تحقيقات جديدة.. ما حقيقة تمويل قطر لجماعات إسلامية إقليمياً ودولياً؟

تحقيقات جديدة.. ما حقيقة تمويل قطر لجماعات إسلامية إقليمياً ودولياً؟
مدني قصري's picture
كاتب ومترجم جزائري
8486
عدد القراءات

2019-08-19

ترجمة: مدني قصري


حاولت الدوحة تعزيز دورها الإقليمي بعد انفجار "الربيع العربي"، من خلال دعم فروع الإخوان المسلمين في عدد من البلدان التي شهدت ثورات، لا سيما تونس ومصر وليبيا.

اقرأ أيضاً: تحذير بريطاني من جمعية خيرية على صلة بمؤسسة قطرية
هناك أدلة كثيرة على أنّ هذا النهج قد انتشر في اليمن؛ ففي خطاب ألقاه، في نيسان (أبريل) 2011، قال الرئيس اليمني الراحل، علي عبد الله صالح: "نستمدّ شرعيتنا من قوة شعبنا اليمني المجيد، لا من قطر، التي نرفض مبادرتها"؛ كانت هذه الإدانة العلنية الشديدة ناجمة عن دعم قطر لحزب الإصلاح، الذي لعب دوراً رئيساً في الجهود المستمرة للإطاحة بصالح.

على غرار العديد من الجهاديين المصريين فقد تمّ استقطاب الظواهري إلى التطرف من قِبل منظر الإخوان المسلمين سيد قطب

ذكرت وسائل الإعلام اليمنية؛ أنّ قطر تدعم حزب الإصلاح في اليمن، وهو الجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في البلاد، وكان الغرض من هذا التدخل، وفق تقارير، هو إنشاء جناح عسكري للجماعة يعزز قدرة حزب الإصلاح الإخواني على توسيع نفوذه في جميع أنحاء اليمن والدولة، في المجالات؛ السياسية والعسكرية والأمنية.
يحاول المقال توضيح الأهداف المحتملة التي قد تحملها الدوحة في دعم حزب الإصلاح، ويؤكد أنّ أيّة علاقة بين قطر و"الإصلاح" يجب أن تُفهم في ضوء سياسات قطر طويلة الأمد تجاه الإخوان المسلمين وغيرهم من الإسلاميين، في مختلف مناطق الصراع في الشرق الأوسط.
قطر فرضت شروطاً على مساعدتها لمتحف لا شو دي فون

سياسات الدوحة
إنّ سياسات الدوحة، المتمثلة في الاتهامات الموجهة لها بتمويل المتمردين، أدّت إلى استفادة المنظمات المتطرفة منها، سوريا حالة معروفة؛ حيث حدث هذا، وليبيا ومالي مثالان آخَران، وقد ذهبت مديرية الاستخبارات العسكرية الفرنسية في اتهاماتها إلى حدّ القول، عام 2013؛ إنّ قطر قد ذهبت إلى أبعد من ذلك، وإنّ قواتها الخاصة "تدرّب مقاتلين مرتبطين بجماعة أنصار الدين، وهي أحد الفروع المرتبطة بتنظيم القاعدة في منطقة الساحل".
الظواهري يثني على سيد قطب
ليس مستغرَباً؛ أن نرى جماعة الإخوان المسلمين و"القاعدة" تعملان بالقرب من بعضهما، وتدفعان نشاطهما في الاتجاه نفسه؛ لقد دافع زعيم القاعدة، أيمن الظواهري، علناً، عن الاتحاد مع جماعة الإخوان المسلمين، للعمل ضدّ الغرب، وعلى غرار العديد من الجهاديين المصريين، فقد تمّ استقطاب الظواهري إلى التطرف من قِبل منظر الإخوان المسلمين، سيد قطب، والذي أثنى عليه في كتابه "فرسان تحت راية النبي"، وبالتالي فإنّ أسلحة جماعة الإخوان المسلمين قد تنتقل بسهولة إلى القوات التابعة لتنظيم القاعدة.
الدوحة تدعم إخوان ليبيا
في ليبيا؛ تشير بعض التقارير الصحفية أنّ الدوحة دعمت لواء طرابلس، التابع لعبد الحكيم بلحاج، وكان بلحاج أمير المجموعة الليبية الإسلامية المقاتلة، المتهمة بالارتباط بتنظيم القاعدة، حتى تمّ أسْره من قبل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي آي أي" في بانكوك، عندما حوّل بلحاج مجموعته إلى حزب سياسي، الوطن، ورفض الانتخابات الليبية عام 2012.

اقرأ أيضاً: قطر: إضراب عمال وافدين عن العمل لهذه الأسباب
رغم ذلك؛ لم يحقق بلحاج النتائج المرجوّة، وحصل على 3٪ فقط من أصوات الشعب، لذلك لم يفز بأيّ مقعد في البرلمان، كما دعمت الدوحة حزب العدالة والبناء الليبي (حزب العدالة والبناء)، وهي منظمة إسلامية مرتبطة بالإخوان المسلمين.
وصف المسؤولون الأمريكيون الإخوان المسلمين الليبيين بأنّهم متطرفون مناهضون للديمقراطية، وأعربوا عن استيائهم من دعم قطر لهم، فعلى سبيل المثال؛ منعت حكومة الولايات المتحدة، تاجر أسلحة في أريزونا من بيع الأسلحة إلى قطر على أساس أنّها ستزود بها المتشددين الليبيين.

فضائية "الجزيرة" تروّج لجبهة النصرة 
في سوريا؛ قدّمت قناة "الجزيرة" القطرية، تغطية مواتية لـ "جبهة النصرة" التابعة لتنظيم القاعدة، وقد حاول بعض المسؤولين القطريين تصوير "النصرة" كقوة معتدلة، ومنح تغطية واسعة، وساذجة، لتصريحات "النصرة"، التي انفصلت عن تنظيم القاعدة، وفشلت جهود قطر في تغيير النظرة الغربية إزاء "النصرة"، فشلاً ذريعاً، رغم استمرار قطر في محاولة التوسط بين الغرب والقوى المتطرفة، منذ حزيران (يونيو) 2013، ترحّب الدوحة بطالبان، التي تشارك في مفاوضات مع الولايات المتحدة حتى الآن.

الريان أكبر بنك إسلامي ببريطانيا لديه أكثر من 85000 عميل من أصحاب المجموعات المتشددة والمتعاطفين مع الإخوان المسلمين

إضافة إلى استخدام الإسلاميين لتوسيع نفوذها، استخدمت قطر الإسلاميين لتقويض منافسيها، وفق صحيفة "نيويورك تايمز"، قام رجل أعمال مقرب من أمير قطر، خليفة كايد المهندي، بالتنسيق مع السفير الصومالي في الصومال، في هجوم بسيارة مفخخة ارتكبها متشدّدون في بوساسو للترويج لمصالح قطر، من خلال إقصاء منافستها، الإمارات العربية المتحدة.
أمكن سماعُ المهندي خلال محادثة هاتفية مع السفير، في 18 أيار (مايو) 2019، بعد حوالي أسبوع من التفجير، قائلاً: "نحن نعرف من يقف وراء الهجمات"، مضيفاً: "كان أصدقاؤنا وراء أحدث الهجمات"، وأكّد المهندي؛ أنّ العنف كان "يهدف إلى تخويف وإبعاد الإماراتيين"، "فليطردوا الإماراتيين، حتى لا يجددوا العقود معهم، وسأحضر العقد هنا في الدوحة"، عاصمة قطر، وقد أعلنت حركة الشباب، فرع تنظيم القاعدة في الصومال، مسؤوليتها عن الهجوم.
وهذا يعزّز مصداقية اتهام سفير الإمارات العربية المتحدة لدى روسيا، عمر سيف غباش، بأنّ قطر متهمة بالتعاون مع تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية في اليمن.

اقرأ أيضاً: الإمارات تغلق قضية مرفوعة ضدّ قطر
قال غباش: "لقد أبلغ حلفاؤنا القطريون القاعدة بموقعنا بالضبط، وبالذي ننوي القيام به"، تجدر الإشارة هنا إلى أنه منذ عام 2011، على الأقل، أصبح تنظيم القاعدة في جزيرة العرب وحركة الشباب أكثر تشابكاً، وبالتالي فإنّ دعم أحدهما يمكن أن يفيد الآخر بسهولة.
يستنتج من ذلك؛ أنّه بالنظر إلى جميع العوامل المذكورة أعلاه، من المحتمل أن تحاول قطر استخدام حزب الإصلاح لتعزيز أهدافها في اليمن، ولن يكون من قبيل المبالغة الاعتقاد بأنّ الدوحة تعمل بقوة أكبر لمحاولة زيادة تأثيرها على الدولة والمجتمع اليمنيين.

العلاقات المالية بين قطر والجماعات الإسلامية الغربية

في مقال نشرته صحيفة "التايمز" مؤخراً؛ يقدم أندرو نورفولك، وهو صحفي تحقيقي، رؤى جديدة حول العلاقات المالية بين قطر والجماعات الإسلامية الغربية.
لقد تلقت العديد من المنظمات البريطانية المرتبطة بالإسلاميين ومؤيديهم، وفق نورفولك، أموالاً من قطر، وبعض عملاء أحد البنوك جُمِّدت حساباتهم المصرفية أو أغلِقت لأسباب أمنية.

بنك الريان أكبر بنك إسلامي في بريطانيا

سبق أن قامت مؤسسة "العين الأوروبية على التطرف" ( European Eye on Radicalization) بالتحقيق في الروابط المذكورة أعلاه، والتي تجذب الآن انتباه الغرب.
بنك الريان، أكبر بنك إسلامي في بريطانيا، لديه أكثر من 85000 عميل (أصحاب المجموعات المتشددة، والدعاة، والمتعاطفون مع الإخوان المسلمين).

اقرأ أيضاً: بنك قطري آخر أمام القضاء البريطاني.. لماذا؟

وفق نورفولك، هناك 4 مجموعات تابعة للريان تخضع حالياً للتحقيق من قبل اللجنة الخيرية، يعتبر التحقيق الذي أجرته "التايمز" أمراً حاسماً لفهم قدرة الريان على الجاذبية والهيمنة بشكل أفضل؛ حيث إنّه يضمّ أكثر من 10 منظمات مثيرة للجدل إلى حدّ كبير لديها جميعاً حسابات في بنك الريان.

بنك الريان لديه أكثر من 85000 عميل

نشاطات مسجد شرق لندن
يعدّ مسجد شرق لندن، أحد أكبر المراكز الإسلامية في أوروبا، وكانت نشاطاته مثيرة للجدل دائماً؛ حيث إنه يدعو بانتظام دعاةً أمثال؛ هيثم الحداد، وأنور العولقي، أحد أشهر مروّجي دعوة "القاعدة" الذين تعدّ أيديولوجيتهم عنصرية وصريحة، وكارهة للنساء..، كما صرّحت بذلك سارة خان، المفوّضة البريطانية الحالية لمكافحة الإرهاب،.
في الماضي؛ كانت أعمال مسجد "فينسبري بارك موسكي"، أكثر إشكالية، كان معقل أبو حمزة، وهو رأس الكراهية، الذي يقضي حالياً عقوبة بالسجن مدى الحياة في الولايات المتحدة، قد تمت إعادة فتحه في مرحلة أولى، عام 2005.
روابط أيديولوجية وثيقة مع الإخوان وحماس

كان لفريق القيادة الجديدة روابط أيديولوجية وثيقة مع الإخوان المسلمين، وكان محمد صوالحة، وهو عضو في مجلس إدارة المسجد، جزءاً من المكتب السياسي لحركة حماس.

اقرأ أيضاً: التايمز: قطر متهمة باستخدام مصرف بريطاني لدعم جماعات الإسلام السياسي
يبدو أنّ المجموعة المسؤولة عن هجمات 21 تموز (يوليو) 2005 في لندن، قد شجعها مسجد فينسبري بارك؛ ففي الآونة الأخيرة، تتم متابعة المؤسسة عن كثب، أيديولوجياً وتشغيلياً، مؤسسة البحوث الإسلامية الدولية، برئاسة الداعية ذاكر نايك، الذي طُرد من المملكة المتحدة، عام 2010، هي المموّل الرئيس لقناة "TV Peace".
وفق التحقيقات التي أجرتها "التايمز"؛ فإنّ رسالة "السلام للإنسانية" التي وجهها ذاكر نايك لم تمنعه من تمجيد زعيم القاعدة أسامة بن لادن.

مسجد شرق لندن

إستراتيجية إسلامية نمطية 

في الواقع؛ تعدّ العلاقات المالية لقطر مع المنظمات الإسلامية الغربية إستراتيجية تسير جنباً إلى جنب مع شكل من أشكال الدبلوماسية الثقافية الفريدة من نوعها، والتي تنفذها بعض دول الخليج.

في ليبيا دعمت الدوحة لواء طرابلس التابع لبلحاج الذي كان أمير المجموعة الليبية الإسلامية المقاتلة المتهمة بالارتباط بتنظيم القاعدة

يدعونا بول ستوت، مدرّب في الدبلوماسية والدراسات الدولية في "SOAS"، في جامعة لندن، وباحث في جمعية "هنري جاكسون" (HJS) إلى تأمّل رؤية وإستراتيجية قطر التي يبدو أنها تأخذ بعين الاعتبار دمج وتعميم تفسير نمط محدد للإسلام في الغرب بشكل عام، وفي المملكة المتحدة بشكل خاص.
أوضح ديفيد روبرتس، مؤخراً؛ أنّه بوجود موارد مالية وفيرة وموارد بشرية محدودة، يعتمد المقربون من سياسة قطر على العلاقات الشخصية مع مختلف الوسطاء، كأسلوب تشغيل رئيس للسياسة الخارجية، ونتيجة لذلك؛ تدعم قطر، أحياناً، الجماعات المرتبطة بالإخوان المسلمين؛ لأنّها كانت دائماً المنظمة الإسلامية بامتياز التي طورت مهارات تكيّف ملحوظة من زاوية إستراتيجية واتصالية في آن.

كتاب يكشف سعة تمويل قطر
دعمت قطر مشاريع المساجد والمراكز الإسلامية في سويسرا بعدة ملايين من اليورو، وفق كتاب "أوراق قطرية"(Qatar Papers)  الذي نشرته جريدة "تاشيا" مؤخراً.

اقرأ أيضاً: الإخوان في قطر: تيار سياسي أم أكثر من ذلك؟
لكتابة "أوراق قطرية"، اعتمد الصحفيان الفرنسيان، كريستيان تشيسنو وجورج مالبرونو، على وثائق داخلية مسرّبة تابعة لمنظمة غير حكومية على صلات مع شخصيات مقربة من السياسة القطرية، وفق ما ذكرته "Hers External Link" و"Geneva TribuneExternal".

 كتاب "أوراق قطرية"(Qatar Papers)
يعتقد المؤلفان الفرنسيان؛ أنّه من المشروع أن يكون للمسلمين قاعات صلاة جيدة في أوروبا وغيرها، لكنّهما يحذران من المجتمعية الدينية، وظهور مجتمع موازٍ يؤدي إليه التبشير الإسلاموي؛ لأنّ مؤسسة قطر الخيرية ترتكز على عقيدتها في جماعة الإخوان المسلمين، والتي "تغذيها مجرّة الجمعيات".
لقد استأجرت المنظمة، غير الحكومية، واعظها الأكثر شهرة في أوروبا، طارق رمضان، وهدف سياسة الدوحة هو إرضاء قاعدتها المحافظة، والتي تعدّ توسّع الإسلام في جميع أنحاء العالم واجباً عليها، واكتساب نوع من التأمين، من خلال استثماراتها الثقافية أو المالية، أو من استثمارات رياضة كرة القدم، في الغرب، لمواجهة عدوّها السعودي.
مكافآت طارق رمضان
استناداً إلى مذكرة من منظمة المراقبة المالية الفرنسية "تراكفين"، يؤكد كتاب كريستيان تشيسنو وجورج مالبرونو "أوراق قطرية"؛ أنّ طارق رمضان، المقرَّب من جماعة الإخوان المسلمين، يتلقى 35000 يورو شهرياً من مؤسسة قطرية .

اقرأ أيضاً: الرئيس الموريتاني: قطر دمرت دولاً عربية باسم الديمقراطية
كما تشير منظمة المراقبة المالية الفرنسية إلى أنّ وسائل الإعلام الإسلامية كانت ستحصل أيضاً على 19000 يورو من رابطة المسلمين في سويسرا، في أوائل عام 2018، وقت اعتقال رمضان بتهمة الاغتصاب التي وجهت له ولم يعترف بها.
 طارق رمضان

تفاصيل نشاط قطر الخيرية
كشف التحقيق الذي أجراه تشيسنو ومالبرونو، والمدعوم بالعديد من المقابلات والوثائق السرية كيفية توجيه الدوحة أدواتها بطريقة محترفة ومنهجية ومبهمة للغاية، عبر برنامج "البيت" التابع لمنظمتها غير الحكومية، قطر الخيرية، تموّل هذه الأخيرة 138 مدرسة ومسجداً في أوروبا، من شمال النرويج الكبير إلى إيطاليا، عبر ألمانيا والمملكة المتحدة وسويسرا وبلجيكا ومنطقة البلقان وفرنسا.

اقرأ أيضاً: محللون فلسطينيون يكشفون أهداف الأموال القطرية في قطاع غزة
يستعرض الكتاب تفاصيل نشاط قطر الخيرية في مدن؛ مولهاوس، ونانت، ومرسيليا، ولِيلْ، وبواتييه، والهافر، وإيل دو فرانس، خاصة مع المسؤولين المنتخبين الذين تمّ إغراؤهم من قبل إسلام "الوسطية"، أو الوعد بـ "مسجد مقابل عهدتين"، وكانت الميزانية الإجمالية 30 مليون يورو؛ أي ضعف التقديرات الرسمية، ويؤكّد المؤلفان أنّ الإنفاق قانوني بشكل عام ولا يموّل الإرهاب.
140 مسجداً مقابل 71 مليون يورو
هذه الوثائق تتيح تقييم سعة وحجم التمويل من قبل الدوحة، للمشاريع المتعلقة بالمنظمات الإسلامية في أوروبا.
يؤكّد الكتاب؛ أنّ مؤسسة قطر الخيرية قامت بتمويل 140 مسجداً ومركزاً إسلامياً في أوروبا، مقابل 71 مليون يورو.

اقرأ أيضاً: محور تركيا قطر: هل يفقد نفوذه في السودان وليبيا؟‎
"قطر اليوم لاعب رائد في تمويل الإسلام في أوروبا"؛ هكذا علق مؤخراً على التلفزيون والإذاعة السويسرية الناطقة بالفرنسية (RTS)، جورج مالبرونو، مؤلف مشارك لكتاب "أوراق قطرية"، وصحفي رئيس في صحيفة "لوفيغارو"، وإيطاليا هي أول بلد مستفيد بأكثر من 50 مشروعاً مموَّلاً.
 مؤسسة قطر الخيرية قامت بتمويل 140 مسجداً ومركزاً إسلامياً في أوروبا

5 مشاريع مموّلة في سويسرا
في سويسرا؛ ضخّت المنظمة غير الحكومية، بين عامي 2011 و2014، أكثر من 3.6 مليون يورو (4 ملايين فرنك) في 5 مشاريع للمنظمات الإسلامية في بريلي (فاود)، وبيين (برن)، ولا شو دو بروفانس، فوندز (نوشاتيل)، ولوغانو (تيسينو).

منحت قناة الجزيرة تغطية واسعة لجبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة وحاول بعض القطريين تصويرها على أنها قوة معتدلة

يلعب كلّ من محمد ونادية كرموس، وهما على رأس متحف الحضارات الإسلامية في لا شو دو فون، "دوراً رئيساً"، وفق كتاب "أوراق قطرية"، تلقى الزوجان "المدعومان على أعلى مستوى من حركة الإخوان المسلمين" للمتحف، ما لا يقل عن 7 تحويلات مالية بمبلغ إجمالي يصل إلى 1.4 مليون فرنك.
ردّاً على اتصال من قبل هيئة تحرير "Tamedia"، لم يرغب محمد كرموس في التعليق على الكتاب دون قراءته، ولكنّه أكّد "احترام القوانين السويسرية".
يقع المجمع الثقافي الإسلامي في لوزان في بريلي (1.6 مليون فرنك سويسري) ومسجد صلاح الدين في مدينة بيين، ضمن الهياكل التي تلقت الأموال من الدوحة.

"من يموّل يملِك النفوذ"
"تتواصل قطر مع الشبكات المرتبطة بحركة الإخوان المسلمين (...)، وبالتالي، فمن خلال هذه الشبكة الموجودة مسبقاً، هناك حتمية أسهل في ممارسة الإقحامية"، وفق قول جورج مالبرونو.
وقال الصحفي: "هناك استثمار ضخم من جانب قطر للتأثير على الإسلام الأوروبي"، مشيراً إلى أنّ قطر فرضت شروطاً على مساعدتها لمتحف لا شو دي فون (La Chaux-de-Fonds): "لقد فرضوا رفع العلم، وحضور القادة القطريين في الاجتماعات المهمة، مَن يموّل يملك النفوذ".
في مواجهة جورج مالبرونو، ذكّر ممثل اتحاد المنظمات الإسلامية في سويسرا، باسكال جيمبرلي، بأنّ تمويل جميع المساجد في البلاد هو بنسبة "98٪" من أصل سويسري، وقال: "نحن بعيدون عن فيضانات الأموال الأجنبية".
وأضافت باسكال جيمبرلي؛ أنّ مؤسسة قطر الخيرية "لديها شراكات مع مؤسسة بيل جيتس، وتعمل مع برنامج الغذاء التابع للأمم المتحدة، ومنظمة "اليونيسيف"، ومنظمة الصحة العالمية..."؛ "فهي ليست منظمة منبوذة".

 


المصادر: eeradicalization.com/fr و www.swissinfo.ch

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف قضى أردوغان على حلم خلافته للمسلمين بيديه؟

2020-03-28

ترجمة: علي نوار


يمرّ الرئيس التركي بأوقات عصيبة هذه الأيام، فقد قضى السوريون والروس على أطماعه في زعامة العالم الإسلامي، وبات رئيساً للجمهورية التركية فقط لا أكثر، كما أصبح أضعف من أي وقت مضى في الداخل التركي أيضاً، لكنّه لن يخوض أي انتخابات حتى عام 2023، ونظراً للديمقراطية المنقوصة التي يمارسها في بلاده، فلن يكون من المستغرب رؤيته في السلطة لأعوام أخرى كثيرة، إلا أنّ طموحه لأن يكون خليفة مات ودفن بالفعل بلا رجعة.

روّج أردوغان في تركيا؛ مغامرته العسكرية الأخيرة على الأراضي السورية على أنّها حملة لوقف تدفّق اللاجئين السوريين إلى الأراضي التركية

روّج أردوغان في الداخل مغامرته العسكرية الأخيرة على الأراضي السورية على أنّها حملة لوقف تدفّق اللاجئين إلى تركيا، إلّا أنّ هذا الأمر غير منطقي لسبب بسيط؛ كيف يمكن أن يسهم إذكاء حدة النزاع في تحسين وضع اللاجئين؟ بل على العكس تماماً سيؤدّي ذلك لإقناع عدد أكبر من اللاجئين بأنّ الوقت لم يحن بعد للعودة إلى الديار.
ومن الواضح للغاية؛ أنّ أردوغان لم يشنّ حملته العسكرية ضد الجيش السوري في إدلب من أجل ناخبيه الأتراك، بل للحصول على رضا أطراف خارجية، فقد دأب أردوغان طيلة 15 عاماً على ارتداء ثوب الخليفة غير الرسمي للعالم الإسلامي، لكنّ النهاية جاءت بالفعل.
يمتاز العالم الإسلامي بتنوّع سياسي وثقافي هائل، لكن هناك نوع من روح التضامن الإسلامي، ويوجد دائماً توق لقائد مسلم قوي من أجل الدفاع عن قضايا المسلمين، ولا يبدو أنّ أردوغان "العثماني الجديد" قادر على أنّ يكون هذا القائد بالنسبة للمسلمين حول العالم.

أردوغان يريد أن يكون خليفة المسلمين.. هل هي حقيقة؟
يحدث ترويج مغلوط لاتهام الرجل بأنّه يريد ضم أجزاء من الأراضي السورية إلى تركيا، لكن هذا ليس طموح أردوغان الحقيقي، فمن جهة، هو يحكم تركيا منذ ما يقارب الـ 15 عاماً وإنّ كان يريد ضم أجزاء صغيرة من سوريا لكان قد فعل، إلّا أنّ تطلّعات أردوغان هي "عثمانية جديدة"، لكن ليس عن طريق توسيع رقعة تركيا، بل عبر ارتقائه هو شخصياً لمرتبة القائد غير الرسمي للعالم الإسلامي مثل أسلافه من سلاطين القسطنطينية.

اقرأ أيضاً: أردوغان يوجه بوصلته نحو اليمن
وبدون حظوة إسلامية تفوق مثيلاتها لدى الآخرين "مثلما تتفوّق الولايات المتحدة بالضبط على باقي الدول الغربية"، تظلّ الساحة مفتوحة لتنافس الزعماء إذا كانوا يتطلّعون لذلك، فبوسع الجزائر ومصر المنافسة رغم ميلهما نحو الطابع العلماني للدولة، ما يعني أن ليس لديهما وقت للشاعرية الإسلامية الخاطئة، رغم أنّ مصر في عهد الرئيس السابق جمال عبد الناصر كانت لها تجربة قيادة أكثر واقعية للعالم العربي على أساس القومية العربية، كما تردّد اسم باكستان، التي وصل الإسلاميون لحكمها في عدة مناسبات، كي تقود المسلمين، إلّا أنّ انشغالها في الحرب مع الهند، فضلاً عن افتقارها للاستقرار الداخلي وعوامل القوة والموارد، حال دون ذلك.

لماذا سارت الرياح بما لا تشتهي سفن أردوغان؟
كان أوّل ما فعله أردوغان هو منح الأكراد حقوقهم فيما يخصّ لغتهم، وتحقيق الأمن في الداخل التركي، لكن زعيم العالم الإسلامي يتعيّن عليه الدفاع عن القضية الإسلامية، لذا أخذ أردوغان، على الأقل عبر الخُطب فقط، على عاتقه قضايا المسلمين الآخرين من غزة وحتى الشيشان وكشمير وميانمار، ونجح الرجل في ارتداء ثوب الضحية على نحو متقن للغاية، لم يتمكّن أسامة بن لادن حتى من مجاراته، ثم بدأ الرئيس التركي في محاولة إسقاط أنظمة أخرى، لذا أيّد ثورات الربيع العربي وساند جماعة الإخوان المسلمين في البلدان التي تنشط بها في محاولة لإيجاد أنظمة تدور في فلكه.

انتهت مرحلة الودّ بين أردوغان وبوتين بعد تبادلهما الاتهامات في السرّ وعلى الملأ، في سابقة هي الأولى من نوعها

وكان الجزء الأخير تحديداً هو بداية تعقيد الأمور على أردوغان، فبدلًا من وصول الإسلامويين للسلطة في ليبيا ومصر وسوريا تمهيداً لمنحه الزعامة وطلب المساعدة منه، انتهى به الأمر بعداء محموم مع القاهرة حيث أُبعدت الجماعة عن الحكم، أما سوريا وليبيا فلم تسر الأمور في اتجاه حشود إسلامية كما كان يأمل، بل مجموعات من المرتزقة والمتشدّدين الذين لا طائل منهم، والأكثر من ذلك أنّهم لجأوا إلى أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة.
وكأنّ الأمور تأبى أن تسوء أكثر من ذلك، وعوضاً عن استفادته من النأي بنفسه عن الحرب الباردة السعودية الإيرانية، والتعاون مع الإيرانيين وفي نفس الوقت الحصول على الدعم من السعوديين، بات أردوغان مكروهاً من الجانبين؛ حرب سياسية وأيدولوجية مع السعودية وخلاف أيديولوجي ومشاعر عداء مع إيران.

اقرأ أيضاً: لماذا يسعى حزب الإصلاح الإخواني لشق اليمن لصالح أردوغان؟
لم يكن تدخّل أردوغان في سوريا بهدف وقف تدفّق موجة اللاجئين، بل كان من أجل إنقاذ آخر ما تبقى من الثورة الإسلامية التي علّق عليها آمالاً عريضة يوماً ما، وبغرض عرقلة حصول الروس والإيرانيين في اللحظة الأخيرة عن الحصول على مكاسبهم، لكنه بدا بمظهر الأخرق عندما دخل ميدان المعركة ومني بالهزيمة، ولم يكتف بذلك بل ألحق أضراراً بنفسه ومقامه.

لم يسفر قصف مواقع حزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني والمتطوعين الشيعة الباكستانيين عن تحقيق أي نتائج، على العكس تماماً، اكتساب العداء الأبدي والانتقام المحتمل من قبل التكتّل الذي تقوده إيران، وبالنسبة للكثير من المؤمنين بالوحدة الإسلامية أصبح الرئيس التركي ضمن زمرة الطائفيين الذين يعمّقون حالة الشقاق داخل الصفّ الإسلامي، وربما يعاني الشرق الأوسط بما فيه الكفاية من الاستقطاب الطائفي، لكن هناك مناطق أخرى يستعصي على أبنائها فهم هذا الصراع، مثل البوسنة وشمال أفريقيا وجنوب شرق آسيا، حيث لا وجود للشيعة، ومع توجيه أردوغان لقواته المسلمة لمهاجمة الجيش السوري المسلم وحزب الله المسلم أيضاً، لا يستوعب دعاة الوحدة الإسلامية الاقتتال بين المسلمين.

اقرأ أيضاً: هل تآمر أردوغان على شعبه لصالح "مشروع الإخوان"؟
ربما لو كان أردوغان نجح في تحقيق أي انتصار، كان ليفتح الطريق أمام مصالحة تكتيكية مع السعوديين وتأكيد موقفه على خط القتال مع إيران، لكن لا وجود للمنهزمين، ورغم أنّه لا يحظى بأي احترام في الغرب، لكن الرئيس التركي يحظى بـ"متابعة" عالمية قوية، وبوسعه زيارة أماكن بعيدة عن بلاده مثل البوسنة وباكستان، والحصول على استقبال حافل من أقلية تقدّسه من شعوب هذه البلدان، وتحبّه ربما أكثر من زعماء دولهم، إذ يرى هؤلاء أنّ أردوغان هو صلاح الدين هذا العصر الذي ينتظرونه، بيد أنّ هذا كله محض أوهام، ققد يكون قادراً على الاحتفاظ بحظوته لدى مُريديه لكنّه لم يعد قادراً على خداع المزيد من الأشخاص، إذ إنّ قراره بمهاجمة حزب الله والإيرانيين في نفس اليوم الذي فعلت فيه إسرائيل ذلك، ثم الذهاب إلى موسكو ليعترف بهزيمته في الميدان يظلّ أمراً لا يُغتفر.

التقارب مع روسيا.. الخطأ القاتل الذي لا يُغتفر
لم يكن التقارب التركي الروسي منذ البداية مطلقاً بل كانت تحكمه خطوط مقيّدة، وبدأ ذلك برسائل دافئة من موسكو إلى أنقرة لم يتلقّاها أردوغان من واشنطن بعد محاولة الانقلاب العسكري الفاشل في تموز (يوليو) 2016.
وكثمرة لعلاقة الودّ الجديدة، دشّن خط غاز لضخّ الغاز الطبيعي من روسيا إلى جنوب أوروبا دون المرور بأوكرانيا، كما ابتاعت تركيا من روسيا صواريخ الدفاع الجوي "إس400"، على حساب خروجها من مشروع تطوير مقاتلات متطورة مع الولايات المتحدة، طالما أنّ هذه التحرّكات تمكّن أنقرة من الوقوف في وجه واشنطن والتحرّك بأريحية أكبر في سوريا مقارنة بقدرتها على المناورة حينما كانت تحت مظلّة الغرب.

بات المواطنون الأتراك على دراية أكبر بحجم الخسائر التي يتكبّدها الجيش في عملية سوريا بشكل يضر مستقبل أردوغان السياسي

وتضمّنت العلاقة المزدهرة بين تركيا وروسيا عائدات غير مجزية رغم تقديم كل طرف لتنازلات، حيث تخلّى كل جانب عن أحد حلفائه، فقد تركت روسيا الأكراد بمفردهم، بينما هجرت تركيا السوريين في شرق حلب.
لكن هذه العلاقة كان محكوماً عليها منذ البداية بالانقضاء لسبب بسيط جداً، فمع كل نصر يحقّقه النظام السوري، كان عدد اللاجئين السوريين في إدلب يتصاعد، ويوجد أربعة مللايين شخص، على الأقل، اليوم عالقين في منطقة محدودة للغاية لا تتجاوز أربعة آلاف و171 كلم مربع، فرّ 900 ألف منهم نحو الحدود التركية، في أكبر موجة من اللاجئين مرة واحدة منذ بدء النزاع في سوريا.

أردوغان تحت الحصار
وبوجود 3.6 مليون لاجئ سوري في تركيا، ومعارضة كمالية ضاغطة بقوة وانتزعت بالفعل الحكم في مدن كبرى على رأسها إسطنبول وأنقرة في الانتخابات الأخيرة، وتعلن بلا مواراة عن عدائها للاجئين، إضافة إلى الانقسام الحاد الذي تشهده القاعدة المحافظة من حزب العدالة والتنمية، يشعر أردوغان بأنّ الخناق يضيق على عنقه.
ولم يكن بوسع أردوغان السماح للأسد وبوتين بالتسبّب في موجة كاسحة أخرى من اللاجئين السوريين نحو الحدود التركية، إذ كان يتعيّن عليه التحرّك، والحقيقة أنّ ما كان الأسد يفعله باللاجئين كان يتحوّل سريعاً إلى تهديد سياسي وجودي بالنسبة لأردوغان كرئيس.

اقرأ أيضاً: ما دلالات اغتيال مسؤول مرتزقة أردوغان في طرابلس؟
من ناحية أخرى، يجب التطرّق إلى عقلية أردوغان، فالرجل يفكّر كثيراً في دوره في تاريخ تركيا، وبنفس الطريقة يفكّر بوتين في دوره في التاريخ المسيحي الأرثوذكسي الروسي، وكذلك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ودوره في التاريخ اليهودي.
ولا يعتقد أي من هؤلاء الرجال أنّ قيادته مؤقّتة وأنّه باق في منصبه بالإرادة الشعبية عبر الانتخابات، ويرى كل منهم نفسه كرجل اختاره القدر، ووضعه الله ليس فقط لتحقيق أهدافهم الشخصية، لكن تطلّعات دولهم.
نهاية المرحلة الوردية؟
كانت النتيجة هي نهاية مرحلة الودّ بين أردوغان وبوتين بعد تبادلهما الاتهامات على الملأ وفي السرّ، في سابقة هي الأولى من نوعها خاصة فيما يتعلّق بالحدّة في الحديث فيما بينهما، حيث كان هذا الأمر قاصراً بشكل عام على استعمال تلك اللهجة أثناء الحديث مع زعماء الدول الغربية.

اقرأ أيضاً: "مجموعة البجع": كيف خلق أردوغان دولة داخل الدولة؟
من المستحيل التكهّن بما إذا كان بوتين وأردوغان سينجحان في تحقيقه، ورسمياً، فإنّ سياسة موسكو بتجنّب نشوب النزاعات، تؤدّي إلى العكس تماماً في إدلب لا سيما وأن جبهات القتال في سوريا لا تزال مشتعلة ويبدو النزاع غير قابل للانتهاء قريباً حتى لو كان بوتين قد صرّح بأنّ "المهمة أنجزت"، كما أنّ روسيا وتركيا بوسعهما إلحاق الأذى ببعضهما البعض، وليس بالضرورة عبر توجيه الضربات بصورة مباشرة.

ورغم اصطدامه بعدد من الجيوش الأجنبية ضمن حملته في سوريا، لكنّ العملية تمثل كذلك فرصة سانحة لأردوغان خاصة إذا فاز في هذه الجولة حيث سيؤدّي ذلك لاكتساب تركيا ثقلاً كبيراً ليس فقط في مائدة التفاوض مع روسيا بل وفي المنطقة أيضاً. كما أنّ تصاعد النفوذ التركي سيغيّر من توازن القوى في العالم العربي السنّي الذي يواجه تزايد المدّ الإيراني في الأراضي العربية.

اقرأ أيضاً: أردوغان يتخبط وسط تناقضات سياسته الخارجية
إنّ أردوغان بصدد مقامرة خطرة مرتفعة الرهان، يحسب بوتين أيضاً بدقّة تكلفة "انتصاره" في سوريا، والتي ترتفع عاماً بعد عام في أراض ما زال إعادة إعمارها يحتاج لعقود طوال، مع الأخذ في الاعتبار أنّ القوة العسكرية الروسية في سوريا نجحت فقط عندما لم تكن ثمة قوة عسكرية أخرى حقيقية معارضة قادرة على إسقاط طائراتها، لكنّها موجودة الآن.
الداخل يثور ضد أردوغان
يشهد الداخل التركي حركات ومؤشرّات ذات أهمية بالغة، فالاشتباكات بين المعارضين والموالين للحكومة داخل البرلمان التركي تعبّر عن حالة التوتّر التي تسود المشهد السياسي، لا سيما بسبب التدخّل في سوريا عسكرياً.
ويدفع كل شيء، رغم الحظر المفروض على وسائل الإعلام وحبس الصحفيين ورؤساء الجرائد والإذاعات، للجزم بأن الإخفاق العسكري سيزيد من حالة الاستياء الشعبي، كما أنّ تراجع قطاع السياحة الذي لم يتعافَ بعد من الأزمة الأخيرة مع روسيا، والذي تجدّدت أزمته بسبب وباء كورونا، ستكون له آثار وخيمة على الأزمة الاقتصادية.

اقرأ أيضاً: هل يعاقب الغرب أردوغان؟
لا تستطيع الدعاية العسكرية التغطية على حقيقة الوضع في ميدان المعركة، وبات المواطنون الأتراك على دراية أكبر بحجم الخسائر التي يتكبّدها الجيش بسبب العملية في سوريا، بشكل يضع مستقبل أردوغان السياسي في مهبّ الريح رغم استناده إلى شركات كبرى تستفيد من الحرب في البلد العربي، لذا فإنّ سقوط أردوغان المحتمل قد يسهم في الكشف عن شبكة الفساد الضخمة التي تعمل منذ تسعة أعوام.

حلم السلطان يتهاوى
يقف أردوغان وحده الآن، فلا الولايات المتحدة ولا حلف الناتو سيتورّطان في حرب مباشرة مع روسيا، وبدلًا من سعي تركيا نحو حل سياسي للوضع مثل ذلك الذي قدّمه بوتين خلال مفاوضات أستانة، فضّلت تصعيد حدّة التوتر، ولم تتوان عن استغلال الأزمة الإنسانية لتحقيق أغراضها هي والحصول على مبالغ مالية هائلة من الاتحاد الأوروبي مقابل عدم السماح للاجئين بمحاولة الوصول لأراضيه.

اقرأ أيضاً: كيف نسج أردوغان "زواج المصلحة" بهدف استنزاف السعودية في اليمن؟
ربما كان أردوغان يطمح لقيادة العالم الإسلامي، لكنّه اختار الطريق الخاطئ وهو المواجهة، عوضاً عن الحوار، وتسبّبت سياسته الخارجية في وضعه بمواجهة كبرى الدول العربية، ومن منطلق رؤيته لنفسه كقائد "للإخوة الإسلامية"، عمل على تمويل ودعم جماعة الإخوان المسلمين خلال مرحلة الربيع العربي، وبالفعل نجحت الجماعة في الوصول لسدة الحكم في مصر.

لم ينجح أردوغان في إنشاء علاقة صداقة لا مع روسيا ولا مع إيران، ومن الجليّ تماماً أنّه يقود تركيا نحو العزلة الدولية

وتوجّه تركيا أنظارها الآن إلى ليبيا، على أنّ التدخل التركي في ليبيا لم يكن يستهدف تهدئة الأوضاع، بل أدّى لتدفّق اللاجئين من السواحل الليبية على أوروبا، ما جلب على رأسه وبال عداوة الغرب الذي هدّده أردوغان بإغراقه بمزيد من اللاجئين، الآلاف منهم.
أما الولايات المتحدة، فقد ضاقت ذرعاً بتركيا بعد شراء أردوغان لمنظومة "إس400" من روسيا، والاتفاق بين أنقرة وموسكو على بناء محطة نووية، والسماح بمد خطّ الغاز "جلف ستريم"، وجاءت ردة الفعل المتمثّلة في فرض عقوبات اقتصادية أدّت لتراجع قيمة الليرة التركية وازدياد الطين بلّة.

لم ينجح أردوغان في إنشاء علاقة صداقة لا مع روسيا ولا مع إيران، ومن الجليّ تماماً أنّه يقود تركيا نحو العزلة الدولية، وطالما أنّه لا يزال مفيداً بالنسبة لترامب، فسيحصل على الدعم العسكري من واشنطن، لكن حين تنتهي الأزمة الراهنة، فسيكون عديم الجدوى، وعلى الأرجح، لا يعي أردوغان أنّ سياسته تقود البلاد وتؤدّي به هو شخصياً إلى قمّة المنحدر نحو الهاوية.


مصادر الترجمة عن الإسبانية:
https://bit.ly/2w9syBb
https://bit.ly/2wZmLOY

للمشاركة:

ما الذي تفعله تركيا بالضبط في ليبيا؟

2020-03-26

ترجمة: علي نوار


في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام ٢٠١٩، وقّعت كل من الحكومة التركية وحكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السراج، اتفاقيتين للتعاون أحدثتا حالة من الدهشة والاستياء في دول الجوار القريب، خاصة في كل من جمهورية قبرص واليونان وإسرائيل ومصر، التي تتنازع معهم أنقرة السيادة على الشطر الشرقي من البحر المتوسط. ويتعلّق الاتفاق الأول بهذه النقطة، بينما ينظّم الثاني، رغم انفصاله عن الأول لكن هناك بالقطع صلة بينهما، التعاون العسكري والدعم الذي ستقدمه تركيا، والذي لا يتضمّن حتى الآن نشر قوات مقاتلة.

اقرأ أيضاً: من يسعى إلى إشعال الحرب مجدداً في ليبيا؟

ويتجاوز الأثر الاستراتيجي لهذه الاتفاقات الحدود الجغرافية لليبيا وظهرت تبعاته في نطاق أوسع. وكما كان متوقعاً، لم يقف أحد موقف المتفرج، ورأت دول أخرى لها مصالح في ليبيا، مثل فرنسا وإيطاليا، نفسها مضطرة لاتخاذ موقف رافض للاتفاقيتين، وهو نفس الموقف الذي أظهره الاتحاد الأوروبي، بينما وصفت الولايات المتحدة ما حدث بأنّه "استفزازي". على الجانب الآخر بدت كل من روسيا والصين متحفّظتان في هذا الصدد، لتمنحا نفسيهما قدراً أكبر من حرية الحركة حيال هذا الملف وفقَا لما ستؤول إليه الأمور.

تُعتبر تركيا ضمن الدول التي تخطّط سياستها الخارجية بأكبر قدر من التروّي. لا يمكن الجزم بأنّ هذه الطريقة ناجحة على الدوام، لكنّها بالتأكيد ترتكز إلى أسس راسخة ولا تأتي تصرّفاتها من منطلق الارتجال. بالتالي ينبغي تحليل الحراك الخارجي التركي من هذا المنظور، بحيث يمكن استشفاف دوافع هذا التحرّك وتوقّع نتائجه الاستراتيجية على توازن القوى في المنطقة.

المصالح التركية في ليبيا: الأسباب

إنّ اهتمام تركيا بليبيا ليس بحديث. فقد كانت جزءاً من الإمبراطورية العثمانية، كما أنّها كانت أول تجربة قتالية يخوضها الشاب مصطفى كمال أثناء الحرب التي اندلعت على خلفية احتلال إيطاليا لليبيا عام ٢٠١١، وأسهم أداؤه البارز خلال معركة جاليبولي أثناء الحرب العالمية الأولى والتي حوّلته إلى بطل قومي.

من العوامل التي تتوافر في ليبيا وتمثّل بالنسبة لتركيا فرصاً سانحة لا ينبغي إهدارها تغلغل التأثير التركي في أفريقيا

ورغم أنّ العوامل العاطفية بالطبع لها أهميتها، إلّا أنّ السياسة الخارجية التركية الحالية ركّزت انتباهها على بلد أصبح اليوم ضمن تصنيف الدول الفاشلة بسبب التدخّلات الخارجية بنسبة كبيرة. لكن ما سرّ هذا الاهتمام الواضح؟ يمكن بكل يسر رصد أربعة عوامل على الأقل تتوافر في ليبيا وتمثّل بالنسبة لتركيا فرصاً سانحة لا ينبغي إهدارها: ١) تغلغل التأثير التركي في أفريقيا، ٢) وضع اليد على موارد الطاقة الليبية، ٣) تقويض دور مصر الإقليمي، ٤) ترسيم حدود السيادة في شرق البحر المتوسط. ويرتبط أول عنصرين مباشرة بسياسة التوسع في أفريقيا التي بدأت الحكومة التركية في اتباعها منذ منتصف العقد المنصرم. أمّا العاملان الآخران فلهما أهداف أبعد وربما يكونان الدافع وراء توقيع تلك الاتفاقيات المذكورة، نتيجة لأنّ هذين العاملين من شأنهما دفع تركيا لبذل كل ما بوسعها من أجل تحقيقهما.

النفوذ في القارة الأفريقية

سمحت الطفرة الاقتصادية التي عرفتها تركيا بعد وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة للحكومة التركية بأن تتطلّع لتوسيع نطاق علاقاتها التجارية على المستوى العالمي، مصحوبة بسياسة خارجية تركّز على استعادة دور القوة الإقليمية ذات الرؤى العالمية والذي لطالما اعتبرت على مدار التاريخ أنّ بلاد الأناضول جديرة به. ونظراً لاعتبار الكثيرين أفريقيا قارة المستقبل، فقد وضعت القارة السمراء ضمن الأهداف التي تسعى أنقرة لتحقيقها على النحو الأمثل.

اقرأ أيضاً: في ظل تفشي كورونا.. تركيا تُغرق ليبيا بالسلاح بدلاً من المعدات الطبية!

بيد أنّ حدثين جللين شهدتها دول ذات تاريخ عثماني عام ٢٠١١، فتّحا أعين القيادة التركية على فرصة ثمينة لإضفاء لمسة "تجديد" على السياسة الخارجية تجاه أفريقيا وتصدير صورة إلى بلدانها بأنّ تركيا دولة تحترم التزاماتها وتمتلك القدرة على تقديم حلول حقيقية لأزمات وهما المجاعة التي ضربت الصومال والثورة في ليبيا التي انتقلت رياحها إليها من دول الجوار التي مرّت هي الأخرى بما يسمّى "الربيع العربي". وفي الحالة الأولى أسهمت تركيا بصورة كبيرة في المساعدات الإنسانية والتي أرست أسس تعاون أوسع بكثير كانت نتيجته مكانة مرموقة لأنقرة في جميع أرجاء القارة الأفريقية مع مرور الوقت. لذا تُعدّ الصومال بالنسبة لتركيا قصة نجاح ودليل على أنّ النموذج التركي في التعاون هو بديل لنماذج أخرى سواء الصيني أو الروسي أو الغربي.

اقرأ أيضاً: المتحدث باسم الجيش الليبي يكشف عدد المرتزقة السوريين والأتراك في ليبيا

فيما لم تكن التبعات في الحالة الثانية إيجابية بالدرجة المنشودة. فمنذ اللحظة الأولى تعاملت تركيا مع المجلس الوطني الانتقالي بوصفه "الممثّل الوحيد للشعب الليبي" وكانت أول دولة توفد سفيراً إلى طرابلس بعد سيطرة المجلس على المدينة، إضافة إلى دعمها المستمر والقوي لحكومة الوفاق الوطني التي تمخّض عنها الاتفاق السياسي من أجل ليبيا المُبرم في كانون الأول (ديسمبر) من العام ٢٠١٥. ولكي تعزّز وضعها كدولة تتصرّف من منطلق الإيثار وتخلّصت من أحمال ماضيها الاستعماري، تنفّذ تركيا منذ ٢٠٢٥ عدّة مشروعات لتوفير المساعدات الإنسانية عن طريق وكالتها الحكومية للتعاون "تيكا" وكذلك منظمة الهلال الأحمر.

اقرأ أيضاً: المرصد يكشف عدد القتلى من مرتزقة تركيا في ليبيا

لكن ولأسباب لا يتّسع المجال لذكرها، لا يظهر الاستقرار السياسي ضمن خصائص ليبيا ما بعد القذافي، وتسبّبت الحملة التي يشنّها المشير خليفة حفتر في وضع حكومة الوفاق الوطني في مأزق. وتبرز تركيا هنا كأحد أهم داعمي حكومة الوفاق الوطني، بحيث تروّج لنفسها بين الدول الأفريقية على أنّها تحترم النظام العالمي، وعلى أمل أن يسهم كل نجاح تحقّقه في ليبيا في تعظيم رأسمالها السياسي بحيث تستطيع استثماره في باقي القارة.

الطاقة

إنّ الحديث عن السيطرة على موارد الطاقة باعتبارها أحد الدوافع، إذا لم يكن أهمّها، وثورات عام ٢٠١١، وتدخّل حلف شمال الأطلسي "ناتو" الذي أدّى لإسقاط نظام القذافي هو من باب ذكر البديهيات. ولا تعدّ تركيا استثناء من ذلك. ويتشكّك الكثيرون اليوم في فكرة أنّ الإيثار هو المحرّك الوحيد الذي يدفع تركيا للاهتمام بليبيا. بالتأكيد تحاول تركيا الحصول على الموارد التي تفتقر وتحتاج لها من أجل المحافظة على سلامة اقتصادها وهو ما يعني بالتالي تحقيق أهداف سياستها تجاه أفريقيا.

من أهداف تركيا أيضاً وضع اليد على موارد الطاقة الليبية وتقويض دور مصر الإقليمي وترسيم حدود السيادة في شرق المتوسط

وتمتلك ليبيا احتياطات هائلة تُقدّر بحوالي ٤٨ مليار و٤٠٠ مليون برميل من النفط (ما يعادل ٢.٨٪ من الاحتياطي العالمي)، علاوة على ١.٥ مليون متر مكعّب من الغاز الطبيعي، لكن استخراج هذه الموارد خلال الفترة السابقة لعام ٢٠١١ ينحصر بين شركات بعينها مثل؛ بريتيش بتروليم البريطانية وتشيڤرون الأمريكية وإيني الإيطالية وربسول الإسبانية وشيل الهولندية وتوتال الفرنسية وشركات أخرى صينية ونمساوية ونرويجية وألمانية.

وحتى اليوم، لا تزال صناعة النفط التركية غائبة عن الساحة الليبية. وربما يكون هذا الوضع قاب قوسين أو أدنى من التغيّر. فمن شأن وجود حكومة موالية في طرابلس تسهيل دخول شركة النفط التركية الرسمية إلى آبار النفط الليبية، ليس فقط في الأراضي القارّية، بل وأيضاً تلك الواقعة في مناطق سيادتها بالبحر المتوسط. وبالفعل، كشفت تركيا عن نواياها بتنفيذ مشروعات تنقيب في المياه التي تصنّفها الحكومة الليبية بأنّها منطقة اقتصادية خالصة.

منافسة إقليمية

لم تكن العلاقات الثنائية بين مصر وتركيا تاريخياً سهلة قط. ومنذ حقبة الإمبراطورية العثمانية التي كانت مصر جزءاً منها حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، تتنافس الدولتان على زعامة وقيادة العالم الإسلامي السُنّي، بل أنّ عهد الرئيس المصري السابق أنور السادات، والذي كان يتزامن مع الحرب الباردة التي اتّسمت بالتقاء مصالح مصر مع الكتلة الغربية، لم يشهد كذلك محادثات حقيقية بين الطرفين. رغم أنّ العلاقات مرّت بنوع من الدفء خلال الفترة الوجيزة التي تواجدت فيها حكومة من الإخوان المسلمين. لكن سقوط حكم الإخوان في ٢٠١٣، علاوة على الدعم الذي توفّره تركيا للإخوان المسلمين، الجماعة المحظورة في مصر، أوصل العلاقات بين البلدين إلى نقطة أقرب للانقطاع.

اقرأ أيضاً: أردوغان يخفي قتلاه في ليبيا!

وتدعم مصر، المشير خليفة حفتر وجماعة الجيش الوطني الليبي. بالتالي، أضحت ليبيا مسرحاً لحرب بالوكالة بين بعض الدول. وكل ذلك في ظلّ موقف مبهم من ناحية روسيا التي رغم إعلانها الحياد، إلّا أنّ دعم شركة "ڤاجنر" العسكرية الروسية الخاصة للجيش الوطني الليبي معروف للجميع.

وهنا يظهر في الصورة اتفاق التعاون العسكري والأمني. ويقتصر هذا الاتفاق على ملفّات الدعم التقني والمشورة وتبادل المعلومات والاستخبارات والتدريب والتأهيل والتجهيز، وكذا الصناعات الدفاعية، وقائمة من ٢٣ بنداً آخرين، بيد أنّه لا يشمل نشر قوات مقاتلة.

اقرأ أيضاً: المجلس العالمي للتسامح والسلام يحذر من تدخل "قوات التدمير التركي" في ليبيا

بموجب هذا الاتفاق، أرسلت تركيا مستشارين ومدرّبين عسكريين إلى ليبيا؛ حيث حدثت أولى الخسائر بالفعل. وقد اعترف الرئيس أردوغان بالفعل بسقوط عدد من أفراد الجيش الوطني السوري، وهو فصيل سوري معارض تدعمه تركيا. إضافة إلى هذا الفصيل، تنشط بالفعل في ليبيا شركة الأمن التركية الخاصة "سادات" منذ عام ٢٠١٣ على أقل تقدير. لذا فإنّ تركيا ستبذل كل ما بوسعها على الأرجح للحيلولة دون سقوط حكومة الوفاق الوطني، وبالتالي تسهيل تغلغل مصر في المشهد الليبي. ولا ينحصر هذا في إمداد حكومة الوفاق الوطني بالمعدّات العسكرية فحسب، بل يمتدّ ليصل إلى الدفع بقوات مقاتلة، حسبما تقتضي الأوضاع على الأرض، وقد طلبت حكومة الوفاق الوطني بالفعل المزيد من القوات المسلحة التركية.

لقد أصبح من الضروري بشدّة بالنسبة لتركيا احتواء النفوذ المصري في القارة الأفريقية، وربّما انتظار تغيير النظام في مصر والذي تعتقد أنقرة أنه قد يفضي إلى إزالة العقبات في طريق تطبيع العلاقات الثنائية. ومن أجل إكمال "الحصار"، أقامت تركيا علاقات وثيقة مع السودان، حيث يتمتّع أردوغان بتأثير متزايد. وخلال زيارته للبلاد في ٢٠١٧، تعهّد الرئيس بتشييد بنية تحتية والارتقاء بحجم التبادل التجاري بين البلدين ليبلغ ١٠ مليار دولار، ليضمن حقّ إعادة بناء جزيرة سواكن، وهو ميناء عثماني مهم يعود للفترة بين القرنين؛ الخامس عشر والتاسع عشر، على سواحل البحر الأحمر. إلّا أنّ سقوط نظام الرئيس السوداني السابق عمر البشير جاء ليوجّه ضربة موجعة للتطلّعات التركية، التي أصبحت مسألة استمراريتها في مهبّ الريح. وبعد فترة مقتضبة من الترقّب، بدأت الحكومة التركية في الوقت الحالي سلسلة من التحرّكات لمحاولة تجاوز ما حدث، بما يشمل تعزيز التعاون في مجال الدفاع.

ترسيم مناطق السيادة في شرق البحر المتوسط

يُعدّ هذا هو الملفّ الأهم من المنظور التركي في الوقت الراهن والذي جاءت نتيجته في صورة توقيع مذكّرة التفاهم حول ترسيم مناطق السيادة في البحر المتوسط. ولفهم ذلك الأمر يجب العودة بشكل خاطف إلى القانون الدولي للبحار الذي ينصّ على أحقّية كل دولة في ٢٠٠ ميل بحري من آخر نقطة في أراضيها المحاذية للبحر، ومنطقة اقتصادية خالصة يمكن للدولة فيها ممارسة حقها في السيادة، وفي حالات بعينها يمكن مدّ نطاق هذه المنطقة بحيث يصل إلى ٣٥٠ ميلاً بحرياً.

سقوط نظام الرئيس السوداني عمر البشير جاء ليوجّه ضربة موجعة للتطلّعات التركية التي أصبحت مسألة استمراريتها في مهبّ الريح

لكن المشكلة في حالة شرق البحر المتوسط تكمن في محدودية المساحة وبالتالي صعوبة تطبيق القانون الدولي، لذا لا بديل أمام دول المنطقة سوى ترسيم الحدود البحرية عن طريق التفاوض فيما بينها مع الالتزام "بعدم القيام بأي شيء قد يهدّد أو يعوق إتمام الاتفاق النهائي".

وحتى الآن وإزاء غياب الاتفاق، امتنعت تركيا واليونان عن الإدلاء بأي إعلان رسمي يمكن تأويله على أنّه عدائي. بيد أنّ الاتفاق التركي-الليبي يعدّ خرقاً لهذه الحالة لا سيما وأنّه يتضمّن وضع خطّ فاصل بطول ١٨.٦ ميلاً بحرياً متساوي البعد بين السواحل التركية والليبية. وتكمن المشكلة هنا في وجود جزر مثل كريت بالقرب من هذا الخط الفاصل، إضافة إلى جزر أخرى أصغر من حيث المساحة مثل كارباتوس ورودس اللتين ونظراً لكونهما مأهولتين بالسكان، تضفيان المشروعية على مطالبات اليونان التي يتجاهلها الاتفاق التركي الليبي.

اقرأ أيضاً: ليبيا و"صوفيا الجديدة"

من جانبها، تدّعي تركيا أنّ الاتفاق أُبرم مع حكومة شرعية بموجب الدستور وتحظى باعتراف المجتمع الدولي، ما يعني أنّه يسير في إطار القانون الدولي. واستناداً إلى معاهدة فيينا للحق في إبرام الاتفاقات.

والحقيقة أنّ الخلاف حول ترسيم مناطق السيادة في الشطر الشرقي من البحر المتوسط والاستفادة من موارد الطاقة المكتشفة أسفل مياهه هو الذي أدّى لتوقيع الاتفاق. ورغم أنّ العملية لا تزال في بداياتها، إلّا أنّ استغلال الحقول المكتشفة على مدار العقد الأخير أسفر عن تشكّل تحالفات استراتيجية إقليمية: وتضمّ المجموعة الأولى كل من اليونان وقبرص وإسرائيل ومصر التي تتعاون فيما بينها لإيجاد صيغة حول الاستفادة من مواردها المحتملة، بينما تشمل المجموعة الثانية كل من تركيا وجمهورية شمال قبرص التركية، والأخيرة لا تحظى باعتراف المجتمع الدولي. بالمثل تمتلك كل من فرنسا وإيطاليا، ممثّلتين في شركتي النفط "توتال" و"إيني"، على الترتيب، مصالح تجارية في هذه المياه، ما دفعهما لاتخاذ صفّ المعسكر الأول الذي يتمتّع بتأييد الاتحاد الأوروبي. كذلك لدى الولايات المتحدة مصالحها التجارية الخاصة بالموارد المحتملة في المياه التي تطالب قبرص بالسيادة عليها.

اقرأ أيضاً: مع التدخل التركي في ليبيا.. معركة تونس ضد الإرهاب تزداد صعوبة

تركت كل هذه التحالفات تركيا في حالة من العزلة. وقد دفع عقد منتدى غاز شرق البحر المتوسط، وهو ملتقى سياسي للتعاون في مجال الطاقة تشارك فيه كل من مصر وإسرائيل والأردن والسلطة الفلسطينية وقبرص واليونان وإيطاليا كما أبدت فرنسا اهتمامًا بالانضمام له، تركيا إلى التحرّك بالتأكيد.

ويرسم الاتفاق بشكل واضح الحدود ويمنح تركيا منطقة من البحر تجبر أي خط غاز قد يمكن مدّه لتصدير غاز شرق البحر المتوسط إلى أوروبا على المرور عبرها، وبالتالي تصبح لدى تركيا الكلمة العليا وصلاحية رفض أو حتى عرقلة مدّ أي خط.

اقرأ أيضاً: كيف استغل أردوغان تزييف التاريخ العثماني في ليبيا؟‎

وبغضّ النظر عن الآثار القانونية التي قد يجلبها هذا الإعلان، فإنّ ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة في رقعة متنازع عليها عند الأراضي اليونانية وتحديدًا جزيرة كريت، يمثّل تحوّلًا استراتيجيًا. ويأتي هذا التغيّر الاستراتيجي مصحوبًا بنشر قوات تركية في ليبيا دعمًا لحكومة الوفاق الوطني- حتى لو كان هذا الانتشار على نطاق محدود في الوقت الحالي- ليضع الملف الليبي في وسط المشهد الجيوسياسي شديد الخصوصية في شرق البحر المتوسط وحيث تسعى تركيا لاستعادة مكانتها كقوة إقليمية لا بديل عن التفاوض معها ولا مجال لتجاهلها. وعلى حد تعبير نائب الرئيس التركي فؤاد أقطاي "فرص نجاح أي خطة في المنطقة لا تشمل تركيا ضئيلة للغاية". لذا يبدو واضحًا بشكل جليّ أنّ تركيا تنتهج سياسة الأمر الواقع.

النتائج على الجيوسياسية الإقليمية

مما سبق يتّضح أنّ الأسباب التي تدفع تركيا للتدخل في الساحة الليبية منذ 2011 ترتبط بصورة كبيرة بتطلّعاتها نحو تأكيد نفوذها في القارة الافريقية عن طريق مشروعات تعاون سياسي واقتصادي وعسكري. رغم أنّ تطور الأحداث في البلد العربي وعودة شبح الحرب الأهلية منذ نيسان (أبريل) من العام الماضي قوّض بشكل ملحوظ من بريق النجاح الذي وصلت له أنقرة حتى الآن. على الجانب الآخر، أسفرت العزلة التي تختبرها تركيا في شرق البحر المتوسط عن اتباعها لاستراتيجية تمرّ عبر الدمج بين المسألتين، بحيث يصعب للغاية التطرّق لإحداهما دون المساس بالأخرى. وسيعني استمرار حكومة فايز السراج وجود حليف ثمين ويؤدّي لتقوية الاتفاق حول ترسيم الحدود البحرية في مياه البحر المتوسط الشرقي.

اقرأ أيضاً: أردوغان في ليبيا قرأ الدرس الإيراني

وحتى الآن وباستثناء لبنان وسوريا، أعلنت جميع الدول المطلّة على البحر المتوسط؛ مصر وإسرائيل وقبرص واليونان وإيطاليا، وانضمّت إليهم فرنسا- التي تمتلك وجودًا بحريًا في هذه المياه وحيث زارت حاملة طائراتها "شارل ديجول" مؤخرًا ميناء ليماسول في قبرص، أنّ الاتفاق المذكور باطل، بينما وقّعت فرنسا مع اليونان اتفاقاً لتعزيز التعاون الدفاعي يعكس بالطبع نواياهما. كما لا يمكن إغفال مهمة الاتحاد الأوروبي البحرية التي حصلت على الضوء الأخضر من المجلس الأوروبي في 17 شباط (فبراير) الماضي بناء على مقترح فرنسا لمراقبة الحظر على الأسلحة المفروض على ليبيا من جانب مجلس الأمن الدولي، وتعني هذه المهمة حضورًا عسكريًا سيصعّب كثيرًا على تركيا تحقيق أهدافها بالتنقيب عن موارد الطاقة في المياه التي تدّعي سيادتها عليها.

اقرأ أيضاً: اعترافات قبطان وطاقم سفينة نقلت الأسلحة من تركيا إلى ليبيا..

على أنّ مناقشات عاصفة تدور في أروقة الاتحاد الأوروبي بغية إيجاد توازن بين الموقف الرسمي بدعم حكومة السراج المعترف بها دولياً، وهو موقف المعسكر الذي تقوده إيطاليا بوصفها المنادي الأكبر بهذا الموقف، ومصالح فرنسا التي تقف وراءها اليونان وقبرص، والأخيرتان قد تستفيدان من انتصار محتمل للمشير حفتر. ومن شأن تضارب المواقف داخل الاتحاد الأوروبي أن تفضي في نهاية المطاف إلى إضعاف افتراضي للوحدة الأوروبية وبالقطع لن تتوانى تركيا عن استغلال ذلك.

أما الولايات المتحدة، فتختلف نظرتها للأمور بعض الشيء رغم رفضها للاتفاق التركي-الليبي، على أنّ تطور الأحداث في سوريا قد يؤدي لتغيير موقفها بعض الشيء. والحقيقة أنّ الأولوية الاستراتيجية لواشنطن هي إيقاف انتشار نفوذ روسيا والصين على الصعيد العالمي، كما أنّ الحملة العسكرية التي بدأها نظام الرئيس السوري بشار الأسد بدعم روسي في محافظ إدلب أحدث شرخًا عميقًا في العلاقات بين روسيا وتركيا، ما يُترجم إلى فرص سانحة.

اقرأ أيضاً: مرتزقة أردوغان في ليبيا.. القصة الكاملة (فيديو)

وبالفعل، أظهرت الولايات المتحدة إشارات تقارب من أجل بث بعض الدفء في علاقاتها مع تركيا والتي قد تستثمرها واشنطن على النحو الأمثل لإيقاف تغلغل التأثير الروسي في البحر المتوسط.  والحقيقة أنّ سعي موسكو الحثيث للحصول على موطئ قدم لها على الشاطئ الجنوبي من البحر المتوسط شيء معروف للعامة، لذا فإنّها تبقي على قنوات الاتصال مفتوحة مع جميع الأطراف المتنازعة في ليبيا، وكذلك في مصر حيث تمتلك تأثيرًا متزايدًا. خلاصة القول هنا أنّ تعزيز وضعية تركيا في ليبيا قد يخدم، بشكل غير مباشر، المصالح الأمريكية في المنطقة.

اقرأ أيضاً: تحذيرات دولية من استمرار انتهاكات أردوغان لحظر الأسلحة على ليبيا

لكن الاستراتيجية التي تنتهجها تركيا في البحر المتوسط لا تخلو أيضًا من المخاطر. فمن شأن وجود قوات مسلحة لقوة إقليمية متوسطة التأثير فضلًا عن محدودية القدرة على العمل عن بعد والحفاظ على استدامة قدراتها العسكرية، أن يضع تركيا وبسهولة في موقف شديد الصعوبة ما يعني عجزها عن تطبيق استراتيجيتها.

اقرأ أيضاً: بالأسماء والصور.. المسماري يكشف عن أبرز إرهابيي تركيا في ليبيا

وفوق كل ذلك، فإنّ تطوّر الأمور من الناحية العسكرية على نحو مغاير لمصلحة تركيا، قد يتسبّب في جرجرة الأخيرة إلى الانزلاق رغمًا عن إرادتها بشكل أكبر في الأزمة الليبية، وهذا في الوقت الذي تحتاج فيه لتركيز مواردها العسكرية على الحدود، خاصة السورية. وفي ظل هذه الظروف، فإنّ أنقرة لا تقامر فقط باستراتيجيتها في البحر المتوسط، بل باستراتيجيتها الأمنية على الحدود.

وعلى أي حال، سيتكفّل الوقت بالكشف عن أي الاستراتيجيات المتصادمة ستخرج فائزة في نهاية المطاف في هذه المنطقة التي تشهد تصاعدًا في التحرّكات العسكرية.


مصدر الترجمة عن الإسبانية:

https://bit.ly/2It9gcx

للمشاركة:

مفكر فرنسي: كورونا على خطى الإرهاب.. هذا ما فعله

مدني قصري's picture
كاتب ومترجم جزائري
2020-03-25

ترجمة: مدني قصري


يرى سيباستيان بوسواس، الحاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية، والباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط حول العلاقات الأوروبية العربية / الإرهاب والتطرف، ومدرس العلاقات الدولية والتعاون العلمي في جامعة ليبردو بروكسيل "CECID"؛ أنّ فيروس كورونا يستفيد، على غرار التطرف والإرهاب، من أنماط حياتنا المنطوية المُركزة، ومن عجزنا على الاستجابة العالمية، ومن ضعفنا الجماعي لتوحيد الناس معاً.
حرب حضارية
نحن نعيش في أوقات قد يسمّيها البعض "نهاية العالم"، وهو ما يخشاه ويتوقّعه "الإنجيليون" من جميع القارات؛ فقد انتقلنا من القلق والخوف إلى شيء آخر؛ إذ إننا مرعوبون اليوم من تهديد عالمي لم يسبق له مثيل في قرنٍ من الزمن، بسبب توسّعه السريع وقدرته على العدوى، فقد نجح فيروس كورونا في غضون أسابيع قليلة بالقضاء على جميع التهديدات الوجودية الأخرى للنظم الجيوسياسية التي شغلتنا لأعوام ووحّدت الرجال لبعض الوقت ضد تهديد خارجي؛ مثل الإرهاب الإسلاموي، وتهديد اليمين المتطرف الشعبوي، وكوريا الشمالية، وإيران.

من حرب اقتصادية بين الإخوة الأعداء، تشنّها الولايات المتحدة ضد الصين، إلى حرب حضارية نعيشها اليوم، اكتسبت فيها الصين مكانتها، فمن هناك بدأ كل شيء، ومن هناك قد ينتهي كل شيء، إذ بدأت الإنفلونزا الإسبانية في الصين، وكذلك إنفلونزا "H1NI"، ما يشير إلى العيوب القاتلة في عولمتنا؛ ابتداءً بإنكار الغربيين لأسابيع عديدة للوباء الجديد، بسبب إيمانهم بأنّهم في مأمن من أي شر يصيب غيرهم.
رد فعل غير كافٍ
بعد انطلاقه، على الأرجح، من سوق وُوهان الصيني للمأكولات البحرية، وهي فرضيات تناقضها بعض الدراسات الجادة، تمكّن الفيروس من التحليق في طرق وأجنحة العولمة بسهولة وسرعة لم يسبق لهما مثيل في أيّ فيروس (باستثناء "إيبولا" في القارة الأفريقية)، حتّى وصل إلى أوروبا، وفي الوقت الحالي، هذا هو المنتج الأوّل على طريق الحرير الجديد الذي وعدنا به  الرئيس الصيني شي جين بينغ؛ فيروس عالمي، ولا داعي لذكر الإنفلونزا الإسبانية، من زمن آخر، للتقليل من الخطر الذي يمثله "كوفيد 19" على أجسامنا، واليوم على أذهاننا.

نجح كورونا في غضون أسابيع قليلة بالقضاء على جميع التهديدات الوجودية الأخرى للنظم الجيوسياسية

إذا كان فيروس كورونا لا يقتل، على ما يبدو، فهو بالفعل، وفقاً لأحدث التقارير، قد قتل أكثر من الإنفلونزا الموسمية، فكون الفيروس ليس مميتاً لا يعني أنه غير مُرعب، هذا بسبب عدم وجود لقاح متوقع له قبل عام في أحسن الأحوال، كما أنّ الفيروس يستفيد بشكل أساسي من صورة الإرهاب البشري لأنماط حياتنا المركزة، ومن ضعف تفاعلنا العالمي، ومن عجزنا الجماعي على توحيد الناس معاً ضد تهديد خارق للإنسان، ولكن قبل كل شيء؛ من إنكارنا الدائم لوجود خطر عالمي؛ كمامة أو من دون كمامة؟ حجر صحي أو عدمه؟ لا أحد يعرف الحقائق بما يكفي، ولكل شخص رأي، والكل غارق في كمّ من المعلومات المبعثرة وفي سيلٍ من الهراء والحماقات الشعبية، والأدهى من ذلك، نظرية المؤامرة والمناورات السياسية، التي تفيد بأنّ الفيروس قادم من الولايات المتحدة لإضعاف الصين وإيران "الدولتان الأكثر تأثراً في الوقت الحالي".

فيروس كورونا هزّ ثقتنا في تفوّقنا وهيمنتنا
رغم التطوّر والتنمية ودرجة حضارتنا المزعومة، نحن أغنياء القارات المدللين؛ رفضنا باسم المبدأ التحوطي، اتخاذ تدابير، تجنبنا بالحد الأدنى تلوثاً فيروسياً لا يرحم، مع إهمالنا ونسياننا أنّ ثلاثة أرباع البشرية لا تزال تعيش في ظروف صحية مؤسفة، ومعرضة في نهاية المطاف لأن تسجل أكبر عدد من الضحايا بالأرقام، ومع ذلك، فهذه الشعوب ليست أكثر من تحدّث عنها العالم في الأيام الأخيرة، لأنها لا تملك الوسائل لإنتاج أو الحصول على اختبارات كافية.
فيروس مُنتقم لإسكات غطرسة الغرب
على غرار الهجمات الإرهابية التي أصابت أوروبا؛ فإنّ فيروس كورونا يزعزع أساسياتنا وثقتنا في تفوّقنا وهيمنتنا، كما يُظهر مرة أخرى ويلات الانتحار المُنظّم لمجتمعاتنا بسبب خصخصة الصحة، بتفريغ البحث الأساسي من وسائله وأدواته، والدليل على ذلك، أننا كنا نفكر من فترة قريبة أننا في مأمن من هذه الجائحة التي اعتبرناها، دون الاعتراف بذلك، مجرد وباء يخص العالم الثالث وحده؛ فعندما تحدث مأساة بعيداً عن أعيننا، غالباً ما تكون بعيدة عن قلوبنا، لكنّ أوروبا اليوم هي النخب الأوّل في المشهد العالمي، فقد أصبح فيروس كورونا "جوكرنا" الجديد؛ إلكترونٌ حرّ، يتحرك بانتقام بارد لإسكات القليل من غطرستنا، ويُعرّضنا مرة أخرى لفقدان كل الثقة في جميع مؤسساتنا، لأنّ هذا هو الموضوع؛ فبدلاً من حظر جميع الرحلات الجوية من الصين منذ البداية، سمحت سلطاتنا للسمّ بالانتشار في جميع أنحاء القارة العجوز.

اقرأ أيضاً: الإمارات تتخطى حواجز الدين والعرق في معركتها العالمية ضد كورونا
لقد أظهرت السلطات الغربية عجزها التام، وفي هذا دليل على تغليب الترابط بين تبادلاتنا التجارية الربحية وحياتنا، فهذه الشبكة الفيروسية الخفية التي نُسِجت في أقل من شهر كان لها أثرها البالغ، مثل الإرهاب تماماً، على أنماط حياتنا، فجميعنا معرّضون اليوم للعزل والحجر والحظر.

درس في التواضع للمستقبل
لم تكن أوروبا تريد تصديق ذلك؛ فقد عادت مرة أخرى إلى شعورها بالعظمة بإنكارها ما يحدث في العالم من تدهور وانحطاط، بسبب غطرستها وإيمانها الراسخ بكونها دائماً المتربعة على منصة التميّز السياسي.

اقرأ أيضاً: كيف نتخيل العالم بعد وباء "كورونا"؟
ليس الإرث التاريخي فقط هو المهم في السياسة، فهناك أيضاً الرؤية نحو المستقبل، فاليوم هناك العزل والحجر الصحي والحظر في إيطاليا وفرنسا وبلجيكا، ودور مَن غداً؟ الحدود تُغلق، ومشاعر الرفض والعنصرية والكراهية ورهاب الأجانب؛ تنفجر في خوفٍ وجودي وخوفٍ من نهاية العالم، الفكرة العزيزة على عقول الإنجيليين، وهم 700 مليون نسمة على وجه الأرض، بدءاً من الأمريكيتين، مروراً بالصين والولايات المتحدة، التي تغلق أراضيها أمام الأوروبيين، وليس انتهاءً بالهند، لكنّ الفيروس يستمر في الوصول إلى أعلى الدوائر، لأنّ الدودة "موجودة بالفعل في الفاكهة"، فهو درس في التواضع للمستقبل.
الإرهاب سوف يحاكي الطبيعة في المستقبل
كما نعلم جميعاً، ولعلّ "داعش" وآخرين سيستمتعون بذلك؛ سوف يُحاكي الإرهاب البشري الطبيعة في الأعوام القادمة، باستخدام الأسلحة البكتريولوجية، وستكون الحرب حرب الطائرات بدون طيار والروبوتات والأسلحة غير التقليدية، فماذا سنفعل ضد هذا التهديد غير المرئي؟ كانت التجربة المتواضعة لطائفة أوم "Aum " التي سكبت غاز السارين في مترو أنفاق طوكيو عام 1995، خطوة تجريبية لا يزال الجميع يتذكرها. إنّ المنظمات الإرهابية العابرة للحدود الوطنية كلها بالفعل في حالة تأهب حتى تحقق، باسم أيديولوجيتها العدمية، الدمار الشامل لِما يسمى حضاراتنا المتطورة، فماذا يمكننا أن نفعل ضد هذه المنتجات السامة الصادرة عن أسوأ مختبرات الحقد والكراهية؟ إنّ فيروس كورونا دليل حيّ على عدم استعدادنا لمثل هذه الاحتمالات، وربما هذا هو الأكثر إثارة للقلق، إنّ تعرّض مؤسساتنا الدولية للتحدي من طرف أعظم القادة الشعبويين الذين يحكمون الكوكب، تحدٍّ كبير للغاية، فلم يهتم دونالد ترامب، مثل جاجر بولسونارو وناريندرا مودي؛ بالمنظمات الدولية التي ما فتئت تُحذّر، على غرار تحذيرات منظمة الصحة العالمية، من خطر تفشي وباء كورونا في كوكب الأرض، نعم، هناك سبب وجيه للقلق الشديد الذي يعترينا ويستبد بالبشرية جمعاء بشأن المستقبل؛ لأنّ التعددية اليوم لا تستطيع أن تفعل شيئاً لإنقاذنا.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:
marianne.net

https://www.marianne.net/debattons/billets/comme-le-terrorisme-le-corona...

للمشاركة:



رئيس حزب الإصلاح اليمني.. هذه بعض تناقضاته

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-03-28

بالتزامن مع الذكرى الخامسة لانطلاق عاصفة الحزم في اليمن؛ قسَّم رئيس حزب الإصلاح اليمني محمد اليدومي حزبه إلى قسمَين: قسم غادر إلى قطر وتركيا لمهاجمة التحالف، وقسم بقي في الرياض يستحوذ على الشرعية ويمزِّق التحالف ويخلط الأوراق على الأرض.

 

 

وأثار اليدومي حالةً من الجدل، بسبب طبيعة ارتباطه بالتنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين، المصنَّف في عدة بلدان عربية باعتباره تنظيماً إرهابياً، وهو الضابط السابق المتهم في قضايا تعذيب عديدة، بحسب شهادات مواطنين يمنيين وثَّقتها منظمات حقوقية، وفق ما أوردت "كيوبوست".

اليدومي قسّم حزبه إلى قسمَين: قسم في قطر وتركيا لمهاجمة التحالف، وقسم في الرياض يستحوذ على الشرعية

وتظهر مواقف رئيس حزب الإصلاح اليمني المتناقضة التي يتخذها، خصوصاً منذ 2011، بعد سقوط نظام الرئيس الأسبق، علي عبد الله صالح، محاولة استغلال جميع الفرص لتحقيق أهداف الحزب بالوصول إلى السلطة وجمع المبالغ المالية؛ بما يحقق مصالح الحزب، المحسوب فكريّاً وتنظيمياً على جماعة الإخوان المسلمين.

واتخذ اليدومي مواقف متناقضة حتى من التحالف العربي؛ فالرجل الذي تودَّد إلى الحوثيين هو نفسه الذي أشاد بدور التحالف العربي من قبل في حفظ استقرار اليمن.

ورغم منحه أكثر من فرصة لإظهار جدية تصريحاته في فكّ ارتباط الحزب بجماعة الإخوان والحوثيين وتغليب مصالح اليمن واليمنيين؛ فإنّ هذا الفكّ العلني للارتباط لم يكن سوى جزء من مخطط مناورة إستراتيجية لتحقيق أكبر مكاسب ممكنة.

اليدومي تودَّد إلى الحوثيين وفي الوقت ذاته أشاد بدور التحالف العربي في حفظ استقرار اليمن

وعن طبيعة اليدومي ومرجعياته؛ أكد عضو الجمعية الوطنية الجنوبية، وضاح بن عطية؛ "اليدومي كان من ضباط الاستخبارات، وكان يُشرف عليهم غالب القمش، أحد القيادات التابعة لعلي محسن الأحمر"، مشيراً إلى أنّ "اليدومي على علاقة بالأفغان العرب الذين عادوا من أفغانستان بعد مؤتمر كابول باتفاق مع سلطات صنعاء؛ بهدف تحرير ما سمّوه جنوب اليمن من النظام الشيوعي".

وأضاف ابن عطية: "اليدومي يتحرك في إطار إحكام سرية العلاقة بين التنظيمات الإرهابية في اليمن وحزب الإصلاح، ومَن يتابع عمليات الاغتيال في اليمن التي استهدفت غالبيتها الكوادر الجنوبية سيدرك أولاً عدم وجود أية عملية اغتيال لأعضاء حزب الإصلاح، وثانياً سيلاحظ أنّ الاغتيالات تطال خصوم حزب الإصلاح بشكل ممنهج".

اليدومي على علاقة بالأفغان العرب والإرهابيين الذين عادوا من أفغانستان إلى اليمن بعد مؤتمر كابول

وشدّد عضو الجمعية الوطنية الجنوبية على أنّ "اليدومي ترك الرئيس هادي محاصراً في صنعاء بعد سيطرة الحوثيين عليها، وذهب إلى كهف مران للتحاور مع عبد الملك الحوثي، وبعد ذلك اللقاء اختفى مقاتلو حزب الإصلاح، وعقب إعلان عاصفة الحزم ظلّ اليدومي يبتز التحالف مقابل إعلان تأييد الحزب للعاصفة، وبعد إعلان موقف "الإصلاح" رحل الآلاف من أتباع الحزب إلى السعودية؛ للسيطرة على مفاصل الشرعية".

هذا وقد أشار ابن عطية إلى أنّه "بعد عام من إعلان عاصفة الحزم قسَّم اليدومي حزب الإصلاح إلى قسمَين: قسم غادر إلى قطر وتركيا لمهاجمة التحالف، وقسم بقي في الرياض يستحوذ على الشرعية ويمزِّق التحالف ويخلط الأوراق على الأرض".

 

 

للمشاركة:

حملة أمريكية جديدة لتفكيك الميليشيات العراقية الموالية لإيران.. تفاصيل

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-03-28

كشفت صحيفة "نيويورك تايمز"؛ أنّ وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) أمرت القادة العسكريين بالتخطيط لتصعيد معركتهم في العراق، وأصدرت، الأسبوع الماضي، توجيهاً بالإعداد لحملة لتدمير مجموعة من الميليشيات العراقية المدعومة من إيران، والتي تشنّ هجمات ضدّ القوات الأمريكية.

ويضغط بعض كبار المسؤولين الأمريكيين، بمن فيهم وزير الخارجية، مايك بومبيو، ومستشار الأمن القومي، روبرت أوبراين، من أجل اتخاذ إجراءات جديدة قاسية ضد إيران وقواتها، معتبرين أنّ "هناك فرصة لمحاولة تدمير الميليشيات المدعومة من إيران في العراق، حيث إنّ القادة في إيران مشتتون بسبب أزمة وباء كورونا في بلادهم"، بحسب الصحيفة.

"نيويورك تايمز": البنتاغون أمر قادته بالتخطيط لتصعيد معركتهم ضدّ الميليشيات العراقية المدعومة من إيران

وقال مسؤولون أمريكيون إنّ وزير الدفاع، مارك إسبر، أذن بالتخطيط لحملة جديدة داخل العراق، رغم تقليص أعداد الجنود الأمريكيين هناك، لتوفير خيارات للرئيس دونالد ترمب في حالة تصعيد الميليشيات المدعومة من إيران الهجمات ضدّ القوات الأمريكية، وفق ما أكده اثنان من كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية للصحيفة.

ولطالما استخدمت إيران ميليشيات عراقية كقوات بالوكالة لمحاربة القوات الأمريكية لممارسة نفوذها السياسي داخل الحكومة العراقية، مثل "كتائب حزب الله العراقي".

وقال عدد من المسؤولين الأمريكيين المطلعين لصحيفة "نيويورك تايمز": "توجيهات البنتاغون أمرت المخططين في القيادة المركزية للجيش وفي العراق بوضع إستراتيجيات لتفكيك الميليشيات، وجاء في التوجيه أنّ القوات شبه العسكرية الإيرانية يمكن أن تكون أهدافاً مشروعة إذا كانت موجودة مع مقاتلي كتائب حزب الله العراقي".

من المرجح أن تكون الأهداف قادة ميليشيات حزب الله وقواعده ومستودعات أسلحته وصواريخه

يذكر أنّ الهجمات الصاروخية التي شنتها كتائب حزب الله العراقي أدّت لمقتل جنديين أمريكيين وجندي بريطاني في قاعدة عسكرية عراقية هذا الشهر، ما أدى إلى غارة انتقامية شنتها الطائرات الحربية الأمريكية في اليوم التالي.

ورأى تقرير الصحيفة؛ أنّه "من المرجح أن تكون الأهداف المباشرة لحملة البنتاغون ضدّ كتائب حزب الله العراقي هي قيادة الجماعة وقواعدها ومستودعات أسلحتها، إضافة إلى مجموعة واسعة من الصواريخ، يُعتقد أن الجماعة قادرة على الوصول إلى ترسانة مخفية من الصواريخ الباليستية قصيرة المدى التي سلمتها إيران إلى العراق على مدى الأشهر القليلة الماضية، وفقاً لمسؤولين أمريكيين في الاستخبارات والجيش".

ويمكن لحملة أمريكية عسكرية موسعة أن تصيب أهداف الميليشيات في رقعة واسعة من العراق وسوريا، وقد تستهدف أيضاً "ميليشيات شيعية أخرى في العراق متحالفة بشكل فضفاض مع كتائب حزب الله العراقي"، بحسب "نيويورك تايمز".

 

 

للمشاركة:

كورونا يواصل انتشاره.. آخر التطورات والأرقام

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-03-28

رغم جهود السيطرة على وباء كورونا والحدّ من تفشيه، من خلال إجراءات العزل والطوارئ، يواصل الفيروس انتشاره عالمياً؛ حيث وصلت أعداد الإصابات إلى نحو 600 ألف، والوفيات اقترب عددها من حاجز الـ 30 ألفاً.

وفي التفاصيل؛ تجاوز عدد الإصابات المؤكدة بفيروس كورونا المستجد في الولايات المتحدة، أمس، عتبة المئة ألف حالة، في حين بلغ عدد الإصابات المؤكدة 18 ألف إصابة خلال يوم واحد، وفق ما أظهر إحصاء لجامعة "جونز هوبكنز"، وباتت بذلك الولايات المتحدة الأولى عالمياً في عدد الإصابات المعلنة رسمياً بالفيروس.

وقد أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، تفعيل قانون الإنتاج الدفاعي لمواجهة الوباء.

وقال ترامب، أمس، إنّ الولايات المتحدة ستنتج 100 ألف جهاز تنفس صناعي خلال 100 يوم، مشيراً إلى أنّه عيّن مستشار البيت الأبيض، بيتر نافارو، منسقا لقانون الإنتاج الدفاعي.

وأضاف ترامب: "سنصنع الكثير من أجهزة التنفس الصناعي"، متعهداً بأن يلبي احتياجات الولايات المتحدة، مع تقديم العون للدول الأخرى.

ووقّع الرئيس الأمريكي تشريعاً للإغاثة في حالة الطوارئ، يتضمن أكبر حزمة إنقاذ اقتصادي في تاريخ الولايات المتحدة، وقد صوّتَ الكونغرس على النسخة النهائية من حزمة المساعدات الاقتصادية بقيمة ترليوني دولار، وتشمل مساعدة العائلات والشركات الأمريكية التي تضررت من تداعيات انتشار فيروس كورونا.

كما أعلنت إيطاليا، أمس، تسجيل ما يقارب ألف وفاة خلال 24 ساعة، وهي حصيلة قياسية لضحايا الفيروس عالمياً.

وبهذا يرتفع العدد الإجمالي للوفيات في إيطاليا إلى 9134، أي بزيادة 969 حالة جديدة، غير أنّ وتيرة انتشار العدوى تواصل التراجع؛ حيث سجلت نسبة الحالات الجديدة المسجلة نمواً بنسبة 7.4%، وهي الأدنى منذ بداية تفشي الوباء في البلاد قبل أكثر من شهر.

أما الصين؛ التي ظهر فيها الفيروس قبل نحو أربعة أشهر، فتعتزم السلطات فيها إغلاق حدود البلاد مؤقتاً أمام معظم الأجانب وخفض عدد الرحلات الدولية بشكل كبير، اعتباراً من منتصف ليل أمس، بعد تسجيل 55 إصابة جديدة بفيروس كورونا خلال 24 ساعة، 54 منهم قدموا من الخارج.

 أما في إسبانيا؛ فقد سجلت 769 حالة وفاة جديدة جراء الفيروس، في يوم واحد، وهي حصيلة قياسية جديدة يرتفع معها العدد الإجمالي للوفيات في هذا البلد إلى 4858 وفاة، وهي ثاني أعلى حصيلة للوفيات بأوروبا بعد إيطاليا.

وفي فرنسا؛ أعلنت السلطات الصحية تسجيل 299 حالة وفاة جديدة بسبب الفيروس، ليرتفع الإجمالي إلى 1995، في الوقت الذي قررت فيه الحكومة تمديد الحجر الصحي العام المفروض في البلاد أسبوعين، حتى 15 نيسان (أبريل) المقبل، على أقل تقدير.

أما عدد الإصابات الإجمالي؛ فقد ارتفع إلى 32964 بزيادة 13% خلال 24 ساعة.

 وفي بريطانيا؛ ارتفع عدد الوفيات جراء الفيروس إلى 759، بينما بلغ عدد المصابين 14579.

وفي تركيا؛ دعا الرئس التركي، رجب طيب أردوغان، المواطنين إلى تطبيق "الحجر الصحي الطوعي"، وعدم مغادرة منازلهم إلا من أجل الاحتياجات الأساسية، بعد أن قفز عدد الإصابات بفيروس كورونا في البلاد بواقع الثلث في يوم واحد إلى 5698، وزاد عدد الوفيات إلى 92.

أما في روسيا، فقد أكّد الكرملين اكتشاف حالة إصابة بفيروس كورونا، أمس، في إدارة الرئيس فلاديمير بوتين.

كما قفز عدد الحالات المؤكدة بمستوى يومي قياسي، لليوم الثالث على التوالي، ليصل إلى 1036 حالة، في حين قضى أربعة أشخاص بالمرض.

وأعلن بوتين؛ أنّ "الأسبوع المقبل سيكون عطلة، وستغلق موسكو، وهي المنطقة الأكثر تضرراً بالفيروس، كافة المقاهي والمطاعم والمتاجر، باستثناء التي تبيع الغذاء والدواء، حتى 5 نيسان (أبريل) المقبل".

أما في الدول العربية؛ فقد قالت وزارة المالية المغربية، أمس: إنّ المملكة ستنفق ملياري درهم (200 مليون دولار) مبدئيا لمساعدة النظام الصحي في مواجهة تفشي فيروس كورونا، وذلك مع ارتفاع عدد الإصابات المؤكدة في البلاد إلى 333 وعدد الوفيات إلى 23.

كما ارتفع عدد ضحايا الفيروس في تونس إلى 7 أشخاص، بعد تسجيل وفاة شخص مساء أمس، في مدينة صفاقس، جنوب البلاد، أما عدد الإصابات فارتفع إلى 227 حالة بعد تسجيل 30 حالة جديدة.

وفي الأردن، أعلنت السلطات فجر اليوم تسجيل أول حالة وفاة بسبب فيروس كورونا، لسيدة في الثمانينيات من عمرها، كما شهد عدد الإصابات الجمعة ارتفاعاً ملحوظاً ليصل إلى العدد الإجمالي إلى 235 حالة.

كما أعلنت وزارة الصحة الإماراتية، أمس، تسجيل 72 حالة إصابة جديدة بالفيروس، ليرتفع عدد الإصابات إلى 405.

وأعلنت قطر تسجيل 13 إصابة جديدة، الجمعة، ليرتفع العدد الإجمالي للحالات المسجلة إلى 562.

هذا وقد أعلنت وزارة الصحة السعودية، أمس، تسجيل 92 إصابة جديدة بفيروس كورونا المستجد، 10 منها لأشخاص جاؤوا من خارج المملكة.

وفي الكويت؛ أعلن وزير الصحة شفاء 7 مرضى بكورونا مما يرفع إجمالي المتعافين إلى 64، بنما أعلنت وفاة 5 حالات جديدة بالفيروس في البلاد ليصل المجموع إلى 14، كما رصدت 112 إصابة جديدة والإجمالي بات 786 حالة.

وفي سلطنة عُمان؛ أُعلن رصد 21 إصابة جديدة بفيروس كورونا ليرتفع عدد الحالات المسجلة لديها إلى 152.

وفي السودان؛ ظهرت إصابتان جديدتان بفيروس كورونا لمواطنيْن قدما من الخارج.

وآسيوياً؛ ارتفع عدد الإصابات بالفيروس في الهند إلى 873، فيما سجلت 19 وفاة وتماثلت 78 للشفاء.

وفي العاصمة اليابانية، طوكيو، سجلت أكثر من 50 إصابة جديدة بالفيرس، في أكبر زيادة يومية بعدد الإصابات في المدينة.

 

 

للمشاركة:



أردوغان واغتيال حرية التعبير

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-03-28

خالد رستم

يعد منصب رئيس الدولة في تركيا منصباً فخرياً وكان حلم أردوغان الشخصية المهيمنة على المشهد السياسي منذ أمد بعيد التحرك سياسياً وتكريس كل جهوده لتوطيد سلطته عن طريق تعديل الدستور بحيث تتحول تركيا من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي، بهدف إلغاء دور رئيس الحكومة والسماح له بترسيخ قبضته على البلاد، وجاءت نتائج الانتخابات خلال استفتاء أجري في البلاد على طرح أردوغان إصلاحاته المقترحة، وكان الاستفتاء بطبيعته استفتاءً لصالح ومزاجية أردوغان وعلى هواه وأهوائه وشاكلته.

ويدعي أردوغان بأن تركيا تعد من أكثر دول العالم حرية في الصحافة، ويزعم أن القابعين في السجون ليسوا صحفيين بل إرهابيين ولصوصاً ويسيطر أردوغان بشكل مباشر أو غير مباشر على معظم مؤسسات الإعلام التركية، وفي عهده شهدت تركيا تقلصاً كبيراً للحريات الفردية وحرية التعبير، واعتقال صحفيين وأكاديميين وموظفين في معظم مؤسسات البلاد، وأيضاً الانقلاب على رفيقه السياسي أحمد داوود أوغلو، ونشوب خلاف سياسي بينهما، على خلفية تحويل تركيا من دولة برلمانية إلى رئاسية، وزيادة صلاحيات الرئاسة التي يتولاها، وهو ما لم يتحمس إليه أوغلو فقوبل بالاتهام من قبل أنصار الرئيس.

وابتلي الواقع التركي بتفاقم حدة المشكلات الداخلية والخارجية، ما أدى إلى تردي الأوضاع العامة وتأثر النمو الاقتصادي، عدا عن ذلك فقد أصبحت البلاد بؤرة ومأوى للإرهابيين والتنظيمات المتطرفة، وأودع العشرات من الصحفيين السجون وأغلقت السلطات التركية العشرات من المؤسسات الإعلامية، واتهمت على حد زعمها العديد من الصحفيين بنشر دعاية إرهابية أو إهانة الرئيس، وتعرضت عدة صحف إلى مداهمات واعتقال محرريها، وحجب المواقع التي تفصح عن تصرفات أردوغان المخالفة للدستور التركي وقانون حرية النقابات، وهذه الممارسات تنتهك حقوق الإنسان وتتعارض ومقتضيات المجتمعات الديمقراطية، وجرت احتجاجات شعبية اعتقل خلالها صحفيون بما في ذلك مغادرة العديد من الصحفيين المعارضين للحكومة البلاد.

وقاد أردوغان بلاده إلى عزلة لم تشهد مثلها منذ عقود، من حظر تصدير السلاح وعقوبات أمريكية، وإلى مخاطر بدخول تركيا عسكرياً إلى الأراضي السورية، وبسبب القمع الذي مارسته السلطات التركية، فإن أنقرة بعيدة كل البعد عن الانضمام للاتحاد الأوروبي ولا يمكنها أن تصبح عضواً خاصة إذا كان البعض يطالب بإعادة العمل بعقوبة الإعدام وسيكون من نتائج ذلك التوقف الفوري للمفاوضات مع أنقرة معتبرة الدول الأوروبية أن المعايير الديمقراطية التركية غير كافية على الإطلاق لتبرير انضمامها التي تعد ضرباً من الخيال.

وتطرقت صحيفة بيرجون ذات التوجه اليساري، في تقرير لها، إلى ضخ وزارة الدفاع 36 مليون دولار لشركة مملوكة لصهر الرئيس رجب طيب أردوغان ورأت أن الحرب تجعل الفقراء شهداء وتصنع من آخرين أثرياء، وطالبت وسائل إعلام مقربة من الحكومة التركية النيابة العامة في البلاد بإغلاق الصحيفة لنشرها الموضوع المثير للجدل.

وانتقدت بوندستاغ كلاوديا، نائب رئيس البرلمان الألماني، سياسة رئيس النظام التركي القمعية بقولها إن ما ينتهجه أردوغان وحزبه يعد نموذجاً مدمراً بانتهاكه مبادئ القانون في البلاد ومعاقبة وملاحقة المنظمات المدنية وانتهاكه حقوق الإنسان بشكل منهجي، مشيرة إلى أنها اطلعت على معاناة الأتراك جرّاء هذه الممارسات ومحاكمات القضاء التركي، وبذلك انتقلت تركيا من تصنيف الدول الحرة جزئياً إلى الدول غير الحرة، وآخر ضحايا نظام أردوغان كانت مجموعة الصحفيين من موقع أودا تي في، وصحيفتي يني تشاغ ويني ياشام، بتهمة الكشف عن هوية ضابط استخباراتي قتل في ليبيا خلال الأخبار التي نشروها.

الصحافة التركية تعيش واحدة من أسوأ عصورها، في ظل حكم أردوغان، ومن الصعب على الصحفيين ورجال الإعلام في تركيا الإبلاغ عن قضايا مثل الفساد أو حروب الحكومة داخل البلاد وخارجها، وتركيا من أكثر الدول اعتقالاً للصحفيين، ويواجه الخطر ذاته كل من هو معارض سواء كان فناناً أو أكاديمياً أو حتى مواطناً عادياً، وكل من يعارض أردوغان أو حكومته يكون مصيره الاتهام بتهم مجهزة مسبقاً مثل الانتماء لتنظيم إرهابي، لتكون هذه أكثر فترات تركيا اسوداداً وانهياراً.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

الجهاديون وأوهام النصر الإلهي

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-03-28

منصور الحاج

لطالما تعجبت من إيمان المجاهدين المطلق بأنهم "جند الله" ومن اعتقادهم الجازم بأن الله معهم وأنه لا محالة ناصرهم على أعدائهم ومتم نوره على أيديهم إن هم أخلصوا النية له والتزموا بأوامره واجتبوا نواهيه مهما قل عددهم وتواضعت خبراتهم الحربية وضعفت إمكانياتهم العسكرية.
إيمان مطلق يستمدونه من اعتقادهم بأنهم المخاطبون بالآيات والأحاديث التي تتناول قضايا الجهاد وأوامر القتال فيسقطون على أنفسهم كل الوعود الإلهية بالنصر والتمكين والاستخلاف بدون تشكيك في مصدر ذلك الإيمان أو إمكانية تحقق تلك الوعود على أرض الواقع.
ومن خلال متابعتي لبيانات وإصدارات التنظيمات الجهادية المختلفة بحسب طبيعة عملي لأكثر من عقد من الزمان في هذا المجال، لاحظت أنهم يرجعون الفضل إلى الله في كل ما يعتبرونه "انتصارا"، أما الهزائم فإنهم يلومون عليها أنفسهم ويردونها إلى ذنوبهم ومعاصيهم وتقصيرهم في طاعة الله وإخلاص النية له.
وأمام هذه الادعاءات للحركات الجهادية وقادة ومشايخ الجهاد بأنهم يجاهدون من أجل إعلاء كلمة الله وإيمانهم بأن الله سيهزم أعداءه على أيديهم، يجدر بنا أن نتساءل عن خصائص ذلك "النصر الإلهي" التي تميزه عن غيره في ظل الهزائم المتتالية التي يتلقاها الجهاديون في كل مكان.

كما يجدر بنا التساؤل عن أسباب تأخر هذا "النصر" الذي طال انتظاره وتحليل الآراء المتباينة التي يقدمها مشايخ الجهاد وقادة الجماعات الجهادية في تبرير ذلك. أما التساؤل الأهم في اعتقادي فهو عن الأسباب التي تحول دون مراجعة الجهاديين لإيمانهم المطلق بأنهم المخاطبون بالنص القرآني والتفكير في "النصر الإلهي" بواقعية بدلا من التضحية بالأرواح وإضاعة الوقت في المحاولات البائسة لتبرير تأخر نصر متوهم لا وجود له إلا في مخيلاتهم.
وعند تقييم "جهاد" حركة "طالبان" ضد قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة على سبيل المثال، فعلى الرغم من سقوط نظام طالبان وتكبد الحركة لخسائر فادحة وفشلها في حماية زعيم تنظيم "القاعدة" أسامة بن لادن الذي أعلن مسؤوليته عن هجمات الحادي عشر من سبتمبر فضلا عن المجاهدين العرب الذين تم اعتقال ومحاكمة المئات منهم، نجد أن التنظيمات الجهادية اعتبرت توقيع "طالبان" على اتفاق مع الولايات المتحدة "نصرا مؤزرا وفتحا مبينا".
ففي الثالث عشر من شهر مارس الجاري، أصدر تنظيم القاعدة بيانا بعنوان "إنا فتحنا لك فتحا مبينا" وصف فيه الاتفاق الذي وقعته حركة "طالبان" مع الولايات المتحدة بأنه "انتصار تاريخي كبير" و"نصر مؤزر" و"فتح مبين". كما أثنى زعيم تنظيم "القاعدة" في جزيرة العرب خالد باطرفي على طالبان في كلمة صوتية صدرت مؤخرا واعتبر توقيع الاتفاق تحقيقا لـ"وعد الله ورسوله".
ويتضح من خلال المثاليين السابقين أن تنظيم "القاعدة" والحركات التي تدور في فلكه أشبه بالغريق الذي يتشبث بقشة ففي ظل الضربات المتتالية التي يتعرضون لها في كل مكان والهزائم المتوالية التي يتكبدونها هنا وهناك، ولم يجدوا إلا هذا الاتفاق الذي تعهدت فيه "طالبان" على عدم تقديم الدعم للحركات الجهادية والتوقف عن قتال القوات الأميركية ليمنحوه سمة النصر الإلهي الذي طال انتظاره من أجل حفظ ماء الوجه ورفع الروح المعنوية للمقاتلين وتحفيزهم على مواصلة مغامراتهم العبثية.

وفي المقابل، وصف تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) في مقال نشره في صحيفته الأسبوعية "النبأ" بعنوان "ربيع الجهاد في خراسان" الاتفاق بأنه "هدنة بين الصليبيين ومرتدي طالبان". كما تداول أنصار التنظيم في وسائل التواصل الاجتماعي مقالا بعنوان "طالبان والنصر الموهوم" وصف الاتفاق بأنه "خيانة واستسلام" وسخر من تصوير مؤيديه له بأنه "نصر بائن وإركاع للأميركيين".
وبالانتقال إلى تبريرات قادة ومشايخ الجهاد لتأخر "النصر الإلهي" يلاحظ أنهم يقدمون آراء متباينة لا يمكن التوفيق بينها مما يعكس حالة اليأس والتخبط التي يمرون بها ورغبتهم في تحفيز المجاهدين بأي شكل من أشكال الحجج والذرائع.
ففي تعليقه على مقولة "لو كنتم على الحق لنصركم الله ولو أن بشار على باطل كان انهزم من زمان" المتداولة في أوساط السوريين، قال رجل الدين السعودي عبد الله المحيسني المقرب من التنظيمات الجهادية في سوريا في تسجيل صوتي نشره الشهر الماضي: "النصر عندنا مختلف. النصر عندنا هو الثبات على دين الله. النصر عندنا هو عدم الانتكاس وعدم الرجوع عن الجهاد في سبيل الله والثبات على طاعة الله وطاعة رسوله.. نحن إن قتلنا منهم فنحن منتصرون وإن قُتلنا فنحن منتصرون لأن النصر عندنا ليس بالمعركة فقط إنما بثباتنا على دين الله".
هكذا، يا من تظن أنك تجاهد في سبيل الله وبكل بساطة ألغى المحيسني النصر الإلهي "القريب" ووعود هزيمة الكافرين والاستخلاف والتمكين وتحكيم شرع الله واختصرها في مجرد ثباتك على دين الله حتى تلقى حتفك وتلحق بمن سبقوك.

وفيما يختصر المحيسني النصر الإلهي في ثبات المجاهدين، يلقي عدد من مشايخ الجهاد في سوريا اللوم على السوريين في تأخر "النصر الإلهي" فأطلقوا حملة "كيف ينصرنا الله وفينا من يسبه" طالبوا فيها بقتل كل من يسب الله بعد استتابته لمدة ثلاثة أيام وإطعامه في كل يوم رغيفا "فإن أصر على كفره وزندقته تقطع رقبته ردة عن الإسلام".
أما الدواعش الذين أعلنوا دولة إسلامية وخلافة "على منهاج النبوة" وظنوا بأنهم الفئة المنصورة الذين سيتحقق وعد الله على أيديهم فأعدوا العدة وانتظروا قدوم "الروم" على أرض دابق السورية، هزموا شر هزيمة على يد الجيش السوري الحر في أكتوبر من عام 2016 وتبخرت على تلالها كل أحلامهم.
لقد جرب الجهاديون كل السبل من أجل تحقيق "النصر الموعود" واستحضروا كل التراث الديني لإثبات أنهم "الطائفة المنصورة" وقدموا كل التبريرات الممكنة لتأخر التمكين والاستخلاف ومن الأجدى الآن مراجعة منهجهم والاقتناع بأن الله ليس معهم ولا علاقة له بانتصاراتهم ولا بهزائمهم.
لقد حان الوقت لأن يتوقف دعاة الجهاد عن الزج بالشباب المسلم في أتون حروب لا يملكون أدنى المقومات المادية أو المعنوية للانتصار فيها فلقد بات من الواضح أنهم عاجزون عن إلحاق الهزيمة بأعدائهم في ظل غياب الشواهد الملموسة التي تثبت ادعائهم بأنهم "جند الله" الموعودون بالنصر والتمكين والاستخلاف.

عن "الحرة"

للمشاركة:

فيروس كورونا: هل ستستمر العادات التي نكتسبها خلال فترة الحظر؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-03-28

فيرناندو ديوارت

إذا كنت تعيش في عزلة حبيس المنزل، فتذكر: أنك لست الوحيد. ففي هذه الفترة، يعيش ربع سكان العالم تقريباً تحت الحظر. وملايين الأشخاص يحاولون التكيف مع الظروف الجديدة الناتجة عن القيود المفروضة على الحركة لمنع انتشار فيروس كورونا المستجد.

ولكن ماذا لو أن بعض التغيرات التي طرأت على أسلوب حياتنا ستبقى مستمرة؟

إليك بعض المجالات في حياتنا،التي يبدو أن التغيرات التي طرأت عليها ليست مؤقتة، كما نظن، وإنما سترافقنا لبعض الوقت في المستقبل:

العمل من المنزل
المزارعون وعمال البناء مثلاً، مضطرون إلى الخروج من منازلهم للقيام بأعمالهم، ولكن بالنسبة للكثيرين، الذين يقومون بأعمال مكتبية، أصبح المنزل الآن مكتبهم الجديد.

وقد اضطرت الشركات في أنحاء العالم إلى أن تطلب من موظفيها العمل من منازلهم، وتشمل القائمة شركات كبرى مثل آبل ومايكروسوفت.

كان العمل من المنزل اتجاهاً رائجاً، قبل ظهور الفيروس، ولكن وفقاً لليبي ساندر، خبيرة السلوك التنظيمي في جامعة بوند الأسترالية، فإن فيروس كورونا "يمكن أن يكون نقطة التحول التي تجعل من العمل عن بعد هو القاعدة."

وكان استطلاع أجرته شركة الاستشارات الدولية International Work Group ومقرها لندن، قدر أن أكثر من 60 في المئة من الشركات في جميع أنحاء العالم لديها سياسة عمل مرنة.

لكن هذه النسبة تتغير بشكل كبير من بلد إلى آخر، ففي حين تبلغ 80 في المئة في ألمانيا، فهي لا تزيد عن 32 في المئة في اليابان. وتتوقع الشركة الاستشارية أن الاتجاه إلى المرونة في العمل سيتعزز ويستمر.

إطالة الدردشة عبر الإنترنت، وتأجيل المواعدة

وقال بليك مورغان المحلل المختص بالاتجاهات والتيارات الجديدة لبي بي سي "لن تكون الحياة طبيعية حقاً لسنوات عدة قادمة."

"وأضاف سيتذكر الناس في جميع أنحاء العالم أنهم قبل أيام قليلة كانوا يخافون من جراثيم جيرانهم".

وقد تكون المواعدة والعلاقات العاطفية من بين أكثر القطاعات في حياتنا تأثراً بانتشار فيروس كورونا والحظر والعزلة المرافقين له.

ولجأت مواقع المواعدة على الإنترنت في أنحاء العالم إلى الطلب من عملائها أن يطيلوا مدة التعارف والمغازلة الافتراضيين مع تأجيل اللقاء الواقعي.

ويضيف مورغان "سيفكر الناس مرتين قبل أن يضعوا أنفسهم في احتكاك عن قرب مع الآخرين".

أسلوب حياة داخلي أكثر؟

يمكن أن تؤدي تجربة الحجر الصحي والعزلة الذاتية إلى تغييرات في الطرق التي نفضلها في الترفيه عن أنفسنا.

خذ السينما على سبيل المثال، في السنة الماضية ذهب إلى دور العرض السينمائية نحو 506 مليون شخص، بحسب نتائج بحث أجرته شركة Statista لتحليل البيانات، في ارتفاع بأكثر من 18 في المئة عن العدد المسجل قبل عامين.

ورغم الإقبال على دور السينما، ارتفع أيضاً عدد الأشخاص في العالم الذين اشتركوا في منصة بث نتفليكس بنسبة 47 في المئة خلال الفترة نفسها ليصل إلى 161 مليون مشترك.

والآن مع إغلاق صالات السينما، من المتوقع أن يشترك مزيد من الأشخاص في خدمات منصات البث على الانترنت.

وقال مورغان لبي بي سي "في إيطاليا وإسبانيا، على سبيل المثال، ارتفع عدد مرات تنزيل تطبيق نتفليكس لأول مرة بنسبة 57 في المئة و 34 في المئة على التوالي، فالناس حسب مورغان "يتوقون إلى الترفيه، والهرب من الواقع أكثر من أي وقت مضى".

ولكن هل سيستمر الاتجاه إلى الترفيه الداخلي؟ يعتقد ريتشارد غرينفيلد، وهو استشاري مختص في صناعة الترفيه ومقيم في الولايات المتحدة، أن تبني عادة مشاهدة عبر منصات البث سيتنامى بشكل كبير ما سيسبب مشاكل خطيرة لأصحاب المسارح في دول مثل الولايات المتحدة.

وقال غرينفيلد في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمزإن "سلوك الناس تغير بالفعل، ولكن هذا (فيروس كورونا) يسرع عجلة التغيير". وأضاف "أعتقد أن معظم شركات المعارض العالمية ستعلن إفلاسها بحلول نهاية العام".

من ناحية أخرى، فإن ابتسامات عريضة سترتسم على وجوه مدراء شركات صناعة الألعاب الإلكترونية.

وقد ارتفع الاقبال على هذه الألعاب بشكل ملحوظ في الصين إبان فترة الحظر والعزل الذاتي، وسجل متجر تطبيقات آبل في الصين قفزة كبيرة في الإقبال على تنزيل تطبيقات الألعاب.

تغير قطاع السفر

أدى انتشار وباء كورونا إلى حالة من الفوضى غير المسبوقة في صناعة السفر والسياحة، وقد يتسبب في تحول جذري في الطريقة التي ننظر بها إلى السفر في المستقبل.

ويمكن أن يؤدي الوباء إلى خسارة 50 مليون وظيفة حول العالم وفقاً للمجلس العالمي للسفر والسياحة، وبحسب تقديرات الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا) الشهر الماضي فإن خسائر شركات الطيران في أنحاء العالم قد تزيد عن 113 مليار دولار في عام 2020، وذلك قبل أن تعلن الولايات المتحدة فرض قيود صارمة على السفر.

وهناك نحو 1.1 مليون حالة إلغاء حجوزات طيران، كما انخفضت الحجوزات بنسبة 50 في مارس/آذار و40 في المئة في أبريل/ نيسان، و25 في المئة في مايو/أيار.

كما عانت صناعة السياحة من ضربة كبيرة بسبب العزلة الذاتية وحظر التجمع، ومن المتوقع أن تعاني المناطق التي تعتمد بشكل كبير على السياحة من أوقات عصيبة.

ولكن هل هناك أي فرصة جيدة وسط هذه الأزمة؟

تعتقد فريا هيغينز ديسبيولس، أستاذة إدارة السياحة في جامعة جنوب أستراليا، أن "هذا الوباء أتاح فرصة قيمة وغير متوقعة". لقد شهد العديد من المواقع السياحية حول العالم ما يطلق عليه اسم فرط السياحة، وتسبب هذا في ردود فعل محلية عنيفة أحياناً ضد الأعداد المتزايدة من السياح".

كما قد تؤدي الأزمة الصحية إلى إعادة التفكير في الاعتماد على السياحة لتحقيق النمو الاقتصادي.

وأضافت هيغنز ديسبيولس لبي بي سي "يعتقد العلماء أن الأوبئة قد تنبع من إفراط البشر في استخدام البيئة والتنوع البيولوجي والموارد الطبيعية، والسياحة جزء كبير من هذه الظاهرة".

وقالت "إذا لم نعمل على تحقيق توازن بين اقتصاداتنا وبين الحدود التي تضعها الطبيعة، فسيحصل المزيد من الأزمات".

التسوق عبر الإنترنت

التسوق عبر الإنترنت ليس رائجاً في أنحاء العالم كما قد تعتقد، وحتى في الأماكن التي ينتشر فيها استخدام الإنترنت بشكل واسع.

ففي دول الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، هناك ما يقرب من 30 في المئة من المستخدمين الذين لم يتسوقوا عبر الإنترنت خلال عام 2019، وترتفع هذه النسبة إلى 45 في المئة بين الذين تتراوح أعمارهم بين 55 و 74 عاماً.

لكن من شأن العزل، والإغلاق، والحظر أن تتسبب في تغيير كبير في الوضع قريباً.

وقالت ميديا إقبال، الخبيرة الاقتصادية في شركة يورومونيتور إنترناشيونال للأبحاث، لبي بي سي "من السلوكيات المتوقع تغييرها هو التسوق عبر الإنترنت، وسيشمل ذلك الفئات العمرية التي تكون عادة أقل إقبالاً على هذه التجربة"

وقد سجل موقع JD.com للبيع بالتجزئة على الإنترنت في الصين، ارتفاعاً بنسبة 215 في المئة خلال فترة 10 أيام بين أواخر يناير/كانون الثاني وأوائل فبراير/شباط.

ومن المرجح أن يتكرر الأمر في العديد من الدول حول العالم مع استمرار فرض الإغلاق والحظر، ما يعزز الاتجاه لمزيد من التسوق عبر الإنترنت.

بيئة طبيعية أنظف؟

أظهرت صور الأقمار الصناعية انخفاضاً ملحوظاً في تلوث الهواء في الصين على مدار الأسابيع القليلة الماضية، وذكرت تقارير أن، الصين التي تعتبر من أكبر المساهمين في التلوث الجوي في العالم، شهدت انخفاضاً بنسبة 25 في المئة في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون خلال الفترة من 3 فبراير/شباط إلى 1 مارس/آذار، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2019.

ومع ذلك، من المرجح أن ترتفع مستويات التلوث مجدداً بمجرد عودة الحياة الطبيعية إلى حد ما في الصين وبقية العالم، خاصة في المناطق التي يتم فيها نشر حزم المحفزات الاقتصادية.

لكن النشطاء يرون أن هناك فرصة للتغيير.

وكتب مارشال بورك، الباحث في جامعة ستانفورد الأمريكية، في مدونته إن الإغلاق الذي نجم عن مشكلة بهذا الحجم "يمكن أن يؤدي إلى بعض الفوائد (الجزئية) الكبيرة، الأمر الذي يشير إلى أن ما يجتاج التغيير هو طرقنا المعتادة في القيام بالأشياء".

وحسب بورك، فإن التحسن المؤقت في جودة الهواء في الصين أنقذ حياة 4000 طفل دون سن الخامسة، و73000 شخص ممن تزيد أعمارهم عن 70 عاماً، وهذا أكثر بكثير من العدد الرسمي للوفيات في البلاد، والذي يزيد عن 3000 شخص.

وأضاف "قد يكون فيروس كورونا في حال صمدنا بعده، مساعدا لنا لنقوم بأعمالنا ولكن بتلوث أقل".

الطبيب الإلكتروني سيعاينك الآن

الاستشارات الصحية (البُعادية) أي عن بعد، هي استخدام الاتصالات والتكنولوجيا الافتراضية لتقديم الرعاية الصحية خارج المرافق الطبية التقليدية. ويحظى هذا الاتجاه بالتشجيع من منظمة الصحة العالمية، إذ يعتقد الخبراء أنه يمكن أن يخفض التكاليف، ويسهل الوصول إلى الخدمات الطبية إلى أعداد متزايدة من الناس.

ومع انتشار الوباء الذي يسببه فيروس كورونا المستجد، أصبحت الرعاية الصحية البُعادية أكثر أهمية لتشخيص العدوى وعلاجها.

وقال ستيف ديفيس خبير السياسة الصحية في جامعة ويست فرجينيا الأمريكية"الخدمات الصحية عن بعد يمكن أن تكون وسيلة للتوفيق بين الحجر الصحي الذاتي للحد من انتشار الفيروس والحصول على العلاج الصحي المطلوب".

وقد أصبحت الرعاية الصحية عن بعد جزءاً من جهود حكومة الولايات المتحدة لمعالجة المصابين بفيروس كورونا. وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 17 مارس/آذار تغييرات في نظام التأمين الصحي، ستسمح بتوسيع تقديم الرعاية الصحية للمرضى والمسنين والذين يعانون من مشاكل صحية مزمنة عن بعد.

هل ستنتهي العولمة؟

في مقال نشر في 4 مارس/آذار على موقع المنتدى الاقتصادي العالمي، تناول هارالد جيمس، أستاذ التاريخ والشؤون الدولية في جامعة برينستون، التأثيرات المحتملة لانتشار وباء كوفيد - 19 على العولمة.

وجاء في المقال أن "الأوبئة لاتكتفي فقط بنشر مآسي المرض والموت، ولكنها أيضاً تجعل الناس يصبحون أكثر ريبة، وفي نفس الوقت أكثر سذاجة، وأقل رغبة في التعامل مع أي شيء يبدو أجنبياً عنهم أو غريباً".

فهل تنطبق الحالة على انتشار فيروس كورونا المستجد؟

أثار قرار ترامب وصف فيروس كورونا المستجد بـ "الفيروس الصيني"، جدلاً، كما تورطت البرازيل في مشكلة دبلوماسية مع الصين عندما اتهم أحد أبناء الرئيس جايير بولسونارو في تغريدة على تويتر بكين بالتستر على انتشار الفيروس على غرار ما فعلته سلطات الاتحاد السوفيتي حين حجبت المعلومات حول كارثة تشيرنوبل النووية عام 1986.

وخلص جيمس إلى أن "فيروس كورونا من المحتمل بالتأكيد أن يسرع بعملية تلاشي العولمة".

كما اتفق خبراء على نفس الاستنتاج، وحذروا من أن التوترات التي أوجدتها الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين تفاقمت بسبب فيروس كورونا.

وترى فيكي ريدوود، المستشارة في شركة كابيتال إيكونوميكس للأبحاث، أن "التهديد الأكبر للعولمة خلال العامين الماضيين كان التوترات بين الولايات المتحدة والصين".

وتضيف ريدوود أنها تعتقد أن الفيروس سيجعل الاستعانة بمصادر خارجية في التصنيع أقل جاذبية بالنسبية للشركات.

ولكن هناك اعتقادات بأن انتشار جائحة كورونا قد يكون له تأثير مختلف تماماً.

ويقول ريتشارد بالدوين، الخبير الاقتصادي الدولي في معهد الدراسات العليا في جنيف، "قد يقدم لنا هذا الوباء في النهاية درساً عظيماً. سنرى أن التعاون متعدد الأطراف أمر ضروري".

عن "بي بي سي"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية