في ذكرى الغياب.. قصائد درويش جرس يذكّر بمآسي العرب

في ذكرى الغياب.. قصائد درويش جرس يذكّر بمآسي العرب
2676
عدد القراءات

2019-08-10

هناء الكحلوت

تحلّ في التاسع من أغسطس، ذكرى وفاة الشاعر الفلسطيني محمود درويش، الذي امتزج شعره بحب الوطن والحبيبة الأنثى بذائقة فريدة، ليطلق العنان لكلماته في قصيدته "درس من كاما سوطرا"، ويقول: "على بركة الماء حول المساء وزَهْر الكُولُونيا.. انتظرها، بصبر الحصان المُعَدِّ لمُنْحَدرات الجبالِ.. انتظرها، بذَوْقِ الأمير الرفيع البديع.. انتظرها، بسبعِ وسائدَ مَحْشُوَّةٍ بالسحابِ الخفيفِ.. انتظرها".

ويصف بإحساس رفيع مليء بالعاطفة الحبّ، ويحنو على وطنه بالتعبير عن حبه له وتمسكه به، ويحذّر من خلاله المحتلّ، قائلاً: "حذار حذار من جوعي ومن غضبي"، فهو شاعر القضية الفلسطينية الذي ارتبط اسمه بشعر الثورة والوطن، وعُدّ من أبرز من أسهم بتطوير الشعر العربي الحديث، وإدخال الرمزية فيه.

ويصدح في شعره قائلاً: "سجّل أنا عربي.." ليسطّر بحروفه صدق انتمائه، ويؤكد أنه سيبقى حُرّاً وحيّاً؛ بحبه لوطنه، وبعدم تنازله عن قضيته، وبرفضه لاحتلال أرضه، وظلم وتهجير شعبه.

درويش كتب وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني، وقرأها الرئيس الراحل ياسر عرفات في الجزائر، بتاريخ 15 نوفمبر 1988، ونصّت الوثيقة على تحقيق استقلال دولة فلسطين على أرض فلسطين، وتحديد القدس عاصمة أبدية لها، والذي أكد من خلال كتاباته أنه "لا ماضي للقلب إلا على أسوار القدس، ولا طريق إلى الغد إلا عبر أزقتها الضيقة، ولا أفق للسلام على أرض الفداء والسلام إلا بإنجاز مشروع الحرية".

حياته
كان درويش عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، وله دواوين شعرية مليئة بالمضامين الحداثية.

ولد عام 1941 في قرية البروة، وهي قرية فلسطينية تقع في الجليل قرب ساحل عكا، حيث كانت أسرته تملك أرضاً هناك، وخرجت أسرته برفقة اللاجئين الفلسطينيين في عام 1948 إلى لبنان، وعادت متسللة عام 1949 بعد توقيع اتفاقيات الهدنة، لتجد القرية مهدمة، وقد أقيمت على أراضيها قرية زراعية إسرائيلية، فعاش مع عائلته في قرية الجديدة.

بعد إنهائه تعليمه الثانوي في مدرسة يني الثانوية في كفرياسيف، انتسب إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وعمل في صحافة الحزب مثل الاتحاد والجديد، وأصبح بعدها مشرفاً على تحريرها، كما اشترك في تحرير صحيفة الفجر.

اكتشاف موهبته وعلاقاته
أسهم في إطلاقه واكتشافه الشاعر والفيلسوف اللبناني روبير غانم، عندما بدأ هذا الأخير ينشر قصائد لمحمود درويش على صفحات الملحق الثقافي لجريدة الأنوار التي كان يرأس تحريرها.

وكان درويش يرتبط بعلاقات صداقة بالعديد من الشعراء؛ منهم محمد الفيتوري من السودان، ونزار قباني من سوريا، وفالح الحجية من العراق، ورعد بندر من العراق، وغيرهم من أفذاذ الأدب في الشرق الأوسط.

وكان له نشاط أدبي ملموس على الساحة الأردنية، فقد كان من أعضاء الشرف في نادي أسرة القلم الثقافي، مع عدد من المثقفين أمثال مقبل مومني، وسميح الشريف، وغيرهم.

الدراسة والعمل
اعتقل درويش من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي مراراً، بدءاً من العام 1961؛ بتهم تتعلق بتصريحاته ونشاطه السياسي، وحتى عام 1972، حيث توجه للاتحاد السوفييتي للدراسة، وانتقل بعدها لاجئاً إلى القاهرة.

وفي ذات العام التحق بمنظمة التحرير الفلسطينية، ثم لبنان، وعمل في مؤسسات النشر والدراسات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، واستقال من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير؛ احتجاجاً على اتفاقية أوسلو.

وفي الفترة الممتدة من عام 1973 إلى عام 1982 عاش في بيروت، وعمل رئيساً لتحرير مجلة شؤون فلسطينية، وأصبح مديراً لمركز أبحاث منظمة التحرير الفلسطينية، قبل أن يؤسس مجلة الكرمل سنة 1981.

وفي عام 1977 بيع من دواوينه العربية أكثر من مليون نسخة، لكن الحرب الأهلية اللبنانية كانت مندلعة بين سنة 1975 وسنة 1991، فترك بيروت سنة 1982، بعد أن غزا الجيش الإسرائيلي بقيادة أرئيل شارون لبنان، وحاصر العاصمة بيروت لشهرين، وطرد منظمة التحرير الفلسطينية منها.

أصبح درويش "منفياً تائهاً"، متنقلاً بين سوريا، وقبرص، والقاهرة، وتونس، إلى باريس.

شغل منصب رئيس رابطة الكتاب والصحفيين الفلسطينيين، وكانت إقامته في باريس قبل عودته إلى وطنه، إذ دخل إلى فلسطين بتصريح لزيارة أمه، وفي فترة وجوده هناك قدم بعض أعضاء الكنيست الإسرائيلي العرب واليهود اقتراحاً بالسماح له بالبقاء، ووافقوا عليه.

مؤلفاته
كانت أول قصائد محمود درويش عندما كان طالباً في المدرسة الابتدائية، ومن أبرز قصائده: سجّل أنا عربي، ووطني ليس حقيبة وأنا لست مسافراً، ولا تعتذر عما فعلت، وصدر له مؤخراً كتاب يجمع بين الشعر والنثر عنوانه أثر الفراشة، وأصدر دواوينه الشعرية ابتداء من عام 1960.

وفاته
توفي درويش في أمريكا 9 أغسطس 2008، بعد إجرائه عملية القلب المفتوح في مركز تكساس الطبي في هيوستن، تكساس.

وأعلن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الحداد 3 أيام في الأراضي الفلسطينية حزناً على وفاة الشاعر الفلسطيني، واصفاً درويش بـ "عاشق فلسطين"، و"رائد المشروع الثقافي الحديث، والقائد الوطني اللامع والمعطاء".

ودفن في مدينة رام الله، حيث خصصت له هناك قطعة أرض في قصر رام الله الثقافي، وسمّي بعدها باسم "قصر محمود درويش للثقافة"، وشارك في جنازته آلاف من أبناء الشعب الفلسطيني، وحضر الجنازة أهله من أراضي 48.

عن "الخليج أونلاين"

اقرأ المزيد...
الوسوم:



ارتدادات قمة كوالالمبور تطيح مهاتير محمد

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

عزت مصادر دبلوماسية عربية استقالة مهاتير محمد، رئيس وزراء ماليزيا، إلى ارتدادات قمة كوالالمبور التي عمل من خلالها مهاتير على الزج ببلاده في صراع الأجندات الخارجية، وتحويل القمة إلى منصة لإعطاء دفع لممثلي الإسلام السياسي على حساب منظمة التعاون الإسلامي التي تضم دولا إسلامية كثيرة بقيادة السعودية ذات التأثير الديني والسياسي والاقتصادي المحوري في قيادة العالم الإسلامي.

وراهن مهاتير محمد على لعب دور ريادي من بوابة القمة وتحويل ماليزيا إلى قبلة سياسية ومالية بما يساعده على زيادة شعبيته، لكن الخلاف بشأن القمة، وخاصة اكتشاف الماليزيين أنها كانت جزءا من لعبة تركية وإيرانية لتطويق الدور السعودي، قد انتهى إلى أزمة سياسية داخلية زادت من حجم الضغوط السياسية والاجتماعية على حكومته.

وقاد الموقف من السعودية، ومحاولة جذب أموال جماعات الإسلام السياسي إلى ماليزيا، ما يهدد بتحويلها إلى ملاذ لتبييض الأموال وتمويل الإرهاب، إلى ردة فعل داخلية ضد مهاتير محمد، وأضعف التحالف الحاكم الذي كان يقوده، ما دفع إلى استقالة الحكومة.

واعتبرت المصادر الدبلوماسية في تصريح لـ”العرب” أن مهاتير محمد كان سيضع بلاده في طريق صعب بتحويلها إلى قبلة جديدة للجماعات المتشددة بعدما نجحت دول جنوب شرق آسيا في الحد من نفوذ هذه التنظيمات في معارك استمرت لسنوات، ما قد يضع البلاد في تصادم مع الدول التي تقود الحرب على الإرهاب وتعمل على تجفيف منابعه مثل الولايات المتحدة، فضلا عن السعودية التي تعمل على بناء تحالف إسلامي سياسي وأمني ضد جماعات الإسلام السياسي بمختلف مسمياتها ومرجعياتها، من الإخوان المسلمين إلى تنظيم القاعدة وصولا إلى تنظيم داعش.

وسلطت قمة كوالالمبور، المدعومة من دول مثل تركيا وإيران وقطر، بالإضافة إلى الجماعات الإسلامية مثل جماعة الإخوان المسلمين، الضوء على الصراع على عجلة قيادة العالم الإسلامي وعلى علاقات ماليزيا المتوترة مع دول الخليج الكبرى.

وأثار مهاتير محمد غضب دول ودوائر إسلامية مختلفة حين دعا إلى القمة، التي عقدت في شهر ديسمبر الماضي، جماعات مثل حركة حماس في فلسطين، وهي حركة إخوانية، فضلا عن كتّاب وشخصيات حركية تابعة لفروع جماعة الإخوان المسلمين، في خطوة بان وكأن هدفها إعادة تبييض الجماعة في الوقت الذي يتم فيه تصنيفها تنظيما إرهابيا في السعودية والإمارات ومصر، وتوضع فيه أنشطتها المختلفة وتمويلاتها تحت مراقبة شديدة في الغرب.

وخلافا لما جرى، لم يكن رئيس الوزراء الماليزي هو من وضع قائمة المنظمات والجمعيات، التي حضرت القمة تحت عناوين مضللة بهدف إكسابها شرعية، ولكن الدور الرئيسي كان لتركيا والرئيس رجب طيب أردوغان، الذي فتح أبواب بلاده أمام هذه الجماعات وأنشطتها السرية والعلنية.

وبسبب هذه الأجندة السرية لأنقرة توترت العلاقة بينها وبين الرباط بعد استدعاء جماعة محظورة في المغرب إلى القمة.

وكانت “العرب” قد نشرت في عدد سابق، استنادا إلى مصادر خاصة، أن المغرب عبّر لماليزيا عن انزعاجه، لكن الحكومة الماليزية أشارت إلى أن تركيا تقدمت بقائمة الأحزاب والشخصيات الإسلامية المشاركة، وأن القائمة شملت حركة “العدل والإحسان” المغربية المحظورة، وأن المغرب الرسمي نأى بنفسه عن أيّ نوع من التمثيل في القمة بسبب هذا التجاوز التركي، فضلا عن غموض أجندة القمة.

وشملت قائمة الدعوات أيضا حركة “التوحيد والإصلاح”، وهي حركة ذات مرجعية إسلامية، تشكل الذراع الدعوية لحزب “العدالة والتنمية” متزعم الائتلاف الحكومي في المغرب.

ونجحت تركيا في استخدام الإسلام السياسي العربي لخدمة أجنداتها، وسعت لتوسيع نفوذها إلى الإسلام السياسي في دول جنوب شرق آسيا حيث يجري الحديث عن إمكانيات كبرى خاصة مالية؛ كون هذه الدول تحولت إلى ملاذات دافئة لأموال التنظيم الدولي للإخوان التي تم تهريبها من دول أوروبا الغربية والأميركتين الشمالية واللاتينية، تحسبا لتجميدها بعدما أظهرت دول غربية كبرى حزما في مواجهة الاستثمارات المشبوهة والأموال السوداء.

ويقول متابعون للشأن الماليزي إن الخلافات داخل التحالف الحاكم ناجمة بالدرجة الأولى عن الصراع على السلطة، حيث رفض مهاتير محمد التنحي لفائدة أنور إبراهيم، لكنهم أشاروا إلى وجود خلافات بشأن ارتدادات قمة كوالالمبور، ووجود رفض واسع لخيار إدارة الظهر للسعودية ذات النفوذ القوي في جنوب شرق آسيا.

ونفوذ السعودية لا يتمثل فقط في وجودها على رأس منظمة التعاون الإسلامي، فهي تقيم أيضا علاقات اقتصادية وتجارية وثيقة مع دول مثل أندونيسيا وباكستان التي لا يمكن أن تغامر بخسارة الاستثمارات السعودية الكبرى لإرضاء أجندات غامضة.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

كيف يفكر المتعصب للتاريخ العثماني؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-24

وليد فكري

قديمًا قيل "آفة الرأي الهوى".. و"الهوى" في اللغة هو "المَيل"، وهو آفة الرأي لأنه يحيد بصاحبه عن رؤية المعطيات الواقعية التي ينبغي أن يتخذها أساسا لوجهة نظره، فهو لا يجمع تلك المعطيات ثم ينظر فيها فيستخرج منها نظريته، وإنما يبني النظرية بشكل مسبق وينتقي ما يؤيدها ليقدمه دليلا على ما يميل إليه بغض النظر عما تقتضيه الموضوعية العلمية.

والمتعصب للتاريخ العثماني يقع في تلك الآفة، فهو يعتنق وجهة نظر مسبقة أن الدولة العثمانية كانت "دولة الخلافة العلية العظيمة" وينتقي من التاريخ ما يدعم وجهة نظره ويتجاهل ما سواه أو يتعامى عنه كيلا يصطدم بما قد يغير رأيه.

وهو بعد مرحلة "القراءة الانتقائية للتاريخ" يعمل على تحصين رأيه بآليات غير علمية مثل قيامه باتهام من يخالفه بالحقد على الإسلام والمسلمين أو بأنه ذو مصلحة مادية في مكايدة العثمانيين أو غيرها من الأساليب الرخيصة التي تنم عن تهافته وجهله وتعصبه.

اختصار التاريخ الإسلامي في العثمانيين

في التاريخ الإسلامي الثري يمكننا أن نحصي نحو 186 أسرة حاكمة (والأسرة هنا لا تعني بالضرورة العائلة وإنما النظام الحاكم) حكمت من الصين إلى المحيط الأطلنطي ومن جنوب أوروبا إلى وسط أفريقيا.. وقامت به إمبراطوريات ضخمة كالخلافات الراشدة والأموية والعباسية والفاطمية والدول السلجوقية والأيوبية والمملوكية والمغولية والعثمانية، جمعت عشرات-بل مئات-الأعراق والأجناس واللغات والثقافات، وازدحمت كتب التاريخ الإنساني بإسهاماتها في مختلف ميادين السياسة والثقافة والعلوم والفنون وغيرها من مظاهر الحضارة.

حتى أنني كمتخصص في التاريخ أستطيع أن أقول بكل ثقة علمية إن تاريخ الإنسانية لم يشهد حضارة أثرى ولا أعمق ولا أعظم إسهامًا في محتواه من الحضارة الإسلامية.

ولكن المتعصب للعثمانيين يعمي عينيه ويصم أذنيه عن كل هذا ويختصر عظمة المسلمين في دولة العثمانيين، فهو لا يلقي بالًا بالقامات الإسلامية العالية بينما يعظم الأسماء العثمانية الأقل شأنًا.. فهو قد لا يعرف شيئًا عن موسى بن نصير بينما يقدس أرطغرل وعثمان، وهو يجهل من هو أسد الدين شيركوه بينما يدافع عن سليم الأول وسليمان القانوني، وهو يمر بعبد الرحمن الناصر مررورًا غير كريم بينما يثرثر عن عبد الحميد الثاني.

وهو يجهل الجهل الفاحش بتفاصيل أحداث جليلة كفتوح مصر وشمالي أفريقيا والشام والعراق وفارس والأندلس، وانتشار الحضارة الإسلامية في آسيا وأفريقيا بينما يرفع آيات التمجيد لفتح محمد الثاني للقسطنطينية.

وحدث ولا حرج عن عدم اكتراثه بحضارات المسلمين في غرب وجنوب آسيا، وغرب ووسط أفريقيا.. فهي بالنسبة له منطقة معتمة حتى أنه يفاجأ من حين لآخر بوجود مسلمين في الصين أو الهند أو وسط أفريقيا! ولا يتذكر ذلك إلا في نطاق التعاطف مع ما قد يتعرض له بعضهم من إساءات-لأسباب غالبًا سياسية وليست دينية- وكأنما لم يوجد للمسلمين دولة قبل دولة العثمانيين ولم يكن لهم من ذِكر قبل ميلاد أرطغرل وعثمان!

فأي ظلم هذا للتاريخ الإسلامي؟

إهمال القلم وتمجيد السيف

ولأن الدولة العثمانية كانت الأقل إسهامًا في ميادين العلوم والثقافة مقابل انهماكها في الحروب والتوسعات، فإن المتعصب لها بطبيعة الحال يتجاهل دور العلوم والفنون والآداب في عظمة الحضارة الإسلامية، فلا يلقي بالًا لقامات عظيمة كالطبري وابن رشد والغزالي وابن الهيثم وابن النفيس وابن سينا وابن خلدون والمقريزي وغيرهم ممن تضيق عن إنجازاتهم الحضارية كتب التاريخ.. ويختصر دور المسلمين في حروب العثمانيين في الشرق العربي الإسلامي أو في شرق أوروبا، فكأنما قامت الحضارة الإسلامية على السيف والمدفع وليس على القلم والورق ومجالس العلم والجامعات والمكتبات ودور الترجمة..

وإنه لمن المؤسف والموجع أن أجد أجانبًا يعرفون الكثير عن إسهامات الحضارة الإسلامية في ميادين العلم والثقافة بينما يجهل مسلم أمر هذه الإنجازات ولا يعرف سوى أخبار الحرب والعنف

صحيح أن الحرب والسياسة كانتا جزءًا لا ينفصل عن التاريخ الإسلامي، ولكنهما كانتا من "الوسائل" لحماية الدولة والحضارة ولم تكونا "غاية" في حد ذاتهما.. فالمسلم القديم كان يدرك أن الحرب هي أمر بغيض مكروه يلجأ لها مضطرًا لحماية وطنه وحضارته، أو عملًا بقانون عصره القائل بأن "من لا يغزو يُغزَى"، ويستبسل في الدفاع عنها حتى أننا نجد في تاريخنا علماء مثل العز بن عبد السلام وابن تيمية وابن خلدون يضعون القلم جانبًا ويلقون بأنفسهم في أتون الصراع شحذًا للهمم-وإن لم يحملوا السيف- مستبسلين لخدمة أوطانهم..

بلى.. كان المسلم القديم يدرك حقيقة الحرب كضرورة وحقيقة من حقائق الحياة ووسيلة لحماية الحضارة ولكنه لم يكن ينظر لها باعتبار أنها هي الحضارة..

أما التعصب للتاريخ العثماني فقد أنتج لنا أناسًا لا يرون في الحرب سوى غاية، ويختصرون الحضارة في الغزو والقتال، ويمجدون "السلطان الغازي" على حساب "العالم الجليل"..

بالتالي فإن هذا المتعصب لا ينظر للآخر باعتباره "إنسانا يمكن أن نتلاقى معه حضاريًا طالما لم يبدأنا بحرب أو عدوان" وإنما باعتباره "عدوًا حاقدًا" ينبغي سحقه ووطء رقبته وإذلاله..

أعتقد أن هذا يفسر نقطة التلاقي بين التعصب للعثمانيين من ناحية، والتطرف الديني المؤدي غالبًا للعنف والإرهاب من ناحية أخرى.

قد يقول البعض: كان العثمانيون محاطون بالأعداء والمتآمرين فلم يكن لديهم فسحة من الوقت للاهتمام بالثقافة والعلوم والمظاهر السلمية للحضارة.

ولكن هذا القول مردود عليه بأن الحضارة الإسلامية كانت دائمًا محاطة بالأعداء، منذ نشأتها الأولى، من فُرس أو روم أو فرنجة أو مغول أو غيرهم، وكان الخلفاء الراشدون والأمويون والعباسيون والفاطميون والسلاطين السلاجقة والزنكيون والأيوبيون والمماليك وحُكام الأندلس يحاربون على أكثر من جبهة في ذات الوقت، ولكنهم لم يهملوا بناء الحضارة، فكان السيف يُحمَل بيد والقلم بأخرى.

بل كانت الحضارة ذاتها سلاحًا ماضيًا يحوّل عدو الأمس لصديق اليوم، حتى أن من أوجه عظمة حضارة المسلمين أنها تجاوزت نواتها العربية فضمت أعراقًا وثقافات فارسية ورومية ومغولية وأوروبية وصهرتها في مزيج حضاري عبقري فقدمت للإنسانية أرقى نماذج التعايش الإنساني..

لماذا الإصرار على تبني النموذج العثماني؟

والسؤال هنا: لماذا يصر هؤلاء-رغم ما سبق-على تبني النموذج العثماني الأحط حضاريًا؟

توجد عدة تفسيرات-يكمل بعضها بعضًا-لذلك

فمن ناحية أولى، فإن العقل الخامل للمتعصب عثمانيًا يستصعب تبني نموذج يقوم على التعب والكد وطلب العلم وتطويره وإخراج محتوى ثري منه، فيميل استسهالًا لنموذج لا يتطلب منه سوى كراهية وشيطنة الآخر ومحاربته وإطلاق صيحات الحرب ضده-حتى وإن كان هذا الآخر ابن وطنه ودينه وأمته-فهو لا يستطيع مثلًا أن يتبنى نموذجي العباسيين والأندلسيين الراعيين للعلوم والترجمة وتلاقي الثقافات وإنتاج المحتويات الثقافية والعلمية والفنية، ولا النماذج السلجوقية والزنكية والأيوبية والمملوكية التي كانت تجل "أهل القلم" نفس إجلالها "أهل السيف".. هو يرى في كل هذا "صداعًا" لرأسه الخاوي فلا يطلب سوى نموذج لا يتطلب منه سوى سلاح وصيحة تكبير.

ومن ناحية ثانية فإن النموذج العثماني يرضي "البارانويا/الشعور المرضي بالاضطهاد" عنده، فهذا المتعصب الذي يعجز عن مجاراة محيطه-الداخلي والعالمي-لا يحاول أن ينقد ذاته وأن يقف على سلبياته ليصلح من شأنه ويعالج نقاط ضعفه ويعلي من شأنه وبالتالي من شأن مجتمعه، وإنما يستمرئ الرثاء لنفسه وتبرير خيبته بأنه ضحية "الحاقدين والمتآمرين"، وهو التفسير نفسه الذي يقدمه "العثمانيون الجدد" لفشل وانحطاط دولة أسلافهم، فلا يرجعون ذلك لسلبياتها وعيوبها وإنما لـ"تآمر العالم عليها".

ومن ناحية أخرى فإن هذا التعصب هو نتاج "القراءة الماضوية للتاريخ"وهي القراءة القائمة على البكاء على الأطلال في مقابل "القرأءة المستقبلية" التي وصفها العلامة عبد الرحمن بن خلدون في مقدمة كتابه "العِبَر وديوان المبتدأ والخبر" بأنها قراءة تقوم على تأمل تاريخ الأمم الماضية لفهم قوانين الحاضر من أجل تلافي أخطاء السابقين واستقراء المستقبل والاستعداد الفعال له..

وللأسف فإن هذه القراءة الماضوية يروج لها أناس أمثال د.علي الصلابي وغيره ممن يحولون التاريخ إلى حائط مبكى يقبع عنده المرء باكيًا مجد أجداده الضائع متهمًا العالم بالتآمر لإفشاله بينما هذا العالم منشغل ببناء حضارته!

ختامًا

أيها المتعصب لنموذج منحط حضاريًا، المتهم لمن ينتقده بأنه حاقد متآمر مأجور كاذب، إن التاريخ غير مطالَب بمجاملة أحد.. وهو لا يرحم من يعابثه فينتقي منه ما يرضي مرض عقله، ولا الخامل المكتفي بالبكاء على الأطلال.. إن عمر أمتك التي تدعي الدفاع عنها أكبر من دولة العثمانيين، وحضارة هذه الأمة أثرى من سيرة سلطان غاز وصرير أقلامها على ورقها أعلى صوتًا من دوي مدافع الدولة العثمانية وصليل سيوفها..

فأفق من غفلتك وأنصف تاريخك، فعار عليك أن يكون لأسلافك تاريخ عظيم يُدَرَس في الجامعات من أدنى الأرض إلى أقصاها وأنت متمسك بذيل أسمال عباءة جثمان عثماني قابع تبكيه والعالم حولك يتحرك بسرعة أكبر من التصديق!

عن "سكاي نيوز عربية"

للمشاركة:

برلمان المواجهة مع روحاني

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-24

حسن فحص

اما وقد وضعت معركة الانتخابات البرلمانية في ايران أوزارها، ولم تفرز جديدا في ما يتعلق بالنتائج المتوقعة التي هندسها مجلس صيانة الدستور بآليات ديمقراطية ودستورية، ورسم الصورة التي ستكون عليها موازين القوى المسيطرة على المقاعد النيابية، فمن غير المجدي التوقف الآن عند توزيع المقاعد وحجم تمثيل القوى السياسية الاصلاحية والمحافظة ومدى تأثيرها على مواقف وسياسات البرلمان المقبل. باستثناء ما يمكن رصده من صراعات داخل البيت الواحد، أي التيار المحافظ والصراعات الداخلية بين اجنحته على نصاب اي منهما يكون صاحب المواقف الاكثر تشددا، من دون أن يكون له القدرة على التأثير في المسارات الاساسية والاستراتيجية للنظام والسلطة والاهداف التي يسعى لتحقيقها او تطبيقها.

وبناء على المؤشر الذي تقدمه نتائج انتخابات العاصمة طهران، والتي تؤكد اكتساح القائمة الائتلافية لأجنحة التيار المحافظ للمقاعد الثلاثين، فالتقديرات الاولية تشير الى سيطرة واضحة واكثر من مريحة للتيار المحافظ بواقع يتعدى 230 مقعدا وقد تتعدى عدد 240 مقعدا من اصل 290 المجموع العام للمقاعد، ما يعني ان التيار المحافظ بات يمتلك اكثر من الثلثين، وبالتالي لن يكون امام السلطة اي مسببات قلق او مخاوف في تمرير اي قانون او موقف تريده يتعلق بالسياسات العامة للدولة والسلطة التنفيذية.

النصر الذي حققه التيار المحافظ في السيطرة على البرلمان باكثرية اكبر من مطمئنة، لا يمكن اعتبارها حصرا بقدرته على حشد الشارع الايراني واقناعه بصوابية مواقفه وسياساته واستراتيجياته، بل ان العامل الاول في هذا الانتصار يعود الى حالة العزوف الواسعة والكبيرة التي سادت المعسكر الشعبي المعارض او المؤيد للتيار الاصلاحي والمستقلين والمعتدلين وحتى تلك الشرائح التي تقف في المنطقة الرمادية بين هذه القوى الا انها ترجح خيار التصويت لصالح المعارضة اذا ما وضعت امام خيار امكانية التغيير، فضلا عن ان القوى الاصلاحية والتغييرية بجميع اطيافها، وجدت ان العمق الاجتماعي لها غير مقتنع بامكانية احداث هذا التغيير وصعوبة تكرار التجربة التي خاضتها قبل اربع سنوات في الانتخابات السابقة، خصوصا بعد ان شاهدت صعوبة اقناع هذه الشرائح بقدرة الاشخاص الذين نجوا من مقصلة مجلس صيانة الدستور على لعب دور مؤثر في الحياة البرلمانية والسياسية.

بناء على هذه الحقائق، فان ما يمكن ان تشهده المرحلة المقبلة من تطورات سياسية في ظل هذا المجلس المرتقب، سيكون محورها التعامل وطبيعة العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، اي بين البرلمان المحافظ برئاسة الجنرال محمد باقر قاليباف على الارجح من جهة، والحكومة برئاسة حسن روحاني من جهة اخرى، والامور ستتجه الى مزيد من التصعيد والسلبية على العكس من التعايش النسبي الذي كان سائدا مع البرلمان المنتهية صلاحيته وامتلاك القوى الاصلاحية بمختلف اطيافها كتلة برلمانية مريحة ساهمت في تخفيف الضغط والعبء على الحكومة في السنوات الثلاث الماضية.

المجلس الجديد بتركيبته المحافظة لن يتأخر في اشهار سيف المواجهة مع الحكومة وروحاني، مستفيدا من الدور الرقابي الذي يقع في صلب مهمات العملية التشريعية والبرلمانية، ما يعني ان روحاني سيواجه مرحلة صعبة في عمله التنفيذي والحكومي، ان كان في ما يتعلق بالسياسات الداخلية، الاقتصادية والمالية والادارية، وان كان في السياسات الخارجية خصوصا ما يتعلق بالتعامل مع المجتمع الدولي وتحديدا الولايات المتحدة الامريكية في ظل العقوبات الاقتصادية والحصار الاقليمي الذي يستهدف النفوذ الايراني في المنطقة.

المحافظون الذين رفعوا شعار الهجوم ومعارضة كل السياسات الداخلية والخارجية لروحاني وحكومته، ستكون الفرصة سانحة امامهم لممارسة المزيد من هذه السياسات من دون معارضة جدية، وهذه المواجهة لن تبقى من خارج مؤسسات النظام وتعتمد على المنابر الاعلامية وغير الرسمية، بل ستنتقل وبشكل فاعل الى داخل المؤسسات الرسمية من بوابة البرلمان، وبالتالي لم يعد الاعلام والخطابات والمواقف المتفرقة ساحة الانتقادات للسياسات الاقتصادية وتحميل الحكومة مسؤولية الازمات والاخفاقات التي عانت منها ايران في المرحلة السابقة، ما يعني امكانية ان يعمد هذا المجلس للعودة الى تفعيل الهجوم على الحكومة وآلية استجواب الوزراء وطرح الثقة بهم، خصوصا الوزراء الذين يمثلون القوى الاصلاحية بوضوح والذين حققوا انجازات حقيقية خلال توليهم مواقعهم التنفيذية، وذلك في اطار ما يمكن اعتباره سياسة استباقية يعتمدها المحافظون باستبعاد اي مصدر قد يشكل تهديدا لمسار وجهود تقديم انفسهم المنقذ والقادر على تقديم الحلول في حال توليه السلطة والادارة.

البرلمان الجديد وهويته المحافظة الطاغية ستسمح للتيار الذي يمثله بان يتملص من كل الاتهامات الشعبية والرسمية التي تعتبره العائق والمعرقل الاساس امام السلطة التنفيذية في تطبيق سياساتها الاقتصادية والمالية والخارجية، وبالتالي فان هذا البرلمان سيكون امام مهمة إلقاء المسؤولية على روحاني وفريقه في كل الاخفاقات والتردي الاقتصادي والتضخم والبطالة والفساد، والتأكيد على أنه يشكل "باب النجاة" للشعب الايراني، خصوصا وان هذه الحكومة لن يكون لها خطوط دفاع عن سياساتها داخل البرلمان الذي يمثل "ارادة الشعب والطبقات الفقيرة"، وان رئيس البرلمان الجديد لن يدخل في دائرة دعم سياسات الحكومة كما كان الامر في عهد الرئيس السابق علي لاريجاني.

من المفترض ان يؤسس هذا البرلمان ان كان في اليات العمل التشريعي او في التعامل مع السلطة التنفيذية، لتعزيز الجهود التي تبذلها السلطة والنظام من اجل العودة الى السيطرة على كل مراكز القرار الدستورية، وان يشكل عمل البرلمان الجديد المنصة التي تسمح لهذا التيار في تمهيد الطريق للمنافسة على رئاسة الجمهورية بعد نحو سنة ونصف السنة وايصال مرشح هذا التيار الى هذا الموقع، وبالتالي استكمال عقد السلطات الثلاثة القضائية والتشريعية والتنفيذية في يده، من اجل خلق حالة من الانسجام وعدم احداث اي قلق لدوائره اتخاذ القرارات الاستراتيجية والمصيرية المتعلق بمستقبل النظام وسلطته.

عن "المدن"

للمشاركة:



لماذا غيّر الصدر مواقفه؟.. "رويترز" تكشف الحقيقة

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

كشفت وكالة "رويترز" عن اجتماعات عقدت في مدينة قم الإيرانية، بعد مقتل قائد "فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، توصلت إثره الميليشيات العراقية إلى اتفاق مع رجل الدين، مقتدى الصدر، يتركز على إعطائه دوراً أكبر في تأليف الحكومة العراقية الجديدة، ودوراً قيادياً دينياً أكبر بين الميليشيات الموالية لإيران في العراق.

وأضافت الوكالة: "مقابل هذه الصلاحيات الواسعة، فإنّ الصدر سيلعب دوراً عبر الموالين له لإضعاف الثورة الشعبية العراقية، وإعادة توجيهها نحو مطالب بسحب القوات الأمريكية من العراق، وذلك بحسب مسؤولين عراقيين بارزين، وعناصر من الميليشيات نقلت عنهم "رويترز".

"رويترز": إيران وميليشياتها منحت الصدر دوراً أكبر في تأليف الحكومة العراقية الجديدة

الاتفاق الذي عقد في قم، رعته إيران و"حزب الله" وسعى إلى الحفاظ على قوة القبضة الإيرانية في العراق، من خلال رصّ صفوف الفصائل التي تدعمها إيران مع تلك التي يقودها الصدر.

وذكرت الوكالة أنّ الميليشيات شهدت حالة من الفوضى بعد الغارة التي أسفرت عن مقتل سليماني ونائب قائد الحشد الشعبي، أبو مهدي المهندس، في 3 كانون الثاني (يناير) في بغداد.

وبحسب الوكالة؛ فقد كان الصدر مشوشاً أيضاً، لأنّه تزعم التظاهرات المناهضة للحكومة في الأعوام الاخيرة، لكنه لم يتمكن فعلياً من فرض نفسه على الاحتجاجات الأخيرة، التي بدأت في تشرين الثاني (أكتوبر) الماضي، ضدّ الطبقة السياسية الحاكمة والتدخل الإيراني في العراق.

وبعد انتهاء هذا الاجتماع، أشارت "رويترز" إلى التحول في مواقف الصدر، الذي وصفته بالانتهازي؛ حيث بدأ بقلب مواقفه من جهة إلى أخرى؛ إذ حارب الولايات المتحدة في أوقات مختلفة، وندّد بالتدخل الإيراني، ودعم التظاهرات الرافضة للطبقة الحاكمة، وفي الوقت نفسه لعب دوراً كبيراً في اختيار الوزراء لحكومة محمد توفيق علاوي، التي من المقرر أن تأخذ ثقة مجلس النواب الخميس المقبل.

المطلوب من مقتدى الصدرإضعاف الثورة الشعبية العراقية عبر الموالين له وإعادة توجيهها

وكشفت "رويترز"؛ أنّه بعد مقتل سليماني، أمر مسؤولون إيرانيون وقادة حزب الله الميليشيات الموالية لإيران بترك الخلافات مع الصدر جانباً، بعد أن اختلفوا معه، العام الماضي، على المناصب الحكومية في صراع على السلطة.

وقال أحد مساعدي الصدر، الذي سافر إلى قم ورفض ذكر اسمه: إنّ "إيران ترى في الصدر الحلّ الوحيد لمنع انهيار قوتها تحت ضغط الاحتجاج وضعف الميليشيات التي تدعمها".

ونقلت الوكالة، عن مصدريين شبه عسكريين؛ أنّ الصدر طالب بوزارتين في حكومة علاوي، في المقابل قالت مصادر أخرى؛ إنّ "الميليشيات قبلت باعتبار أنّ الصدر قد يلعب دوراً مهماً في تعزيز موقفها الرافض للوجود الأمريكي في العراق".

ويقول مسؤولون حكوميون وبرلمانيون؛ إنّ الصدر سيكون له تأثير كبير على تشكيلة الحكومة التي اقترحها علاوي، والتي قال رئيس الوزراء إنّها ستتألف من مرشحين مستقلين.

وأشارت الوكالة إلى أنّ "حكومة علاوي، إذا نالت الثقة، فستعمل بشكل شبه كامل لصالح الصدر".

 

للمشاركة:

تركيا تصعّد في شمال سوريا

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

أكّد المرصد السوري لحقوق الإنسان مقتل 9 عناصر من قوات النظام، في شمال غرب سوريا، بقصف تركي، أربعة عناصر قُتلوا قرب بلدة النيرب، فيما قُتل خمسةٌ آخرون قرب مدينة سراقب.

وقال المرصد السوري: إنّ الفصائل سيطرت على النيرب بريف إدلب بدعم تركي مدفعي، لافتاً إلى أنّ "القوات التركية والفصائل الموالية لها بدأت هجوماً برياً جديداً شرق إدلب، تزامنا مع قصف صاروخي تركي مكثف"، مشيراً إلى سقوط 48 قتيلاً من قوات الأسد والفصائل.

المرصد السوري لحقوق الإنسان يؤكد مقتل 9 عناصر من قوات النظام في شمال غرب سوريا بقصف تركي

وقال المرصد السوري: "الفصائل المسلحة أطلقت عدة صواريخ أرض-أرض على مواقع في ريف اللاذقية ومحيط مطار حميميم"، لافتاً إلى دخول رتل عسكري تركي جديد إلى الأراضي السورية، عبر معبر كفرلوسين الحدودي، يضمّ أكثر من مئة دبابة وآلية نقل للجنود الأتراك، توجهت جميعها نحو النقاط التركية المنتشرة في ريف إدلب.

إلى ذلك؛ وصفت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية، مورغان أورتاغوس، الوضع الإنساني في إدلب بـ "المقزز"، مطالبة روسيا وإيران وتركيا بحماية المدنيين، مشيرة في الوقت ذاته إلى أنّه "لا يوجد حلّ عسكري للأزمة السورية."

وقالت أورتاغوس، في لقاء خاص مع "العربية": "نعم، إنه أمر مثير للاشمئزاز، ما يفعله الروس والإيرانيون ونظام الأسد والاتراك، ليس هناك ما يدعو للاشمئزاز في هذا الكوكب أكثر من هذا الذي يحدث الآن في إدلب، نحن نواصل العمل من خلال الأمم المتحدة، فقد كان السفير جيفري في تركيا. تركيا عادت للقتال من جديد، والروس كذلك مستمرون، ما يحدث وصمة عار ونقطة مظلمة".

أورتاغوس: ما يفعله الروس والإيرانيون ونظام الأسد والأتراك في شمال غرب سوريا أمر مثير للاشمئزاز

وكانت الأمم المتحدة قد حذّرت من أنّ القتال في شمالَ غربِ سوريا يقترب بشكل خطير من أماكنَ تُؤوي نحوَ مليون نازح، ما يشكل خطراً من حدوث حمامِ دمٍ حقيقي.

وأعلن نائب المنسق الأممي للشؤون الإقليمية في سوريا، مارك كاتس، أنّ الأمم المتحدة تحاول مضاعفة شحنات المساعدات عبر الحدود من تركيا من خمسين إلى مئةِ شاحنة يوميا، لافتاً إلى أنّ عمال الإغاثة يتحملون عبئاً ثقيلاً، وأنّ عدداً من المخازن تعرضت للنهب.

وتسبّب النزاع السوري، الذي يوشك على إتمام عامه التاسع، بمقتل أكثر من 380 ألف شخصاً، وتدمير البنى التحتية واستنزاف الاقتصاد، عدا عن نزوح وتشريد أكثر من نصف السكان داخل البلاد وخارجها.

 
 
 
 
 

 

للمشاركة:

صدمة جديدة في ألمانيا.. ما الدوافع؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

أُصيب 30 شخصاً، بينهم 10 أطفال، أمس، في حادثة دهس استهدفت مسيرة استعراضية بمهرجان في بلدة فولكمارسن، غرب ألمانيا.

وألقت الشرطة القبض على شخص ألماني، عمره 29 عاماً، بتهمة الشروع في القتل، بينما صرّح مسؤولون بأنّ "الدافع ما يزال غير واضح حتى الآن"، وفق ما اوردت "بي بي سي".

وقال المتحدث بأسم الشرطة: "هناك عشرات الجرح بعضهم مصاب بجروح خطيرة"، مؤكدة أنّ السائق، البالغ من العمر 29 عاماً، تعّد دهس التجمعين في المسيرة بسيارته،  لكن لا توجد دلائل على أنّه ارتكب جريمته بدافع سياسي"، مؤكداً "الشرطة لا تعتقد أنّ الهجوم كان إرهابياً بينما نعتقد أنّه كان متعمداً".

وذكرت مجلة "دير شبيغل"؛ أنّ السائق كان "في حالة سكر شديد" عند حصول الوقائع. وصرحت دوائر أمنية لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ)، مساء أمس؛ بأنّ الشواهد الأولية تفيد بأنّ منفذ الجريمة لم يكن معروفا كمتطرف، وأنّه كان معروفاً للشرطة بجرائم توجيه إهانات والتعدي على حرمات المنازل وجرائم الإكراه.

بدوره، أكّد رئيس شرطة فرانكفورت، غيرهارد بيريسفيل، أنّه تمّ إلقاء القبض على شخص ثانٍ في إطار التحقيقات الجارية بشأن جريمة الدهس.

إصابة ٣٠ شخصاً بينهم 10 أطفال، أمس، في حادثة دهس استهدفت مسيرة استعراضية

وألغت السلطات في ولاية هيسه، حيث توجد بلدة فولكمارسن، جميع المسيرات الاستعراضية بالمهرجان، وذلك في "إجراء وقائي" في أعقاب الحادث.

من جانبها، ذكرت وسائل إعلام محلية أنّ سيارة مرسيدس فضية اللون اقتحمت حواجز بلاستيكية أقيمت لحماية المسيرة الاستعراضية، وصدمت مجموعة من الناس.

ونقلت تقارير إعلامية محلية عن شهود عيان قولهم إنّ سائق السيارة زاد من سرعته، وهو يتجه نحو الحشد، وبدا كأنه يستهدف الأطفال.

وأعلن مكتب المدعي العام في فرانكفورت، في بيان؛ أنّ المشتبه به تلقى علاجاً من إصابات لحقت به في الحادث، وأنه سيمثل لاحقاً أمام قاضي التحقيق.

وقال حاكم ولاية هيسه فولكر بوفير: "شعرت بصدمة إزاء هذا العمل الرهيب، الذي أدى إلى إصابة العديد من الأبرياء بجروح خطيرة".

من جهتها، شكرت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، الشرطة والطاقم الطبي لتعاملهم مع الحادث، وأعربت عن تعاطفها مع المصابين وأقاربهم.

ويأتي الحادث بعد أربعة أيام من هجوم مسلح قتل فيه 9 أشخاص في مدينة هاناو، غرب ألمانيا، ونفذه يميني متطرف يبلغ من العمر 43 عاماً، يملك رخصة أسلحة نارية، وهو عضو في نادي السلاح، وقد انتحر بعد ساعات من الحادثة.

 

للمشاركة:



ارتدادات قمة كوالالمبور تطيح مهاتير محمد

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

عزت مصادر دبلوماسية عربية استقالة مهاتير محمد، رئيس وزراء ماليزيا، إلى ارتدادات قمة كوالالمبور التي عمل من خلالها مهاتير على الزج ببلاده في صراع الأجندات الخارجية، وتحويل القمة إلى منصة لإعطاء دفع لممثلي الإسلام السياسي على حساب منظمة التعاون الإسلامي التي تضم دولا إسلامية كثيرة بقيادة السعودية ذات التأثير الديني والسياسي والاقتصادي المحوري في قيادة العالم الإسلامي.

وراهن مهاتير محمد على لعب دور ريادي من بوابة القمة وتحويل ماليزيا إلى قبلة سياسية ومالية بما يساعده على زيادة شعبيته، لكن الخلاف بشأن القمة، وخاصة اكتشاف الماليزيين أنها كانت جزءا من لعبة تركية وإيرانية لتطويق الدور السعودي، قد انتهى إلى أزمة سياسية داخلية زادت من حجم الضغوط السياسية والاجتماعية على حكومته.

وقاد الموقف من السعودية، ومحاولة جذب أموال جماعات الإسلام السياسي إلى ماليزيا، ما يهدد بتحويلها إلى ملاذ لتبييض الأموال وتمويل الإرهاب، إلى ردة فعل داخلية ضد مهاتير محمد، وأضعف التحالف الحاكم الذي كان يقوده، ما دفع إلى استقالة الحكومة.

واعتبرت المصادر الدبلوماسية في تصريح لـ”العرب” أن مهاتير محمد كان سيضع بلاده في طريق صعب بتحويلها إلى قبلة جديدة للجماعات المتشددة بعدما نجحت دول جنوب شرق آسيا في الحد من نفوذ هذه التنظيمات في معارك استمرت لسنوات، ما قد يضع البلاد في تصادم مع الدول التي تقود الحرب على الإرهاب وتعمل على تجفيف منابعه مثل الولايات المتحدة، فضلا عن السعودية التي تعمل على بناء تحالف إسلامي سياسي وأمني ضد جماعات الإسلام السياسي بمختلف مسمياتها ومرجعياتها، من الإخوان المسلمين إلى تنظيم القاعدة وصولا إلى تنظيم داعش.

وسلطت قمة كوالالمبور، المدعومة من دول مثل تركيا وإيران وقطر، بالإضافة إلى الجماعات الإسلامية مثل جماعة الإخوان المسلمين، الضوء على الصراع على عجلة قيادة العالم الإسلامي وعلى علاقات ماليزيا المتوترة مع دول الخليج الكبرى.

وأثار مهاتير محمد غضب دول ودوائر إسلامية مختلفة حين دعا إلى القمة، التي عقدت في شهر ديسمبر الماضي، جماعات مثل حركة حماس في فلسطين، وهي حركة إخوانية، فضلا عن كتّاب وشخصيات حركية تابعة لفروع جماعة الإخوان المسلمين، في خطوة بان وكأن هدفها إعادة تبييض الجماعة في الوقت الذي يتم فيه تصنيفها تنظيما إرهابيا في السعودية والإمارات ومصر، وتوضع فيه أنشطتها المختلفة وتمويلاتها تحت مراقبة شديدة في الغرب.

وخلافا لما جرى، لم يكن رئيس الوزراء الماليزي هو من وضع قائمة المنظمات والجمعيات، التي حضرت القمة تحت عناوين مضللة بهدف إكسابها شرعية، ولكن الدور الرئيسي كان لتركيا والرئيس رجب طيب أردوغان، الذي فتح أبواب بلاده أمام هذه الجماعات وأنشطتها السرية والعلنية.

وبسبب هذه الأجندة السرية لأنقرة توترت العلاقة بينها وبين الرباط بعد استدعاء جماعة محظورة في المغرب إلى القمة.

وكانت “العرب” قد نشرت في عدد سابق، استنادا إلى مصادر خاصة، أن المغرب عبّر لماليزيا عن انزعاجه، لكن الحكومة الماليزية أشارت إلى أن تركيا تقدمت بقائمة الأحزاب والشخصيات الإسلامية المشاركة، وأن القائمة شملت حركة “العدل والإحسان” المغربية المحظورة، وأن المغرب الرسمي نأى بنفسه عن أيّ نوع من التمثيل في القمة بسبب هذا التجاوز التركي، فضلا عن غموض أجندة القمة.

وشملت قائمة الدعوات أيضا حركة “التوحيد والإصلاح”، وهي حركة ذات مرجعية إسلامية، تشكل الذراع الدعوية لحزب “العدالة والتنمية” متزعم الائتلاف الحكومي في المغرب.

ونجحت تركيا في استخدام الإسلام السياسي العربي لخدمة أجنداتها، وسعت لتوسيع نفوذها إلى الإسلام السياسي في دول جنوب شرق آسيا حيث يجري الحديث عن إمكانيات كبرى خاصة مالية؛ كون هذه الدول تحولت إلى ملاذات دافئة لأموال التنظيم الدولي للإخوان التي تم تهريبها من دول أوروبا الغربية والأميركتين الشمالية واللاتينية، تحسبا لتجميدها بعدما أظهرت دول غربية كبرى حزما في مواجهة الاستثمارات المشبوهة والأموال السوداء.

ويقول متابعون للشأن الماليزي إن الخلافات داخل التحالف الحاكم ناجمة بالدرجة الأولى عن الصراع على السلطة، حيث رفض مهاتير محمد التنحي لفائدة أنور إبراهيم، لكنهم أشاروا إلى وجود خلافات بشأن ارتدادات قمة كوالالمبور، ووجود رفض واسع لخيار إدارة الظهر للسعودية ذات النفوذ القوي في جنوب شرق آسيا.

ونفوذ السعودية لا يتمثل فقط في وجودها على رأس منظمة التعاون الإسلامي، فهي تقيم أيضا علاقات اقتصادية وتجارية وثيقة مع دول مثل أندونيسيا وباكستان التي لا يمكن أن تغامر بخسارة الاستثمارات السعودية الكبرى لإرضاء أجندات غامضة.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

كيف يفكر المتعصب للتاريخ العثماني؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-24

وليد فكري

قديمًا قيل "آفة الرأي الهوى".. و"الهوى" في اللغة هو "المَيل"، وهو آفة الرأي لأنه يحيد بصاحبه عن رؤية المعطيات الواقعية التي ينبغي أن يتخذها أساسا لوجهة نظره، فهو لا يجمع تلك المعطيات ثم ينظر فيها فيستخرج منها نظريته، وإنما يبني النظرية بشكل مسبق وينتقي ما يؤيدها ليقدمه دليلا على ما يميل إليه بغض النظر عما تقتضيه الموضوعية العلمية.

والمتعصب للتاريخ العثماني يقع في تلك الآفة، فهو يعتنق وجهة نظر مسبقة أن الدولة العثمانية كانت "دولة الخلافة العلية العظيمة" وينتقي من التاريخ ما يدعم وجهة نظره ويتجاهل ما سواه أو يتعامى عنه كيلا يصطدم بما قد يغير رأيه.

وهو بعد مرحلة "القراءة الانتقائية للتاريخ" يعمل على تحصين رأيه بآليات غير علمية مثل قيامه باتهام من يخالفه بالحقد على الإسلام والمسلمين أو بأنه ذو مصلحة مادية في مكايدة العثمانيين أو غيرها من الأساليب الرخيصة التي تنم عن تهافته وجهله وتعصبه.

اختصار التاريخ الإسلامي في العثمانيين

في التاريخ الإسلامي الثري يمكننا أن نحصي نحو 186 أسرة حاكمة (والأسرة هنا لا تعني بالضرورة العائلة وإنما النظام الحاكم) حكمت من الصين إلى المحيط الأطلنطي ومن جنوب أوروبا إلى وسط أفريقيا.. وقامت به إمبراطوريات ضخمة كالخلافات الراشدة والأموية والعباسية والفاطمية والدول السلجوقية والأيوبية والمملوكية والمغولية والعثمانية، جمعت عشرات-بل مئات-الأعراق والأجناس واللغات والثقافات، وازدحمت كتب التاريخ الإنساني بإسهاماتها في مختلف ميادين السياسة والثقافة والعلوم والفنون وغيرها من مظاهر الحضارة.

حتى أنني كمتخصص في التاريخ أستطيع أن أقول بكل ثقة علمية إن تاريخ الإنسانية لم يشهد حضارة أثرى ولا أعمق ولا أعظم إسهامًا في محتواه من الحضارة الإسلامية.

ولكن المتعصب للعثمانيين يعمي عينيه ويصم أذنيه عن كل هذا ويختصر عظمة المسلمين في دولة العثمانيين، فهو لا يلقي بالًا بالقامات الإسلامية العالية بينما يعظم الأسماء العثمانية الأقل شأنًا.. فهو قد لا يعرف شيئًا عن موسى بن نصير بينما يقدس أرطغرل وعثمان، وهو يجهل من هو أسد الدين شيركوه بينما يدافع عن سليم الأول وسليمان القانوني، وهو يمر بعبد الرحمن الناصر مررورًا غير كريم بينما يثرثر عن عبد الحميد الثاني.

وهو يجهل الجهل الفاحش بتفاصيل أحداث جليلة كفتوح مصر وشمالي أفريقيا والشام والعراق وفارس والأندلس، وانتشار الحضارة الإسلامية في آسيا وأفريقيا بينما يرفع آيات التمجيد لفتح محمد الثاني للقسطنطينية.

وحدث ولا حرج عن عدم اكتراثه بحضارات المسلمين في غرب وجنوب آسيا، وغرب ووسط أفريقيا.. فهي بالنسبة له منطقة معتمة حتى أنه يفاجأ من حين لآخر بوجود مسلمين في الصين أو الهند أو وسط أفريقيا! ولا يتذكر ذلك إلا في نطاق التعاطف مع ما قد يتعرض له بعضهم من إساءات-لأسباب غالبًا سياسية وليست دينية- وكأنما لم يوجد للمسلمين دولة قبل دولة العثمانيين ولم يكن لهم من ذِكر قبل ميلاد أرطغرل وعثمان!

فأي ظلم هذا للتاريخ الإسلامي؟

إهمال القلم وتمجيد السيف

ولأن الدولة العثمانية كانت الأقل إسهامًا في ميادين العلوم والثقافة مقابل انهماكها في الحروب والتوسعات، فإن المتعصب لها بطبيعة الحال يتجاهل دور العلوم والفنون والآداب في عظمة الحضارة الإسلامية، فلا يلقي بالًا لقامات عظيمة كالطبري وابن رشد والغزالي وابن الهيثم وابن النفيس وابن سينا وابن خلدون والمقريزي وغيرهم ممن تضيق عن إنجازاتهم الحضارية كتب التاريخ.. ويختصر دور المسلمين في حروب العثمانيين في الشرق العربي الإسلامي أو في شرق أوروبا، فكأنما قامت الحضارة الإسلامية على السيف والمدفع وليس على القلم والورق ومجالس العلم والجامعات والمكتبات ودور الترجمة..

وإنه لمن المؤسف والموجع أن أجد أجانبًا يعرفون الكثير عن إسهامات الحضارة الإسلامية في ميادين العلم والثقافة بينما يجهل مسلم أمر هذه الإنجازات ولا يعرف سوى أخبار الحرب والعنف

صحيح أن الحرب والسياسة كانتا جزءًا لا ينفصل عن التاريخ الإسلامي، ولكنهما كانتا من "الوسائل" لحماية الدولة والحضارة ولم تكونا "غاية" في حد ذاتهما.. فالمسلم القديم كان يدرك أن الحرب هي أمر بغيض مكروه يلجأ لها مضطرًا لحماية وطنه وحضارته، أو عملًا بقانون عصره القائل بأن "من لا يغزو يُغزَى"، ويستبسل في الدفاع عنها حتى أننا نجد في تاريخنا علماء مثل العز بن عبد السلام وابن تيمية وابن خلدون يضعون القلم جانبًا ويلقون بأنفسهم في أتون الصراع شحذًا للهمم-وإن لم يحملوا السيف- مستبسلين لخدمة أوطانهم..

بلى.. كان المسلم القديم يدرك حقيقة الحرب كضرورة وحقيقة من حقائق الحياة ووسيلة لحماية الحضارة ولكنه لم يكن ينظر لها باعتبار أنها هي الحضارة..

أما التعصب للتاريخ العثماني فقد أنتج لنا أناسًا لا يرون في الحرب سوى غاية، ويختصرون الحضارة في الغزو والقتال، ويمجدون "السلطان الغازي" على حساب "العالم الجليل"..

بالتالي فإن هذا المتعصب لا ينظر للآخر باعتباره "إنسانا يمكن أن نتلاقى معه حضاريًا طالما لم يبدأنا بحرب أو عدوان" وإنما باعتباره "عدوًا حاقدًا" ينبغي سحقه ووطء رقبته وإذلاله..

أعتقد أن هذا يفسر نقطة التلاقي بين التعصب للعثمانيين من ناحية، والتطرف الديني المؤدي غالبًا للعنف والإرهاب من ناحية أخرى.

قد يقول البعض: كان العثمانيون محاطون بالأعداء والمتآمرين فلم يكن لديهم فسحة من الوقت للاهتمام بالثقافة والعلوم والمظاهر السلمية للحضارة.

ولكن هذا القول مردود عليه بأن الحضارة الإسلامية كانت دائمًا محاطة بالأعداء، منذ نشأتها الأولى، من فُرس أو روم أو فرنجة أو مغول أو غيرهم، وكان الخلفاء الراشدون والأمويون والعباسيون والفاطميون والسلاطين السلاجقة والزنكيون والأيوبيون والمماليك وحُكام الأندلس يحاربون على أكثر من جبهة في ذات الوقت، ولكنهم لم يهملوا بناء الحضارة، فكان السيف يُحمَل بيد والقلم بأخرى.

بل كانت الحضارة ذاتها سلاحًا ماضيًا يحوّل عدو الأمس لصديق اليوم، حتى أن من أوجه عظمة حضارة المسلمين أنها تجاوزت نواتها العربية فضمت أعراقًا وثقافات فارسية ورومية ومغولية وأوروبية وصهرتها في مزيج حضاري عبقري فقدمت للإنسانية أرقى نماذج التعايش الإنساني..

لماذا الإصرار على تبني النموذج العثماني؟

والسؤال هنا: لماذا يصر هؤلاء-رغم ما سبق-على تبني النموذج العثماني الأحط حضاريًا؟

توجد عدة تفسيرات-يكمل بعضها بعضًا-لذلك

فمن ناحية أولى، فإن العقل الخامل للمتعصب عثمانيًا يستصعب تبني نموذج يقوم على التعب والكد وطلب العلم وتطويره وإخراج محتوى ثري منه، فيميل استسهالًا لنموذج لا يتطلب منه سوى كراهية وشيطنة الآخر ومحاربته وإطلاق صيحات الحرب ضده-حتى وإن كان هذا الآخر ابن وطنه ودينه وأمته-فهو لا يستطيع مثلًا أن يتبنى نموذجي العباسيين والأندلسيين الراعيين للعلوم والترجمة وتلاقي الثقافات وإنتاج المحتويات الثقافية والعلمية والفنية، ولا النماذج السلجوقية والزنكية والأيوبية والمملوكية التي كانت تجل "أهل القلم" نفس إجلالها "أهل السيف".. هو يرى في كل هذا "صداعًا" لرأسه الخاوي فلا يطلب سوى نموذج لا يتطلب منه سوى سلاح وصيحة تكبير.

ومن ناحية ثانية فإن النموذج العثماني يرضي "البارانويا/الشعور المرضي بالاضطهاد" عنده، فهذا المتعصب الذي يعجز عن مجاراة محيطه-الداخلي والعالمي-لا يحاول أن ينقد ذاته وأن يقف على سلبياته ليصلح من شأنه ويعالج نقاط ضعفه ويعلي من شأنه وبالتالي من شأن مجتمعه، وإنما يستمرئ الرثاء لنفسه وتبرير خيبته بأنه ضحية "الحاقدين والمتآمرين"، وهو التفسير نفسه الذي يقدمه "العثمانيون الجدد" لفشل وانحطاط دولة أسلافهم، فلا يرجعون ذلك لسلبياتها وعيوبها وإنما لـ"تآمر العالم عليها".

ومن ناحية أخرى فإن هذا التعصب هو نتاج "القراءة الماضوية للتاريخ"وهي القراءة القائمة على البكاء على الأطلال في مقابل "القرأءة المستقبلية" التي وصفها العلامة عبد الرحمن بن خلدون في مقدمة كتابه "العِبَر وديوان المبتدأ والخبر" بأنها قراءة تقوم على تأمل تاريخ الأمم الماضية لفهم قوانين الحاضر من أجل تلافي أخطاء السابقين واستقراء المستقبل والاستعداد الفعال له..

وللأسف فإن هذه القراءة الماضوية يروج لها أناس أمثال د.علي الصلابي وغيره ممن يحولون التاريخ إلى حائط مبكى يقبع عنده المرء باكيًا مجد أجداده الضائع متهمًا العالم بالتآمر لإفشاله بينما هذا العالم منشغل ببناء حضارته!

ختامًا

أيها المتعصب لنموذج منحط حضاريًا، المتهم لمن ينتقده بأنه حاقد متآمر مأجور كاذب، إن التاريخ غير مطالَب بمجاملة أحد.. وهو لا يرحم من يعابثه فينتقي منه ما يرضي مرض عقله، ولا الخامل المكتفي بالبكاء على الأطلال.. إن عمر أمتك التي تدعي الدفاع عنها أكبر من دولة العثمانيين، وحضارة هذه الأمة أثرى من سيرة سلطان غاز وصرير أقلامها على ورقها أعلى صوتًا من دوي مدافع الدولة العثمانية وصليل سيوفها..

فأفق من غفلتك وأنصف تاريخك، فعار عليك أن يكون لأسلافك تاريخ عظيم يُدَرَس في الجامعات من أدنى الأرض إلى أقصاها وأنت متمسك بذيل أسمال عباءة جثمان عثماني قابع تبكيه والعالم حولك يتحرك بسرعة أكبر من التصديق!

عن "سكاي نيوز عربية"

للمشاركة:

رهاناتُ الطاقة في شرق المتوسط تهدّد تركيا بعزلة دولية

مدني قصري's picture
كاتب ومترجم جزائري
2020-02-24

ترجمة: مدني قصري
 


"شرق البحر الأبيض المتوسط، بحر من الغاز"، يكفي هذا الاقتباس، من مقال على موقع شركة النفط الإيطالية العملاقة "إيني"، لفهم التحديات الاقتصادية في شرق البحر المتوسط.

أصبح شرق البحر المتوسط اليوم، مسرحاً لسباق حقيقي على المواد الهيدروكربونية من جانب دول البحر المتوسط المعنية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، فإذا كان وجود تركيا أو قبرص في المعادلة مفاجئاً، فإنّ ليبيا وإيطاليا تشكلان المفاجأة الأكبر.

تشير الاستكشافات البحرية إلى وجود رواسب هيدروكربونية غنية على الشريط الحدودي في المناطق الاقتصادية الإسرائيلية والفلسطينية

ويجري هذا السباق على خلفية التنافس العميق بين مختلف أبطال القضية، الذين يلجؤون إلى التحالفات، ويُظهرون قواتهم العسكرية ببراعة، بهدف الاستفادة القصوى من الوضع، وقبل كل شيء، من الموارد، موضوع الرهان، حيث أعلنت تركيا نشر طائرات مقاتلة بدون طيار في المنطقة، في حين، التزمت الرئاسة الفرنسية تجاه أثينا بإرسال سفن تابعة للبحرية الفرنسية، لدعم القوات اليونانية المتمركزة في بحر إيجه.
سيحاول هذا المقال، تشريح خصوصيات وعموميات الأزمة، من أجل توضيح حجم تحديات الطاقة في المنطقة أولاً، ثم فهم حجم التصعيد الدبلوماسي الأمني وحساسية الموضوع لمختلف الدول المعنية، بشكل أفضل ثانياً.

تقديرات احتياطي النفط والغاز في شرق البحر المتوسط

تشهد احتياطيات الغاز في الشرق الأوسط أسرع نمو في العالم منذ عام 2009، مما يجعلها المنطقة الأقوى والأوسع من حيث المهام الاستكشافية، وقد قفزت احتياطيات الغاز المؤكدة بنسبة 33.6٪ منذ عام 2009، مَثّل الشرق الأوسط ما نسبته 40.4% منها، بعد أن كان يمثل 31.4٪ عام 2000.

أدت الغالبية العظمى من الاستكشافات البحرية إلى اكتشاف الكثير من رواسب الغاز والقليل من رواسب النفط

وتعتبر حالة شرق المتوسط (MEDOR)، لأسباب تقنية وعلمية، أكثر تعقيداً؛ ففي عام 2000، على سبيل المثال، قدّرت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، أنّ احتياطيات الغاز يجب أن تبلغ حوالي 2715 مليار متر مكعب، وبعد مرور 10 أعوام، قامت اللجنة نفسها بمراجعة تقديراتها بالكامل، ورأت أنّ المنطقة يجب أن تحتوي على 5765 مليار متر مكعب من الغاز.
أما النفط فهو أقلّ وعوداً من الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط، بشكل عام، حيث مَثل إنتاجه في مياه البحر المتوسط عام 2011، أقل من 6 ٪ من الإنتاج العالمي، وقدّرت دراسة أجرتها هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية عام 2010، احتياطيات النفط في حوض المشرق بـ 1.7 مليار برميل، ما يعني أنّ احتياطيات النفط المعروفة حالياً في البحر المتوسط سترتفع بنسبة 70٪، إذا كانت هذه التقديرات صحيحة.

اقرأ أيضاً: سياسة أردوغان في إدلب تُحمل تركيا أعباءً إنسانية واقتصادية جمة
ومع ذلك، فإنّ الغالبية العظمى من الاستكشافات البحرية، أدت إلى اكتشاف الكثير من رواسب الغاز، والقليل جداً من رواسب النفط.
اكتشافات حديثة.. أصل الاهتمام الحالي بشرق المتوسط
رغم ما مثلّه الخليج من أهمية حيوية في الإنتاج العالمي من الهيدروكربونات، منذ خمسينيات القرن العشرين، إلا أنّ شرق المتوسط  "ميدور" صار موضع اهتمام منذ بضعة أعوام فقط، عقب اكتشاف العديد من حقول الغاز الواعدة بشكل خاص.

اقرأ أيضاً: تركيا ومراجعة ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى
ويعود الاهتمام بشرق المتوسط إلى عام 1999، عندما تم اكتشاف حقل غاز نوا Noa، قبالة ساحل "إسرائيل"، وهكذا تسارعت الاستكشافات، ففي العام التالي، تم اكتشاف رواسب ماري – بي Mari-B، ثم حقلي داليت Dalit وتامار Tamar في عام 2009، وليفياثان Leviathan في عام 2010، وأخيراً أفروديت وتانين Tanin عام 2011.

تحافظ كل دولة في حوض المتوسط على نزاع إقليمي بحري مع جارتها، كإسرائيل ولبنان

ويمثّل جزء من حقل ليفياثان، الواقع في المياه الإقليمية، أصل اندفاع دول البحر الأبيض المتوسط الأخرى في حوض شرق المتوسط، بسبب حجم الرواسب، فهو يحتوي على حوالي 18 تريليون متر مكعب من الغاز، واستغلاله سيكون كافياً لتزويد "إسرائيل" بالكهرباء التي تحتاجها لـ 30 عاماً قادماً؛ حيث يُعتقد أنّ هذه الرواسب تحتوي على 600 مليون برميل من النفط، وهي موضوع مهمات استكشافية.
وتماشياً مع ليفياثان Leviathan، برزت رواسب تمار أيضاً، التي تحتوي على 10 تريليونات متر مكعب من الغاز، تتم إعادة تقييمها بشكل منتظم على مدار الأعوام، وقد ضاعفت تل أبيب جهود استغلال هذا الحقل الذي، بدأ العمل فيه بعد أقل من 5 أعوام على اكتشافه، عام 2014، حيث تم تشغيل حقل تمار منذ نهاية عام 2018، وهو أمر نادر في هذا المجال الاقتصادي.

وتتعلق الاكتشافات المذكورة أعلاه، والتي تمت منذ عام 1999، بالمياه الإقليمية الإسرائيلية فقط، وتُعدّ قبرص أيضاً واحدة من أكبر الفائزين في الاستكشافات البحرية، حيث إنّ أبرز رواسب الغاز المكتشفة حتى الآن هي تلك التي اكتشفت في المياه القبرصية، والمعروفة باسم "أفروديت"، التي اكتشفتها شركة نوبل إنيرجي Noble Energy الأمريكية عام 2011، التي تعتبر أصل معظم اكتشافات الرواسب الهيدروكربونية في حوض بلاد الشام.

اقرأ أيضاً: تركيا.. أخطبوط أم تخبط؟

وتقدّر احتياطيات حقل "أفروديت" حالياً؛ بحوالي 7 تريليونات متر مكعب من الغاز، وقد بدأت شركة نوبل إنرجي في حفر بئر جديد في 12 في حزيران (يونيو) 2013، حيث تأمل الحكومة القبرصية في اكتشاف كمية كافية من الغاز تصل إلى 30 أو 40 تريليون متر مكعب من احتياطيات الغاز في المنطقة الاقتصادية الخالصة "ZEE" التابعة لقبرص.

يُعتقد أن المياه الواقعة قبالة غزة تحتوي على الهيدروكربونات التي يقدر احتياطها بنحو تريليون متر مكعب من الغاز

كما عرضت السلطات القبرصية، عدة كتل استكشافية في المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة لها، في المزادات العلنية، حيث مُنحت في نهاية عام 2012 للعديد من الشركات العابرة للأوطان واتحادات أخرى، فقد فازت العملاقة الإيطالية ENI، والشركة الكورية الجنوبية كوغاز (KOGAS) بالكتل 2 و 3 و 9، بينما فازت شركة توتال الفرنسية بالكتل 10 و 11.
ويُعدّ اكتشاف بئر أفروديت 2، على الجانب الإسرائيلي من الحدود البحرية مع قبرص، اكتشافاً واعداً للغاية في ميدور "شرق المتوسط"، ومن الممكن أن تكون رواسب الغاز الطبيعي الموجودة هناك منبثقة من نفس التكوين الجيولوجي لبئر أفروديت، ويمكن أن تحتوي تقنياً، وفقاً للتقديرات، على حوالي 3 مليارات متر مكعب من الغاز، فإذا تبين أنّ أفروديت 2 مرتبط بنفس البنية الجيولوجية لأفروديت، سيتعين على "إسرائيل" وقبرص التوقيع على اتفاقية استغلال مشترك للحقل.

دان الاتحاد الأوروبي الأعمال التركية في شرق البحر المتوسط، مُعلناً دعمه لليونان وقبرص ضد تركيا

وقد تشير الاستكشافات البحرية العديدة الجارية حالياً على الشريط الحدودي في المناطق الاقتصادية الخالصة الإسرائيلية والفلسطينية، إلى وجود رواسب هيدروكربونية غنية هناك، ويُعتقد أن المياه الواقعة قبالة غزة تحتوي على الهيدروكربونات، التي يقدر احتياطها بنحو تريليون متر مكعب من الغاز، وقيل في هذا السياق إنّ السلطة الفلسطينية وإسرائيل ناقشتا في أيلول (سبتمبر) 2012، إمكانية تطوير هذه الاستكشافات البحرية في جميع أنحاء المياه الإقليمية الفلسطينية، ومع ذلك، فلم يظهر أي اتفاق في هذا الشأن.
كما انضمت السلطات اللبنانية، في نيسان (أبريل) 2013، إلى العطاءات، لاقتناء كتل استكشافية في مياهها الإقليمية، فمن بين 52 شركة تقدمت بالعطاءات، تم قبول 46 شركة، وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 2013، تم منح هذه الكتل للعديد من الفائزين، مقابل إنتاج بدأ في نهاية المطاف عام 2016، وتمتلك المياه اللبنانية، بالفعل، ما تجذب به شركات قطاع الطاقة، فإذا كانت رواسب النفط تمثل مئات الملايين من البراميل، فإن الغاز مرة أخرى، هو المتميز من حيث مادته، مع ما يقترب من 25 تريليون متر مكعب من الاحتياطيات.

بالنسبة لسوريا، فإنّ استكشاف مياهها الإقليمية في حالة توقف تام في الوقت الراهن، بسبب الحرب الأهلية التي هزت البلاد منذ آذار (مارس) 2011، وكانت الحكومة السورية قد قامت ببيع مجموعات استكشافية عن طريق المزاد، ولكن أمام حركات الاحتجاج الأولى، في أوائل عام 2011، فضلت دمشق تأجيل إعلان الفائزين إلى كانون الأول (ديسمبر) من نفس العام، وفي النهاية أعلنت قرارها في تموز (يوليو) 2013 في جلسة مغلقة، فإذا كان الفائزون غير معروفين، فمن المرجح أنّ سوريا قد عقدت، في نيسان (أبريل) 2013، محادثات طويلة مع موسكو وبكين حول الاستكشاف البحري لمياهها الإقليمية، قبل بضعة أشهر من جلسة تموز (يوليو) المغلقة، وإذا كانت نتائج هذه التبادلات غير معروفة، فمن المؤكد أن الوجود البحري الروسي المهيب في الموانئ السورية، في اللاذقية وطرطوس على وجه الخصوص، لا يمكن تفسيره بحجة التزام موسكو العسكري تجاه سوريا، فقط.

إنّ ضيق شرق المتوسط بالنظر إلى عدد البلدان التي لديها نافذة ساحلية عليه، يفرض على هذه البلدان امتلاك منطقة اقتصادية حصرية

أمّا البلدان التي تعتمد اعتماداً كبيراً في إنتاج الهيدروكربونات، على جيرانها الشرقيين، مثل؛ المملكة العربية السعودية أو قطر أو العراق أو الكويت، على سبيل المثال، فإنّ الحصول في سواحلها على موارد قادرة على تزويدها ببعض الاكتفاء الذاتي من الطاقة، أو الحدّ من اعتمادها على البلدان الأجنبية، مسألة تحمل بُعداً استراتيجياً للغاية.
في مياه شرق البحر الأبيض المتوسط، حيث لا يزال صدى الصراع التركي اليوناني في قبرص، والذي بدأ عام 1974، يتردد بلا انقطاع، بالإضافة إلى الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، والاشتباكات والمواجهات في سوريا المجاورة، فإنّ اكتشاف مثل هذه الموارد الطبيعية سيؤدي حتماً إلى تأجيج بعض التوترات الإقليمية، وإثارة توترات جديدة.

سلسلة من الأزمات
لفهم أفضل لخصائص وعموميات الأزمة الجيوسياسية – والجيواقتصادية الدائرة حالياً في شرق البحر المتوسط، من الضروري وضع هذه الأخيرة في سياقها، والتأكيد، أوّلاً وقبل كل شيء، على التعقيد العميق للأزمات المتعددة التي أدت إلى الأزمة القائمة حالياً.

منذ اكتشاف إمكانات الطاقة العالية في حوض شرق المتوسط عام 1999، شرعت دول البحر الأبيض المتوسط في سباق هيدروكربوني

بالفعل، كما رأينا في البداية، فمنذ اكتشاف إمكانات الطاقة العالية في حوض شرق المتوسط عام 1999، شرعت دول البحر الأبيض المتوسط في سباق هيدروكربوني، تحاول كل منها الاستفادة إلى أقصى حد من هذا الوضع، وهو ما أدى إلى إطلاق العنان للعديد من التحالفات، والتراجع عن المعاهدات، والتصعيد الأمني،.. إلخ.
باختصار، هذا هو السياق الذي بدأت فيه الأزمة الدبلوماسية في شرق البحر المتوسط اليوم، لاحتلال موقع مركزي في "ميدور"، على أقل تقدير؛ فجزيرة قبرص مقسمة إلى جمهورية موالية لليونان، في الجنوب، وجمهورية شمال قبرص الموالية لتركيا، حيث يعود تاريخ هذا الجزء من الجزيرة إلى الغزو التركي 20 تموز (يوليو) - 18 آب (أغسطس) 1974، والذي تم تنفيذه كرد فعل لمحاولة الانقلاب التي تم تنظيمها في 15 تموز (يوليو) 1974 بواسطة "ديكتاتورية العقداء" في اليونان، ونتج عن هذا التدخل احتلال تركيا لـ 38٪ من أراضي الجزيرة وانقسامها الجغرافي والسياسي والثقافي إلى قسمين، على الرغم من الجهود المتكررة التي بذلها المجتمع الدولي لإعادة توحيد قبرص، فقد فشلت المفاوضات لتحقيق هذه الغاية بشكل منهجي.

في هذا السياق، وحتى اليوم، لا تزال التوترات بين اليونان وتركيا حادة بشكل خاص، فالحوادث في البحر متكررة، كما يتضح من محاولات خفر السواحل الأتراك ضرْب سفن الصيد اليونانية، وقد يحدث تبادل لإطلاق النار، إنّ العداء بين المتصارعين؛ اليوناني والتركي، والذي تدعمه قبرص، بشقيها الجنوبي والشمالي، يمهد الطريق لسياق جيوسياسي في شرق البحر المتوسط.

اقرأ أيضاً: لماذا خسرت تركيا ورقة إدلب؟ وكيف ضاقت خياراتها في سوريا؟

وتحاول بقية الدول الاستفادة من هذا الوضع، ومن الفرص التي تمكنت من اغتنامها، حيث إنّ ضيق شرق المتوسط، بالنظر إلى عدد البلدان التي لديها نافذة ساحلية عليه (تركيا، سوريا، لبنان، إسرائيل، الأراضي الفلسطينية، مصر، قبرص وشمال قبرص، واليونان)، يفرض على هذه البلدان امتلاك منطقة اقتصادية حصرية، تكون أحياناً ضيقة جداً في أعين قادتها، سيما بعد اكتشاف رواسب الهيدروكربون الغنية في حوض شرق المتوسط.

تشهد احتياطيات الغاز في الشرق الأوسط أسرع نمو في العالم منذ عام 2009 مما يجعلها المنطقة الأوسع من حيث المهام الاستكشافية

وبناءً على هذه المعطيات، تحافظ كل دولة في الحوض، بشكل أو بآخر، على نزاع إقليمي بحري مع جارتها، كإسرائيل ولبنان، على سبيل المثال، اللتان تتبادلان الاتهامات بالتعدي على بعضهما البعض، ولسبب وجيه، لم يوقع الطرفان اتفاقية ثنائية تحدّد الحدود البحرية المشتركة بينهما؛ لأنّ لبنان لا يعترف بدولة إسرائيل.
وكذلك الأمر بين تركيا وقبرص، ففي حين لا تعترف الأخيرة بشمال قبرص، حيث ترى أنّ لها حقاً حصرياً في المنطقة الاقتصادية الخالصة، تؤيد تركيا مُهرَها القبرصي الشمالي الذي يطالب، بدوره، بمنطقة اقتصادية خالصة، تتداخل مع منطقة قبرص، كما تطالب أنقرة بجزء كبير من المناطق الاقتصادية اليونانية الخالصة، على مستوى بحر إيجه، بسبب كوكبة الجزر اليونانية في المنطقة المجاورة للسواحل التركية، وهي الجزر التي تمنح من المناطق الاقتصادية الخالصة لليونان بقدر ما تنتزعها من تركيا.
قانون البحار والتنافس على الهوامش
ينص قانون البحار، وتحديداً؛ اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، الموقعة في عام 1982 في مونتيغو باي (جامايكا)، على ألا تتجاوز المنطقة الاقتصادية الخالصة للبلدان ذات الانفتاح على البحر، 200 ميل بحري من خطوط الأساس (متوسط المياه عند انخفاض المد)، أو ألا تتجاوز الحافة الخارجية للجرف القاري (امتداد القارة تحت سطح المحيط)، إن كان أكثر من الـ 200 ميل المذكورة آنفاً، ومع ذلك، في حالة حوض شرق المتوسط، فإنّ تركز البلدان ضمن ضيق شرق البحر المتوسط، يجعل التحديد الدقيق للحدود البحرية مشوشاً وغامضاً، وهو ما تلعب عليه الدول لزيادة هوامشها في المناورات الدبلوماسية والاقتصادية.

اقرأ أيضاً: عمرو موسى: تدخلات إيران وتركيا تؤجج الصراعات في المنطقة
إنّ التنافس على هوامش المناورة، على خلفية الوضع القانوني المشوش والتوترات الجيوسياسية الملحوظة، يمثل في جزء كبير منه، أصلَ الأزمة الحالية في شرق البحر المتوسط.

تداعيات الأزمة

الأزمة الحالية هي امتداد لأزمة عام 2018، والتي كانت، بدورها، نتيجة سلسلة من الأزمات الصغيرة المبعثرة، والتي أضحت خطيرة؛ ففي عام 2002، اعترضت سفينة تابعة للبحرية التركية سفينة استكشاف نرويجية، كانت قبرص قد كلفتها بالحفر في المياه الإقليمية القبرصية التي تطالب بها أنقرة، وفي العام 2007، وضعت قبرص خطة كتلة استكشافية، وأطلقت مناقصة متعلقة بها، لكنّ تركيا، التي لم توقع على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ادعت أنّ إحدى الكتل التي حددتها قبرص ملك لها، مُعتبرة مناقصة نيقوسيا بشأن تلك الكتلة الاستكشافية غير شرعية، ومنذ عام 2008 إلى عام 2014، استمر التصعيد، وشارك فيه عدد متزايد من السفن الحربية التابعة للبحرية التركية، والتي كانت ترافق سفن الاستكشاف التركية في المياه القبرصية التي تطالب بها أنقرة، كما حدث في عام 2014، على سبيل المثال.
تركيا في المياه اليونانية
بدأت أزمة عام 2018 بِبيان أصدره وزير الخارجية التركي؛ ميفلوت تشافوس أوغلو، حيث أعلن في 6 شباط (فبراير)، عن عزم الحكومة التركية على بدء استكشافات بحرية جديدة في المياه اليونانية، وقبل كل شيء، في المياه القبرصية، وازداد التوتر، عندما منعت سفينة تركية في 9 شباط (فبراير)، سفينة الحفر التابعة لشركة ENI الإيطالية من استكشاف إحدى الكتل الاستكشافية التي فازت بها الأخيرة، على أساس أنّ هذه الكتلة تخص شمال قبرص، واستمرت المبارزات الدبلوماسية والأمنية في معظم الجزء المتبقي من عام 2018، مع زعيم حزب المعارضة التركي IYI؛ ميرال أكسينر، الذي دعا إلى غزو جديد لقبرص، لكن الموقف هدأ في نهاية المطاف من تلقاء نفسه، وليس من خلال حلّ حقيقي للمشاكل.
منتدى شرق البحر المتوسط للغاز لمواجهة تركيا
في 16 كانون الثاني (يناير) 2019، قررت الحكومات؛ القبرصية والمصرية واليونانية والإسرائيلية والإيطالية والأردنية والفلسطينية، مواجهة تركيا، من خلال إنشاء "منتدى شرق البحر المتوسط للغاز" EMFG، للإشراف على الحوار والتعاون، بعد ظهور سوق واعدة للغاز في المنطقة، واستبعدت الاتفاقية تركيا، رغم أنّ السلطات اليونانية قالت إنّ أي عضو جديد هو موضع ترحيب، شريطة احترام ميثاق (EMFG).

الاتحاد الأوروبي يُدين تركيا

اجتمع منتدى شرق البحر المتوسط للغاز، مرة أخرى، في تموز (يوليو) 2019، بمشاركة الولايات المتحدة هذه المرة، وبالتزامن مع ذلك، أعلن الاتحاد الأوروبي دعمه لليونان وقبرص ضد تركيا، حيث دان الأعمال التركية في شرق البحر المتوسط.
رسم حدود بحرية بين ليبيا وتركيا في مياه يونانية
رداً على هذه المبادرات وعلى هذا التحالف "المعادي للأتراك"، وقعت تركيا في تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، اتفاقية مع حكومة الوفاق الوطني في ليبيا، في إطار تحالف متنامٍ بين الجيش الوطني التركي وحكومة الوفاق، قائم على دعم أنقرة العسكري لحكومة طرابلس ضد حكومة طبرق والمشير حفتر، هذا الاتفاق، ذو الخطوط العريضة الغامضة، والذي روجت له السلطات التركية إعلامياً، يضع، بشكل ما، حدوداً بحرية بين ليبيا وتركيا، استناداً إلى المياه الإقليمية التي يطالب بها البَلَدان حالياً، والتي تقع رسمياً ضمن قوانين اليونان على وجه الخصوص، حيث يهدف إنشاء هذه الحدود البحرية المشتركة، في نهاية المطاف، إلى تشجيع استغلال الموارد البحرية في المنطقة وتسهيل التجارة بين البلدين.
ويتضمن هذا الاتفاق جانباً عسكرياً أيضاً، وقد تمّت إدانته بحزم من قبل أعضاء مجموعة منتدى شرق البحر المتوسط للغاز والاتحاد الأوروبي، إلّا أنّه لا يبدو، في الوقت الحالي، أنّه قد تمت تسويته بأي شكل من الأشكال، على الجانب الاقتصادي على الأقل.
خط أنابيب الشرق الأوسط لإفشال الاتفاق التركي الليبي
رداً على الاتفاق التركي الليبي، وافقت اليونان وقبرص و"إسرائيل"، في 2 كانون الثاني (يناير) 2020، على إنشاء "خط أنابيب الشرق الأوسط"، وهو مشروع قيد النقاش والتأمل منذ عام 2013، تحت رعاية المفوضية الأوروبية، حيث يهدف إلى إنشاء خط أنابيب هيدروكربوني يخدم الاتحاد الأوروبي، عبر إيطاليا، انطلاقاً من "إسرائيل" وقبرص واليونان، دون الاعتماد على تركيا أو قبرص الشمالية أو ليبيا، ومن المتوقع أن يربط خط الأنابيب بِئْرَيْ ليفياثان وأفروديت، وهما أكبر رواسب في "إسرائيل" وقبرص.

تركيا تتحدى وتستكشف في المياه القبرصية

بدأت تركيا، التي قرّرت تحدّي خط أنابيب الشرق الأوسط، استكشافاتها الأولى في المياه الإقليمية القبرصية، عن طريق إرسال سفينة الحفر Yavyz إلى هناك، في 19 كانون الثاني (يناير) 2020، وفي اليوم التالي، أعلنت الجريدة الرسمية للرئاسة التركية عن خطتها لإدارة 5 آبار بحرية في "مياه الجمهورية التركية لشمال قبرص"، أي في المياه الإقليمية الخاضعة رسمياً لقبرص.
تركيا مهددة بعزلة دولية
خلال اجتماع في باريس، بين رئيس الوزراء اليوناني؛ كيرياكوس ميتسوتاكيس، والرئيس الفرنسي؛ إيمانويل ماكرون، في 27 كانون الثاني (يناير)، أكّد الأخير دعمه لليونان، بإرسال وشيك، للسفن البحرية الوطنية الفرنسية إلى شرق البحر الأبيض المتوسط، تحت شعار "ضامنو السلام"، مع تصاعد التوترات بين اليونان وتركيا، ومطالبة الأخيرة أثينا بتجريد  16 جزيرة في بحر إيجة من السلاح، وفي 26 كانون الثاني (يناير) 2020، أعلن وزير الدفاع اليوناني؛ نيكوس باناجيوتوبولوس، أنّ القوات المسلحة اليونانية "درست جميع السيناريوهات، بما في ذلك الالتزام العسكري".
وحتّى إن ظلت فرص حدوث نزاع مسلح حقيقي بين تركيا واليونان و/أو قبرص، فرصاً ضعيفة للغاية، فإنّ الأزمة تتحول حالياً إلى منعطف خطر، يهدد، دبلوماسياً وتاريخياً، بزيادة عزلة تركيا على المسرح الدولي.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:
lesclesdumoyenorient.com

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية