الصحفية الصومالية هودون ناليي تكتب بدمائها سيرة الأمل وتتحدى الإرهاب

تهدأ الأوضاع الأمنية في الصومال برهة، يأمل خلالها الناس أن تطوي خلفها صفحة من الأحداث العنيفة التي عاشوها طيلة الأعوام الماضية، لكن سرعان ما تخبو الآمال، وتتبدّد مع تجدّد الأنباء عن هجمات جديدة تخطف أرواحاً بريئة.

اقرأ أيضاً: أين ذهبت تجربة الصومال بالمساواة بين الجنسين؟
آخر فصول حلقات تلك الهجمات المفجعة حدث يوم الجمعة الماضي، حين اقتحم مسلحون من "حركة الشباب" فندق "عَسْعَسِي" في مدينة كيسمايو الساحلية في جنوب الصومال، وقتلوا الصحفية الصومالية المشهورة هودون ناليي، البالغة من العمر 43 عاماً، هي وزوجها، فريد جمعالي، والصحفي محمد عمر سغال، وعشرات الأشخاص الآخرين، في هجوم تبنّته الحركة.

اقرأ أيضاً: نواب صوماليون يرفضون خرق فرماجو للدستور
وتعيد هذه الأخبار لأذهان الصوماليين، المنهكين أصلاً بين متاهات تأمين لقمة العيش، ومستلزمات الحياة الكريمة، مشاهد الهجمات التي تبنتها الحركة الإرهابية طوال العقد الماضي، وضربت أمن البلاد واقتصادها، وراح ضحيتها العشرات من الصحفيين وعددٌ لا يُحصى من المدنيين.

هي شخصية مشهورة من بين الجاليات الصومالية في أنحاء العالم

سرد الصومال المختلف
تمثّل هودون ناليي، التي خطفتها يد الإرهاب، نموذجاً خلاقاً للصحفيين الجدد، وهي شخصية مشهورة من بين الجاليات الصومالية في أنحاء العالم.
ولدت في الصومال، عام 1976، وقضت معظم حياتها في تورونتو وألبرتا، قبل أن تعود إلى الصومال في وقتٍ سابق من هذا العام؛ لنقل قصصٍ إيجابية عن شعبها.

عملت هودون على إبراز الجانب الايجابي من بلادها حيث يوجد الناس العاديون الذين يكافحون ببسالة من أجل حياتهم اليومية

جعلت ناليي مهمتها الإعلامية؛ إظهار الجانب غير المرئي من بلدها؛ ففي حين تركّز معظم التغطيات الإعلامية عن الصومال على مشاهد الحرب الأهلية والتشدد الديني والفقر المدقع ومتعلقات الحرب من كوارث شتّى، حتى صار الخراب والموت مفردات تلازم المتلقّي عند السماع عن الصومال، عملت هودون على إبراز الجانب الإيجابي من بلادها؛ حيث يوجد الناس العاديون الذين يكافحون ببسالة من أجل حياتهم اليومية.
فمن الجاليات الصومالية المنتشرة في أصقاع العالم، إلى البدو الرحل في جميع أقطار الصومال الكبير، جابت كاميرا الصحفية هودون ناليي بابتسامتها العريضة، وروحها المفعمة بالأمل، لتسرد قصص الصوماليين أينما كانوا، وقدمت رواية مختلفة عنهم، وشكلت في تجربتها الإعلامية تحدياً لا تخطئه العين لمسار الإعلام الغربي الأحادي الجانب عن القارة الأفريقية، والمثقل بمشاهد اليأس والموت، خاصة عن الصومال الذي تحدّده قوالب الصور النمطية في أذهان الكثيرين.

اقرأ أيضاً: إعدام جماعي وانفجارات.. هذا ما يشهده الصومال
أطلقت عام 2014، قناتها المشهورة على اليوتيوب، والتي تحمل اسم "Integration TV"، لتتحول في غضون وقتٍ قصير الى المنصة الإعلامية الأولى الناطقة بالإنجليزية، والمختصة بالشؤون الصومالية؛ وهي أول منصة إعلامية صومالية يتم إنتاجها بشكل احترافي في الفضاء الرقمي.

اقرأ أيضاً: الصومال يغلي: لماذا يربط الرئيس فرماجو مصالح بلاده بأجندات خارجية؟
سافرت ناليي عبر المدن والبلدات المختلفة في بلادها، كما جابت أنحاء كثيرة من أفريقيا وفي أمريكا الشمالية وكندا، لتوثيق ونشر قصص رواد الأعمال الصوماليين والكتّاب والفنانين والناشطين وغيرهم، وفي كلّ مكان قامت بزيارته؛ عملت ناليي على سرد الصومال المختلف، الذي لا يرويه الإعلام العالمي عادةً.

أطلقت ناليي عام 2014 قناتها المشهورة على اليوتيوب والتي تحمل اسم "Integration TV"

صوت الشتات الصومالي
تنتشر الجاليات الصومالية في جميع أصقاع العالم؛ ففي الوقت الذي اندلعت فيه الحرب الأهلية قبل ثلاثة عقود، فرّ الصوماليون إلى كلّ جهات العالم، وأنشأ العديد منهم حياة جديدة في منافيهم الجديدة؛ حيث وصلوا إلى أوروبا، وأمريكا الشمالية، وأستراليا وحتى نيوزيلاند شرقاً، لكنّ جميع هذه المجتمعات مترابطة، بفعل الروابط العشائرية القوية في المجتمع الصومالي.

اقرأ أيضاً: فشل مؤتمر "غروي" ما يزال يخيّم على الأجواء في الصومال.. لماذا؟
وفي ظلّ غياب منافذ إعلامية مهنية تنتج صحافة عالية الجودة باللغة الإنجليزية لصالح الصوماليين، حاولت ناليي بمفردها أن تكوّن بيتاً إعلامياً يلبّي حاجات الجاليات الصومالية الناطقة بالإنجليزية، وعملت من خلال لغتها الإنجليزية الكندية ولغتها الصومالية، غير المثالية في بعض الأحيان، على ربط مجتمعات الشتات الصومالية وتلك الموجودة في القرن الإفريقي وشرق إفريقيا.
كما أدركت ناليي الحاجة الماسة إلى نشر مواد إعلامية ملهمة لمجتمع شتّته الحرب، وأثقلته متاهات الصراع؛ وبداهة كان الصوماليون في أشدّ الحاجة إلى إعلامٍ مختلف، يظهر لهم جانباً آخر من بلدهم لا يجدونه عادة في مكانٍ آخر.
تقول في أحد مقاطعها المتلفزة: إنّها كانت تحلم منذ طفولتها بالعمل لدى شبكة "سي إن إن"، وهو أمرٌ تنازلت عنه بعد أن لم تتمكن من العثور على وظيفة في الشبكة، لكنّها بدلاً من ذلك؛ وجدت طريقها إلى مخيم للاجئين الصوماليين في كينيا لتغطية أخبارهم: "لم أكن في حاجة إلى" سي إن إن"، أو أيّة شبكة أخرى، لأصبح صوتاً لمجتمعي؛ أدركت كيف أكوّن صوتي الخاص، ولم أعد في حاجة إلى أيّة جهةٍ أخرى لتوظيفي".

اقرأ أيضاً: ما دوافع الأزمة الدبلوماسية بين الصومال وكينيا؟
وقد استلهمت قرار إطلاق قناتها الإعلامية الخاصة، عام 2014، بعد أن أصبحت أمّاً لطفلينْ.
وذكرت لبرنامج إذاعي صومالي؛ أنّها، كشخص نشأ في كندا، لم تُتح لها الفرصة لمعرفة الكثير عن الصومال، وقالت لنفسها إنّه قد يكون هناك المزيد من الأشخاص مثلها الذين لا يعرفون أيضاً عن بلدهم الأم، وأردفت: "آمل عندما يكبر أطفالي ويذهبون إلى الجامعة أن يتمكنوا من القول إنّ لديهم وسائل إعلام تتحدث إليهم، وهناك قصص إيجابية عنهم وعن بلادهم". وتضيف: "أعتقد أنّ الأمر كلّه يتعلق بترك إرث إيجابي لأطفالنا وللأجيال القادمة".

اقرأ أيضاً: إثيوبيا تعتذر بعد نشر خريطة أزيل الصومال منها
وقالت لمحطة التلفزيون الألمانية "دويتشه فيليه"، قبل عام: "كلّ ما عرفناه من بلادنا الحرب، كلّ ما عرفناه الانقسام، كلّ ما عرفناه الأشياء السلبية، لكنني أنظر إلى الأشياء الإيجابية: أذهب إلى منزل ما وأرى أمّاً صومالية يمكنها أن تبني منزلاً من نقطة الصفر، وأن تنجب 10 أطفال، ويمكنها أن تطهو من أجلهم كلّ يوم [أرى] أنّ الناس مفعمون بالأمل، ويمارسون حياتهم الاعتيادية، وليسوا مشغولين بسؤال (متى سأموت؟)".

هودون ناليي: أعتقد أنّ الأمر كلّه يتعلق بترك إرث إيجابي لأطفالنا وللأجيال القادمة

واقع قاتم للصحافة والصحفيين
وتشكّل عملية مقتل هودون ناليي والصحفي الصومالي الآخر، محمد عمر سحال، جزءاً من واقعٍ قاتم تشهده الصحافة والصحفيون في الصومال، فإضافة إلى الاستهداف المتواصل لهم من قبل الحركة المتشددة؛ يتعرض الصحفيون في الصومال إلى استغلال من قبل الحكومة الصومالية، التي تستفيد من قلة خبرتهم ورواتبهم المتدينة للضغط على التلاعب بالحقائق، حسبما أكدت منظمة "هيومن رايتس ووتش".

أطلقت الحكومة الصومالية جائزة باسم هودون تكريماً لحياتها الملهمة كما أطلقت الجمعية الثقافية الكندية الصومالية منحة دراسية باسمها

وقالت المنظمة، في تقرير أصدرته عام 2016، بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، إنّ الحكومة الصومالية و"حركة الشباب" المسلحة تستخدمان تكتيكات متشابهة للتأثير على التغطية الإعلامية. ويوثق التقرير المعنون "نحن كسمكة في مياه سامّة: اعتداءات على حرية الصحافة في الصومال"، الممتد على 74 صفحة، حالات القتل والتهديدات والاعتقال التعسفي للصحفيين، منذ عام 2014، ويلاحظ أنّ الحكومة الاتحادية الصومالية والسلطات الإقليمية تستخدم تكتيكات تعسفية مختلفة للتأثير على التغطية الإعلامية، منها: الاعتقال، والإغلاق القسري لوسائل الإعلام، والتهديد، وفي بعض الأحيان توجيه تهم جنائية.
كما تستهدف حركة الشباب، الصحفيين، كجزء من حملتها ضدّ الحكومة الصومالية. وأكّد التقرير فشل السلطات الحكومية في محاكمة المسؤولين عن تلك الانتهاكات، ومسؤوليتها عن ترك الصحفيين يعيشون في خوفٍ دائم.

جائزة سنوية باسم هودون

ناشطون: "إرث هودون سيستمر"
في الأعوام الأخيرة؛ عاد عدد متزايد من الصوماليين من الشتات إلى الصومال، للعمل في مناصب حكومية، أو خاصة، أو الاستثمار في مبادرات التنمية المجتمعية؛ بسبب تغطية هودون، التي عملت بلا كلل أو ملل على حثّ الكفاءات الصومالية للعودة إلى وطنهم والمساهمة في إحداث التغيير المنشود.
ومع انتشار خبر وفاتها، يوم الجمعة، اجتاحت مشاعر الحزن مواقع التواصل الاجتماعي، المنزل الافتراضي لهودون، ونعى نشطاء من الجاليات الصومالية المختلفة مقتلها، داعين إلى مواصلة عملها ورسالتها السامية، وعدم الاستسلام للإرهاب ورسائل الخوف.

اقرأ أيضاً: بعد أن فشلت في هزيمتها.. هل تفاوض الحكومة الصومالية حركة الشباب؟
ومن جانبها، أطلقت الحكومة الصومالية جائزة باسم هودون، تكريماً لحياتها الملهمة. وقالت وزارة الخارجية الصومالية في حسابها على تويتر: "ستكرم وزارة الخارجية الصومالية الشخص المتميز الذي يقدم مساهمة إيجابية في الشتات الصومالي"، وستمنح جائزة هودون ناليي السنوية للأفراد "المتميزين" من الشتات الصومالي.
كما أطلقت الجمعية الثقافية الكندية الصومالية في مدينة إدمونتون الكندية، منحة دراسية باسم هودون، تُمنح لامرأة صحفية صومالية بشكل سنوي، تخليداً لمسيرة هودون للنساء في بلدها.
وعلى وقع هذه العمليات والأخبار التي باتت تتكرر بشكل شبه يومي وتملأ صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وفي ظلّ وضع سياسي يلملم جراحه، وواقع أمني لا يبشر بخير قريب، يحاول الصومالي رغم كلّ شيء التمسك بذلك الخيط الرفيع من الأمل، في محيط بات فيه صدى "الموت" يتردّد من كلّ جوانبه، وحال لسانهم يردّد مقولة الكاتب الصومالي العالمي، نور الدين فارح "وصلنا لدرجة من اليأس لم يسعنا معها إلا أن نتفاءل".

الأقسام: