دروس حافة الهاوية.. كيف الوصول إلى أمن إقليمي دائم؟

دروس حافة الهاوية.. كيف الوصول إلى أمن إقليمي دائم؟
محمد الزغول's picture
باحث في الشأن الإقليمي والإيراني
3854
عدد القراءات

2019-07-21

يبدو أنّ التوتّر والتصعيد في منطقة الخليج العربي وصل إلى أقصى مستوىً يمكن بلوغه، في ظل التزام جميع أطراف الصراع بعدم الانجراف إلى المواجهة العسكرية المباشرة. وبالفعل بدأ أطراف هذا الصراع المتمحور حول المسألة الإيرانية بالاتجاه إلى التهدئة، باستثناء ربما طرف واحد يبحث عن مداخل لإشعال المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وهو الطرف الإسرائيلي.

اقرأ أيضاً: إيران وإستراتيجية "حافة الهاوية"

ولعل إيقاف واشنطن عملية إدراج وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف على لائحة العقوبات الأمريكية، التي طالت من قبله قيادات عليا في النظام الإيراني، على رأسهم القائد الأعلى للثورة علي خامنئي، وكبار قادة الحرس والقوى الأمنية، تشير بوضوح إلى رغبة واشنطن بإبقاء باب الدبلوماسية مُشرعاً، في حين مثّل قرار واشنطن منح الوزير الإيراني تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة مبادرة إيجابية أخرى، قابلتها إيران بالحديث لأول مرة عن إمكانية مُناقشة البرنامج الصاروخي الإيراني مع الولايات المتحدة. وكانت مبادرة طهران إلى إطلاق سراح المواطن الأمريكي-اللبناني نزار زكا الذي كان معتقلاً في طهران بتهمة التجسس، قد قُرِئت أيضاً في المنطقة باعتبارها مبادرة حُسن نية من الجانب الإيراني.

لا يمكن الحديث بشفافية عن بنية أمنية مستقرة في المنطقة دون استعراض أهم المهددات الأمنية التي قادت لحافّة الهاوية

وعلى ضفتي الخليج، ظهر ما بدا أنّه رسائل إيجابية متبادلة بين طهران، ودول الخليج العربي، بدأتها دولة الإمارات بالامتناع عن توجيه الاتهام مباشرة إلى طهران في حادثة الاعتداءات على ناقلات النفط في ميناء الفجيرة الإماراتي، على الرغم من محاولات بعض القوى الإقليمية والدولية الدفع بهذا الاتجاه دون امتلاك أدلة دامغة. ثم جاء الإعلان الإماراتي غير الرسمي عن إعادة الانتشار العسكري في اليمن، والذي ترافق مع الإفصاح عن الانتقال إلى إستراتيجية جديدة في الملف اليمني، تقوم على أساس تمكين الحل السياسي أولاً.

ورحّبت طهران بالخطوات الإماراتية على لسان وزير الخارجية جواد ظريف، الذي أشار، لأول مرة، إلى إمكانية تجزئة ما يسميهم الوزير ظريف بـ "خصوم المجموعة ب"، والذين يتّهمهم بالتحريض ضد إيران في واشنطن. وقد ألمح ظريف إلى أنّ طهران ترى فرقاً بين خصومات تكتيكية سياسية، مع ولي العهد السعودي، وولي عهد أبو ظبي، بينما ترى العلاقة مع الطرفين الآخرين في "المجموعة ب" (اليمين الجمهوري الأمريكي الذي يمثله جون بولتون، واليمين الإسرائيلي الذي يمثله بنيامين نتانياهو) قائمة على أساس العداء الوجودي الدائم.

اقرأ أيضاً: لماذا أخفقتْ "سياسة حافة الهاوية" التي تمارسها إيران؟

هذه الإشارات الإيجابية، وأخرى غيرها لا داعي لاستعراضها، تفيد بأنّ التهدئة باتت خيار مختلف الأطراف في الإقليم، وهي خطوات أولية جيدة بالطبع، على طريق شاقّ وطويل لحلحلة الأزمات القائمة. لكن ما تحتاجه المنطقة شيء آخر.

إنّ كثرة الحديث في المنطقة خلال الأعوام الماضية عن حافة الهاوية، لم يكن مجرّد مبالغات إعلامية، بقدر ما كان تعبيراً عن موقف متأزم، وخصومات مستعصية على أيّة حلول أو مبادرات سياسية. لقد اجتاحت المنطقة موجة استعداء واستقطاب حادّة للغاية، بخلفيات طائفية، وأطماع جيوسياسية، ومخاوف أمنية وجودية، وضعت مستقبل المنطقة كلها في مهب الريح.

اقرأ أيضاً: المناورة الإيرانية على حافة الهاوية
إنّ الاقتراب إلى آخر ميكروميتر من مواجهة عسكرية بأبعاد عالمية مدمرة للجميع كشف عن حاجة ماسّة إلى بُنية أمنية مستدامة في المنطقة، تحفظ استقرارها في عالم متحول، وإقليم تتشابك وتتنافر فيه المشاريع الجيوسياسية، والمصالح الدولية. مثل هذه البنية الأمنية جاءت في الغرب متأخرة، بعد حرب عالمية مدمرة، وخسائر مرعبة على جميع المستويات، فهل تأتي في منطقتنا التي تمرّ بظروف مشابهة، قبل الحرب كما تقتضي الحكمة؟ أم "يأتي الدواء بعد موت سُهراب" كما في الأسطورة الفارسية؟

استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية هو معوّق رئيس لمحاولات التنمية والمهدد الأبرز للاستقرار في الإقليم

ومع ازدياد فرص حدوث "استدارة إيرانية" باتجاه الغرب الأمريكي، نتيجة حملة "الضغوط القصوى" التي تفرضها واشنطن على طهران، واستمرار نجاحات التعاون الأمريكي-الروسي الذي بدأ في الملف السوري، ولن ينتهي في الملف النووي الإيراني، وتبلوُر ملامح نظام دولي جديد، تبدو دول المنطقة أمام تحدٍّ بالغ الأهمية في إعادة تشكيل علاقاتها الخارجية على أسس جديدة. وخاصة في ظل اتجاه الدراسات والتقديرات المستقبلية إلى الحديث عن دور أقلّ للشرق الأوسط في سوق الطاقة العالمي، وترافُق ذلك مع إعادة هيكلة النظام الدولي، على أساس استمرار أحادية القطبية الأمريكية، لكن بمركزية أقل، واعتمادية أكبر على دور الولايات المتحدة في المشهد الكوني، والذي يأتي على حساب تراجع أدوار المؤسسات الأممية، والمنظمات الدولية.

اقرأ أيضاً: النظام الإيراني.. السير على حافة الهاوية

لقد ثبت بشكل قاطع بأنّ إدارة المشهد الإقليمي وفق "توازنات المصالح" ليست كافية، ولا بدّ من إعادة تشكيل النظام الإقليمي على أساس "توازن القوى" الأكثر ديمومة واستقراراً. وهو ما يقتضي مقاربة رؤية أمنية إقليمية أكثر شمولية، لا تقتصر على المفاهيم الجيوعسكرية، والجيوسياسية، بل تعزز العوامل المشتركة؛ الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأيديولوجية والدينية.

اقرأ أيضاً: إيران تواجه سياسة حافة الهاوية الأمريكية بشراكات إقليمية

ولا يمكن الحديث بشفافية عن بنية أمنية مستقرة في المنطقة، دون استعراض أهم المهددات الأمنية التي قادت إلى حافّة الهاوية، وعلى رأسها احتدام الصراع الطائفي الذي قاد إلى ظاهرة الاصطفاف المذهبي إقليميّاً، وأنتج سياسات المحاصصة الطائفية المقيتة محليّاً، في عدد من أنظمة الحكم في الشرق الأوسط التي أصبحت خطراً يتهدد دولاً عديدة بالتفتت والحروب الأهلية. وازداد الأمر سوءاً في العقد الثاني من القرن الجاري؛ حيث أصبحنا نشهد ظاهرة الكشف عن المشاريع الجيوسياسية المستندة إلى أسس ونزعات طائفية صريحة؛ إذ عملت إيران بشكل واضح على بناء مركزية شيعية، دون مراعاة لسيادة دول الجوار واستقلالها، وهذه المركزية الشيعية الإيرانية، تركت انعكاسات خطيرة على أمن دول الخليج العربية؛ لأنها ارتبطت بمشروع توسُّع جيوسياسي.

أمام دول المنطقة تحديات اقتصادية جمة تحتاج إلى خطط وبرامج تستشرف المستقبل وتضع البدائل المناسبة

ولعلّ أحد المخاوف الأمنية المشتركة التي أظهرت الحاجة إلى التعاون الإقليمي، تمحور حول تنامي التطرف الديني والقراءات الأصولية المتشددة؛ إذ دفع غياب قراءة دينية مقبولة شعبياً في المنطقة الكثير من الشباب المُتديّن للتعبير عن مشاعرهم الدينية من خلال أطر وتيارات خارجة عن القانون. لكنّ التعاون الإقليمي في هذا الإطار أيضاً، شابه الكثير من الكيد السياسي؛ إذ سعت مختلف الأطراف الإقليمية إلى إلصاق تهمة دعم الإرهاب بالأطراف الأخرى في المحور المقابل. وهو ما اضطرّ الجميع في النهاية إلى البقاء في دائرة الدفاع عن النفس. وكانت النتيجة تكريس صورة مُجتزأة، ومنحازة تركزت أنظار العالم فيها على الإسلام دون غيره من الأديان والأيديولوجيات باعتباره مصدراً للتطرف العالمي.

اقرأ أيضاً: ما بعد قطر: السياسات القطرية وحافة الهاوية

كما كشفت حافة الهاوية التي وصلت إليها المنطقة أيضاً، عن هشاشة النظرة الضيّقة للتنمية، وأظهرت الحاجة إلى مقاربة تنموية مشتركة وشاملة في المنطقة. إذ بات واضحاً بأنّه لا يمكن لأي طرف أن يهنأ بالنمو الاقتصادي والتنمية وحده، في ظل استمرار تفاقم الأزمات الاقتصادية في دول الجوار، وتعطُّل عجلة التنمية في عديد من دول المنطقة. فقد شاهدنا جميعاً كيف أدى إخفاق الخطط التنموية في دول "الربيع العربي" إلى خطر يتهدد الأمن الإقليمي والدولي برمّته؛ إذ لا يمكن منع تأثير الاضطرابات في مكان ما، على باقي دول الإقليم والعالم.

اقرأ أيضاً: الحروب على الطريقة الترامبيّة

وإذا ما صدقت التنبؤات القائلة بتوجه بعض القوى الدولية الفاعلة إلى خفض أسعار النفط عالمياً بشكل إستراتيجي، واتجاه الشرق الأوسط نحو دور أقل أهمية في سوق الطاقة العالمي، فإنّ أمام دول المنطقة تحديات اقتصادية جمة، تحتاج إلى خطط وبرامج تستشرف المستقبل، وتضع البدائل المناسبة.

لقد أعادت المنطقة مؤخراً، اكتشاف الحقيقة القائلة، بأنّ الصراع العربي-الإسرائيلي هو أهم أسباب عدم الاستقرار في المنطقة. وبغض النظر عن حقيقة سعي بعض القوى الإقليمية لاستغلال هذه القضية المركزية، لتعزيز قوتها الناعمة، وتمرير أهدافها السياسية، ومشاريعها التوسعية، لكنّ استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية هو بلا شكّ، معوّق رئيس لمحاولات التنمية والإصلاح، والمهدد الأبرز للاستقرار في الإقليم.

يمكن للدول العربية تعزيز التعاون المؤسسي انطلاقاً من الاهتمامات غير السياسية المشتركة كالأمن المائي والغذائي

وفي ظل تشابك المشاريع الجيوسياسية في المنطقة، برزَ غياب رُؤية سياسية وأمنية عربية، أو حتى خليجية جامعة، كأحد أبرز نقاط الضعف العربية. وشهدنا تراجعاً مستهجناً في أداء المنظومتين العربية والخليجية. وهو ما كشف أيضاً، ضعف المؤسسيّة في العمل السياسي العربي. وبعيداً عن شعارات التضامن العربي، والعمل العربي المشترك التي لم يعد الشارع العربي يتفاعل معها نتيجة حالة اليأس المهيمنة، يمكن للدول العربية تعزيز التعاون المؤسسي انطلاقاً من الاهتمامات غير السياسية المشتركة، مثل؛ الأمن المائي، والغذائي، وتحديات العولمة، والتعليم الأجنبي، ومسائل الهوية، وقضايا العمالة الأجنبية، وملف الأقليات. وهي جميعها عوامل أسهمت في إبقاء البنية الأمنية في المنطقة هشّة.

اقرأ أيضاً: إيران إلى أين في ظل كل هذه الضغوط الأمريكية؟

أما وقد بدأت تلوح بوادر خروج المنطقة من نقطة التأزم الحرج، وبوادر مغادرة النظام الدولي حالة السيولة السابقة إلى وضع أكثر استقراراً، فقد آن الأوان للحديث أيضاً عن معالم نظام إقليمي تعاوني، متفق على تراتُبيّته، وعلاقاته البينية في منطقة الخليج، يشمل دول "مجلس التعاون"، وإيران، والعراق، واليمن. وهو ما يتطلب مغادرة عقلية القوة الكبرى، أو الأولى تماماً في المنطقة، لصالح الإدارة المشتركة لأمن المنطقة، بما يعزز السِّلم الإقليمي والدولي.
وهذا النظام المقترح، ليس بديلاً عن المنظومة الخليجية، المتمثلة بـ"مجلس التعاون"، بل ينبغي على دول المجلس الانخراط في هذا النظام المقترح ككتلة منسجمة. ويحتاج إنجاح مثل هذا النظام إلى جملة من إجراءات بناء الثقة، منها: احترام السيادة الوطنية لدول الإقليم، والتخلي عن المشاريع الجيوسياسية المتداخلة مع التركيبات الاجتماعية في دول الجوار؛ لأن ذلك يمنع قيام بنية أمنية مستدامة. وبالطبع لا يتنافى ذلك مع صناعة النفوذ في إطار الأعراف الدولية السائدة. وهنا تبرز الحاجة إلى إعادة التأكيد على وحدة أراضي جميع دول المنطقة، والاتفاق على مقاومة جميع أشكال التقسيم والتفتيت، ومقاومة الحركات الانفصالية، مهما كانت بواعثها ومنطلقاتها.

اقرأ أيضاً: دوافع التهديد الإيراني بالعودة إلى تخصيب اليورانيوم
ولعل الاعتراف بضرورة مراجعة الشراكات الاستراتيجية لمختلف الأطراف الإقليمية مع القوى الدولية، بات حاجةً ملحةً، حتى لا يظل الأمن الإقليمي مَرْتعاً لتجاذُبات المشاريع الجيوسياسية الدولية. ولا يعني ذلك التدخُّل في خيارات الأطراف الإقليمية، بل المطلوب هو فقط، وضع شراكات الأطراف الإقليمية الإستراتيجية مع القوى الدولية المختلفة في إطار رؤية ناظمة لهذه الشراكات، تمنع تحولها إلى مُهدِّدات أمنية لدول الجوار، وبما يساهم في تقوية البيئة الأمنية في الخليج العربي؛ لتكون رافداً للسلم العالمي. ولا بدّ من العمل بشكل حثيث على الاقتراب من توافق بين دول الإقليم حول التهديدات المشتركة، وتنظيم الجهود والمساعي المشتركة للتغلب عليها.

اقرأ أيضاً: ما هي ملامح النظام الدولي الأمريكي الجديد؟

وتمتلك المنطقة مروحة خيارات واسعة، ومتنوعة للغاية لتعزيز التكامل الاقتصادي، والاعتماد المتبادل الذي من شأنه أن يعمل إستراتيجياً على كبح جماح الصراعات السياسية، وتبديد المخاوف الأمنية الفردية لصالح تعزيز مفهوم الأمن الجماعي المشترَك. وتكريس أهمية المنطقة على خريطة التنافس الاقتصادي الدولي.

ولعل أحد أبرز التحديات المشتركة التي تقتضي استجابة جماعية من دول الإقليم، هو السعي لإنتاج قراءة معتدلة، وتوافقية للدين، تُبعد عن المنطقة شبح الصراع الطائفي، وشبح الإرهاب. كما يبقى السعي إلى التوصل إلى حلّ للقضية الفلسطينية، أحد أبرز الخيارات المتاحة لتقليل مصادر التوتر، وزعزعة الاستقرار في المنطقة.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل يبقى ملف "الإرهابيين العائدين" ساحة للمناكفات السياسية؟

2019-12-15

برزت مشكلة "المقاتلين الارهابيين الأجانب" بشكل مؤرق للمجتمع الدولي مع هزيمة تنظيم داعش في سوريا تحديداً؛ حيث أسفرت الهزائم المتوالية للتنظيم عن بروز هذه الإشكالية التي أصبحت من أهم اتجاهات الإرهاب العالمي المعاصر اليوم.
وزاد من هذه الإشكالية وجود عشرة آلاف معتقل من مختلف الجماعات الإرهابية في سوريا، منهم ألفا مقاتل من تنظيم داعش معتقل حالياً لدى "قوات سوريا الديمقراطية" المتحالفة مع القوات الأمريكية، 1200 منهم من جنسيات مختلفة من أكثر من 52 دولة في العالم، و800 منهم من الدول الأوروبية خاصة فرنسا وألمانيا وبلجيكا، جزء كبير منهم أصبح اليوم ضمن سيطرة السلطات التركية عقب عملية الغزو التركي لشمال شرق سوريا التي بدأت في 9 تشرين الأول (أكتوبر) 2019.

ما يميز مشكلة اليوم هو دخول الجزء الغربي من العالم بعمق في خريطة الإرهاب العالمي

الغريب في الأمر أنّ هذه المشكلة ظهرت وكأنّ المجتمع الدولي لم يشهد مشكلة مشابهة من قبل، والتي تمثلت بعودة المقاتلين الإرهابيين بعد حرب السوفييت نهاية السبعينيات من القرن العشرين، مع فارق واحد وبسيط وهو أنّ المشكلة آنذاك كانت تخص الدول العربية والإسلامية فقط عبر ما تم التعارف عليه في أدبيات الإرهاب "المقاتلين العرب" التي فرّخت كل الجماعات الإرهابية بعد ذلك، وعلى رأسها تنظيم القاعدة وتفرعاته في العالم التي انتشرت في العالم مع انطلاق سيرورة العولمة بعد هزيمة الاتحاد السوفييتي وانهياره.
ما يميز مشكلة اليوم هو دخول الجزء الغربي من العالم بعمق في خريطة الإرهاب العالمي عبر مشاركة الآلاف من مواطني هذه الدول في التنظيمات الإرهابية في الشرق الأوسط والحرب في سوريا والعراق تحديداً. ومن هنا لم تعد المشكلة تخص الشرق الأوسط، بل تهم هذه الدول وسياساتها الداخلية والخارجية، ودخلت في صلب السياسة اليومية والجدل السياسي والمناظرات للأحزاب السياسية في أوروبا.

اقرأ أيضاً: الإرهاب والسياحة: ذئاب تفترس الاقتصادات الوطنية
ولقد ساعد في ذلك حقيقة تعرض عدد من الدول الأوروبية خاصة فرنسا، بريطانيا، وألمانيا وبلجيكا لهجمات إرهابية عنيفة خاصة من قبل تنظيم داعش عبر هجمات "الذئاب المنفردة".
هذه الهجمات العنيفة؛ هي التي جعلت هذه الدول حساسة جداً تجاه إمكانية عودة أي مقاتل من الخارج إلى أراضيها والعيش في مدنها وبين مواطنيها، وهي تدرك أنّه عبارة عن قنبلة موقوتة لا تعرف متى ولا أين، ولا كيف ستنفجر، خاصة في ظل اللغط والجدل الكبير الذي يدور اليوم في أوروبا حول فائدة مقارباتها الخاصة في مكافحة الإرهاب وبرامج إعادة الدمج والتأهيل للمتهمين بالإرهاب. وخيرُ دليل على ذلك الجدل الواسع بين السياسيين والخبراء والأكاديميين في بريطانيا وأوروبا حول برنامج إعادة تأهيل الإرهابيين في بريطانيا عقب العملية الإرهابية التي ارتكبها عثمان خان (الجمعة 29 تشرين الثاني /نوفمبر 2019) الذي كان يشارك في أحد هذه البرامج التي ترعاها جامعة كمبردج وقتل فيها 3 أشخاص وجرح 3 آخرون.

هذا الملف سيبقى ساحة للتجاذبات والمناكفات السياسية خاصة بين تركيا ودول الاتحاد الأوروبي وربما الدول العربية لاحقاً

ولذلك يركز الاتحاد الأوروبي-2019 على ضرورة الالتزام بما يصفه بالمقاربات الشاملة وطويلة الآجل والتعاون بين الدول في مكافحة الراديكالية والإرهاب، وأن على الاتحاد الأوروبي أن يتعاون مع الدول الأخرى في هذا المجال، وبداية من العام 2013 أصبح موضوع "المقاتلين الإرهابيين الأجانب" بنداً رئيساً على الأجندة الأمنية للاتحاد.
ومنذ هجمات باريس الإرهابية كانون الثاني (يناير) 2015 قرر الاتحاد الأوروبي تشديد الإجراءات الوقائية ضد الراديكالية والإرهاب ضمن معايير محددة تركز على ثلاثة ركائز هي:
1- التأكيد على حماية المواطنين في الاتحاد الأوروبي.
2- منع الراديكالية وحماية قيم الدول في الاتحاد.
3- التعاون مع الشركاء الدوليين .

اقرأ أيضاً: "الاعتدال والتطرف".. محاولة للفهم والمواجهة
وبالعودة الى هذه الركائز الثلاث يمكن لنا معاينة كيفية معالجة الاتحاد الأوروبي لهذه المشكلة. ومن هنا نلاحظ إصرار الاتحاد الأوروبي -حتى الآن- على رفض عودة المقاتلين الأجانب إلى هذه الدول رغم الضغوط الأمريكية المعروفة التي حاول الرئيس ترامب ممارستها، والجدل الذي دار على الساحة حتى قُبيل عملية الغزو التركي لشمال شرق سوريا التي بدأت في 9 تشرين الأول (أكتوبر) 2019، ثم تبع ذلك التصعيد في هذا الملف الذي تمارسه تركيا اليوم ضد دول الاتحاد الأوروبي، ومحاولة ابتزازها، سياسياً واقتصادياً وأمنياً، بإعادة المقاتلين الأوروبيين إلى هذه الدول دون التنسيق مع هذه الدول، وآخرها في 9 تشرين الثاني (نوفمبر) 2019 قيام تركيا بإعادة 11 فرنسياً.

الهجمات العنيفة في دول أوروبية جعلتها حساسة جداً تجاه إمكانية عودة أي مقاتل من الخارج الى أراضيها

من الواضح أنّ الاتحاد الأوروبي يسعى الى حماية المواطنين الأوروبيين عن طريق الحيلولة دون عودة مواطنيه الضالعين أو المتهمين بالإرهاب، ولا يريد أن ينقل ساحة القتال إلى داخل المدن الأوروبية، وأن يبقيها تحت تهديد الإرهاب، أو تحويلها إلى ساحة للتطرف العنيف، أو حتى الانخراط في المزيد من برامج إعادة التأهيل والإدماج المكلفة مالياً خاصة في ظل مساعٍ وإجراءات أوروبية، لخفض موازنة الشرطة والأجهزة الأمنية مثلما حدث في بريطانيا.
ولذلك تسعى الدول الأوروبية، وعلى رأسها فرنسا، بحجة "منع الراديكالية وحماية قيم الدول في الاتحاد"، والتعاون مع الشركاء الدوليين، بمحاولة نقل المشكلة إلى خارج حدودها، وهو ما تجلى بالجهود الحثيثة التي بذلها الاتحاد لإقامة محاكمة لهم في العراق؛ حيث تقوم فكرة الاتحاد على تشكيل محكمة مشتركة بين الجهاز القضائي العراقي والخبرات الدولية والأوروبية بحيث يعمل هؤلاء كبيوت خبرة ومستشارين للقضاء العراقي لضمان تحقيق محاكمات عادلة ونزيهة، واستبعاد أحكام العقاب الجماعي، والإعدام التي تسربت لوسائل الإعلام العالمية وأثارت ردود فعل سلبية واسعة.
أعتقد بأنّ هذا السيناريو لن يكتب له النجاح؛ بسبب الفوضى السياسية التي يعيشها العراق اليوم، وهو ما يعني بأنّ هذا الملف سيبقى ساحة للتجاذبات والمناكفات السياسية خاصة بين تركيا ودول الاتحاد الأوروبي، وربما الدول العربية لاحقاً.

للمشاركة:

صخرة سيزيف.. العقوبة التي ورثتها مجتمعاتنا

أدونيس غزالة's picture
كاتبة سورية مهتمة بشؤون الطفل
2019-12-15

أليس بإمكاننا الذهاب مع أينشتاين إلى أنّه من الغباء أن نتوقع نتائج مختلفة بينما نطبّق على المشكلة الحلّ نفسه في كلّ مرّة؟ قد تبيّن هذه المفارقة أنّ كميّة هدر الحياة المترتبة على هذه النتيجة، تساوي عدم الفهم الذي نعيشه بها،  فإذا كانت الحلول المقترحة والمفترضة والمطبّقة على المشاكل في مجتمعاتنا، لم تنجح حتى الآن في إحداث أيّ تغيير أو فرق فيها، ألا يدعونا هذا إلى التفكير مليّاً بكل ما أنتجناه وما نعيد إنتاجه؟ ثم إذا كان هذا الإنتاج يتشكل في العلاقة بين الأنا والآخر، ألا تحمل التربية المسؤولية الأهم في طريقة هذا التشكل الذي سيحكم بدوره نظرتنا إلى العالم؟ 

اقرأ أيضاً: أطفال داعش.. هل تمّ استثناؤهم من اتفاقية حقوق الطفل؟
بالرغم من أنّ مفهومي (الأنا والآخر) يترددان كثيراً داخل ثقافاتنا الاجتماعية المتباينة، إلّا أنّ هذا الترديد  يحمل من سوء الفهم ما يجعلهما مفهومين متناقضين، تصل العداوة بينهما إلى رفضٍ ونفي قطعيين، وفي مستنقع هذه العلاقة تزدهر كلّ أشكال العنف، ويأخذ الواقع شكل لعنة تطال الجميع؛ فالمجتمعات ما هي إلّا حصيلة العلاقات التي تربط الأنا بالآخر سواء كانا فرداً أو جماعةً، لهذا يقع على عاتق التربية المهمة الأساس لا في تصالح هذين المفهومين بل في تكاملهما؛ فالوجود حين يفقد خاصيّة التنوع يفقد معناه.

التربية على الاختلاف التي يغذي جذورها اعتراف متبادلٌ تسفر عن مجتمعات الثقة والوفرة والتعاون

بالطبع مَا غير التنوع يمكن له أنّ يمنح الحياة فرصاً للاستمرار! ولكن ألا يقوم هذا الاستمرار على التفاعل والاعتماد المتبادل بين كلّ المكونات؟ بإمكاننا لمس هذه الحقيقة في العالم الطبيعي، الذي قد يؤدي اختفاء نوع ما فيه إلى انقراض أنواع أخرى من الكائنات، وإذا نظرنا إلى التنوع على أنّه اختلاف في الماهيّات، يمكننا أن نعتبر الاختلاف، الرصيدَ المادّي للتنوع، فهو من يضمن البقاء والاستمرار للجميع، ولكن هذا ما لم نتربَّ عليه في الحقيقة؛ إذ إنّ الواقع الاجتماعي يجعل من الاعتماد استغلالاً، طالما أوهام السيطرة والتفوّق هي ما تقود العلاقة بيننا وبين الآخرين. 
بهذا يمكن أن نفهم، لمَ العلاقة الحرجة بين الأنا والآخر يدعمها إقصاء متبادل؟ لقد لعبت ثقافاتنا الاجتماعية عبر تاريخها الطويل دوراً بارزاً في رعاية هذا الفهم، كما أنّها أوكلت للتربية مهمة تعزيز هذا الشكل من العلاقات ودعمه، عبر تبنّيها مقولات كليّة وفارغة عن الأنا والآخر، مما ساقنا كي ننظر إلى الآخر من زاوية واحدة ونهائية، زاوية ما نعتقده نحن، فعندما يسبق أيُّ اعتقادٍ العلاقةَ مع الآخر، فإنّ هذه العلاقة تتشكل في الحدود الضيّقة من الشك والخوف والانغلاق، الحدود التي تضمن لأي سلطة بقاءها واستمرارها، بمعنى آخر: إنّ محاباة التربية للأنماط التسلطيّة التي تدعمها، لعب دوراً رئيسياً في عدم الفهم المتبادل بين طرفي هذه العلاقة، وها نحن نراها تتكشف اليوم في مجتمعاتنا عن خيبة أملٍ عميقة بواقعنا كاملاً.

الآخر مهما كان، يشكل الفرصة الوحيدة للأنا كي تعثر على نفسها، فليس الاعتراف بالآخر سوى اعتراف بالذات

قد تعقّد التوصيفات الأكاديمية مفهوم الأنا والآخر، حين تقرؤهما على ضوء تباينهما، بينما يتم عمداً إغفال عدم تعيّنهما خارج بعضهما البعض؛ إذ إنّ هذا التباين الذي أسسته السلطة في أنماطها التربوية، كانت تهدف من ورائه إلى جرّ العالم إلى حلبة الصراع، فهناك استثمار يتمّ في الخفاء يقوم على حقن العلاقة بين الأنا والآخر بأمراض سوء الفهم كافةً؛ فالعنف الناتج عن الصراع بينهما يشكل فرصاً ربحيّة متعددة للسلطة، لكنها تفرض في نهايتها على المجتمع أن يخسر إنسانيته، فالآخر مهما كان، فإنّه يشكل الفرصة الوحيدة للأنا كي تعثر على نفسها، فليس الاعتراف بالآخر سوى اعتراف بالذات، اعترافٌ يجعل من الاختلاف الحقيقة الوحيدة التي تجمعنا، والذي يمكن بما يتوفر عليه من الثقة والاعتماد المتبادلين، أن يبني مجتمع التعاون والمشاركة والمحبّة. 

اقرأ أيضاً: لماذا لم نتعلم كيفية العد إلى عشرة؟
إنّ التربية على الاختلاف في مجتمعاتنا تقتصر على الطريقة التي وصفها علي أومليل في كتابه "في شرعيّة الاختلاف": "إنّ اهتمامنا بالاختلاف ليس للاختلاف من أجل ذاته، ليس لأننا نضفي عليه قيمة مطلقة، فالاختلاف من أجل الاختلاف، أو الاختلاف المطلق، معناه تشتيت لا نهاية له للآراء والمعتقدات، كل منها منغلق على ذاته رافض للآخر، كل منها يشكل عصبية لا تقبل بالتعايش. فهو إذن صراع العصبيات وما يجرّه من فوضى على النظام الاجتماعي"؛ فالآخر الذي نربيه داخل الطفل، سيجعل المبادئ الأخلاقية خارجه، وستنحصر في مجموعة الأحكام التي تشكّلنا وتكمن خطورة هذه التربية أنّها تحدّ الفهم وتنقص الجانب النقدي والأخلاقي الذي يعيّن الإنسان، فمنذ البداية سينقسم العالم لديه إلى قريب اجتماعي أو ديني أو قومي وإلى بعيد، وهذا البعيد هو نفسه الغريب الذي لا يمكن الوثوق به لأنه ليس أنا أو ما يمثلها.

عندما يسبق أيُّ اعتقاد العلاقة مع الآخر فإنّها تتشكل في الحدود الضيّقة من الشك والخوف والانغلاق

بينما التربية على الاختلاف التي يغذي جذورها اعتراف متبادلٌ، تسفر عن مجتمعات الثقة والوفرة والتعاون، مما يقوّض أي سلطة تختزل الحياة إلى مصلحتها؛ فالاختلاف "انفصال إجرائي عن الآخر، بما يمكّن من رؤيته بوضوح كافٍ، وانفصال رمزي عن الذات بما يجعل مراقبة أفعالها ممكنة، بهذا فقط يمكن أن نمهد للتوازن والانسجام بين المكونات المختلفة للمجتمع" بتعبير عبد الله إبراهيم في كتابه "المطابقة والاختلاف".
سيزيف الذي يواصل رفع صخرةٍ تنقلب عليه في كل مرّة، كان يدرك أنّ لا جدوى قيامه بذلك هي العقوبة التي استحقها، فاللاجدوى تمتلك قدرة مذهلة على جعل أفعالنا بلا قيمة أو معنى، وعندما يصبح تكرار سوء الفهم الطريقة الوحيدة التي نتناول الآخر من خلالها، ستحتل الأفعال ذات الطبيعة السيزيفية المشهد الاجتماعي، وفي هذا المناخ ستقرر الأفكار عنّا كيف نقرر، وما ليست أفكارنا ستقود مصائرنا إلى حيث تريد، تحديداً إلى المكان الذي تنعدم فيه فاعليتنا ويجعل من الحياة لعنةً.

للمشاركة:

الانتحار.. محاكمة الموتى بدل مساءلة الواقع!

عبدالباسط سلامة هيكل's picture
أستاذ علوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر
2019-12-12

نوعية الأسئلة التي يطرحها العقل الجمعي تُخبرك أين نقف، وإلى أين نسير؟ في أعقاب إقدام أحد الشباب المصري على الانتحار من أعلى بُرج القاهرة، لم يكن السؤال المطروح: كيف تحوّل "الانتحار" إلى ظاهرة اجتماعية، تحتل مصر فيها المرتبة الأولى بين الدول العربية، والمرتبة السادسة عشرة عالمياً حيث تمّ تسجيل ٤٢٥٠ حالة انتحار العام الماضي؟

اقرأ أيضاً: حالات انتحار شبان عرب.. هل من مبادرات لمواجهة المشكلة؟
فتركنا سؤال الحاضر، وهو كيف نُواجه تلك الظاهرة؟ وعدنا إلى أسئلة الماضي التي نتجادل حولها منذ أكثر من ألف عام، فسيطر على وسائل التواصل الاجتماعي جدل حول: ما حكم مرتكب الكبيرة؟ هل المنتحر مُخلّد في النار لارتكابه كبيرة "قتل النفس" أم في منزلة بين المنزلتين أم مُعذّب إلى أجلٍ؟ هل هو كافر أم أمره إلى الله تعالى؟ متجاهلين أنّ تكليف الله تعالى للإنسان منوط بالعقل، فمتى اختلت السلامة العقلية بما في ذلك النفسية تعطّل التكليف المستوجب للحساب الذي هو في حقيقته عملية غيبية تتم من الله تعالى للمُكلَّف، ولا يملك إنسان أو ملاك أو شيطان أن يحسم هل ستخضع عملية المحاسبة لقواعد العدل أم لعوامل العفو الإلهي، أضف إلى ذلك أنّه ليس في مقدورنا أن نقطع بتحقق العقوبة الأخروية على ذنب مهما كانت بشاعته؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يأتيه الوحي قالها بوضوح: "أمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه".

إذا كان ما بعد الموت منطقة غيبية نعجز عن القطع بمصائر الراحلين إليها فلماذا تأخذ هذا الحيز الجدلي في حياتنا؟!

وسورة "البروج" تحكي لنا جريمة بشعة في حقّ أطفال ونساء وشيوخ أُلقوا أحياء في حفرة طولية (أخدود) من النيران، ورغم أنّ الله تعالى توعّد الجُناة بالعذاب إلا أنّه استثنى منهم التائبين بقوله عزّ وجلّ: "إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا، فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ"، والأخبار في ذلك كثيرة. فإذا كان ما بعد الموت منطقة غيبية نعجز عن القطع بمصائر الراحلين إليها، فلماذا تأخذ هذا الحيز الجدلي في حياتنا!
انشغلنا بمحاكمة الموتى عن مساءلة الواقع، واكتفينا في تناول الظاهرة بالخطب والكلمات الرنانة، وانتظرنا من الفكر الديني بنبرته الوعظية وصوته المرتفع أن يقوم بمهمة البحث العلمي في قضايا ذات طبيعة اجتماعية نفسية معقّدة، تحتاج إلى عقلانية هادئة، وبحوث ميدانية تتعاطي من خلال بيانات ومؤشّرات إحصائية مع العوامل الواقعية التي تقف خلف الظاهرة. فإيجاد مشروع حضاري متوازن ومتكامل يحتاج إلى هياكل جادة للبحث العلمي في مختلف مجالات الدراسات الإنسانية، تحْظى بتمويل وتشجيع حكومي، والتزام مؤسسي بالعمل بنتائجها وتوصياتها؛ لإيجاد حلول ناجعة للمشاكل والهموم الاجتماعية.

اقرأ أيضاً: هكذا علقت أليف شافاق على حوادث الانتحار في تركيا
لن نخترع العجلة من جديد؛ فالأعمال السوسيولوجيّة المتراكمة والمتتابعة تُمثّل مدخلاً نظرياً ومنهجياً مهماً في دراسة تلك الظاهرة التي شغلت عدداً من الباحثين بداية من "موريس هالبواش" ومروراً بـ "إميل دوركايم" صاحب كتاب "الانتحار"، وصولاً إلى الباحث المصري "مكرم سمعان" صاحب كتاب "مشكلة الانتحار" وغيرهم من الباحثين الذين رأوا الانتحار آفة تفتك بالأفراد، وتنخر في المجتمعات.
ويُعرف الانتحار بأنّه كلّ فعل يحدث بواسطة الضحية نفسها ويُؤدي إلى الموت بصفة مباشرة، مثل الارتماء تحت عجلات المترو، أو بصفة غير مباشرة مثل أن يُهمل الإنسان حالته الصحيّة، ويتعمد عدم معالجة مرض خطير يُؤدي تطوّره إلى الموت.
وقد استبعدت الدراسات المعاصرة أن يكون العامل الوراثي والأصل العنصري مسؤولاً عن تفسير تلك الظاهرة، فـ"الانتحار لا يُورث، ولا يتبع الخصائص الجينية للإنسان، وإنما ما يُورّث أو يُورَث هو بعض حالات الأمراض العقلية، وهي لا تُؤدي بالضرورة إلى الانتحار".

اقرأ أيضاً: يوسف المساتي: شيوخ الموت يوظّفون الجنس لإقناع الشباب بالانتحار
فالانتحار كغيره من الظواهر الاجتماعية تفسّره مجموعة من الأسباب النفسية والاجتماعية والمعطيات الثقافية المتداخلة، ففي دراسة مكرم سمعان الميدانية على الانتحار في المجتمع المصري، انتهى بعد قياس معدلات الظاهرة ومقارنة الإحصائيات إلى أنّ هناك عدّة عوامل تتدرج في مدى تأثيرها، وتُسهم في حدوث الانتحار، أولها، ويكاد أن يكون القاسم المشترك في حالات الانتحار والشروع فيها، "الشعور بالعزلة والاغتراب"، فهو العامل الأساسي الذي يعمل على تنمية الدوافع والميول الانتحارية، لما لهذا الشعور من آثار على اختلال الأنا وتدهور الشخصية بكاملها، والدخول في اضطرابات نفسية وعقلية، وهو ما أطلق عليه "دوركايم" اسم "الانتحار الأناني"، فنسب الانتحار ترتفع لدى الأفراد الذين لهم نزعة فردية مفرطة، مثل مَن تضعهم الظروف الاجتماعية في حالة انفصام للرابطة الأسرية بالطلاق أو الترمّل، فالمتزوجون من منظور "دوركايم" أقلّ انتحاراً من العزّاب، والأسرة التي فيها أبناء أقل انتحاراً من الأسرة التي لم تُنجب.. والأسرة الأكبر والأكثر عدداً أقلّ انتحاراً من غيرها الأصغر والأقل عدداً.

الانتحار ظاهرة اجتماعية نفسية معقّدة تحتاج إلى عقلانية هادئة وبحوث ميدانية دقيقة

ويأتي في المرتبة الثانية بفارق طفيف الصراعات الاجتماعية التي منها الصراع بين الزوجين أو مع الرؤساء أو مع الوالدين، وما يُصاحب ذلك من توبيخ شديد، وشعور أحياناً بالدونية، وفي المرتبة الثالثة جاءت الصعوبات المعيشية بسبب البطالة وتراكم الديون بكثرة، وتدهور الدّخل بصورة عامة، وهذا النوع من الانتحار يُسميه "دوركايم" باللامعياري، ويرتبط بالأزمات الاقتصادية حيث ينعدم التوازن بين الطموحات والإمكانيات، فالإنسان لا يستطيع العيش والبقاء على قيد الحياة بشكل سليم ومقبول إلا عندما يكون هناك توافق بين الضرورات أو الحاجيات من ناحية والإمكانيات أو الوسائل من ناحية أخرى.
وانتهى سمعان في دراسته إلى أنّ العلاج النافع الواقي من ارتفاع نسب الانتحار في المجتمعات المعاصرة يأتي من خلال دمج الأفراد في العمل والجماعات المهنية، فالاندماج في الحياة الاجتماعية من العوامل الأساسية التي تحمى الأفراد من الأمراض الاجتماعية والأزمات، كما أنّه يُساهم في إرساء تماسك وترابط اجتماعي مبني على الأخلاق والقيم الجماعية، فانخراط الفرد في جماعة العمل المهنية يُحقق ذاته، ويقوّى شعوره بالانتماء، ويدعم ويوسع روابطه الاجتماعية؛ فالانعزال أو ضعف الاندماج في الجماعة يجعل الفرد ضعيفاً، وغير قادر على التّغلب بمفرده على المشاكل التي قد تعترضه أثناء مباشرته لتكاليف ومشاغل الحياة.
أخيراً الحياة السويّة قائمة على الانتظام والانخراط في الجماعات المجتمعية من أسرة وجامعة وجماعة العمل وحراك مجتمعي مع مختلف المؤسسات التي تعمل في إطار المجتمع المدني كالجمعيات العلمية منها والحقوقية والإنسانية والخيرية والثقافية والأدبية.. فإضعاف الدولة لدور تلك المؤسسات الاجتماعية وتهميشها من جانب، وخوف الأسر على أبنائها من الاندماج في المجتمع الخارجي والعمل على عزله، وخوْض غمار الحياة نيابةً عنه، من جانب آخر، هو المسؤولٌ عن الضعف النفسي والاجتماعي الذي يعيشه البعض والذي قد يُؤدي بهم إلى الانتحار.

للمشاركة:



السفير القطري يصل غزة..

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-16

يصل السفير القطري، محمد العمادي، رئيس اللجنة القطرية لإعادة إعمار غزة إلى قطاع غزة، غداً الثلاثاء.

وقالت مصادر فلسطينية، نقلت عنها وكالة "معاً" الفلسطينية؛ أنّ السفير العمادي سيصل غزة عبر معبر بيت حانون "إيزور"، لمتابعة مشاريع اللجنة القطرية في القطاع.

وكان السفير العمادي قد وصل غزة، في ٢٥ تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، في زيارة استمرت ليومين، أعلن خلالها صرف مساعدات نقدية لـ 75 ألف أسرة من الأسر المحتاجة في قطاع غزة، إضافة لتنفيذ عدة مشاريع في غزة بينها دعم قطاع الكهرباء.

وكان السفير محمد العمادي قد أبلغ الفصائل الفلسطينية، خلال زيارته بداية شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، بـ "صعوبة تجديد المنحة القطرية " التي تقدر بـ 30 مليون دولار شهرياً، وتغطي نحو 109 آلاف أسرة، إضافة إلى دفعها جزءاً من ثمن الوقود لكهرباء القطاع.

العمادي سيصل غزة لمتابعة مشاريع اللجنة القطرية في القطاع رغم أنّه أعلن مسبقاً صعوبة تجديد المنحة القطرية

هذا وتعرض السفير القطري للطرد في غزة عدة مرات خلال العام الماضي، كما رماه الأهالي  بالأحذية، ومزقوا علم قطر، ونزعوا شعارات المساعدات القطرية.

 وبرّر المهاجمون فعلتهم آنذاك؛ بأنَ المساعدات القطرية غير حقيقية، وتهدف إلى تعزيز الانقسام الفلسطيني وتدعم الكيان الصهيوني، وتعطي مبررات دولية لجرائمه وانتهاكاته غير الإنسانية ضدّ القطاع وسكانه.

 

للمشاركة:

إسرائيل تفسد فرحة مسيحيي غزة

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-15

منع الاحتلال الصهيوني المسيحيين في قطاع غزة من زيارة مدينتي بيت لحم والقدس للاحتفال بعيد الميلاد هذا العام.

وأخطرت سلطات الاحتلال المسيحيين في قطاع غزة، أمس، أنّه لن يكون بوسعهم السفر إلى مدينة بيت لحم بالضفة الغربية المحتلة لحضور احتفالات عيد الميلاد.

وأرجعت الحكومة الإسرائيلية قرار تعديل سياستها الخاصة بالسماح للمسيحيين في غزة بزيارة بيت لحم إلى "أسباب أمنية".

وأعلن مكتب منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق الفلسطينية؛ أنّه لن يُسمح للمسيحيين من سكان قطاع غزة بزيارة الأماكن المقدسة في بيت لحم والقدس، خلال فترة أعياد الميلاد المجيدة الوشيكة، وفق ما أوردت "بي بي سي".

وأضاف: "تمّ اتخاذ هذا القرار بسبب معارضة جهاز الأمن العام للقيام بهذه الزيارات".

هذا وقد انتقدت جماعات حقوقية في دولة الاحتلال الإسرائيلي القرار، كما دعا عدد من قادة الكنيس إسرائيل إلى التراجع عن القرار.

دولة الاحتلال الإسرائيلي تقرّر منع مسيحي غزة من زيارة بيت لحم أثناء احتفالات عيد الميلاد

بدورها، نددت حركة "حماس"، أمس، بـ "عنصرية" إسرائيل ضدّ المسيحيين في قطاع غزة، بعد أن قررت حرمانهم من المشاركة في احتفالات أعياد الميلاد بمدينتي القدس وبيت لحم، حيث توجد المواقع المسيحية المقدسة.

وقال عضو مكتب العلاقات الدولية بـ "حماس"، باسم نعيم، في بيان: إنّ "هذه السياسة الممنهجة، والتي تتكرر في كلّ عام تعكس عنصرية هذا الكيان، وتكذب كلّ ادعاءاته بالديمقراطية واحترام حقوق الإنسان".

واتخذت إسرائيل، العام الماضي، قراراً مشابهاً، ثم تراجعت عنه في اللحظات الأخيرة بعد تدخلات دولية.

ويعيش نحو ألف مسيحي، أغلبهم من طائفة الروم الأرثوذكس، في قطاع غزة الخاضع لسيطرة حركة حماس.

وتبدأ هذه الاحتفالات الأسبوع المبقل لدى الطوائف المسيحية في القدس وبيت لحم، وتستمر حتى كانون الثاني (يناير) المقبل.

 

 

 

للمشاركة:

هل ينهي الرئيس الجزائري الجديد التظاهرات؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-15

دعا الرئيس الجزائري الجديد عبد المجيد تبون، أمس، الحراك الشعبي إلى حوار "جاد" لمصلحة البلاد، وتعهد بإجراء "مشاورات" لإعداد دستور جديد يخضع للاستفتاء شعبي.

وقال الرئيس المنتخب، في أول مؤتمر صحفي عقده الجمعة: "أتوجه مباشرة للحراك المبارك وأمدّ له يدي لحوار جاد من أجل جمهورية جديدة".

وأضاف: "أنا مستعد للحوار مع الحراك مباشرة، ومع من يختاره الحراك، حتى نرفع اللبس بأنّ نيتنا حسنة، لا توجد استمرارية لولاية خامسة"، ردّاً على من وصف ترشحه بأنّه استمرار لحكم الرئيس المستقيل، بوتفليقة، وفق "فرانس برس".

ووعد تبون بتعديل الدستور في الأشهر الأولى من ولايته الرئاسية "حتى يشعر الشعب بالصدق"؛ حيث سيعرضه للاستفتاء، بدل تمريره عبر تصويت البرلمان، كما فعل بوتفليقة في كلّ التعديلات التي أجراها.

عبدالمجيد تبون يدعو الحراك الشعبي إلى حوار ويتعهد بإجراء "مشاورات" لإعداد دستور جديد يخضع للاستفتاء

كما التزم بإعادة النظر في قانون الانتخابات "لفصل السياسة نهائيا عن المال"، و"استرجاع نزاهة الدولة ومصداقيتها لدى الشعب".

وأصبح تبون (74 عاماً) رئيساً جديداً للجزائر، خلفاً لعبد العزيز بوتفليقة، الذي استقال تحت ضغط الشارع، إثر فوزه في الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية، الخميس الماضي.

وبحسب النتائج التي أعلنتها السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، حصل المرشح عبد المجيد تبون، على نسبة 58.15٪؜ من الأصوات.

وتظاهر جزائريون بوسط العاصمة، أمس، تعبيراً عن رفضهم لتبون، الذي مدّ يده للحراك الرافض لنتائج الانتخابات التي اتسمت بنسبة مقاطعة قياسية.

وكان الحراك نفسه رفض مبادرة أولى لبوتفليقة، قبل استقالته، بتنظيم حوار شامل لإعادة النظر في الدستور الذي يمنح رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة.

وقد أمضى تبون حياته موظفاً في الدولة، وكان دائماً مخلصاً لبوتفليقة، الذي عينه رئيساً للوزراء لفترة وجيزة، قبل أن يصبح منبوذاً من النظام.

ويعدّ أول رئيس من خارج صفوف جيش التحرير الوطني الذي قاد حرب الاستقلال ضدّ المستعمر الفرنسي ١٩٥٤-١٩٦٢).

واتسم الاقتراع الرئاسي بمقاطعة قياسية من الحراك الشعبي الذي دفع بوتفليقة للاستقالة في نيسان (أبريل)، بعد 20 عاماً في الحكم.

وبلغت نسبة المشاركة في الانتخابات 39.83٪؜، أي ما يقارب عشرة ملايين ناخب من أصل أكثر من 24 مليوناً مسجلين في القوائم الانتخابية.

تظاهر جزائريون بوسط العاصمة، خلال اليومين الماضيين، تعبيراً عن رفضهم لتبون ولنتائج الانتخابات

وهي أدنى نسبة مشاركة في الانتخابات الرئاسية في تاريخ الجزائر كلّه، وهي أقل بعشر نقاط من تلك التي سجلت في الاقتراع السابق، وشهدت فوز بوتفليقة لولاية رابعة في 2014.

واعترف المرشحون الخاسرون بالنتيجة، معلنين عدم طعنهم فيها أمام المجلس الدستوري، الذي يفترض أن يؤكد النتائج النهائية لسلطة الانتخابات، بين 16 و25 كانون الأول (ديسمبر).

وحلّ في المركز الثاني؛ المرشّح الإسلامي عبد القادر بن قرينة، بنسبة 17.38 بالمئة من الأصوات، الذي أكّد منذ بداية الحملة الانتخابية أنّه "الرئيس القادم للبلاد".

ودعت الأحزاب الإسلامية الكبيرة، مثل "حركة مجتمع السلم" المقربة من الإخوان المسلمين، و"جبهة العدالة والتنمية" القريبة من السلفيين، إلى عدم المشاركة في الانتخابات.

وحلّ رئيس الحكومة الأسبق، علي بن فليس، ثالثاً، ولم يحصل سوى على 10.55 بالمئة من الأصوات، أي أقل من آخر انتخابات خاضها ضدّ بوتفليقة في 2014، حيث حصل على اكثر من 12 بالمئة من الأصوات وندّد، حينها بـ "تزوير شامل للنتائج".

وحصل المرشح الرابع، عز الدين ميهوبي، الذي وصفته وسائل الإعلام بمرشح السلطة، على 7.26 بالمئة من الأصوات، بينما جاء النائب السابق، عبد العزيز بلعيد، أخيراً بـ ٦.٦٦ بالمئة من الأصوات.

وفرض قائد الجيش الذي كان حاكم البلاد الفعلي خلال الأشهر الماضية إجراء انتخابات؛ بهدف الخروج من الأزمة السياسية والمؤسساتية، على حدّ قوله، ورفض الحديث عن مسار "انتقالي"، وهو ما تقترحه المعارضة والمجتمع المدني لإصلاح النظام وتغيير الدستور.

وفي ردّ الفعل الأول من الخارج؛ دعا الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، السلطات الجزائرية لبدء "حوار" مع الشعب.

وقال من بروكسل: "أخذت علماً بالإعلان الرسمي عن فوز السيد تبون في الانتخابات الرئاسية الجزائرية من الجولة الأولى".

ومن القاهرة؛ قدّم الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، عن "التهنئة الخالصة إلى الرئيس المنتخب متمنياً له التوفيق والسداد في مهامه".

 

 

 

 

للمشاركة:



أكراد إيران بين كمين طهران وفخ واشنطن

مدني قصري's picture
كاتب ومترجم جزائري
2019-12-15

ترجمة: مدني قصري


إنّ مصير الأكراد الإيرانيين البالغ عددهم ستة ملايين، على الرغم من تأثرهم بشدة بموجة القمع الأخيرة، لا يثير سوى القليل من الاهتمام، وقدر أقل من التضامن.

اقرأ أيضاً: أردوغان "فاشي العصر".. لماذا لقّبه الأكراد بذلك؟
ليست أرقام السكان الأكراد في بلدان إقامتهم الأربعة الرئيسية سوى تقديرات فقط. لكن عدد أكراد إيران قد لا يقل عن عدد أكراد العراق، وهو أقل مرتين إلى ثلاث مرات من عدد الأكراد في تركيا ... فيما يمثل الأكراد ثلاثة أضعاف عدد الأكراد في سوريا. على الرغم من هذا الوزن الديموغرافي النسبي، إلا أنّ الأكراد الإيرانيين غائبون فعلياً عن المعالجة الإعلامية "للمسألة الكردية" وعن التعبئة السياسية حول هذه القضية. هذه اللامبالاة الواسعة النطاق مقلقة للغاية سيما وأنّ ألواناً من التمييز تضرب هؤلاء السكان في إيران.

تاريخ طويل من المقاومة

في إيران، تحديداً في كانون الثاني (يناير) 1946، تم إعلان "جمهورية كردية" لأول مرة، وعاصمتها مهاباد. وقد قاد هذه الجمهورية الفتيّة التي تلقت الدعمَ الكامل من الاتحاد السوفييتي، الحزبُ الديمقراطي لكردستان الإيرانية (PDKI). وقد رحب بها الآلاف من أفراد عشيرة البرزاني المطاردين المضطهدين بسبب القمع الذي كانوا يتعرضون له في العراق. ومع ذلك، فإنّ إعادة تأسيس سلطة الشاه ما فتئت أن أنهت هذه "الجمهورية"، التي احتلتها طهران وأقصت حُكامها. بعد عشرين عاماً، انقلب الحزب الديمقراطي الكردستاني (PDK) في العراق، المرتبط عضوياً بعائلة البرزاني، على حلفائه في الحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية PDKI، من أجل ضمان دعم الشاه لتمرّده على بغداد. بعد إضعافه نتيجة لهذه الخيانة، أعاد الحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية، هيكلة نفسه عام 1973 حول شخصية عبد الرحمن غاسملو. وقد ساهم البشمركة (المقاتلون الأكراد) من الحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية بنشاط فعال في حرب العصابات ضد نظام الشاه، الذي أطاح به آية الله الخميني في عام 1979. لقد قبلوا بأن يكونوا راضين عن حُكم ذاتي بسيط داخل إطار الجمهورية الإسلامية، لكن هذا لم يُثنِ الخميني عن قمع انفصالهم، باسم "الوحدة الوطنية" التي أضحت مهددة في عام 1980 بغزو إيران من قبل عراق صدام حسين.

نصف المعتقلين السياسيين في إيران هم من أصل كردي، وفقاً لمقرر الأمم المتحدة، بينما يشكل الأكراد أقلّ من عُشر السكان الإيرانيين

بعد أن أُجبِر غاسملو على المنفى إلى فيينا قام مغاوير أرسِلوا من إيران باغتياله عام 1989. وفي عام 1992، قام قتلةُ مأجورون من الجمهورية الإسلامية بتصفية الزعيم الجديد للحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية PDKI في فيينا. لذا ظل التشكيل التاريخي للأكراد الإيرانيين، بعد هاتين التصفيتين، يعاني من أجل الحفاظ على وجود سري في إيران، ويعاني من نزاعاته الداخلية. كما تلقى معارضة من قبل حزب الحزب من أجل حياة حرة في كردستان (PJAK)، الفرع الإيراني الذي أسسه حزب العمال الكردستاني (PKK) في عام 2004، والذي كان قد أسِّس قبل ربع قرن في تركيا. وقد لعبت السلطات الإيرانية لعبة الحزب من أجل حياة حرة في كردستان PJAK، بمهارة ضد الحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية، سيما منذ عام 2012، عندما أصبحت طهران تراهن على حزب العمال الكردستاني وفرعه السوري لإضعاف المعارضة الثورية لنظام الأسد. بالمقابل، وافق حزب العمال الكردستاني والمنظمات التابعة له على التضحية بأكراد إيران للاستثمار بكثافة في المسرح السوري؛ حيث ساد وقفٌ لإطلاق النار من 2013 إلى 2015 في تركيا.

تمييز الدولة المتعدّد

الأكراد في إيران مستهدفون من قبل الجمهورية الإسلامية بواقع سلسلة مزدوجة من التمييز، بصفتهم أكراداً في نظام قائم على مركزية مهووسة متغطرسة، من ناحية، وبصفتهم من الطائفة السنّية في نظام منحاز للأغلبية الشيعية بشكل منهجي، من ناحية أخرى. اللغة الكردية، المحظورة في المدارس العامة، لا يُسمح بتدريسها إلا في مؤسسات خاصة، والتي تخضع هي نفسها لترخيصٍ مسبق من الدولة. يتم قمع النضال الكردي بشكل منهجي، سواء في المناطق الحدودية للعراق، أو في خراسان، في الشمال الشرقي من البلاد. إنّ ما يقرب من نصف المعتقلين السياسيين في إيران هم من أصل كردي، وفقاً لمقرر الأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في البلاد، بينما يشكل الأكراد أقلّ من عُشر السكان الإيرانيين. الأكراد، وهم من الأقليات العرقية والدينية، يعانون من عقبات خطيرة أمام وصولهم إلى العمل والسكن والممتلكات والقيادة السياسية والإدارية. المحافظتان الكرديتان، تقعان من حيث التنمية، في الرتب الأخيرة للمحافظات الإيرانية الثلاثين، مع بلوشستان.

أدى التمييز الذي يتعرض له الأكراد والسياسات القمعية التي يتعرضون لها بشكل خاص، إلى دفع الكثيرين إلى حمل السلاح

هذا الوضع المؤسف في إيران نفسها، ترافقه في كردستان العراق، تدخلاتٌ دموية من قبل النظام الإيراني ضد كوادر وقواعد الأحزاب الكردية الإيرانية. وتقدر المصادر الكردية أيضاً بـ 35 قتيلًا، على الأقل، عدد الأكراد ضحايا قمع الاحتجاجات الشعبية الأخيرة في إيران، بما في ذلك كرمانشاه وجوانرود. وتشير صحيفة "لوموند" الفرنسية في هذا الصدد إلى شهادة كردية عن تدخل الحرس الثوري وتورطه، إلى جانب الشرطة العاملة في بقية البلاد. هذا البعد المأساوي للمسألة الكردية يثير اليوم القليل من الاهتمام والتضامن. صحيح أنّ الزعماء الحاليين للأكراد في إيران ليس لديهم الشبكات الدبلوماسية التي عرضتها الاشتراكية الدولية في ذلك الوقت على غاسملو وخلفه. لكن هذا الصمت الصارخ هو في الأساس نتيجة لقرار من حزب العمال الكردستاني، وهو قوي للغاية في الشتات الكردي، الذي أخضع كل دعايته لضرورة دعم "روج آفا" السورية، باستثناء المكونات الأخرى للشعب الكردي.

في حين يقع مصير الأكراد في العراق أو تركيا أو سوريا غالباً في قلب الأحداث، فإنّ مصير مواطنيهم في إيران نادراً ما يتم ذكره. ومع ذلك، فبينما تتفاقم التوترات بين واشنطن وطهران، فإنّ وضعهم الجغرافي السياسي يجعلهم رهاناً رئيسياً.
في صباح يوم 8 أيلول (سبتمبر) 2018، أصابت سبعة صواريخ إيرانية من طراز Fateh-110 مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (KDPI) في كيسندجك، بالقرب من أربيل، مما أسفر عن مقتل 18 من أعضائه وإصابة 50 آخرين. تباهى الحرس الثوري بقيامه بهذه الضرية، بدعوى أنّه "عاقب [...] الإرهابيين الذين ينفذون باستمرار هجمات ضد حدود جمهورية إيران الإسلامية"، ووعد بـ "إنهاء أنشطة المخالفين قريباً". ومع ذلك، بعد تسعة أشهر، جلس دبلوماسي مخضرم من إيران، سيد محمد كاظم سجادبور، على طاولة واحدة مع وفد من عدة حركات مسلحة إيرانية كردية للتفاوض على وقفٍ لإطلاق النار.

اقرأ أيضاً: "حفريات" توثّق عمليات مصادرة ممتلكات الأكراد في سوريا وسرقة أعضائهم في أنقرة

من هي هذه الجماعات المسلحة الإيرانية؟ لماذا حملت السلاح؟ هل تستفيد هذه الجماعات من النجاح السياسي العسكري للأكراد في سوريا والعراق؟ ما هي العلاقات التي تربطها بإيران والولايات المتحدة، بالنظر إلى التوتر المتزايد بين القوتين المتنافستين في الأشهر الأخيرة؟
في قلب سياسات تمييز طهرانية
على غرار الأكراد في تركيا والعراق وسوريا يخضع أكراد إيران لسياسات تمييزية تنفذها طهران، على الرغم من التسامح النسبي الذي يمنحه النظام لهم، وخاصة في المسائل الثقافية – بعض وسائل الإعلام تبث باللغة الكردية، كما تحظى تقاليد الملابس والموسيقى الكردية ببعض التسامح.
على الرغم من التعتيم الإعلامي السائد في الجمهورية الإسلامية، فإنّ هذه التمييزات يتم توثيقها بانتظام من قبل المنظمات غير الحكومية، أو الأمم المتحدة. في تقرير نُشر في 16 آب (أغسطس) 2019، قال مقرر الأمم المتحدة الخاص لحقوق الإنسان في إيران، جافيد رِحمن، إنّ الأكراد يمثلون ما يقرب من نصف المحتجزين في السجون بِتُهَم انتهاكهم للأمن القومي، وفي معظم الأحيان، تصدر في حقهم أحكام بعقوبات أشد من غيرهم.

بالإضافة إلى ذلك، يتم إهمال المحافظات ذات الغالبية الكردية عن عمد من قبل السلطة، وهي في المرتبة الثانية والثالثة في المناطق الأقل نمواً في إيران.
بالإضافة إلى هذا التهميش الاقتصادي، فإنّ التمييز ضد الاثني عشر مليون كردي إيراني هو أيضاً تمييز اجتماعي ثقافي. اللغة الكردية غير معترف بها رسمياً من قبل طهران التي حظرت تعليمها في المدارس. كما يتم رفض بعض الأسماء الكردية الأولى (الشخصية) من قبل إدارة الحالة المدنية، في حين أنّ ممارسة مصادرة الملكية القسرية التي تنفذها الدولة الإيرانية لصالح المواطنين الشيعة - الأكراد في الغالب من السنة – غالباً ما تُرفَض وتدان من قبل منظمات غير حكومية، مثل منظمة العفو الدولية (تقريرها السنوي 2017/2018).

اقرأ أيضاً: تركيا... تاريخ حافل بالقمع ضد الأرمن والأكراد

أدى التمييز الذي يتعرض له الأكراد والسياسات القمعية التي يتعرضون لها بشكل خاص، إلى دفع الكثيرين إلى حمل السلاح وفقاً لتقاليد تمرّد ممتد عبر مئات السنين، ولعل أشهرها في تاريخ إيران المعاصر هو تمرد جمهورية مهاباد، عندما أنشأ المتمردون في عام 1946 دولة كردية مستقلة قبل أن يدمرها الجيش الإيراني. وتشكل خمس مجموعات مسلحة كردية إيرانية، وهي وريثة هذه الحركات مع تطورها على مدى الديناميات الجيوسياسية الإقليمية، رأس الحربة للمعارضة المسلحة للسلطة في طهران.
المجموعات المسلحة النشطة
تقيم خمس حركات داخل إقليم كردستان المتمتع بالحكم الذاتي (ARK) في العراق، ومن هذا الإقليم تُعِدّ عملياتها، وتخطط لهجماتها على الحدود، أو في المحافظات الحدودية (خاصة تلك الموجودة في أذربيجان الغربية وكردستان وكردستان وكرمنشاه). فهذه الحركات هي أخشى ما تخشاه طهران بشكل متزايد بسبب الاختيار المثالي للوكيل (الوسيط) الذي تمثله للولايات المتحدة في حالة التصعيد العسكري مع إيران.

اقرأ أيضاً: هل يفسد الأكراد التحالف التركي القطري الدافئ؟
الحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية PDKI هو أكبر هذه المجموعات، أو على الأقل المجموعة التي تحظى بأكبر قدر من الاهتمام من قبل طهران. يديره مصطفى الهجري منذ عام 2010 ، بعد مرور عشر سنوات من توقف النشاط العسكري، استأنف القتال ضد إيران في نيسان (أبريل) 2016. لدى الحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية PDKI عدة آلاف من البيشمركة (المقاتلون الأكراد العراقيون والإيرانيون). هؤلاء المقاتلون المجهزون والمدربون جيداً يقومون بشكل أساسي بمهاجمة ومضايقة القوات الإيرانية، مع تناوب المناوشات والكمائن. هناك مجموعات خاصة، مجتمعة تحت لواء "نسور زاغروس" تسمح لها بإجراء عمليات كوماندوز في عمق الجهاز الإيراني. هذا الهيكل المتنقل والفعال يجعل من الحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية PDKI الشخصية الرائدة في العمليات العسكرية التي يقوم بها الأكراد الإيرانيون ضد نظام الملالي.
في مواجهة استئناف الأعمال العدائية هذه، لم يتأخر رد طهران طويلاً: في وقت مبكر من كانون الأول (ديسمبر) 2016، استهدف هجوم مزدوج بالمتفجرات مقرَّ الحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية PDKI في كيساندجاك، في كردستان العراق، مما أسفر عن مقتل العديد من البيشمركة والموظفين المحليين. وفي 8 كانون الأول (سبتمبر) 2018 ، كان هذا المقر نفسه هدفاً لضربة صاروخية. وحتى وقت قريب، قصفت المدفعية الإيرانية مراراً مواقع المتمردين في الجبال العراقية.
روابط مع حزب العمال الكردستاني
يشكل الحزب من أجل حياة حرة في كردستان (PJAK)، النسخة الرمزية لحزب العمال الكردستاني (PKK)،  ثاني أكبر قوة سياسية عسكرية. الحزب من أجل حياة حرة الذي تأسس في عام 2004، يمثل المنافس المباشر ولكنه ليس عدواً للحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية PDKI ، ولا يتمتع بالكثير من النجاحات العسكرية والدبلوماسية التي يتمتع بها زملاؤه في قوات الدفاع الشعبية ( HPG )، الذراع المسلح لحزب العمال الكردستاني PKK) في العراق وحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني) في سوريا. مع وجود جناح مسلح قوي يضم حوالي 3000 رجل ، وهي وحدات كردستان الشرقية (YRK) ، يظل الحزب من أجل حياة حرة في كردستان (PJAK) متحفظاً نسبياً ونادراً ما يقاتل القوات الإيرانية.

يتناقض هذا التحفظ مع الهجمات شبه اليومية التي شنها الحزب من أجل حياة حرة في كردستان (PJAK)  في عام 2010. وربما يفسر ذلك العملية الواسعة التي شنها الجيش الإيراني في عام 2011 ضد مواقعه في جبال زاغروس. تعمل القوات الإيرانية منذ شهرين على دفع YRK (وحدات كردستان الشرقية) إلى الخلف على الجانب العراقي من الحدود ، مما تسبب في خسائر غير معروفة، لكنها خسائر فادحة للغاية، ما جعل الجانبين يوقعان في صيف 2011 ، اتفاقاً على وقف إطلاق النار.
حتى الآن، لا يزال هذا الاتفاق ساري المفعول، وقد أضحت المناوشات بين وحدات كردستان الشرقية YRK وقوات الأمن الإيرانية نادرة، ويبدو أنّها ناتجة عن أفراد معزولين بدلاً من رغبة الحزب من أجل حياة حرة في كردستان PJAK في استئناف الكفاح المسلح. تزعم الحركات الكردية العراقية والإيرانية المعادية - دون أي دليل - أن طهران سوف تدعمه مستقبلاً حتى "تغلق" الحدود ضد خصومها الأكراد المتمركزين في كردستان العراق.
التنازل عن دولة مستقلة؟
ثلاث حركات أخرى تُكمل قائمة الجماعات المسلحة: كومالا، وحزب من أجل حياة حرة في كردستان (PJAK) والحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية (PDK-I)، المنبثق من انقسام في عام 2006 للحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية (PDK-I). لكن دورها السياسي العسكري لا يزال محدوداً للغاية.

اقرأ أيضاً: العملية التركية في سوريا: هل ارتكب حلفاء تركيا جرائم حرب ضد الأكراد؟

إذا كانت أيديولوجيا الجماعات الكردية مختلفة، من القومية إلى اليوتوبيا الثورية، فإنّه يبدو أن جميعها متوافقة حول استحالة تأمين دولة كردية مستقلة منفصلة عن إيران. هدفها بالتالي هو تحقيق وضع مشابه لوضع كردستان العراق: منطقة تتمتع فيها هذه الجماعات الكردية بالحكم الذاتي داخل دولة فيدرالية، والاعتراف بهويتها، واحترام حقوقها الاجتماعية والسياسية. وقد تتجلى هذه الإرادة المشتركة في إنشاء مركز تعاون للأحزاب السياسية في كردستان الإيرانية في عام 2018 بمبادرة من الحزب الديمقراطي الكردستاني. الحزب من أجل حياة حرة في كردستان PJAK، الذي يُعتبر حزبًا "للأجانب" بسبب قربه من حزب العمال الكردستاني التركي، لم تتم دعوته للانضمام إلى برنامج التعاون هذا.
فبسبب نشاطهم العسكري والدور الذي يمكن أن يلعبوه في حالة نزاع مسلح بين الولايات المتحدة وإيران، فقد تم التعامل مع هذه الحركات في مناسبات مختلفة من قبل كلا الطرفين.

جهات فاعلة تتودد وتشترط

اللقاءات بين الأميركيين والأكراد الإيرانيين التي ظلت سرية في البداية ما فتئت أن تسربت أنباؤها من خلال الصحافة المتخصصة. فهكذا، من 11 إلى 17 يونيو 2018، ذهب الأمين العام للحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية (PDK-I)، مصطفى هجري، إلى واشنطن، بدعوة من الأمريكيين. وخلال إقامته، استقبله العديد من أعضاء الكونجرس الأمريكي ووزارة الدفاع، بما في ذلك المسؤول عن القضايا الإيرانية.

اقرأ أيضاً: إسرائيل تتّهم ترامب بخيانة الأكراد وتخشى من مصير مماثل
اهتمام الأمريكيين بـالحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية (PDK-I) واضح وبديهي: في آب (أغسطس) 2017، قبل تعيينه مستشاراً للأمن القومي، نشر جون بولتون افتتاحية دعا فيها الإدارة الأمريكية للتوصل إلى اتفاق مع الأقليات العرقية في إيران، وفي مقدمتها الأكراد، وعرب خوزستان والبلوشيس، من أجل إنشاء شبكة من الحلفاء الإقليميين ضد إيران. في نفس العام، أشار تقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، المؤثر، إلى أنّ الولايات المتحدة تدعم الأكراد الإيرانيين من أجل زعزعة استقرار النظام الإيراني من الداخل. في الواقع، ليس هناك شك في أنّ الأكراد الإيرانيين يشكلون "الكتائب" الأرضية في الحرب ضد إيران؛ لأن الأكراد السوريين كانوا هُم الكتائب الميدانية ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ويعني ذلك، فوق كل شيء، حرمان إيران من السيطرة على حدودها الغربية التي تتواصل من خلالها مباشرة مع حزب الله اللبناني، والنظام السوري، وميليشيات الحشد الشعبي، وما إلى ذلك، والتي تتم من خلالها بشكل أساسي حركة انتقال الأسلحة.

إدراكاً منها للدور المزعزع للاستقرار الذي قد يضطلع به الأكراد الإيرانيون في حال حدوث المواجهة مع الولايات المتحدة، استحوذت إيران أيضاً على هذا الموضوع، وفتحت في النرويج في أيار (مايو) 2019 جولة من المفاوضات مع ممثلين من مركز تعاون الأحزاب السياسية لكردستان الإيرانية. وكدليل على التهديد المحتمل الذي تمثله هذه الجماعات في نظر طهران، فهو الاجتماع الأول من نوعه منذ عام 1979. فبقيادة الإيراني سيد محمد كاظم سجادبور، مستشار وزير الخارجية الإيراني، حاول الإيرانيون في هذا الاجتماع إقناع الأكراد بوقف الأعمال القتالية، وعدم الانخراط مع الأمريكيين في حالة حدوث صراع. بالمقابل، طالب الأكراد باحترام حقوقهم ودراسة تشكيل منطقة يتمتعون فيها بالحكم الذاتي على غرار منطقة العراق. بالطبع، كان الإيرانيون سيردون بالإيجاب.

35 قتيلًا، على الأقل، هو عدد الأكراد ضحايا قمع الاحتجاجات الشعبية الأخيرة في إيران، بما في ذلك كرمانشاه وجوانرود

من هذه المقاربات الأمريكية والإيرانية، خرج الأكراد مرتابين متشككين. وقد أوضح العديد من مسؤوليهم، شريطة عدم الكشف عن هويتهم، أنّهم طالبوا من الولايات المتحدة مقابل دعمهم لها، حمايتهم. ومع ذلك، فلم ترفض هذه الأخيرة طلبهم وحسب، بل والأكثر من ذلك، فإنّ الإعلان المفاجئ بانسحاب القوات الأمريكية من سوريا في كانون الأول  (ديسمبر) 2018 لم يطمئن الأكراد فيما يتعلق بولاء الأمريكيين إزاء حلفائهم. علاوة على ذلك، فيما يتعلق بالمفاوضات مع الإيرانيين، أبدى الأكراد الكثير من الحذر والارتياب بسبب اغتيال الأمين العام بـالحزب الديمقراطي لكردستان الإيرانية PDKI في فيينا عام 1989 على أيدي أجهزة الاستخبارات الإيرانية بعد أن دعوه إلى مفاوضات السلام. إن عناد الإيرانيين بعدم منحهم المزيد من الحقوق ما انفك يزيدهم قناعة بعدم رغبة طهران في التوصل إلى حل وسط.
من تاريخهم، يتذكر الأكراد بأنّهم لا يستطيعون الاعتماد بشكل كامل على مُحاور أو شريك: المقولة القائلة بأنّ "الأكراد ليس لديهم أصدقاء بخلاف الجبال" مقولة بليغة تماماً في هذا الصدد. إذا بقيت نهاية المفاوضات مع الأمريكيين والإيرانيين سرية، تظل الحقيقة هي أنّ المصادمات بين المقاتلين الأكراد والقوات الإيرانية على الحدود قد انخفضت بشكل كبير في صيف عام 2019. دون أن نستنتج أنّ "اتفاق السلام" بين طهران والجماعات المسلحة الكردية قد حدث بالفعل، وهذا التراجع في المصادمات ربما يكون مرادفاً لإرادة الأكراد في الظهور كمراقبين بدلاً من جهات فاعلة، في الوقت الذي يتطور فيه الوضع: أياً كان هذا الوضع فإنّ التعاون الكردي، الذي تم التعبير عنه في اللحظة الأخيرة، سيكون موضع ترحيب بالتأكيد من جانب واشنطن وطهران.


إميل بوفيير: باحث في العلوم السياسية، متخصص في المواضيع التركية والكردية
مصدر الترجمة عن الفرنسية:
orientxxi.info/magazine و lemonde.fr

للمشاركة:

الكشف عن أسرار اتفاقية أردوغان- السراج يُحوّل ليبيا إلى بلد مُحتل

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-15

فيما أثارت الاتفاقات الأخيرة بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية انتقادات إقليمية وأوروبية واسعة، وبعد غموض كبير أحاط مضمون ما تمّ التوقيع عليه طوال الأسابيع الماضية، تمّ الكشف اليوم عن كافة البنود والتفاصيل التي حرص الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان على إبقائها سرّية وبعيدة عن مُتناول الإعلام، والتي اتضح أنها تنتهك القانون الدولي على نحوٍ كبير ولا تُراعي حقوق الدول المُجاورة من جهة، فيما تُحوّل ليبيا إلى بلد مُحتل من قبل تركيا من جهة أخرى، خاصة وأنها ممتدة بحيث تشمل الأنشطة الاجتماعية والثقافية والرياضية كذلك، في ظل ضعف موقف وإمكانات الطرف الليبي الذي وقع الاتفاقية.
يأتي ذلك بينما دعا برلمان البلاد، وجامعة الدول العربية كذلك، إلى سحب الاعتراف الدولي من حكومة الوفاق التي يرى خبراء أن ليس لها قوة حقيقية لا للدفاع عن طرابلس ولا لتنفيذ بنود الاتفاق مع أردوغان، وهي بحاجة ماسة للدعم التركي الذي سيتحول لقوة احتلال لاحقاً.
واليوم الأحد، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، في تصريحات للصحفيين في مقر البرلمان التركي، إنه لطالما كانت هناك اتفاقيات تعاون عسكري وأمني مع ليبيا في الماضي، مشابهة للاتفاقية الأخيرة.
ويؤكد مراقبون سياسيون أنّ اتفاقية أردوغان- السراج، تسعى لإشعال المتوسط عبر حرب إقليمية واسعة، حيث قال زعماء تكتل الاتحاد الأوروبي إن الاتفاق لا يتوافق مع القانون البحري. كما وتعتبر مصر واليونان وقبرص الاتفاق محاولة تركية صارخة للهيمنة في المياه المتنازع عليها.
وليبيا في صراع أيضاً مع اليونان بشأن تراخيص الاستكشاف البحرية الصادرة عن أثينا للمياه جنوب جزيرة كريت، الواقعة بين تركيا وليبيا.
وفي وقت تكثر فيه الخلافات بشأن تقسيم مناطق النفوذ في البحر المتوسط، الذي يُعتقد أنه غني بموارد الغاز الطبيعي، أفادت هيئة البث الإسرائيلي اليوم الأحد بأن أنقرة أعربت عن استعدادها للتفاوض مع إسرائيل بشأن نقل إمدادات الغاز الإسرائيلية إلى أوروبا عبر الأراضي التركية.
وقال مصدر تركي إن بلاده تنتظر تشكيل حكومة مستقرة في إسرائيل وتعيين وزير طاقة جديد لبحث هذه المسالة.
ولفتت الهيئة إلى أن هذا الموقف التركي يأتي بعكس تصريحات سابقة مفادها أن أنقرة لن تسمح بمد أنابيب غاز إسرائيلية إلى أوروبا عبر المياه التي تقول أنقرة إنها تتبع لها.
وقدّم رئيس البرلمان التركي مصطفى سينتوب اتفاق التعاون الأمني والعسكري مع ليبيا إلى البرلمان للموافقة عليه بعد تفعيل اتفاقية ترسيم الحدود البحرية في الأسبوع الماضي، حسبما ذكرت صحيفة "حرييت".
ويشمل الاتفاق، الذي تم توقيعه في نهاية نوفمبر، الأمن والتدريب العسكري وصناعة الدفاع ومكافحة الإرهاب والاستخبارات والتخطيط العسكري وإنشاء مكتب للتعاون الأمني والدفاعي في حال طلب ذلك، حسبما ذكرت وكالة أنباء بلومبرج.
من جهة أخرى، نشرت الجريدة الرسمية التركية اليوم الأحد مرسوما يفيد بمنح تركيا إعفاء من الحصول على تأشيرة الدخول للسائحين الليبيين دون 16 عاما وأكثر من 55 عاما.
ووفقا لما نقلته وكالة "بلومبرج" للأنباء فإن الحد الأقصى للإعفاء هو 90 يوما كل 180 يوما.
وفي ظلّ أنباء متواترة عن انهيارات لقوات حكومة الوفاق الليبية وتوقعات بدخول قريب للجيش الوطني الليبي للعاصمة طرابلس، الأمر الذي يعني بالتالي انهياراً سريعاً لاتفاقية السراج-أردوغان، التقى كل من وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو ووزير الدفاع التركي خلوصي أكار، مع رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الليبية فائز السراج، في قطر، حيث بحثا معه سُبل الدعم العسكري السريع، على الرغم من نفي أنقرة ذلك.
كان الرئيس التركي قال الأسبوع الماضي إن بلاده قد ترسل قوات إلى ليبيا إذا طلبت الحكومة التي يتزعمها فائز السراج وتتخذ من طرابلس مقرا لها، وذلك في أعقاب الاتفاق الأمني والعسكري بين الطرفين.

وانتشرت اليوم عبر العديد من المواقع الإخبارية نسخة عن مذكرة التفاهم التي وقعها فايز السراج مع أردوغان، والتي أكدت في كثير من بنودها على أهمية السرّية الكاملة في التعاون بين الجانبين، وهي تشمل في المجالين الأمني والعسكري:
- إنشاء قوة الاستجابة السريعة ضمن مسؤوليات الأمن والجيش في ليبيا لنقل الخبرات والتدريب والاستشارات والدعم المادي والمعدات من قبل تركيا.
- إنشاء مكتب مشترك للتعاون الأمني والدفاعي في تركيا وليبيا مع عدد كافٍ من الخبراء والموظفين عند الطلب.
- توفير التدريب، والمعلومات الفنية، والدعم، والتطوير، والصيانة، والإصلاح، والتعافي، والتخلص، ودعم الموانئ والمشورة، وتخصيص المركبات البرية والبحرية والجوية والمعدات والأسلحة والمباني والعقارات (قواعد التدريب).
- تقديم خدمات التدريب والاستشارات فيما يتعلق بالتخطيط العسكري المشترك وأنشطة نقل الخبرات والتدريب والتعليم وأنظمة الأسلحة واستخدام المعدات التي تغطي مجالات نشاط القوات البرية / البحرية / الجوية ضمن هيئة قواتها المسلحة داخل حدود الطرفين، بناءً على دعوة من الطرف المتلقي.
- التدريب والتعليم الأمني والعسكري.
- المشاركة في التمارين / التدريبات أو التدريبات المشتركة.
- الصناعة الخاصة بالأمن والدفاع.
- التدريب وتبادل المعلومات الاستخباراتية والخبرات في تنفيذ العمليات المشتركة في مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية وأمن الأراضي والحدود البحرية والجوية ومكافحة الإرهاب والتهريب والتخلص من الذخائر المتفجرة والعبوات الناسفة وعمليات الإغاثة الطبيعية في حالات الكوارث.
- التعاون في المجالات المختلفة وتبادل الزيارات بين الأطراف.
- الهيكل التنظيمي لقوات الدفاع والأمن، وهيكل المعدات ووحدات الدفاع والأمن وإدارة شؤون الموظفين.
- تبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون العملياتي.
- التعاون اللوجستي والمنح والأنظمة اللوجستية .
- الخدمات الطبية والصحية العسكرية .
- الاتصالات والإلكترونيات وأنظمة المعلومات والدفاع الإلكتروني.
- عمليات حفظ السلام والمساعدات الإنسانية ومكافحة القرصنة.
- تبادل المعرفة حول قانون أنظمة البحار والأنظمة القانونية العسكرية.
- رسم الخرائط والهيدروغرافيا (علم المسح ورسم المسطحات المائية).
- تبادل الموظفين للتطوير المهني.
- تبادل الموظفين الضيوف والمستشارين والوحدات.
- تبادل المعلومات والخبرات في مجالات البحث العلمي والتكنولوجي في مجال الدفاع والأمن.
- الأنشطة الاجتماعية والثقافية والرياضية.
- التاريخ العسكري والمحفوظات والنشر والمتاحف.
- تبادل ومشاركة المعلومات حول الوعي بالمجال البحري.

وتسارعت التطورات الميدانية في محيط العاصمة الليبية، منذ إعلان قائد الجيش الليبي، المشير خليفة حفتر عن بدء معركة الحسم لتحرير طرابلس من سطوة الميليشيات وعبث التنظيمات الإرهابية، وسط تقديرات غربية وأميركية بأن دخول الجيش الليبي إلى وسط العاصمة والسيطرة عليها بات وشيكا.
وكان المبعوث الأممي لليبيا غسان سلامة صرّح مؤخراً بأن المشير خليفة حفتر قائد "الجيش الوطني الليبي" يقترب من إحكام القبضة على طرابلس وربما تحقيق انتصار كبير، وذلك بفضل الدعم الروسي له.

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:

"المراجعات"... فكرة غائبة يراهن عليها شباب "الإخوان"

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-15

وليد عبد الرحمن

بين الحين والآخر، تتجدد فكرة «مراجعات الإخوان»، الجماعة التي تصنفها السلطات المصرية «إرهابية»، فتثير ضجيجاً على الساحة السياسية في مصر؛ لكن دون أي أثر يُذكر على الأرض. وقال خبراء في الحركات الأصولية، عن إثارة فكرة «المراجعة»، خصوصاً من شباب الجماعة خلال الفترة الماضية، إنها «تعكس حالة الحيرة لدى شباب (الإخوان) وشعورهم بالإحباط، وهي (فكرة غائبة) عن قيادات الجماعة، ومُجرد محاولات فردية لم تسفر عن نتائج». ففكرة «مراجعات إخوان مصر» تُثار حولها تساؤلات عديدة، تتعلق بتوقيتات خروجها للمشهد السياسي، وملامحها حال البدء فيها... وهل الجماعة تفكر بجدية في هذا الأمر؟ وما هو رد الشارع المصري حال طرحها؟ خبراء الحركات الأصولية أكدوا أن «الجماعة ليست لديها نية للمراجعات».

وقال الخبراء لـ«الشرق الأوسط»: «لم تعرف (الإخوان) عبر تاريخها (مراجعات) يُمكن التعويل عليها، سواء على مستوى الأفكار، أو السلوك السياسي التنظيمي، أو على مستوى الأهداف»، لافتين إلى أن «الجماعة تتبنى دائماً فكرة وجود (محنة) للبقاء، وجميع قيادات الخارج مُستفيدين من الوضع الحالي للجماعة». في المقابل لا يزال شباب «الإخوان» يتوعدون بـ«مواصلة إطلاق الرسائل والمبادرات في محاولة لإنهاء مُعاناتهم». مبادرات شبابية مبادرات أو رسائل شباب «الإخوان»، مجرد محاولات فردية لـ«المراجعة أو المصالحة»، عبارة عن تسريبات، تتنوع بين مطالب الإفراج عنهم من السجون، ونقد تصرفات قيادات الخارج... المبادرات تعددت خلال الأشهر الماضية، وكان من بينها، مبادرة أو رسالة اعترف فيها الشباب «بشعورهم بالصدمة من تخلي قادة جماعتهم، وتركهم فريسة للمصاعب التي يواجهونها هم وأسرهم - على حد قولهم -، بسبب دفاعهم عن أفكار الجماعة، التي ثبت أنها بعيدة عن الواقع»... وقبلها رسالة أخرى من عناصر الجماعة، تردد أنها «خرجت من أحد السجون المصرية - بحسب من أطلقها -»، أُعلن فيها عن «رغبة هذه العناصر في مراجعة أفكارهم، التي اعتنقوها خلال انضمامهم للجماعة».

وأعربوا عن «استعدادهم التام للتخلي عنها، وعن العنف، وعن الولاء للجماعة وقياداتها». وعقب «تسريبات المراجعات»، كان رد الجماعة قاسياً ونهائياً على لسان بعض قيادات الخارج، من بينهم إبراهيم منير، نائب المرشد العام للجماعة، الذي قال إن «الجماعة لم تطلب من هؤلاء الشباب الانضمام لصفوفها، ولم تزج بهم في السجون، ومن أراد أن يتبرأ (أي عبر المراجعات) فليفعل». يشار إلى أنه كانت هناك محاولات لـ«المراجعات» عام 2017 بواسطة 5 من شباب الجماعة المنشقين، وما زال بعضهم داخل السجون، بسبب اتهامات تتعلق بـ«تورطهم في عمليات عنف». من جهته، أكد أحمد بان، الخبير في شؤون الحركات الأصولية بمصر، أن «(المراجعات) أو (فضيلة المراجعات) فكرة غائبة في تاريخ (الإخوان)، وربما لم تعرف الجماعة عبر تاريخها (مراجعات) يُمكن التعويل عليها، سواء على مستوى الأفكار، أو على مستوى السلوك السياسي التنظيمي، أو على مستوى أهداف الجماعة ومشروعها»، مضيفاً: «وحتى الآن ما خرج من (مراجعات) لم تتجاوز ربما محاكمة السلوك السياسي للجماعة، أو السلوك الإداري أو التنظيمي؛ لكن لم تطل (المراجعات) حتى الآن جملة الأفكار الرئيسية للجماعة، ومقولتها الرئيسية، وأهدافها، وأدبياتها الأساسية، وإن كانت هناك محاولات من بعض شباب الجماعة للحديث عن هذه المقولات الرئيسية». محاولات فردية وقال أحمد بان إن «الحديث عن (مراجعة) كما يبدو، لم تنخرط فيها القيادات الكبيرة، فالجماعة ليس بها مُفكرون، أو عناصر قادرة على أن تمارس هذا الشكل من أشكال (المراجعة)، كما أن الجماعة لم تتفاعل مع أي محاولات بحثية بهذا الصدد، وعلى كثرة ما أنفقته من أموال، لم تخصص أموالاً للبحث في جملة أفكارها أو مشروعها، أو الانخراط في حالة من حالات (المراجعة)... وبالتالي لا يمكننا الحديث عن تقييم لـ(مراجعة) على غرار ما جرى في تجربة (الجماعة الإسلامية)»، مضيفاً أن «(مراجعة) بها الحجم، وبهذا الشكل، مرهونة بأكثر من عامل؛ منها تبني الدولة المصرية لها، وتبني قيادات الجماعة لها أيضاً»، لافتاً إلى أنه «ما لم تتبنَ قيادات مُهمة في الجماعة هذه (المراجعات)، لن تنجح في تسويقها لدى القواعد في الجماعة، خصوصاً أن دور السلطة أو القيادة في جماعة (الإخوان) مهم جداً... وبالتالي الدولة المصرية لو كانت جادة في التعاطي مع فكرة (المراجعة) باعتبارها إحدى وسائل مناهضة مشروع الجماعة السياسي، أو مشروع جماعات الإسلام السياسي، عليها أن تشجع مثل هذه المحاولات، وأن تهيئ لها ربما عوامل النجاح، سواء عبر التبني، أو على مستوى تجهيز قيادات من الأزهر، للتعاطي مع هذه المحاولات وتعميقها».

وأكد أحمد زغلول، الباحث في شؤون الحركات الأصولية بمصر، أن «الجماعة لم تصل لأي شيء في موضوع (المراجعات)، ولا توجد أي نية من جانبها لعمل أي (مراجعات)»، مضيفاً: «هناك محاولات فردية لـ(المراجعات) من بعض شباب الجماعة الناقم على القيادات، تتسرب من وقت لآخر، آخرها تلك التي تردد أنها خرجت من داخل أحد السجون جنوب القاهرة - على حد قوله -، ومن أطلقها صادر بحقهم أحكام بالسجن من 10 إلى 15 سنة، ولهم مواقف مضادة من الجماعة، ويريدون إجراء (مراجعات)، ولهم تحفظات على أداء الجماعة، خصوصاً في السنوات التي أعقبت عزل محمد مرسي عن السلطة عام 2013... وتطرقوا في انتقاداتهم للجوانب الفكرية للجماعة، لكن هذه المحاولات لم تكن في ثقل (مراجعات الجماعة الإسلامية)... وعملياً، كانت عبارة عن قناعات فردية، وليس فيها أي توجه بمشروع جدي». وأكد زغلول، أن «هؤلاء الشباب فكروا في (المراجعات أو المصالحات)، وذلك لطول فترة سجنهم، وتخلي الجماعة عنهم، وانخداعهم في أفكار الجماعة»، مضيفاً: «بشكل عام ليست هناك نية من الجماعة لـ(المراجعات)، بسبب (من وجهة نظر القيادات) (عدم وجود بوادر من الدولة المصرية نحو ذلك، خصوصاً أن السلطات في مصر لا ترحب بفكرة المراجعات)، بالإضافة إلى أن الشعب المصري لن يوافق على أي (مراجعات)، خصوصاً بعد (مظاهرات سبتمبر/ أيلول الماضي) المحدودة؛ حيث شعرت قيادات الجماعة في الخارج، بثقل مواصلة المشوار، وعدم المصالحة». وفي يناير (كانون الثاني) عام 2015، شدد الرئيس عبد الفتاح السيسي، على أن «المصالحة مع من مارسوا العنف (في إشارة ضمنية لجماعة الإخوان)، قرار الشعب المصري، وليس قراره شخصياً». وأوضح زغلول في هذا الصدد، أن «الجماعة تتبنى دائماً فكرة وجود (أزمة أو محنة) لبقائها، وجميع القيادات مستفيدة من الوضع الحالي للجماعة، وتعيش في (رغد) بالخارج، وتتمتع بالدعم المالي على حساب أسر السجناء في مصر، وهو ما كشفت عنه تسريبات أخيرة، طالت قيادات هاربة بالخارج، متهمة بالتورط في فساد مالي». جس نبض وعن ظهور فكرة «المراجعات» على السطح من وقت لآخر من شباب الجماعة. أكد الخبير الأصولي أحمد بان، أن «إثارة فكرة (المراجعة) من آن لآخر، تعكس حالة الحيرة لدى الشباب، وشعورهم بالإحباط من هذا (المسار المغلق وفشل الجماعة)، وإحساسهم بالألم، نتيجة أعمارهم التي قدموها للجماعة، التي لم تصل بهم؛ إلا إلى مزيد من المعاناة»، موضحاً أن «(المراجعة أو المصالحة) فكرة طبيعية وإنسانية، وفكرة يقبلها العقل والنقل؛ لكن تخشاها قيادات (الإخوان)، لأنها سوف تفضح ضحالة عقولهم وقدراتهم ومستواهم، وستكشف الفكرة أمام قطاعات أوسع».

برلمانياً، قال النائب أحمد سعد، عضو مجلس النواب المصري (البرلمان)، إن «الحديث عن تصالح مع (الإخوان) يُطلق من حين لآخر؛ لكن دون أثر على الأرض، لأنه لا تصالح مع كل من خرج عن القانون، وتورط في أعمال إرهابية - على حد قوله -». وحال وجود «مراجعات» فما هي بنودها؟ أكد زغلول: «ستكون عبارة عن (مراجعات) سياسية، و(مراجعة) للأفكار، ففي (المراجعات) السياسية أول خطوة هي الاعتراف بالنظام المصري الحالي، والاعتراف بالخلط بين الدعوة والسياسة، والاعتراف بعمل أزمات خلال فترة حكم محمد مرسي... أما الجانب الفكري، فيكون بالاعتراف بأن الجماعة لديها أفكار عنف وتكفير، وأنه من خلال هذه الأفكار، تم اختراق التنظيم... وعلى الجماعة أن تعلن أنها سوف تبتعد عن هذه الأفكار». وعن فكرة قبول «المراجعات» من قبل المصريين، قال أحمد بان: «أعتقد أنه يجب أن نفصل بين من تورط في ارتكاب جريمة من الجماعة، ومن لم يتورط في جريمة، وكان ربما جزءاً فقط من الجماعة أو مؤمناً فكرياً بها، فيجب الفصل بين مستويات العضوية، ومستويات الانخراط في العنف». بينما أوضح زغلول: «قد يقبل الشعب المصري حال تهيئة الرأي العام لذلك، وأمامنا تجربة (الجماعة الإسلامية)، التي استمرت في عنفها ما يقرب من 20 عاماً، وتسببت في قتل الرئيس الأسبق أنور السادات، وتم عمل (مراجعات) لها، وبالمقارنة مع (الإخوان)، فعنفها لم يتعدَ 6 سنوات منذ عام 2013. لكن (المراجعات) مشروطة بتهيئة الرأي العام المصري لذلك، وحينها سيكون قبولها أيسر». يُشار إلى أنه في نهاية السبعينات، وحتى منتصف تسعينات القرن الماضي، اُتهمت «الجماعة الإسلامية» بالتورط في عمليات إرهابية، واستهدفت بشكل أساسي قوات الشرطة والأقباط والأجانب. وقال مراقبون إن «(مجلس شورى الجماعة) أعلن منتصف يوليو (تموز) عام 1997 إطلاق ما سمى بمبادرة (وقف العنف أو مراجعات تصحيح المفاهيم)، التي أسفرت بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية وقتها، على إعلان الجماعة (نبذ العنف)... في المقابل تم الإفراج عن معظم المسجونين من كوادر وأعضاء (الجماعة الإسلامية)».

وذكر زغلول، أنه «من خلال التسريبات خلال الفترة الماضية، ألمحت بعض قيادات بـ(الإخوان) أنه ليس هناك مانع من قبل النظام المصري - على حد قولهم، في عمل (مراجعات)، بشرط اعتراف (الإخوان) بالنظام المصري الحالي، وحل الجماعة نهائياً». لكن النائب سعد قال: «لا مجال لأي مصالحة مع (مرتكبي جرائم عنف ضد الدولة المصرية ومؤسساتها) - على حد قوله -، ولن يرضى الشعب بمصالحة مع الجماعة». 

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية