هل حظيت آراء الشيخ عبدالله العلايلي التجديدية بالاهتمام الكافي؟

هل حظيت آراء الشيخ عبدالله العلايلي التجديدية بالاهتمام الكافي؟
3286
عدد القراءات

2019-07-17

في أواخر العام 2016، مرت مئويته فيما كان العالم العربي والإسلامي يدخل نفق الاشتباك المظلم مع تأويل النصوص الدينية، وصعود المذهبيات والإثنيات والقتل على الهوية والدين والاتجاه والرأي واللباس، ومشاهدة كرة القدم.

اقرأ أيضاً: رشيد رضا والإصلاح الديني ... انقلاب على الانقلاب
لهذا راحت بيروت تتذكر شيخها وحكيمها، وهي التي اكتوت بنيران تلك الحروب المتعددة، فنظرت إلى الشيخ عبدالله العلايلي بوصفه حاجة ملحة في هذه القنطرة المرعبة التي تحتاج إلى مفكرين كبار وشجعان كالعلايلي الذي كان يوصف بأنّه "مدافع قوي عن حقوق الإنسان، وثوري متفان، ومساند مخلص للقضية الفلسطينية، ومعارض شرس للحكومات الاستبدادية الديكتاتورية في الوطن العربي"، فضلاً عن آرائه في شؤون الدين والفقه.

رأى الشيخ عبدالله العلايلي أنّ الحدود مثل قطع يد السارق ورجم الزاني وسواها ليست مقصودة لذاتها بل لغاياتها

وُلد العلايلي في 20 تشرين الثاني 1914 في أسرة قديمة العهد ببيروت، ترقى إلى القرن الحادي عشر الهجري، وشغلت في الأوساط التجارية، على ما سلك أهل السنّة دوماً. في العام 1924 توجه إلى الجامع الأزهر في بلاد الكنانة برفقة شقيقه، وظّل يتابع الدراسة في هذا الجامع حتى العام 1935.
وما أخذه العلايلي عن الجلَّة من الشيوخ، أمثال الدسوقي العربي، محمد نجيب المطيعي، يوسف الدجوي، سيّد علي المرصفي، السملوطي، أحمد عيسى الشرقاوي، محمد العربي، عفيف عثمان، وعلي محفوظ، إلى كثرة غيرهم، لم يحمِه في يوم، من صنميّي النص. كما لم تشفع له قدرته الاستثنائية على تطويع اللغة في النأي بنفسه عن غائلة من يتشبثون بالنقل لا بمراكمة الجهود في مواكبة العصر، على ما تذكر صحيفة "النهار".
وُلد العلايلي في 20 تشرين الثاني 1914

"مقدمة لدرس لغة العرب"
عاد عبد الله العلايلي إلى بيروت عام 1936، وتسلم مهمة التدريس في "الجامع العمري الكبير" واستمر لمدة ثلاث سنوات كان يحضّر في أثنائها كتابه "مقدمة لدرس لغة العرب" ولم تكن هناك في لبنان دور للنشر فاضطر إلى العودة للقاهرة كي يخرج الكتاب. وكان يقول عن اللغة: "إنها تتحرك بقانون الغاية لا السببية"، لذلك يقرر أنّ "اللغة هي مجموعة الأفكار والتقاليد والعواطف... تنمو أو تموت، تتحرك أو تأسن، بحسب حاجة الناس إليها، أو بمدى ارتباطها بنشاط الإنسان".

اقرأ أيضاً: كيف نظر الإصلاحيون إلى "الإسلام الصحيح"؟
بعد هذا الكتاب، أطل الشيخ على الناس بكتابين طبعتهما الجالية السورية اللبنانية على نفقتها؛ الأول بعنوان "سوريا الضحية" هاجم فيه معاهدة 1937 مع الفرنسيين. والرسالة الثانية بعنوان "فلسطين الدامية". ثم أتبع الكتابين بثالث "إني أتهم" الذي هاجم فيه التفكك الطائفي الذي استشرى في المجتمع اللبناني. كما صدر له: "تاريخ الحسين"، "المعرّي ذلك المجهول"، "المعجم"، "مثلهنّ الأعلى- السيدة خديجة"، "المرجع"، "من أجل لبنان".
النحت في اللغة والحياة والتدين
وفي غمرة ذلك، لم ينفك الشيخ العلايلي عن النحت في اللغة العربية واشتقاق المصطلحات، وتجديد حضور اللغة في الوعي والتاريخ واللسان. وفي حديثه عن "النظريّة اللغويّة عند العلايلي" يقول د. رمزي البعلبكي "من منن الله على العربيّة أنه سبحانه وتعالى، لا يفتأ يبعث من يُحيي هذه اللغة الشريفة في نفوس أبنائها، وينهض بها لتستقيم في معترك البقاء على نقاوة في التشذيب ولدانة في التخيّر واندفاع في الوثب، ولا جديد في القول إنّ الشيخ العلايلي هو محيي العربيّة على رأس هذه المائة، فهو المقدمة وهو المرجع ومنه الفكر والنظر والاقتراح والبرهان".

غلاف  كتابه "مقدمة لدرس لغة العرب"
ولا تكمن أهمية العلايلي في كونه مارد اللغة العربية وصانعها، بل لأنه كان علامة الإصلاح الديني. وحول اجتهاداته الفقهية ثار غبار كثيف، خصوصاً في مسألة العقوبات الجسدية والزواج المختلط، بحسب الكاتب اللبناني محمد حجيري. ففي المسألة الأولى، رأى أنّ الحدود، مثل قطع يد السارق ورجم الزاني وسواها، ليست مقصودة لذاتها بل لغاياتها. واستنتج من قراءة الآيات الكريمة والأحاديث النبوية المعنية، أنّ من الضروري "إقامة مطلق الرادع مقام الحد عينه، إلا في حال الإصرار؛ أي المعاودة تكراراً وتكراراً". والأرجح أنّ إحدى أبرز مشاكل الدين في العصر الحديث هي مسألة العقوبات الجسدية التي تتبناها التنظيمات المتطرفة، وحتى بعض الدول المنغلقة المحكومة بالملالي.

اقرأ أيضاً: جمال الدين الأفغاني: هل كان "عراب الصحوة" إسلامياً؟
في المسألة الثانية (أي الزواج المختلط)، اعتبر العلايلي أنّ الآية القرآنية تحرِّم زواج المسلمة من المشرك، وليس من الكتابيّ، فأجاز هذا الزواج، مخالفاً بذلك الإجماع الفقهي. وهو رأى "أنّ الإجماع في هذه المسألة، من نوع الإجماع المتأخر الذي لا ينهض كحجة إلا إذا استند إلى دليل قطعي"، وهو ما لم يحصل، بحسب رأيه.
زواج المسلمة من كتابيّ
في كتابه "أين الخطأ"، تحدث العلايلي عن زواج المسلمة من كتابيّ، وقدّمها تحت عنوان "أطوطميون أنتم أم فقهاء؟".
وقدّم العلايلي لرأيه في جواز زواج المسلمة من كتابيّ بإشارات إلى ما يشهده المجتمع اللبناني من جدل حاد حول الزواج المختلط. ويؤسّس رأيه في هذه المسألة، كما يقول القاضي الشيخ محمد أبو زيد، رئيس المحكمة السنية في صيدا، على ما يلي:

كوثراني: آراء العلايلي التجديدية في مجال الفقه لم تحظَ بالاهتمام الكافي ولم تشع كما شاعت اجتهاداته اللغوية لأسباب متعددة

1. إنّ زواج المسلمة من كتابيّ مسألة بسيطة. وهي جزئية، واجتهادية.
2. إنّ الإجماع الحاصل في هذه المسألة هو إجماع متأخر. وهذا النوع من الإجماع ينبغي أن يكون له مستندٌ من دليل قطعي.
3. إنّ الآيات الواردة في: سورة البقرة (221)، الممتحنة (10)، المائدة (5)، غير قاطعة في تحريم زواج المسلمة من كتابيّ، تأسيساً على اعتبار العلايلي أنّ لفظي "مشرك" و"كافر" لا يشملان "الكتابيّ".
4. إنّ لفظ "خير" الوارد في قوله تعالى: {وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} أتى لبيان ما هو الأفضل، دون أن يعني ذلك حرمة زواج المسلمة من كتابي.
5. إنّ أدلة المانعين لا تخلو من احتمال، وهو أمر يجعلها ساقطة لجهة الاستدلال بها.
6. الآية 10 من سورة الممتحنة خاصة باللواتي فررن بدينهن بسبب الاضطهاد. فلا يجوز إرجاعهن إلى الكفار.
7. وجوب حصر النقاش في آيات سورة المائدة؛ كونها تتحدث عن الكتابيين حصراً.
8. استفاد العلايلي مما ذكره ابن رشد في كتاب البيوع، ثمّ قام بعد ذلك بتطبيقه على الأنكحة، ونصّ كلام ابن رشد: "نحن نذكر أولاً "المنطوق به" في الشرع وما يتعلق به من الفقه، ثم نذكر بعد ذلك من "المسكوت عنه" ما شهر الخلاف فيه بين فقهاء الأمصار ليكون كالقانون في نفس الفقه، أعني في رد الفروع إلى الأصول".
9. الأحاديث الواردة في هذه المسألة هي آحاد لا يَحتج العلايلي بها.

اقرأ أيضاً: مفهوم التراث عند مهدي عامل: المعرفة ضد الخصوصية
10.أحاديث الأفعال الواردة في هذه المسألة هي -شأن سائر أحاديث الأفعال- محل نظر عند الأصوليين لجهة دلالتها.
وختم العلايلي رأيه في هذه المسألة بالقول: "وأختم هذا الفصل ببيان أنَّ الفرق كبير بين الإباحة حيث لا مندوحة، وبين الورع... أما ما يقتضي الورع فشيء آخر، يتصل بالطمأنينة النفسية والراحة القلبية..." .
غلاف كتابه "أين الخطأ؟"

الرؤية العلمية للقمر الرمضاني
وتشمل اجتهادات العلايلي الكثير من الآراء التي تحاول أن تواكب التحديات المعاصرة في ميادين عملية عدة ومفاهيم نظرية: مفهوم الثروة، الرؤية العلمية للقمر الرمضاني، الربا، توزيع الأضاحي، الصورة، والسينما. كان قد نشر هذه القضايا في كتابه "أين الخطأ"؟ الذي صدر في طبعته الأولى العام 1978، واضطر تحت الضغط إلى سحبه من التداول وأعيدت طباعته العام 1992.

اقرأ أيضاً: محمد عابد الجابري: مثقف المشروع
والمفارقة والغريب، يقول الحجيري، أنّ إصلاحات العلايلي بقيت في الهامش ولم يسعَ دعاة ما يُسمى "الاعتدال الديني" إلى تبنّيها أو ترويجها. وهذا ما لاحظه الباحث اللبناني وجيه كوثراني إذ اعتبر أنّ آراء العلايلي التجديدية في مجال الفقه لم تحظَ بالاهتمام الكافي، ولم تشع كما شاعت اجتهاداته اللغوية لأسباب متعددة ومن مواقع مختلفة؛ من موقع التقليديين والمحافظين الذين سخطوا على الشيخ وحاصروا فكره الفقهي وحاربوه، وربما من موقع الحداثيين الذين لم ينتبهوا في غضون الستينيات والسبعينيات، إلى ما يشكله العلايلي الآن وفي الماضي ودائماً من علامة بارزة وساطعة ومجددة في اللغة والسياسة والدين، وكذلك في التفكير الذي أراده العلايلي، وهو يغمض عينيه إلى الأبد في العام 1996، متحرراً من أغلال القشور والتقليد، ونازعاً إلى إعمال العقل في كل ما يحيط بدنيا الكائن وانتظاراته ورهاناته الوجودية.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



30 ألف وثيقة تغطي تاريخ فلسطين والقدس خلال 400 عام

2020-01-14

أدرك الباحثون والعلماء أهمية التوثيق في خدمة القضايا العادلة، ومقاومة النسيان بالمعرفة العلمية القائمة على الحقائق، لا على الافتراضات والزعم. وقد كان هذا دأب المؤرخ الفلسطيني د. محمد هاشم غوشة الذي وثق تاريخ مدينة القدس وآثارها وكل ما يتصل بها عبر العصور، وأودع ذلك في الكتاب الضخم "القدس في الموسوعة الفلسطينية"؛ حيثُ تضمنت هذه الموسوعة أكثر من (٣٠) ألف وثيقة ورسم وصورة وطابع وختم وخريطة غير منشورة من قبل، تُغطي كامل تاريخ فلسطين والقُدس خلال (٤٠٠) عام.

غوشة: اجتهدتُّ بتوثيق الموسوعة ورقياً بهدف إدخال ثقافة القراءة إلى الجيل الجديد، وتعمدتُ كتابتها بالإنجليزية لنتمكنَ من مخاطبة العالم

وتضمنت الموسوعة مُجلدات ومعلومات ووثائق وخرائط تنشر لأول مرة، كون هذه الموسوعة التي تتألف من (٧٠٠٠) صفحة؛ تعدُّ أكبر عمل وثائقي مُصوّر عن فلسطين في العالم.
ويسعى غوشة، الذي دخل موسوعة غينيس كأصغر مؤرخ في العالم، إلى جعل القدس في الضمير الإنساني، حيث يقول في مقابلة صحفية مع جريدة "الخليج" أعمل على أن أدخل القدس "إلى قلب كل بيت عربي لكي لا ننسى مدينة كلما تذكرها العرب تذكروا ماضيهم، وكلما نسوها نسوا حاضرهم ومستقبلهم، وأحاول أيضاً أن أوثق لهذه المدينة العتيقة المظلومة الجريحة، كي تبقى حية لا تغيب عن البال لأنها أمست اليوم مدينة ذكريات ولم تأخذ حقها من الوعي والاهتمام والإعلام".

المؤرخ الفلسطيني د. محمد هاشم غوشة
وفاز غوشة، مؤخراً، بجائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية للعام 2020 في السعودية، تقديراً لجهوده التي بذلها للمحافظة على تراث القدس، ولغزارة أعماله حول تاريخ القدس وآثارها عبر العصور، ومن أبرزها موسوعة فلسطين باللغة الإنجليزية، التي تشكل مادة القدس حيزاً كبيراً منها، وتنوع إنتاجه العلمي ليغطي موضوعات إسلامية مختلفة عن القدس.

اقرأ أيضاً: تعرّف إلى قرية فلسطينية في النقب هدمتها إسرائيل 163 مرة
وتضمّنت الموسوعة نحو ثلاثة آلاف وثيقة عثمانية لعائلات فلسطينية، و1200 حجة وقف لعائلات أخرى تثبت أنّ من يملك الأرض هم الفلسطينيون، في حين احتوت ثمانية مجلدات من الموسوعة على 12 ألف رسمة لمؤرخين أوروبيين خلال زيارتهم فلسطين.

كتاب بنحو نصف متر
وفي سبيل المحافظة على ميراث القدس، أصدر غوشة كتاباً عن قبة الصخرة المشرفة عام 2012. ويعد الكتاب، كما قال غوشة، "أفخم وأضخم عمل مصور نشر عن قبة الصخرة، وقد كان مهماً جداً بالنسبة لي أن يرى النور على نحو يليق بهذا المكان المقدس، لأنها أجمل وأقدم الآثار الإسلامية التي خلدها التاريخ، حتى نذكر لأولادنا وللجميع أن لقبة الصخرة كتاباً يوثق تاريخها بشكل متكامل من ناحية معمارية وفوتوغرافية". وقال "قمت بتصوير المبنى بشكل كامل بطريقة علمية ومنهجية بحيث كانت الصور دقيقة جداً، وما يميز هذا الكتاب أنّ الصور التي أخذت لقبة الصخرة تغطي المبنى كاملاً دون أن أغفل أية جزئية من المبنى، كما تغطي الصور جميع الزخارف الإسلامية التي تزين المبنى".

أصدر غوشة كتاباً عن قبة الصخرة المشرفة عام 2012. وبلغ الكتاب نحو نصف متر ويضم 850 صورة

ويبلغ الكتاب نحو نصف متر. وعن ذلك يقول المؤلف "رأيت أن يخرج الكتاب ويرى النور على نحو يليق بقبة الصخرة، والكتاب يحتوي على صور طولها متران، إضافة إلى صورة تعتبر الأولى من نوعها تجمع قبة الصخرة والمسجد الأقصى المسقوف مع بعضهما، فقد قمت بالتصوير من داخل الأقصى، كما أنّ حجم نصف صفحة يظهر الرسوم الزخرفية بشكل واضح ودقيق، والكتاب يضم 850 صورة وعشرات الرسوم المعمارية، بالإضافة إلى توثيق تاريخي كامل، ولا سمح الله إذا جرى أي تخريب أو حرق أو أي أضرار لقبة السخرة والمسجد الأقصى من الممكن أن يعاد ترميمها استناداً إلى هذا الكتاب ".
وبيّن الدكتور غوشة بأنّه انتقلَ لإنجازِ عمله الضخم "القدس في الموسوعة الفلسطينية" بين أوروبا وأفريقيا وآسيا، باحثاً في الوثائق والمعلومات بهدف إضافة شيء جديد عن القدس وفلسطين في الفترة العُثمانية بحيث ضمّنها كتباً ومصادر ووثائق تاريخية أصلية من أمهات المصادر التي جاءت من الأرشيف والسجلات العثمانية، حيث تم التحقق من تفاصيلها ومعلوماتها بشكل تفصيلي دقيق.

تتألف من 7000 صفحة
الموسوعة تبدأ بالمُجلد الأول الذي تضمن وثائق تاريخية تنشر لأول مرة حول تاريخ فلسطين بطريقة جديدة، لخدمة القدس في نقوش أثرية وخرائط، ووثائق للقدس وأرضها ووقفيات عائلاتها، كما تم الاطلاع على مصادر ضمت الغزاة والسلاطين والمشاهير، وثورة عائلة الجيوسي في القرن السابع عشر وصوراً لعائلة درويش المقدسية وخريطة لعكا قُبيل غزو نابليون لها وهزيمته على أسوارها، والسلطان مراد الرابع، وصوراً لأعضاء مجلس "المبعوثان" العثماني من المقدسيين ومدينتي نابلس وعكا، وزيارة الإمبراطور وليام الثاني للقدس، وصوراً لإنشاء السكة الحديدية الفلسطينية والتي كانت حدثاً متفرداً؛ إذ لم يكن هُنالكَ قطار في باريس، وصوراً للزلزال الذي ضرب القدس، وصُوراً لدقائق الحياة الاقتصادية وأوجُهها في فلسطين في العهد العثماني كأسعار البضائع والسلع المتنوعة.
أطلس فلسطين عام 1865
وركزت الموسوعة في مُجلدها الثاني على خريطة فلسطين والقدس خلال القرون الخامس عشر وحتى السابع عشر، مُحتوية وثائق من المَتاحف الأوروبية حول خريطة فلسطين والتغلغل الأوروبي ثم الحركة الصهيونية ثم توثيق فلسطين و(تشارلز ولسون) وأطلس فلسطين عام 1865، فيما احتوى مُجلدان آخران على الوقفيات في فلسطين وقضايا الطابو، لحوالي (500) عائلة فلسطينية تؤكد مُلكيتها لأراضي فلسطين خلال الفترة من القرن الخامس عشر وحتى التاسع عشر في مُدن الرملة ويافا والخليل والقدس، وغيرها من مدن وقرى فلسطين.

اقرأ أيضاً: "أهلاً بكم في دولة هاني عامر": هكذا يهزأ الفلسطينيون من إسرائيل
فلسطين، كما يؤكد غوشة، كيان موجود منذ الأزل ولهذا الشعب قضيتة المُثبتة عبر الوثائق مُنتقلاً إلى جزء تضمن ثمانية مجلدات عالجت دراسات المستشرقين في فلسطين منذ (1516- 1778) منذُ حملة نابليون، فالحكم المصري، والتنظيمات العُثمانية، ثم حقبة السلطان عبد الحميد الثاني، لافتاً إلى ضعف الإنتاج التوثيقي للعرب والمسلمين في هذه الحقبة الزمنية والتي سبقهم إليها الأوروبيون، منوهاً إلى صدور كتاب عن فلسطين في العام 1589، مقارناً بذات الوقت كيف تناول المستشرقون فلسطين وكيفَ درسوها ووثقوها أرضاً وشجراً وطيراً وإنساناً مما يدُل على قيمتها ومكانتها وثرائها، فيما كان الجهد العربي ضعيفاً وغير كافٍ، مُوضحاً أنّ تاريخ فلسطين تاريخٌ عريق تم توثيقه بشكل علني وعبر الكثير من الوثائق التي تناولت مُدن نابلس وحيفا والقدس وعكا و(أحمد باشا الجزار) وكنيسة القيامة والمسجد الإبراهيمي في الخليل.
المكتبات والمخطوطات في القدس
مُجلّد آخر في الموسوعة يتحدث حول المكتبات والمخطوطات والمعارف بيّن من خلاله المؤلف أنّ الاهتمام بالعِلم والمِعرفة كان من أولى أولويات المقدسيين، استعرض فيه عدداً من الصور والمخطوطات وأرفف ووقفيات المكتبات الفلسطينية، لافتاً إلى أمثلة منها كوقفية عائلة الدويك ومخطوطات عائلة الحُسيني ووفقية الكُلية الصلاحية والمكتبة الخالدية لعائلة الخالدي المقدسية.
وضمت الموسوعة مُجلداً احتوى صوراً للمُدن والقرى والخِرَب الفلسطينية وتفاصيلها كمدُنِ يافا وعكا وغزه وطبريا والّلد وجنين، وبيت عور.

اقرأ أيضاً: هل توارت البرجوازية الفلسطينية عن المشهد الوطني بعد النكبة؟
وعن الإسلام في فلسطين ضمنت الموسوعة صوراً تاريخية للجامع الأبيض، والجامع العُمري، وجامع الجزار، والمسجد الأقصى المبارك، الذي يحظى بقدسية عالية من كافة زواياه وتفاصيله، ابتداء من باب السلسلة لشوارع القدس القديمة، والكنائس وانتقالاً إلى كنيسة القيامة ورحابها وكنيسة المهد وكنائس القدس كافة، وجبل الكرمل ودير الكرمليين.
  غوشة خصص في موسوعته مجلداً "لبوسطة فلسطين وبريدها ورسائلها" خلال الفترة 1834- 1918 احتوت صوراً للرسائل والأختام والتلغراف في مدن القدس وطبريا ونابلس، مما يُدللُ على أنّ أهل فلسطين كانوا متعلمين وليسوا أمُيّين، كما استعرضَ التراث الفلسطيني واللباس التقليدي الفلسطيني.

برية فلسطين
كما تناول غوشة في مُجلّدٍ آخر "برية فلسطين" من خلال ما رصده من رسومات وصور المستشرقين الذين درسوا نباتات وزهور وحيوانات فلسطين، وزواحفها وقوارضها وحشراتها وأشجارها وأسماك طبريا ويافا، وطيور القدس.
  وختم غوشه موسوعتة بمُجلد حزينٍ تناولَ فيه (فلسطين في الحرب العُظمى) مُنذُ 1914-1918 والتي هُزِمَ فيها الجيش العثماني ودارت رحاها في مُدن القُدس وغزة وغيرها من المُدن، حيثُ خاض الجنود والقادة العثمانيون معركة طاحنة واستقبلهم جمال باشا الشقيري الأنصاري، وجاءت المدفعية الهندية والبريطانية ثم سقطت القدس واستسلم العثمانيون إلى أن أعلن عزت باشا استسلامهم وسقوط القدس.

د. مهند مبيضين: غوشة مؤرخ مقاوم من أجل عروبة القدس وهويتها، اعتكف بين الكتب والمراجع والمخطوطات ليثبت عروبة فلسطين

وحول الأرشفة الإلكترونية أكد غوشة: "لقد اجتهدتُ بتوثيق الموسوعة ورقياً بهدف إدخال ثقافة القراءة إلى الجيل الجديد، وتعمدتُ كتابتها باللغة الإنجليزية لنتمكنَ من مخاطبة العالم وليس العرب وحسب؛ لأنّ القدس موجودة في الوجدان العربي ولكننا بحاجة لتعريف الغرب بفلسطين سيّما بأنهم هم من حفروا اسمها بأقلامهم حين درسها المستشرقون، ودأبوا على دراسة كل شيء فيها عبر مُستكشفاتهم، للاستيلاء على الأرض، ولتوضيح نصوص توراتية، ونحن لم نتعاطَ مع العمل الأكاديمي بمهنية".
أما عن القدس وقيمتها التاريخية والإنسانية، فقال غوشة: "فلسطين دون القدس لا تكون، فالقدس مدينة روحانية عقائدية متُجذرة ليست ككل المدن، فالقدس منبع الجمال والإبداع وهي التي كُرِّمت في جميع الديانات وهي ثاني القبلتين وثالث الحرمين الشريفين وهي القبلة الأولى وهي من جمعت الأنبياء جميعاً".
الباحث د. مهند مبيضين وصف غوشة بأنّه "مؤرخ مقاوم من أجل عروبة القدس وهويتها، يتمتع بالاخلاق والتواضع ويمنح من يأتيه ما يحتاج من وثائق موجودة عنده. اعتكف محمد هاشم غوشة بين الكتب والمراجع والمخطوطات سنوات مديدة ليرصد ويوثق تفاصيل تثبت عروبة فلسطين، سارداً إياها في أكبر موسوعة كتبت باللغة الإنجليزية، ليضعها بين يدي عالم لا يحترم إلا الوثائق والشواهد، وقد وصلت موسوعته إلى مختلف مكتبات العالم".

للمشاركة:

"سفر برلك": من صحراء مدينة مكة إلى محطة الحجاز في دمشق

2020-01-05

تشير عبارة "سفر برلك"، التي تعني النفير العام أو التأهب للحرب، إلى "الفرمان" الذي أصدره السلطان العثماني محمد رشاد، بتاريخ 3 آب (أغسطس)  1914، ودعا فيه الرجال الذين يبلغون من العمر بين 15 و45 عاماً، من العثمانيين/ الأتراك أو العرب، إلى الالتحاق بالخدمة العسكرية الإجبارية، وكان ذلك قبل ثلاثة أشهر تقريباً من قيام الحرب العالمية الأولى، في 28 تموز (يوليو) 1914، استعداداً من الدولة العثمانية للوقوف إلى جانب ألمانيا في الحرب، وشكّلت تلك المرحلة أيضاً بداية انهيار الدولة العثمانية، وسقوطها عام 1923.

في رواية "سفر برلك"، للروائي السعودي مقبول العلوي، الصادرة عن دار الساقي في بيروت، عام 2019، والتي دخلت القائمة الطويلة لترشيحات جائزة "البوكر" العربية 2020 مؤخراً؛ لا يمكن أيضاً النظر إلى هذه المرحلة، التاريخية والمفصلية والحساسة، على أنّها مسرح مغرٍ لبناء عمل روائي، يمزج يين التاريخ والخيال، رغم أنّ هذا المزج هو أساس الرواية، لكنّه ليس الهدف، وهذا ما قد يستنتجه قارئ الرواية؛ إذ إنّ قصة بطل الرواية "ذيب"، هذا الفتى الذي يبلغ من العمر 16 عاماً، الذي اختُطف من صحراء مدينة مكة من قبل عصابة قطاع طرق، وبيع في سوق العبيد في المدينة المنورة، هي محور الرواية، و"ذيب" هو راويها العليم.

"سفر برلك" رحلة شاب قذفته رمال صحراء مكة إلى المدينة المنورة، ليجد نفسه لاحقاً في محطة الحجاز في دمشق

ولعلَّ الروائي لو لِعبَ دور الراوي العليم، الذي يروي قصة "ذيب" بدلاً منه، لفقدت الرواية بعض ألقها.
"ذيب"، بوصفه صوتاً روائياً وراوياً لقصته، جعل الحكاية (البناء السردي المتخيل للرواية) تفرض الفترة الزمنية/ التاريخية نفسها، وأحداثها المؤرخة في كتب التاريخ، على الحكايات الشخصية لأبطالها.
صحيح أنّ الأحداث الكبرى، كالحروب والاحتلال والثورات، قد تغيّر مصائر الناس، لكنّ سؤال الروائي يختلف عن سؤال المؤرخ، وإذا كان الأخير يبدأ من سؤال: "ماذا حدث؟" فالأديب والعمل الروائي عموماً، يطرحان سؤالاً مختلفاً، وهو: "كيف حدث؟".

غلاف الرواية
سؤال "كيف حدث ذلك؟"، هو سؤال روائي بامتياز، يُتيح للتفاصيل الصغيرة أن تحرك الجمود والمخفي في الأحداث الكبيرة، وهذا ما يميز رواية "سفر برلك".
فلولا اختطاف "ذيب" من قبل قطاع طرق في صحراء مدينة مكة واقتياده للمدينة المنورة لبيعه في سوق العبيد، لما تقاطع مصيره الشخصي بمصير مدينة بأكملها؛ حين أطبق الأمير العثماني، فخري باشا، الحصار على المدينة المنورة، وارتكب المجازر بحقّ أهلها، وهجّرهم منها، عبر خطفهم من شوارع المدينة، وزجّهم بالقطار المتجه إلى دمشق.

صحيح أنّ الأحداث الكبرى، كالحروب والاحتلال والثورات، قد تغيّر مصائر الناس، لكنّ سؤال الروائي يختلف عن سؤال المؤرخ

كما أنّ رحلة "ذيب" من مكة إلى المدينة المنورة، ثم توقّفه في مدينة تبوك، ووصوله أخيراً إلى مدينة دمشق، لا تعكس فقط تقاطع الشخصي في العام، بل تطرح الرواية هنا وجهة نظر، أو ربما حكمة ما؛ هي أنّه ليس من الضروري أن يحدّد حدث تاريخي كبير مصير فرد ما، فالحوار الذي يجري بين "ذيب" والوجيه عبد الرحمن المدني، الرجل الذي اشتراه من قاطع الطريق الذي اختطفه، يعكس ذلك؛ إذ يقول الوجيه لذيب: "لا أريدُ عبداً في بيتي ولا جارية، فكلُّ مَن في هذا المنزل هُم بمكانة أبنائي، وأتعاملُ معهم بهذا المفهوم (...)، لقد دفعتُ فيكَ ذلك الثمن الباهظ من الجنيهات الذهبيَّة لأنَّني شعرتُ أنك لست من العبيد، عندما رأيتك للمرَّة الأولى في دكّة حوش العبيد معروضاً للبيع، شعرت أنّ وراءك حكاية ما، فلا سيماء وجهك، ولا هدوؤك، يدلّان على أنَّك عبد!" يقول هنا ذيب: "ثم وصفني بكلمة هي أقرب إلى الصواب، ولا أعرفُ كيف لم تخطر لي على بالٍ من قبل، فقد قال عنِّي: " أنتَ ضحية ظروفٍ ما صعبة"".
إذاً هذه "الظروف الصعبة" قد تحدّد مصيرنا، لا بل من الممكن أن تغيّرها بشكل جذري، ومن الممكن أن تُكتب لنا النجاة من هذه المصائر.

اقرأ أيضاً: سفر برلك.. كيف عبر الوجدان الشعبي العربي عن استبداد الأتراك؟
لا يمكن أيضاً تجاهل الأسلوب الذي كُتبت فيه الرواية، فالأسلوب لعب دوراً في عملية سرد مكثفة، بعيداً عن الإسهاب؛ إذ يبدو واضحاً إدراك الروائي، مقبول العلوي، لحساسية التعامل مع لغة السّرد داخل الرواية، فالراوي وبطل الرواية فتى يبلغ من العمر 16 عاماً، وأحداثها تدور في مرحلة تاريخية مفصلية، تجاور ظرفه ورحلته والمحن التي تعرض لها، بمرحلة عمرية انتقالية أيضاً، من الطفولة إلى الرجولة، وهذا يشير إليه الروائي على لسان بطله، ذيب، عندما يمرُّ بأول علاقة جنسية مع مرجانة، الفتاة التي تخدم في بيت الوجيه عبد الرحمن المدني، إذ يقول: "لم يجمعني فراشٌ من قبل بأيّ امرأة، ليست لي دراية بالنساء، ولم ألمسْ امرأةً في سابق سنوات عمري، كنت سعيداً وخائفاً ومرتبكاً في الوقت نفسه، ولا أعرف ماذا سأفعل حيال هذا الأمر (...) فقد أحسستُ بجلدي القديم يتقشَّر من فوق جسدي (...)، وحينئذ أدركتُ أنَّني قدْ خرجتُ من إهاب الطفولة إلى الرجولة المكتملة، رغم أنَّ سنِّي لم تتجاوز السادسة عشر".

الروائي السعودي مقبول العلوي
يشعر القارئ بأنّ اللغة المستخدمة عبارة عن طبقات من الأصوات متداخلة في بعضها، صحيح أنّ الراوي فتى يافع في مقتبل العمر، لكن إذا عدنا لفكرة المصير الشخصي/ الفردي، فإنّ تفوّق ذيب في الكتابة والقراءة قد لعب دوراً في نجاته من مصير أسوأ؛ إذ يعود الفضل في تعلّمه إلى خاله، مانع، الذي أصرّ على أن يعلّم ذيب في طفولته القراءة والكتابة وتلاوة القرآن، إضافة إلى شغف الاطّلاع الذي يتمتع فيه ذيب، والذي كان السبب في وجوده وعمله مع الوجيه عبد الرحمن المدني، الشغوف بقراءة المخطوطات، ونسخها من المكتبة الكبيرة في المدينة؛ مكتبة "عارف حكمت".

اقرأ أيضاً: هل يصحو أردوغان من أحلام العثمانية الجديدة؟
يقول ذيب أثناء وجوده في هذه المكتبة: "قضيتُ بعض الوقت في المكتبة؛ قرأت صفحات من بعض الكتب لزيادة معرفتي وتطوير ذاتي، فالمعرفة سلاحٌ يجعلك على استعدادٍ كافٍ لمجابهة الجهل، كما قال لي أحدُ شيوخي في حلقة من حلقات التعليم في الحرم المكيّ".
رواية "سفر برلك"؛ عن رحلة شاب قذفته رمال صحراء مكة إلى المدينة المنورة، ليجد نفسه لاحقاً في محطة الحجاز في دمشق، إنّها رحلة حياة ذيب، الذي كان شاهداً على العبودية والاستعباد والتهجير، وضحايا الظروف الصعبة.

للمشاركة:

سيمون دي بوفوار تستعرض تاريخ اضطهاد النساء: هل المرأة جنس آخر؟

2019-12-24

يعد كتاب "الجنس الآخر" من أكثر الكتب إلهاماً فيما يتصل بقضية تحرّر النساء، فهو يتناول نشأة الحركات النسوية الغربية، مستعرضاً محطات اضطهاد النساء. وقد صدر لأول مرة بالفرنسية عام 1949 على يد المفكرة والناشطة الفرنسية سيمون دي بوفوار. وقد كان رائداً ومرجعاً أساسياً للحركات النسوية في أوروبا، ووصل الأمر بالفاتيكان إلى وضعه على قائمة الكتب المحرّمة إلى أن أُلغيت هذه القائمة منتصف الستينيات.

اقرأ أيضاً: كيف أصبحت النسوية المعاصرة ذراعاً خفياً للنظام الرأسمالي الذكوري؟
في هذا الكتاب تناقش دي بوفوار سؤالين مركزيين: "كيف وصل الحال بالمرأة إلى ما هو عليه اليوم (أي أن تكون "الآخر"؟) وما هي الأسباب لعدم تكتل النساء سوية، ومواجهة الواقع الذكوري الذي فرض عليهن.
يناقش القسم الأول من الكتاب وعنوانه "المصير" المعطيات البيولوجية ودورها في ترسيخ مكانة المرأة كآخر. وناقشت بوفوار بعض الادعاءات التي فسرت دونية المرأة من خلال مقارنة ذلك مع دونيتها في العملية الجنسية، وخلصت بوفوار إلى أنّ ترسيخ الوظيفة الجنسية للمرأة وكذلك ضعفها الجسدي أصبحا عاملين مهمين في بلورة مكانتها بسبب تذويتها لمكانتها في المبنى الاجتماعي القائم وقبوله كأمر مفروغ منه، لكن، الادعاء حول الاختلاف البيولوجي بين الرجل والمرأة لا يعطي تفسيراً من وجهة نظر بوفوار لتحوّل المرأة إلى آخر.

غلاف  كتاب "الجنس الآخر"
وتتناول في الفصل الثاني من الكتاب، كما تذكر الويكيبيديا، وجهة نظر التحليل النفسي، فتناقش المواقف المختلفة لعلماء نفس رجال تحدثوا عن المبنى النفسي للمرأة وتطوره بناء على النموذج الذكري، فعقدة الكترا لدى الإناث، وفق فرويد، مبنية، على سبيل المثال، على نموذج عقدة أوديب لدى الذكور، لذا، ليس بالإمكان الالتجاء إلى نظريات علم النفس التحليلي لدعم الادعاء حول الاختلاف بين الجنسين لسبب مهم: أنّها تتطرق إلى الذكر، وما يلائم الذكر لا يلائم الأنثى بالضرورة.

لما كانت المرأة كالمتاع، كان حق الرجل أن يتزوج بقدر ما يشاء كما من حقه أن يهجر المرأة حسب هواه

وتراجع بوفوار التاريخ، مستذكرة بأنّ كل القوى ذات التأثير كانت بيد الرجل، وأنّ التاريخ تحقق من رؤيته هو وفهمه هو للواقع، بصورة أدت في نهاية المطاف إلى إنتاج المرأة بصورة الآخر المطلق له.
وتربط تحليلات سيمون دي بوفوار، واقع المرأة الراهن بجذوره الضاربة في التاريخ، فتعود إلى زمن القبائل المتنقلة، حيث كان عمل الرجل والمرأة سوية. لكنّ أيام الطمث والحمل صعّبت على المرأة أخذ دور أكثر فاعلية، ما جعله يكتسب أهمية أكبر في مرحلة لاحقة بسبب عمله في الصيد ومواجهته المخاطر التي اعتبرت في نظر المجتمعات البدائية أحد الأمور التي تعطي الأفضلية للفرد، وهو ما لم تستطع المرأة القيام به بسبب انهماكها في الحمل.
وفي المقابل، بحسب بوفوار، وبسبب القيمة المنخفضة للحياة البشرية، لم يُعتبر إنجاب الأطفال عملاً ذا أفضلية. فالبشر لايعطون الأفضلية للجنس الذي ينجب بل للجنس الذي يقتل. وفي محاولة من الرجل للحفاظ على الامتيازات التي حصل عليها، أنتج مجالاً أنثوياً ومجالاً ذكورياً. لكن، في هذه المرحلة لم تكن فوقية الرجل ملموسة ومؤسسة كما حدث لاحقاً، لدى استيطان هذه القبائل في أماكن ثابتة.

اقرأ أيضاً: بخصوص النسوية العربية العابسة
الاستيطان في أماكن ثابتة حوّل هذه القبائل إلى قبائل زراعية. ولدى هذه القبائل الاستيطانية تغيرت النظرة إلى الولادة فأصبحت إيجابية؛ إذ أصبحت تقدس الآباء القدامى وتصبو للاستمرارية. لذا، أصبحت المرأة ذات وظيفة مهمة، فعن طريقها تحافظ القبيلة على استمراريتها.

ناقشت بوفوار بعض الادعاءات التي فسرت دونية المرأة
النظرة إلى المرأة في هذه الفترة باتت تعتريها مسحة من التقديس، فصورت الآلهة على أنّها من الإناث. في حين أنّ الرجل، وبسبب عدم تقيده كالمرأة بمسائل الإنجاب وبسبب قوته الجسدية، طور أدوات العمل الزراعية، ومن ثم جلب العبيد ليعملوا بالأرض التي وسع نفوذه فيها، فيما انحصرت مملكة المرأة رويداً رويداً في البيت.

اقرأ أيضاً: "النسوية".. المرأة الغربية ماتزال تعاني التمييز
ومع حصول الرجل على الأملاك، تحولت المرأة إلى ملك له. ومع ظهور الأملاك، انهار منصبها وارتبط تاريخها بالأملاك الشخصية وبالإرث التي تعطي القيمة لمالكها، من خلال القوة والسلطة. فأصبح الأطفال، الأراضي، المال، إلخ أموراً تابعة للرجل. وهنا نشأت المؤسسات الذكورية الأبوية بحيث تكون الأنثى مُلكاً للرجل؛ الأب، الأخ، الزوج.
وبناء على هذا المفهوم من علاقات القوة الذي نشأ بين الجنسين، راحت الحضارات اللاحقة تعمل على ترسيخه حتى وقتنا الراهن، بحيث عملت، تحت ذرائع مختلفة من عصر إلى آخر، على ترسيخ اضطهاد النساء.

ومن مقتطفات مستقاة من عدة مواقع إلكترونية، من كتاب "الجنس الآخر" نورد ما يلي:
إنّ الفئة المهيمنة تحاول أن تبقي المرأة في المكان الذي تخصصه لها وتستقي الحجج من الوضع الذي خلقته هذه الفئة نفسها، وهذا يذكرنا بقول (برناردشو) في الزنوج: "إنّ الأمريكي الأبيض يهبط بالزنجي إلى مستوى ماسح الأحذية، ليستنتج من ذلك أنّ الزنجي ليس صالحاً سوى لمسح الأحذية".

 

إنّ الرجل يعتبر جسمه كما لو كان كائناً مستقلاً يتصل مع العالم اتصالاً حراً خاضعاً لإرادته هو، بينما يعتبر جسم المرأة حافلاً بالقيود التي تعرقل حركة صاحبته.
الإنسانية في عرف الرجل شيء مذكر؛ فهو يعتبر نفسه يمثل الجنس الإناني الحقيقي… أما المرأة فهي في عرفه تمثل "الجنس الآخر".
لا يمكننا أن نقارن بين الأنثى والذكر في النوع البشري إلا من زاوية الإنسانية. ولا يُعرَّف الإنسان إلا بأنه كائن غير معطى، وأنه يصنع نفسه بنفسه ويقرر ما هو عليه.

يقال لنا: الأنوثة في خطر، ويحثوننا قائلين: "كن نساء... ابقين نساء". فكأنما كل كائن إنساني مؤنث ليس امرأة بالضرروة

لقد سمعت أنّ النظرة الوجودية تدعو أن نفهم كيف أدى الوضع البيولوجي والاقتصادي للجماعات البدائية إلى تسلط الرجل. فالمرأة أكثر خضوعاً من الرجل لمستلزمات النوع. وقد حاولت الإنسانية دائماً التحرر من مصيرها النوعي، ولما اخترعت الأداة أصبحت إدامة الحياة بالنسبة للرجل نشاطاً وهدفاً، على حين كانت المرأة تبقى في مرحلة الأمومة والحمل مقيدة بجسمها مثل الحيوان.
إذاً نرى أنّ الديانات القديمة ومجموعات القوانين تنظر إلى المرأة نظرة عداء؛ لأنّ هذه الديانات ظهرت وسُجلت في عهد انتصار حق الأبوة. من الطبيعي أن يكون الوضع المخصص للمرأة وضع إلحاق وتبعية.
فلما كانت المرأة كالمتاع، فقد كان حق الرجل أن يتزوج بقدر ما يشاء، تبعاً لإمكانياته الاقتصادية، كما من حقه أن يهجر المرأة حسب هواه. وعلى العكس من ذلك، فإنه يطلب من المرأة عفة تامة.
وكان اضطهاد المرأة يرجع إلى الرغبة في تخليد الأسرة والمحافظة على الأملاك، فبمقدار ما تتحرر المرأة من الأسرة تتحرر من التبعية. فإذا أنكر المجتمع الملكية الفردية والأسرة بالتالي، فإنّ حظ المرأة يتحسن تحسناً كبيراً. ففي مدينة إسبارطة الخاضعة لنظام مشاع كانت المرأة معادلة للرجل تماماً. وكانت الفتيات يربين مثل الصبيان.

 

ولكنّ الوضع تغير، فأصبح الأهالي يربون ابنتهم في سبيل الزواج أكثر من أن يشجعوا تطويرها الشخصي. والفتاة ترى في ذلك من المزايا حتى أنها تتمناه لنفسها. وينجم عن ذلك أنها تكون غالباً أقل اختصاصاً من أخوتها وأقل اهتماماً بمهنتها، لذلك تبقى أقصر باعاً فيها. حينئذ تصبح الحلقة فاسدة مغلقة فيُقوِّي فيها نقصُها الرغبة في إيجاد زوج.
إنّ العصر الحالي يقتضي من النساء العمل، بل يضطرهن إليه، وفي الوقت نفسه يغررهن بالبطالة واللذائذ. والنساء لا يزلن إلى الآن في حالة تبعية. وينجم عن ذلك أنّ المرأة تُعرِّف نفسها وتختار لنفسها، لا على أنها موجودة بذاتها، بل كما يحددها الرجل. إنّ كونها "للرجل" عنصر جوهري من عناصر وضعها الخاص.

اقرأ أيضاً: شيرين عبادي: نعم أنا نسوية ومسلمة.. أين التعارض؟
يقال لنا: الأنوثة في خطر، ويحثوننا قائلين: "كن نساء... ابقين نساء". فكأنما كل كائن إنساني مؤنث ليس امرأة بالضرروة، بل ينبغي له أن يساهم بهذا الواقع الخفي الذي هو الأنوثة.
نحن نعتقد أنّ الصالح العام غير موجود، إلا إذا كان هذا الصالح يضمن الصالح الخاص للمواطنين. ولا نحكم على المؤسسات والنظم إلا من خلال الإمكانيات الملموسة المتيسرة للأفراد. على أننا لا نخلط بين مفهوم الصالح الخاص ومفهوم السعادة، هذه نقطة أخرى تعترض سبيلنا غالباً، أليست النساء اللواتي يؤلفن الحريم أسعد من النساء العصريات اللواتي يمارسن حق الانتخاب؟ إننا لذلك لن نعتمد أبداً مفهوم السعادة بل سنتبنى وجهة نظر الأخلاق الوجودية.
فكل شخص يعمل على تأكيد نفسه فعلياً من خلال المشاريع والأهداف، ولا يحقق حريته إلا بارتقاء مستمر وتسام مضطرد نحو مستويات أخرى، ولا يمكن تبرير الوجود الحالي إلا بالتفتح نحو مستقبل ممهد السبيل تمهيداً مطلقاً، وكلما تحول الارتقاء إلى جمود، سار الوجود نحو الانحطاط، إنّ هذا الانحطاط يشكل خطيئة أخلاقية إذا رضي به المرء، أما إذا فرض عليه فرضاً أصبح ذلك اضطهاداً. وفي كلا الحالين يكمن الشر المطلق. أجل إنّ كل فرد رائده تبرير وجوده لأنه يحس بهذا الوجود كحاجة متنامية إلى التسامي.

اقرأ أيضاً: عاملات لا يصرخن عبر "هاشتاغات" .. نسويات بلا نسوية
وأخيراً ليس المجتمع نوعاً من الأنواع، ففي المجتمع يحقق النوع نفسه كوجود، ويجاوز نفسه نحو العالم والمستقبل، وأخلاق المجتمع لا تستنتج من البيولوجيا، والأشخاص ليسوا متروكين لطبيعتهم، بل يخضعون لطبيعة ثانية هي العُرف والتي تنعكس فيها رغبات ومخاوف تعبر عن وضعهم البشري، ولا يتولد لدى الشخص الشعور بذاته ولا يستكمل نفسه، بصفته جسماً فقط، وإنما بصفته جسماً خاضعاً للمعتقدات والقوانين. وهو لا يقيم نفسه إلا باسم بعض القيم، ومرة أخرى نؤكد إنّ الفسيولوجيا عاجزة عن تأسيس القيم، بل العكس، إنّ المعطيات الفسيولوجية تكتسب القيم التي يضفيها الكائن عليها. فإذا حال الاحترام تجاه المرأة دون استعمال الشدة ضدها، فإنّ أفضلية الرجل العضلية مثلاً تفقد سلطتها.
هكذا ينبغي لنا أن نفسر المعطيات البيولوجية على ضوء مجموعة العوامل البشرية، والاقتصادية والاجتماعية، والنفسية. إنّ خضوع المرأة لواجب النوع، وحدود إمكانياتها الفردية هي وقائع بالغة الأهمية. فجسم المرأة هو أحد العناصر الأساسية من وضعها في هذا العالم، إلا أنه لا يكفي وحده لتعريفها، إذ ليس له واقع وجودي إلا عن طريق الشعور، ومن خلال فعلها ضمن المجتمع.
ليس بوسع البيولوجيا الإجابة عن السؤال الذي يشغل بالنا: لماذا تكون المرأة الجنس الآخر؟ علينا أن نعرف ما فعلته الإنسانية بالأنثى البشرية.

للمشاركة:



قبل أيام من مؤتمر برلين.. هذا ما أعلنه أردوغان!

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-16

أعلن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، اليوم، إرسال قوات إلى ليبيا لدعم قوات ميليشيات، فايز السراج، ضدّ القوات المسلحة الليبية التي يقودها المشير خليفة حفتر.

ويأتي الإعلان عن إرسال القوات التركية قبل أيام من لقاء برلين المخصص للأزمة الليبية، والذي سيشارك فيه أردوغان، وفق ما أوردت وكالة "رويترز".

وقال أردوغان: "تركيا ستواصل استخدام جميع الوسائل الدبلوماسية والعسكرية لضمان الاستقرار على حدودها الجنوبية البرية أو البحرية".

أردوغان يعلن اليوم أنّه سيرسل قواته إلى ليبيا قبل أيام من لقاء برلين المخصص للأزمة الليبية

 مراقبون ليبيون ربطوا تصريحات أردوغان بأطماعه التي تتعلق بسيطرته على ليبيا، ومحاولته عرقلة التوجه الدولي الساعي لإحلال السلم في ليبيا عن طريق إحياء المفاوضات بين الفرقاء الليبيين.

وكانت صحيفة "الغارديان" البريطانية قد نشرت، أمس، تقريراً قالت فيه إنّ ألفي مقاتل سوري قد وصلوا، أو سيصلون قريباً إلى ليبيا قادمين من تركيا، للقتال إلى جانب حكومة الوفاق غير الشرعية، التي يترأسها فايز السراج.

ونقلت الصحيفة، عن مصادر سورية، تأكيدها أنّ 300 عنصر من الفرقة الثانية فيما يعرف بـ "الجيش الوطني السوري"، وهو مجموعة من المقاتلين تدعمهم أنقرة، دخلوا تركيا عبر معبر حور كلس العسكري، في 24 كانون الأول (ديسمبر) الماضي، كما دخلت مجموعة أخرى قوامها 350 عنصراً، في 29 كانون الأول (ديسمبر)، لتلقي التدريبات الضرورية قبل إدماجهم في ساحات الحرب في تركيا ضدّ الجيش الليبي.

 

 

للمشاركة:

روحاني يقرّ برفع معدلات تخصيب اليورانيوم.. ماذا سيكون ردّ الدول الأوروبية؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-16

أقرّ الرئيس الإيراني، حسن روحاني، اليوم، بتوسيع بلاده معدلات تخصيب اليورانيوم، بما يفوق الاتفاق النووي.

وقال روحاني في كلمة متلفزة: "تخصيب اليورانيوم اليوم في إيران أكثر مما كان عليه قبل توقيع الاتفاق النووي"، مشيراً إلى أنّه "لا توجد اليوم أيّة قيود على البرنامج النووي الإيراني".

وقال روحاني: "طهران لم تنسحب من الاتفاق النووي، وطلبت من البقية التعويض، وإلا ستخفض من التزاماتها".

وأضاف روحاني: "الإدارة الأمريكية خططت للقضاء على النظام الإيراني في غضون 3 أشهر وفشلت".

روحاني: لا يوجد قيود على البرنامج النووي وتخصيب اليورانيوم اليوم أكثر مما كان عليه قبل توقيع الاتفاق

ولفت روحاني إلى أنّ الخطاب الأمريكي تغير تجاه إيران إلى حدّ كبير بعد الضربة الصاروخية، التي وجهتها إيران إلى القواعد الأمريكية في العراق، قائلاً: "الولايات المتحدة الأمريكية تظلم الجميع وتعتدي على الجميع وتسحق مصالح الجميع، لكن لا أحد يجرؤ على قصف معسكراتها بالصواريخ كما فعلت إيران، ربما تطلق بعض الدول التحذيرات والتهديدات، لكن أن تهزّ قاعدتها العسكرية وتجبرها على التراجع عن تهديداتها وتجعل البنتاغون متيقظا طوال الليل فهذا أمر مهم. لقد تغيّرت اللهجة الأمريكية تجاهنا وتراجعت بعد هذه الضربة إلى حدّ كبير".

 جاءت هذه التصريحات تزامناً مع إعلان وكالات الأنباء أنّ" الضربة الإيرانية جاءت بتنسيق مع الولايات المتحدة، وأنّها لم تستهدف إلا أجزاء من القواعد العسكرية، التي لا يوجد بها أيّ جندي أمريكي".

 

للمشاركة:

هل ينهي الغنوشي الضجة السياسية التي رافقت زيارته لتركيا؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-16

قال الغنوشي، خلال جلسة عامة في البرلمان، أمس: إنّ "زيارته إلى تركيا ولقاءه المغلق بأردوغان، السبت الماضي، كانت بصفته رئيساً لحزب حركة النهضة الإسلامية، وليس رئيسا للبرلمان التونسي، محاولاً تدارك الضجة السياسية التي رافقت زيارته المفاجئة".

وكانت الزيارة المفاجئة أثارت جدلاً في تونس كونها جاءت بعد ساعات من تصويت البرلمان ضد منح الثقة للحكومة المقترحة من مرشح حركة النهضة، وفق ما نقلت وكالات انباء تونسية.

الغنوشي: زيارتي إلى تركيا شخصية حزبية ولا علاقة لها بتمثيل (البرلمان) ولم أتحدث باسمه

ويدور النقاش حول ما إذا كان لقاء الغنوشي بالرئيس التركي، بصفته رئيساً لحزبه حركة النهضة أم بصفته رئيساً للبرلمان، وما إذا كان أحاط البرلمان علماً بتلك الزيارة.

وقال الغنوشي، رداً على استفسار برلماني: "حتى نغلق هذا الموضوع، وكي لا تبقى ملابسات؛ فهي زيارة شخصية حزبية، ولا علاقة لها بتمثيل المجلس (البرلمان)، ولم تستخدم إدارة المجلس، ولا أموال المجلس، ولم أتحدث باسم المجلس في أيّ حديث".

وتابع الغنوشي: "لا يوجد مانع في البرلمان لأن يؤدي أحد رؤساء الأحزاب زيارة خارجية، لا أرى في هذا مشكل"، مضيفاً في توضيحه: "الصفة الرسمية للمسؤول لا تلغي حياته الخاصة ولا صفته الحزبية".

الحزب الدستوري الحرّ يدعو لتوقيع عريضة بين النواب تمهيداً لسحب الثقة من الغنوشي

والغنوشي هو الزعيم التاريخي لحركة النهضة الإسلامية وأحد مؤسسيها مع القيادي الآخر، عبد الفتاح مورو، منذ سبعينيات القرن الماضي، لكن منذ صعوده لرئاسة البرلمان بعد الانتخابات التشريعية، التي أجريت في السادس من تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، وفازت بها حركة النهضة، بدأ قياديون في الحزب بالدعوة إلى ترشيح شخصية بديلة لرئاسة الحركة.

وصرّح عبد اللطيف المكّي، أحد القياديين المخضرمين للحزب في وقت سابق؛ بأنّه يجب التعجيل بتنظيم مؤتمر للحركة لأنّ رئيس الحركة لم يعد قادراً على تخصيص وقت لرئاسة الحزب.

وأوضح المكي: "هناك وجهة نظر قانونية؛ لأنّ هناك من يقول داخل الحزب إنّ القانون الداخلي للحركة ينصّ على أن يكون رئيسها متفرغاً لقيادة الحركة".

وعلى صعيد متصل، طالب الحزب الدستوري الحرّ في تونس، بسحب الثقة من رئيس البرلمان، راشد الغنوشي، غداة زيارته المفاجئة له إلى تركيا.

تونسيون يطالبون بسحب الثقة من الغنوشي لأنّ زيارته إلى تركيا في هذا الوقت تعدّ خرقاً للسيادة

وقال الحزب في مؤتمر صحفي؛ إنّ سحب الثقة من رئيس مجلس نواب الشعب (البرلمان)، تعدّ الوسيلة الوحيدة المتاحة، لمساءلة راشد الغنوشي.

 ولم يقتصر الأمر على الأوساط السياسية؛ حيث طالبت شريحة كبيرة من الشعب التونسي بسحب الثقة من الغنوشي، لأنّ زيارته تلك إلى تركيا تعدّ خرقاً للسيادة التونسية، خاصة أنّها جاءت بعد قرار عدم منح الثقة للحكومة، ما يعدّ مؤشراً على علاقة تركيا وتدخّلها في الشأن الداخلي لتونس.

 

للمشاركة:



"الوطن الأزرق": أيديولوجيا التدخل التركي في ليبيا

2020-01-16

ترجمة: محمد الدخاخني


في 2 كانون الثّاني (يناير) الجاري، وافقت الجمعيّة الوطنيّة التّركيّة الكبرى على تفويض نشرٍ عسكريّ فيما يتعلّق بإرسال قوّات إلى ليبيا. ووصف جنكيز شاندر، الصّحافيّ التّركيّ البارز وخبير الشّرق الأوسط، الأمر بأنّه "تفويض بالمغامرة" يدعم الاتّفاق الثّنائي الذي أبرمته تركيا، في 27 تشرين الثّاني (نوفمبر) 2019، مع حكومة الوفاق الوطني الليبية، التي تتفاوت قوّتها ونفوذها من يوم لآخر. كان السّبب الأسمى لتمرير التّفويض على عجل، دون شكّ، رغبة أردوغان في دخول مفاوضات 8 كانون الثّاني (يناير) الجاري، وهو في موقعٍ قويّ أمام فلاديمير بوتين، الّذي يدعم القوّات الّتي تتعزّز تدريجيّاً لخليفة حفتر، قائد الجيش الوطنيّ الّليبيّ، ضدّ حكومة الوفاق الوطنيّ الّليبيّة. ومع ذلك، يبدو أنّ أردوغان لم يستطع الوصول إلى هدفه، كما ينبغي.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ المصادفة بين تاريخ تمرير التّفويض والتّاريخ الّذي وقّعت فيه دول إسرائيل واليونان وجمهوريّة قبرص اتّفاق خطّ أنابيب الغاز الطّبيعيّ "إيست-ميد"، لنقل الغاز الإسرائيليّ والقبرصيّ إلى أوروبا، بعثت برسالة دبلوماسيّة منفصلة تماماً. في هذا السّياق، تقوم تركيا، وفقاً لسرديّتها الخاصّة، بقلب الّلعبة الّتي أُديرت في شرق البحر المتوسّط وتحقّق الاستقرار في المنطقة من خلال استباق "المتمرّدين" الّليبيّين الّذين تدعمهم القوّات الغربيّة. هذا، دون شكّ، ما يراه نظام أردوغان وأنصاره - أو، على وجه التّحديد، ما أملوا في رؤيته - في تركيا.

السّياسة الحالية الّتي تتّبعها تركيا في ليبيا محفوفة بالمخاطر العسكريّة، وإشكاليّة من منظور العلاقات الدّوليّة

لكن الجانب الآخر من هذه "المغامرة" مختلف كثيراً وأكثر قتامة. يعدّ هذا القرار مؤشّراً في الأساس على أنّ تركيا ابتعدت عن فهمها الكلاسيكيّ والمركّز على التّوازن للسّياسة الخارجيّة، والّذي بدأت تنأى عنه منذ أوائل العقد الثّاني من الألفيّة الحاليّة. كما أنّه مؤشّر على أنّ تركيا قد تنوي بسهولة استخدام القوّة العسكريّة والمشاركة في النّزاعات القائمة خارج حدودها.
هذه ليست المرّة الأولى لتركيا أردوغان؛ فقد كان هناك وضع حرج في سوريا، يمكن أن يكتسب شرعنة نسبيّة في السّياسة الدّاخليّة بسبب قرب هذا البلد، وبسبب الورقة الكرديّة. لكن تركيا تسعى الآن إلى المشاركة في الفضاء العسكريّ والاجتماعيّ والسّياسيّ المعقّد لليبيا، وهي المكان الّذي قمعته عسكريّاً آخر مرّة حين كانت ليبيا أرضاً عثمانيّة. تركيا لا تمتلك أيّ حدود برّيّة مع ليبيا، لكن لديها مسافة طيران تقارب 1,400 ميل. علاوة على ذلك، وفقاً لمصادر إخباريّة عديدة، تستعدّ تركيا لدفع الجماعات الإسلامويّة الّتي دعمتها في سوريا قبل الانخراط مباشرة، وقد يؤدّي هذا الوضع إلى تفاقم صورة تركيا الدّوليّة الّتي هي موضع إشكال بالفعل.

اقرأ أيضاً: هل ليبيا جارة تركيا؟!

عندما ننظر في الوقت ذاته إلى كلا جانبي العملة، يمكننا الوصول إلى بعض الاستدلالات. أوّلاً، من الواضح أنّ قضيّة ليبيا لن تجسّد إنجازاً داخل تركيا؛ حيث عادةً ما تستخدم السّياسة الخارجيّة لأغراض سياسيّة محلّيّة. فهذا البلد غير المعروف إلى حدّ كبير، و، لو كان معروفاً، الّذي لا يجد تعاطفاً نحوه في المجتمع التّركيّ، لن يوفّر الكثير من القوّة لنظام أردوغان. ثانياً، لم يكن واقعيّاً أن نتوقّع من حكومة الوفاق الوطنيّ الّليبيّة، الّتي تدعمها تركيا، تولّي زمام الأمور في البلاد. على العكس من ذلك، فإنّ قوّات حفتر، الّتي تدعمها روسيا وبعض الدول العربية، من المرجّح أن تسيطر على البلاد. وفي مثل هذه الحالة، ستكون تركيا قد فشلت والاتّفاقيّات الّتي أبرمتها قد اختفت. أخيراً، ستواجه تركيا مشكلات أكبر بكثير إذا حاولت نشر كتيبة أو سريّة مدرّبة ومسلّحة مؤلّفة من أكثر من 100 إلى 150 فرداً، بناءً على متطلّبات التّفويض. واتّفاقات التّزويد بين المهابط اليونانيّة والمصريّة قد لا تكون طويلة الأجل، وينظر الخبراء بشكّ لما إذا كانت تركيا لديها القدرة العسكريّة الّلازمة للتّغلّب على هذه العقبة.

لماذا تقوم تركيا بهذه المخاطرة الكبيرة؟

باختصار، إنّ السّياسة الحالية الّتي تتّبعها تركيا في ليبيا محفوفة بالمخاطر العسكريّة، وإشكاليّة من منظور العلاقات الدّوليّة، وستحقّق مكاسب قليلة للحكومة التّركيّة الحاليّة في ميزان السّياسة الدّاخليّة. من المؤكّد أنّ تركيا قوّة مهمّة في موازين القوى في شمال إفريقيا والشّرق الأوسط وشرق البحر المتوسط ولا ينبغي استبعادها في عمليّة التّأسيس لأيّ خطّة. وكما هو الحال مع مصر وقبرص وإسرائيل واليونان، يجب أن تردّ تركيا على إقصائها من جانب دول تعتبر حالياً خصومها، لكن هذا الرّدّ يجب ألّا يكون محفوفاً بالمخاطر بشكل صريح. من ناحية، ربّما تسعى تركيا إلى حلّ النّظام في المنطقة، كما فعلت في شمال سوريا، من خلال اتّفاقيّة تنسيق مع روسيا. لكن، من ناحية أخرى، يجب أن نتذكّر أنّ ليبيا ليست مصدر قلق كبير على الحدود بالنّسبة إلى تركيا كما هو حال سوريا، كما أنّ تركيا لا تحدّد الّلاعبين في ليبيا كما هي الحال في سوريا. فلماذا وكيف تتحمّل تركيا أردوغان هذه المخاطر متعدّدة الجوانب؟ للإجابة عن هذا السّؤال، سيكون من الأفضل البحث عن الدّاعمين الرّئيسين لسياسة تركيا الحاليّة تجاه ليبيا في السّياسة الدّاخليّة التّركيّة، وعندما نفعل ذلك يمكننا أن نرى صورة مثيرة للاهتمام تستحقّ شرحاً.

 

 

الأورو-آسيويّة ومفهوم "الوطن الأزرق"

استخدم الّلواء البحريّ المتقاعد جيم غوردينيز، الّذي حوكم وأدين في محاكمات باليوز (المطرقة الثّقيلة) الّتي نشأت عن الشّراكة بين حركة غولن المثيرة للجدل وحزب العدالة والتّنمية الّذي يتزعّمه أردوغان، لأوّل مرّة مفهوم "الوطن الأزرق" في 14 حزيران (يونيو) 2006، في ندوة حول البحر الأسود والأمن البحريّ نظّمتها قيادة القوّات البحريّة. ووفقاً له، فإنّ "الوطن الأزرق" هو اسم الأرض الّتي تشتمل على مساحات من الاختصاص البحريّ في البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسّط وبحر إيجة (المياه السّاحليّة والجرف القاريّ والمناطق الاقتصاديّة الخالصة) والّتي تحيط تركيا بموارد حيويّة وغير حيويّة. وقد استُخدم هذا المفهوم أيضاً من جانب أعضاء سابقين في القوّات البحريّة، والآن، فريق السّياسيّ التّركيّ دوغ بيرنجيك يُعرّف على أنّه أورو-آسيويّ ويخلق مساحة حرّيّته من خلال استغلال الصّراع بين حركة غولن وحزب العدالة والتّنمية، خاصة بعد منتصف عام 2015. ويجسّد الأورو-آسيويّون، الّذين يحملون شعار "الوطن الأزرق" باعتباره "الميثاق القوميّ في البحر"، فريقاً تعاون مع أردوغان بعد محاولة الانقلاب العنيفة في 15 تمّوز (يوليو) 2016، ويمتلكون القدرة على التّأثير عليه بعمق في عمليّة إبعاد تركيا عن انتهاج سياسة خارجيّة تركّز على الغرب ودفعها نحو الكتلة الصّينيّة-الرّوسيّة مع التّشكيك في أهميّة حلف شمال الأطلسيّ (النّاتو) بالنّسبة إلى تركيا.

يجسّد الأورو-آسيويّون، الّذين يحملون شعار "الوطن الأزرق" فريقاً تعاون مع أردوغان بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016

يؤكّد هذ الفريق، إلى حدّ ما، على أنّ مكان تركيا ليس في الاتّحاد الأوروبيّ أو في إطار مُهيمنٍ شرق متوسّطيّ يركّز على مصر وإسرائيل، وإنّما في تأسيس هيمنة في شرق البحر الأبيض المتوسّط بمفردها. في هذا الصّدد، يجادلون بأنّ مصالح تركيا تقع خارج العالم الغربيّ وأنّ تركيا يجب أن تنضمّ إلى المعسكر المعادي للإمبرياليّة الّذي تقوده روسيا والصين. ويتطلّب تحقيق هذا الهدف الحفاظ على الحدود الّتي أطلقوا عليها اسم "الوطن الأزرق". ومن أجل حماية هذه الحدود، توقّع الأورو-آسيويّون أن تتّبع تركيا بعد اتّفاق ليبيا مبادرة من شأنها أن تضمن التّأثير نفسه الّذي حصل في سوريا. ومن بين القضايا الّتي من المؤكّد أنّها غير قابلة للنّقاش سؤال مع من ستعقد تركيا هذا الاتفاق في سوريا.

 

 

محبّة الإخوان المسلمين والسّباق من أجل قيادة الأمّة

من المثير للاهتمام، بالرّغم من زعم الأورو-آسيويّين أنّهم يمثّلون الجناح العلمانيّ المتشدّد في تركيا، أنّهم أوصوا باتّخاذ إجراءات ضدّ ليبيا بنفس مستوى الإسلامويّين الّذين يمثّلهم أردوغان في تركيا. ورؤية السّياسة الخارجيّة الّتي بدأت بشكل ملحوظ خلال فترة ولاية رئيس الوزراء السّابق، أحمد داود أوغلو، تحت اسم "العثمانيّة الجديدة"، وسعت إلى السّيطرة على سكان الأقاليم العثمانيّة السّابقة والتّأثير على مسلمي العالم من خلال السّلطويّة والتّوظيف الفعّال للدّين فشلت بقدر طموح أردوغان في قيادة العالم الإسلاميّ.

يمتلك الأورو- آسيويون قدرة على التّأثير بعمليّة إبعاد تركيا عن انتهاج سياسة خارجيّة تركّز على الغرب ودفعها نحو الكتلة الصّينيّة-الرّوسيّة

هنا، وجدوا السّعوديّة الأكثر قوّة اقتصاديّاً ومصر الأكثر نفوذاً من النّاحية الّلاهوتيّة في وجههم في كلّ مكان تقريباً في العالم. وهذا دفعهم بالضّرورة نحو تعاون عالميّ متعدّد الأوجه مع جماعة الإخوان المسلمين. في النّهاية، زواج أردوغان بين القوميّة والإسلام يتماشى إلى حدّ بعيد مع أيديولوجيا الإخوان المسلمين.
ومع سيادة هذه الظّروف، وجد أردوغان نفسه، والجناح الإسلامويّ المحيط به، بطريقة ما، يدعم رئيس حكومة الوفاق الوطنيّ الّليبيّة، فايز السّراج، وهو عضو معروف في جماعة الإخوان المسلمين. وبالتّالي، فتحت تركيا أردوغان جبهة أخرى ضدّ السّعوديّة، الّتي دخلت معها في صراعات متعاقبة منذ النّصف الأخير من العقد الثّاني من الألفيّة الحاليّة، وضدّ مصر، الّتي أعلنت تركيا صراحة عداءها لها.

لقاء الغريمين
بالرّغم من أنّ الفريقين، الأورو-آسيويّ والإسلامويّ، كانا في صراع حول أشياء كثيرة في تركيا، فقد تقاطعا، بالضدّ من كلّ الخلافات التّاريخيّة، حول قضيّة ليبيا. وفيما يناور أحد الفريقين لتطليق تركيا من الغرب عندما تتعلّق الأمور بالسّياسة الخارجيّة، يسعى الآخر لبناء حصن جديد في منافسة لا تليق بتديّن تركيا. سيكون من الصّعب تقدير المدى الّذي ستكون عليه الطّبيعة الجماعيّة لهذين الفريقين في السّياسات المحلّيّة التّركيّة، لكنّهما بالتّأكيد أغرقا تركيا في مهرب من شأنه أن يؤثّر تأثيراً عميقاً وسلبيّاً في المنطقة.


أحمد إردي أوزتورك، أوبن ديموكراسي

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:
https://www.opendemocracy.net/en/north-africa-west-asia/who-pushing-turk...

للمشاركة:

هل ليبيا جارة تركيا؟!

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-16

سلمان الدوسري

عندما تكون أدوات الدولة السياسية تصادمية وحادة جداً، فهي لا تستطيع استخدام الدبلوماسية أو بالأحرى لا تجيدها. هذا ما ينطبق على السياسة التركية حرفياً، فالأجندات السياسية المتخبطة تطغى على لغة العقل والمنطق والعلاقات الدولية، وتكتيكات الدولة العثمانية في القرن الثامن عشر تسيطر على ذهنية السلطان في القرن الحادي والعشرين، لذلك تجد نفسها دائماً في صراعات واختلافات وحروب مع الجميع، فما الدولة التي تحظى بصداقة تركيا حالياً؟ إذا استثنينا الدوحة التي تتطابق سياساتها مع أنقرة تماماً، لاعتبارات القاعدة التركية في قطر، فإن بقية دول العالم تضع حواجز ومسافات ومحاذير. فبعد العمليات العسكرية وغزو الشمال السوري، جاءت آخر المغامرات التركية غير المحسوبة بإعلان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان عن تدخل بلاده عسكرياً في ليبيا، قبل أن تبدأ أنقرة في إرسال جنود ومرتزقة، وهي من سبق وأرسل أسلحة، في مخالفة صريحة للشرعية الدولية وانتهاك لقرار مجلس الأمن رقم 1970 لعام 2011، الذي ينص على عدم مد ليبيا بالأسلحة.. كل هذا يحدث رغم عدم وجود حدود مباشرة بين ليبيا وتركيا، فجزيرة كريت اليونانية تفصل بينهما، كما أنه لا توجد بينهما أي فواصل بالبحار حتى يتم توقيع اتفاق بحري لم يعترف به أحد، إلا أن وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، له تعريف آخر للجغرافيا، عندما صرح أمس بأن «ليبيا جارتنا من البحر»!، ووفق هذا التعريف «العثماني» الخيالي، فإن الهند وباكستان جارتان للسعودية، وسوريا جارة لفرنسا، ولبنان جار لإسبانيا!
تحتل ليبيا المرتبة الخامسة عالمياً في احتياطيات النفط، بمعدل 74 مليار برميل تكفي لتصدير النفط 112 عاماً أخرى، وهو قد يكون سبباً كافياً يدفع أنقرة لمحاولة التدخل، خصوصاً مع معاناتها في موارد الطاقة واستيرادها 90% من احتياجاتها النفطية، ناهيك باستهلاكها 500 ألف برميل يومياً، إلا أن الهدف الاقتصادي ليس وحده ما يدفع تركيا إلى التدخل عسكرياً، فلا يخفى على أحد المكانة المتنامية لليبيا كعامل استراتيجي رئيسي في السياسة الخارجية التركية، تستخدمها سواء لمنافسة خصومها القدامى كاليونان أو الجدد كمصر، وكان ذلك يحدث بواسطة أذرعها من الميليشيات، لكنه أصبح يتم بشكل رسمي وفاضح، بالإضافة إلى أن ليبيا تمثل المركز الرئيسي في طرق الهجرة بين القارتين الأفريقية والأوروبية، وهذا الملف استخدمته تركيا جيداً لابتزاز جيرانها الأوروبيين وتهديدهم بغزو المهاجرين السوريين للحصول على مكاسب مادية لا حصر لها، وهي هنا أيضاً تريد أن يكون لها دور جديد، بحيث لا يمكن لأي سياسات مناهضة للمهاجرين في أوروبا التصدي لها دون أن يكون لتركيا يد فيها تمارس ابتزازها مجدداً.
الغزوة التركية لليبيا فشلت قبل أن تبدأ، فبالإضافة إلى صعوبة تنفيذ ذلك على أرض الواقع، واختلاف الظروف الجغرافية التي دفعت أنقرة إلى التدخل العسكري في سوريا، والتي لم تحقق أهدافها حتى الآن على كل حال، فإن السمعة التركية أصبحت في الحضيض عالمياً، ولا توجد دولة لم تُدِن هذا التدخل التركي الغاشم، باستثناء قطر طبعاً التي أيّدته، وغدت السياسة التركية مرتبطة بالتهور والعنجهية والغرور، لذلك فإن السياسة التركية تستحق جائزة المركز الأول في تحقيق الفشل الذريع سياسياً وعسكرياً واستراتيجياً.
وبعيداً عن واجب «الجيرة» الذي دفع تركيا إلى غزو ليبيا، وقبلها سوريا، أليس الأقربون أولى بالمعروف؟ أليس الجزر التركية التي تقول تركيا إنها «محتلة» من اليونان في بحر إيجه أكثر قرباً من سوريا وليبيا؟ فإذا لم تتحرك من أجل تراب بلدك، فكيف تفعلها من أجل تراب دول أخرى؟!

عن صحيفة "الشرق الأوسط"

للمشاركة:

الصراع في ليبيا: ما حقيقة وجود مقاتلين سوريين؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-16

نددت سفارة الولايات المتحدة في ليبيا بتصاعد العنف وتدهور الوضع الأمني في البلاد، نتيجة الاقتتال بين حكومة فايز السراج وقوات القائد العسكري خليفة حفتر.

وقالت في بيان إن هذا التدهور "يُبرز مخاطر التدخل الأجنبي السام في ليبيا، مثل وصول المقاتلين السوريين الذين تدعمهم تركيا وكذلك نشر المرتزقة الروس".

فهل يوجد بالفعل مقاتلون سوريون في ليبيا؟

نشرت صحيفة "غارديان" البريطانية، اليوم الأربعاء، تقريرا قالت فيه إن ألفي مقاتل سوري قد وصلوا، أو سيصلون قريبا إلى ليبيا قادمين من تركيا، للقتال إلى جانب حكومة الوفاق المعترف بها دوليا برئاسة فايز السراج.

ونقلت الصحيفة عن مصادر سورية في الدول الثلاث، سوريا وليبيا وتركيا، تأكيدها أن 300 عنصر من الفرقة الثانية في ما يعرف بـ "الجيش الوطني السوري"، وهو مجموعة من المقاتلين تدعمهم أنقرة، دخلوا تركيا عبر معبر حور كلس العسكري في 24 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، كما دخلت مجموعة أخرى قوامها 350 عنصرا في 29 ديسمبر/ كانون الأول.

وتقول غارديان إنه تم نقل العناصر جوا إلى طرابلس، معقل حكومة الوفاق، حيث تم إرسالهم إلى مواقع المواجهة شرقي العاصمة.

ووفقا للصحيفة، دخل في 5 يناير/ كانون الثاني الجاري نحو 1350 مقاتلا إلى تركيا قادمين من سوريا، وأُرسل بعضهم إلى ليبيا، فيما لا يزال آخرون يتلقون التدريب في معسكرات جنوبي تركيا.

وقد فاقت هذه الأرقام التقديرات السابقة لأعداد المقاتلين السوريين الذين دخلوا إلى ليبيا.

رواتب كبيرة

كما أشارت الصحيفة، نقلا عن مصدر موثوق، إلى أن المقاتلين السوريين سيشكلون فرقة سيطلقون عليها اسم، عمر المختار، زعيم المقاومة الليبية الذي ناضل ضد الاحتلال الإيطالي وأُعدم عام 1931.

وقالت غارديان، إن مصادر في "الجيش الوطني السوري" ذكرت أن المقاتلين أبرموا عقودا لمدة ستة أشهر مع حكومة الوفاق مباشرة وليس مع الجيش التركي، ويحصلون بموجبها على رواتب بقيمة ألفي دولار شهريا للمقاتل الواحد، وهو مبلغ كبير مقارنة بحوالي 90 دولارا شهريا فقط كانوا يتلقونها من تركيا لقتالهم في سوريا.

كما قُطعت وعود لهؤلاء المقاتلين بالحصول على الجنسية التركية.

وأكدت الصحيفة أن أربعة مقاتلين سوريين على الأقل قد قُتلوا في ليبيا، غير أن فصائلهم أعلنت أنهم لقوا مصرعهم في جبهات المواجهة مع المقاتلين الأكراد في شمال شرقي سوريا.

وتداولت وسائل التواصل الاجتماعي الشهر الماضي لقطات مصورة بهاتف محمول لرجال لهجتهم سورية ويدّعون أنهم ينتمون لـ "الجيش السوري الحر" وأنهم موجودون في ليبيا "للدفاع عن الإسلام".

ونفت كل من أنقرة وطرابلس، وكذلك فعل "الجيش الوطني السوري"، مرارا وتكرارا وجود مقاتلين سوريين في ليبيا.

وقال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، الأسبوع الماضي إن تركيا نفسها أرسلت حتى الآن 35 جنديا فقط إلى طرابلس بصفة استشارية.

ووفقا للصحيفة، لا يلقى التدخل التركي في ليبيا تأييدا في الشارع التركي على عكس التوغل في أكتوبر/ تشرين الثاني في الأراضي السورية لمواجهة المقاتلين الأكراد.

عن "بي بي سي "

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية