صونيا خضر: لا أتنصل من أنوثتي لكنني أتجنب استهلاكها

صونيا خضر: لا أتنصل من أنوثتي لكنني أتجنب استهلاكها
6568
عدد القراءات

2019-07-31

أجرت الحوار: رشا سلامة


في وقت تمكّنت فيه الشاعرة والروائية الفلسطينية صونيا خضر تجاوُز ما يمكن أن يصطلح عليه قيد فلسطين في النص الأدبي، فكتبت عن الحرية بمعناها الأوسع وعن الانعتاق بأشكاله كافة، فإنها لم تتجاوز القيد حين وصل الأمر لنزعة الأمومة والارتباط بالعائلة، وكل ما يتعلّق بها من شغف بتفاصيل الطعام والموسيقى والأناقة والمُدن.

اقرأ أيضاً: رواية "الإصبع السادسة".. الهروب إلى التاريخ لفهم الحاضر

قدّمت صونيا خضر روايتها الثانية "كلب الحراسة الحزين"، الصادرة مؤخراً عن دار الفارابي، بعد رواية سابقة حملت عنوان "باب الأبد"، بالإضافة لمجموعة دواوين شعرية منها "لا تحب القهوة إذاً" و"لشموس خبّأتها" و"معطّرة أمضي إليه"، فكان معها هذا الحوار حول الرواية الجديدة وأمور أخرى في أعمالها السابقة، مثل البُعد النسوي وأثر النص الديني وانحيازها الظاهر لبطلات العمل المنكسرات، أكثر من أولئك القويات الجسورات:

 رواية "باب الأبد" صدرت عن دار الفارابي

هذه الرواية الثانية لصونيا خضر. ثمة حكاية إنسانية ماثلة في "كلب الحراسة الحزين"، إلى أي مدى استطاعت هذه الحكاية الإنسانية استفزاز صونيا، لتعبر عنها من خلال الرواية لا الشعر كما هو دأبها؟

كنت أريد أن أخوض في التفاصيل، أن أعود إلى الأصل في الحكاية، إلى بئرها الأولى، والطفيليات اللزجة العالقة في حيطانها الرطبة، وهذا يتطلب بعض الإطالة التي لا تجوز ولا أستطيع اختزالها في قصيدة طويلة، أو ديوان من الشعر.
كل شيء يحدث لسبب أو لمجموعة أسباب، وهذه الرواية هي رواية الأسباب، والنتيجة الواحدة، التي تحتاج الدال والمدلول معاً، للقفز داخل الأحداث والخروج منها بحكاية واحدة على الأقل.

البُعد النسوي لا بد أن يظهر في أعمال صونيا الشعرية والآن الروائية، وحتى منشوراتها التي تكتبها بين حين وآخر عبر منصات التواصل الاجتماعي. حدّثيني عن مدى تأثير هذا البُعد في حياتكِ.

ربما تقصدين البعد الإنساني، والوجودي، بضمير المؤنث وحاله، ولغة الأنثى التي لا تختلف عن لغة الذكر إلا بالأمومة المضافة لها، أو لنقل العاطفة الزائدة. لا أتنصل أبداً من أنوثتي، لكنني أتجنب استهلاكها استعطافاً، أو بكاء، أو حتى استرضاء. أكتب من عقل الأنثى التي في داخلي والذي لا يختلف عن عقل الذكر(أيضاً) إلا بالقلب الصغير الذي فيه، والذي يضيف للمعنى لمعة العاطفة، وهذه إضافة وليست نقصاناً كما يقال. نحن في زمن الانفتاح والانكشاف، لم يعد هنالك مصادر معرفية أو أدبية أو علمية مخصصة للذكور فقط، والأنثى أصبحت تخوض الحياة بجانب الذكر وليس خلفه، لذلك وإن كان هناك لمسة خاصة في النص الذي تكتبه النساء، فهي تعود للمسة الأنثوية الخاصة والتي تحسب لها لا عليها.

اقرأ أيضاً: رواية الطباخ: فن طهي أزمات السياسة وتناقضات الاقتصاد

غلاف رواية "كلب الحراسة الحزين"

بقدر ما تأتي لغة صونيا خضر بعيدة عن التعقيد، فإنها مكثفة مختزلة. مَن المتلقي الذي تضعه صونيا خضر نُصب عينيها حين تكتب؟

المتلقي بالنسبة لي وبعد تجربتي الأولى في الرواية، هو ليس واحداً من أصدقائي أو المقربين الذين سيقرأون مجاملة، أو لا يقرأون على الإطلاق، لأسباب لا أريد الخوض فيها. المتلقي في هذه المرحلة هو القارئ الذي يقرأ لأجل القراءة والاكتشاف والفائدة والاستمتاع، والذي لا يحكم على الرواية قبل قراءتها، والذي يتوقع عملاً مختلفاً وأدوات سرد جديدة. ولأني أحترم قارئي، فإني أحرص على أن تكون لغتي قدر توقعاته، هو الذي يعرفني شاعرة. لكن وصدقاً، هذه هي لغتي، التي لا أستطيع التلاعب بمستواهاً، نزولاً أو صعوداً، وقارئي بحق، هو الإنسان الذي تحكمه إنسانيته أكثر من أي شيء آخر.

صونيا الأم لا تنفكّ تظهر في النص الروائي. تظهر لغة وسلوكاً ونزعة إنسانية. إلى أي مدى كبّلت هذه النزعة صونيا خضر أو حرّرتها، في الحياة والنص؟

أنا من النساء اللواتي ولدن أمهات، وبقين كذلك، منذ كانت أمي إلى أن صرت أمها. لا تخلو حكاية على مر التاريخ كله من أم، ولا يخلو معنى من وجودها، مأخوذة بهذا المعنى ولست مكبلة فيه، بعيدة كل البعد عن الفكرة المنقوصة عنه. سيذوب الفرق بين الأنثى الأم والأم الأنثى، إن جرّدنا عن المعنى أعباء التضحية والتقديس، وأيقنّا أن الأم هي أنثى والأنثى هي جنس بشري، لديه نوازعه الإنسانية وأخطاؤه وأحلامه وتشظيه. أنا مأسورة بالحياة بكل ما فيها من معنى، وهذا ما يجعلني محرّرة من الفكرة الظالمة للأمومة ومأسورة بمعناها الجميل.. الحب، داخل النص وخارجه.

اقرأ أيضاً: هكذا قاربت رواية "طرق الرب" طُرق البيروقراطية المقدسة

خضر: إن لم تحضر فلسطين مباشرة في نصي فهي حاضرة في اسمي وعنواني والشهداء من عائلتي

يظهر أثر النص الديني والرواية الدينية لدى صونيا خضر في "كلب الحراسة الحزين". وهو الأثر الذي يحضر من دون تبنٍّ أو تبرّؤ، لكنه يحمل طابع التنوّع. حدّثيني عن ذلك.

أستشهد بآيات وقصص من الكتب السماوية؛ لبلاغتها وعمق تأثيرها، وأجد فيها أمثلة يحتذى بها، ومراجع يحال إليها، وربما تأكيداً واستدراراً للنزعة الاستقصائية لدى القارئ، الذي قد يطمئنّ لورود الآية في النص، أو تضمين الحدث لمرجع موثوق.

تنحاز صونيا خضر في نصوصها، ويظهر هذا جلياً في رواية "كلب الحراسة الحزين"، للنساء الوحيدات الحزينات المترعات بالشجن. لماذا لا تحضر النساء القويات والجسورات؟ هل البنية النفسية للبطلات الضعيفات أثرى أدبياً؟

لكي أكتب المرأة السعيدة القوية، عليّ أن أبدأ بالمرأة المنكسرة الحزينة، ما يظهر على أنّه انحياز، هو مجرد عرض يخدم الفكرة، واستخدام للصورة لعرض نقيضها. ما من امرأة حزينة على الدوام، وما من وحدة تدوم. أطرح هؤلاء النساء ولا أنحاز لهن، هي محطات في حيوات النساء، أكتب عنها منذ الحزن إلى الفرح، منذ الفشل إلى النجاح، منذ الوحدة إلى النجاة، أو العكس. في "كلب الحراسة الحزين" أرافق رفيف بطلة الرواية في رحلتها الطويلة وأدفعها بقوة من العتمة نحو الضوء، فأنا أؤمن أنّ للحزن منتهاه، وأحاول أن تكون النهايات سعيدة، أقله لأجل إيماني بالحق في الحياة.

يستشفّ قارئ رواية صونيا خضر أن هنالك قلقاً ما أو عدم ارتياح حيال التكنولوجيا. حدّثيني عن ذلك.

نعم، وهذا ما أكشف عنه بوضوح في "كلب الحراسة الحزين". نحن نتحوّل إلى كائنات رقمية، دون أن ندري. التكنولوجيا سلبتنا أصالتنا، والمعاني الحقيقية للأشياء كالحزن والفرح والغربة والحنين والولادة والموت. كلها أصبحت كلمات مقتضبة وعابرة في النص الوجودي، كلها، ذابت في التسارع والزخم والازدحام، وأصبحنا مجرد صور، وفي أفضل حالاتنا، رقائق ذاكرة، لا يتفقدها أحد. أنا لست قلقة فحسب، بل أتألم لما آل إليه الحال، ينهشني الحنين لأيام مضت، كنا فيها لحماً ودماً ورائحة.

اقرأ أيضاً: شعرية الأعماق في رواية "بأي ذنب رحلت؟" للكاتب محمد المعزوز

مأسورة باللغة والمجاز والموسيقى

تفاصيل صونيا خضر حاضرة بقوة في "كلب الحراسة الحزين". الطعام على سبيل المثال. لمسة صونيا الإنسانية وأناقتها وكل ما يرافق حضورها كان بادياً في الرواية. بالنسبة لكِ، إلى أي مدى حضرت صونيا خضر في النص الذي كتبته؟

سيرة الكاتب ومكانه وذاكرته ومحيطه ووطنه هي مجموعة أعماله، بزيادة صنع مخيلته، ونقصان ما يريد أن يتكتم عنه. لا أملك مخيلة هائلة، لأكتب ما لا يتوفر في حدود عالمي الصغير، أو قراءاتي ومشاهداتي وتجاربي، لكنني أنسج بالشغف وبالألوان، وأتقمص وأحس أبطال الرواية، أذوب في شخصياتهم وأمنحهم إحساسي وذاكرتي وحلمي وطموحاتي ويمنحونني واقعهم لنصبح شخصية واحدة في نهاية الأمر، هكذا فقط تكون الكتابة بصدق. حضور الكاتب مهم في روايته، وهو الشخصية المركزية التي تصنع الأحداث، مشابهة له أو مناقضة له، لكن ليست غريبة عنه على الإطلاق.

يبدو هاجس الفقد قوياً لدى صونيا وظاهراً. ولربما ليس هذا النص الأول الذي يظهر فيه هذا الهاجس. ما الذي يجعل صونيا خضر تخشى الفقد إلى حد يتسلّل فيه ذلك لنصّها بشكل ملموس؟

الفقد والفراق والغربة والموت، هواجس تجعلني في حالة قلق دائم ومستمر، وتدفعني للكتابة، ربما هي عاطفتي الزائدة، أو تحليلي وتشكيكي في كل شيء، ربما هو التعلّق الشديد بعائلتي وبمن أحب. ثمة أمور كثيرة في داخلي تدفعني لهذا القلق، وقد كتبت عنها في "باب الأبد"، روايتي الأولى، لكن المسيطر فيها هو القلق الوجوديّ أساساً، وجدوى هذه الحياة.

لم تحضر فلسطين في نص صونيا خضر، بل كان هنالك معانٍ أوسع للحرية والانعتاق. هل استطاعت صونيا خضر تجاوز قيد فلسطين في النص الذي تكتب، على خلاف كثير من الكاتبات الفلسطينيات؟

نهاية الأمر ورغماً عن كل الكليشيهات المطروحة، عنا كفلسطينيين، وفي ذروة وخفوت الأحداث على مدى أجيال، عاصرت النكبة أو تداعياتها، لا نستطيع أن نتنصل من كوننا بشراً، نعيش الحياة بارتباكاتها وفوضاها وجمالها، نحن شعب لديه فنونه وأحلامه وطموحاته وإنسانيته، وكلها أمور حياتية طبيعية تسترعي الكتابة عنها وتقديمها للعالم، على نحو يؤكد أننا بشر طبيعيون. نعم أنا أتجاوز قيد فلسطين إلى فضائه الأوسع وإلى البعد الإنسانيّ الشموليّ، الذي لا يعتمد على الهوية أو الاستغلال والاتكاء الاستهلاكي على قضية لغايات تسويقية لا تخدم النص.

اقرأ أيضاً: هل انتهى زمن الرواية؟

وإن لم تحضر فلسطين مباشرة في نصي، فهي حاضرة في اسمي وعنواني، والشهداء من عائلتي، وفي رواية "باب الأبد"، التي صدرت عن دار الفارابي أيضاً، حيث تطرقت لقضية اللاجئين الفلسطينيين والتي أجدها الأهم من وجهة نظري طبعاً، وكانت جديدة، غير مستهلكة أو مكررة، أدرجتها بهدوء دون رفع شعارات تحيلها إلى أدب مقاومة.

حضر النصّان الروائي والشعري معاً في "كلب الحراسة الحزين". أيّهما وجدته صونيا أكثر قدرة على التعبير عنها؟ وأيّهما تكون صونيا أكثر سلاسة وانسيابية حين تكتبه؟

مأسورة باللغة والمجاز والموسيقى. أنا أكثر انسياباً بالسرد، أكثر شغفاً بالتفاصيل، وأكثر خفة، لكن الشاعرة التي في داخلي لا تهدأ إن لم تثبت حضورها في النص، لذلك، ولمصلحة النص، أحاول الهروب منها كثيراً، مع تأكيد وجودها، ووعد دائم بعدم إهمالها.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



خبير مصري يحذّر: الحرب بين أمريكا والصين ميدانها الذكاء الاصطناعي

2020-05-19

أجرى الحوار: سامح فايز

قال أستاذ علوم الكمبيوتر بجامعة نيويورك الدكتور محمد زهران إنّ حروب المستقبل، وأهمها بين أمريكا والصين، ستكون تكنولوجية، محذراً من أنّ استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب هو الخطر الأكبر، لافتاً إلى أنه عندما يتحارب البشر يوجد حد أدنى من القواعد مثل التفرقة بين المدني الأعزل والعسكري المحارب وبين الرد على الهجوم بمثله أو استخدام قوة مفرطة وتقليل الدمار في الأبنية مثل المتاحف والمدارس والجامعات إلخ، تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لن تكون عندها تلك الأخلاقيات.

هناك سلاحان في الحرب المعلنة بين أمريكا والصين: تطوير برمجيات الذكاء الاصطناعي، وتطوير أجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة

وأضاف زهران في حواره لـ "حفريات" أنّ الخطر من الذكاء الاصطناعي يأتي إذا أعطيناه سيطرة أكثر من اللازم، مثلاً إذا جعلنا الكمبيوتر يصف العلاج لمريض بدون تدخل بشري فهذه سيطرة أكثر من اللازم؛ لأن الكمبيوتر حالياً في برامج الذكاء الاصطناعي تعطيك حلاً دون أن تذكر كيف وصلت لهذا الحل، لذلك لا يجب أن نثق في هذه البرامج بنسبة 100%. يجب أن يكون هناك تدخل بشري في نقطة ما؛ لأنّ البشر يملكون ثقافة ووعياً وأخلاقيات، وهذه لا يمكن ترجمتها في أجهزة الذكاء الاصطناعي، هذه الأجهزة هي أداة، ويجب أن تظل أداة ونستخدمها لرفاهية البشر.
يذكر أنّ زهران عضو هيئة التدريس بجامعة نيويورك بتخصص هندسة وعلوم الحاسبات، حاصل على الدكتوراة في نفس التخصص من جامعة ميريلاند الأمريكية، له العديد من الأبحاث العلمية المنشورة في الدوريات والمؤتمرات الدولية، بالإضافة إلى الأبحاث والتدريس.. له اهتمامات عديدة بتاريخ وفلسفة العلوم، ويرى أنها من دعائم البحث العلمي.

هنا نص الحوار:

حصلت على البكالوريوس والماجستير من هندسة القاهرة والدكتوراة من جامعة ميريلاند الأمريكية ودرَّست في جامعة القاهرة كمعيد وفي جامعة نيويورك كأستاذ، فهل هناك فارق بين الحياة الجامعية في مصر وأمريكا؟
هناك فارق بينهما وقد تكلمت عن ذلك في إحدى مقالات صحيفة "الشروق". الاختلافات أنّ أغلب الطلاب في أمريكا معتمدة على نفسها تماماً (أنا أتكلم عن مرحلة البكالوريوس)، ستجد طالب البكالوريوس في أمريكا يدرس ويعمل في مطعم أو أي مكان آخر أثناء الدراسة؛ لأنه غالباً يدرس عن طريق قروض، هذه القروض تعني أنّ هذا الطالب يجب أن "يستقتل" كي يحصل على درجات عالية ليتمكن من الحصول على وظيفة مرموقة تؤهله لدفع القرض وفوائده، هذا يسبب ضغطاً عصبياً كبيراً للطلبة، الطلبة عندنا في مصر لا تعاني من ذلك؛ لأنّ الأهل يساعدونهم والمصاريف في الجامعات الحكومية ليست كبيرة، الأساتذة في مصر كلهم مصريون لكن أغلب الأساتذة في أمريكا ليسوا أمريكان، كل له فائدته، الفائدة من جميع الأساتذة من نفس الجنسية هي الشعور العائلي في الجامعات المصرية، الفائدة من وجود أساتذة من جنسيات مختلفة هي وجود طرق تفكير مختلفة، وهذا يدرب الطلبة على أنواع مختلفة من التفكير وعلى التعامل مع شخصيات مختلفة.

ستجد طالب البكالوريوس في أمريكا يدرس ويعمل في مطعم أو أي مكان آخر أثناء الدراسة
هل ترى أنّ البحث العلمي مصرياً وعربياً يسير بخطى ثابتة وقادر على المنافسة عالمياً، أم أنّ الوضع لا يزال سيئاً؟
الأساتذة عندنا في مصر تعمل بإمكانيات قليلة، والإمكانيات هنا تعني الأدوات المعملية والوقت والبيروقراطية يعني "بيغزلوا برجل حمار" زي ما المثل عندنا بيقول ولهم كل التحية، الأساتذة في الخارج عندهم كل الإمكانيات المعملية وطلاب دراسات عليا يعملون معهم طوال اليوم لمساعدتهم في أبحاثهم، لذلك عندما نقارن يجب أن نكون منصفين ونقارن الذي ينتجه كل أستاذ بما معه من إمكانيات، ولا يجب أن نقارن في المطلق.

التفاؤل قادم من الجيل الجديد من الطلبة، هؤلاء عندهم حب شديد للبحث العلمي ويبحرون في الإنترنت ليتعلموا

لكن ما يجعلني متفائلاً أكثر هم الجيل الجديد من الطلبة، هؤلاء عندهم حب شديد للبحث العلمي، ويبحرون في الإنترنت ليتعلموا، والخبر الجيد أنّ محاضرات الجامعات الكبرى في العالم موجوده على الإنترنت في مجالات كثيرة بالمجان، فمن يريد العلم سيجده. حتى نسير بخطى سريعة نحو التقدم العلمي يجب أن نشجع هؤلاء الطلاب عن طريق تشجيعهم على النشر العلمي، وعلى الابتكار، ويكون عن طريق وضع خطة متكاملة لاكتشاف الموهوبين علمياً في مختلف المجالات، وتعهدهم بالرعاية منذ البداية، لكن عندي بعض التحفظات: تعهدهم بالرعاية لا يعني استضافتهم في برامج تليفزيونية؛ لأن الشهرة مدمرة في هذا السن الصغيرة، وتعهدهم بالرعاية لا يعني أن نقول لهم إننا نجهزكم لكي تحصلوا على نوبل؛ لأنّ ذلك يجعلهم تحت ضغط، وإذا لم يفوزوا بالجائزة سيشعرون بالإحباط، وأن تتعاطى العلم من أجل الجوائز ليس هو الطريق الصحيح، وأيضاً قد تجعلك تختار بحثاً علمياً لأنك تظن أنه سيربح جائزة، وقد تكون شخصيتك كباحث لا تتواءم مع هذا البحث، لأنه كما للباحثين شخصيات، فإنّ للمعضلات العلمية شخصيات، ويجب أن تتواءم هذه مع تلك حتى تكون هناك فرص للنجاح.
هل التكنولوجيا الآن هي أكبر مؤثر على الاقتصاد في هذا العصر المعتمد على المعلومات والذكاء الاصطناعي وأجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة؟
العلاقة بين التكنولوجيا والاقتصاد علاقة متبادلة تؤثر كل منهما على الآخر، فمثلاً التكنولوجيا الحالية تجمع عنك معلومات كثيرة لتظهر لك إعلانات موجهة وهذه الإعلانات هدفها أن تدفعك لشراء سلعة أو خدمة، وهذه منفعة اقتصادية، البحث العلمي لكي يتحول إلى تكنولوجيا يلزمه تمويل والتمويل يأتي أغلبه من الشركات، وهذه الشركات لن تدفع نقوداً حتى تكون متأكدة أنها ستحصل على أضعافه؛ فهي تختار من الأبحاث العلمية ما يفيدها، والبحث العلمي نفسه قد يوجه الشركات إلى ما ينفعها، وبهذا تكون العملية متبادلة، لكن لا يجب أن ننسى الفاعل الثالث وهي الحكومات فهناك تمويل يأتي من حكومات لتكنولوجيات تفيدها؛ لأن الحروب ستكون حروباً تكنولوجية ومعلوماتية في المقام الأول.

يرى البعض أنّ الخطر الأساسي من وجود الذكاء الاصطناعي يرجع إلى الفرضية القائلة إنّ التقدم الكبير في الذكاء الاصطناعي العام قد يؤدي إلى الانقراض البشري أو إلى كارثة عالمية غير قابلة للاسترداد والحجة الداعمة لهذه الفرضية هي أنّ البشر مهيمنون على باقي المخلوقات لامتيازهم بدماغ ذي قدرات مميزة تفتقر إليها أدمغة المخلوقات الأخرى (كالحيوانات مثلًا)، وعليه إذا تفوق الذكاء الاصطناعي العام على الأدمغة البشرية وأصبحت بدورها فائقة الذكاء فإنها ستكون قوية ويصعب التحكم بها، ويتوقف مصير البشرية على تصرفات هذه الأجهزة؟
الهيمنة تستلزم الشعور بالعظمة والسطوة وهذا ما لن يصل إليه الذكاء الصناعي، الخطر يأتي إذا أعطينا الذكاء الاصطناعي سيطرة أكثر من اللازم، مثلاً إذا جعلنا الكمبيوتر يصف العلاج لمريض بدون تدخل بشري فهذه سيطرة أكثر من اللازم؛ لأنّ الكمبيوتر حالياً في برامج الذكاء الاصطناعي تعطيك حلاً دون أن تذكر كيف وصلت لهذا الحل، لذلك لا يجب أن نثق في هذه البرامج بنسبة 100% يجب أن يكون هناك تدخل بشري في نقطة ما؛ لأنّ البشر يملكون ثقافة ووعياً وأخلاقيات، وهذه لا يمكن ترجمتها في أجهزة الذكاء الاصطناعي، هذه الأجهزة هي أداة ويجب أن تظل أداة ونستخدمها لرفاهية البشر.

التعليم في مصر يواجه مصاعب جمة والخطر يأتي إذا أعطينا الذكاء الاصطناعي سيطرة أكثر من اللازم

  من مخاوف الذكاء الاصطناعي أيضاً تحويل الهجمات الإرهابية إلى وسائل إلكترونية ذكية بلا وجود فعلي للبشر، من خلال استخدام الطائرات بدون طيار أو المركبات ذاتية القيادة كأسلحة. أيضاً الهجمات عن بُعد، حيث إنّ الروبوتات الذاتية ليست بحاجة للتحكم بها من أي مسافة مهما كانت بعيدة.
استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب هو الخطر الأكبر، عندما يتحارب البشر يوجد حد أدنى من القواعد مثل التفرقة بين المدني الأعزل والعسكري المحارب، وبين الرد على الهجوم بمثله أو استخدام قوة مفرطة وتقليل الدمار في الأبنية مثل المتاحف والمدارس والجامعات إلخ، تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لن تكون عندها تلك الأخلاقيات، وهذا هو الخطر والمرتبط بسؤالك السابق وهو إعطاء الذكاء الاصطناعي سلطة أكثر من اللازم، كما قلنا الحروب المستقبلية هي حروب تكنولوجية، لكن النصر فيها سيكون لمن يستخدم تكنولوجيا متطورة تحت مراقبة بشرية.
  ترى أن الحرب أصبحت معلنة بين الصين وأمريكا وقد خرجت من الخفاء إلى العلن وتُستخدم وستُسخدم فيها جميع أنواع الأسلحة ماعدا العسكرية منها على الأقل في الوقت الحالي، فما هي الأسلحة المستخدمة في تلك الحرب؟
هناك سلاحان: تطوير برمجيات الذكاء الاصطناعي، وتطوير أجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة، الذكاء الاصطناعي له استخدامات عدة في الحرب والسلم، ولكن لأنّ الذكاء الاصطناعي ما هو إلا برمجيات فهي تحتاج إلى أجهزة كمبيوتر فائقة السرعة، هذه الأجهزة تستخدم بالإضافة إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تصنيع الأسلحة والبحث عن علاجات للأمراض المستعصية مثل السرطان، بالإضافة إلى المساعدة في الأبحاث المتعلقة بالعلوم الطبيعية مثل الفيزياء والكيمياء والأحياء عن طريق المحاكاة وتحليل الكمية المهولة من المعلومات المتولدة من تلك النظم، هذه النقطة الأخيرة المتعلقة بتعليل كم كبير من المعلومات تجعل أجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة من أهم الأسلحة في يد الأجهزة الأمنية أيضاً، لذلك فالحرب ضارية بين أمريكا والصين في هذين المجالين: الذكاء الاصطناعي وأجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة.
  أدى تطور التكنولوجيا وظهور الأجهزة الذكية المحمولة إلى التأثير بشكل سلبي على العلاقات الاجتماعية والتنمية الاجتماعية للبالغين والأطفال على حدّ سواء، إلى جانب سلبيات أخرى عديدة مثل إجبار الطلاب على استخدام مهارات تعليمية أساسية بشكل أقلّ، حيث ساهم استخدامهم للحاسوب وما يحتويه من أنظمة لتصحيح الأخطاء الإملائية على خفض مهاراتهم الكتابية والإملائية، كيف نتجاوز تلك السلبيات؟
للأسف هذا الكلام حقيقي؛ لأنّ الجيل الجديد أصبح يعاني من ثلاثة أمراض اجتماعية: أصبح تركيزه أضعف، وقراءاته أقل، ويتحرك في أغلب الأحيان قبل التفكير المتأني، وهذه تأثير شبكات التواصل وألعاب الكمبيوتر، لن نتمكن من إلغاء ذلك، لكن يجب تصميم العملية التعليمية حول تلك السلبيات وفي نفس الوقت تدرب الجيل الجديد على استخدام التكنولوجيا الجديدة والمتجددة دائماً في التعلم وإيجاد الحلول، هذا ليس سهلاً ويحتاج إلى جيل كي نرى النتائج، يحتاج إلى تكاتف خبراء التعليم والاجتماع وعلم النفس.

ترى أنّ  البحث العلمي ليس ترفاً بل إنه مع التعليم يعتبر من أهم دعائم بناء دولة قوية، دون التعليم لن يكون هناك بحث علمي ودون بحث علمي سنتسول التكنولوجيا التي تجود علينا بها الدول الغربية بأثمان باهظة وبالتأكيد لن يعطوننا أفضل ما عندهم، فهل التعليم في مصر على ذلك القدر الذي تتمناه؟
التعليم في مصر يواجه مصاعب جمة تأتي من جهات عدة، الأسر تريد من أبنائها الحصول على الشهادة بأية طريقة "لأننا بلد شهادات"، والكثير من المدرسين يعانون من أزمات مالية فيضطرون إلى الدروس الخصوصية على حساب التدريس في المدارس، ومن المدرسين من يعمل بالتدريس وهو لا يحبه ولكنه العمل الوحيد الذي وجده وبذلك لن يبدع، المجتمع لا ينظر إلى المدرس نظرته إلى مهن أخرى، ناهيك عن البيروقراطية، هذه كلها عقبات في طريق التعليم وتستلزم كما قلنا في السؤال السابق تكاتف الكثير من المؤسسات بدءاً من الأسرة، لكن كما قلت أيضاً عندي أمل كبير في هذا الجيل الجديد المتعطش للعلم، نحن نخطو خطوات للأمام لكن الطريق مازال طويلاً.

للمشاركة:

جاد الكريم الجباعي: للإخوان والجماعات الإرهابية أيديولوجيا واحدة

2020-05-12

همّه الدائم الإنسان والإنسانية، الحرية والديمقراطية، المواطنة المتساوية والإرادة الحرة والمستقلة، الاعتراف بالآخر المختلف في وطن يتساوى فيه النساء والرجال في الكرامة الإنسانية والكرامة الوطنية، والحقوق المدنية والسياسية. لا مسافة تفصل بين روحه وقلمه. له العديد من الكتب المنشورة وغير المنشورة: المجتمع المدني، جدلية السياسة والمعرفة، وردة في صليب الحاضر، في حرية الفرد، المسألة الكوردية، طريق إلى الديمقراطية، من الرعوية إلى المواطنة، في الدولة الوطنية، فخ المساواة، إضافة إلى الكثير من الأبحاث والمقالات في الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية. إنه المفكر السوري جاد الكريم الجباعي الذي التقته "حفريات" وحاورته في كثير من القضايا الراهنة فيما يخص الأزمة السورية، وحركات الإسلام السياسي ومسألة الهويات والعصبية وتحرر المرأة وغيرها؛ حيث أوضح أنّ الأيديولوجيا الإخوانية "هي نفسها أيديولوجيا الجماعات الإرهابية، كالنصرة وداعش وغيرهما"، منوهاً إلى أنّ "من أخطر الأوهام اعتبار هذه الجماعات ممثلة للمسلمين؛ السنة أو الشيعة".

وفيما يلي نص الحوار:

*منذ أكثر من ست سنوات والحرب السورية السورية لا تزال في أوجها، برأيكم هل من مخرج لهذه الحرب في ظل التطرف الديني والتعصب السياسي القائمين بين طرفي النزاع، وما هي الممكنات للوصول إلى الاعتدال الديني لدى الجهات الإسلامية المتشددة بوجه عام والسورية على وجه الخصوص؟
أولاً أريد أن أشكرك سيدتي على هذا التقديم، الذي يُلزمني أن أكون كذلك، وأتمنى أن أكون. وهذه براعة النساء، براعة الأنوثة، التي تصنع ذكورة تريدها أن تليق بها. وأشكر موقع (حفريات) الذي شرفني بهذا الحوار، وهذه المحاوِرة. هل تمانعين إذا قلت: المثقفة الجميلة؟
*أشكرك على هذا الإطراء أستاذنا.
الحرب التي لا تزال دائرة في سوريا، وهي حرب قذرة، غير مسبوقة في همجيتها وكارثية آثارها، كانت كامنة في ثنايا الحياة الاجتماعية – الاقتصادية والسياسية، فقد هيأت النخبةُ الثقافيةُ والسياسيةُ، ولا سيما الأقلية الحاكمة، شروط إمكانها، وعززتها السلطة التربوية والتعليمية، التي استمرأت الاستبداد، وكانت أداة فعالة في إعادة إنتاجه، في الحقلين الثقافي والسياسي، ثم في المجتمع، على مدى أكثر من نصف قرن.
هذا، في اعتقادي، ما شكل الخلفية المعرفية والثقافية للتطرف والإرهاب، التي أنتجت نسقاً من التفكير والإدراك والتمثل والتقدير والعمل، ذا طابع ثنوي (مانوي) تفاصلي، إن لم نقل تعادمي، قوامه المركزية الذاتية والتمايز والتفاصل والتفاضل، يعاد إنتاجه مرة تلو مرة، فيصبح ذاتي التغذية. وهو ما يفسر هشاشة المجتمع وسرعة تفككه وتنثُّره ونكوصه إلى الهمجية، سواء في إرهابها المذهبي (الطائفي) أو الإثني أو القومي، وما يفسر انقسامه بين موالين ومعارضين ينبذ بعضهم بعضاً.
*عفوا أستاذ إذا سمحت لي، هذا يعني أنك تحمّل مسؤولية ما يجري في سوريا اليوم إلى النخبة الثقافية التي حضرتك أحد أفرادها، وهل هذا ما دعاك للتراجع عن يساريّتك وانتقادها؟
إذا لم تكن نخبة المثقفين مسؤولة أخلاقياً عما جرى ويجري في وطنها، وفي العالم، لا تكون نخبة، ولا يستحق أفرادها صفة المثقف. ثم إنني لم أتراجع عن يساريّتي؛ تراجعت عن الأيديولوجية اليسراوية التي لا تختلف عن أي أيديولوجية مذهبية، بصفتها أيديولوجية. فقد اتهمني بعضهم بالنكوص عن الماركسية إلى الليبرالية، فشكرتهم على ذلك؛ لأنني رجعت إلى النسغ الحي للماركسية، وأعدت قراءتها ليبرالياً، وصرت أرى في ماركس فيلسوفاً إنسانياً وديمقراطياً، له ما له وعليه ما عليه.

سأتابع:
لكل حرب نهاية مهما طالت؛ فقد تكون هذه الحرب متجهة نحو نهاية ما، تحددها، وتحدد نتائجها، نسبة القوى الضالعة فيها، ولا سيما القوى غير السورية. ولكن الفوضى الشاملة، التي أشاعتها الحرب، على كل صعيد، لا تزال في أوجها، وقد تكون مفتوحة على المزيد. يمكن أن يتوقف القتال، ولكن الحرب قد تستمر بأشكال مختلفة، ما دامت عواملها وشروط إمكانها المشار إليها قائمة في الواقع. التوافق بين الدول الكبرى والقوى الإقليمية لا ينهي حرباً، كالحرب السورية السورية، ولا يحل مشكلات الشعب السوري، ولا يلبي حاجاته وتوقعاته؛ بل لعلّه يعيق عملية تشكل مجتمع سوري وشعب سوري، وإن سيطر هذا الطرف أو ذاك على الجغرافيا السورية، كلها أو بعضها. الجغرافيا ليست كل شيء؛ الشعب هو الأساس. فلا يزال السوريون مختلفين على تعريف الشعب، وتعريف المواطن، ومن ثم تعريف الوطن والوطنية.

الحرب في سورية حرب بين مستبدين يتسلحون جميعاً بأيديولوجيات متشابهة في مبادئها المعرفية والأخلاقية ومتفارقة في شعاراتها وأهدافها

ليس هناك وصفة جاهزة "للوصول إلى الاعتدال الديني"، إذا كان المقصود تحول جماعات الإسلام السياسي إلى الاعتدال. فما زلت أعتقد أن الاعتدال كان السمة الأبرز من سمات الحياة الاجتماعية السورية، لكن الاستبداد الذي جثم على صدر المجتمع السوري، منذ عام 1958، وبلغ ذروته مع ما سمي الحركة التصحيحية، عام 1970، كان هو العامل الرئيس في توليد التطرف والعنف والإرهاب، ابتداء من حظر الأحزاب السياسية وتسييس النقابات وغيرها من تنظيمات المجتمع المدني والسيطرة عليها وصولاً إلى حكم الحزب القائد وأيديولوجيته العنصرية. فالمسألة في سوريا ليست مسألة دينية أو مذهبية، بل هي مسألة اجتماعية – اقتصادية وثقافية وسياسية وأخلاقية أولاً وأساساً، بل يمكن القول إنّها مسألة سياسية؛ إذ عرفنا السياسة بأنّها مُحرَز مدني إنساني، يعني إدارة الشؤون العامة ديمقراطياً، وحل التعارضات الاجتماعية سلمياً، أداتها المثلى هي الحوار، وليست حرباً على المختلفين والمعارضين، كما كانت الحال في سوريا، قبل عام 2011، ولا تزال كذلك، لا في سوريا وحدها؛ بل في جميع البلدان التي ينخرها الاستبداد والفساد. فإنّه من العيب الأخلاقي والضلال المعرفي نسبة التطرف والإرهاب إلى الإسلام والمسلمين، لا إلى جماعات الإسلام السياسي، التي هي الوجه الآخر للاستبداد والتسلط والفساد، كما بينت تجربة الإخوان المسلمين المصريين في السلطة، وتجربة الإخوان المسلمين السوريين في الحرب. أعتقد أن الأيديولوجيا الإخوانية هي نفسها أيديولوجيا الجماعات الإرهابية، كالنصرة وداعش وغيرهما، ومن أخطر الأوهام اعتبار هذه الجماعات ممثلة للمسلمين السنة أو الشيعة.

جماعات الإسلام السياسي نفسها ليست إرهابية بالفطرة؛ بل ثمة ظروف اجتماعية اقتصادية وثقافية وسياسية جعلتها كذلك. الاستبداد والتسلط والاحتكار والفساد والإفقار والتهميش وتقفير الحياة الإنسانية؛ أي جعلها قفراً وقاعاً صفصفاً .. هي ما يولد التعصب والإرهاب. أو بقول آخر أكثر وضوحاً: إن "الاحتكار الفعال لمصادر السلطة والثروة والقوة" وهدر عمومية الدولة؛ أي وطنيتها، وغياب القانون وفساد القضاء، وأدلجة الثقافة والتربية والتعليم وهدر المؤسسات وهدر الوطن والوطنية والمواطنة، وهدر الإنسان جملة هي ما يولد التعصب والإرهاب، حسب تحليل مصطفى حجازي.
لا يكون سلام إلا بزوال أسباب الحرب، وما زلت أعتقد أن الاستبداد والتسلط والاحتكار وما نجم عنها، في مختلف مجالات الحياة، من أبرز أسباب الحرب الدائرة في سوريا. ولما كان الاستبداد الديني ظهيراً وحليفاً للاستبداد السياسي، على مر التاريخ، فإنّ الحرب الدائرة في سورية حرب بين مستبدين، يتسلحون جميعاً بأيديولوجيات متشابهة في مبادئها المعرفية والأخلاقية ومتفارقة في شعاراتها وأهدافها؛ لأنّ الجميع يقاتلون من أجل "الغنيمة والعشيرة والعقيدة"، بتعبير محمد عابد الجابري.
*في مقالة لكم نشرت في حيرون بتاريخ 29 أيار(مايو)، 2017 بعنوان "الوطنية واللغة/ الفكر والممكنات الأخلاقية"، تقولون فيها: "لا يمكن تغيير الواقع من دون تغيير فكره. فكر البعث وفكر الشيوعيين وفكر الجماعات الإسلامية هو فكر هذا الواقع الذي يجب تغييره، للشروع في تغيير الواقع نفسه، وإطلاق الممكنات الأخلاقية للأفراد السوريات والسوريين والأسر السورية، أي لإطلاق سيرورة تشكل مجتمع حديث ودولة حديثة، مركزية أو فدرالية. على من تراهنون في تغيير المجتمع، هل تراهنون على المثقفات والمثقفين أم على الأفراد، أم على السياسيين والمتدينين؟
كل نموذج ثقافي يتأسس على نموذج معرفي – أخلاقي، هو الذي يحدد أنماط التفكير وأنماط السلوك بالتلازم، بين التفكير والسلوك، والأخلاق محايثة للفكر والسلوك. فمع صعود المد القومي العربي، الذي دشنته ثورة 23 تموز (يوليو) 1952، في مصر، وتُوِّج بالوحدة المصرية السورية، تفكك الحقل السياسي الوطني، في كل مما سميت "الدول التقدمية"، وتبلورت ثلاثة اتجاهات ساسية – أيديولوجية ما فوق وطنية: قومية عربية، واشتراكية (ماركسية) وإسلامية أصولية وسلفية، أزعم أنّ لهذه الاتجاهات جذراً معرفياً وأخلاقياً مشتركاً، قوامه ثنوية إقصائية، تقسم كل منها المجتمع قسمين: تقدمي ورجعي، أو اشتراكي ورأسمالي، أو إسلامي وجاهلي، تحولت في حالات كثيرة إلى استئصالية. التفاصل الأكثرة خطورة كان بين الحركة القومية.
*عفواً، برأيكم لماذا انزلق الشعب السوري إلى التفاصل الذي تتحدثون عنه؟
لنقل: إنّ السوريين والسوريات انزلقوا وانزلقن إلى التفاصل؛ لأنّهم لم يتشكلوا مجتمعاً مدنياً وأمة حديثة وشعباً، ولم يجعلوا من سوريا وطناً، ولم ينتجوا دولة. هذا يفتح ملفات كثيرة ليس هنا تفصيلها. فإنّ جمعاً غير منسوج من العائلات الممتدة والعشائر والإثنيات بمحمولاتها الدينية والمذهبية لا يساوي شعباً.

ما يسمى صراعاً دينياً كثيفاً ليس سوى صراع لجعل الدين أداة ووسيلة، لتحقيق غايات سياسية ومنافع مادية، دنيئة على العموم

الحركة القومية هي التي استولت على السلطة في كل من مصر وسوريا والعراق والجزائر وليبيا، وأسفر عن نبذ جماعات الإسلام السياسي، ولا سيما جماعة الإخوان المسلمين، وجمهورها من المجال العام، واحتواء الاتجاه الاشتراكي (الماركسي)، النخبوي عموماً، بالترغيب والترهيب، جراء التحالف مع الاتحاد السوفييتي السابق. هذا التفاصل الأيديولوجي، الذي يقنِّع مصالح خاصة عمياء، من جهة، ويعيد إنتاج الاستبداد في الحياة العامة من الجهة المقابلة، أدى إلى تصدع الحقل السياسي وتفككه، وانقسام المجتمع إلى متن يحظى بالسلطة والثروة والجاه، وهامش محروم يتسع باطراد، ويزداد فقراً وبؤساً ومهانة. (تبلغ نسبة الفقر العام، في سوريا، نحو 80%)
تفكك الحقل السياسي الوطني، انتقل إلى الحقل الثقافي، وإلى حقل التربية والتعليم، ثم إلى المجتمع، أو إلى "الشارع"، كما يقال، فآلت هذه الدول "التقدمية" إلى سلطات شمولية، ومجتمعات مفككة، وأيديولوجيات عدمية وتعادمية، وتصحُّر معرفي وانحطاط أخلاقي: الآخر المختلف رجعي أو خائن أو عميل أو كافر أو زنديق، استبعاده أو استئصاله والقضاء عليه إذا أمكن، واجب قومي أو ثوري أو ديني. وهذا لا يزال شائعاً بصيغ مختلفة. لذلك لا بد من حركة نقدية ونقاش عام، لكشف عدمية هذه الأيديولوجيات، وكنسها، تمهيداً للانشغال بالواقع والاشتغال فيه ومفهمته أو تنظيره (على الرغم من السمعة السيئة للتنظير؛ أي للفكر، التي أشاعتها هذه الأيديولوجيات القاتلة). على هذا الأساس نراهن على ما نسميه آليات الدفاع الذاتي، والممكنات الأخلاقية، التي يتوفر عليها أي مجتمع يتعرض لمثل ما تعرض له المجتمع السوري، ويقرر (أفراداً وجماعات) ألا يتعرض له مرة أخرى. وهذا لا يتحقق إلا بالنسيان الإيجابي، الذي تعززه إجراءات العدالة الانتقالية. هذا النسيان الإيجابي نفسه، في أفق المستقبل وتدبير المصير، أحد الممكنات الأخلاقية، إضافة إلى إرادة الحرية والحياة الكريمة، التي لا تكون إلا بشعور عميق وأصيل بسموّ الرابطة الإنسانية، وسموّ الرابطة الاجتماعية، على سائر الروابط الأخرى. رهاننا معقود على المجتمع، الذي ينتج نفسه، على الأفراد والأسر والتنظيمات والمؤسسات، ومن ثم على دولة حق وقانون لا تقل ضرورتها عن ضرورة الاجتماع المدني.
*ورد في مقدمة كتابكم فخ المسواة: مفهوم العصبية أكثر نجاعة من مفهوم الصراع الطبقي، ولكنه لا ينفيه ولا يلغيه، بل يساعد في تعيين حدوده وقوته الإجرائية في مجتمع تتجاور فيه بنى وتشكيلات قديمة وحديثة، وثالثة بين بين. ولكن تحليل العصبية، بما هي أكثر العقبات كؤداً في طريق التحول الديمقراطي وتحليل صراع العصبيات أو الهويات، الذي يسم تاريخنا القريب والبعيد، يطمسان أثر نصف الجماعات والمجتمعات المعنية في إعادة إنتاج العصبية وتأريث النزاعات، ويهملان الرابطة القوية بين المركزية الإثنية والمركزية الذكورية، ما يثلم التنظير لبواعث التحول الديمقراطي ومقتضياته، ومن ثم لتحديد معوقاته والعقبات التي تعترض سبيله.
هل من رابط يربط بين العصبية الدينية وبين العصبية الذكورية؟ وما دور المرأة في إعادة تشكيل مجتمعٍ خالٍ من التعصب والتطرف بكافة أشكاله؟

أشكرك على هذا السؤال. زعمي أنّ مفهوم العصبية أكثر نجاعة في تحليل بنى المجتمع السوري متأتٍ من واقع الانقسامات العمودية، العائلية والعشائرية والإثنية والمذهبية، ما قبل المدنية، المؤسسة كلها على وهم المركزية الذاتية. ثمة علاقة لا تنفصم بين العصبية والمركزية، ناتجة من علاقات القوة، وإرادة السيطرة ومبدأ الغلبة والقهر، وحق الأقوى، في حين يفترض القائلون بالصراع الطبقي أنّ المجتمع منقسم أفقياً، بحكم تقسيم العمل الاجتماعي الحديث، وهذا حق، أما إسقاطه على المجتمعات القديمة والمجتمعات المتأخرة، كمجتمعنا، ففيه كثير من التعسف. لذلك، صرت أميل إلى مفاهيم رأس المال الاجتماعي ورأس المال الثقافي ورأس المال الرمزي، بصفتها أدوات تحليل، تنطلق من أولوية التواصل والتعاون والثقة والعلاقات الأفقية والشبكية، وتستبعد الصراع التعادمي بين طبقتين: البورجوازية والبروليتاريا على سبيل المثال. كما أميل إلى استعادة مفهوم الاغتراب، لتحليل الظاهرات الاجتماعية والثقافية.
العلاقة بين العصبية والمركزية، بقدر ما هي واقعية، تفسر كون المركزية ذكوريةً، لأن أول تعصب في التاريخ كان تعصباً على النساء، وأول عبودية في التاريخ كانت عبودية النساء، وشتان ما بين العبدة والحر. والحرَّات أو الحرائر، (في مقابل الإماء)، في تاريخنا ومجتمعنا لسن كذلك بذواتهن، بل بآبائهن وأجدادهن وأزواجهن.
*ما زال السؤال قائماً، ما دور المرأة في حل النزاع؟
دور المرأة، في الأوضاع الراهنة محدود جداً، للأسف، كيف يمكن أن تسهم النساء في حل نزاع أقحمن أنفسهن فيه أو أقحمهنّ الرجال فيه؟ ألم تسمعي عن المشادات والشتائم البذيئة المتبادلة بين منتدِيات ومؤتمِرات، في ندوات ومؤتمرات نسوية ضمت مواليات ومعارضات؟ تعصب النساء على طرفي الموالاة والمعارضة لا يترك لهن مجالاً للإسهام في حل النزاع وبناء السلام، وهذا يفترض أن يكون دورهن الرئيس، فهنّ أقرب إلى الذكور على صعيد التفكير والإدراك والتمثل والتقدير والعمل، أي استبطان النموذج البطركي الذكوري والمشاركة النشطة في إعادة إنتاجه؛ مَثلُهن الأخلاقي الأعلى المرأة المحاربة والمشجعة على الحرب، والتي تقدس البطولة والشهادة، والمستثنيات من ذك قلة مبشِّرة على كل حال. ظاهرات المجندات المقاتلات، على طرفي النزاع، مخجلة ومحبطة، من وجهة نظري غير المقبولة. أنا ضد الجيوش والحروب كافة، وضد التربية على التوحش والهمجية، بوجه عام، وضد تجنُّد النساء أو تجنيدهن في صفوف الجيش والشرطة والمخابرات، بوجه خاص. الداعيات إلى المساواة لا يجدن بأساً في ذلك؛ بئست المساواة في الهمجية والتوحش.
*في كتابكم في الدولة الوطنية، تحيلون فكرة الدولة المدنية إلى "سيد قطب" زعيم جماعة الإخوان المسلمين، ونرى اليوم أن السواد الأعظم من القطب المعارض في سوريا يطالبون بدولة مدنية. هل نفهم أن جماعة الإخوان المسلمين وراء هذه المطالبة بالدولة المدنية أم لكم رأي آخر؟
لقد وصفت شعار الدولة المدنية بأنه "تلفيق فكري وتلبيس سياسي"، قد أكون مخطئاً، ولكنني ما زلت عند هذا الرأي. لأن الشعار المذكور روجه الأخوان المسلمون في مصر وسورية، مع أنه متناقض على طول الخط مع مقولات حسن البنا، موسس جماعة الإخوان المسلمين: "الإسلام دين ودنيا ودولة .. مصحف وسيف"، التي تتبناها الجماعة، ومتعارض بالقدر نفسه مع مبدأ الحاكمية عند الجماعة، ومع مبدأ الدعوة والجهاد، والدعوة أساس التطرف والجهاد أو النضال أساس الإرهاب، عند الإسلاميين وغير الإسلاميين، كالبعثيين والشيوعيين.
* يشهد اليوم العالم العربي والإسلامي صراعاً دينياً كثيفاً، كما يشهد تشكيل جماعات إسلامية متطرفة غالبيتها من الشباب والشباب المتعلم أو بالأحرى الشباب الأكاديمي. برأيكم، ما الدوافع وراء انخراط الشباب في الجهاد والتطرف والتعصب؟
ما يسمى صراعاً دينياً كثيفاً ليس سوى حجاب كثيف يخفي طبيعة الصراع الفعلية ومرامي القوى المتصارعة. وهو؛ أي ما يسمى صراعاً دينياً، تعبير فج عن جعل الدين أداة ووسيلة، لتحقيق غايات سياسية ومنافع مادية، دنيئة على العموم. ليس هنالك صراع بين الإسلام والمسيحية، أو بين المسلمين والمسيحيين، على سبيل المثال. ولم يكن هناك صراع بين المسلمين واليهود، قبل قيام "دولة إسرائيل"، والصراع العربي الإسرائيلي، ليس صراعاً دينياً، لا في مبتداه ولا في سيرورته، إلا في نظر إسلاميين متطرفين. الحركة الصهيونية استثمرت الدين اليهودي، وأرادت أن تجعل منه "قومية يهودية"، وعندنا من أراد ولعلّه يريد أن يجعل من الدين الإسلامي "قومية إسلامية"، مع أن تعبير قومية إسلامية متناقض في ذاته، كالقومية اليهودية. الأيديولوجيات التي أشرنا إليها، وهي أيديولوجيات عدوانية، صراعية وعدمية وتعادمية، هي تحوير للواقع الفعلي، القاسم المشترك بينها هو كره الأخر المختلف، والتنكر لإنسانيته فضلاً عن حريته وحقوقه
 

* ما أهم المظاهر الفكرية للتعصب والتطرف الديني، وما هي نتائجه؟
هناك مظاهر كثيرة تنم على المبادئ المعرفية والخلفيات الفكرية للتعصب والتطرف، سواء كانا دينيين أم لادينيين، من أكثرها وضوحاً اليقين المطمئن بامتلاك الحقيقة، يُعبَّر عن هذين اليقين وامتلاك الحقيقة بالتصديق التام لكل ما يتصل بمرجعية المتكلم أو المتكلمة، والرفض التام لما عداها، ومن ثم، القبول التام بكل ما توجبه هذه المرجعية من تصديقات ومعاملات، والرفض التام لما عداها. الحقيقة عند المتعصب المتطرف مطلقة وثابتة، اجتُرحت مرة واحدة وإلى يوم الدين، وهي مستقرة في نص مقدس، دينياً كان النص أم غير ديني، كالنص الماركسي أو الماركسي اللينيني، على سبيل المثال، أو في "القواين العلمية" حتى، لدى العلمويين، الذين لا يدركون أن تاريخ العلم هو تاريخ أخطائه. ولعل أخطر المظاهر "الفكرية" للتعصب والتطرف أن المتعصبين والمتطرفين يمنحون أنفسهم حقاً مطلقاً في تقرير مبادئ الحق والأخلاق، ويفرضونها على الآخرين بالقوة.

المتطرف داعية ومبشر، متعهد خلاص النفوس وحامل مفاتيح الجنة. الدعوة والتبشير هما لب التطرف وقوامه

ولكن، إذا كان الاستبداد والتسلط والإفقار والتجهيل والتهميش وهدر كرامة الإنسان ومصادرة حريته، وتشييئه أو تحويله إلى أداة ووسيلة وموضوع للسلطة .. من أبرز العوامل التي تولد التعصب والتطرف، فإن المتعصبين والمتطرفين ضحايا هذه الشروط اللاإنسانية، لذلك لا تُعالَج مسائلُ التعصب والتطرف والعنف والإرهاب إلا بالقضاء على أسبابها، لا بالقضاء على ضحاياها، على نحو ما نرى ونسمع اليوم. هل هذا دفاع عن الإرهابيين؟! أجل، هو دفاع عن الإنسان، لا عن الإرهاب. المتعصبون والمتطرفون أبناء مناخ عصيب وسلطات متطرفة. من أقبح مفارقات هذه الأيام محاربة الإرهاب ومناصرة من يصنعونه صنعاً وحمايتهم. هذه المفارقة لدى حكومات الدول الديمقراطية أكثر قباحة. بحسبة بسيطة، الأموال والجهود التي تبذل في سبيل كذبة "الحرب على الإرهاب"، منذ عام 2001، كافية لتجفيف منابعه شيئاً فشيئاً على الأقل، لو أن معايير هذه الحرب إنسانية أو مدنية على أقل تقدير.
بالعودة إلى المظاهر الفكرية للتعصب والتطرف، تجب الإشارة إلى أن المتعصب لا يصير متطرفاً، وقابلاً لأن يصير إرهابياً، إلا حين يُقنع نفسه، ويحب أن يقنع الآخرين بأنه حامل رسالة لهداية البشرية وإنقاذ العالم تعويضاً عن إنسانيته المهدورة وذاته الضائعة. المتطرف داعية ومبشر، متعهد خلاص النفوس وحامل مفاتيح الجنة. الدعوة والتبشير هما لب التطرف وقوامه.

للمشاركة:

سعيد ناشيد: الإسلام السياسي دمر مفهوم الوطن بشعارات دينية جياشة

كريم شفيق's picture
صحافي وكاتب مصري
2020-05-06

يرى المفكر المغربي سعيد ناشيد أنّ معضلة الإسلام السياسي تكمن في أنّه ساهم في تدمير مفهوم الوطن، بدعاوى تدغدغ العواطف الدينية الجياشة، معتبراً أنّ شعار "القرآن دستورنا"، كان لحظة الخطيئة الكبرى، التي أفضت إلى استكمال دائرة أدلجة الإسلام؛ حيث أصبح الإسلام مجرد أداة للتهييج الانفعالي.

ففي ظلّ تمدّد مساحة الدين، التي أضحت تستولي على مواقع وقطاعات عديدة، في الحياة، وتعالي نبرة خطابها، تلاشت وتقلّصت مساحة المشترك الإنساني والكوني، تحت ألوية الصراعات الهوياتية والتجزئة الدينية.

هل يُعقل أن تسمّى صحيفة "المدينة" دستوراً، فيما لو كان الدستور هو القرآن، أم ثمة أكثر من دستور واحد؟!

ولئن عمد ناشيد؛ صاحب "دليل التدين العاقل"، في مؤلفاته، إلى قطع أشواط جريئة ضدّ العقل الأسطوري وإسلام النص، الذي يحول دون مقدرتنا على الوصول لصياغة حقيقية للإصلاح الديني، والانتقال للحداثة العلمية والسياسية، فإنّه لا يكفّ عن التفكير في كلّ المسلمات الموروثة، واقتفاء أثر الدين في حالته الأولى والبدائية، قبل أن يتحول إلى أداة سلطوية تصادر حقّ الإنسان في تعبيره الحرّ عن إيمانه.

ويتصدّى ناشيد إلى محاولات التطبيق القسري للدين واستدعائه، في عالم له شروطه التاريخية المختلفة وقوانينه ومؤسساته، ولم تعد تحكمه قيم الولاء والبراء والطاعة والغلبة، ولا يعترف بالسبايا، وما ملكت أيمانهم والجواري والإماء. فتحوّل "الخطاب القرآني من رسالة تعبدية تنطلق من جوارح المؤمن إلى وصايا أبدية تعطل الإبداع، وتشلّ الإرادة، وحوّلوا القرآن إلى عائق من عوائق التحديث"، كما يؤكد ناشيد في حواره مع "حفريات".

هنا نص الحوار:

تتنامى ظاهرة التشدّد الديني، الأصولي والسلفي والجهادي، بصورة تتخطى التصورات النمطية التي كانت تفسر الأمر كرد فعل على الفقر والتهميش، كيف ترى الأمر في صورته الكلية بناء على المعطيات والأمثلة الراهنة؟

دعنا نعترف، ابتداء، بأننا ننتمي إلى حضارة مهزومة، في كلّ تفاصيلها (من الشارع إلى الإدارة، والمدرسة، والأسرة، ...إلخ)، وبأن شعوبنا تعاني من وطأة الشعور بالهزيمة الحضارية، وهذا الشّعور قد بدأ يتحول، مؤخراً، إلى عصاب وسواسي جماعي، يفرز ردود فعل عبثية، مجانية ولا عقلانية. يتعلّق الأمر بحالة مرضية تجعل المسلمين يتوجّسون من كلّ شيء، يعدّون أيّ شيء مؤامرة على الإسلام، أو كما جاء في الذكر الحكيم: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ}، وللأسف، لا نستطيع أن ننكر الفرح، الذي يظهره عدد من المسلمين بالهجمات الإرهابية في الغرب، وهو دليل على أنّ الشعور بالهزيمة قد أمسى حالة مرضية مزمنة.

لا يجب أن يقتصر النقد على الإسلام السياسي بل يجب أن يطال البيئة الثقافية والأخلاقية

في واقع الأمر، ليست الهزيمة العسكرية هي المشكلة؛ فلقد انهزمت اليابان وانهزمت ألمانيا أيضاً، في الحرب العالمية الثانية، ولم تمنعهما الهزيمة من معاودة النهوض، دون صراخ أو عويل، ورغم ذلك؛ فقد كان حجم العدوان الذي واجهته اليابان، لا مثيل له، في تاريخ البشرية؛ حيث تعرّضت لإلقاء القنابل الذرية على هيروشيما وناكازاكي، لكنّ المشكلة عندنا نحن بالذات، تكمن في أنّ الشعور بالهزيمة صادف شعوراً ثقافياً بالعجز والشلل والاتكال، سواء في الأبعاد الغيبية، أو في الأبعاد الاجتماعية، وليس يخفى أنّ من طبائع العاجز، أن يحمّل مسؤولية عجزه للآخرين دائماً (السماء، السلطة، الغرب، ...إلخ).

الدّاء فينا، والإنكار داء آخر، وطالما أنّ الخطاب الديني هو الأكثر تأثيراً على شعوبنا، فمن الطبيعي أن يكون الخلل كامناً في طريقة بناء الخطاب الديني، التي تكرّس العجز الإنساني والشلل الحضاري. يكفي أن نتفحّص القيم التي يكرّسها الخطاب الديني لدى أطفالنا (الله سيعذبك إن فعلت كذا، الله من يرزقك إن أطعته، يكفي أن يرضى عنك أبواك، خاصة أمك، أمّا رضاك عن نفسك فلا يهم)، لذلك أقول أيضاً: لا يجب أن يقتصر النقد على الإسلام السياسي حصراً، بل يجب أن يطال البيئة الثقافية والأخلاقية المنتجة لقيم العجز وثقافة التخلف.

جورج بوش استعمل الخطاب الديني، بغية تبرير العديد من قراراته التي يصعب تبريرها بالعقل

الاستخدام النفعي للدين

هل الاستخدام النفعي والوظيفي للدين في السياسة، سواء من جانب الأنظمة أو الجماعات الدينية، ساهم في خلق شرعية لتحويل النص الديني إلى أيدولوجيا انبثق عنها العنف والتكفير؟

أعتقد أنّ سؤالك هذا هو صيغة جيدة لإمكانية الإجابة، لكن علينا أن نميز ابتداءً، وقبل الإجابة، بين الاستغلال السياسي للدين، والاستعمال الأيديولوجي له. الاستغلال السياسي للدين هو ما تقوم به الغالبية العظمى، من الدول والزعامات في العالم الإسلامي؛ بل قد تستعمله حتى بعض الزعامات في الغرب أحياناً. لا ننسى أنّ الرئيس الأمريكي الأسبق جورج والكر بوش قد استعمل الخطاب الديني، بغية تبرير العديد من قراراته التي يصعب تبريرها بالعقل. أمّا الاستعمال الأيديولوجي للدين فهو ينطلق من اعتبار الدين مرجعاً شمولياً لكلّ المشكلات والمسائل، ويجب أن تخضع له كافة مؤسسات الدولة، مثلما هو الحال اليوم في إيران، على سبيل المثال.

الثورة الإيرانية أوحت، في بدايتها، أنّها قد تقدم نموذجاً لدولة دينية وديمقراطية، في الآن نفسه، على الطريقة "الإسرائيلية"

تحويل النص إلى أيديولوجيا، بمعنى أدلجة الدين، هو سيرورة تاريخية طويلة الأمد، انطلقت منذ لحظة التحكيم ورفع المصاحف على السيوف، إبّان الصراع بين علي ومعاوية، وقد أكملها الإسلام السياسي، في القرن العشرين، بعبارة "القرآن دستورنا".

المفارقة؛ أنّ الذين يرفعون اليوم شعار "القرآن دستورنا"، هم أنفسهم من يفتخرون جهاراً نهاراً، بأنّ صحيفة "المدينة" هي دستور دولة الرّسول، وهي أول دستور لدولة المسلمين. فهل يُعقل أن تسمّى صحيفة "المدينة" دستوراً، فيما لو كان الدستور هو القرآن، أم ثمة إمكانية لأكثر من دستور واحد؟!

قديماً، عندما أرسل علي بن أبي طالب ابن مسعود لمحاورة الخوارج، أوصاه بالقول: "لا تجادلهم بالقرآن فإنك تقول فيقولون"، ذلك أنّ من خصائص القرآن أنّه "حمّال أوجه"؛ لذلك فإنّ اعتماد الخطاب القرآني مرجعاً جامعاً، لم يساهم في درء الفتنة بأية حال، وقد نجح عثمان بن عفان في تجميع القرآن ضمن نصّ واحد، جامع وموحَّد، إلّا أنّ وحدة النص، لم تحل دون تفرّق المسلمين واقتتالهم، حول مفاهيم نصّ سيظلّ "حمَّال أوجه" في الأخير.

كيف ترى تلك الإشكالية التي رافقت الدولة الحديثة، في المنطقة العربية، وتأسيس أنظمة الحكم في فترة ما بعد الاستقلال، حيث عمدت إلى احتواء وتأميم المجال الديني، عبر مصادرة أدواته وحشد رأسماله الرمزي، بغية شرعنة سياساتها وتبرير إجراءاتها المختلفة وانحيازاتها المتفاوتة؟

ثمة معطى لا يجب أن ننساه، لقد صادف بناء دولة ما بعد الاستقلال، مناخ الحرب الباردة، وأثناء ذلك لجأ العالم الرأسمالي، بزعامة أمريكا، إلى سلاح الدين، في مواجهة "الإلحاد" الماركسي الستاليني.

لقد بدأ الانتباه إلى سلاح الدين، منذ فترة الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، التي صادفت أيضاً، اندلاع الجهاد الأفغاني وقيام الثورة الإيرانية، علماً – للتذكير أيضاً- بأنّ الثورة الإيرانية قد أوحت في بدايتها بأنّها قد تقدّم نموذجاً لدولة دينية وديمقراطية في الآن نفسه، على الطريقة "الإسرائيلية" طبعاً، ولا ننسى كذلك أنّ بناء أنظمة دينية وديمقراطية، وفق نموذج إسرائيل، هو مطلب المحافظين الجدد، حلفاء جورج والكر بوش.

والهدف، كما لا يخفى، أن يكون الشرق الأوسط متناغماً مع النموذج الإسرائيلي: دول دينية طائفية مذهبية بالفعل، لكنّها ديمقراطية أيضاً، بمعنى فيها انتخابات غير مطعون في نزاهتها.

لقد شكّلت دول ما بعد الاستقلال نوعاً من التحدي أمام الهيمنة الرأسمالية على العالم. نتذكّر إعلان باندونغ، وتجربة دول عدم الانحياز في عهد عبدالناصر، وسوكارنو، وبنبركة، وغيرهم من رموز حركات التحرر الوطني في العالم. أثناء ذلك انتبه الغرب الرأسمالي إلى إمكانية توظيف مظلومية الإخوان المسلمين، في مواجهة أنظمة كانت تبدو للغرب الرأسمالي أقرب إلى المعسكر الاشتراكي، رغم عدم انحيازها المعلن.

تم توظيف حركة المقاومة الإسلامية حماس منذ نشوئها لسحب البساط من تحت أقدام منظمة التحرير الفلسطينية

وفي السياق نفسه؛ تم توظيف حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، منذ نشوئها ولغاية سحب البساط من تحت أقدام منظمة التحرير الفلسطينية، التي كانت تمثل التهديد الأكبر للاحتلال، وفعلاً، ما إن انهارت منظمة التحرير الفلسطينية، حتى انهار مجد القضية الفلسطينية.

والجيل الحالي من شباب المسلمين في العالم –وهذا مؤسف- لا يعرف شيئاً من مآثر وملاحم فتح، والجبهة الشعبية، والجبهة الديمقراطية، ذلك أنّ التحالف العالمي بين الغرب الرأسمالي، والإسلام السياسي، والأنظمة الرجعية العربية، قد أفضى إلى مسح ذاكرة الإنسان، وذاكرة الأرض، من الإرث الوطني لحركات التحرّر.

وبوجه عام، الكلام هنا له شجون، لكن كي أضع خلاصة واضحة أقول: تحتاج دولة المؤسسات إلى مواطنين قادرين على التحكم في الانفعالات السلبية والغرائز البدائية، تحتاج مأسسة القضاء إلى تحكّم المواطنين في غرائز الثأر والانتقام، تحتاج المنافسات الانتخابية إلى تحكّم المواطنين في غرائز الغيرة والغضب، ...إلخ. غير أنّ الخطاب الديني الشائع والسائد عندنا، يساهم في تأجيج الانفعالات السلبية والغرائز البدائية؛ بل يعدّها، في الغالب، من أخلاق المؤمن: الغيرة (قد تنطلق من الغيرة على الدين ثم لا تنتهي)، والغضب (قد ينطلق من الغضب للدين ثم لا ينتهي)، والخوف (قد يبدأ بالخوف من عذاب الله ثم لا ينتهي)، الغيظ (قد ينطلق من إغاظة الكافرين ثم لا ينتهي)، ...إلخ. هذا الخلل في بناء الشخصية، يمثّل عائقاً كبيراً أمام بناء دولة المؤسسات الحديثة.

الفكر الاشتراكي في العالم الإسلامي

ثمة تناقضات شهدتها فترات الحكم في مصر؛ ففي العهد الناصري، عدّ بعض المؤرخين أنّ الدولة استعانت بالدين، لكن بشكل (تثويري وتنويري) في مواجهة خصومها، وإيجاد خطاب سياسي، يستعير عناصره من الدين، حتى تتطابق وانحيازها الاشتراكي والقومي، فكان الخطاب الديني بين طرفي المعارضة والسلطة، ينزاح إلى حالات نزاع، تستخدمه الأخيرة لمواجهة خطاب التكفير، من جانب القوى المحافظة وجماعة الإخوان، فهل ترى بالفعل إمكانية الاستخدام التثويري للدين؟

لا شكّ في أنّ الفكر الاشتراكي، في العالم الإسلامي، قد حاول أحياناً إعادة تأويل الرؤية الدينية، بما يخدم مطلب العدالة الاجتماعية، مستلهماً نماذج فقراء الصحابة، من قبيل أبي ذر الغفاري، كما لا ننسى أنّ سيد قطب نفسه، وقبل انقلابه الأيديولوجي، لم يتورّع عن الكتابة في قضايا العدالة الاجتماعية في الإسلام، غير أنّ التأويلات "الاشتراكية" للإسلام سرعان ما انمحت أمام التأويل الرأسمالي، الذي عدّه الإسلام السياسي، بكلّ أطيافه، الأقرب إلى الدين والفطرة.

وفي تلك الأثناء، أملت ظروف الحرب الباردة على العالم الرأسمالي، أن ينظر إلى المعسكر الشيوعي، كعدوّ شرس قد تطول المواجهة معه لعدة قرون، كما حسب كثيرون، كما لا ننسى التدخّل السوفياتي في أفغانستان، والجهاد الأفغاني، ونجاح رموز الإسلام السياسي في شيطنة ماركس؛ بل شيطنة الفكر الغربي برمّته، بعد وصمه بالمادية والإلحاد والانحلال، غير أنّ الاستخدام التثويري للإسلام، يبقى هو الأطروحة التي بدأها علي شريعتي نفسه، قبيل الثورة الإيرانية، وقبل أن ترتد أطروحته إلى نحرها.

مآل الثورة أن تصير دولة في النهاية؛ لذلك لن يكون تثوير الدين سوى مدخل إلى دولنته أيضاً؛ بمعنى أنّنا أمام لعبة خطيرة، في آخر التحليل.

كيف ترى تورط الدولة الناصرية في تبنيها قصّة تجلي العذراء فوق أحد الكنائس بضاحية الزيتون، وتوظيفها إعلامياً باعتبارها تعزية ومساندة من السماء على الهزيمة العربية في حزيران (يونيو) 1967، وهو ما وصفه المفكّر السوري، صادق جلال العظم، بحيلة لتصفية آثار العدوان؟

هذا يؤكّد لنا، بالملموس، أنّ ردّ فعلنا إزاء الهزيمة، جراء نرجسيتنا المجروحة، جاء على نحو نكوصي مرضي، سرعان ما سيجعل من الدين نوعاً من العصاب الوسواسي، بدل أن يكون رحمة للعالمين. فنحن لم نحوّل الهزيمة إلى سؤال عقلاني، كما فعلت اليابان مثلاً؛ بل جعلناها مبرّراً للبحث عن انتصارات أسطورية غيبية، تمنحنا مسكّنات تكرّس العجز في آخر المطاف.

أخبرني أصدقاء في غزة عن ظاهرة جديدة بدأت تنتشر عندهم مؤخراً، يتعلق الأمر بظاهرة طرق الأبواب فجراً، للذهاب على شكل أفواج وجماعات إلى صلاة الفجر، وكلّ من يفعل ذلك يظنّ أنّ له أجراً عظيماً، بل الرهان أعظم من ذلك؛ إذ ثمة خطاب تبشيري، مفاده أنّ الحرص على صلاة الفجر، سيكون مدخل الأمة إلى الانتصار (الانتصار على من؟!).

وفي كلّ الأحوال، يبقى السؤال معلقاً: ما علاقة صلاة الفجر بالانتصار كيفما كان نوعه؟ بكل تأكيد، ليس المقصود بالانتصار هنا القضاء على الفقر والجهل والرشوة والغش والخرافة. كلّ ما في الأمر أنّنا نعيش بوادر انتكاسة مروّعة إلى الرؤية السحرية للعالم؛ حيث بعض الطقوس الجماعية، يمكنها أن تكون كافية لإقناع السماء بمساعدتنا، على التمكين والنصر المبين.

لجأ السادات لسلاح الدين واصطلح على نفسه صفة "الرئيس المؤمن" لكن في الأخير اغتالته أيادي الإسلام السياسي نفسها

يُردّ الجهل بالمعرفة

إلى أي حدّ يمكن عدّ الاستخدام الانتهازي والمحدود للدين سبباً في توسيع حاضنة أصولية ومتطرفة في المجتمع؟

التوظيف الأيديولوجي للدين، في إطار الصراع على السلطة، لم يخدم في آخر المطاف سوى القوى الأصولية النكوصية. وهذا طبيعي؛ فقد حاول أنور السادت في مصر أن يضرب عصفورين بحجر واحد، احتواء الإسلام السياسي وتصفية تركة جمال عبد الناصر؛ لذلك لجأ إلى سلاح الدين، وقد اصطلح على نفسه صفة "الرئيس المؤمن"، لكن ماذا حدث في الأخير؟ اغتالته أيادي الإسلام السياسي نفسها.

لذلك نقول: ليس صحيحاً أنّ الدواء من جنس الدّاء، فلا يُردّ الجهل بالجهل، بل يُردّ الجهل بالمعرفة.

لماذا لم يتحرّر العقل العربي من التفكير البدائي، ويتجاوز المرحلة اللاهوتية، لو استعرنا تعريف أوغست كونت للمراحل التاريخية التي تمرّ بها البشرية، وتنتهي عند المرحلة الوضعية العلمية، وأدوات التحليل النقدي؟

شخصياً، لا أراهن على أن تتخطى البشرية المرحلة اللاهوتية، وفق الرؤية الوضعية، لأوجست كونت؛ بل أراهن على تحوّلات جذرية في حقل الروحانيات والتدين، وفي المستوى العالمي كذلك.

وبكلّ بساطة، لا يمكن تخطّي المرحلة الدينية ما لم تنجح البشرية في القضاء على الموت، على أقل تقدير، فبوجود الموت ستظل البشرية في حاجة إلى نوع من العزاء. صحيح أنّ ثمة ما يسمّى "موت الفلاسفة"، وهو الأسلوب الذي تحدّث عنه جاك ديريدا، في آخر حواراته، لا بل سبق أن تحدّث عنه سينيكا وشيشرون ومونتين، الذي يتعلّق بكيفية تقبّل الفناء كقدر أخير، بكامل الرضا، وبدون عزاء بالضرورة، لكن الناس ليسوا جميعاً فلاسفة، وليسوا جميعاً حكماء.

الخطاب الديني الشائع يساهم في تأجيج الانفعالات السلبية والغرائز البدائية، بل يعدّها في الغالب من أخلاق المؤمن

وفي كل الأحوال، فأنا أميّز بين الخروج عن الدين، الذي هو شأن شخصي، والخروج من الدين، الذي هو صيرورة تاريخية طويلة الأمد.

غير أنّني أظنّ، في المقابل، أنّنا نعيش انتكاسة ليس فقط نحو الاستعمال الأيديولوجي للدين، إنّما نحو الاستعمال السحري للدين. يكفي أن ننظر من حولنا إلى تكاثر مراكز الرقية الشرعية، واستعمال القرآن في العلاج الطبي، وبرامج الإعجاز العلمي التي هي مجرّد عجز علمي، وليست إعجازاً، حتى نتأكد من حجم الانتكاسة إلى أنماط التدين البدائي.

ما هي الشروط المؤدية إلى ذلك الانسداد التاريخي في المجتمعات العربية والإسلامية والمتسببة في انتصار متزايد لأصحاب نظرية الحق الإلهي، واغتيال العقل في الإسلام، منذ هزيمة المعتزلة وتأبيد واقع ونمط ديني محدَّد ومغلق؟

كان الانقلاب المتوكّلي لحظة حاسمة ضمن مسلسل هزيمة العقل، وتغييبه بدعوى شعار يقول: "لا اجتهاد مع النصّ"، وهو الشعار الذي سرعان ما أصبح يعني "لا اجتهاد في النص" أيضاً.

والمفارقة؛ أنّ النص الديني نفسه هو ثمرة اجتهاد المسلمين عقب وفاة الرسول، من حيث الجمع والترتيب والتبويب والتدوين، سواء تعلّق الأمر بالمصحف أو الصحاح، بيد أنّ المعضلة الكبرى تكمن في أنّ مركز ثقل النصّ، قد انتقل من الخطاب القرآني، إلى الخطاب الحديثي.

ولقد صار كلام الرسول، في آخر المطاف، أهم من كلام الله، لا سيما بعد أن انتهى الأمر إلى الإقرار بأنّ "السنة قاضية على القرآن"، كما ردّد الإمام ابن حنبل، وبهذا المعنى، وبصريح العبارة؛ فإنّ الذي سيعطّل العقل ليس النصّ القرآني، إنّما هو النص الحديثي، مضاف إليه النص الصحابي، والنص التابعي، وصولاً إلى شيوخ الفضائيات اليوم.

بخصوص شعار "القرآن دستورنا"

لقد تحوّل النص الديني، في لغته الحسية والتصويرية والمجازية، إلى قوانين ونصوص دستورية ونظريات علمية، يجري توظيفها البراغماتي لبناء المشروعية السياسية.. لماذا تخفق مشروعات التحديث في تصفية ذلك الاتحاد بين السلطتين؛ الدينية والسياسية؟

أعتقد أنّ شعار "القرآن دستورنا"، كان لحظة الخطيئة الكبرى، التي أفضت إلى استكمال دائرة أدلجة الإسلام؛ حيث أصبح الإسلام، لدى بعض الناس، مجرد أداة للتهييج الانفعالي، والمزايدة الغوغائية، طلباً للسلطة أو الغنيمة. لا بأس أن نذكر، مرة أخرى، أنّ القرآن ليس دستوراً؛ لأنّه لم يصف نفسه بأنه دستور، ولأنّ آياته حمّالة أوجه، وفيها محكمات ومتشابهات، وناسخات ومنسوخات..إلخ.

وليس هكذا يكون الدستور، الأدهى من ذلك؛ أنّ الدسترة سوف لن تقتصر على النصّ القرآني حصراً، إنّما ستشمل مدوّنة الحديث بعد تضخّمها، فضلاً عن المتن الصحابي والتابعي، فقد تحوّل النص الديني إلى سلطة ضدّ العقل، والإبداع، وحرية الإنسان، ويكفي أن نسمع في خطب الجمعة نصاً دينياً منسوباً إلى الرسول، يتردد أمام مسامع المؤمنين، ويقول: "كلّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار"، حتى ندرك أنّنا، باسم النص، نقتل روح الإبداع. وهل تكون الحداثة شيئاً آخر غير القدرة على الإبداع؟!

كيف تصف ذلك المشهد الذي أضحى فيه المصحف بين منزلتين؛ إما وسيلة للحكم والقتل أو أيقونة مقدسة للزينة والتبرك؟

حال القرآن، الآن، محصور بين مآلين: الاستعمال الأيديولوجي في إطار الصراع على السلطة، وهو ما قلت في سؤالك إنّه "وسيلة للحكم". والاستعمال السحري في إطار الرؤية السحرية للعالم، وهو ما قلت في سؤالك إنّه "أيقونة للتبرّك"، أمّا مسألة الزينة، فهي، في وجهة نظري، تبقى إيجابية لو تحرّرت من الاستعمال الإيديولوجي، والاستعمال السحري.

يتعلّق الأمر، في كل الأحوال، بخضوع النص القرآني للأدلجة والأسطرة، أولاً: أدلجة النص القرآني من حيث عدّه مرجعاً شمولياً لكلّ شيء، الدولة والسياسة والاقتصاد والجنس، ...إلخ. وثانياً: أسطرة النص القرآني، من حيث عدّه مفتاحاً سحرياً لكلّ المسائل والمشكلات، من أسواق المال إلى طبّ العيون، ومن الملاحة الجوية إلى أسعار الجبن، وكل هذا مجرّد عبث بالدين.

 شعار "القرآن دستورنا"، كان لحظة الخطيئة الكبرى، التي أفضت إلى استكمال دائرة أدلجة الإسلام

الأخطار المتوقعة

تواجه مجتمعاتنا، بعد الربيع العربي، ولادة تيارات دينية تقود ما يمكن تسميته بدويلات طائفية، وتستولي على مساحات جغرافية تهدد وحدة الدولة الوطنية، وفي المقابل؛ أصبح لكلّ فئة وكتلة اجتماعية وسياسية، مذهباً له مجالسه العلمية ودور الإفتاء التي تضمن له الشرعية وتكفير خصومه ومنافسيه... كيف ترى مآلات ذلك المشهد ومسبّباته الواقعية؟

يمكننا القول: إنّ الخطر الذي ينتظرنا، يتّصف بالتركيب والتعقيد، فثمّة توجّه عامّ نحو التفكّك والتفتت، في إطار طغيان نوعين من الولاءات: أولاً؛ الولاءات الدينية المحلية (الإمارات الصغرى)، من قبيل تلك المحاولات التي راهنت على تشكيل إمارات، في تومبوكتو أو سيناء أو غرداية، ...إلخ. وثانياً: الولاءات الدينية العابرة للأوطان، والموسومة بالاحتلال والحنين إلى عصر التوسعات الإمبراطورية.

وهنا نلاحظ كيف يحاول السلطان "أردوغان" العثماني، استثمار ولاء فصائل الإسلام السياسي لأجل إعلان عودة الخلافة، وهو يقصد الخلافة العثمانية تحديداً، التي هي، باختصار، الفترة الأكثر غزواً، والأقل إبداعاً، في تاريخ الحضارة الإسلامية. لكن مقابل ذلك؛ ثمّة مشروع مذهبي منافس، يقوم على أساس ولاية الفقيه الإيرانية، وتدعمه إيران هذه المرّة.

وبالنسبة إلى الشرق الأوسط، يتعلق الأمر بولاءات طائفية واستعمارية، سواء كانت عابرة للأوطان، أو دون الأوطان، لكنّها ستشعل مزيداً من الفتن وتدمّر البقية الباقية، من مفهوم الوطن.

ما يجري في سوريا يعكس حجم الفراغ الوطني الذي تحاول أن تملأه ولاءات طائفية واستعمارية، باسم الإسلام

وما يجري اليوم في سوريا؛ من قتال الإخوان المسلمين والنصرة تحت لواء القوات التركية، وقتال حزب الله تحت لواء الحرس الثوري الإيراني، يعكس حجم الفراغ الوطني الذي تحاول أن تملأه ولاءات طائفية واستعمارية، ولو باسم الإسلام هذه المرّة، الذي هو أعزّ شيء إلى قلب الشعوب.

ولا ننسى أنّ المغول دخلوا إلى الإسلام فقط من أجل شرعنة احتلالهم للعالم الإسلامي، غير أنّ الاحتلال، في كل الأحوال، يبقى احتلالاً، وحتى التاريخ الرسمي لا يقول غير ذلك، معضلة الإسلام السياسي تكمن في أنّه ساهم في تدمير مفهوم الوطن، بدعاوى تدغدغ العواطف الدينية الجياشة (أمة محمد، أمة لا إله إلا الله، ...إلخ).

والواقع، أنّ الوطن هو خطّ الرجعة الأخير، قبل اشتعال الفتنة التي ستحرق اليابس والأخضر. وهذا تحذيرنا الأخير.

للمشاركة:



هل يشعل خط الغاز خلافاً بين تركيا وإيران؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-27

أعلن وزير النفط الإيراني، بيجن زنغنه، أول من أمس، عن "تأخر تركيا في ترميم خط أنبوب تصدير الغاز الإيراني" الذي تضرر بسبب انفجار وقع في وقت سابق، مضيفاً أنّ أنقرة رفضت مقترحاً إيرانياً بترميم هذا الخط، فيما أكد مراقبون أنّ رفض أنقرة مؤشر على تغيير مفاجئ في علاقة البلدين، خاصة بعد أن أغلقت تركيا حدودها في وجه الإيرانيين، بسبب فيروس كورونا المستجد، ولم تقدم لهم أي مساعدات تذكر، مشيرين إلى أنّ المسألة يمكن أن تتحول لخلاف في ظل تعنّت تركيا.

تركيا تتأخر في ترميم خط أنبوب تصدير الغاز الإيراني وترفض مقترحاً إيرانياً بالمشاركة في أعمال الصيانة                                         

وفي مقابلة إذاعية أجراها، حول أوضاع صادرات الغاز الإيراني إلى تركيا، قال زنغنه: "إنّ الأنابيب ما زالت متضررة بسبب الانفجار الذي وقع في وقت سابق من العام الحالي في خطوط تصدير الغاز الإيراني إلى تركيا، ولم يتم ترميمها بعد، رغم أنّ عملية إصلاح هذه الخطوط لا تحتاج وقتاً طويلاً"، وفق ما أورد موقع "إيران انترناشونال".

وتابع أنّ "إيران أعلنت عن استعدادها للمساعدة في عمليات الترميم ولكن هذا الاقتراح لم يحظ بترحيب الطرف الآخر".

وقال زنغنه إنّ إيران في الوقت الحالي تقوم بتصدير مليون متر مكعب من الغاز يومياً إلى أرمينيا، كما يتم تصدير الغاز إلى العراق أيضاً عبر مسارين.

البنك المركزي الإيراني يؤكد أنّ التضخم سيكون 22%، بينما توقع صندوق النقد الدولي أن يبلغ 34.2 %

وحول نقل الغاز من إيران إلى سوريا، قال زنغنه: "لا توجد حالياً خطة حول تصدير الغاز إلى اللاذقية. وإذا كانت هناك خطة بهذا الخصوص، فإنّ إيران ليست لديها مشكلة بشأن توفير الغاز للنظام.

وفيما يتعلق بالأزمة الاقتصادية في إيران أصدر البنك المركزي في خطوة مفاجئة،  توقعاته السنوية للتضخم، قائلاً إنّه سيكون 22% هذا العام.

وقال البنك المركزي في بيان: "إنّ التضخم هذا العام سيستمر في الانخفاض"، بينما توقع صندوق النقد الدولي، أن يبلغ معدل التضخم في إيران 34.2% هذا العام.

للمشاركة:

قاضٍ في نيوزيلندا يكشف عن معاداته للإسلام.. كيف تعاملت معه السلطات؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-27

قررت نيوزيلندا إسقاط عضوية أحد قادة الجالية الهندية من جمعية الضباط القضائيين الفخريين؛ تمهيدًا لفصله كقاضٍ بسبب كتابته منشورات معادية للإسلام على وسائل التواصل الاجتماعي.

وتعتبر حالة القاضي، كنتيلال بيتال، الأولى من نوعها في نيوزيلندا، أن يطلب شخص في منصبه مقاطعة المسلمين، وأن يتم إقصاؤه أيضاً نتيجة ذلك، فهو في الأساس يعمل موظفاً قضائيّاً للصلح، يؤدي وظائف مهمة في العدالة بالبلاد، وبالتالي فإنّ اتهامه بالعنصرية والطائفية يتعارض تماماً مع مهمته ومع الجوائز المتعددة التي حصل عليها.

نيوزيلندا تقرر فصل قاض بسبب كتابته منشورات معادية للإسلام على وسائل التواصل الاجتماعي

وأشار موقع "ذا وير" الإخباري الذي نقل الخبر، إلى أنّ الفعل الذي أقدم عليه القاضي بيتال، كان نتيجة تأثره بحملة مشابهة، انتشرت في بلده الأصلي الهند، فعبر فيديوهات بثت من الهند، تولى بعض القضاة حث المواطنين على عدم شراء المنتجات والسلع من التجار المسلمين، بسبب التخوف من أن يكونوا منتمين لجماعة التبليغ.

فهذه المقاطعة الاقتصادية، يروج لها كردّ على ما أقدم عليه عناصر جماعة التبليغ –تأسست 1926 في الهند وتعتبر أفكارها راديكالية إسلاموية- حين نشر أعضاؤها فيديوهات تحض على اللعق والبصق على العملات الورقية والبصق في الشوارع لنشر فيروس كورونا بين المواطنين الهندوس بسرعة أكبر.

واتخذ السلطات النيوزيلندية مواقع أكثر صلابة ضد القضايا الطائفية لتخوفها من تكرار حادث كرايستشرش مرة أخرى.

يذكر أنّ هجوم كرايستشرش، الذي راح ضحيته 51 قتيلًا وعشرات المصابين، على يد إرهابي عنصري يعادي المسلمين وينادي بنصرة العرق الأبيض، كان بمثابة نقطة تحول لسياسات نيوزيلندا.

للمشاركة:

هذا ما يخطط له تنظيم داعش.. هل ينجح؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-27

هاجم عناصر من تنظيم داعش الإرهابي أحد السجون التابعة لقوات سوريا الديمقراطية "قسد" في مدينة الرقة السورية، بعد أيام من تنفيذ قوات التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، تدريبات مكثّفة لعناصر حماية السجون في "قسد"؛ لتطوير قدرات التعامل مع حالات العصيان التي تكررت خلال الآونة الأخيرة في السجون المخصصة لعناصر داعش شمال شرق سوريا.

تنظيم داعش يهاجم عدداً من السجون في سوريا ويساعد عدداً منهم بالفرار

وأكد مركز الرقة الإعلامي، المقرب من الإدارة الذاتية لقوات سوريا الديمقراطية، أنّ خلايا "داعش" النائمة شنّت هجوماً على أطراف سجن الطبقة المركزي المخصص لعناصر التنظيم؛ ما أسفر عن مقتل 7 من المهاجمين، والقبض على عدد آخر منهم، وفق ما نقل مركز المرجع للدراسات الاستشرافية حول الإسلام الحركي.

وهاجم عناصر التنظيم، نهاية الأسبوع الماضي، حاجزاً لقوات الأمن التابعة للإدارة الذاتية قرب السجن المركزي على أطراف مدينة الطبقة بريف الرقة؛ ما أسفر عن سقوط ضحايا من الجانبين، بالتزامن مع عصيان نفذه أسرى تنظيم داعش، ما أسفر عن فرار مجموعة من عناصر التنظيم المعتقلين داخل السجون.

وأعلن التنظيم عبر وكالة "أعماق"، الذراع الإعلامية له، في بيان يوم الجمعة الماضي، مسؤوليته عن الهجوم الذي استهدف الحاجز الأمني لقوات سوريا الديمقراطية، واقتحام السجن، دون التطرق لتفاصيل أخرى حول فرار بعض من عناصر التنظيم من السجن.

هذا وكثّف تنظيم داعش من عملياته الإرهابية خلال شهر رمضان، عن طريق استجابة خلاياه النائمة لرسائل التنظيم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، التي دعتهم للظهور من جديد، وارتكاب المزيد من العمليات في المناطق التي خسرها، وتحديداً في سوريا.

داعش ينفذ 43 عملية إرهابية استهدفت قوات النظام السوري وقوات "قسد" خلال رمضان

ونفذت عناصر التنظيم ما يقرب من 43 عملية إرهابية متنوعة، استهدفت قوات الجيش النظام السوري، وقوات سوريا الديمقراطية "قسد"؛ حيث تنوعت العمليات التي نُفذ معظمها في وسط سوريا وشرقها بين تفجير وهجوم واستهداف وكمائن.

يأتي ذلك في الوقت الذي أعلن فيه التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية مواصلته عملياته ضد "داعش" بالتعاون مع شركائه في العراق وسوريا للحيلولة دون عودة ظهور التنظيم، عقب تنفيذه عملية مشتركة بالتعاون مع قوات "قسد" في مدينة دير الزور السورية، أسفرت عن مقتل قياديين من التنظيم الإرهابي، أحدهما كان يشغل منصب والي شمال بغداد وهو أحمد عيسى إسماعيل إبراهيم الضاوي، الملقب بـ"أبي علي البغدادي"، والآخر هو المسؤول اللوجستي لـتنظيم داعش وعمل في مجال توفير ونقل الأسلحة والعتاد بين العراق وسوريا المدعو أحمد عبد محمد حسن الجغيفي، والملقب بـ "أبي عمار".

للمشاركة:



إخوان اليمن يلوحون بورقة أنقرة - الدوحة لإفشال اتفاق الرياض

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-27

ربطت مصادر يمنية مطلعة بين الجهود التي يبذلها التحالف العربي لإنقاذ اتفاق الرياض، وبين لجوء قيادات سياسية وجهات إعلامية يمنية للتلويح مجددا بورقة التدخل التركي في اليمن، على غرار السيناريو الليبي.

وقالت المصادر إن تواجد قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي في العاصمة السعودية منذ أيام وتسرّب أنباء عن قرب التوافق على بنود ملحق تنفيذي جديد لاتفاق الرياض أثارا غضب التيار الإخواني المدعوم من قطر وتركيا داخل الحكومة الشرعية، في ظل تنامي المخاوف لدى هذا التيار من خسارة ما يعتبرها استحقاقات سياسية مكّنته من السيطرة على محافظات غنية بالنفط والغاز مثل شبوة وحضرموت.

وفيما تشير المعطيات الميدانية إلى فشل أي طرف في تحقيق انتصار عسكري حاسم في مواجهات أبين بين قوات الحكومة اليمنية المدعومة من الإخوان وقوات المجلس الانتقالي، قالت دائرة الشؤون الخارجية في المجلس في بيان لها حول طبيعة النشاط الذي يقوم به وفد المجلس المتواجد في الرياض منذ حوالي أسبوع إنّ الوفد برئاسة عيدروس الزبيدي يواصل مشاوراته “لإيجاد حلول عاجلة للملف الخدماتي والإنساني في عدن والجنوب، وكذا استمرار مناقشة الملفات الأخرى السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية بما يخدم الجنوب وقضيته العادلة وتطلعات أبنائه المشروعة”.

واستبق مستشار الرئيس اليمني ونائب رئيس مجلس النواب عبدالعزيز جباري نتائج الجهود التي تبذلها الرياض لدفع الأطراف الموقّعة على الاتفاق لتنفيذه وفق برنامج مضبوط بمواعيد زمنية، من خلال رفض أي مخرجات في هذا الاتجاه.

وقال جباري في تغريدة مثيرة للجدل نشرها على حسابه في تويتر قبل أيام “إذا صحت الأخبار المسربة بخصوص ما يسمى بملحق لاتفاق الرياض وفرض تسمية رئيس حكومة جديدة بإرادة غير يمنية، فخير للرئيس ونائبه الانسحاب من المشهد السياسي بدلا من البقاء المذل”.

وأكدت مصادر مطلعة لـ”العرب” وصول وزير الداخلية أحمد الميسري ووزير النقل المستقيل صالح الجبواني إلى محافظة المهرة بأقصى شرق اليمن في سياق التصعيد الذي يقوم به تيار قطر وتركيا في الحكومة الشرعية الهادف لإفشال اتفاق الرياض ودفع الأمور باتجاه صراع مفتوح بين المكونات المناهضة للمشروع الحوثي، بهدف تخفيف الضغط على الميليشيات الحوثية وخلق فوضى تفتح المجال أمام دخول لاعبين جدد في الملف اليمني على رأسهم أنقرة.

وأوضحت ذات المصادر أنّ محافظة المهرة تحولت إلى حديقة خلفية لمشروع الإخوان في اليمن بعد تعيين محافظ جديد سمح للشخصيات المدفوعة من الدوحة ومسقط بالتحرك بحرية وتحويل المحافظة إلى جبهة متقدمة للمشروع المعادي للتحالف العربي بقيادة السعودية.

التدخل التركي في اليمن بات أكثر من مجرد تكتيك سياسي
وترافقت الجهود التي تبذلها السعودية لتنفيذ اتفاق الرياض مع تجدد الخطاب الإعلامي والسياسي الإخواني المطالب بدور لتركيا في المشهد اليمني. وكشف ناشطون وإعلاميون يمنيون وعرب ينتمون لجماعة الإخوان عن وجود مخطط تركي جاهز للتدخل في اليمن.

وقال السياسي الإخواني الكويتي ناصر الدويلة في تغريدة على تويتر حظيت باستحسان إعلاميين وناشطين من إخوان اليمن “نظرا لتطاول الحرب في اليمن أقترح أن يُمنح الأتراك دورا في البلد وستنتهي كل الخلافات فورا. واقترح أن تُمنح تركيا قاعدة لها في جزيرة سوقطرى تدير منها عمليات دعم الشرعية في اليمن والصومال وتضبط الأمن في بحر العرب بالتنسيق مع دول المنطقة”.

وعلق الناشط والإعلامي اليمني كامل الخوداني على تغريدة الدويلة بالقول “الجماعة أرادوا التحالف حصان طروادة لتسليمهم حكم اليمن وإرسال مفاتيح صنعاء لأردوغان باسم إعادة الشرعية.. رأوا أن التحالف لم يمكّنهم من هذا ويعتبر نفسه مسؤولا عن كل الأطراف وليس تسليط طرف، فرفعوا ورقة تركيا مشروعهم الحقيقي من البداية”.

وكانت “العرب” قد انفردت في تقارير سابقة بكشف مخطط التدخل التركي في اليمن الذي ينتظر تسوية الأرضية المناسبة من قبل التيار القطري النافذ في الشرعية اليمنية الذي يسيطر على محافظات مأرب وتعز وشبوة ووادي حضرموت ويسعى للسيطرة على منفذ بحري في إحدى تلك المحافظات لتحويله إلى بوابة لتدخل أنقرة.

وتحدثت مصادر سياسية يمنية لـ”العرب” في تقارير سابقة عن اتساع دائرة النشاط التركي في اليمن من خلال زيارة ضباط استخبارات أتراك للمناطق المحررة تحت لافتة المنظمات الإنسانية وتواجد خبراء أتراك في محافظة شبوة، إضافة إلى بروز مؤشرات على وجود أياد تركية خلف تأجيج الصراع في محافظة أرخبيل سقطرى والذي تصاعد في أعقاب زيارة سرية قام بها محافظها رمزي محروس لتركيا والتقى خلالها ضباطا أتراك وقطريين وقيادات إخوانية تدعم مشروع التدخل التركي في اليمن.

وبينما يتحدث مراقبون يمنيون عن وجود انقسام في الحكومة اليمنية حول طبيعة العلاقة مع التحالف ونمو تيار وحيد يراهن على خلق تحالفات أخرى، يؤكد آخرون أن الأمر برمته قد يكون مجرد تقاسم أدوار ومحاولة لتخفيف الضغط على الشرعية حيال تنفيذ التزاماتها السياسية تجاه التحالف العربي والقوى والمكونات الأخرى، عبر التلويح بخيارات معادية لابتزاز التحالف العربي.

غير أنّ مصادر “العرب” تشير إلى أن مسألة التدخل التركي في اليمن باتت أكثر من مجرد تكتيك سياسي يستخدمه بعض المسؤولين في الشرعية لابتزاز التحالف وتخفيف الضغط على الشرعية حيث أنه جزء من صميم التركيبة الأيديولوجية لجماعة الإخوان المسلمين في اليمن التي تهيمن على الشرعية، ويتواجد الكثير من قياداتها في تركيا، وتجاهر بنزعتها الرامية لعودة “الخلافة الإسلامية” من إسطنبول. ووفقا لذات المصادر تستخدم أنقرة الدوحة كقفاز للعبث في المشهد اليمني.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

6 مقومات لنمو اقتصاد الإمارات 2021

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-27

عبدالحي محمد

توقع صندوق النقد الدولي أن تحقق الإمارات نمواً اقتصادياً إيجابياً في ناتجها المحلي الإجمالي بنسبة 3.3 % لعام 2021، كما توقع خبراؤه، في أحدث تقارير الصندوق، أن تحقق الإمارات فائضاً في ميزان المدفوعات إلى الناتج الإجمالي المحلي بحدود 4.1 % للعام المقبل مقابل 1.5 % للعام الجاري.

وأشار التقرير إلى أن أكثر التحديات التي ستواجهها دول العالم، وخاصة الدول المنتجة للنفط في منطقة الشرق الأوسط خلال العامين الجاري والمقبل، هو توفير السيولة المالية الكافية لاقتصاداتها ودعم استقرارها المالي وخاصة مع تراجع إيراداتها النفطية بشكل كبير بسبب التراجع الكبير في أسعار النفط وتداعيات تفشي جائحة كورونا، وأكد التقرير أن البلدان ذات الديون المرتفعة الأكثر عرضة للتقلبات المالية والاقتصادية.

6 مقومات

ويمتلك اقتصاد الإمارات 6 مقومات رئيسة تجعله أكثر قدرة وصلابة على مواجهة صدمات الأزمات والتقلبات الاقتصادية والمالية التي عصفت باقتصادات العالم والمنطقة خلال السنوات الأخيرة وخاصة منذ الأزمة المالية العالمية 2008 والتي خرج منها أكثر صلابة ومتانة.

تنويع اقتصادي

ويتمثل المقوم الأول في سياسة التنويع الاقتصادي الناجحة التي بدأتها الإمارات منذ أكثر من 30 عاماً وتحصد ثمارها اليوم. وطبقاً لأحدث تقارير الهيئة الاتحادية للتنافسية والإحصاء، فإن مساهمة قطاع النفط والغاز والتعدين والمحاجر في الناتج المحلي الإجمالي للإمارات تقلصت بشكل كبير، وبلغت قيمتها 387 مليار درهم تشكل نسبة 25% فقط من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي البالغ تريليوناً و546.6 مليار درهم بنهاية عام 2019 بالأسعار الجارية.

في المقابل، تتعاظم مساهمة أدوار قطاعات غير نفطية أخرى مثل قطاع تجارة الجملة والتجزئة بنسبة 12.5 % والصناعة التحويلية 8.7 % والتشييد 8.4 % والأنشطة المالية والتأمين 8.6 %، وقطاعات أخرى غير نفطية بحصة 36.7 %. وهذا التنوع الاقتصادي يساهم بقوة في امتصاص أثر صدمات تراجع أسعار النفط.

وخلال السنوات العشر الماضية 2010 - 2019 والتي شهدت أزمات عالمية وإقليمية اقتصادية كبرى ارتفع الناتج الإجمالي للإمارات بنسبة 45.3 % بالأسعار الجارية، من 1.06 تريليون درهم عام 2010 إلى 1.54 تريليون درهم بنهاية 2019.

وبموازاة توسع الإمارات في سياسة التنويع الاقتصادي، فإنها توجه استثمارات نوعية ضخمة لقطاع النفط والغاز لزيادة إنتاجها وتعظيم احتياطاتها من النفط كما يقول نجيب الشامسي الخبير الاقتصادي المدير العام لشركة مسار للدراسات الاقتصادية، حيث تقدر هذه الاحتياطات بنحو 98.6 مليار برميل لتحتل المركز السادس عالمياً في إنتاج النفط.

كما أن الإمارات ضمن نادي الخمسة الكبار في احتياطات الغاز بمخزون مقداره 353 تريليون قدم مكعبة.

صناديق عالمية

وثاني المقومات هو امتلاك الإمارات لأصول استثمارية ضخمة توفر لها سيولة مالية كافية، فالدولة لديها عدة صناديق للثروة السيادية واستثمارات خارجية تناهز قيمة أصولها 1.5 تريليون دولار، وأبرزها جهاز أبوظبي للاستثمار الذي احتل مؤخراً المرتبة الثالثة عالمياً ضمن أكبر الصناديق السيادية.

وذلك بقيمة 697 مليار دولار، ومؤسسة دبي للاستثمارات الحكومية التي حلت في المركز الـ13 بأصول نحو 233.8 مليار دولار وشركة مبادلة للتنمية في المركز الـ14 بقيمة ناهزت 226 مليار دولار، وهيئة الإمارات للاستثمار في المرتبة 28 عالمياً بأصول بلغت قيمتها 34 مليار دولا، وهذه الأصول توفر لها سيولة مالية تحت الطلب.

احتياطات دولية

وثالث المقومات هو احتياطات دولية متزايدة، سواء للمصرف المركزي والبنوك والبالغة بنهاية مارس الماضي 449.6 مليار درهم وهذه الاحتياطات تحقق نمواً مستمراً تدعمها استراتيجية فعالة يطبقها المصرف المركزي لتوفير السيولة للاقتصاد الوطني. وحلقت السيولة إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق بنهاية أبريل الماضي .

حيث بلغت 1.75 تريليون درهم. ويدعم هذه السيولة قطاع مصرفي قوي تزيد أصوله وفقاً لأحدث الإحصاءات إلى 3 تريليونات و155.7 مليار درهم، وودائع مصرفية للمقيمين وغير المقيمين ارتفعت بنهاية أبريل إلى تريليون و872.2 مليار درهم. كما ارتفعت ودائع الحكومة إلى 286.7 مليار درهم بنهاية أبريل.

ويؤكد أمجد نصر، الخبير الاقتصادي مستشار التمويل، أن السيولة المالية الضخمة التي تملكها الإمارات سواء عبر صناديقها السيادية أو احتياطاتها النقدية في الخارج أو أصول قطاعها المصرفي والاستثماري في الداخل، كفيلة بأن تمكنها من مواجهة أية أزمات سواء جائحة كورونا أو غيرها.

كما أن المصرف المركزي يقوم بدور كبير في توفير السيولة بشكل ناجح وهو ما ظهر بشكل واضح في خطته الشاملة المرصود لها أكثر من 265 مليار درهم وهي أكبر خطة دعم مالية في المنطقة.

مديونية

المقوم الرابع هو تضاؤل المديونية الخارجية للدولة. وكما يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور علي العامري، فإن الإمارات لا توجد عليها أعباء أو التزامات مالية ضاغطة سواء كانت ديوناً أو غيرها، والموجود فقط ديون ضئيلة غالبيتها لشركات، وهذه الديون تتضاءل كثيراً أمام الأصول الاستثمارية للدولة والشركات الحكومية والخاصة وكذلك أمام سعر صرف الدرهم القوي.

سياسات منفتحة

المقوم الخامس هو السياسات الاقتصادية المنفتحة وبيئة العمل التنافسية التي تمتاز بها الإمارات وترسخت عبر عشرات السنين ما جعلها بيئة الأعمال والاستثمار الأولى في المنطقة. وتكشف إحصاءات وتقارير منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «أونكتاد» عن أن الإمارات تحتل المرتبة الأولى عربياً في جذب وتصدير الاستثمارات.

وارتفع رصيد الاستثمارات الأجنبية الداخلة للدولة من 76.1 مليار دولار لعام 2010 إلى 140.32 مليار دولار لعام 2018 بارتفاع مقداره 64.2 مليار دولار وبنسبة نمو 64%. كما ارتفع صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الداخل للدولة من نحو 4 مليارات دولار لعام 2010 إلى 10.4 مليارات دولار لعام 2018

علاقات تجارية واسعة

والمقوم السادس هو العلاقات التجارية الواسعة للإمارات مع نحو 220 دولة في قارات العالم الست. وارتفعت قيمة التجارة الخارجية غير النفطية من 754.4 مليار درهم بنهاية عام 2010 إلى 1.62 تريليون درهم بنهاية عام 2018 بزيادة مقدارها 873.6 مليار درهم وبنسبة نمو 115%. وارتفعت الصادرات غير النفطية من 83.1 مليار درهم إلى 212 مليار درهم بارتفاع مقداره 129 مليار درهم وبنسبة نمو 155 %.

صادرات

وفقاً لإحصاءات التجارة الدولية 2019 الصادرة عن منظمة التجارة العالمية فإن صادرات الدولة من الخدمات تحتل المرتبة 22 عالمياً وتساهم بما نسبته 1.2% من الصادرات العالمية من الخدمات.

فيما تأتي الصادرات السلعية وتشمل النفط في المرتبة 16 عالمياً وتساهم بما نسبته 1.8% من الصادرات العالمية، كما تتصدر دولة الإمارات المرتبة الأولى عربياً في الصادرات السلعية والخدمية، وتحتل الدولة المرتبة الـ3 عالمياً في إعادة تصدير السلع.

عن "البيان"

للمشاركة:

انسحاب عبدالفتاح مورو يعمق الأزمة الداخلية للنهضة

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-27

خالد هدوي

أعلن عبدالفتاح مورو، نائب رئيس حركة النهضة التونسية ومرشحها للانتخابات الرئاسية العام الماضي، رسميا انسحابه من الحركة واعتزاله العمل السياسي.

وقال مورو، الذي شغل في العهدة البرلمانية الماضية منصب نائب رئيس البرلمان، إنه اعتزل العمل السياسي و”مزّق تذكرة السياسة” مما سيزيد من تعميق حالة التصدع داخل الحركة التي تعيش خلافات غير مسبوقة بسبب مؤتمرها القادم (المؤتمر الحادي عشر).

ويرى مراقبون أن ترشيح النهضة لمورو للانتخابات الرئاسية التي شهدتها البلاد أواخر العام الماضي بمثابة خطوة لدفعه لاحقا إلى الابتعاد عن العمل السياسي، لاسيما مع غياب دعم الحركة لمرشحها ما ساهم في تحصله على نتائج ضعيفة شكلت إحراجا لشخصية سياسية بقيمة ومكانة مورو أحد مُؤسسي حركة الاتجاه الإسلامي صحبة رئيسها الحالي راشد الغنوشي.

ولم ينس مورو للنهضة أنها تلاعبت به في الانتخابات الرئاسية بعد موجة من الخلافات والغضب الداخلي من سيطرة خط الغنوشي، وهذا الهدف الخفي يكشفه غياب كل دعم من الحركة وأنصارها لمورو في السباق نحو كرسي قصر قرطاج.

وقال مورو، في تصريحات صحافية الاثنين، إنه “مهتم بالشأن العام مثلما يهتم به كل تونسي ولم تعد لي أي صفة حزبية صلب الحركة”. وتابع “أبلغ من العمر 72 عاما، يكفي من السياسة”. وأفاد “أصبحت الآن مواطنا عاديا ورجعت إلى عملي الأصلي في المحاماة”.

وكان مورو، أول شخصية ترشحها النهضة لخوض الانتخابات الرئاسية في البلاد، وحل في المرتبة الثالثة في السباق نحو قصر قرطاج في سبتمبر العام الماضي.

ومنذ الانتخابات الرئاسية الأخيرة لوّح مورو باستقالته من حركة النهضة وانسحابه من الحياة السياسية والتفرغ لأنشطة أخرى، وبهذا الانسحاب تُطوى مرحلة هامة من تاريخ الجماعة الإسلامية وهي مرحلة الجيل المؤسس التي لم يبق منها إلا راشد الغنوشي الذي نجح في إزاحة بقية المؤسسين والتفرّد بقيادة الحركة.

ولم تدعم الحركة مورو على الميدان خلال الحملة الانتخابية وهو ما أشار إليه بعد فشله في الانتخابات الرئاسية.

ورغم أن مورو عند إعلان اعتزاله السياسة وتحرره من أي نشاط حزبي فإنه لم يؤكد صراحة استقالته من حركة النهضة. وهذه ليست المرة الأولى التي يبتعد فيها مورو عن النهضة، فقد انسحب في العام 2011 عنها و”نافس” الحركة بمجموعة من القائمات المستقلة في الانتخابات التشريعية لكنه لم يفز بأي مقعد برلماني كما شنت قواعد النهضة ضده حملات هجومية بسبب مواقفه “المنفتحة” مقارنة ببقية قيادات النهضة “المتعصّبة”.

وتم انتخاب مورو في قيادة النهضة في مؤتمري 2012 و2017 وتولى كل من منصبي نائب الرئيس ومكلف بالعلاقات الخارجية، لكن المنصبين كانا شكليين ولا وجود لهما في الواقع وكان مورو دائم التعبير عن تبرمه من التجاهل الذي يعانيه في الحركة.

وتعيش النهضة حاليا على وقع خلافات داخلية، ما يفسره مراقبون بوجود “أزمة هوية داخل النهضة” التي تعجز عن الفصل بين أيديولوجيتها والنهج السياسي الجديد الذي يضمن لها البقاء في المشهد التونسي. وأسفرت هذه الخلافات عن استقالات متواترة لقيادات بارزة في الحركة من بينها عبدالحميد الجلاصي وحمادي الجبالي.

وتزيد هذه الخلافات في تعميق مشكلات الحركة الإسلامية خاصة أنها عجزت عن تقديم حلول عملية للأزمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فيما تعتبر أوساط سياسية وشعبية أن النهضة جزء من الأزمة السياسية التي تعيشها تونس منذ العام 2011.

وعلى الرغم من إعلان مورو أن استقالته لا علاقة لها بالتجاذبات التي تعيشها الحركة الإسلامية، إلا أنه فهم بطريقة أو بأخرى أن وجوده كعدمه وخيّر الانسحاب بشكل رسمي، وهو ما يمهّد لدخول حركة النهضة رسميا زمن الغنوشي وحاشيته وأقاربه لمزيد بسط النفوذ على دواليب الحزب.

وجاء إعلان انسحاب مورو من الحركة بعد أيام من ظهور بيان لمجموعة داخل النهضة سمت نفسها «مجموعة الوحدة والتجديد» تسعى إلى تصحيح مسار الحركة وإحداث تغيير في قيادتها عبر الدفع نحو عقد المؤتمر الحادي عشر للحركة في موعده قبل نهاية هذه السنة وعدم تجديد الثقة في رئيسها راشد الغنوشي، لعهدة أخرى في هذا المنصب.

وتداولت صفحات مقرّبة من حركة النهضة مبادرة لعدد من القيادات تحت عنوان “مجموعة الوحدة والتجديد” قدمت خارطة طريق من سبع نقاط بشأن دور راشد الغنوشي وموعد عقد المؤتمر، الذي تعطل بسبب عدم تحمّس الغنوشي لعقده قبل ضمان تعديلات تُقدَّم في المؤتمر وتتيح له الاستمرار بصفته الرجل رقم واحد في الحركة.

وضمّت “مجموعة الوحدة والتجديد” كلا من رئيس مجلس الشورى عبدالكريم الهاروني ومسؤول مكتب العلاقات الخارجية رفيق عبدالسلام (صهر الغنوشي)، ومسؤول المكتب السياسي للحركة نورالدين العرباوي، ومسؤول مكتب الانتخابات محسن النويشي، ونائب رئيس مجلس الشورى مختار اللموشي، ومسؤول مكتب المهجر فخرالدين شليق، ونائب رئيس مكتب العلاقات الخارجية سهيل الشابي، ومسؤول المكتب النقابي محمد القلوي، إلى جانب قيادات أخرى.

ودعت المبادرة إلى “ضمان التداول القيادي في الحركة بما يسمح بتجديد نخبها وذلك وفق مقتضيات نظامها الأساسي والأعراف الديمقراطية وسلطة المؤسسات في إطار تجديد عميق للحركة استجابة لمتطلّبات الواقع وحاجيات البلاد”.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية