قراءة في أخطر الرسائل المتبادلة بين علي ومعاوية

15982
عدد القراءات

2019-08-07

أعيدت في الأوساط الفكرية والصحفية المصرية، في الآونة الأخيرة، قصّة الصراع الذي دار بين علي ومعاوية، رضي الله عنهما، في القرن الأول الهجري، عبر العديد من المقالات، التي دافعت عن موقف معاوية، وابنه يزيد من بعده، في مواجهة علي، وابنه الحسين، وما أعقب ذلك من الردود، التي هاجمت المدافعين عن الأوّلين.

اقرأ أيضاً: كيف نفهم الأيديولوجيات السياسية بعيداً عن حمولتها التاريخية والاجتماعية؟

ويبدو أنّ إعادة فتح هذا الملف "القديم الجديد" لم تكن سوى لرغبة البعض في استدعاء أيام التاريخ ومواقفه، للقيام بجملة من الإسقاطات، التي تبرّر مواقف بعينها قامت بها الكتل السياسية، أو محاولة تشبيه تيارات حديثة بقديمه، وهو تشبيهات وتمثلات تصطدم، بلا شكّ، بالفروقات الواسعة بين السياقات التاريخية والمعاصرة.

معاوية لم يصرح بمطالبته بالخلافة بل بدم عثمان فحسب إلا أنّ علياً كان يشتمّ رائحة ذلك منه

ونحن إذ نقوم بقراءة لأبرز الرسائل المتبادلة بمخين علي ومعاوية، رضي الله عنهما، فإننا لا نحاول السير مع هذا الركب؛ بل نسعى إلى أن نقوم بعملية قراءة مجردة، ليس الغرض منها إثبات إدانة طرف، بقدر ما هي محاولة لرؤية الحقيقة والواقع بأشكال مجردة، ومن زوايا متعددة، بعد الاستناد إلى أحد أهم المصادر التاريخية في هذا الشأن، وهو كتاب "وقعة صفين"، لنصر بن مزاحم المنقري، وهو ثاني كتاب أرّخ لواقعة صفّين، ويعدّ نصر من طبقة شيوخ الطبري؛ إذ يروي الطبري عن أبي مخنف، الذي يعدّ نصر بن مزاحم في طبقته.
علي يرى أنّ من يخرج على إجماع الأمة يستحق إعلان الحرب عليه

صراع البيعة
أرسل علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، كتاباً حمله جرير إلى معاوية، جاء فيه: "أما بعد؛ فإنّ بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام، وفي رواية "بيعتي لزمتك بالمدينة وأنت بالشام"؛ لأنّه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، على ما بُويعوا عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يُردّ، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإذا اجتمعوا على رجل فسمّوه إماماً، كان ذلك لله رضا، فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو رغبة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتّباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى ويصليه جهنم وساءت مصيراً".

يبدو أنّ معاوية انتقل من مطالبة علي بالقصاص إلى اعتباره مسؤولاً شخصياً عن قتل عثمان

يتجلى في النص السابق، تأكيد، وربما اعتراف، علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، بشرعية بيعة من قبله من الخلفاء، واعتبار المجموعة المبايعة لهم من أهل الحل والعقد، الممثلين لإرادة الأمة، والذين يفترض أنهم لا يجتمعون على ضلالة، ما يضع علامة استفهام على المقولات التي ادّعت أنّ "علياً" كان يرى أنّ الإمامة نزعت منه انتزاعاً بفعل صحابة سلبوه حقّه؛ إذ إنّ الثلة التي بايعت من قبله كانت من المهاجرين والأنصار، والذين رضي الله عنهم.
لأنّه حين يقول: "فإن اجتمعوا على رجل فسمّوه إماماً، كان ذلك لله رضا"، وهو اعتقاد يمثل الحديث النبوي: "لا تجتمع أمتي على ضلالة"؛ إذ إنّ المعنى هنا هم تتوافر فيهم صفات الإجماع وشروطه، فإذا اجتمعت نخبة المهاجرين والأنصار على أمر فإنّ ذلك يمثل إرادة الله تعالى ورضائه.

اقرأ أيضاً: إشكالية العلاقة بين السلطة والمعرفة في التاريخ الإسلامي
لكنّ علياً يرى أنّ من يخرج على ذلك الإجماع، يستحق إعلان الحرب عليه؛ إذ يعدّ تفتيتاً للّحمة الجماعة، وتقطعياً لسبيكتها، وتشرذماً لوحدتها، وهو إذ يفعل ذلك، فليس بدوافع سياسية واجتماعية فقط؛ بل بدافع ديني بالأساس: "فإن أبى قاتلوه على اتّباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولّى، ويصليه جهنم وساءت مصيراً"، لكن القتال هنا يجيء بعد الضغط بعدد من محاولات العودة والرجوع للصفّ المبايع.
ذهب علي إلى إخراج معاوية وربما أهل الشام جميعاً من نطاق دائرة الشورى في الخلافة

قتال الخارجين
وهو ما فعله علي، رضي الله عنه، قبل إرسال تلك الرسالة إلى معاوية في واقعة الجمل؛ إذ شنّ حرباً على الصحابيَّيْن "طلحة والزبير" رضي الله عنهما، اللذين نقضا بيعته، فرأى أنّ ذلك باطل لا يرضي الله، مع أنّهما خرجا عليه مستندَيْن إلى أسس شرعية تخوّل لهما ذلك وفق ما اعتقدا.

لم تكن إشكالية أهل الحل والعقد مسألة تاريخية مضت بل ماتزال تضرب بآثارها إلى يومنا هذا

يكمل علي في رسالته لمعاوية: "وإن طلحة والزبير بايعاني، ثم نقضا بيعتي، وكان نقضهما كردّهما، فجاهدتهما على ذلك، حتى جاء الحقّ وظهر أمر الله، وهما كارهان".
لكنّ علياً لا يرى من تلك الحرب، في الأصل نزاعاً بين طرفين متخاصمين، يعتقد كلّ منهما أنّه على حقّ، بعد اجتهاده، بل ينظر إليها باعتبارها حرباً بين فريقين أحدهما على الحق، الذي يمثله هو، والآخر على باطل.
كما رأى أنّ النصر في المعركة الحربية دليل على إظهار أمر الله في صفه، بدليل انهزام طلحة والزبير، وانكسار جيشهما، وانقلاب كفّة المعركة لصالحه ومن معه، لكن لو أمضينا هذا المنطق على استقامته، فهل يمكن اعتبار علي على باطل، بعد أن آل الأمر لمعاوية بن أبي سفيان في النهاية؟ لكنّ النصر والهزيمة في المعركة لم يكن ليرتبط يوماً بثنائية الحقّ والباطل، بقدر ما يرتبط بواقع المعركة، وأدواتها، والظروف المحيطة بها، والأقدار والحكم الإلهية، التي لا تجعل من المنهزم على الباطل بالضرورة.

اقرأ أيضاً: العنف متخفياً في التاريخ
وبناء على ما سبق؛ فإنّ علياً يطالب معاوية بقوله: "فادخل فيما دخل فيه المسلمون، فإنّ أحبّ الأمور إليّ فيك العافية، إلّا أن تتعرض للبلاء، فإن تعرضت له قاتلتك، واستعنت الله عليك".
الخضوع إذاً، أو القتال، حتى وإن بادر علي، رضي الله عنه، بإرسال الرسل، لتجنب وقوع الحرب، لكن القرار النهائي كان محسوماً لديه: "إذعان أو قتال"، ولا توجد خيارات أخرى.
التاريخ الإسلامي حاضر بقوة في الرسائل المتبادلة بين الظواهري والبغدادي

حقيقة أم خدعة؟
يتعرض علي، رضي الله عنه، لعصب الخلاف القائم، وهي قضية مقتل عثمان بن عفان، رضي الله عنه، فيقول: "وقد أكثرت في قتلة عثمان فادخلْ فيما دخل فيه المسلمون، ثم حاكم القوم إليّ، أحملك وإياهم على كتاب الله، فأما تلك التي تريدها فخدعة الصبيّ عن اللبن، ولعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ قريش من دم عثمان".
فلا يجوز لمعاوية أن يطالب بتطبيق النظام العام والقانون "شرع الله" على من قتلوا عثمان، من نظام حكم هو لم يعترف به بعد؛ لذا فإنّ علياً يطالبه بالدخول تحت مظلة النظام، عبر المبايعة، ثم يطالب أمير المؤمنين، بتطبيق القانون، على من يتهمهم بالقتل، فيصبح هناك مدعٍ "معاوية" باعتباره ولياً للدم، في مواجهة المدَّعى عليهم "القتلة".

معاوية كان يدرك أنّ شخصية علي لا تسمح له بتسليم قتلة عثمان وأن الأمور تسير إلى حرب

أما الذي يريد أن يفعله معاوية، من المطالبة بتطبيق العقاب على القتلة، قبل المبايعة، فإنها الخدعة الكبرى؛ إذ إنّ إدخال "علي" القتلة الثائرين على "عثمان" في قفص الاتهام، بناء على طلب "معاوية" وجماعته، سيبدو في تلك الحالة كصفقة بينه وبين الإمام الجديد، مقابل بيعته له، وعندها ستكون الصراعات الطاحنة قد ضربت معسكر علي، وقطّعته إرباً.
يعتقد علي بذكائه؛ أنّ هناك خدعة من ابن أبي سفيان، وحلفائه؛ "فأما تلك التي تريدها فخدعة الصبيّ عن اللبن".
ومع أنّ معاوية لم يكن مطالباً بالخلافة في ذلك الوقت؛ بل بدم عثمان فحسب، إلا أنّ علياً كان يشتمّ رائحة الطمع في عرش الخلافة، ولذا فإنه يقطع على معاوية ذلك الباب، باعتباره ليس من أوّلي السبق في الإسلام؛ بل كان من الطلقاء: "واعلم أنّك من الطلقاء، الذين لا تحلّ لهم الخلافة، ولا تعرض فيهم الشورى، وقد أرسلت إليك ومن قبلك إلى، جرير بن عبد الله، وهو من أهل الإيمان والهجرة، فبايعْ ولا قوة إلا بالله".
صراعات داعش والقاعدة

طليق خارج دائرة الشورى
كان معاوية أميراً للشام، وكذا تولى كثير من الطلقاء (من قال لهم النبيّ، صلى الله عليه وسلم، يوم فتح مكة: "اذهبوا فأنتم الطلقاء") العديد من المناصب الحربية والإدارية، وكذا الولايات الكبرى، في عصور الخلفاء الثلاثة الأوائل، ومن ثم فإنّ استخدام "علي" لفظة "لا تحلّ له" تبدو غريبة ومدهشة؛ إذ إنّهم تولوا بالفعل إمارات ذات مكانة كبرى في الدولة الإسلامية، أما عن الولاية العامة "الخلافة"؛ فإنّ الاعتقاد السائد أنّها للقرشيين فقط، ومعاوية من قريش.

اقرأ أيضاً: فقه الاستبداد: العلاقة الجدلية بين السياسة والأخلاق في التاريخ الإسلامي
بل ذهب علي إلى إخراج معاوية، وربما أهل الشام جميعاً، من نطاق دائرة الشورى في الخلافة، وهو ما لا شكّ في أنّه يثير غضب وتوجس معاوية الذي كان يدرك أنّ علياً لو استطاع الهيمنة على الشام ومصر، فلا شكّ في أنّه سيعزله وأقرباءه.
تجلّت فلسفة علي ورؤيته للصراع الدائر في رسالة أخرى، بعث بها لمعاوية: "زعمت أنّه أفسد عليك بيعتي، خطيئتي في عثمان، ولعمري ما كنت إلا رجلاً من المهاجرين أوردت كما أوردوا، وأصدرتُ كما أصدروا، وما كان الله ليجعلهم على ضلالة، ولا ليضربهم بالعمى، وما أُمرت فتلزمني خطيئة الآمر، ولا قتلت فيجب علي القصاص".
كان يدرك أنّ علياً لو استطاع الهيمنة على الشام ومصر، فلا شكّ في أنّه سيعزله وأقرباءه

وليّ الدم
يبدو أنّ معاوية انتقل من مطالبة علي، رضي الله عنه، بالقصاص، إلى اعتباره مسؤولاً شخصياً عن قتل عثمان، رضي الله عنه، على اعتبار أنه لم يحرك ساكناً عندما أحاط بداره الثوار، ولهذا فإنّ معاوية تخلّف عن بيعة علي بهذه الحُجة، ولذلك فإنّ علياً يردّ عليه بأنه كان رجلاً من المهاجرين فعل ما فعلوا، وإنّ هؤلاء عندما يجتمعون فإن اجتماعهم هذا تتمثل فيه إرادة الله الحقة.
ثم يعود علي في تلك الرسالة الثانية، ليؤكّد على ما ورد في الأولى، من أنّ أهل الحجاز هم الحكّام، "أما قولك: "إنّ أهل الشام هم الحكّام على أهل الحجاز، فهاتِ رجلاً من قريش الشام يقبل في الشورى أو تحلّ له الخلافة، فإن زعمت ذلك كذّبك المهاجرون والأنصار، وإلا أتيتك به من قريش الحجاز".

يسرد علي منطقاً عقلانياً في إثبات أحقيته للخلافة وعلى الأسس نفسها التي أثبتها المهاجرون لأنفسهم

من هنا تظهر إشكالية أهل الحلّ والعقد، الذين وإن وضع الفقهاء صفاتهم وشروطهم، إلا أنّ انتخابهم لم يكن ذا آلية محكمة؛ إذ إنّ كثيراً من الناس يمكنهم التنازع في تلك الهيئة النيايية عن جمهور المسلمين.
لم تكن الإشكالية تاريخية حوتها كتب التراث الإسلامي فحسب؛ بل ما تزال تضرب بآثارها إلى يومنا هذا، سواء كانت في النظم الملكية والسلطانية، أو بين التنظيمات الإسلامية؛ إذ إنّ المجموعة التي بإمكانها تنصيب ملك أو حتى أمير تنظيم، لا يتم انتخابها انتخاباً مباشراً عبر الاقتراع، أو التصويت السرّي، أو العلنيّ الحرّ؛ بل قد يتعارف أو يجمع عليها من ضمن طبقة من طبقات المجتمع الدينية أو الاجتماعية، أو من خلال قادة يحتلون رتباً تنظيمية في حالة الجماعات الدينية.

اقرأ أيضاً: الموروث والتاريخ الآخر
فالمتابع للصراعات التي جرت بين داعش والقاعدة، بعد إعلان أبي بكر البغدادي خلافته، سيجد أنّ التاريخ الإسلامي حاضر بقوة في الرسائل المتبادلة بين أيمن الظواهري والبغدادي، بعد أن ادّعى الأخير أنّه حصل على بيعة شرعية من المهاجرين والأنصار في تنظيمه، ومن أولي السبق والجهاد فيه، بينما رأى الظواهري؛ أنّ تلك المجموعات في العراق، لا تسبغ عليها صفة الشرعية، لأنّها لم تأتِ من شيوخ القاعدة الذين يمثلون أهل الحلّ والعقد، بحسب اعتقاده.
وهكذا كان يزعم معاوية؛ لأنّ علياً تجاهل في بيعته، أنّ أهل الشام، وهو كان يقيم بين أظهرهم، ثلة من المهاجرين والأنصار، إلا أنّ علياً نفى أن يكون هؤلاء ضمن مجموعة أهل الحلّ والعقد، مكتفياً بالمهاجرين والأنصار في الحجاز، والذين تكفي بيعتهم لانعقاد الإمامة له.
يقطع علي على معاوية محاولة التمييز بين "الشام" و"البصرة" ويرى أنّهما واحد

الاعتراف أولاً
يكمل علي، رضي الله عنه: "وأما قولك: "ادفع إلينا قتلة عثمان"، فما أنت وعثمان؟ إنما أنت رجل من بني أمية، وبنو عثمان أولى بذلك منك، فإن زعمت أنك أقوى على دم أبيهم منهم فادخل في طاعتي، ثم حاكم القوم إليّ، أحملك وإياهم على المحجة"؛ وهنا تأكيد على الطرح السابق: ادخل في الطاعة، ثم يكون لك بعد ذلك حق المطالبة بالدم، ولا يكون لك قبل ذلك الحقّ؛ إذ إنّك لست داخلاً تحت لواء المنظومة، فلا تحتكم إليها.

اقرأ أيضاً: كيف يتحرر التاريخ من الشرّ؟
يستأنف قائلاً: "وأما تمييزك بين الشام والبصرة، وبين طلحة والزبير، فلعمري ما الأمر فيما هناك إلا واحد، لأنّها بيعة عامة لا يثني فيها النظر، ولا يستأنف فيها الخيار، وأما ولوهك بي في أمر عثمان، فما قلت ذلك عن حقّ العيان، ولا يقين الخبر، وأما فضلي في الإسلام، وقرابتي من النبي، صلّى الله عليه وسلّم، وشرفي في قريش، فلعمري لو استطعت دفع ذلك لدفعته".
فيقطع علي على معاوية محاولة التمييز بين "الشام" و"البصرة" ويرى أنّهما واحد؛ إذ إنّ البيعة في البصرة أو الحجاز، تلزم من في الشام؛ لأنّ تلك البيعة تأتي من أولئك الذين بايعوا الخلفاء الأوائل، فحصلوا على الشرعية من خلالهم.
ويؤكد علي؛ أنّ له فضلاً في الإسلام، ربما لا يدانيه فضل، وهو الأقرب لرسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، ومن ثمّ؛ فإنّه لا أحد يعلوه في أحقية الخلافة.
دخول في النوايا
ننتقل إلى ردّ معاوية، في رسالته التي قدّمها تقديماً يشير إلى عدم اعترافه ببيعة علي: "من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب: سلام عليك؛ فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد؛ فإنّ الله اصطفى محمداً بعلمه، وجعله الأمين على وحيه، والرسول على خلقه، واجتبى له من المسلمين أعواناً أيده الله بهم، فكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الإسلام، فكان أفضلهم في إسلامه، وأنصحهم لله ولرسوله الخليفة من بعده، وخليفة خليفته، والثالث الخليفة المظلوم عثمان، فكلّهم حسدت، وعلى كلّهم بغيت، عرفنا ذلك في نظرك الشزر، وفي الهُجْر، وفي تنفسك الصعداء، وفي إبطائك عن الخلفاء، تقاد إلى كل منهم كما يقاد الفحل المخشوش"؛ الذي جعل في عظم أنفه الخشاش، وهو بالكسر عويد يُجعل في أنف البعير يُشدّ به الزمام ليكون أسرع في انقياده، حتى تبايع وأنت كاره..".

اقرأ أيضاً: "السلطة في الإسلام": عبدالجواد ياسين يفك اشتباك النص والتاريخ
يتجلى في مقدمة تلك الرسالة ذكاء معاوية ودهاؤه؛ إذ إنّه يدشّن على أفضلية الخلفاء الذين سبقوا علياً، ووصفهم بالمجتبين من قبل الله، لتأييد نبيه، فالأفضل كان أبو بكر، ثم يليه عمر، ثم يليه عثمان، رضي الله عنهم، ليصل إلى أنّ علياً كان يضمر الحقد عليهم، وبالأخصّ عثمان، وهو بذلك يمهّد لاتهام أشنع.
فيقول معاوية: "ثمّ لم تكن لأحد منهم بأعظم حسداً منك لابن عمّك عثمان، وكان أحقهم ألّا تفعل ذلك به في قرابته وصهره، فقطعت رحمه، وقبّحت محاسنه، وألّبت عليه الناس، وبطنت وظهرت، حتى ضربت إليه آباط الإبل، وقيدت إليه الخيل العراب، وحمل عليه السلاح في حرم رسول الله، فقتل معك في المحلة، وأنت تسمع في داره الهائعة، لا تردع الظنّ والتهمة عن نفسك فيه بقول ولا فعل، فأقسم صادقاً أن لو قمت فيما كان من أحد، ولما ذلك عندهم ما كانوا يعرفونك به من المجانبه لعثمان والبغي عليه...".

اقرأ أيضاً: التاريخ الإسلامي: قراءة واعية أم انتقائية منحازة؟
يتقصّد معاوية خلق رواية تبدأ من بعد وفاة النبي، صلى الله عليه وسلم، ومبايعة أبي بكر، ومن بعده عمر، ثم عثمان، ليتدخل في نوايا علي ويتهمه بالكراهية، والحنق، والحسد، حتى يؤسس في عقل المستمع، لتصديق الاتهام الأشنع، وهو تحريض علي على قتل عثمان، ثم التخلي عنه حال الحصار، حتى يتخلص منه، وليس ذلك فحسب، بل وإيواء قتلة عثمان، فماذا يعني ذلك إذاً سوى إثبات الرواية منذ بدايتها؟
يكمل معاوية في ذات الرسالة: "وأخرى أنت بها عند أنصار عثمان ظنين (متهم)، إيواؤك قتلة عثمان، فهم عضدك وأنصارك ويدك وبطانتك، وقد ذكر لي أنك تنصّلت من دمه؛ فإن كنت صادقاً فأمكنا من قتلته نقتلهم به، ونحن أسرع الناس إليك، وإلا فإنه فليس لك ولا لأصحابك إلا السيف، والذي لا إله إلا هو لنطلبن قتلة عثمان في الجبال والرمال، والبرّ والبحر، حتى يقتلهم الله، أو تلحقن أرواحنا بالله، والسلام".
خطّة معاوية
بدا أنّ معاوية كان يدرك أنّ شخصية علي لا تسمح له بتسليم قتلة عثمان، وأن الأمور ستذهب إلى الحرب، لكنّه كان يعتقد أنّه منصور فيها، ليس بسبب قوة معسكره؛ بل لانشقاقات وتراجعات في معسكر خصمه.
ردّ علي على مزاعم معاوية في رسالة أخرى طويلة، وجّهها إليه، جاء مطلعها كالآتي: "بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد الله علي، أمير المؤمنين، إلى معاوية بن أبي سفيان، أما بعد؛ فإنّ أخا خولان قدم عليَّ بكتاب منك، تذكر فيه محمداً، صلى الله عليه وآله وسلم، وما أنعم الله عليه به من الهدى والوحي، والحمد لله الذي صدقه الوعد، وتمّم له النصر، ومكن له في البلاد، وأظهره على أهل العداء والشنآن، من قومه الذين وثبوا به، وشنفوا له، وأظهروا له التكذيب، وبارزوه العداء، وظاهروا على إخراجه، وعلى إخراج أصحابه، وأهله، وألبوا عليه العرب، وجامعوهم على حربه، وجهدوا في أمره كل الجهد، وقلبوا له الأمور حتى ظهر أمر الله وهم كارهون، وكان أشد الناس عليه ألبة أسرته، والأدنى فالأدنى من قومه إلا من عصمه الله، يا ابن هند؛ فلقد خبأ لنا الدهر منك عجباً".

اقرأ أيضاً: ألقاب وأوصاف التبجيل أو الذمّ في التاريخ الإسلامي
هنا، يبدي علياً اندهاشه من ذكر معاوية، لما تعرّض له الرسول، صلى الله عليه وسلّم، وجماعته، من الاضطهاد والتنكيل، الذي تزعّمه والد معاوية، أبو سفيان بن حرب، ومع أنّ عليّاً لم يشكّك في حسن إسلام معاوية وأبيه، إلا أنّه يلمّح له من خلال مناداته بـ"يا ابن هند"، بما كان من والدته، التي قتلت عمّه حمزة، في وقعة أحد، حتى أنّها مثّلت بجثته، وأكلت من كبده.

الأفضلية لمن؟
ومع ذلك، فمعاوية كان يستند في فضله ومكانته، ليس على الأسبقية في الإسلام، فهو وأبوه لم ينالا شرفها، لكنّه استند إلى ما قام به الأمويون من جهاد في بناء الدولة الإسلامية، وتمدّدها، خاصّة في الشام ومصر، وبلاد المغرب، وإن لم يذكر ذلك صراحة.

لم ينجح معاوية في جرّ عليّ إلى الإساءة لأصحابه من الخلفاء السابقين وإن لم يؤكد فضلهم عليه

يكمل علي قائلاً: "ولقد قدمت فأفحشت؛ إذ طفقت تخبرنا عن بلاء الله تعالى في نبيه، محمد صلى الله عليه وسلم، فينا، فكنت في ذلك كجالب التمر إلى هجر، أو كداعي مسدّده إلى النضال (كمن يدعو من علّمه النضال إلى النضال)".
"وذكرت أنّ الله اجتبى له من المسلمين أعواناً أيّده الله بهم، فكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الإسلام، فكان أفضلهم زعامة في الإسلام، وأنصحهم لله ورسوله الخليفة، وخليفة الخلافة، ولعمري إنّ مكانهما من الإسلام لعظيم، وإنّ المصاب بهما لجرح في الإسلام شديد، رحمهما الله وجزاهما بأحسن الجزاء، وذكرت أنّ عثمان كان في الفضل ثالثاً، فإن كان عثمان محسناً فيجزيه الله بإحسانه، وإن يك مسيئاً فسيلقى ربه غفوراً، لا يتعاظمه ذنب أن يغفره".
لم ينجح معاوية، إذاً، في جرّ عليّ إلى الإساءة لأصحابه من الخلفاء السابقين؛ بل أكّد على فضلهما في الإسلام، لكنّه لم يؤكد على فضلهم عليه نفسه، مع تفويض أمر عثمان إلى ربّه، إن كان محسناً أو كان مسيئاً.
يشي علي بأدب جمّ بأفضليته في الفقرة التالية من الرسالة، وإن كان لم يتجاوز حكم الله: "ولعمر الله إني لأرجو إذا أعطى الله الناس على قدر فضائلهم في الإسلام ونصيحتهم لله ورسوله أن يكون نصيبنا في ذلك الأوفر".
يعود علي إلى التاريخ القريب؛ حيث يؤكد على أفضلية آل البيت، بما لقوه من عنت ومشقة في بدايات الطريق: "إنّ محمداً، صلى الله عليه وسلم، لما دعا إلى الإيمان بالله والتوحيد، كنا أهل البيت أول من آمن به، وصدق بما جاء به، فلبثنا أحوالاً مجرّمة، وما يعبد الله في ربع ساكن من العرب غيرنا، فأراد قومنا قتل نبينا، واجتياح أصلنا، وهمّوا بنا الهموم، وفعلوا بنا الأفاعيل، فمنعونا الميرة، وأمسكوا عنا العذب، وأحلسونا الخوف، وجلعوا علينا الأرصاد والعيون، وكتبوا علينا بينهم كتاباً لا يواكلونا ولا يشاربونا ولا يناكحونا ولا يبايعونا ولا نأمن فيهم إلا موسم إلى موسم، فعزم الله لنا على منعه، والذبّ عن حوزته، والرمي من وراء حرمته، والقيام بأسيافنا دونه في ساعات الخوف بالليل والنهار..".

 

جهاد أهل البيت
يسرد علي ما لاقاه أهل البيت من مشقة، والتضحية في سبيل الدين، ملمحاً بأنّ منهم من كان من ذوي الفضل والرفعة، إلا أنّهم اختاروا الشهادة، وماتوا قبل أن تمتد الدولة، لكنهم إن كانوا ما يزالون على قيد الحياة، لكانوا أفضل ممن بقوا بعد ذلك.
يقول: "ثم أمر الله رسوله بالهجرة، وأذن له بعد ذلك في قتال المشركين، فكان إذا احمر البأس ودعيت نزال أقام أهل بيته فاستقدموا، فوقى بهم أصحابه حرّ الأسنّة والسيوف، فقتل عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب يوم بدر، وحمزة يوم أحد، وجعفر وزيد يوم مؤتة، وأراد لله من لو شئت ذكرت اسمه مثل الذي أرادوا من الشهادة مع النبي، صلى الله عليه وسلم، غير مرة، إلّا أنّ آجالهم عجلت، ومنيته أخّرت، والله مولى الإحسان إليهم، والمنان عليهم، بما قد أسلفوا من الصالحات، فما سمعت بأحد ولا رأيت فيهم من هو أنصح لله في طاعة رسوله، ولا أطوع لرسوله في طاعة ربه، ولا أصبر على اللأواء والضراء وحين البأس ومواطن المكروه مع النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، من هؤلاء النفر الذين سمّيت لك، وفي المهاجرين خير كثير نعرفه، جزاهم الله بأحسن أعمالهم..".

اقرأ أيضاً: التاريخ إذ يتعالى على الزمكان فيغدو مقدساً!
ينفي علي تهمة الحدث والبغي على الخلفاء، لكنه لا ينفي كراهيته لتوليهم الأمر فقال: "وذكرت حسدي الخلفاء، وإبطائي عنهم، وبغيي عليهم، فأما البغي فمعاذ الله أن يكون، وأما الإبطاء عنهم والكراهة لأمرهم فلست أعتذر منه إلى الناس، لأنّ الله، جلّ ذكره، لما قبض نبيه، صلى الله عليه وسلم، قالت قريش: "منّا أمير"، وقالت الأنصار" "منّا أمير"، فنحن أحق بذلك الأمر".
هنا يبرز إيمان ابن أبي طالب، بأحقيته في الإمامة، بجلاء ووضوح، فمع أنّه قبل ببيعة الخلفاء، فذلك حتى لا تقع فتنة بين المسلمين، ولذا فقد كتم في نفسه، ورأى أنّ الأمة مقدمة عليه.
كان معاوية يعتقد أنّه سينتصر ليس لقوة معسكره بل لانشقاقات وتراجعات في معسكر خصمه

منطق وعقلانية
يسرد علي منطقاً عقلانياً في إثبات أحقيته للخلافة، وعلى الأسس نفسها التي أثبتها المهاجرون لأنفسهم، حينما وقع الخلاف بينهم وبين الأنصار في سقيفة بني ساعدة.
فالمهاجرون رأوا أنّهم أحقّ بالخلافة؛ لأنّ النبي، صلى الله عليه وسلم، منهم، وبذاك سلّم الأنصار الإمارة لقريش، فإذا كان ذلك هو الأساس الشرعي الذي استند إليه الأنصار، فإنّ علياً يستند إلى الأساس نفسه، إذا طُرح سؤال آخر: من الأقرب لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، في قريش؟ لا شكّ في أنّه علي.
يكمل علي: "..فعرفت ذلك الأنصار فسلمت لهم الولاية والسلطان، فإذا استحقوها، بمحمد، صلى الله عليه وسلم، دون الأنصار، فإنّ أولى الناس بمحمد، صلى الله عليه وآله وسلم، أحقّ بها منهم، وإلّا فإنّ الأنصار أعظم العرب فيها نصيباً، فلا أدري أصحابي سلموا من أن يكونوا حقّي أخذوا، أو الأنصار ظلموا؛ بل عرفت أنّ حقّي هو المأخوذ، وقد تركته لهم، تجاوز الله عنهم..".

اقرأ أيضاً: المساجد عبر التاريخ.. بين الوعظ والسياسة
يؤكّد علي، في جميع رسائله، أنّه بريء من دم عثمان: "وأما ما ذكرت من أمر عثمان وقطيعتي رحمه، وتأليبي عليه، فإنّ عثمان عمل ما قد بلغك، فصنع الناس به ما قد رأيت وقد علمت، إني كنت في عزلة عنه، إلّا أن تتجنّى، فتجني ما بدا لك، وأما ما ذكرت من أمر قتله عثمان فإني نظرت في هذا الأمر وضربت أنفه وعينيه، فلم أرد دفعهم إليك، ولا إلى غيرك".
في نهاية تلك الرسالة؛ ساق علي، رضي الله عنه، في مواجهة معاوية، رضي الله عنه، واقعة كان بطلها سفيان بن حرب، نفسه، والذي أكّد له علي أنّه كان يرى أنّه الأحقّ بالخلافة، من أبي بكر.
يقول: "وقد كان أبوك أتاني حين ولّى الناس أبا بكر، فقال: أنت أحق بعد محمد، صلى الله عليه وآله وسلم، بهذا الأمر، وأنا زعيم لك بذلك على مَن خالفك، ابسط يدك أبايعك، فلم أفعل، وأنت تعلم أنّ أباك كان قد قال ذلك وأراده حتى كنت أنا الذي أبيت، لقرب عهد الناس بالكفر، مخافة الفرقة بين أهل الإسلام، فأبوك كان أعرف بحقّي منك، فإن تعرف من حقي ما كان يعرف أبوك تصب رشدك، وإن لم تفعل فسيغني الله عنك، والسلام".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



من المستفيد من الغزو التركي لسوريا؟

2019-10-13

عندما بدأت تركيا في التاسع من الشهر الجاري عدواناً عسكرياً على مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية شمال شرقي سوريا، ادّعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أنّ الهدف من هجومه هو تدمير "ممر الإرهاب" على الحدود الجنوبية لتركيا.

اقرا أيضاً: الأكراد الأوروبيون ينتفضون ضدّ العدوان التركي
غير أنّ كل الدلائل السياسية، التي سبقت العدوان العسكري التركي ضد قوات سوريا الديمقراطية، كانت تشير إلى هذه النهاية المأساوية لهذه القوات، بكل ما حققته من انتصارات ونجاحات في محاربة إرهاب تنظيم داعش وحضور ديمغرافي وجيوسياسي في شمال شرق سوريا.

تركيا تعتبر وحدات حماية الشعب جماعة إرهابية مرتبطة بحزب العمال الكردستاني المحظور

فقوات سوريا الديمقراطية، التي تشكل وحدات حماية الشعب الكردية عنصراً أساسياً فيها، كانت تسيطر على معظم الأراضي التي كانت في حوزة "داعش" في سوريا، وتحتجز الآلاف من مقاتلي التنظيم في السجون، وعشرات الآلاف من أسرهم في مخيمات الاحتجاز مثل مخيم الهول الذي يضم أكثر من 70 ألفاً.
وتركيا تعتبر وحدات حماية الشعب "جماعة إرهابية" مرتبطة بحزب العمال الكردستاني المحظور، الذي يقاتل منذ 35 عاماً ضد الدولة التركية، كما تنظر أيضاً إلى المنطقة، التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب بأنّها "تهديد وجودي" ومحدد أساسي في الأمن الإستراتيجي لتركيا المعاصرة.

لم تكن هذه المرة الأولى التي يهدّد فيها ترامب الأوروبيين بهذا الملف الملتهب
بالعودة إلى بداية العملية العسكرية التركية التي أسمتها "نبع السلام"، يمكن الإشارة إلى مجموعة من المؤشرات التي كانت تشي بأنّ العملية واقعة لا محالة؛ ولعلّ أهم مؤشر هو إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، منذ العام الماضي أنّه سيسحب القوات الأمريكية من سوريا، ثم أتبع ذلك مطالبته أكثر من مرة بأن تتدخل الدول التي لها مواطنون معتقلون لدى قوات سوريا الديمقراطية باستعادتهم ومحاكمتهم في بلادهم، ثم تبع ذلك تهديده الصريح بأنّه سيقوم بإطلاق سراح هؤلاء المعتقلين الذين يمثلون أكثر من 50 دولة في العالم.

اقرأ أيضاً: كيف تمّ التمهيد للهجوم التركي على أكراد سوريا؟
لقد هدّد ترامب يوم الجمعة 20 أيلول (سبتمبر) 2019، بنقل مقاتلين من تنظيم داعش تعتقلهم قوات سوريا الديمقراطية، وإطلاق سراحهم على حدود أوروبا، إذا لم تبادر فرنسا وألمانيا ودول أوروبية أخرى إلى استعادة رعاياها من بينهم.
حينها قال ترامب للصحافيين، لدى استقباله في البيت الأبيض رئيس الوزراء الأسترالي سكوت موريسون: "أنا هزمتُ دولة الخلافة" مضيفاً: "والآن لدينا الآلاف من أسرى الحرب ومقاتلي داعش ونطلب من الدول التي أتوا منها في أوروبا أن تستعيد أسرى الحرب، وحتى الآن رفضوا ذلك"، مشيراً بالتحديد إلى كل من فرنسا وألمانيا.

رد أوروبا الحاد على السلوك الأمريكي والعملية التركية يفسره المخاوف من انفلات ملف المقاتلين الإرهابيين الأجانب

وبلهجة واضحة التهديد والوعيد قال ترامب مخاطباً الأوروبيين: "في نهاية المطاف سأقول: أنا آسف لكن إما أن تستعيدوهم أو سنعيدهم إلى حدودكم".
وأوضح ترامب أنّه سيفعل ذلك "لأنّ الولايات المتحدة لن تسجن آلاف الأشخاص الذين وقعوا في الأسر في (غوانتانامو)، ولن تبقيهم في السجن طوال خمسين عاماً؛ لأنّ ذلك سيكلّفها مليارات ومليارات الدولارات"، مضيفاً "لقد قدّمنا خدمة كبرى للأوروبيين، في حال رفضوا استعادتهم علينا على الأرجح إرسالهم إلى الحدود وسيتعيّن عليهم أسرهم مجدداً"!
ولم تكن هذه المرة الأولى التي يهدّد فيها ترامب الأوروبيين بهذا الملف الملتهب؛ ففي أيلول (سبتمبر) 2018، هدّد بنقل المقاتلين الأوروبيين المعتقلين في سوريا إلى بلادهم، وإطلاق سراحهم هناك في حال لم تتولَّ دولهم إعادتهم بنفسها.
وبحسب تحذيرات صدرت عن الأمم المتحدة في أيار (مايو) 2019، تلقَّت أوروبا تحذيرات جديدة من خطر عودة المقاتلين الأجانب من داعش، وما يمكن أن يشكله الأمر من تهديد للأمن الأوروبي ومخاوف من اعتداءات إرهابية جديدة، تستهدف المدنيين وبطرق مختلفة، وذلك في ظل مؤشرات على تدفق متزايد للمقاتلين من مناطق الصراعات، خصوصاً في سوريا والعراق، إلى دول الاتحاد الأوروبي.

اقرأ أيضاً: أبرز تطورات العدوان التركي شمال سوريا
ومن هنا يمكن فهم ردة فعل الدول الأوروبية الحادة على السلوك الأمريكي والعدوان التركي؛ لأنّها المتضرر الأكبر من "انفلات" ملف المقاتلين الإرهابيين الأجانب؛ ولذلك جاء رد الفعل الألماني السريع حيث أعلنت برلين السبت 12 تشرين الأول (أكتوبر) 2019، حظر تصدير أسلحة إلى تركيا يمكن استخدامها في الهجوم التركي في شمال شرقي سوريا، وفقاً لما ذكرته صحيفة "بيلد أم زونتاج" عن وزير الخارجية الألماني هايكو ماس بقوله في 12 تشرين الأول (أكتوبر) 2019 إنّ حظر تصدير الأسلحة إلى تركيا جاء كرد فعل على الهجوم التركي على وحدات حماية الشعب الكردية في شمال سوريا.
السياسة.. المصالح أولاً
في التحليل الأولي لهذا الغزو التركي يبدو أنّ الرابحين على المدى القصير هم: الأمريكان، ثم الأتراك، ثم تنظيم داعش، ثم سوريا –ربما- على المدى الطويل.
ويبدو أنّ الأكراد وحدهم بالدرجة الأولى، ثم الأوروبيين، الذين لم يلتقطوا إشارات الرئيس الأمريكي ترامب، هم الخاسرون، حتى لو تم وصف الموقف الأمريكي بالطعنة بالظهر "لأحلام الأكراد"، فهذا هو مبدأ السياسية الخارجية الأمريكية، وليس بالغريب على كل متابع حصيف لتاريخ السياسة الخارجية الأمريكية في حقبة الحرب الباردة وبعدها.

حتى الآن يبدو أنّ الطرف الأمريكي هو المستفيد الأول من العملية
حتى الآن يبدو أنّ الطرف الأمريكي هو المستفيد الأول من العملية، خاصة في ظل حقيقة أنّ الأجهزة الاستخبارية الأمريكية قامت منذ مدة طويلة بعملية استخبارية هائلة؛ حيث أقامت أولاً وجهّزت كافة الخدمات اللوجستية لأماكن الاعتقال للمقاتلين الإرهابين الأجانب، ثم قامت بحصر أعدادهم وجنسياتهم وتفاصيلهم الشخصية، وأنهت عملية التحقيق والاستجواب لهم، وبناء عليه يمكن القول إنّها استخلصت منهم كل مفيد لبناء قاعدة بياناتها الأمنية والاستخبارية واحتفظت بعدد قليل جداً منهم.
وبالتالي ضمن موازنة تحليل المخاطر والتكاليف الاقتصادية التي تبرع فيها العقلية الأمريكية وإدارة ترامب خصوصاً؛ أصبحت عملية الاحتفاظ بهم ودفع تكاليف الرعاية الصحية واللوجستية المختلفة لهم أكثر من فائدتهم، وهذا أمر يبدو أنّه فات حلفاءهم الأكراد!

الأكراد وحدهم بالدرجة الأولى ثم الأوروبيون الذين لم يلتقطوا إشارات ترامب هم الخاسرون من العملية

طبعاً دون أن نغفل ردة فعل الرئيس الأمريكي ترامب في 9 تشرين الثاني (أكتوبر) 2019، على العملية؛ إذ ادعى أنّه سيدمر اقتصاد تركيا إذا قضى التوغل التركي في سوريا على السكان الأكراد بالمنطقة، في رد ترامب على سؤال لأحد الصحفيين عما إذا كان يخشى من أن يقدُم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على القضاء على الأكراد. وقال ترامب: "سأمحو اقتصاده إذا حدث ذلك.. أتمنى أن يتصرف أردوغان بعقلانية".
وأضاف: "فعلت ذلك بالفعل من قبل مع القس برونسون"، وذلك في إشارة إلى العقوبات الأمريكية على تركيا بشأن احتجاز القس الأمريكي. وكان أندرو برونسون، من بين المعتقلين الذين اتهمته تركيا بالتجسس ومساعدة المنظمات الإرهابية بعد محاولة الانقلاب الفاشل.  

اقرأ أيضاً: المنطقة العربية "مغارة الدم" .. والبروكسي التركي والإيراني
المُستفيد الثاني؛ الطرف التركي الذي يبدو أنّه، حتى الآن، نجح في التخلص من خصمٍ تاريخي عنيد يتمثل بالحلم الكردي، ثم ربما أنّه سيتمكن من السيطرة على ملف الإرهابيين الأجانب من تنظيم داعش، أو ربما يقضي عليه لمصلحة تنظيم منافس هو جبهة النصرة. وبالتالي ينهي هذا الكابوس المؤرق الى الأبد بخصوص حجم الاتهامات الهائلة لتركيا بأنّها سهّلت دخول معظم هؤلاء لسوريا منذ بداية الأزمة في سوريا، ثم في مرحلة لاحقة ستقوم تركيا بابتزاز الاتحاد الأوروبي بهذا الملف.

اقرأ أيضاً: الجامعة العربية تدين العدوان التركي.. قطر هذا موقفها
ويمكن ملاحظة مؤشرات هذا السلوك التركي، حتى الآن، من خلال تتبع ما تنشره وسائل الإعلام العالمي؛ فمنذ بدء "الغزو التركي" يلاحظ أنّ القوات التركية استهدفت بشكل خاص البلدات والمدن، التي كان تنظيم داعش يسيطر عليها.
المستفيد الثالث من العملية هو تنظيم داعش الذي يبدو أنّه يستثمر حالة الفوضى خلال المعارك الدائرة لتحقيق "الهروب الكبير" من السجون وإعادة الانتشار؛ حيث أشارت معلومات إلى أنّه خلال الهجوم التركي، استغل بعض مقاتلي داعش هذه العمليات العسكرية لتنفيذ عمليات إرهابية أو الفرار من السجون.

الهجمات التركية تشكل خطراً كبيراً على تأمين عناصر داعش المحتجزين لدى القوات الكردية
فقد ذكر مسؤول إعلامي في قوات سوريا الديمقراطية الجمعة 4 تشرين الأول (أكتوبر) 2019، أنّ خمسة معتقلين من تنظيم داعش، فرّوا من سجن "نفكور" الواقع عند الأطراف الغربية لمدينة القامشلي ذات الغالبية الكردية، والذي يضم مقاتلين أجانب من التنظيم، بعد سقوط قذائف تركية بجواره، لتتحقق بذلك المخاوف من أن يؤدي الغزو التركي للمنطقة إلى فرار عناصر التنظيم وإعادة بناء قدراته. وأشار مسؤول آخر في قوات سوريا الديمقراطية، إلى أنّ قذائف تركيا تتساقط "باستمرار" قرب سجن (جيركين)، الذي يؤوي أيضاً عناصر من التنظيم في المدينة.

قصف الأتراك للسجون يستهدف تحرير معتقلي داعش لزجّهم في قتال الأكراد باستغلال العداء الشديد بينهما

وفيما يبدو أنّ قصف الأتراك للسجون يقصد به تحرير السجناء فيها؛ لزجّهم في قتال الأكراد خاصة في ظل العداء الشديد الآن بين تنظيم داعش وقوات سوريا الديمقراطية.
وعبّرت قوات سوريا الديمقراطية مؤخراً عن خشيتها من أن ينعكس انصرافها إلى قتال القوات التركية سلباً على جهودها في حفظ أمن مراكز الاعتقال والمخيمات، كما في ملاحقة الخلايا النائمة لداعش.
وفي هذا السياق، حذرت رئيسة الهيئة التنفيذية لمجلس سوريا الديمقراطية، إلهام أحمد، من أنّ الهجمات التركية، تشكل خطراً كبيراً على تأمين عناصر داعش المحتجزين لدى القوات الكردية، مضيفة أنّ ضرب شمال سوريا يهدد أمن المنطقة وقد ينشر الفوضى فيها، وبيّنت أنّ الخطر يتعاظم أيضاً مع "نساء داعش" الموجودات في المخيمات.
وتابعت: "يمكن أن يتم تهريبهن وإيصالهن إلى بلدانهن الأصلية لتنفيذ عمليات إرهابية، في حال خرجت الأمور عن سيطرة قوات سوريا الديمقراطية في المناطق التي تتعرض لقصف تركي عشوائي".
وحسب حصيلة للمرصد السوري لحقوق الإنسان بتاريخ 4 تشرين الأول (أكتوبر) 2019 تّبنى تنظيم داعش تفجير سيارة مفخخة في مدينة القامشلي ذات الغالبية الكردية، تسبب بمقتل ستة أشخاص بينهم مدنيون، وأورد التنظيم، في بيان على تطبيق تلغرام، أنّ مقاتلي داعش قاموا "بتفجير سيارة مفخخة مركونة" قرب تجمع للمقاتلين الأكراد في المدينة.

للمشاركة:

هل سيكون داعش ورقة ابتزاز جديدة بيد أردوغان؟

عمر الرداد's picture
كاتب وخبير أمني أردني
2019-10-13

تتعدّد الملفات والقضايا المرتبطة بالعدوان التركي على شمال سوريا، منها ما يتصل بأهداف الرئيس أردوغان من العدوان، والمتمثلة بمكافحة "الإرهاب" الكردي، وإقامة منطقة "آمنة" يسمّيها الأتراك "عازلة"، جوهرها تحقيق تغيير ديموغرافي، بإقامة تجمّعات سكانية للاجئين السوريين، المفترض إعادتهم من تركيا، إضافة لملفات مرتبطة بالمواقف الدولية والإقليمية من العدوان، خاصة مواقف أوروبا الرافضة له، مقابل مواقف واشنطن وموسكو، التي أصبح واضحاً في جلسة مجلس الأمن، أنّ الرئيسَيْن؛ ترامب وبوتين، عقدا صفقة بالاشتراك مع الرئيس التركي حول الغزو، بما يحقق الحدّ الأدنى من أهداف وتطلعات الرؤساء الثلاثة.

هناك علاقة ثابتة بين القيادة التركية وتنظيم داعش
ومن بين أبرز الملفات التي يتم طرحها على هامش العدوان التركي، مستقبل كوادر وعناصر وعائلات تنظيم داعش، والذين يقدّر عددهم بحوالي مئة ألف عنصر، منهم فقط حوالي سبعين ألفاً في مخيم الهول، الذي تمت إقامته بعد المعارك الفاصلة التي نفذتها قوات سوريا الديمقراطية ضدّ "داعش"، المعروفة بمعركة الباغوز، إضافة إلى ما يزيد عن عشرة آلاف عنصر في السجون التابعة لقوات سوريا الديمقراطية، وعند مناقشة مستقبل تنظيم داعش في مناطق شرق الفرات، لا بدّ من التوقّف عند جملة من الحقائق، أبرزها:

من بين أبرز الملفات التي يتم طرحها على هامش العدوان التركي مستقبل عناصر وعائلات داعش

أولاً: أنّ هناك علاقة ثابتة بين القيادة التركية وتنظيم داعش، تتوازى مع علاقات تركيا مع التنظيمات الجهادية في إدلب، خاصة أنّ غالبية العناصر المقاتلة في تنظيم داعش دخلت إلى سوريا من الساحة التركية، وبإشراف وتنسيق من الأجهزة الأمنية التركية، تطورت لاحقاً لتقديم دعم لوجستي تركي للتنظيم شمل تقديم أسلحة ومعدات عسكرية للتنظيم، وتعاون معه في عمليات تهريب النفط السوري إلى تركيا، خاصة أنّ التنظيم يقاتل العدو اللدود لتركيا، ممثلاً بقوات سوريا الديمقراطية والفصائل الكردية، التي تصفها تركيا بأنّها "إرهابية"، وتشكّل الخلافة الإسلامية التي يطرحها التنظيم قاسماً مشتركاً مع اتجاهات الرئيس أردوغان المعلنة، الهادفة لاستعادة الخلافة العثمانية الجديدة، ويشار هنا إلى أنّ عملية "نبع السلام" الجارية في الشمال السوري، تتم تحت عناوين إسلامية: الجيش المحمَّدي، خطب مكثفة وتكبيرات عبر المساجد في المدن التركية، التركيز على وصف الأكراد بأنّهم علمانيون كفّار، فيما ترددت معلومات من مصادر متعددة حول مشاركة "خلايا جهادية إسلامية" إلى جانب الجيش التركي في مناطق تل أبيض، وفصائل من الجيش السوري الحر، الذي يتولى غالبية المهمات البرية في عملية "نبع السلام".

اقرأ أيضاً: هل أنعش العدوان التركي تنظيم داعش الإرهابي؟
ثانياً:
مستقبل داعش أصبح ضمن الأوراق التي تملكها قوات سوريا الديمقراطية "مؤقتاً"، وتلوّح بها بحجة عدم قدرة كوادر قوات سوريا الديمقراطية على تأمين حماية السجون والمخيمات التي يقبع فيها كوادر داعش وعناصرهم، وأنّها ستكون مضطرة لفتح تلك السجون في حال استمرار الهجوم التركي، وأعلنت أنّ القصف التركي أصاب جزءاً من سجن لعناصر داعش في الحسكة، بالتزامن مع حركة تمرد من قبل نساء داعش.
ثالثاً: القيادة التركية تدرك أهمية ملف "داعش"، وهي تجتاح مناطق شرق الفرات، وتتعامل مع هذا الملف على أساس أنّ التنظيم حليف لتركيا في معاركها ضدّ الأكراد، وورقة جديدة لا تقلّ أهميتها عن ورقة اللاجئين السوريين، التي رفعها الرئيس أردوغان بوجه الأوروبيين، على خلفية موقفهم من عملية "نبع السلام" بالتهديد بفتح حدود تركيا أمام السوريين للدخول إلى أوروبا، على غرار ما تمّ قبل أعوام.

رابعاً: تتعدّد سيناريوهات مستقبل تنظيم داعش ما بين إعادة إحياء التنظيم وممارسته نشاطاته في سوريا أو العراق، أو عودة كوادره لبلادهم، بإجبار دولهم على التعامل معهم، مع ما يتضمنه هذا السيناريو من مخاطر إعادة تشكيل تنظيمات جهادية في بلادهم على غرار تنظيمات "الأفغان العرب"، أو إقامة محاكم دولية لهم على الأراضي السورية، فإنّ الحقيقة الثابتة التي تشكل قاسماً مشتركاً لكلّ تلك السيناريوهات؛ هي أنّ تركيا ستملك ورقة جديدة ذات أهمية قصوى، وستكون أنشطة داعش، في سوريا والعراق، وحتى مخططاتها لتنفيذ عمليات في الدول الأوروبية، ذات صلة "مباشرة أو غير مباشرة" بالقيادة التركية، وبصورة أخطر بكثير من تلك التي يمارسها الحرس الثوري الإيراني، في عملياته التي تنفَّذ بالإقليم وفي دول أوروبية وآسيوية، وقد تردّدت معلومات حول احتمالات قيام تركيا بنقل مقاتلي داعش إلى مناطق تخوض فيها صراعات، من خلال وكلاء في ليبيا وسيناء، وربما في العراق واليمن.

تشكّل الخلافة الإسلامية التي يطرحها التنظيم قاسماً مشتركاً مع اتجاهات أردوغان المعلنة الهادفة لاستعادة الخلافة العثمانية الجديدة

خامساً: الإدانة الأوروبية الشديدة، خاصّة الفرنسية، للعدوان التركي على شمال شرق سوريا، ترتبط بالعديد من أسباب الخلاف مع القيادة التركية، إلا أنّ أهمّها هو مصير ومستقبل عناصر "داعش"، ممّن يحملون جنسيات أوروبية، وتحويلهم إلى ورقة "ابتزاز" بيد الرئيس أردوغان، خاصة أنّ أوروبا عانت عبر العديد من العمليات التي نفذها تنظيم داعش في بلجيكا وفرنسا، من قبل عناصر عائدة، سبق وشاركت في القتال مع التنظيم واكتسبت خبرات قتالية هناك.
وفي الخلاصة؛ إذا كان من غير المضمون أن يحقّق الرئيس أردوغان كافة أهدافه من عملية "نبع السلام"، على المستويَين؛ الداخلي والخارجي، إلا أنّ المرجَّح أنّه سيمتلك ورقة "ابتزاز" جديدة يلوّح بها أمام خصومه، خاصة الأوروبيين، وهي ورقة داعش، مع بقاء السؤال معلقاً حول ما إذا كان "داعش" سيستفيد من دروس علاقة أردوغان بتنظيم القاعدة في إدلب والتخلي عن التنظيم، بعد انتهاء صلاحية استخدامه؟

للمشاركة:

بوتين: على اتصال دائم مع قيادة الإمارات وأتفهّم قلق الرياض وأبوظبي

2019-10-13

دعا الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إلى حوار بين الرياض وأبوظبي من جهة وإيران من جهة أخرى، معرباً عن تفهّمه لقلق الإمارات والسعودية حيال إيران، مؤكداً أنّه يدعم ديناميكية إيجابية لحل الخلافات عبر الحوار، وأنّ موسكو يمكن أن تساعد في هذا الاتجاه.

بوتين: يجب إجراء حوار مع إيران لحل الأزمات في المنطقة، وأشارك السعودية والإمارات قلقهما من طهران

جاءت أقوال بوتين عشية زيارته إلى السعودية والإمارات؛ حيث أدلى بحديث مطول مشترك لقناة RT الناطقة بالعربية وقناتي "سكاي نيوز عربية" و"العربية". وأعلن الكرملين أنّ الرئيس فلاديمير بوتين سيزور السعودية والإمارات يومي 14 و15 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري على التوالي.
وأفادت قناة "روسيا اليوم"، على موقعها الإلكتروني، بأنّ بوتين أجاب خلال اللقاء، الذي استمر أكثر من ساعة، عن تساؤلات تتعلق بأجندة الزيارة الاقتصادية والسياسية، وموقف موسكو من الأحداث المتسارعة والتوترات في منطقة الخليج والشرق الأوسط، وسبل حلها. وستبثّ المقابلة كاملة اليوم.
دعا الرئيس الروسي إلى حوار بين الرياض وأبوظبي من جهة وإيران من جهة أخرى

مغادرة جميع القوات الأجنبية في سوريا
وذكرت قناة "سكاي نيوز عربية" على موقعها الإلكتروني، أنّ بوتين دعا في المقابلة جميع القوات الأجنبية الموجودة في سوريا بشكل غير شرعي، إلى مغادرتها، مؤكداً ضرورة استعادة وحدة الأراضي السورية.
وأضاف: "هذا ينطبق بشكل عام على جميع الدول، إذا كانت القيادة المستقبلية؛ أي القيادة الشرعية لسوريا، ستقول إنّها لم تعد بحاجة لوجود القوات المسلحة الروسية، فهذا ينطبق بالطبع على روسيا الاتحادية أيضاً".
وأشار الرئيس الروسي، كما نقلت "سكاي نيوز عربية"، إلى أنّه ناقش هذه المسألة مع "زملائه"، قائلاً: "أناقش اليوم هذه المسألة بصراحة تامة مع جميع شركائنا مع الإيرانيين والأتراك. وقد تحدثنا مراراً وتكراراً عن ذلك مع شركائنا الأمريكيين. تحدثت بصراحة مع زملائي، يجب تحرير أراضي سوريا من الوجود العسكري الأجنبي، ويجب استعادة وحدة الأراضي العربية السورية بالكامل".

بوتين: الإمارات تسهم بدور مهم في حل أزمات المنطقة وتلعب من دون أي مبالغة دوراً يعزز الاستقرار

وفيما يتعلق بالأزمات القائمة مع إيران في المنطقة، اعتبر بوتين أنّه لا بد من إجراء حوار مع إيران "لحل الأزمات في المنطقة"، معرباً في الوقت نفسه عن تفهمه لقلق المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، من الأحداث التي تدور في المنطقة.
واستطرد قائلاً: "مثل هذه القوة الكبيرة؛ أي إيران، الموجودة على الأرض منذ آلاف السنين، لا يمكن إلا أن تكون لهم مصالحهم الخاصة ويجب أن يعاملوا باحترام. من الضروري إجراء حوار؛ إذ من دون الحوار لا يمكن على الإطلاق حل ولو مشكلة واحدة".
وتابع: "أتصور أنّ بإمكاني أن أشارك دولة الإمارات العربية والمتحدة، والمملكة العربية السعودية، في مخاوفهما وقلقهما، (...)، أما بالنسبة لروسيا فسنبذل قصارى جهدنا لتهيئة الظروف اللازمة لمثل هذه الديناميكية الإيجابية، وأظن أنّ لدى روسيا علاقات جيدة مع إيران، وعلاقات جيدة كذلك مع أصدقائنا العرب".
بوتين: "الإمارات تسهم بدور مهم في حل أزمات المنطقة"
وعلّق الرئيس الروسي، في حديثه مع "روسيا اليوم" و"سكاي نيوز عربية" و"العربية"، على الدور الذي تلعبه دولة الإمارات في المنطقة، وإسهامها في حل الأزمات وتعزيز الاستقرار.
وقال: "الإمارات طبعاً تسهم بدور مهم في حل أزمات المنطقة، وتلعب، من دون أي مبالغة، دوراً يعزز الاستقرار. لن أكشف سراً كبيراً إذا قلت إننا على اتصال دائم مع قيادة الإمارات؛ بل ونشأت لدينا تقاليد وممارسات معينة، فلدينا إمكانية ضبط ساعات نشاطنا على توقيت واحد في اتجاهات وقضايا مختلفة، ونقوم بذلك، كما أرى ما فيه فائدة كبيرة ليس لكلا الطرفين فحسب، بل للمنطقة بأسرها".

اقرأ أيضاً: زيارة بوتين السعودية.. أجندة واقعية لا تشمل إحداث "طلاق" مع طهران
ومن المقرر أن يسافر بوتين بعد غدٍ إلى الإمارات العربية المتحدة؛ حيث ترغب روسيا في زيادة استثماراتها المشتركة مع هذا البلد من 2.3 مليار دولار إلى 7 مليارات دولار، حسب أوشاكوف.
وتأتي زيارة بوتين إلى الإمارات، في إطار الشراكة الإستراتيجية التي وقعها البلدان خلال شهر حزيران (يونيو) العام الماضي، لتعزيز التعاون والتنسيق المشترك في مختلف القطاعات الحيوية. والإمارات أول بلد عربي يوقّع مع روسيا اتفاق شراكة إستراتيجية.

بوتين: إنّ العلاقات مع السعودية في السنوات الأخيرة تطورت بشكل كبير

30 وثيقة مع السعودية
وعلى صعيد العلاقات التي تجمع روسيا بالمملكة العربية السعودية، قال بوتين، إنّ العلاقات مع السعودية في السنوات الأخيرة "تطورت بشكل كبير".
وقال: "فيما يتعلق بزيارة السعودية غداً، فإنّنا نوليها أهمية كبيرة، وهي بمعنى ما، رد للزيارة التي قام بها إلى روسيا عاهل المملكة العربية السعودية خادم الحرمين الشريفين، وكانت تلك أول زيارة تاريخية، ونحن في حقيقة الأمر نصفها بالتاريخية، وهي كذلك فعلاً".

سجل العام 2017 زيارة هي الأولى لملك سعودي إلى روسيا وقد قام بها الملك سلمان بن عبد العزيز

وكان الرئيس الروسي قد زار السعودية آخر مرة قبل 12 عاماً، فيما سجل العام 2017 زيارة هي الأولى لملك سعودي إلى روسيا، وقد قام بها الملك سلمان بن عبد العزيز.
ونوّه الرئيس الروسي إلى أنّ "العلاقات بين السعودية والاتحاد السوفييتي في العهد السوفييتي كانت على مستوى منخفض بقدر ملحوظ"، وأضاف: "خلال السنوات الأخيرة تغيرت نوعية علاقاتنا تغيراً جذرياً. نحن ننظر للمملكة كدولة صديقة لنا، ونشأت لدي علاقات طيبة مع الملك ومع الأمير ولي العهد، وعلاقتنا تتطور عملياً في الاتجاهات كافة".
من جانبه، قال مساعد الرئيس الروسي، يوري أوشاكوف، إنّ بوتين والعاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز سيناقشان في المقام الأول قضايا التعاون بين البلدين في مجالات، الطاقة والزراعة والصناعة والتعاون العسكري التقني والتبادل الثقافي والإنساني، وإن الزيارة ستشهد توقيع نحو 30 وثيقة واتفاقاً تجارياً، أضخمها اتفاق بنحو ملياري دولار مع صندوق الاستثمارات المباشرة الروسي. كما سيتبادل الجانبان الآراء حول القضايا الدولية والعربية الملحّة مع التركيز على الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتحديداً في سوريا والخليج واليمن وتسوية القضية الفلسطينية.
وسيشارك بوتين إلى جانب ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في اجتماع المجلس الاقتصادي الروسي - السعودي.

للمشاركة:



العدوان التركي يطال قاعدة أمريكية.. ماذا سيكون رد واشنطن؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-13

تداولت وسائل الإعلام التركية والعالمية، أمس، أنباء حول قيام القوات المسلّحة التركية بتوجيه ضربة إلى منطقة تتواجد فيها قوات أمريكية، خلال العملية العسكرية التي تشنها القوات التركية بالتعاون مع قوات الجيش الوطني السوري.

أول تعليق من الجانب الأمريكي، جاء من مبعوث الولايات المتحدة السابق الخاص بداعش، بريت ماكجورك؛ حيث قال: "الاعتداء لم يكن بشكل غير مقصود"، وفق ما أوردت صحيفة "زمان" االتركية.    

ماكجورك: الاعتداء على قاعدة امريكية شمال سوريا لم يكن بشكل غير مقصود لان تركيا تعرف مواقع قواتنا

ونشر ماكجورك تعليقه على الهجوم التركي على القوات الأمريكية، من خلال تغريدات على حسابه على تويتر، قائلًا: "القوات التركية استهدفت نقطة محددة كنقطة عسكرية أمريكية في شمال سورية، وكانت تركيا ووزارة الدفاع ورئاسة هيئة الأركان على علم تام بكافة تفاصيل جميع مواقعنا في شمال سوريا. هذا الاعتداء لم يكن بشكل غير مقصود".

وحذر ماكجورك من أنّ استمرار العملية العسكرية على شمال سوريا يمثل تهديداً وخطراً على العناصر الأمريكية هناك، قائلًا: "هذا الوضع يجبر ترامب على تغيير هذا المسار بشكل سريع أو التخطيط لمخرج آمن من هذا الوضع".

من جهته، أوضح وزير المالية الأمريكي، ستيفن منوتشين، أنّ الرئيس دونالد ترامب وقَّع على مذكرة جديدة قد تفتح الباب لفرض عقوبات على النظام التركي، جراء استمرار عدوانها على شمال سوريا.

وأكد منوتشين أنّ ترامب وقَّع بالفعل على مذكرة القرار التي تعطي صلاحية فرض عقوبات قوية على تركيا، إلا أنه لم يفعّلها حتى الآن، مشيراً إلى أنه سيتم استهداف الاقتصاد التركي من خلالها إذا لزم الأمر.

منوتشين: الرئيس دونالد ترامب وقَّع على مذكرة جديدة قد تفتح الباب لفرض عقوبات على النظام التركي

وقال منوتشين في المؤتمر الصحفي في البيت الأبيض: "إنّ السيد الرئيس قلق فيما يتعلق باستهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية والأقليات الدينية في العدوان التركي، كما أنه يؤكد لتركيا على ضرورة ألا يهرب ولو عنصر واحد من عناصر تنظيم داعش. ومع أنه لم يتم تفعيل العقوبات على تركيا الآن، ولكن كما قال الرئيس فقد منح تفويضاً مهماً للغاية لتوقيع عقوبات قوية على الاقتصاد التركي".

يشار إلى أنّ هذه العقوبات تتضمن تجميد ممتلكات كبار المسؤولين في الولايات المتحدة، وعلى رأسهم الرئيس أردوغان وصهره وزير المالية برات ألبيراق، ووزير الدفاع الحالي رئيس الأركان السابق خلوصي أكار.

 

 

للمشاركة:

قوات الاحتلال الإسرائيلي تشنّ حملة اعتقالات.. في هذه المدن

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-13

اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي، فجر اليوم، حي الطيرة في مدينة رام الله، ووقعت مواجهات مع الشبان الفلسطينيين قبل أن تنسحب في ساعات الصباح .

اقتحمت قوات الاحتلال الاسرائيلي مدينة رام الله وطولكرم واعتقلت فلسطينيين إطلاق نار على مستوطنين

وأفادت مصادر محلية، نقلت عنهم وكالة "معاً"؛ بأنّ قوات كبيرة داهمت منزل والدة الأسير سامر العرابيد في حي الطيرة، والذي تتهمه قوات الاحتلال بالمسؤولة عن عملية عين بونين، التي أسفرت عن مقتل مستوطنة قبل شهرين تقريباً .

كما اقتحمت قوات الاحتلال منزل الأسير أحمد محمد عبد الصمد في عنبتا، قضاء طولكرم، والذي تم اعتقاله أمس، ومصادرة مركبة والده، واعتقلت أيضاً  شابين منها، دون توضيح سبب الاعتقالات.

وكانت قوات الاحتلال قد أعلنت، ليلة السبت، عن عملية إطلاق نار تجاه سيارة للمستوطنين قرب مستوطنة "حفات جلعاد"، غرب نابلس، دون وقوع إصابات، وإثر ذلك؛ قامت قوات الاحتلال بإغلاق عدد من الحواجز غرب مدينة نابلس.

في سياق منفصل؛ أعلنت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، اليوم، اعتزامها بناء 251 وحدة سكنية استيطانية، ومصادرة عشرات الدونمات من أراضي محافظة بيت لحم.

وقال مدير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في بيت لحم، حسن بريجية: إنّ "ما يسمى "مجلس التخطيط والبناء ومجلس مستوطات عصيون" أقرّ مخططاً لبناء 251 وحدة استيطانية، منها 146 في مجمع "غوش عصيون" الاستيطاني جنوب بيت لحم، و 10٥ وحدات في مستوطنة "كفار الداد" شرقاً".

سلطات الاحتلال تعلن اعتزامها بناء 251 وحدة سكنية ومصادرة أراضٍ في محافظة بيت لحم

وفي السياق، استولت سلطات الاحتلال الإسرائيلي على مساحات واسعة من أراضي بلدة نحالين، غرب بيت لحم، لصالح توسيع مستوطنة "ألون شفوت" على حسابها.

وأشار بريجية إلى أنّ قرار الاستيلاء طال عشرات الدونمات من أراضي الحوض الطبيعي رقم (4) التابعة للبلدة، لغرض بناء وحدات استيطانية جديدة داخل المستوطنة المذكورة.

 

للمشاركة:

الإمارات تطلق حملة إغاثة جديدة باليمن.. تفاصيل

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-13

أطلقت دولة الإمارات حملة إغاثة لمخيمات النازحين في محافظة عدن، وذلك ضمن حملة الاستجابة العاجلة التي تنفذها في المحافظات اليمنية المحررة .

وقامت فرق الإغاثة الإنسانية التابعة لهيئة الهلال الأحمر الإماراتي بتوزيع المساعدات الغذائية والخيام على النازحين في المخيمات، والبالغ عددهم 1400 أسرة، موزعين على 14 مخيماً في مختلف مديريات محافظة عدن، وفق وكالة "وام".

دولة الإمارات تسيّر قوافل مساعدات غذائية وإغاثية إلى محافظتَي عدن والحديدة

كما واصلت هيئة الهلال الأحمر الإماراتي توزيع المساعدات الغذائية على المحتاجين والنازحين في الساحل الغربي اليمني، ضمن برامجها الهادفة لتخفيف المعاناة عن كاهل الأشقاء اليمنيين، وتطبيع الحياة في مناطقهم.

وسيّرت الهيئة، خلال الأسبوع الماضي، قوافل مساعدات غذائية جديدة، لنحو ثلاثة آلاف أسرة في مدينة ومحافظة الحديدة.

وعبّر المستفيدون في محافظة عدن وأهالي الحديدة عن تقديرهم لهذا الدعم الذي تقدمه دولة الإمارات عبر ذراعها الإنسانية "هيئة الهلال الأحمر الإماراتي" لمخيمات النازحين.

يذكر أنّ دولة الإمارات قدّمت للشعب اليمني، منذ نيسان (أبريل) 2015 حتى حزيران (يونيو) 2019، مساعدات تقدر بـ (5.59 مليارات دولار أمريكي)، ثلثا المساعدات خصصت للمشاريع التنموية، واستفاد من إجمالي الدعم الإماراتي 17,2 مليون يمني، يتوزعون على 12 محافظة.

 

للمشاركة:



قراءة في مراجعات "الإخوان"

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-13

هاني سالم مسهور

تسعة عقود مرت منذ أن أسس حسن البنا جماعة «الإخوان»، التي لم تخرج من دائرة ما تقول إنه ثوابتها، حتى وهي تتلقى الضربات العنيفة في مسيرتها. لم يتغير سلوك الجماعة وهي ترى إعدام سيد قطب عام 1966 حتى وإن غيرت من تكتيكها الحركي بعد نكسة 1967، وظلت دائرة الحركة واحدة، وإن تغيرت بعض من حركة أطرافها في سياق مرتبط بمدى ما يفرضه النظام السياسي من قوة في التعامل معها.
الجماعة، التي تعرف كيف تحقق مكاسبها، تجد متنفسها من خلال ما يتوفر لها من أنظمة حكم سياسية، إما في التراخي، أو من خلال التحالف لتقاطع المصالح، وهذا ما يمكن الإشارة إليه بعد تمكن التنظيم من الإمساك بالدولة السودانية في 1989 كمدخل يعتبر الأهم في تاريخ الجماعة، بعد انسداد كل الآفاق الممكنة في مصر خصوصاً. وفي السودان كان اللافت أن الجماعة التي قدمت نفسها كبديل للدولة الوطنية بعد غزو العراق للكويت عام 1990 بعقد «المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي» عام 1991، وقدمت آنذاك إطاراً واضحاً لمفهومها حول الدولة الوطنية واستبدالها بالخلافة الإسلامية، بعد أن أظهرت جانباً كان لسنوات بعيدة مجهولاً عندما شاركت إيران في ذلك المؤتمر، وأفرز أكثر من مجرد تقارب بين أهداف «الإخوان» وإيران.
في مفهوم جماعة «الإخوان» لا مكان للمراجعات، حتى وإنْ تم إظهارها من خلال أفراد منتمين إليها فكرياً أو حتى تنظيمياً، فبالعودة إلى ما بعد مؤتمر الخرطوم عام 1991 لا توجد مراجعات نقدية لذلك التقارب مع إيران، برغم الاختلاف الأيديولوجي بين طرفي المعادلة، فـ«الإخوان» يمثلون الشق السُني، بينما الإيرانيون يمثلون الشق الشيعي، ومع ذلك لم تظهر مراجعات نقدية، بل كانت فترة يمكن أن توصف بأنها مزدهرة بالكم الهائل من الكتب والدراسات، التي قدمت في نطاق الدفع بالقوة العسكرية، التي كانت محصورة بين «حزب الله» اللبناني وجماعة «حماس» الفلسطينية.
نشأ تنظيم «القاعدة في جزيرة العرب» في هذا السياق مدفوعاً بالكم الهائل من التنظيرات الداعمة لوجوده كذراع عسكري كان الأكثر شراسة، وهذا هو سياق طبيعي، فهو خرج من جلباب أحد أكثر المتشددين في جماعة «الإخوان» عبدالله عزام وتلميذه، أسامة بن لادن، هذا النفور في السطوة وما تعرضت له الدول العربية من ضربات، خاصة السعودية ومصر خلال التسعينيات الميلادية، وما بعدها كان خلفه حواضن مخفية لعبت فيه أنظمة عربية أدواراً لتصاعد تلك التنظيمات، كانت توفر لأدواته التي تصاعدت بعد هجمات 11 سبتمبر 2001.
وحتى 2011 لم يكن للمراجعات «الإخوانية» ظهور بالشكل الذي يمكن الإشارة إليه، خاصة أن حاضناً مهماً للجماعة كان قد ظهر في المشهد باستقطاب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، اللاعب الأكثر حيوية فيما يسمى «الربيع العربي»، وبسقوط نظام الحكم المصري وصعود «الإخوان»، كانت الجماعة قد استحكمت قوتها وحققت الجزء الأكبر من مشروعها، فبالنظرة العامة للخريطة العربية آنذاك، كان التنظيم قد استحوذ على مصر واليمن وليبيا، تاركاً لإيران تحكمها في «الهلال الشيعي» الممتد من العراق وحتى ولبنان، مروراً بالأراضي السورية.
لم تكن ثورة يونيو 2013 المصرية كافية بالنسبة لجماعة «الإخوان» كي تغير أفكارها، فلقد كانت اليمن وتونس ما زالتا بقبضتهم، وإنْ خرج بعض أفرادها تحت ضغط اللحظة قد حاول التخلص من تبعات الزلزال الذي ضرب الجماعة والتنظيم معاً. والمراجعات الفردية هي تكتيك لامتصاص الضربات القوية، وهذا ليس نهج «الإخوان» وحدهم، فحتى السلفية الجهادية استخدمته بعد اغتيال الرئيس المصري أنور السادات أوائل الثمانينيات الميلادية من القرن العشرين الماضي، فالقناعات الراسخة تبقى مستمدة من أصول هذه الجماعات لتحقيق أهدافها بالوصول إلى السلطة وتدمير الدول الوطنية العربية.
ولتأكيد أن المراجعات هي تكتيك مرحلي، فإن ما صدر عن حزب «التجمع اليمني للإصلاح» ممثلاً في «الإخوان» في اليمن، كان أكثر المراجعات هزلية بعد انطلاق «عاصفة الحزم» عام 2015، فكان الإعلان عن المراجعات ضرورة، سرعان ما تبددت بعد أن استعاد «حزب الإصلاح» قوته العسكرية ليعود لممارسة نشاطاته، ويفرض أجندته السياسية كلاعب في المشهد اليمني، بل كواحد من اللاعبين في المحور التركي، وهو ما تؤكده مواقف كوادر حزب «الإصلاح».
ما تعرضت له مصر في الثلث الأخير من 2019 وسبقتها اليمن وتونس عبر حركة «النهضة»، يعزز مسألة أساسية في أن المراجعات لجماعات الإسلام السياسي تبقى مجردة من محتواها الفعلي، ولا تنعكس على التأثير العميق لرؤيتها وأهدافها، فهي تظل ورقة تستخدم عبر الأفراد، حتى وإنْ كانوا ضمن التشكيل العميق للجماعة، التي تجيد تسويق هذه المراجعات عبر المنافذ الإعلامية، ولكنها تظل في واقعها قادرة على الانتقال لمرحلة مواجهة أخرى، خاصة أنها تجد من الفراغات المتاحة في دول عربية متعددة فيها من الاختلالات ما يجعل منها حواضن للتنظيم سياسياً وعسكرياً، وقبل ذلك فكرياً.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

صُنّاع "داعش" يقطفون الثمار

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-13

حسن مدن

ملف «داعش» لم يُطوَ بعد، رغم الهزائم التي مُني بها في سوريا والعراق، وما لحق به من خسائر. هذا الملف لم يوجد لِيُطوى، إنما ليظل مفتوحاً حتى يجني كامل الثمار من صَنَعَ هذا التنظيم ومَوَّلَه وسلَّحَه ووفَّر له ما يحتاج من معلومات استخباراتية ضرورية، حتى يستقطب في صفوفه الآلاف المؤلفة من المقاتلين الذين تدفقوا إلى أماكن سيطرته عبر البوابات المعروفة، وفي مقدمتها تركيا بالذات.
خبر تكرّر بثه خلال اليومين الماضيين عن أن سجناً يضم المئات من مقاتلي «داعش» الأسرى، هو سجن «جركين» بالقرب من مدينة القامشلي السورية استهدفته المدفعية التركية، وحسب مصدر كردي فإن تكرار القصف على السجن يدلل على أن تركيا تسعى إلى إعادة إحياء «داعش» في المنطقة مجدداً، وحذّر المصدر نفسه من إمكانية هروب مسلحي «داعش» من السجون.
أكثر من ذلك تقول أنباء إن هناك تنسيقاً واضحاً بين تركيا ومسلحي «داعش» الذين ما زالوا موجودين في المنطقة على شكل خلايا نائمة تتجهز لمهاجمة مواقع «قسد» من الخلف، ولا غرابة في ذلك، فالكثير من هؤلاء إنما عبروا الحدود إلى سوريا عبر تركيا، التي لولا ما وفّرته لهم من تسهيلات ما كانت أقدامهم قد دنّست الأرض السورية.
لا مفاجأة في هذا. ينبغي ألا تكون هناك مفاجأة إذا ما استعدنا الوقائع حول مقدمات وخلفيات ومجريات ومرامي صنع هذا التنظيم الإرهابي، ليكون قاطرة لتفتيت الأوطان العربية، لتصبح ساحة نفوذ للقوى الإقليمية المتربصة، وما العدوان التركي الأخير على الأراضي السورية إلاّ أحد تجليات ما أرادت هذه القوى أن تقطفه من ثمارٍ جلبها لها هذا التنظيم.
ليست معركة ضد حزب العمال الكردستاني في شمال شرقي سوريا تلك الجارية الآن، حتى لو كان مقاتلو الحزب مستهدفين لتسهيل تقدّم القوات الغازية في الأراضي السورية. هدف المعركة أكبر وأوسع، وهو اقتطاع أجزاء واسعة من سوريا وضمّها بحكم سياسة الأمر الواقع إلى تركيا، بالاستعانة بأذرع سوريّة جرى تسليحها تركيّاً، للمضي بالخطة حتى نهايتها.
سيقول قائلون، وفي قولهم الكثير من الوجاهة، نحن العرب، من ربّينا «داعش» من خلال ما يحمله الكثير من مناهجنا التعليمية من تكفير وتسفيه لحرية الرأي وقمع للاجتهاد الحر، ومن خلال ما نشره بعض من يوصفون بالدعاة ممن حرّضوا الشباب على التهلكة بأنفسهم، فجرى تسليمهم للقوى والمحاور التي وظفتهم شرّ توظيف، وها هي تقطف اليوم الثمار، الواحدة تلو الأخرى.

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:

من هو حسن البنا "الساعاتي" مؤسس جماعة الإخوان المسلمين؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-13

منذ سنوات وجماعة الإخوان المسلمين تعيش أزمة قد تكون هي الأصعب في تاريخها الذي يبلغ 91 عاماً.

وتعتبر جماعة الإخوان المسلمين، التي أسسها حسن البنا، واحدة من أقدم التنظيمات الإسلامية في مصر وأكبرها، كما أن لها تأثيرا على الحركات الإسلامية في العالم، وذلك بما تتميز به من ربط عملها السياسي بالعمل الإسلامي الخيري.

وكانت الجماعة تهدف في البداية لنشر القيم الإسلامية والعمل الخيري، إلا أنها سرعان ما انخرطت في العمل السياسي، وخاصة في كفاحها لرفع سيطرة الاستعمار الإنجليزي عن مصر، ومحو كل أشكال التأثير الغربي عليها.

ومع أن الإخوان يقولون إنهم يدعمون مبادئ الديمقراطية، إلا أن أحد أهداف الجماعة التي أعلنتها يتمثل في إقامة دولة تحكمها الشريعة الإسلامية، ويتمثل ذلك أيضا في شعارها الشهير "الإسلام هو الحل".

فمن هو حسن البنا مؤسس الجماعة؟
في مثل هذا الوقت من عام 1906 ولد مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن أحمد عبد الرحمن البنا في المحمودية بمحافظة البحيرة بمصر لأسرة ريفية، ولقب بالساعاتي لأنه عمل في فترة من حياته في إصلاح الساعات.

وفي عام 1923 التحق بمدرسة دار العلوم وتخرج مدرسا في القاهرة، وفي عام 1927 انتقل للعمل بمدرسة ابتدائية بمدينة الإسماعيلية التي كانت مركزا للنفوذ الأجنبي سواء من الجانب الاقتصادي أو العسكري.

وقد شهدت تلك الفترة انهيار دولة الدولة العثمانية في تركيا، وفي مارس/آذار عام 1928 قام وستة من العاملين بمعسكر العمل البريطاني بتأسيس جماعة الإخوان المسلمين بهدف تجديد الإسلام، وذلك بحسب دائرة المعارف البريطانية.

وقد افتتحت الجماعة أفرعا لها في جميع أنحاء الدولة المصرية، وكان كل فرع يدير مسجداً ومدرسة وناديا رياضيا، وسرعان ما انتشرت عضويتها.

وفي ثلاثينيات القرن العشرين نقل البنا إلى القاهرة بناء على طلبه، وبحلول الحرب العالمية الثانية نمت الجماعة بشكل الكبير بشكل جعلها عنصرا فاعلا في المشهد المصري وجذبت عددا كبيرا من الطلبة والموظفين والعمال.

وكان العديد من هؤلاء ينظرون للحكومة المصرية باعتبارها خائنة للقضية الوطنية.

وفي أواخر الأربعينيات من القرن الماضي، انتشرت أفكار الجماعة في ربوع مصر وفي جميع أنحاء العالم العربي.

وفي الوقت نفسه، أسس البنا جناحا شبه عسكري -وهو الجهاز السري الخاص بجماعة الإخوان- بهدف محاربة الحكم الإنجليزي، والمشاركة بواحدة من حملات التفجيرات والاغتيالات.

وفي أواخر عام 1948، قامت الحكومة المصرية بحل الجماعة بعد أن أصبحت تشكل تهديدا للمصالح البريطانية واتهمت باغتيال رئيس الوزراء المصري آنذاك، محمود باشا النقراشي.

وعلى الرغم من أن البنا أعرب عن رفضه لذلك الاغتيال، إلا أنه اغتيل بطلق ناري من قبل أحد المسلحين، ويعتقد أنه أحد أفراد قوات الأمن في فبراير/شباط عام 1949.

إخوان ما بعد البنا
وفي عام 1952، انتهى الوجود الاستعماري البريطاني في أعقاب انقلاب عسكري قادته مجموعة من ضباط الجيش، أطلقوا على أنفسهم اسم مجموعة "الضباط الأحرار".

ولعب الإخوان في ذلك الوقت دورا داعما لذلك الانقلاب وتعاونوا مع الحكومة الجديدة. وكان أنور السادات، وهو أحد أولئك الضباط والذي أصبح رئيسا للبلاد عام 1970، هو حلقة الوصل السرية بين الضباط والجماعة، إلا أن العلاقات سرعان ما توترت بينهم.

وفي أعقاب فشل محاولة اغتيال الرئيس المصري جمال عبد الناصر عام 1954، وجهت تهمة محاولة الاغتيال إلى الجماعة، وجرى حظرها، وأودع الآلاف من أعضائها في السجون إلا أن الجماعة أخذت في التوسع بشكل سري.

وأدى ذلك الصراع بين الجماعة والسلطة المصرية إلى إحداث تحول هام في فكر الإخوان، الذي كان واضحا في كتابات سيد قطب أحد أعضاء الجماعة ومفكريها المشهورين، حيث كان قطب يؤيد فكرة الجهاد ضد المجتمعات التي كان يعتبرها "جاهلية".

وكانت كتاباته، وخاصة ما كتبه عام 1964 في كتابه "معالم في الطريق"، مصدر إلهام لمؤسسي العديد من الجماعات الإسلامية الأصولية، بما فيها جماعة الجهاد الإسلامي وتنظيم القاعدة.

وشهد عام 1965 ممارسات جديدة من قبل الحكومة المصرية ضد جماعة الإخوان، بما في ذلك إعدام قطب في عام 1966، وهو ما جعل الكثير من الناس في منطقة الشرق الأوسط يعتبرونه شهيدا.

أكبر قوة معارضة
وخلال ثمانينيات القرن الماضي، حاول الإخوان مرة أخرى المشاركة في التيار السياسي الرئيسي في البلاد.

وقامت قياداتها المتتابعة بتشكيل تحالفات مع حزب الوفد في عام 1984، كما تحالفوا أيضا مع حزب العمل والأحزاب الليبرالية عام 1987، ليصبحوا أكبر القوى المعارضة في مصر. وفي عام 2000، ربح الإخوان 17 مقعدا في مجلس الشعب المصري.

وبعد خمسة أعوام، حققت الجماعة أفضل نتيجة لها في الانتخابات، حيث فاز مرشحوها المستقلون بنسبة 20 في المئة من مقاعد المجلس.

وجاءت تلك النتيجة صادمة للرئيس المصري آنذاك، حسني مبارك، وبدأت الحكومة المصرية في ذلك الوقت بممارسات قمعية جديدة على الجماعة.

وفي أول انتخابات برلمانية جرت بعد الإطاحة بمبارك في فبراير/شباط عام 2011، فاز حزب الحرية والعدالة الذي كان الإخوان قد أسسوه بما يقرب من نصف المقاعد في مجلس النواب.

وفي عام 2012، أصبح محمد مرسي، رئيس حزب الحرية والعدالة آنذاك، رئيس جمهورية مصر العربية.

وبدأت المعارضة الشعبية لمرسي وجماعة الإخوان تتشكل في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2012. ليجري لاحقاً عزل مرسي واعلان انتهاء حكم الإخوان.

عن "بي بي سي"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية