أسباب التخبّط الفرنسي في مواجهة الإسلام السياسي

تتخبّط فرنسا منذ هجمات الباتاكلان، عام 2015، في موقفها من الأعمال الإرهابيّة، سواء عبر إقرار قانون الطوارئ لأكثر من شهر، في مخالفة دستوريّة صارخة، أو افتتاح مراكز "ضدّ الراديكاليّة"، أو قوانين مكافحة الإرهاب، كما تحوّل الموقف من حركات الإسلام السياسي إلى حرب سياسيّة في الانتخابات، وأخرى على الأرض عبر المراكز المختصّة والمحاضرات المختلفة.

اقرأ أيضاً: موجة البديل الإسلامي في جماعات الإسلام السياسي
هذا الموقف المرتبك لا يقتصر فقط على الكلام العمومي، والعنصري أحياناً، الموجَّه للمسلمين، بل يبلغ أشدّه في الموقف من الأحزاب المنظمة التي تحاول أن تمارس نشاطاً سياسياً، يرى فيه الكثيرون تهديداً لعلمانية الدولة ولادينيّتها.
 الكثير من الأحزاب والمساجد والجمعيات التي تروّج للإسلام السياسي مدعومة من الخارج

الإسلام السياسي يتسلل إلى البلديات
فوجئ الفرنسيون، سياسيين وناخبين، بنتائج انتخابات البلديات في فرنسا؛ إذ حلّت في المرتبة الرابعة، وبنسبة 7،43%، لوائح تجمّع "أوروبا بخدمة الشعب"، والذي يقف وراءه "تجمّع الديمقراطيين المسلمين في فرنسا"، وترأّس القائمة نجيب أزرغوي، بوصفه على رأس قائمة منطقة سين ومارين، المرشَّحة للانتخابات الأوروبيّة، ليكون التجمّع السابق، الحزب الإسلامي الأول الذي يصل إلى هكذا مكان سياسي في فرنسا، رافعاً شعار "العيش سوية"، ورافضاً "التحييد المنظم للمسلمين في أوروبا".

التخبط الواضح في التعامل مع الإسلام السياسي بفرنسا سببه الرؤية التعميميّة التي ترى في كلّ المسلمين احتمالات جهاديين

هذه النتائج، والنشاط السياسي الإسلامي في عدد من المناطق الإدارية في فرنسا، حرّكت الرأي العام والسياسيّين، ويرى بعضهم أنّه يجب منع ترشيح من يقدم برنامجاً يتناقض مع قوانين "الجمهوريّة"؛ كعدم المساواة بين المرأة والرجل، والفصل في المرافق العامة، كالمسابح، ويطالب بأوقات مختلفة للوجبات الرئيسة، فيما يتناسب مع أوقات الصلاة.
من جهته، أعلن وزير العمل العام، جيرالد دارمانين؛ أنّ "المعركة سياسيّة حكماً، ولا يمكن منع المرشحين من ترشيح أنفسهم للانتخابات"، ولا بدّ من تحذير ما أو إشارة إلى هذا الأمر، كما فعل وزير الداخلية كريستوف كاستانير؛ الذي أكّد أنّه يريد "فحص الأدوات القانونية والسياسيّة للوقوف بوجه هذه الظاهرة، رغم صعوبة الأمر"، فتدخّل كهذا يعدّ مشكلة دستوريّة؛ كون أيّة محاولة ستكون مخالفة لقوانين حرية الترشح، والأمر ينسحب على مراقبة محتويات البرنامج الانتخابي، وللعلم؛ لفرنسا تاريخ سابق في أن يكون رجل دين عمدة، أو حتى عضواً في البرلمان.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي في تشكلاته وتحولاته.. هل هو سياق تاريخي أم أزمة؟
الرعب الذي تواجهه فرنسا يتجاوز ذلك، كون الكثير من الأحزاب والمساجد والجمعيات التي تروّج للإسلام السياسي مدعومة من الخارج، وتعمل على تطبيق أجنداتها في الترويج لشكل سياسي من الحكم الإسلامي، الذي يهدّد قيم الجمهوريّة، هذا الرعب نراه في الأعمال المتخيلة؛ كرواية ميشيل هولونيك "خضوع"، التي يتخيل فيها انتصار مرشّح مسلم متشدّد في الانتخابات الرئاسيّة، والخوف ذاته نراه في النقاشات الفكريّة، كما في لقاء مع مارسيل غوشيت: "الذي يرى أنّ ما يهدّد العلمانية هو الجماعات التي ترفض الديمقراطية، ومبادئها، ونزعتها نحو تكوين جماعات قد تدخل ضمن الجسد السياسيّ وتهدده من الداخل، وخصوصاً في المساحات الريفية والضواحي"، أما أشكال التحزب الجديدة التي أشار إليها الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، فتشكّل "محاولة انفصال عن الجمهورية".
البلديات الأكثر تصويتاً لتجمع الديمقراطيين المسلمين في فرنسا

هيئة مختصة لمكافحة الإرهاب
تأسست بأمر رئاسيّ، أول الشهر الماضي، الهيئة الوطنية لمكافحة الإرهاب، ويرأسها جان فرانسوا ريكارد، ذو الخبرة في العمل القضائي في شؤون الجماعات الإرهابيّة، ومهمة هذه الهيئة القضائية ستكون النظر في شؤون الإرهابيين الذين ألقت فرنسا القبض عليهم، ممن مارسوا أعمالاً إرهابية سواء داخل البلاد أو خارجها، إلى جانب التحقيق في قضايا الجرائم ضدّ الإنسانيّة، التي ارتكبها مقيمون ولاجئون في فرنسا، سواء كانوا من سوريا أو من راوندا، أو غيرها من الدول التي شهدت حروباً أهلية.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي كأزمة في تاريخ الأفكار
أهمّ الأسئلة التي تواجه ريكارد، خصوصاً بعد تلاشي تنظيم داعش، هي الجهاديون؛ إذ يرى أنّ التنظيم خسر معركة، لكنّه لم يخسر الحرب، فما تزال شبكاته المالية قائمة، ومقاتلوه موزّعين في أنحاء العالم، كما يرى أنّ الإرهاب الجهاديّ ليس فقط مشكلة فرنسيّة، بل عالميّة، فهناك أجيال من الأطفال الذين تربّوا على عداوة فرنسا، وهذا ما يجب أخذه بعين الاعتبار.
هذه الهيئة أيضاً تنظر في أمر المقاتلين الذين عادوا من سوريا والعراق إلى فرنسا، إلى جانب الحركات التي تسعى لنشر الفكر الراديكالي في فرنسا، والتي توظّف الإسلام كأيديولوجيا عدوانيّة صالحة لشنّ الحروب، ليس فقط على "الدول"، بل أيضاً "المواطنين".

اقرأ أيضاً: ما تأثير الإسلام السياسي على المجتمع الجزائري؟

وفي حديث لـ "حفريات" مع المكتب الصحفي لمحكمة البداية في باريس، أكّد المتحدّث؛ أنّ "فرنسا ملتزمة بالقوانين الدستورية والدولية، وتسعى لمحاكمة مجرمي الحرب، ومرتكبي الأعمال الإرهابية، كمواطنين، وفي ظلّ القانون، أما تهمة الإرهاب فهي لا تقتصر على الجماعات الإسلاميّة؛ بل كلّ من يساهم في زعزعة أمن فرنسا وتهديد مواطنيها، أما المقيمون في فرنسا من مرتكبي جرائم الحرب فالمحكمة ستلتزم بالقانون، وكما هو معروف في الإجراءات التي تتخذ بخصوصهم".
إعادة النظر في العلمانيّة
النائب في البرلمان، جيرارد لارشير، يرى أنّ الحلّ يكمن في إعادة النظر في العلمانيّة نفسها، ومبادئ الجمهورية في سبيل إعادة قراءتها، وخصوصاً أسلوب تطبيق قانون عام 1905، الذي يحدّد بدقة أشكال فصل الدين عن الدولة وكيفية ممارسة الأنشطة الدينية، في حين يرى المؤرخ مارسيل غوشيت؛ أنّ "المشكلة الحقيقة تكمن في أنّ الإسلام لم يدخل في الديمقراطيّة، بالمعنى المؤسساتي، بل الفلسفي والميتافيزيقي؛ بمعنى حرية الأفراد بتنظيم أنفسهم دون أيّة أوامر علويّة أو ربانيّة".

اقرأ أيضاً: جماعات الإسلام السياسي.. هل تشوه القيم الإنسانية للأفراد والمجتمعات؟
ويضيف لاشير: "من الضروري تنفيذ أحكام قانون عام 1905 ضدّ دعاة الجماعات الإسلامية "المقاتلة"، الذين يدّعون أنّهم يبقون على هامش الجمهورية، في الوقت ذاته، لا يمكن إهمال أهمية العمل الثقافي والتعليمي لخلق اتجاه فكري يحترم الديمقراطية".
إجراءات متخبطة
التخبط الواضح في التعامل مع "الإسلام السياسي" في فرنسا سببه الرؤية التعميميّة، التي ترى في كلّ المسلمين احتمالات جهاديين، أو ناشطين سياسيين، ليتحوّل الموضوع إلى نوع من الاستفزاز، وخصوصاً بعد التجارب الفاشلة التي قامت بها فرنسا، والتي تلخّص في "مراكز محاربة الراديكاليّة" التي ثبتت عنصريتها، وتحولّها إلى محطّ السخرية، وأحياناً الانتقام، والأمر ذاته في أنظمة الرقابة في المدارس، وتحديد الطلاب الذين تظهر عليهم "علامات الراديكاليّة"، ووصل الأمر إلى إنشاء رقم هاتف يتصل به من يظنّ أنّ هناك "سلفياً" أو "راديكالياً" يعرفه، كي يخبر عنه السلطات المختصة، وهذا ما تحوّل إلى محطّ سخرية لكثيرين.

ثمة خشية من تحوّل ستراتسبورغ، عاصمة الاتحاد الأوروبيّ، إلى عاصمة للإسلام السياسيّ التركيّ لتأثّر الجالية التركية هناك بالبروباغندا الأردوغانيّة

آخر هذه الجهود كانت استضافة ماركوس كيربير في عدد من المؤتمرات لتقديم النصح للحكومة الفرنسيّة، والسبب أنّ كيربير، المسؤول في وزارة الداخليّة الألمانية، ينسق مؤتمرات وجلسات حوار مع ألمان ومسلمين، من أجل الحديث بشأن انتشار الفكر الإسلاميّ في ألمانيا، خصوصاً بعد موجات اللجوء التي بلغت أشدّها عام 2015. ويرى ماركوس؛ أنّ "على فرنسا الاستفادة من تجربة ألمانيا التي فتحت حواراً بين مسلمي ألمانيا أنفسهم، لمناقشة طوائفهم المتعددة ومشكلاتهم، لا السياسيّة فقط؛ بل أيضاً الدينيّة، ويترافق ذلك مع دروس دينية في المدارس العامة واختصاصات في اللاهوت الإسلامي في الجامعات، والأهم العمل على أن يكون خطباء الجوامع مولودين ودارسين للدين الإسلامي في ألمانيا.

زار أردوغان مدينة ستراتسبورغ سابقاً وقوبل بالاحتفال الهائل

الخوف من ستراتسبورغ

العامل الآخر الذي يحرّك الخوف الفرنسي من الإسلام السياسي؛ هو ستراتسبورغ، عاصمة الاتحاد الأوروبيّ، والتي يُظنّ أنّها تتحوّل إلى عاصمة للإسلام السياسيّ التركيّ؛ بسبب تأثّر الجالية التركية هناك بالبروباغندا الأردوغانيّة، والأهم أنّها تحتضن مسجد "أيوب سلطان"، الذي سيفتح أبوابه عام 2023 بقيمة تبلغ 32 مليون يورو، ليكون واحداً من أكبر المساجد في أوروبا.

صورة متخيلة لمسجد سلطان أيوب في ستراتسبورغ

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي ومستقبل الديمقراطية في العالم الإسلامي
صحيح أنّ المسجد سيكون كباقي مساجد فرنسا، يضمّ مقاهي ومساحات للطعام وغيرها من الأنشطة، لكنّ التخوف أساسه طبيعة الدعاية التي سيضخّها، والمنظمة الداعمة له، التي تحمل اسم "رؤية المجتمع"؛ والتي تتحدث باسم مجموعة من المنظمات التركية المحافظة، التي ظهر تأثيرها عندما زار أردوغان المدينة سابقاً، وقوبل بالاحتفال الهائل.
الأهمّ؛ أنّ كثيراً من المدارس الخاصة هناك ترفض إعطاء مواعيد للصحفيين، بوصفهم يشوّهون الحقيقة؛ فالمدارس هناك تدّعي أنّها مطابقة للمناهج الوطنيّة، مضافاً إليها دروس التربية الدينيّة المُتهمة بأنّها تبثّ قيماً تعادي العلمانيّة، كما أنّ مدير العلاقات العامة لمكتب العلاقات الفرنسية التركيّة، المبعَد بسبب آرائه المناهضة لقيم العلمانية الفرنسيّة، يعمل في المنظمة، ويرفض أيّ لقاء صحفيّ، خوفاً من تشويه صورته.

الأقسام: