مضامين التفاهم التركي-الأمريكي حول المنطقة الآمنة وتداعياته

رغم التهديدات المكثّفة والمتواصلة التي أطلقتها القيادة التركية، بشنّ هجوم واسع على أكراد شمال شرق سوريا، بالتزامن مع إرسال تعزيزات عسكرية ضخمة إلى المنطقة؛ بحجّة القضاء على الإرهاب، وفق التعريف التركي للإرهاب، وإقامة منطقة آمنة فيها، تستوعب ملايين اللاجئين السوريين، الذين بدأت تركيا بإ

اعتاد أردوغان إطلاق تهديداته بشأن سوريا بوصفها ورقة ضغط يمكن من خلالها تحقيق مكاسب في حساباته الداخلية

جراءات "طردهم" إلى سوريا، إلا أنّه، وبعد ثلاثة أيام من مباحثات مكثفة بين مبعوثين أمريكيين ووزارة الدفاع التركية في أنقرة، تمّ التوصّل إلى اتفاق بإقامة مركز عمليات مشترك "أمريكي تركي" لإدارة وإنشاء المنطقة الآمنة.
لقد كان واضحاً، منذ بداية التصعيد التركي على الحدود شمال شرق سوريا، أنّ احتمالات تنفيذ القيادة التركية لتهديداتها تبدو ضعيفة جداً، خاصّة أنّها تهديدات متكررة يطلقها الرئيس أردوغان، بوصفها ورقة ضغط، يمكن من خلالها تحقيق مكاسب في حساباته الداخلية وتصاعد خلافاته مع المعارضة، والضغوط الخارجية التي يتعرض لها، خاصّة من قبل الولايات المتحدة، التي لم تتأخّر عن إرسال رسالة حازمة لأردوغان، باستمرار حمايتها للأكراد في شرق الفرات، بإرسال تعزيزات عسكرية ضخمة جداً لهم، تزامنت مع بدء المفاوضات في أنقرة قبل يومين، وربما أسهمت تلك التعزيزات في قبول تركيا بالصيغة التي تمّ التوافق عليها والإعلان عنها.

اقرأ أيضاً: تركيا وشرق الفرات: ابتلاع الأراضي السورية بذريعة المناطق الآمنة
قبل يومين، كانت التسريبات تشير إلى أنّ تركيا متمسكة بمواقفها تجاه المنطقة الآمنة، والمتمثلة بعمق المنطقة الآمنة، التي تصل إلى حوالي 32 كم، داخل الأراضي السورية؛ أن تكون إدارتها تركية خالصة، دون مشاركة أيّ طرف، وإبعاد الفصائل الكردية ضمن تلك المسافة، وهو ما لم يقبل به الأكراد والأمريكيون، الذين يدركون أهداف القيادة التركية من هذه الخطوة.
"التفاهم" الذي تمّ التوصل إليه، وأعلن عنه من قبل أنقرة، أمس، لا يشير إلى أنّ القيادة التركية حقّقت الحدّ الأدنى من شروطها وأهدافها من إثارة هذه القضية، بالاتفاق على "إنشاء مركز عمليات مشترك في تركيا خلال أقرب وقت لتنسيق وإدارة إنشاء المنطقة الآمنة، وجعل المنطقة الآمنة ممرَّ سلام، واتخاذ كلّ التدابير الإضافية لضمان عودة السوريين إلى بلادهم".

اقرأ أيضاً: تركيا متّهمة بتقويض الأمن في البحر المتوسط.. ماذا فعلت؟
ووفق هذا الإعلان فإنّ الاتفاق يعني تجميد أو وقف التوجهات التركية لشنّ عملية عسكرية "واسعة أو محدودة" في مناطق الأكراد، شمال سوريا، ثم إنّ عبارة "في أقرب وقت" لا تشير إلى فترة زمنية محدَّدة لإقامة مركز العمليات المشترك، فيما مركز العمليات المشترك "الأمريكي-التركي" يأتي خلافاً للمطالب التركية التي كانت تصرّ على أن تكون وحيدة، دون مشاركة أيّ طرف في إنشاء وإدارة المنطقة الآمنة، إضافة إلى تحديد الهدف من المنطقة الآمنة، وهو أن تكون "ممرّ سلام" لعودة السوريين إلى بلادهم، فيما كانت القيادة التركية تتطلع لتكون المنطقة الآمنة، مكان إقامة دائمة للسوريين المطرودين من تركيا، لتحقيق أهدافها البعيدة في التغيير الديموغرافي؛ حيث تصبح مناطق شمال شرق سوريا ذات أغلبية عربية، لا كردية.

خرق اتفاق وقف إطلاق النار بإدلب من قبل القوات الروسية والجيش السوري كان في إطار تقديرات بعدم الثقة بالمواقف التركية

وإذا كانت تسريبات سابقة أشارت إلى احتمالات "صفقة" تركية مع روسيا وإيران والحكومة السورية، يتمّ بموجبها غضّ الطرف عن الإجراءات التركية في شمال شرق سوريا، مقابل وقف دعمها للفصائل الجهادية في إدلب، ما يسهّل استعادة سيطرة الحكومة السورية وحلفائها على إدلب؛ فإنّ الاتفاق التركي الأمريكي بخصوص شمال شرق سوريا، يطرح تساؤلات حول التطورات القادمة في إدلب، وانعكاسات الاتفاق الأمريكي التركي عليها؛ حيث يتوقع أن تبدي الحكومة السورية وحلفاؤها مواقف أكثر حزماً تجاه الدعم التركي للفصائل الجهادية في إدلب، ويبدو أنّ خرق اتفاق وقف إطلاق النار في إدلب، الذي تمّ التوصّل إليه قبل أيام في أستانا، من قبل القوات الروسية والجيش السوري، كان في إطار تقديرات بعدم الثقة بالمواقف التركية، والتي يرجَّح أن تتعزّز في المدى المنظور بمزيد من التصعيد في إدلب وريفَي حلب وحماه، بما يُظهر اتساع الفجوة بين روسيا وتركيا.
ومما يزيد تعقيدات المشهد في إدلب؛ أنّ الفصائل الجهادية، خاصّة هيئة تحرير الشام "القاعدة"، ستتوقف أمام تحالفها مع تركيا، بعد اتفاقها مع أمريكا في شمال شرق سوريا، وبما يجعل مخاوفها من احتمالات أن تقدم تركيا على اتفاق مشابه مع روسيا والحكومة السورية في إدلب مجدداً في استمرار تلك العلاقات، وهو ما يعني خلط الأوراق في إدلب، وإنهاء التأجيل المتكرر لـ "تحرير" إدلب.

الأقسام: