيتيهما ذات الأبعاد المُركّبة شديدة التعقيد؛ حيث يرى أنّ "الاثنين يُظهران إيماناً مطلقاً بقوة إرادتهما في سبيل تجاوز العقبات، وهو عنصر يعتقد الآخرون أنّه لا يمكن التغلّب عليه".

وعلى الرغم من أوجه التشابه العديدة في الحياة الشخصية وأسلوبهما الفريد، يظنّ الكثيرون أيضاً أنّ الرجلين يمثّلان مرحلة خاصة في التاريخ الحديث، مع وصول أزمة الزعامة بالنسبة للأحزاب التقليدية إلى قمة المنحنى، وبالتزامن مع صعود التيارات الشعبوية والقومية الأكثر تشدّداً، ويمكن ملاحظة ذلك في التاريخ الطويل من التصريحات المسيئة للأقلّيات والأشخاص المنحدرين من جماعات عرقية بعينها.

اقرأ أيضاً: ترامب يوظّف عنصريته للفوز في الانتخابات.. هذا ما قاله

فمنذ بداية حملته الانتخابية، وضع ترامب المكسيكيين في مواجهة هجماته العنيفة وانتقاداته الحادة، ولم تسلم النساء من الهجوم كذلك، ثم طلب مؤخّراً إلى أربع نائبات ديمقراطيات في الكونغرس، يعارضن سياسات إدارته، أن يعدن إلى بلادهن "التي تعجّ بالجريمة" رغم حملهن الجنسية الأمريكية إلّا أنّ أيّاً منهن تنحدر من العرق الأبيض.

أما جونسون، فيتلقّى الانتقادات بشكل مُعتاد بسبب تصريحاته التي تنمّ عن سخريته من المسلمين والأشخاص من أصحاب البشرة السمراء.

ويشترك الاثنان في أنّهما قدّما أنفسهما بوصفهما "منقذ من الفوضى" التي تعيشها بلادهما.

فقد أعلن ترامب عام 2016 حين فاز بالانتخابات التمهيدية ونال ترشيح الحزب الجمهوري لخوض الانتخابات الرئاسية "اقتحمت معترك الحياة السياسية حتى يتوقّف الأشخاص ذوي النفوذ عن ضرب هؤلاء الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم. لا أحد يعرف النظام مثلما أفعل أنا، لذا فإنّني الوحيد القادر على إصلاحه".

بينما تعهّد جونسون مؤخّراً بـ "إضفاء الحيوية" على بلاده التي شبّهها بـ "عملاق نائم"، مردفاً "سنستغلّ جميع الفرص التي يوفّرها وصول روح جديدة إلى السلطة. سنستعيد الثقة من جديد في أنفسنا وفيما بوسعنا تحقيقه".

اقرأ أيضاً: هل ترامب عنصري؟ 10 تغريدات تكشف الحقيقة

عمد السياسيان إلى إظهار نفسيهما على أنّهما الأنسب لتسوية بعض الملفّات الأكثر إثارة للجدل في بلديهما، فقد اعتبر ترامب نفسه "خبيراً لا يُشقّ له غبار في المفاوضات" سواء فيما يتعلّق بالخلاف مع كوريا الشمالية أو عملية السلام بالشرق الأوسط أو التوتّر التجاري، الذي انتهى في آخر المطاف بحرب تجارية. وعلى الرغم من عدم تحقيقه أي شيء يُذكر في المفاوضات، لكن الرئيس الأمريكي يصرّ على أنّ طريقته تسير في الاتجاه الصائب.

وُلد الاثنان بنيويورك لأسرتين ميسورتي الحال وارتادا جامعات الصفوة حيث درس ترامب بجامعة بنسيلفانيا بينما التحق جونسون بأوكسفورد

من جانبه، تعهّد جونسون بإنهاء الملفّ المضني الذي كلّف سلفيه منصبهما: مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي، حيث وعد بإنجاز المهمة قبل 31 تشرين الأول (أكتوبر) المقبل، وهو الوعد الذي يعتقد حتى المدافعون عن "بريكست حاد"- مثل القومي نايجل فاراج- باستحالة الوفاء به، رغم تمسّك رئيس الوزراء بهذا الأمر، معتبراً أنّ المسألة بالنسبة له هي "خروج أو موت" وتشديده على أنّه الوحيد الذي بوسعه إنجاز هذا العمل.

لكن هل يعني كل ذلك عدم وجود أي نقاط اختلاف؟ بالقطع لا فهناك مواضع تباين واضحة للغاية.

يذكّر الخبراء بأنّ الخبرات التي يتمتّع بها الرجلان متباينة إلى حد بعيد، لذا فإنّ مشروعاتهما قد تكون مختلفة بالتالي: فترامب بدأ مسيرته السياسية بحملته الرئاسية قبل أربعة أعوام، بينما يحمل جونسون في جعبته خبرة سياسية تمتدّ لقرابة عقدين، وسبق وأن شغل مناصب حكومية عدة.

اقرأ أيضاً: من جديد.. تغريدات عنصرية لترامب تثير جدلاً واسعاً

كما أنّ البريطاني متحدّث مفوّه ويتّسم خطابه بالتراص والبلاغة حين يفتح فاه. على النقيض من ذلك تماماً، تبدو خطابات ترامب- حين لا تكون مقروءة- كمزيج من أفكار غير مترابطة فيما بينها.

علاوة على ذلك، فإنّ النظام السياسي مختلف؛ ولا يحظى رئيس الوزراء البريطاني بصلاحيات كبيرة مقارنة برئيس الولايات المتحدة، ويجرى انتخاب كل منهما بطرق متباينة. فلم يفز ترامب في التصويت الشعبي، حيث وصل للبيت الأبيض بـ62 مليون و979 ألف و879 صوتاً، في المقابل انُتخب جونسون بفارق 159 ألف و320 صوتاً فحسب، وهو رقم ضئيل للغاية.

وجّه ترامب انتقادات حادة لسلفه باراك أوباما

لكن بعيداً عن أنظمة الحكم، فإنّ الأفكار السياسية لدى كل من ترامب وجونسون تتباين فيما بينها هي الأخرى، فإذا كان ترامب ينكر حقائق مثل الاحتباس الحراري وقرّر إخراج بلاده من اتفاقية باريس للتغير المناخي، فإنّ جونسون يؤكّد التزامه في هذا الصدد، ولا يتوانى عن التشديد على أنّ بلاده ستظلّ داخل الاتفاقية التي تهدف للحدّ من الانبعاثات الملوّثة.

اقرأ أيضاً: بالصور: ترامب وكيم..خصومة فغزل فلقاء عند الحد "المتأزم"

كذلك، وجّه الرئيس الأمريكي انتقادات حادة لسلفه باراك أوباما، وأعلن العام الماضي مغادرة بلاده للاتفاق النووي مع إيران، الأمر الذي رفع منذ ذلك الحين حدّة التوتّر في منطقة الخليج. ورغم دعوته لخفض أسعار العقاقير الطبية، إلّا أنّه عاد واستبعد تدخّل إدارته في النظام الصحي الذي يهيمن عليه التأمين الخاص باهظ الثمن.

من جانبه، بدا رئيس الوزراء البريطاني مؤيّداّ للإبقاء على الاتفاق النووي مع طهران، ويدافع بقوّة على النظام الصحي في بلاده.

أما فيما يخص سياسة الهجرة، ونظراً لوقوف عمدة لندن السابق شاهداً عياناً على الدور الذي لعبه العاملون الأجانب في تنمية العاصمة البريطانية، وصل الأمر بجونسون إلى درجة اقتراح منح العفو عن جميع هؤلاء الذين أقاموا في البلاد بصورة غير شرعية. رغم أنّ الخبراء يتّفقون على أنّه وترامب ربما يغيّران مواقفهما بين يوم وليلة، وأنّ سياسة المملكة المتحدة بدأت في السير سريعاً نحو نفس الاتجاه الذي تسلكه الولايات المتحدة: التخبّط.


المصادر:

مقال للكاتب بابلو جيمون: https://bit.ly/2MGUr9K

مقال نشرته النسخة الإسبانية من هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي): https://bbc.in/32MMhSZ

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية