العقوبات الأمريكية ضدّ إيران... وسيلة ضغط أم أداة اتصال؟

العقوبات الأمريكية ضدّ إيران... وسيلة ضغط أم أداة اتصال؟
مدني قصري's picture
كاتب ومترجم جزائري
4808
عدد القراءات

2019-09-03

ترجمة: مدني قصري


أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، مؤخراً، فرض عقوبات جديدة على إيران، في خضمّ الأزمة بين القوتين، لكن بينما يتأثر اقتصاد الجمهورية الإسلامية بشدّة بالضغط الاقتصادي للأمريكيين، يعتقد العديد من الخبراء أنّ هذه الإجراءات الجديدة ليست أكثر من كونها إجراءات رمزية.
ترامب يريد حرباً اقتصادية
هدف دونالد ترامب وضع الجمهورية الإسلامية على ركبتيها؛ أي تركيعها، لإجبارها على إعادة التفاوض حول صفقة نووية غير مواتية، هذه العقوبات "تؤكّد تفضيل ترامب للضغط الاقتصادي بدلاً من استعمال القوة"، كما قالت "لوس أنجلوس تايمز".

حرب اقتصادية هذا هو المصطلح الذي يستخدمه بعض المسؤولين الإيرانيين لتحديد العقوبات التي تفرض على إيران حالياً

في هذا الشأن، قال كريستوفر آر. هيل، سفير الولايات المتحدة السابق لصحيفة في كاليفورنيا: "إنّها طريقته في السير في طريق صعب، وهذا أمر يرضي قاعدته، الصراع المسلّح لا يهمه على الإطلاق، إنه يريد حرباً اقتصادية".
لكنّ صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" تشير إلى أنّ العقوبات "قد يكون لها تأثير متواضع"؛ لأنّ خامنئي، كما تقول الصحيفة، لا يملك أيّة أصول في أمريكا، ولأنّ "الحكومة الإيرانية تعمل إلى حدّ كبير خارج النظم المالية العالمية التي يمكن للولايات المتحدة أن تسيطر عليها".
هدف دونالد ترامب هو وضع الجمهورية الإسلامية على ركبتيها

هل البيت الأبيض منفتح على الحوار؟
قال أريان طباطبائي، عالم السياسة، المتخصص بشؤون الشرق الأوسط، لصحيفة "يو إس إيه توداي": "الآثار العملية تبدو محدودة إلى حدّ ما"، ويضيف الباحث: "أرى أنّ هذا بيان مبدئي للإدارة، ولفتة رمزية للغاية تهدف إلى إظهار أنّ الولايات المتحدة لن تظلّ مكتوفة الأيدي وتراقب إيران".

اقرأ أيضاً: العقوبات الأمريكية على حزب الله وسياسة الضغط القصوى على طهران
"إنّ الطبيعة الرمزية إلى حدّ كبير لهذه العقوبات الجديدة، تشير إلى أنّ سهام إدارة ترامب تقل أكثر فأكثر في جعبتها الاقتصادية"، كما ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز"، التي ترى أنّ البيت الأبيض يلعب لعبة الانتظار.
محمد جواد ظريف رئيس الدبلوماسية الإيرانية

80٪ من الاقتصاد الإيراني تحت العقوبات
"دولة تعتقد أنّها [...] قوة عظمى عالمية، تخشَى تصريحات وزير خارجيتنا"، هكذا تحدّث الرئيس الإيراني، حسن روحاني، في الأول من آب (أغسطس)، مشدداً على "السلوك الوحشي" للولايات المتحدة، التي أعلنت، في اليوم السابق، فرض عقوبات على رئيس الدبلوماسية الإيرانية، محمد جواد ظريف(1).

اقرأ أيضاً: إيران وفشل التحايل على العقوبات
تتراكم هذه العقوبة الجديدة ضمن قائمة، وهي طويلة بالفعل(2)، التدابير السابقة التي اتخذتها الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، في الوقت الحالي، ففيما تشتد المواجهة الدبلوماسية والعسكرية بين الولايات المتحدة وإيران؛ فإنّ ما يقرب من 80٪ من الاقتصاد الإيراني تحت العقوبات، وفق وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبو، وهكذا يبدو الاقتصاد الإيراني في حالة اختناق تدريجي؛ وهو دليل مسبق على نجاح العقوبات التي تهدف إلى دفع إيران إلى المفاوضات والتنازلات.
ومع ذلك، يبدو أنّ لهذه العقوبات حدودها؛ لأنّ العقوبات الأولى تعود إلى أكثر من عشرين عاماً، عام 1996(3)، ولم تجبر إيران حقاً على الانحناء؛ ولأنّ عدداً كبيراً من الخبراء يشكّون في جدواها(4)، ناهيك عن استقبال الإيرانيين لها بالتهكم والسخرية(5).

السفير الإيراني لدى الأمم المتحدة: لا يمكن لأحد ذي عقل سليم إجراء حوار مع شخص يهدّده بالعقوبات

إذاً، ما مدى فعالية العقوبات ضدّ إيران؟ هل الدول التي لم تسن هذه العقوبات ملزمة بتطبيقها؟ أليست أداة اتصال بشكل أساسي، وليست وسيلة ضغط حقيقية؟ سيوضح الجزء الأول من هذا المقال؛ أنّ إعادة فرض العقوبات وشدتها من الواضح أنّها تؤثر بشكل كبير في الاقتصاد الإيراني وسكانه.
والجزء الثاني، سيوضح تحليل هذه العقوبات، وكيف أنّها تستخدم كوسيلة اتصال بقدر استخدامها كوسيلة للضغط، لكنّها تواجه، على نحو متزايد، مقاومة العديد من الدبلوماسيين، في مقدمتهم روسيا والصين والاتحاد الأوروبي، الذين يسعون لإيجاد حلول للالتفاف على هذه العقوبات.
ملحوظة: من أجل الوضوح وللأسباب الواردة في الجزء الأول من هذا المقال، سيركز هذا الأخير بشكل حصري على العقوبات الأمريكية، التي تمثل حالياً أقوى العقوبات ضدّ إيران.
1- سلسلة من العقوبات تهدف إلى خنق الاقتصاد الإيراني
"حرب اقتصادية": هذا هو المصطلح الذي يستخدمه بعض المسؤولين الإيرانيين(6) لتحديد العقوبات الاقتصادية التي تفرض على إيران حالياً، في الواقع؛ إنّ العقوبات الأمريكية(7)، التي تهدف إلى دفع إيران للتخلي عن برنامجها النووي وسياسة نفوذها الإقليمي، قد اعتمدت زاوية هجوم اقتصادية ذي أولوية، رغم أنّ بعضها قد يكون ذا دافع سياسي(8)، إذا كان نظام الملالي تعرّض لسلسلة من قرارات حظر الأسلحة التي أصدرتها الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، في عامَي 2006 و2007، فقد تمّ تقليص هذا الأخير بشكل كبير(9) بعد اتفاق فيينا عام 2015، وبالتالي فهي تكرّس القدرة الكلية للعقوبات الاقتصادية، خاصة العقوبات الأمريكية.
روسيا والصين والاتحاد الأوروبي يسعون لإيجاد حلول للالتفاف على هذه العقوبات

تطبيق أقصى قدر من الضغط المالي
في الواقع؛ يبدو رأس الحربة لهذه العقوبات الاقتصادية وكأنه واشنطن؛ فقد أعقبت انسحابَ الولايات المتحدة من اتفاقية فيينا، في 4 تشرين الثاني (نوفمبر) 2018، إعادةُ تنفيذ العقوبات التي قدمتها وزارة الخزانة الأمريكية، باعتبارها "الأشدّ قسوة على إيران"(10)، هذه العقوبات تستهدف القطاعات الحاسمة للاقتصاد الإيراني، مثل؛ قطاع الطاقة والنقل وبناء السفن والتمويل؛ في هذا الشأن وزارة الخزانة الأمريكية تنصّ أيضاً على أنّ الولايات المتحدة تشارك في حملة "أقصى قدر من الضغط المالي" على النظام الإيراني، و"التطبيق العدواني" لهذه العقوبات.

سفير الولايات المتحدة السابق: الصراع المسلّح لا يهم ترامب على الإطلاق إنّه يريد حرباً اقتصادية

في اليوم التالي؛ قام مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) بمعاقبة 700 شخص وكيان وطائرة وسفينة، كان قد تمّ رفع عقوباتها بعد اعتماد اتفاقية "إيفيان".
في 2 أيار (مايو) 2019؛ أعلنت الولايات المتحدة وضع حدّ لإعفاءات العقوبات المطبقة على الدول الثماني، التي ما تزال تستورد النفط الإيراني: الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان وتركيا وإيطاليا واليونان.
في ذلك التاريخ، ومنذ استئناف العقوبات، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2018، انخفضت صادرات النفط الإيراني بالفعل، بأكثر من 50٪، وهبطت إلى أقل من مليون برميل من النفط الخام يومياً.
2- اختناق الاقتصاد الإيراني بفعل ضغط العقوبات الأمريكية
يبدو الاقتصاد الإيراني، اليوم، متضرراً بشدة من العقوبات الأمريكية، وتتحدث الأرقام عن نفسها، خلال اتفاقية فيينا، اتفق الرئيس الإيراني حسن روحاني مع الولايات المتحدة وخمس دول أوروبية على الحدّ من أنشطة إيران النووية، ومقابل ذلك رُفعت العقوبات المفروضة على جمهورية إيران الإسلامية؛ ومنذ العام التالي، 2016، قفز الاقتصاد الإيراني بمعدل نموّ بلغ 12.3٪(11)، واليوم، مع فرض العقوبات الأمريكية، تقلّص الاقتصاد الإيراني بنسبة 3.9٪ عام 2018، ومن المتوقع أن ينخفض بنسبة 6 ٪ عام 2019(12).

اقرأ أيضاً: هل العقوبات على إيران فرصة لتحوُّلٍ جذريّ في العراق؟
يتأثر قطاع الطاقة، خاصّة النفط، بالعقوبات الأمريكية، في أوائل عام 2016، بعد رفع العقوبات، قفز عدد براميل النفط التي تصدرها إيران يومياً من 2.7 مليون، في آذار (مارس) 2016، إلى 3.7 مليون بعد عام، وإلى 3.8 مليون، في آذار (مارس) 2018، وبعد ستة أشهر من فرض العقوبات، انخفض عدد براميل النفط المصدرة من إيران إلى 2.4 مليون برميل يومياً، حتى قبل رفع إعفاء استيراد النفط للدول الثماني المذكورة أعلاه، في شهر أيار (مايو) الماضي، والذي لم تُعرف نتائجُه بعدُ، والتي ستزيد عبء قطاع الطاقة الإيراني؛ تشير تقديرات الحكومة الأمريكية إلى أنّ هبوط صادرات النفط الإيرانية بفضل العقوبات ربما أدّى إلى خسارة حوالي 10 مليارات دولار (حوالي 8.9 مليار يورو) في الإيرادات لنظام الملالي(13)، منذ تشرين الثاني (نوفمبر) 2018.
يبدو الاقتصاد الإيراني اليوم متضرراً بشدة من العقوبات الأمريكية

وطأة هذه العقوبات الاقتصادية على الإيرانيين
بشكل ملموس، تتحمل حياة الإيرانيين اليومية وطأة هذه العقوبات الاقتصادية. زاد التضخم بنسبة 31٪ عام 2018، وفق صندوق النقد الدولي، وقد انخفضت القوة الشرائية للإيرانيين بشكل كبير، اعتباراً من حزيران (يونيو) 2019، ارتفعت أسعار اللحوم الحمراء والديك الرومي بنسبة 57٪ في عام واحد، وارتفعت أسعار الحليب والجبن والبيض بنسبة 37٪، والخضروات بنسبة 47٪، والتكاليف الطبية والإيجارات زادت بنسبة 20٪(14).

اقرأ أيضاً: إيران وحلفاؤها في دوامة أزمة العقوبات
هكذا تتشكّل طوابير انتظار طويلة يومياً أمام محلات البقالة المدعومة من الحكومة الإيرانية، من أجل الحصول على المنتجات الغذائية، خاصّة اللحوم الحمراء، بأسعار متّزنة، مقارنة بتلك المطبقة في الأسواق التقليدية(15)، ستنظر الحكومة الإيرانية في إمكانية تقديم كوبونات حصص إلكترونية لمساعدة الفقراء في الحصول على اللحوم والضروريات، ووفق "بي بي سي"؛ فإنّ حوالي 3٪ من الإيرانيين (2.4 مليون شخص) كانوا يعيشون على أقلّ من 1.70 يورو يومياً، عام 2016.
إسقاط إيران بأقل تكلفة ممكنة
تهدف هذه العقوبات إلى إسقاط إيران بأقل تكلفة ممكنة، دون اللجوء إلى القوة المسلحة؛ حيث تتقاسم الأطراف، سواء كانت الولايات المتحدة أو الإيرانيين أو الأوروبيين، الخوف من صراع قد يكون مدمراً للاقتصاد العالمي: محمد مرندي، أستاذ بجامعة طهران، شارك في مفاوضات اتفاقية فيينا، عام 2015 ، وقد ذكّر، في 22 حزيران (يونيو) 2019، خلال مقابلة مع صحيفة "Democracy Now" الأمريكية، بأنّ نزاعاً مسلحاً بين الولايات المتحدة وإيران "سيؤدي إلى كارثة اقتصادية عالمية بحجم لم يسبق له مثيل في التاريخ المعاصر"، والذي سيندرج "على المدى الطويل جداً"، مشيراً -على وجه الخصوص- إلى العواقب المباشرة للصراع على مضيق هرمز، الذي ذُكر رهانه الإستراتيجي مؤخراً.
تهدف هذه العقوبات إلى إسقاط إيران بأقل تكلفة ممكنة

رسائل سياسية
رغم النتائج الواضحة لهذه العقوبات على الاقتصاد الإيراني، فهل لهذه الأخيرة جدوى حقاً؟ في هذا الشأن، قال روبرت مالي، المستشار الخاص السابق للرئيس الأمريكي، باراك أوباما، وهو الآن الرئيس التنفيذي لمجموعة الأزمات الدولية، في 24 حزيران (يونيو): إنّها "السياسة الرمز بكلّ مساوئها"، موضحاً أنّ "هذه العقوبات على كلّ المستويات غير منطقية، وذات نتائج عكسية، أو في أحسن الأحوال غير مجدية"؛ ألم يكن الهدف من بعض هذه العقوبات، قبل كلّ شيء، إرسال رسائل سياسية إلى كلّ من إيران والناخبين الأمريكيين وبقية العالم؟ وهل ما تزال هذه العقوبات سارية لدى البلدان المرتبطة اقتصادياً بإيران؟ هذه هي الأسئلة التي سيحاول الجزء الثاني من هذه المقالة الإجابة عنها.

مع فرض العقوبات الأمريكية تقلّص الاقتصاد الإيراني بنسبة 3.9٪ عام 2018 ومن المتوقع أن ينخفض بنسبة 6٪ عام 2019

يقول موقع "Business Insider": إنّ "تحليلاً اقتصادياً بسيطاً يُظهر كيف يضرب ترامب إيران دون إطلاق رصاصة واحدة"، ويقدّر الموقع أنّ البلاد تخسر 120 مليون دولار يومياً، بسبب القيود المفروضة على صادراتها النفطية، لقد زاد التضخم بنسبة 50٪، لكنّ القادة الاستبداديين أظهروا عبر التاريخ أنّهم قادرون على مقاومة ضغط العقوبات لفترة طويلة"، بحسب ما ذكرته صحيفة "نيويورك تايمز"، ثم تشير الصحيفة إلى أنّ "فرض المزيد من العقوبات يمكن أن يثير إجراءات جديدة من قبل إيران من شأنها أن تحافظ على الأزمة".
لا غنى عن ظريف في المفاوضات
إذا كرّر دونالد ترامب، أو وزير خارجيته، مايك بومبو، أنّ واشنطن منفتحة للنقاش دون "شروط"؛ فإنّ الحقائق تبدو عكس ذلك، لقد قال السفير الإيراني لدى الأمم المتحدة لصحيفة "الغارديان": "لا يمكن لأحد ذي عقل سليم إجراء حوار مع شخص يهدّده بالعقوبات"، تخطط الولايات المتحدة أيضاً لإدراج محمد جواد ظريف، وزير الخارجية والشخصية البارزة في الجمهورية الإسلامية، على القائمة السوداء؛ "إنهم يعاقبون في الواقع كبير المفاوضين الإيرانيين"، هكذا قالت هاجر حجار شمالي، المتحدثة السابقة باسم بعثة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة. وأضافت هاجر لـ "سي إن إن": "إذا عادت إيران إلى طاولة المفاوضات، فإنّ الشخص المسؤول عن إجراء هذه المفاوضات سيكون بالتأكيد الوزير ظريف".


الهوامش:
(1) محمد جواد ظريف؛ "شريك في السلوك الخارج عن القانون للنظام الإيراني وبقية مافيا خامنئي"، على حدّ تعبير وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبو، يخضع الآن لتجميد أصوله في الولايات المتحدة، وحظر على المعاملات التجارية والمالية في البلاد.

(2) بين العقوبات الأمريكية والأوروبية وعقوبات الأمم المتحدة وعقوبات الجهات الفاعلة المعزولة الأخرى (على غرار الـ "Instagram"، التي ألغت، في 16 نيسان (أبريل) الماضي، حساب حراس الثورة الإسلامية في إيران، وقوة القدس وزعيمها قاسم سليماني، من الصعب جداً تقييم عدد العقوبات المفروضة حالياً على إيران، خاصةً أنّها تراكمية في بعض الأحيان، ومكملة، إلخ، ومع ذلك؛ فإنّ العنصر الذي لا مفرّ منه يظلّ هو الوجود المطلق للأمريكيين، في الواقع، في فرض هذه العقوبات.

(3) رغم أنّ العقوبات الأمريكية الأولى ترجع إلى عام 1979، إلا أنّ العقوبات الأخيرة كانت في المقام الأول جزءاً من عملية احتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية في طهران، وتعود العقوبات الأولى التي تندرج فيها العقوبات الجديدة لمكافحة الانتشار النووي إلى عام 1996: العقوبات الأمريكية الصادرة في 5 آب (أغسطس) 1996، بعنوان "قانون العقوبات المفروضة على إيران وليبيا" (ILSA)، والذي أعيدت تسميته عام 2006 بـ "قانون العقوبات الإيرانية" (ISA).
(4) على غرار "Cailin Birch"، الاقتصادي في وحدة المعلومات الاقتصادية في مجلة "The Economist"، الذي قال: في 23 حزيران (يونيو) 2019؛ إنّ "العقوبات لم تنجح بشكل جيد مع المكسيك، ولم تنجح على الإطلاق مع كوريا الشمالية والصين، ولن تنجح مع إيران".
(5) ذكرت تغريدة نُشرت على نطاق واسع، في 24 حزيران (يونيو) الأخير، بين مستخدمي الإنترنت الإيرانيين؛ أنّ "الأشخاص الوحيدين الذين لم يعاقَبوا بعد في إيران، هم أنا وأبي وابن جارنا، كان على وزارة الشؤون الخارجية أن تقدم لنا رقم هاتف ترامب حتى نتمكن من إعطائه أسماءنا".
(6) وفي مقدمتها محمد جواد ظريف، الذي حذّر الولايات المتحدة، في 11 حزيران (يونيو)، من "الحرب الاقتصادية" التي كانت تشنّها ضدّه، محذراً الدول التي ستدعم العقوبات من أنّه لن تأمل في أن تظلّ "آمنة".
(7) العقوبات المفروضة اليوم على إيران هي في الأساس أمريكية؛ في الواقع، في أعقاب اتفاقية فيينا بشأن الطاقة النووية الإيرانية (14 تموز (يوليو) 2015)، رفع الاتحاد الأوروبي، ثم الأمم المتحدة، العقوبات أو قامتا بتعليقها، تماماً مثل الولايات المتحدة، ومع ذلك؛ ففي 8 أيار (مايو) 2018، أعلن الرئيس دونالد ترامب انسحاب بلاده من اتفاقية فيينا، وإعادة العقوبات القاسية بشكل خاص ضدّ إيران، ومنذ ذلك الحين، وبينما تحاول الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الاتفاق، زادت الولايات المتحدة الضغط على نظام الملالي، من خلال زيادة العقوبات وضغوط أخرى، على سبيل المثال إنهاء الإعفاءات لإتاحة شراء النفط الإيراني من قبل بعض الدول، في 22 نيسان (أبريل).
(8) مثل إدراج فيلق الحرس الثوري، في 8 نيسان (أبريل) 2019، على قائمة المنظمات الإرهابية في الولايات المتحدة.
(9) في كانون الثاني (يناير) 2016؛ تمّت مراجعة الحظر الذي فرضته الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، من خلال القرار 2231: من الآن فصاعداً، يجب أن يكون استيراد إيران للأسلحة الثقيلة مشروطاً باتفاق مجلس أمن الأمم المتحدة. من ناحية أخرى؛ فإنّ تصدير واستيراد الصواريخ الباليستية ما يزال محظوراً تماماً.
(10) انظر "مركز الموارد" للموقع الإلكتروني لوزارة الخزانة الأمريكية، تحت عنوان "عقوبات ضدّ إيران".
(11) بحسب أرقام البنك المركزي الإيراني.
(12) وفق أرقام صندوق النقد الدولي.
(13) وفق براين هوك، الممثل الخاص لإيران بوزارة الخارجية، في 13 آذار (مارس) الأخير.
(14) وفق المركز الإحصائي الإيراني (ما يعادل "INSEE" الفرنسي).
(15) يروي الصحفي في صحيفة "بلوميرج"، غلنار موتيفالي، كيف يتجمّع الإيرانيون عند الفجر أمام محلات البقالة؛ حيث أوضح صاحب أحد محلات البقالة، في مقابلة معه، قائلاً عن الوضع؛ إنّ حوالي مئة شخص يصطفون أمام متجر البقالة كلّ يوم، لكنّ المخزونات لا تسمح إلا بخدمة ما بين خمسين إلى ستين زبوناً.


المصدر: lesclesdumoyenorient.com
 

اقرأ المزيد...
الوسوم:



الجهاديون العائدون.. خطر من نوع جديد

2020-02-23

ترجمة: علي نوار


تمثّل عودة الجهاديين الذين قاتلوا في صفوف تنظيم داعش في دول مثل؛ سوريا والعراق، وفي الكثير من الأحيان برفقة أسرهم، "تحدّياً على جميع الأصعدة بالنسبة للمجتمع"، حسبما أكّد كارلوس إتشبريا الباحث في الجامعة الوطنية الإسبانية للتعليم عن بعد.

اقرأ أيضاً: هل يبقى ملف "الإرهابيين العائدين" ساحة للمناكفات السياسية؟
وأوضح إتشبريا أنّه عند التطرّق لملف "المقاتلين العائدين" ينبغي الأخذ في الحسبان هؤلاء الرجال والنساء الذين انخرطوا في الحرب وأبناؤهم الذين يعودون برفقة ذويهم إلى أوروبا.

أطفال مؤهّلون عسكرياً

نعم هم أطفال لكنّهم تمرّسوا في ساحات القتال لدرجة أنّ التنظيم أطلق عليهم تسمية "أشبال الخلافة"، وقد حصلوا على تدريب عسكري ودُفع بهم في المعارك عندما كان عمرهم بالكاد تسعة أعوام.

لا تزال هناك مساحات واسعة من الصحراء السورية-العراقية يجرى فيها تحصيل الضرائب وعمليات الابتزاز والاستيلاء على الأراضي

وقال الباحث "كان مشروعاً يتمتّع ببريق للأسف" في أعين آلاف المسلمين الذين كوّنوا أسراً في الأراضي التي كان يحتلّها تنظيم داعش، وهي أراض لا تزال مناطق حرب، ما تسبّب في عودة الكثير من هؤلاء الأشخاص.

وأشار الباحث، الذي وضع تقرير "المقاتل العائد"، إلى أنّ عودة العائلات كانت تحمل في طيّاتها تحدّيات كبيرة على مستويات مثل؛ التعليم والصحة وعلم النفس الاجتماعي، وينبغي على الحكومات التعامل معها بجدّية.

كما لفت إتشبريا الانتباه إلى أنّ إسبانيا جاءت على رأس دول الاتحاد الأوروبي من حيث أعداد المقبوض عليهم خلال العقد الماضي والذين وجّهت لهم تهم الإرهاب الجهادي، رغم أنّ الأرقام "منخفضة للغاية" فيما يتعلّق بالعائدين مقارنة بدول مثل فرنسا أو المغرب.

بيد أنّه عاد ليبرز الأهمية الرمزية لأراضي الأندلس، التي تشمل إسبانيا والبرتغال وجنوب فرنسا، وهو ما يعني تزايد التهديد إزاء عودة الأشخاص المتطرّفين، لذا حذّر من "التلاعب الدعائي" و"الترويج للأساطير" حول الأندلس بين مسلمي إسبانيا.

بالمثل، سلّط إتشبريا الضوء على المشكلة "المقلقة" الكامنة في الأطفال العائدين، معتبراً أنّه من الضروري فتح نقاش في هذا الشأن؛ لأنّ هؤلاء القصر ينبغي أن يلتحقوا بالمؤسسات التعليمية وتجرى معاملتهم "بشكل خاص" كي يتمكّنوا من الاندماج في المجتمع.
كذلك دقّ الخبير ناقوس الخطر حيال وضع المسلمين في سجون الدول الأوروبية لافتاً النظر إلى أنّ الموقف "سيئ جداً" لا سيما في فرنسا والمغرب؛ لأنّ السجناء هم في الواقع "أشخاص يتّصفون بالضعف" وبالتالي تجد "الأيدولوجيا الجهادية السلفية الخبيثة موطئ قدم لها ويعتقد أتباعها أنّهم وجدوا فيها بلسماً".

اقرأ أيضاً: هل تنجح المقاربة الأمنية المغربية في إدماج العائدين من داعش؟
من جانبه، شدّد سرخيو جارثيا ماجارينيو على أهمية "استكشاف آليات السقوط في فخ الأصولية العنيفة بحيث يمكن استيعابها ووضع استراتيجيات لمكافحتها لا سيما مع تصاعد خطر المقاتلين العائدين" من سوريا والعراق.

لكنْ هناك تساؤل يطفو على السطح ها هنا ألا وهو: كيف نجا جهاديو "داعش" في الصحراء؟

شهدت سوريا وحدها العام الماضي 906 هجوم نفّذتها خلايا نائمة، أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن 683 منها

لا تزال هناك مساحات واسعة من الصحراء السورية-العراقية يجرى فيها تحصيل الضرائب وعمليات الابتزاز والاستيلاء على الأراضي بل والحصول على نوع من التضامن.

صحيح أنّ عناصر التنظيم لم يعد بوسعهم الظهور علانية خلال ساعات النهار، إلّا أنّ الليل لا يزال ملكاً لهم؛ لا يحكمون أي مدن بعد وليس لديهم دولة، لكن لديهم مساحات واسعة من الصحراء الواقعة على جانبي الحدود السورية-العراقية حيث يمارسون أنشطتهم المعهودة.

لا تصلح صحراء الأنبار في العراق ومنطقة دير الزور السورية، حيث عاود عناصر "داعش" اكتساب نفوذهم من جديد، سوى لحياة العقارب. ضباع، ثعالب، ذئاب، أفاعي، قصف تركي، مرتزقة إسلامويون يعملون لحساب تركيا، جيوش نظامية، وقتلة من "داعش" مختلطين بأبناء المنطقة. كل ما في هذا المكان يسعى بشكل حثيث لقتلك. وهنا تحديداً حيث تمكّن الجهاديون من الانتصار في معركة البقاء بفضل حالة الفوضى العسكرية والإنسانية التي نجمت عن التدخّل التركي في الأراضي الشمالية والشرقية من سوريا التي تتمتّع بالحكم الذاتي والمعروفة باسم "روجافا". لم يعد "داعش" لأنّه لم يختف من الوجود بالأساس.

الاندساس بين صفوف العدو

عندما وصل المقاتلون الأكراد ضمن "وحدات حماية سنجار" نهاية تموز (يوليو) الماضي إلى أحد النقاط الواقعة في أقصى شرق جبل سنجار بالعراق، حيث كانت ترقد جثث أربعة جهاديين كانوا قد انتهوا للتو من قتلهم فيما يشبه مهمة صيد لكن للبشر، نظروا إلى بعضهم البعض في حيرة مطبقة. كان عدد من قتلة "داعش" الذين مزّقتهم الميليشيات شبه العسكرية الإيزيدية إرباً بالرصاص، يرتدون في أقدامهم أحذية عسكرية تشبه بالضبط تلك التي يستخدمونها هم أيضاً.

ومن بين التفسيرات، ربما ليس الأكثر جنوناً، لهذا الأمر هو أنّ عناصر التنظيم الإرهابي نجحوا بطريقة أو بأخرى في التسلل بين سكان القرى في المنطقة الصغيرة الواقعة قرب حدود روجافا شمالي سوريا والتي تسيطر عليها "وحدات حماية سنجار"، التي شكّلها أكراد تركيا من حزب العمال الكردستاني لمساندة الإيزيديين العراقيين في حربهم ضد تنظيم داعش. لوهلة قد يبدو اختراق بعض الجهاديين للخطوط التي وضعها الأكراد والتسلّل بين صفوفهم شيئاً عصياً على الاستيعاب، لكنّه أصبح واقعاً.

يدفع التنظيم المال لأرامل وأيتام المقاتلين الذين لقوا مصرعهم، وهو ما يعني أنّ الإرهابيين لا تزال لديهم قدرات مالية

ومنذ ظهور هذا الاحتمال، شرعت أجهزة الاستخبارات التابعة لـ "وحدات حماية سنجار" في استجواب عدد من العرب الذين يعملون لحسابهم في بناء شبكة من الأنفاق الدفاعية. لكنّ النقطة الأكثر مدعاة للقلق في كل ذلك هو أنّ هؤلاء الذين خضعوا للاستجواب كانت لديهم صلاحية الوصول إلى المتفجّرات التي استخدمت في شقّ الأنفاق التي حفرها حزب العمال الكردستاني لحماية عناصره من القصف التركي.

لم يتسنَّ التحقّق مما إذا كان الجهاديون الذين تم القضاء عليهم أو السبعة أو الثمانية الآخرون الذين لاذوا بالفرار، على علاقة بالعمال الذين يتقاضون أجراً من الأكراد، إلّا أنّ التوصّل لهذا الاكتشاف جاء ليؤكّد من جديد ما كان الجميع يعلمه بالفعل في العراق وسوريا: لم تنته خلافة "داعش" المزعومة ولا سيطرتها على الأراضي؛ لأنّ التنظيم يحمل جينات أفعى ويستطيع التحوّر كجرثومة. حدث ذلك من قبل مع تنظيم القاعدة. لا زلنا بصدد الفصل قبل الأخير.

التملّص من الـ"درونز" والمداهمات

كيف نجح مقاتلو التنظيم الإرهابي في تلافي مقابلة الجيوش النظامية والميليشيات شبه العسكرية التي تبحث عنهم للقضاء عليهم وما الذي يعنيه مصطلح "خلية نائمة"؟ والأخطر من ذلك؛ هل بوسع الجهاديين الأوروبيين البقاء على قيد الحياة والنجاة من حصار قوات التحالف الدولي و"قوات سوريا الديمقراطية" رغم الطائرات بدون طيار "درونز" وآلاف من نقاط التفتيش وعمليات المداهمة؟ يكشف أحد قيادات حزب العمال الكردستاني في العراق "نعم بوسعهم ذلك، لكن الأمر يعتمد على القدرات التي يتمتّع بها كل فرد، نجح بعض المقاتلين الأجانب في ذلك، أما المحليين فتقابلهم صعوبات عديدة".

الهدف من إعانات داعش لأرامل وأيتام التنيظيم واضح للغاية ألا وهو ضمان ولاء الجيل الجديد من الإرهابيين

ويوضّح المقاتل الكردي "هناك منطقة واسعة في الأنبار، بمحيط مدينة الرمادي العراقية وقطاع بطول 200 كلم جنوبي جبال سنجار العراقية، على جانبي الحدود السورية، حيث توجد قرى صغيرة للرعاة العرب وصحراء جرداء يصعب للغاية السيطرة عليها".
وفي نفس المنطقة بسنجار، يوجد عدة أشخاص انخرط ذووهم في صفوف تنظيم داعش وتعاون بعضهم بشكل مباشر مع التنظيم الإرهابي. لم يتعرّض هؤلاء للمحاكمة باعتبار أنّهم لم يشاركوا في أعمال عنف، فضلاً عن أنّ البعض فعل ذلك مضطراً بسبب الظروف المحيطة؛ لأنّه إذا تقرّر محاكمة كل من انتمى لـ"داعش" بأي صورة فستكون هناك حاجة لبناء سجن بمساحة دولة مثل هولندا أو الدنمارك. بل أنّ هناك عرباً من "وحدات حماية سنجار" قاتل أقرباؤهم في صفوف التنظيم.

الاختباء بين الصخور

بالتالي لا يسهل معرفة ما إذا كان المزارعون العرب السنّة يكنّون مشاعر التعاطف مع عناصر "داعش" أم لا، ولا حتى في المناطق التي يتواجد بها التحالف الدولي عسكرياً، كما أنّ هناك عدداً من القرى في الصحراء خارج نطاق الإدارات التي تتنافس على السيطرة على هذا القطاع الحدودي.

يقول أحد المقاتلين الغربيين المتطوعين في المنطقة "نعرف أنّهم يستطيعون الاختباء لأيام بلا طعام وبلا ماء تقريباً، عندما نستعدّ لشن هجوم. لكن لا يمكنهم الاستمرار على هذا النحو لأشهر بدون مساعدة من المزارعين العرب طوال الوقت الذي يقضونه في الظل حتى يقرّروا العودة لنشاطهم ويدخلون روجافا أو سنجار أو مدينة عراقية كي يفجّروا أنفسهم".

اقرأ أيضاً: كيف تتعامل الرباط مع العائدين من 'داعش'؟

والحقيقة أنّ هناك أدلة على تقديم السكان المحليين للدعم اللوجيستي إلى مقاتلي "داعش" تحت وقع التهديد. ويوضّح ضابط كردي في "قوات سوريا الديمقراطية" أنّ عناصر التنظيم "خسروا جزءاً من تعاطف المحليين، لكن هؤلاء يسهل للغاية الضغط عليهم؛ لأنّهم يعلمون أنّ ما من جيش أو إدارة بوسعها توفير الأمن لهم. لذا يضطرّ بعض المزارعين لتقديم أحد أبنائهم إلى "داعش"، في نوع من الابتزاز يشبه ذلك الذي تقوم به عصابات الجريمة المنظمة. ويتابع الضابط "إذا نجح بعض الأوروبيين في النجاة دون أن يُكشف أمر كونهم أجانب، فإنّ ذلك سببه تمكّنهم من الاختباء بمساعدة جهاديين آخرين من المنطقة. ويشير خوف المحلّيين إلى أنّ بوسع الإرهابيين الادعاء بأنّهم رعاة بسطاء أو مزارعين قبل أن ينفّذوا هجوماً انتحارياً".

وقبل أيام نشر "مركز روجافا للمعلومات" تقريراً يؤكّد ببيانات دقيقة ارتفاع معدّل هجمات "داعش" في منطقة "روجافا" بعد التدخّل التركي مؤخّراً. وأورد التقرير أنّه "خلال أيلول/سبتمبر الماضي وبينما كان لا يزال وقف إطلاق النار سارياً كان معدّل الهجمات منخفضاً. لكنّ المعدّل ارتفع مجدّداً في أعقاب التدخّل التركي في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، لأنّ "داعش" ينشط في وقت غياب الاستقرار. وفي كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي، تراجعت وتيرة العمليات المضادة لـ"داعش" لمستوى أدنى بكثير مقارنة بنفس الشهر من عام 2018 وأدّى ذلك لإهدار جانب كبير من التقدّم والاستقرار الذي كان قد تم إحرازهما على مدار العام المنصرم. وعاد التنظيم الإرهابي لاسترداد قواه".

المناطق الريفية من دير الزور

يتشابه نمط عمل "داعش" في العراق مع أسلوبه في سوريا، مع فارق أنّ التنظيم الجهادي نجح في تعزيز مواقعه بالمناطق الريفية على الأراضي السورية وتحديداً في محيط دير الزور. وقد أظهرت وثيقة أعدّها "مركز روجافا للمعلومات" بشكل تفصيلي كيف يتّبع "داعش" نمطاً أشبه بالأرجوحة في شنّ عملياته بهدف تشديد الخناق على المدينة بعد استجماع قواه. وفي الأرياف ومحيط دير الزور الواقعة على ضفة نهر الفرات، 450 كلم شمال شرقي العاصمة السورية دمشق، يعيد "داعش" ترتيب أوراقه وحشد قواه إثر تغيير تكتيكاته والارتداد للجذور بالعمل بأسلوب حرب العصابات وهي الطريقة التي حقّق بها نجاحات كبيرة إثر الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. اضرب وفرّ وانشر الخوف والفزع وانتظر اللحظة المناسبة.

يقول أحد الباحثين في "مركز روجافا للمعلومات" ومقرّه مدينة القامشلي بسوريا "يقتحمون القرى والمدن الصغيرة تحت ستار الليل بل إنّهم ما زالوا يمارسون جباية الضرائب في بعض المدن. أما خلال ساعات النهار فإنّهم يختبئون في المناطق القاحلة غير المأهولة. أغلب الجهاديين الذي تلقي قوات "تحالف سوريا الديمقراطية" القبض عليهم هم من المحليين، رغم أنّه في بعض الأحيان، على الأقل حتى نهاية العام الماضي، كان يجرى اعتقال بعض العراقيين بل والغربيين من دول مثل بلجيكا. ومن بين قيادات التنظيم التي سقطت في أيدي التحالف مؤخّراً يبرز قائد عمليات تهريب النفط في المنطقة، ما يقدّم صورة عن كيفية حصول التنظيم على التمويل وكيف لا يزال محتفظاً بقوامه نسبياً إلى الآن".

بعبارة أخرى، لا يعني عدم القدرة على شنّ ضربات منظّمة ذات وقع قوي رداً على التدّخل التركي، حتى رغم العمليات الفردية والكثير من الهراء، تعرّضهم للهزيمة مثلما تم الادعاء العام الماضي. ويضيف الباحث "في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وعقب التدخّل التركي في شمال سوريا، هدّد الجهاديون بمهاجمة مخيم الهول حيث يُحتجز الكثير منهم، لكن لسبب ما لم تُنفّذ العملية. بينما يصل عدد ليس صغيراً من الأفراد باستمرار إلى إدلب. وهم مزيج بين الخلايا النائمة والمهرّبين الذين يحقّقون مكاسب لا حصر لها من تهريب أي شيء يخطر على البال".

في دير الزور، يحصل الجهاديون على دعم ملحوظ من جانب السكان الذين يعيشون في كبرى مدن شرق سوريا وحيث يقطنها 211 ألف نسمة. بالطبع يتعاون المحلّيون أيضاً مع تحالف "قوات سوريا الديمقراطية" خصوصاً في الهجمات التي تعتمد بنسبة كبيرة على المعلومات التي تقدّمها الاستخبارات المحلية. وبالفعل بدأ "داعش" في شن حملة ضد المتعاونين الذين يعملون لصالح الإدارة المحلية الكردية. ويستهدف الجهاديون تحديداً المتعاونين مع "قوات سوريا الديمقراطية" رغم أنّ ذلك لم يمنعهم من قتل كبار السن والمعلّمين. وجرت عشرات من وقائع القتل من هذا النوع خلال الأشهر الأخيرة.

ورداً على ذلك، يشنّ تحالف "قوات سوريا الديمقراطية" أيضاً من جانبه عملية بين الحين والآخر في محافظة دير الزور كما يعمل على تجنيد المزيد من العرب سواء في المهام العسكرية أو حتى التطوّع كمدنيين.

على صعيد آخر، فإنّ وجود المعقل الأساسي للتنظيم في المناطق الريفية من دير الزور لا يعني أنّه لا وجود له في مناطق أخرى تخضع بالكامل لسيطرة الحكومة التي يقودها الأكراد وكذلك في مدن أخرى تقع في الشرق مثل الرقة حيث لا يزال هناك مؤيدون لـ "داعش" بها، كما أنّ التنظيم له حضور أيضاً في القامشلي عاصمة الإدارة الكردية "روجافا" وحيث توجد عائلات كثيرة لا تتورّع عن إخفاء تعاطفها العلني مع تنظيم "جبهة النصرة" الإرهابي.

وإجمالاً شهدت سوريا وحدها العام الماضي 906 هجوم نفّذتها خلايا نائمة، أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن 683 منها. ويقدّر عدد ضحايا هذه الاعتداءات بـ406 قتيلاً، فيما أمكن القبض على 581 عنصراً إرهابياً.

نقاط تفتيش زائفة

بالمثل، تسبّب التدخّل التركي في دفع تنظيم "داعش" المعدّل للدخول في مواجهة مفتوحة أكثر، لا سيما في دير الزور، وكذلك في الحسكة حيث يتعرّض عدد من التجّار والمحلّيين للابتزاز في وضح النهار حالياً. أما في العراق، فقد ذهب التنظيم في نسخته الجديدة لما هو أبعد من ذلك وبات يحصل على المال عن طريق سرقة السيارات بعد نصبه نقاط تفتيش زائفة يرتدي فيها عناصر التنظيم الزي الخاص بعناصر ميليشيات "الحشد الشعبي" وهو تحالف من عدة ميليشيات. وبعد سرقة سياراتهم، يُعثر على ركّابها قتلى في أغلب الأحوال.

يمتلك تنظيم داعش أيضاً طريقة ما لنقل الأسلحة والأموال وأي شيء حرفياً عبر الحدود. وسواء في العراق أو سوريا، لا يزال التنظيم يدفع المال لأرامل وأيتام المقاتلين الذين لقوا مصرعهم، وهو ما يعني أنّ الإرهابيين لا تزال لديهم قدرات مالية. والهدف من هذه الإعانات بالطبع واضح للغاية ألا وهو ضمان ولاء الجيل الجديد من الإرهابيين.


مصادر الترجمة عن الإسبانية:

ttps://bit.ly/3bSMato ، https://bit.ly/38TKAWu

للمشاركة:

من أين يستمد إخوان أوروبا قوتهم؟

مدني قصري's picture
كاتب ومترجم جزائري
2020-02-22

ترجمة: مدني قصري


تُظهِر جماعة الإخوان المسلمين التي تأسست عام 1928، والمحظورة في العديد من البلدان، جيلاً جديداً، يُطوّر في استراتيجيتها التبشيرية والمعادية للعلمانية في جميع أنحاء أوروبا.

الإخوان أكثر الجماعات الإسلامية السنّية نفوذاً في العالم ويُحظر تنظيمهم في العديد من البلدان خاصة في العالم العربي

وعُقِد بالفعل عام 2002، مؤتمر لجماعة الإخوان المسلمين، في مدينة بون، حول موضوع "التعليم الإسلامي في أوروبا"، بتنظيم من المركز الثقافي الإسلامي في إيرلندا، و"جمعيات علماء الاجتماع المسلمين" في المملكة المتحدة وألمانيا، حيث استضاف المؤتمر الشخصيات الأوروبية القريبة من جماعة الإخوان المسلمين؛ مثل؛ طارق رمضان، ومحمد كرموس، وأحمد جاب الله، وإبراهيم الزيات، بهدف  تلقين جيل الشباب كيفية التعبير عن رسالة وروح الإسلام في العالم الغربي اليوم، ومواجهة تحدي مناهج المدارس العلمانية التي تتعارض مع دين النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
وتتمثّل رسالة وروح التبشير في الإسلام السياسي الصارم لجماعة الإخوان المسلمين، بوضع حد لتنوع المسلمين، وتصنيفهم تحت عنوان "المسلم" من خلال منحهم تعريف انتمائهم، بغرض امتلاك السلطة عليهم والتحدث نيابة عنهم، كما ورد في كتاب برنارد روجير، "الأراضي التي فتحها الإسلامويون"، الصادر عن دار (PUF).

اقرأ أيضاً: كيف يعمل الإخوان على أسلمة أوروبا؟

 

لقاء سريّ
تُعدّ جماعة الإخوان المسلمين أكثر الجماعات الإسلامية السنّية نفوذاً في العالم، ويُحظر تنظيمهم في عديد من البلدان، خاصة في العالم العربي؛ لأن هذه الجماعة، في عدد من الدول، مصنفة كـ "منظمة إرهابية"، كما تتخذ أوروبا والولايات المتحدة تدابير منتظمة في هذا الاتجاه، وقد تحدث موقع Interception مؤخراً، عن لقاء سريّ للإخوان، أشاروا فيه إلى بنيتهم التحتية في 79 دولة، وهو انتشار هائل  بالنسبة لمنظمة تُعتبر سرية.
يوسف القرضاوي موجّه الإخوان الخفي
لو كان فرنسياً، لتقاعد قبل حوالي 3 أو 4 عقود، لكنّ الشيخ يوسف القرضاوي، الموجِّه الخفي للإخوان المسلمين، ظل في المؤسسة حتى عمر 92 عاماً، لقد تواجد في السابق بكل مكان من أوروبا، وهو الآن مقيم في قطر، وكان الزعيم الروحي لجماعة الإخوان المسلمين على مدى العقود القليلة الماضية، حيث انطلق من إيرلندا لبناء وتطوير جميع الهياكل الأساسية لجماعة الإخوان المسلمين التي يسيطر عليها الآن.

يسيطر القرضاوي على جميع الهياكل الجمعوية لجماعة الإخوان المسلمين على المستوى الأوروبي

وكان القرضاوي مؤسساً مشاركاً للمجلس الأوروبي للفتاوى والأبحاث (ECFR)، وهي مؤسسة تُصدر فتاوى إسلامية مبسطة للمسلمين في أوروبا، وترأس القرضاوي الاتحاد الدولي لعلماء المسلمين (IUMS) لمدة 10 أعوام، وهذا ليس كل شيء! فقد كان القرضاوي مُلهماً لجميع الهياكل الجمعوية لجماعة الإخوان المسلمين على المستوى الأوروبي، سواء اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا (FIOE) أو الجمعيات الوطنية؛ مثل اتحاد المنظمات الإسلامية الفرنسي (UOIF) في ذلك الوقت، الذي يُعرف اليوم باسم "مسلمو فرنسا" (MDF).

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون في سويسرا.. قصة سعيد رمضان وابنه!

 

جيل جديد قادم
انسحب القرضاوي الذي دافع مراراً وتكراراً عن الهجمات الانتحارية والعنف ضد المرأة أو برّرها، من المكاتب المذكورة أعلاه، لتنتقل الشعلة الآن إلى مجموعة من الباحثين مع قيادة مؤسستي الإخوان المسلمين الأوروبيتين الرئيسيتين؛ وهما؛ المجلس الأوروبي للفتاوى والأبحاث (ECFR)، والاتحاد الدولي لعلماء المسلمين (UISM)، اللتين تعتبران أكثر شباباً وأكثر عالمية، حيث تخدم الإدارة الجديدة أهمّ "الأسواق الأساسية"، وكل ذلك في شبكة أوروبية جيدة التنظيم.
وقد تجلّت الآثار الأولى لهذا الاتجاه الجديد بسرعة كبيرة، ففي تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، أي بعد أسبوع واحد فقط من المظاهرة ضد "رهاب الإسلام"، التي نظمتها "الجماعة ضد الإسلاموفوبيا في فرنسا" (CCIF)، المقربة من جماعة الإخوان المسلمين، والتي تغذي خطاب الضحية، وُلِد "مجلس الأئمة الأوروبيين" الجديد، فكان بمثابة منصة إضافية للأئمة المعنيين والتابعين، وهكذا تم تحديث الظهور الرقمي بشكل كبير، وأصبحت "مجالس الفتوى" تتمتع الآن بنسختين؛ نسخة ألمانية ونسخة فرنسية، وبالتالي فإنّ العرضَ متاح من الآن فصاعداً بعدة لغات، وبالإضافة إلى ذلك، تم إطلاق تطبيق "فتوى اليورو"، الذي يتم الاستشهاد به بانتظام في الصحافة الدولية؛، حيث صارت التوصيات في بعض الأحيان غريبة ومخالفة للعقل بالنسبة للمجتمع الإسلامي.

 

التعليم: هوس الإخوان
تتمثل إحدى الوصفات لنجاح جماعة الإخوان المسلمين في اهتمامها الكبير بالتعليم، فقد ساعد القرضاوي بإنشاء المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH) خلال التسعينيات من القرن الماضي في شاتو شينون، في مبنى تابع للاتحاد الفرنسي للمنظمات الإسلامية (UOIF)، حيث يضم مجموعة من كوادر وأئمة المستقبل من العلماء المسلمين وغيرهم من المعلمين الذين يعيشون وفقاً لإسلام الإخوان المسلمين السياسي، والحال أنّ المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH)، لا يتعاون مع أي مؤسسة تعليمية غربية، ولا يزعج المسؤولين، فهو على اتصال بالجامعات الإسلامية في ماليزيا والعالم العربي، ويصبح الخريجون منه أئمة يتم تكليفهم خصيصاً في مجتمع مسلم نام، على استعداد للانضمام إلى الإخوان، والوصفة فعالة؛ حيث يوجد الآن في فرنسا حرمٌ للمعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH) في حي سانت دينيس، وبعض الفروع في الألزاس وأورليانز، ومدارس خاصة مثل ثانوية ابن رشد في مدينة لِيلْ.

لا يتعاون المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية مع أي مؤسسة تعليمية غربية فهو على اتصال بالجامعات الإسلامية في ماليزيا والعالم العربي

وأُنشأ المعهد الأوروبي الألماني للعلوم الإنسانية (EIHW)، المستوحى إلى حد كبير من المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية، والذي يرأسه المصري خالد حنفي، نائب الأمين العام الجديد للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR)، والعضو في الرابطة الدولية لعلماء المسلمين (IMSS)، قبل بضعة أعوام في فرانكفورت؛ والذي يرأسه الآن خليفة القرضاوي؛ عبد الله الجديعي، المتواجد على رأس المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR) منذ عام، وهو عراقي إنجليزي، إضافة إلى أنه عضو في الرابطة الدولية لعلماء المسلمين (IUMS)، كما كان جزءاً من المجلس الإداري والمجلس العلمي للمعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH) في شاتو شينون، وكان نائبه؛ أحمد جاب الله، نفسه قد ترأس لفترة طويلة نفس المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH) الذي يعلن عن نفسه كمنظمة أوروبية.

 

حلفاء أقوياء لمنظمة راسخة بشكل متزايد
بُذلت محاولات مختلفة لوضع إخوان أوروبا في مكانهم، ولكن تبيّن، لسوء الحظ، أنّ تمويلهم قوي جداً، حيث تساعد مؤسسات كثيرة في قطر والكويت على زيادة فرصهم في التسلل، كما أنّ تعاونهم الوثيق والمتزايد مع تركيا يثير القلق، فضلاً عن انتشار مساجد الحركة الإسلامية التركية ميلي غوروس (أفق وطني) في كل مكان تقريباً داخل أوروبا، وخصوصاً في ألمانيا، فهذه النسخة التركية من الإخوان المسلمين تقوم حالياً ببناء مسجد كبير في ستراسبورغ على مساحة 7000 متر مربع تقريباً.

تتلقى جماعة الإخوان مساعدات من مؤسسات كثيرة في قطر فضلاً عن تعاونها الوثيق والمتزايد مع تركيا

هل من قبيل الصدفة أن يقع مقر فرع المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية الجديد، (IESH-Alsace)، والذي تم تأسيسه في خريف عام 2018 من قبل جمعية عضو في اتحاد المنظمات الإسلامية الفرنسية (UOIF)، أي "الرابطة الإسلامية لشرق فرنسا"، في مدينة ستراسبورغ أيضاً، ومقرها حالياً في مسجدٍ للإخوان المسلمين في شارع ثيرغارتن؟
ورغم أنّه لا يزال حديثاً، إلّا أنّ هذا الفرع التابع، يشارك بالفعل في النقاش الدائر باللغة العربية، بتمويل من قطر (QatarDebate)، وقد استضاف بالفعل أحد الزعماء المثيرين للجدل في الجامعة الإسلامية العالمية؛ وهو العالم الإسلامي عبد الله المصلح، ولأنّ الجامعة الإسلامية العالمية هذه كانت دائماً منظمة سعودية مرتبطة بشكل وثيق بجماعة الإخوان المسلمين، فلا يرى عبد الله المصلح أي مشكلة في إضفاء الشرعية على الهجمات الانتحارية ضد "أعداء الإسلام"، وأرسل فرع المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية الجديد ألزاس، فور تأسيسه 7 طلاب ومدرسين إلى فيينا في أوائل كانون الثاني (يناير) من العام 2019، للمشاركة في هذه المسابقة التي تموّلها مؤسسة قطر التعليمية.

تشير العديد من الدراسات إلى أنّ أقل من 10٪ من مسلمي أوروبا يشعرون أنّ جماعة الإخوان المسلمين تُمثلّهم

عند التفكير في تسلل الإخوان المسلمين، فعلى سياسيينا الإدراك بأنّ المؤسسات والجمعيات التربوية التابعة للإخوان المسلمين تعمل دائماً على أساسٍ أوروبي، وأنّ التغيير بين الأجيال الذي يحدث في هذه المنظمات يعني تطابق أيديولوجيا الإخوان المسلمين الخطيرة أكثر وأكثر مع جيل التابعين الشباب، ولا بدّ من بذل جهد أوروبي لمواجهة هذا الشكل من الإسلاموية، ويجب على فرنسا أن تتساءل عمّا إذا كانت ترغب بالاستمرار في استضافة أهم مجموعة من الأئمة والمدرسين الإسلاميين من المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية وفروعه على أراضيها، أو ما إذا كانت ستنجح في إيجاد الوسائل لوضع الإسلام على طريق أكثر ليبرالية وأكثر إنسانية، لتُقدّم خدمة رائعة لمسلمي البلاد؛ حيث تشير العديد من الدراسات إلى أنّ أقل من 10٪ من المسلمين في أوروبا يشعرون أنّهم ممثَّلون من قبل جماعة الإخوان المسلمين، هذه الأقلية التي تعمل على فرض الإسلام السياسي على الأغلبية الصامتة العظمى.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:
https://www.causeur.fr/freres-musulmans-islam-tariq-ramadan-171941

للمشاركة:

الخميني.. ثوري أم سارق للثورة؟

2020-02-20

ترجمة: علي نوار


مرّت قبل أيام الذكرى الـ41 لاندلاع الثورة الإيرانية عام 1979. ويسهم التعرّف عليها في فهم أفضل للخلاف القائم في الوقت الحالي بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة، وكذلك حركيات الثورة والثورة المضادة وآثار هذا الحدث في خلق تيار ثوري عالمي.

مثّلت الثورة البيضاء فصلاً مأساويا بالنسبة للمزارعين الذين انتزعت منهم أراضيهم والتي كانت تربطهم بهويتهم الثقافية القديمة

كان الانقلاب الذي وقع عام 1953 بتدبير من الاستخبارات الأمريكية "سي آي إيه" والاستخبارات البريطانية "إم آي6" والذي أطاح بحكومة محمد مصدق ذات التوجّه القومي في محاولة لمنع إتمام عملية تأميم النفط الإيراني، نقطة تحوّل بالنسبة لنظام الشاه رضا بهلوي. كان للقمع الذي مورس حينذاك دوراً كبيراً في تقوية ساعد "الجبهة الوطنية" وحزب "توده" المرتبط بصلات بالاتحاد السوفييتي السابق، وانخراطهما في المعارضة السياسية، كانت حصيلة القمع آلاف القتلى والمنفيين.

وفي العام 1957، أنشأ رضا بهلوي بمساعدة من الاستخبارات الإسرائيلية "موساد" والأمريكية "سي آي إيه" جهاز الاستخبارات والأمن الوطني الذي عُرف باسم "سافاك" واشتهر بكونه أحد أكثر أجهزة الاستخبارات دموية على مستوى العالم. كان الغرض من تكوين هذا الجهاز هو السيطرة على المعارضة الداخلية بإجراءات صارمة. كما عزّزت الملكية المطلقة للشاه وضعها بدعم الحرس الملكي والشرطة السرية.

الثورة البيضاء
كان الشاه يتطلّع إلى تحويل إيران لدولة حديثة على غرار الثقافة الغربية، ويرعى في الوقت ذاته المصالح الغربية في الشرق الأوسط أمام "التهديد السوفييتي" أثناء الحرب الباردة. وفي عام 1963 أطلق مشروعه الذي حمل اسم "الثورة البيضاء" بدعم من الرئيس الأمريكي جون كينيدي وبتمويل من عائدات النفط الهائلة والاستثمارات الأجنبية المتدفّقة.

اقرأ أيضاً: الإخوان وإيران.. تحت عباءة الخميني
وتضمّن المشروع سلسلة من الإصلاحات التحديثية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية كان لها تداعيات هيكلية كبيرة على البلاد من أجل التقدّم على حساب القطاعات التقليدية والدينية. كما حدث تنويع في مجال الصناعة مثل؛ الطاقة الذرية والحديد والبتروكيماويات والمعدّات والآلات والمطاط. كما تم السماح بتأسيس النقابات وحرية الصحافة وتحديث النظام التعليمي من أجل إعداد الكوادر المطلوبة. رأى الشاه في ذلك الوقت أنّ "الثورة يجب أن تأتي من أعلى؛ لأنّه خلافاً لذلك فستأتي من الأسفل". كان الهدف هو خلق طبقة تحمي مصالح الشاه وجمع قاعدة شعبية بين العمّال والمزارعين، مع العمل في الوقت ذاته على تعميق العلاقات مع الغرب والولايات المتحدة خصوصاً عن طريق شراء الأسلحة والمعدّات العسكرية من هؤلاء الذين يمنحونه حصانة دبلوماسية.

بدأت الثورة الإيرانية بصورة تظاهرات كل 40 يوماً يشارك فيها الطلاب والعاطلون وفقراء المدن وكذلك كبار التجار والملالي

لكن خطة الشاه جلبت له أعداء جدداً من الطبقة الليبرالية القومية والشيوعيين والعرقيات التي تعاني القمع وعلى رأسهم رجال الدين الذين اعتبروا أنّ الشاه مسّ "الشريعة الإسلامية فيما يخصّ الملكية" بما أقدم عليه في "الإصلاح الزراعي" وانتزع أراضيهم كي يمنحها للمزارعين، علاوة على معارضتهم لمنح المرأة الإيرانية حقّ الإدلاء بصوتها في الاستحقاقات الانتخابية، كما أنّ دخول الاستثمارات الأجنبية ألحق أضراراً بكبار التجار المحلّيين الذين لم يكونوا راضين عما تؤول إليه الأمور.

وفي مدينة قم تظهر شخصية محورية في تاريخ إيران، إنّه آية الله الخميني. كان الرجل دائم التنديد بالإملاءات الأمريكية متهماً الشاه بالانقياد وراء القوى الأجنبية، وكان يطالب بقطع العلاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل بداعي أنّ لا مساس بحق تقرير مصير البلاد. ومن تلك المدينة تعاونت "الجبهة الوطنية" مع المساجد لتظهر حركة ثورية امتدّت شرارتها إلى مدن أخرى من بينها طهران وتبريز وأصفهان. وبعد خمسة أشهر من القتال، كان القمع قد أودى بحياة 20 ألف شخص، على الأقل، ولجأ الشاه لزيادة صلاحيات الـ"سافاك". كان الخميني وقتها شخصية غير معروفة لكن نتيجة كل ذلك كان نفيه عام 1964 إلى العراق ليصبح شهيداً حياً.

التجار والمساجد

مثّلت الثورة البيضاء فصلاً مأساويا بالنسبة للمزارعين الذين انتزعت منهم أراضيهم والتي كانت تربطهم بهويتهم الثقافية القديمة. تسبّبت الهجرة في ازدياد أعداد الفقراء بالمدن نتيجة لعدم قدرة الصناعة الإيرانية على استيعاب كل هذه الأيدي العاملة.

نجح الخميني في الوصول للجماهير عن طريق خطاب شعبي يرتكز على أفكار مناهضة للإمبريالية وإعادة إحياء الهوية الثقافية للبلاد

في ذلك الوقت كانت المتاجر ذات أنشطة متباينة حيث يعمل الحرفيون والمرابون والخبازون وصنّاع القهوة وكانت تضم مساجد صغيرة بداخلها. تمكّنت هذه المتاجر من استيعاب قطاع من هؤلاء العمّال غير المؤهّلين، لينشأ مجتمع يستطيع فيه الناس أداء الصلاة والعمل والحظي بحياة اجتماعية، وكل ذلك تحت رقابة الشاه الذي حاول تفكيك هذه التجمّعات في أكثر من مرة عن طريق المزج بين مصالح الملالي وأصحاب المتاجر.

ودفع ذلك الملالي "رجال الدين الشيعة" للبدء في مرحلة مقاومة النظام عبر الترويج للخطاب الشعبوي الذي كان يرسله الخميني عن طريق تسجيلات مهرّبة تصل إلى ثمانية آلاف مسجد في البلاد. ووجد فقراء المدن، الذين تشكّلت أغلبيتهم من الشباب المحبط، في المتاجر وسطاً يمكنهم فيه طرح مطالبهم.

بداية الثورة

قرّرت منظمة الدول المنتجة للبترول "أوبك" عام 1973 رفع سعر برميل الوقود بسبب دعم الولايات المتحدة لإسرائيل في حروبها الإقليمية لتنشأ أزمة طاقة عالمية. كان ذلك يعني زيادة كبيرة في خزائن الشاه شجّعته على المضيّ قدماً في إصلاحاته، لكن الأمر انتهى به بالتبذير في الحفلات والإنفاق العسكري على السفن الحربية والدبابات والمقاتلات الحديثة. أثار ذلك الاستياء الشعبي خاصة وأنّ هذا المال الذي وعد الشاه باستثماره في تحقيق "الرفاه للجميع" ذهب إلى جيوب الدائرة المحيطة به.

وفي الأعوام التالية ونتيجة لأزمة اقتصادية عالمية ناجمة عن ارفاع معدّلات التضخم، ألقى الشاه باللائمة على كبار التجار في ارتفاع معدّل التضخم وشرع في حملة اتهامات وتشويه ضدّهم.

على التوازي وفي عام 1978 رفضت كل من المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة رفع أسعار النفط مرة أخرى مثلما كان الشاه يقترح بغرض تعويض التضخّم، الأمر الذي كانت نتيجته أزمة اقتصادية حادة انعكست آثارها على أسعار وسائل النقل وقلّة مصادر الطاقة وارتفاع تكاليف المعيشة، علاوة على فشل وفساد الحكومة وعجز الموازنة، ترك كل ذلك بالطبع آثاره الحادة على كبار التجار والطبقة الوسطى والعمال والعاطلين.

اقرأ أيضاً: حلف الإمامية والخمينية في اليمن: حاجة حوثية أم استراتيجية إيرانية؟

تسبّب هذا الموقف في وضع الشاه في مواجهة الطبقة الوسطى التي كانت تنظّم نفسها في المساجد، وكذلك اتحادات الكتاب الذين كانوا يتعرّضون للقمع بسبب اجتماعاتهم العامة التي كانت تتطرّق إلى الهوية الثقافية لإيران. وفي كانون الثاني (يناير) 1978 لجأ الشاه مرة أخرى لتشويه الخميني واتهمه بمحاولة إعادة إيران للعصور الوسطى. خرج آلاف الإيرانيين مطالبين الشاه بالتراجع عن هذه التصريحات، لكنّهم تعرّضوا لموجة من القمع راح ضحيتها مئات القتلى. وخلال أيام الحداد الـ40 دُعي لتظاهرات جديدة في 12 مدينة، كانت النتيجة مصرع مئات الأشخاص أثناء الاشتباكات مع أجهزة الأمن. ومن هنا بدأت الثورة الإيرانية في صورة تظاهرات كل 40 يوماً يشارك فيها بشكل حاشد الطلاب والعاطلون وفقراء المدن وكذلك كبار التجار والملالي.

اقرأ أيضاً: غرام وانتقام بين الخمينية و"الإخوان"

وفي آب (أغسطس) من ذلك العام عُرض فيلم عن احتجاجات مدينة آبادان، وحاصر الـ"سافاك" المشاهدين وأحرق دار السينما. الأمر الذي نتج عنه ردّة فعل عنيفة بتظاهرات حاشدة شارك فيها آلاف المواطنين في عدة مدن ارتجّت بهتافات مثل "الموت للشاه" و"الولايات المتحدة ارحلي". وفي ذلك اليوم الدامي الذي كان الثامن من أيلول (سبتمبر) 1978 قُتل ثلاثة آلاف شخص على الأقل.

اقرأ أيضاً: كيف احتكر الخميني "الولاية" لحساب السياسة واعتزل الفقه؟

بيد أنّ ذلك لم يؤدّ لتوقف الاحتجاجات في كبرى المدن الصناعية. خاصة في المؤسّسات النفطية بالعاصمة طهران ومجمع الصناعات البتروكيماوية في بندر شابور ثم اندلعت في مدن أصفهان وشيراز وتبريز وآبادان. كانت شرارة هذه التظاهرات تمتد بوتيرة سريعة إلى باقي المصانع الحكومية ووسائل النقل والاتصالات. وفي غضون أيام معدودة، تراجع إنتاج النفط بنسبة 30% وكان لهذا الأمر تداعيات على السوق العالمية. وبسرعة خاطفة اكتسبت المطالب فيما يخصّ الأجور وتحسين ظروف الحياة طابعاً سياسياً لتصل إلى درجة إسقاط الشاه.

الميزان يختلّ

مع قرار الرئيس العراقي الراحل صدام حسين بطرد الخميني من العراق، لتجنّب حدوث انتفاضة شيعية في بلاده، اضطّر الخميني للسفر إلى فرنسا ومن هناك فتح خطاً مباشراً للتواصل مع المتظاهرين الذين أصبحت مطالبهم أكثر جذرية. لم يكن لدى الخميني خيار خلاف قيادة هذه العملية لاحتواء الحراك. وبالفعل نجح في الوصول للجماهير عن طريق خطاب شعبي يرتكز على أفكار مناهضة للإمبريالية وإعادة إحياء الهوية الثقافية للبلاد في مواجهة نظام الشاه، وتمكّن من استمالة كافة الطبقات الاجتماعية، في الوقت ذاته عمل على إخفاء نواياه الحقيقية التي تتمحور حول إنشاء دولة إسلامية على أساس مبدأ ولاية الفقيه الذي يمنحه كل الصلاحيات.

اقرأ أيضاً: فرح بهلوي: الخمينية جاءت مع أشرطة الكاسيت وستختفي مع الإنترنت

وطوال شهري تشرين الأول (أكتوبر) وتشرين الثاني (نوفمبر)، أصيبت البلاد بالشلل التام نتيجة لإضراب عام أوقف بموجبه العمل في كافة معامل التكرير والمصانع والمتاجر والجامعات ووسائل النقل والاتصالات ومصانع الحديد ومناجم النحاس والسكك الحديدية والموانئ.

حاول الشاه تهدئة الشارع وبالفعل شكّل "حكومة مصالحة وطنية" يرأسها شابور بختيار عضو "الجبهة الوطنية" الذي عمل على سلسلة من الإصلاحات؛ حيث منح السجناء السياسيين حريتهم، وأوقف تزويد إسرائيل بالنفط، وخفّض الإنفاق على الجوانب العسكرية، وحل جهاز "السافاك". وبعث الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر بالجنرال هويز لضمان وقوف القوات المسلّحة إلى جوار حكومة بختيار، وفي الوقت ذاته بدأت واشنطن مفاوضات مع المعارضة الليبرالية والإسلامية. لم يكن بوسع الولايات المتحدة السماح للاتحاد السوفييتي بإحراز تقدّم في الشرق الأوسط بعد تأسيس جمهورية ديمقراطية في أفغانستان.

اقرأ أيضاً: بين مصدّق والخميني.. كيف خان الملالي ثورة الإيرانيين مرتين؟

وأخيراً أطاحت موجة الاحتجاجات بالشاه الذي هرب في عطلة دائمة منتصف كانون الثاني (يناير) من العام 1979. وفي الأول من شباط (فبراير) استقبل خمسة ملايين شخص الخيميني. الذي شكّل سريعاً حكومة مؤقتة برئاسة بازارجان الذي كان عضواً في الجناح الإسلامي من "الجبهة الوطنية". وحاول أحد فصائل الحرس الملكي المقاومة لكنّه قُضي عليه من قبل فصيل آخر يؤيد الحكومة المؤقتة بالتعاون مع ميليشيات شبه عسكرية. لاحقاً أنشئ المجلس الثوري وحصل أنصار الخميني على حماية الحرس الثوري الذي أسّسه الخميني.

الثورة السليبة

كان سقوط نظام الشاه إيذاناً باندلاع اقتتال سياسي حول طبيعة النظام الجديد الذي يجب تأسيسه. لم يكن الخميني يقود الثورة بالكامل في ذلك الوقت. لذا توزّع التأثير بين النخبة الليبرالية واليسار. وظهرت أولى صور الاحتجاج ضد سياسات الخميني في الثامن من آذار (مارس) حين سعى لفرض غطاء الرأس. ملأت مئات الآلاف من النساء شوارع طهران رفضاً لهذا الإجراء. ثم وفي مطلع أيار (مايو) 1979 احتشد 300 ألف شخص تقريباً في العاصمة. بينما امتنع الطلاب عن العودة لقاعات الدراسة.

اقرأ أيضاً: تكتيك الخميني في حرب أردوغان الخفية ضد الولايات المتحدة

في الوقت ذاته اتضحت معالم حراك الطبقة العاملة بفضل قدرتهم الاجتماعية والتي سمحت لها بإمكانية تنظيم نفسها في ما يعرف باسم مجالس الشورى، على غرار النموذج الروسي السوفييتي. وبالفعل نجحت هذه الطبقة في إيجاد آليات تنظيم تمكّنها من خوض انتخابات ديمقراطية بتمثيل حقيقي لا يعتدّ بمسائل النوع. وكان الهدف هو السيطرة على عملية الإنتاج ومصادرة المصانع من أجل إمداد السوق الداخلية باحتياجاتها وكذلك فقراء المدن. بل إنّ هذه الطبقة شكّلت حتى هيئات للدفاع الذاتي عن نفسها ضد الفصائل المسلحة التي كانت لا تزال تدين بالولاء للشاه ثم لاحقاً مواجهة القمع. وكرّر المزارعون الفكرة نفسها بمصادرة الأراضي، والحال ذاته في المناطق التي تعيش بها الأقليات الكردية والتركمانية والبلوشية، لقد كانت مجالس الشورى في طريقها لاكتساب مزيد من السيطرة على المناطق التي تنشط بها بغرض الحصول على حق تقرير المصير.

عصت مجالس الشورى تعليمات المجلس الثوري بالعودة للعمل وكذلك مطالبات الخميني بتفكيكها. كانت مجالس الشورى تضمّ أبرز الحركات اليسارية التي أصبحت منهكة بشدة بعد أعوام من قمع الـ"سافاك"، مثلهم في ذلك الإسلاميين، كانت وتيرة الأحداث هي التي تحرّك كل شيء.

عمل الخميني على إخفاء نواياه الحقيقية المتمحورة حول إنشاء دولة إسلامية على أساس مبدأ ولاية الفقيه الذي يمنحه كل الصلاحيات

لكن المشكلة الرئيسة بالنسبة لليسار كانت تكمن في أنّ أغلب الحركات تتبنّى استراتيجيات تجمّل من الخطاب الإسلاموي للخميني. في ذلك الوقت كان "توده" الحزب الذي يرتكز على أساس أفكار شيوعية ويرتبط بعلاقات وثيقة مع موسكو، يروّج لفكرة "الثورة على مراحل"، بحيث تكون أولاها هي "مناهضة الإمبريالية" و"الديمقراطية" من أجل إنهاء الدكتاتورية بالتعاون مع القوى "التقدّمية" و"الوطنية"، ما كان يشمل النخبة الوطنية ورجال الدين من الملالي. وامتدّت هذه الفكرة لحركة "فدائيو الشعب" التي تمخّض عنها اندثار حزب "توده" المنخرط في النزاع المسلّح خلال الفترة بين 1970 و1976 والتي شهدت خسارته لعدد كبير من أعضائه نتيجة المواجهات مع "سافاك". وتكرّر الأمر نفسه مع حركة "مجاهدي خلق" التي قامت على مبادئ "الجبهة الوطنية" الإسلامية قبل أن تتجّه نحو الماركسية الماوية. أما التيار الوحيد الذي لم يؤيد ولو للحظة واحدة الخميني فكان حزب العمال الاشتراكي الإيراني ذي الخلفية التروتسكية الذي تأسّس في شباط (فبراير) 1979. كان الحزب يتمتّع بثقل كبير في مجالس الشورى بالمناطق النفطية مثل خوزستان وطهران.

اقرأ أيضاً: أي إرث للخميني بعد ثلاثين عاماً على رحيله؟

دخلت مجالس الشورى سريعاً في المواجهة مع الحكومة المؤقتة مطالبة بزيادة الأجور والارتقاء بظروف المعيشة بالتزامن مع تأميم عدد من المصانع. إلّا أنّ الأهداف السياسية لهذه المجالس بدأت في الاصطدام مع طريقة إدارة الخوميني وانزلاقه هو الآخر في فخ القمع بحيث باتت المعركة علنية. وبعد تخلّيه عن الزعامة الدينية كي يصبح زعيماً سياسياً، لجأ الخوميني لمناورة حيث دعا لاستفتاء في نيسان (أبريل) وكان السؤال: ملكية أم جمهورية إسلامية؟ وجاءت النتيجة بـ99% لصالح الخيار الثاني. وكشفت محاولات التيارات المختلفة لمقاطعة هذا الاستفتاء وانتخابات "مجلس خبراء القيادة"- التي شارك فيها 40% من الناخبين، أنّ سعي الخميني لإقامة "دولة إسلامية" لن يكون عملية يسيرة.

أدخل الخميني على مقترح الدستور الجديد نظام ولاية الفقيه، والذي يمنح بموجبه اختصاصات سياسية وقانونية هائلة لمجلس الخبراء، ومهّد الطريق أمام وجود المرشد الأعلى غير المسؤول أمام الشعب بل الله. كانت هناك حالة من الرفض الواسع داخل الحكومة المؤقتة، وكذلك آلاف المواطنين الذين رفضوا مسودة الدستور المكتوب بدماء ضحايا قمع آية الله، فضلاً عن تناسي حقوق الأكراد والآذريين الذين كانوا يتوقون للحصول على مزيد من الحكم الذاتي. جلب هذا الدستور قوانين قمعية تجاه المرأة وتأويل متشدّد من الشريعة الإسلامية. لكنه نصّ في نهاية المطاف على انتخاب رئيس البلاد بالاقتراع الشعبي المباشر، مع منح حقوق اجتماعية مثل؛ مجانية التعليم والصحة والإسكان وحرية التعبير وأشكال أخرى.

ظهرت أولى صور الاحتجاج ضد سياسات الخميني في الثامن من آذار 1979 حين سعى لفرض غطاء الرأس

عمل الخميني على تعزيز موقعه بكل السبل الممكنة فقد دعم الطلاب الغاضبين في الرابع من تشرين الثاني (نوفمبر) عند اقتحامهم السفارة الأمريكية، بسبب زيارة الشاه لنيويورك، واحتجازهم لـ66 دبلوماسياً أمريكياً كرهائن طيلة 400 يوماً رغم أنّه عارض ذلك في البداية، قبل أن يعود ويؤيّد الطلاب في مواجهة "الشيطان الأعظم".

كما استفاد الخميني من غزو صدام حسين لإيران في 22 أيلول (سبتمبر) 1980 حيث ضمن تهدئة التوتّر الداخلي بينما عكف على إعدام ثمانية آلاف معارض بين عسكريين وعناصر تيارات يسارية ونساء وعمال وطلاب. لم تكن هذه الإجراءات نابعة من دوافع دينية بالتأكيد بل كان الغرض منها ترسيخ جذور النظام عن طريق نشر الرعب باسم الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

اقرأ أيضاً: قبل سقوط الخمينية بقليل!

لقد بدأت الثورة الإيرانية بمطالب ديمقراطية واجتماعية منبعها الطبقات التي عانت الاستغلال، ومنحت الفئة العاملة الفرصة لخلق آليات ذاتية لتقرير المصير، بيد أنّ غياب قيادة ثورية وانسياق بعض المنظمات اليسارية وراء حكومة الخميني بذريعة أنّه سيؤسّس لنظام ديمقراطي، كانت نتيجتها استبدال نظام الشاه القمعي بآخر ذي خلفية دينية.


مصدر الترجمة عن الإسبانية:

https://bit.ly/37DNiO7

للمشاركة:



إمام مسجد لندن المركزي يبدي تسامحاً مع الشخص الذي طعنه.. هذا ما قاله

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-23

أبدى إمام المسجد المركزي في لندن، رأفت مجلاد (70 عاماً)، في رد الفعل الأول حول محاولة طعنه، تسامحاً تجاه المتشرد دانييل هورتون، الذي طعنه خلال أداء صلاة العصر، الخميس الماضي، قائلاً: "أسامحه.. وأشعر بالأسف تجاهه".

ووجهت محكمة بريطانية، أمس، اتهاماً إلى هورتون، الذي يبلغ 29 عاماً، بالتسبب بضرر جسدي بالغ، وحيازة سكين بشكل غير شرعي، وطعن إمام ومؤذن مسجد لندن، وفق "فرانس برس".

واستبعدت شرطة لندن، على الفور، أن تكون هناك دوافع إرهابية وراء حادثة الطعن، رغم عدم إعلانها دوافع شخصية أو اجتماعية أخرى.

رأفت مجلاد متحدثاً عن الشخص الذي طعنه: "أسامحه.. وأشعر بالأسف تجاهه"

وتلقى مجلاد العلاج في مستشفى في لندن، وعاد الجمعة إلى المسجد للصلاة، ويده مضمدة، قائلاً: "بالنسبة لي كمسلم لا أحمل في قلبي أيّة كراهية".

وقالت المدعي العام، تانيا دوغرا، للمحكمة: "الرجلان يعرفان بعضهما، لأنّ هورتون اعتاد أن يرتاد المسجد المركزي في ريجينت بارك، شمال غرب لندن، خلال الأعوام الماضية".

وأبقي هورتون رهن التوقيف، قبل عقد جلسة استماع ثانية، مقررة في 20 آذار (مارس) المقبل.

وكانت شرطة العاصمة البريطانية، لندن، قد أعلنت، الخميس الماضي؛ أنّها اعتقلت رجلاً بعد واقعة طعن في مسجد قرب متنزه ريجنتس أسفرت عن إصابة شخص.

وقالت الشرطة البريطانية في بيان: "عثر على رجل مصاب بجروح جراء حادث طعن، وتم اعتقال المتهم في مسرح الواقعة".

وأظهرت صور نشرت على موقع تويتر أفراد الشرطة وهم يقيدون رجلاً في ساحة الصلاة بالمسجد قرب متنزه ريجنتس قبل اقتياده.

للمشاركة:

زلزال على الحدود الإيرانية التركية يخلّف قتلى

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-23

قال وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو؛ إنّ ثمانية أشخاص لقوا حتفهم في زلزال بلغت قوته 5.7 درجة ضرب غرب إيران، في وقت مبكر من اليوم، وتأثرت به مناطق تركيا.

وتركّز الزلزال في مدينة خوي الإيرانية وتضررت قرى في محافظة فان التركية.

وقال صويلو، في مؤتمر صحفي في أنقرة؛ إنّ "ثلاثة أطفال وخمسة بالغين قتلوا في منطقة باسكولي في تركيا"، وأضاف: "خمسة مصابين نقلوا إلى المستشفى بينما بقي آخرون محاصرين تحت أنقاض مبانٍ منهارة"، وفق وكالة "الأناضول".

صويلو: ثمانية أشخاص لقوا حتفهم في زلزال ضرب مدينة خوي الإيرانية وتضررت محافظة فان التركية

ووفق مركز رصد الزلازل الأوروبي المتوسطي؛ فقد كان عمق الزلزال 5 كيلومترات.

يذكر أنّ المنطقة لديها تاريخ مع الزلازل القوية؛ ففي الشهر الماضي ضرب زلازل بقوة 6.8 درجة ريختر مركزه بلدة سيفرجه بولاية ألازيغ، ما أدّى إلى انهيار بعض المباني وهروع السكان إلى الشوارع، وأسفر عن مقتل 40 شخصاً.

ويعدّ الزلازل الذي ضرب محافظة إزميت القريبة من إسطنبول، عام 1999، والذي بلغت قوته 7.6 درجة ريختر، أكثر الزلازل تدميراً؛ إذ أسفر عن مقتل 17 ألف شخص.

وفي إيران، قال مسؤول للتلفزيون الرسمي: "أُرسلت فرق الإنقاذ إلى المنطقة التي وقع فيها الزلزال، ولم تردنا، إلى الآن، أيّة أنباء عن أضرار أو خسائر في الأرواح في المنطقة، غير المأهولة بالسكان، والتي تقع في إقليم أذربيجان الغرب".

 

للمشاركة:

الصدر في مواجهة البرلمان العراقي..

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-23

هدّد رجل الدين الشيعي، مقتدى الصدر، بتنظيم احتجاجات مليونية أمام مجلس النواب في حال رفض التصويت على حكومة رئيس الوزراء المكلّف، محمد علاوي، الأسبوع المقبل.

ودعم رجل الدين، الذي يحظى بشعبية كبيرة، تعيين علاوي رئيساً للوزراء، رغم رفضه من قبل حركة الاحتجاجات التي كان الصدر قد دفع مناصريه لقمعها ومواجهتها.

وظهر الصدر، الذي عاد إلى العراق، أمس، علناً، خلال زيارته ضريح الإمام علي في النجف حيث يقيم.

مقتدى الصدر يهدّد بتنظيم احتجاجات مليونية في حال رفض التصويت على حكومة علاوي

وكان الزعيم الشيعي قد أمضى الأشهر القليلة الماضية في إيران، لكنّه عاد في رحلة قصيرة إلى النجف، تفقّد خلالها المتظاهرين الذين يطالبون بإصلاحات.

وتمّ تعيين علاوي كمرشح متفق عليه بين الأحزاب السياسية المشاركة في السلطة، ودعا بدوره البرلمان إلى عقد جلسة طارئة لمنح الثقة لحكومته، الإثنين.

ودعم رئيس الوزراء المستقيل طلب علاوي داعياً مجلس النواب إلى جلسة استثنائية؛ لأنّه في إجازة حالياً.

وقال نائب رئيس البرلمان، حسن كريم الكعبي، المقرب من الصدر، لوسائل إعلام محلية: "خطاب عبد المهدي كان ملزماً".

في المقابل؛ أعلن رئيس البرلمان، محمد حلبوسي؛ أنّ المجلس لم يحدّد موعد الجلسة الاستثنائية، مضيفاً في تصريح متلفز: "يجب أن يكون موقف القوى السياسية واضحاً تجاه الحكومة كما يجب تسليم المنهاج الوزاري قبل يومين من انعقاد الجلسة الاستثنائية".

 وأوضح الحلبوسي؛ أنّه "بعد وصول المنهاج الوزاري يتم تشكيل لجنة نيابية برئاسة أحد نواب رئيس البرلمان لتقييم البرنامج الوزاري".

 

 

للمشاركة:



ثوران البرلمان الإيراني الجديد

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-23

فريد أحمد حسن
لا يهم دول المنطقة من فاز في انتخابات مجلس الشورى الإيراني التي جرت الجمعة الماضية ومن خسر فيها، ولا يهمها تفاصيل ما جرى قبل وأثناء وبعد ذلك اليوم، ولا كيف فاز الفائزون، وكيف تم تخسير الخاسرين، تماماً مثلما أنه لم يهمها قبل ذلك من تأهل لخوض تلك الانتخابات، ومن قرر النظام الإيراني شطب اسمه وحرمانه من الترشح. كل هذا لا يهم هذه الدول. ما يهمها فقط هو أن ينشغلَ الفائزون والنظام الإيراني وأربابه جميعاً بأنفسهم ويخرجوها من رؤوسهم، فبلادهم لا يمكن أن تتقدم ولا يمكن للشعب الإيراني أن يعيش كما ينبغي له أن يعيش إن تركوا مسؤولياتهم وتفرغوا للتدخل في شؤون الآخرين واستمروا في توزيع التصريحات السالبة المليئة بالتهديدات المباشرة وغير المباشرة بكرة وعشياً.

يكفي دول المنطقة أن ينشغل النظام الإيراني بالداخل الإيراني لتشعر بشيء من الأمان والاستقرار، فما يهدد المنطقة ويحرمها من الاستقرار هو أن النظام الإيراني ترك منذ استيلائه على الحكم في إيران الداخل الإيراني وتفرغ للخارج، معتقداً أنه بهذه الطريقة يضمن لنفسه الاستمرار في الحكم.

إيران تعاني اليوم من مشكلات كثيرة، وحري بمسؤوليها أن يعملوا على حلها، وأول خطوات حلها هو توقفهم عن التدخل في شؤون جيرانهم الذين من الطبيعي ألا يقبلوا بالتدخل في شؤونهم الداخلية فلا يتوفر لهم بعد ذلك سوى اعتماد مبدأ الرد على كل ما يستدعي الرد عليه، وهذا يعوق نمو إيران ويتسبب في أذى كثير للمنطقة التي لا يمكن أن تتطور إن لم يتحقق الاستقرار فيها.

أمر آخر يفترض ألا يفوت المسؤولين في النظام الإيراني وأن يضعوه في اعتبارهم هو أن المنطقة لا تتألف من الدول التي تشكل جغرافيتها فقط، فهناك دول تسكن بعيداً لكن لها مصالح هنا لا يمكن التفريط فيها وهي على استعداد دائم للدفاع عنها في كل الأحوال، والأكيد أنها لا تتردد عن القيام بأي عمل كي تضمن مصالحها بما في ذلك الدخول في حرب، ولا يهمها لو اشتعلت المنطقة وتخلفت.

شعوب المنطقة ومنها الشعب الإيراني لا تريد من الذين وصلوا إلى مقاعد مجلس الشورى في إيران ومن سائر مسؤولي النظام الإيراني وأربابه سوى أمر واحد وهو أن يتركوا أحلامهم التي لا يمكن منطقاً وواقعاً أن تتحقق وأن يتفرغوا لبناء الداخل الذي أوله إخراج الشعب الإيراني من حالة الفقر والفاقة التي صار فيها منذ الساعة التي اختطف فيها الملالي ثورته وأن يتركوا عنهم تصرفات المراهقين التي تأكد أنها لم تسفر بعد أربعين سنة من تحرير شبر واحد من أرض فلسطين.

شعوب المنطقة ومنها الشعب الإيراني كلها تعرف أن شيئا في إيران لن يتغير لا من خلال مجلس الشورى الجديد ولا من خلال أي مجلس آخر، فأرباب النظام الإيراني مسيطرون على كل شيء في هذا البلد ولا يمكن أن يسمحوا لا لأعضاء هذا المجلس ولا لغيرهم أن يحدثوا أي تغيير في سياسة إيران ومواقفها، لكن هذا لا يعني فقدان الأمل، فهناك من الإيرانيين من يعمل في الداخل وفي الخارج على إحداث تغيير يرغم أرباب النظام على تبديل سياستهم قبل أن يفوت الفوت فلا يسمع صوتهم أحد.

ربما كان من بين الذين فازوا بمقاعد البرلمان في إيران من يدرك كل هذه الأمور ويمتلك القدرة على إحداث تغيير ما في سياسة ومواقف النظام الإيراني وأربابه تنقذه من السقوط وترمم علاقته بجيرانه، فلا سبيل لتحقيق أية مكاسب للشعب الإيراني إن استمر النظام الإيراني في استراتيجيته وفي برامجه وأنشطته العدائية، واستمر في التدخل في شؤون جيرانه وتهديدهم بمناسبة ومن غير مناسبة.

عن " الوطن البحرينية"

للمشاركة:

القضية الفلسطينية بين الاستغلال والابتزاز

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-23

رضوان السيد

مرَّ مشروع «صفقة القرن» الذي طرحه الرئيس ترامب، من دون رفض قاطعٍ من الجهات الدولية والدول الكبرى، وباعتراضات من جانب الجهات العربية والإسلامية، إنّ أهمَّ أسباب الرفض من جانب السلطة الفلسطينية، أنّ المشروع مخالف للقرارات الدولية، والواقع أنّ المشروع ما بقي فيه من القرارات الدولية غير أمرين: القول بالدولة المستقلة للفلسطينيين، وعدم تعريض السكان الفلسطينيين للانتقال أو التهجير، وفيما عدا ذلك، مثل الحدود والقدس والأمن واللاجئين والمستوطنات، هناك تجاهُل للقرارات الدولية، فقد تقزمت القضية لتصبح تذاكياً في تقسيم الأرض والعقارات، وما عاد الأمر أمر حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني.
ونعود هنا إلى ردود الأفعال العربية والإسلامية، جماعاتٍ ودولاً وأفراداً، كانت هناك وجهة النظر التي تقول بقبول التفاوض، لأن انقطاع التفاوض لعشر سنوات رفضاً للمستوطنات، ما أفاد الفلسطينيين شيئاً، ويمكن لهم خلال التفاوض قبول هذا التفصيل أو ذاك أو رفضه، بل والشكوى للجنة الرباعية الدولية مثَلاً، إن لم يكن مسموحاً بالشكوى لغيرها، أما وجهة النظر الأخرى فترفض التفاوض كما رفضت المشروع، وترى أنّ قبوله قبول للمشروع وخضوعٌ لشروطه، وعادت السلطة الفلسطينية للدعوة لمؤتمر دولي، لكن لم تكن لذلك استجاباتٌ ملموسة، ولا نتائج لاجتماع مجلس الأمن.
وقد دفع ذلك كله عديدين للتفكير بأنه من الأجدى والأكثر إحراجاً لإسرائيل وللإدارة الأميركية، الإقدام على حلّ السلطة الفلسطينية، لتعود مناطق السلطة مناطق محتلة من جانب إسرائيل، وتخضع لإشراف المؤسسات الدولية، والتفكير على هذا النحو، على خطورته، له عدة أسبابٍ سبقت صفة ترامب، أولها الضيق المادي الذي نزل بالحكومة الفلسطينية، نتيجة إلغاء كل الدعم الأميركي، واحتجاز أموال السلطة من جانب إسرائيل، والسبب الثاني تراجع الدعم السياسي والمادي للسلطة الفلسطينية من جانب جهات عدة دولية وإقليمية، والسبب الثالث تفاقُمُ الانقسام بين السلطة و«حماس» في غزة، وإقبال إسرائيل على اللعب مع «حماس» بتوسط قطر وتركيا، والسبب الرابع عدم قدرة السلطة على تحمل مسؤولياتها السياسية والأمنية أو المادية تجاه الشعب الفلسطيني، وهذا الحل أو الخيار الثالث في زمن اللا حل، يرى فيه البعض شجاعةً تأبى استمرار الخضوع للأوهام، بعد أن انتهت أوسلو من زمان، وصارت السلطة بكل أجهزتها تعمل لتصبير الفلسطينيين على الاحتلال، بينما رأى بعض في هذا الخيار جبناً وتراجُعاً، لأنّ الفلسطينيين وبمساعدات دولية وعربية كثيفة، أقاموا هياكل جيدة وجهازاً للشرطة والأمن، وكل ذلك لدولة المستقبل.
ولنلتفت إلى النقاش العربي الداخلي، الذي دار على خلفيات سياسية أو أيديولوجية، وكان بالفعل وما يزال كلام سفاهة وابتزاز ومعذرة للنفس، من خلال إهانة الآخر أو اتهامه بما ليس فيه! أولى الجهات التي افتتحت هذه الجبهة المعتمة، هي دولٌ وتنظيماتٌ بحجة أنّ الدول العربية الأخرى تهاونت أمام أميركا وإسرائيل، والواقع أنّ أهل التعيير هؤلاء هم الأحسن علاقةً بإسرائيل وأميركا، أما «حماس» التي تفيد من ذلك، فانضمّت إلى موقف أبو مازن الرافض، لكنها مقيدة تجاه داعميها في السنوات الماضية، لذلك دخلت في حملات التعيير والابتزاز، وإنْ ليس بشكلٍ مباشر، بل من خلال محسوبين عليها من الكتّاب، أو من جماعات الإسلام السياسي.
وهكذا نشبت حروب وهمية، شاركت فيها عشرات المحسوبين على اليسار والقوميين و«الإخوان».. ومعظم ما كان له نشاط معروف تجاه القضية الفلسطينية، إنّ الشتائم المقذعة لا تحرّر فلسطين، وهو شأن جماعات الإسلام السياسي والمقاومات التي قتلت في سوريا والعراق ولبنان واليمن وليبيا عشرة أضعاف من قتلتهم إسرائيل على كل الجبهات وفي كل الأزمنة: والنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

الجهاديون العائدون.. خطر من نوع جديد

2020-02-23

ترجمة: علي نوار


تمثّل عودة الجهاديين الذين قاتلوا في صفوف تنظيم داعش في دول مثل؛ سوريا والعراق، وفي الكثير من الأحيان برفقة أسرهم، "تحدّياً على جميع الأصعدة بالنسبة للمجتمع"، حسبما أكّد كارلوس إتشبريا الباحث في الجامعة الوطنية الإسبانية للتعليم عن بعد.

اقرأ أيضاً: هل يبقى ملف "الإرهابيين العائدين" ساحة للمناكفات السياسية؟
وأوضح إتشبريا أنّه عند التطرّق لملف "المقاتلين العائدين" ينبغي الأخذ في الحسبان هؤلاء الرجال والنساء الذين انخرطوا في الحرب وأبناؤهم الذين يعودون برفقة ذويهم إلى أوروبا.

أطفال مؤهّلون عسكرياً

نعم هم أطفال لكنّهم تمرّسوا في ساحات القتال لدرجة أنّ التنظيم أطلق عليهم تسمية "أشبال الخلافة"، وقد حصلوا على تدريب عسكري ودُفع بهم في المعارك عندما كان عمرهم بالكاد تسعة أعوام.

لا تزال هناك مساحات واسعة من الصحراء السورية-العراقية يجرى فيها تحصيل الضرائب وعمليات الابتزاز والاستيلاء على الأراضي

وقال الباحث "كان مشروعاً يتمتّع ببريق للأسف" في أعين آلاف المسلمين الذين كوّنوا أسراً في الأراضي التي كان يحتلّها تنظيم داعش، وهي أراض لا تزال مناطق حرب، ما تسبّب في عودة الكثير من هؤلاء الأشخاص.

وأشار الباحث، الذي وضع تقرير "المقاتل العائد"، إلى أنّ عودة العائلات كانت تحمل في طيّاتها تحدّيات كبيرة على مستويات مثل؛ التعليم والصحة وعلم النفس الاجتماعي، وينبغي على الحكومات التعامل معها بجدّية.

كما لفت إتشبريا الانتباه إلى أنّ إسبانيا جاءت على رأس دول الاتحاد الأوروبي من حيث أعداد المقبوض عليهم خلال العقد الماضي والذين وجّهت لهم تهم الإرهاب الجهادي، رغم أنّ الأرقام "منخفضة للغاية" فيما يتعلّق بالعائدين مقارنة بدول مثل فرنسا أو المغرب.

بيد أنّه عاد ليبرز الأهمية الرمزية لأراضي الأندلس، التي تشمل إسبانيا والبرتغال وجنوب فرنسا، وهو ما يعني تزايد التهديد إزاء عودة الأشخاص المتطرّفين، لذا حذّر من "التلاعب الدعائي" و"الترويج للأساطير" حول الأندلس بين مسلمي إسبانيا.

بالمثل، سلّط إتشبريا الضوء على المشكلة "المقلقة" الكامنة في الأطفال العائدين، معتبراً أنّه من الضروري فتح نقاش في هذا الشأن؛ لأنّ هؤلاء القصر ينبغي أن يلتحقوا بالمؤسسات التعليمية وتجرى معاملتهم "بشكل خاص" كي يتمكّنوا من الاندماج في المجتمع.
كذلك دقّ الخبير ناقوس الخطر حيال وضع المسلمين في سجون الدول الأوروبية لافتاً النظر إلى أنّ الموقف "سيئ جداً" لا سيما في فرنسا والمغرب؛ لأنّ السجناء هم في الواقع "أشخاص يتّصفون بالضعف" وبالتالي تجد "الأيدولوجيا الجهادية السلفية الخبيثة موطئ قدم لها ويعتقد أتباعها أنّهم وجدوا فيها بلسماً".

اقرأ أيضاً: هل تنجح المقاربة الأمنية المغربية في إدماج العائدين من داعش؟
من جانبه، شدّد سرخيو جارثيا ماجارينيو على أهمية "استكشاف آليات السقوط في فخ الأصولية العنيفة بحيث يمكن استيعابها ووضع استراتيجيات لمكافحتها لا سيما مع تصاعد خطر المقاتلين العائدين" من سوريا والعراق.

لكنْ هناك تساؤل يطفو على السطح ها هنا ألا وهو: كيف نجا جهاديو "داعش" في الصحراء؟

شهدت سوريا وحدها العام الماضي 906 هجوم نفّذتها خلايا نائمة، أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن 683 منها

لا تزال هناك مساحات واسعة من الصحراء السورية-العراقية يجرى فيها تحصيل الضرائب وعمليات الابتزاز والاستيلاء على الأراضي بل والحصول على نوع من التضامن.

صحيح أنّ عناصر التنظيم لم يعد بوسعهم الظهور علانية خلال ساعات النهار، إلّا أنّ الليل لا يزال ملكاً لهم؛ لا يحكمون أي مدن بعد وليس لديهم دولة، لكن لديهم مساحات واسعة من الصحراء الواقعة على جانبي الحدود السورية-العراقية حيث يمارسون أنشطتهم المعهودة.

لا تصلح صحراء الأنبار في العراق ومنطقة دير الزور السورية، حيث عاود عناصر "داعش" اكتساب نفوذهم من جديد، سوى لحياة العقارب. ضباع، ثعالب، ذئاب، أفاعي، قصف تركي، مرتزقة إسلامويون يعملون لحساب تركيا، جيوش نظامية، وقتلة من "داعش" مختلطين بأبناء المنطقة. كل ما في هذا المكان يسعى بشكل حثيث لقتلك. وهنا تحديداً حيث تمكّن الجهاديون من الانتصار في معركة البقاء بفضل حالة الفوضى العسكرية والإنسانية التي نجمت عن التدخّل التركي في الأراضي الشمالية والشرقية من سوريا التي تتمتّع بالحكم الذاتي والمعروفة باسم "روجافا". لم يعد "داعش" لأنّه لم يختف من الوجود بالأساس.

الاندساس بين صفوف العدو

عندما وصل المقاتلون الأكراد ضمن "وحدات حماية سنجار" نهاية تموز (يوليو) الماضي إلى أحد النقاط الواقعة في أقصى شرق جبل سنجار بالعراق، حيث كانت ترقد جثث أربعة جهاديين كانوا قد انتهوا للتو من قتلهم فيما يشبه مهمة صيد لكن للبشر، نظروا إلى بعضهم البعض في حيرة مطبقة. كان عدد من قتلة "داعش" الذين مزّقتهم الميليشيات شبه العسكرية الإيزيدية إرباً بالرصاص، يرتدون في أقدامهم أحذية عسكرية تشبه بالضبط تلك التي يستخدمونها هم أيضاً.

ومن بين التفسيرات، ربما ليس الأكثر جنوناً، لهذا الأمر هو أنّ عناصر التنظيم الإرهابي نجحوا بطريقة أو بأخرى في التسلل بين سكان القرى في المنطقة الصغيرة الواقعة قرب حدود روجافا شمالي سوريا والتي تسيطر عليها "وحدات حماية سنجار"، التي شكّلها أكراد تركيا من حزب العمال الكردستاني لمساندة الإيزيديين العراقيين في حربهم ضد تنظيم داعش. لوهلة قد يبدو اختراق بعض الجهاديين للخطوط التي وضعها الأكراد والتسلّل بين صفوفهم شيئاً عصياً على الاستيعاب، لكنّه أصبح واقعاً.

يدفع التنظيم المال لأرامل وأيتام المقاتلين الذين لقوا مصرعهم، وهو ما يعني أنّ الإرهابيين لا تزال لديهم قدرات مالية

ومنذ ظهور هذا الاحتمال، شرعت أجهزة الاستخبارات التابعة لـ "وحدات حماية سنجار" في استجواب عدد من العرب الذين يعملون لحسابهم في بناء شبكة من الأنفاق الدفاعية. لكنّ النقطة الأكثر مدعاة للقلق في كل ذلك هو أنّ هؤلاء الذين خضعوا للاستجواب كانت لديهم صلاحية الوصول إلى المتفجّرات التي استخدمت في شقّ الأنفاق التي حفرها حزب العمال الكردستاني لحماية عناصره من القصف التركي.

لم يتسنَّ التحقّق مما إذا كان الجهاديون الذين تم القضاء عليهم أو السبعة أو الثمانية الآخرون الذين لاذوا بالفرار، على علاقة بالعمال الذين يتقاضون أجراً من الأكراد، إلّا أنّ التوصّل لهذا الاكتشاف جاء ليؤكّد من جديد ما كان الجميع يعلمه بالفعل في العراق وسوريا: لم تنته خلافة "داعش" المزعومة ولا سيطرتها على الأراضي؛ لأنّ التنظيم يحمل جينات أفعى ويستطيع التحوّر كجرثومة. حدث ذلك من قبل مع تنظيم القاعدة. لا زلنا بصدد الفصل قبل الأخير.

التملّص من الـ"درونز" والمداهمات

كيف نجح مقاتلو التنظيم الإرهابي في تلافي مقابلة الجيوش النظامية والميليشيات شبه العسكرية التي تبحث عنهم للقضاء عليهم وما الذي يعنيه مصطلح "خلية نائمة"؟ والأخطر من ذلك؛ هل بوسع الجهاديين الأوروبيين البقاء على قيد الحياة والنجاة من حصار قوات التحالف الدولي و"قوات سوريا الديمقراطية" رغم الطائرات بدون طيار "درونز" وآلاف من نقاط التفتيش وعمليات المداهمة؟ يكشف أحد قيادات حزب العمال الكردستاني في العراق "نعم بوسعهم ذلك، لكن الأمر يعتمد على القدرات التي يتمتّع بها كل فرد، نجح بعض المقاتلين الأجانب في ذلك، أما المحليين فتقابلهم صعوبات عديدة".

الهدف من إعانات داعش لأرامل وأيتام التنيظيم واضح للغاية ألا وهو ضمان ولاء الجيل الجديد من الإرهابيين

ويوضّح المقاتل الكردي "هناك منطقة واسعة في الأنبار، بمحيط مدينة الرمادي العراقية وقطاع بطول 200 كلم جنوبي جبال سنجار العراقية، على جانبي الحدود السورية، حيث توجد قرى صغيرة للرعاة العرب وصحراء جرداء يصعب للغاية السيطرة عليها".
وفي نفس المنطقة بسنجار، يوجد عدة أشخاص انخرط ذووهم في صفوف تنظيم داعش وتعاون بعضهم بشكل مباشر مع التنظيم الإرهابي. لم يتعرّض هؤلاء للمحاكمة باعتبار أنّهم لم يشاركوا في أعمال عنف، فضلاً عن أنّ البعض فعل ذلك مضطراً بسبب الظروف المحيطة؛ لأنّه إذا تقرّر محاكمة كل من انتمى لـ"داعش" بأي صورة فستكون هناك حاجة لبناء سجن بمساحة دولة مثل هولندا أو الدنمارك. بل أنّ هناك عرباً من "وحدات حماية سنجار" قاتل أقرباؤهم في صفوف التنظيم.

الاختباء بين الصخور

بالتالي لا يسهل معرفة ما إذا كان المزارعون العرب السنّة يكنّون مشاعر التعاطف مع عناصر "داعش" أم لا، ولا حتى في المناطق التي يتواجد بها التحالف الدولي عسكرياً، كما أنّ هناك عدداً من القرى في الصحراء خارج نطاق الإدارات التي تتنافس على السيطرة على هذا القطاع الحدودي.

يقول أحد المقاتلين الغربيين المتطوعين في المنطقة "نعرف أنّهم يستطيعون الاختباء لأيام بلا طعام وبلا ماء تقريباً، عندما نستعدّ لشن هجوم. لكن لا يمكنهم الاستمرار على هذا النحو لأشهر بدون مساعدة من المزارعين العرب طوال الوقت الذي يقضونه في الظل حتى يقرّروا العودة لنشاطهم ويدخلون روجافا أو سنجار أو مدينة عراقية كي يفجّروا أنفسهم".

اقرأ أيضاً: كيف تتعامل الرباط مع العائدين من 'داعش'؟

والحقيقة أنّ هناك أدلة على تقديم السكان المحليين للدعم اللوجيستي إلى مقاتلي "داعش" تحت وقع التهديد. ويوضّح ضابط كردي في "قوات سوريا الديمقراطية" أنّ عناصر التنظيم "خسروا جزءاً من تعاطف المحليين، لكن هؤلاء يسهل للغاية الضغط عليهم؛ لأنّهم يعلمون أنّ ما من جيش أو إدارة بوسعها توفير الأمن لهم. لذا يضطرّ بعض المزارعين لتقديم أحد أبنائهم إلى "داعش"، في نوع من الابتزاز يشبه ذلك الذي تقوم به عصابات الجريمة المنظمة. ويتابع الضابط "إذا نجح بعض الأوروبيين في النجاة دون أن يُكشف أمر كونهم أجانب، فإنّ ذلك سببه تمكّنهم من الاختباء بمساعدة جهاديين آخرين من المنطقة. ويشير خوف المحلّيين إلى أنّ بوسع الإرهابيين الادعاء بأنّهم رعاة بسطاء أو مزارعين قبل أن ينفّذوا هجوماً انتحارياً".

وقبل أيام نشر "مركز روجافا للمعلومات" تقريراً يؤكّد ببيانات دقيقة ارتفاع معدّل هجمات "داعش" في منطقة "روجافا" بعد التدخّل التركي مؤخّراً. وأورد التقرير أنّه "خلال أيلول/سبتمبر الماضي وبينما كان لا يزال وقف إطلاق النار سارياً كان معدّل الهجمات منخفضاً. لكنّ المعدّل ارتفع مجدّداً في أعقاب التدخّل التركي في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، لأنّ "داعش" ينشط في وقت غياب الاستقرار. وفي كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي، تراجعت وتيرة العمليات المضادة لـ"داعش" لمستوى أدنى بكثير مقارنة بنفس الشهر من عام 2018 وأدّى ذلك لإهدار جانب كبير من التقدّم والاستقرار الذي كان قد تم إحرازهما على مدار العام المنصرم. وعاد التنظيم الإرهابي لاسترداد قواه".

المناطق الريفية من دير الزور

يتشابه نمط عمل "داعش" في العراق مع أسلوبه في سوريا، مع فارق أنّ التنظيم الجهادي نجح في تعزيز مواقعه بالمناطق الريفية على الأراضي السورية وتحديداً في محيط دير الزور. وقد أظهرت وثيقة أعدّها "مركز روجافا للمعلومات" بشكل تفصيلي كيف يتّبع "داعش" نمطاً أشبه بالأرجوحة في شنّ عملياته بهدف تشديد الخناق على المدينة بعد استجماع قواه. وفي الأرياف ومحيط دير الزور الواقعة على ضفة نهر الفرات، 450 كلم شمال شرقي العاصمة السورية دمشق، يعيد "داعش" ترتيب أوراقه وحشد قواه إثر تغيير تكتيكاته والارتداد للجذور بالعمل بأسلوب حرب العصابات وهي الطريقة التي حقّق بها نجاحات كبيرة إثر الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. اضرب وفرّ وانشر الخوف والفزع وانتظر اللحظة المناسبة.

يقول أحد الباحثين في "مركز روجافا للمعلومات" ومقرّه مدينة القامشلي بسوريا "يقتحمون القرى والمدن الصغيرة تحت ستار الليل بل إنّهم ما زالوا يمارسون جباية الضرائب في بعض المدن. أما خلال ساعات النهار فإنّهم يختبئون في المناطق القاحلة غير المأهولة. أغلب الجهاديين الذي تلقي قوات "تحالف سوريا الديمقراطية" القبض عليهم هم من المحليين، رغم أنّه في بعض الأحيان، على الأقل حتى نهاية العام الماضي، كان يجرى اعتقال بعض العراقيين بل والغربيين من دول مثل بلجيكا. ومن بين قيادات التنظيم التي سقطت في أيدي التحالف مؤخّراً يبرز قائد عمليات تهريب النفط في المنطقة، ما يقدّم صورة عن كيفية حصول التنظيم على التمويل وكيف لا يزال محتفظاً بقوامه نسبياً إلى الآن".

بعبارة أخرى، لا يعني عدم القدرة على شنّ ضربات منظّمة ذات وقع قوي رداً على التدّخل التركي، حتى رغم العمليات الفردية والكثير من الهراء، تعرّضهم للهزيمة مثلما تم الادعاء العام الماضي. ويضيف الباحث "في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وعقب التدخّل التركي في شمال سوريا، هدّد الجهاديون بمهاجمة مخيم الهول حيث يُحتجز الكثير منهم، لكن لسبب ما لم تُنفّذ العملية. بينما يصل عدد ليس صغيراً من الأفراد باستمرار إلى إدلب. وهم مزيج بين الخلايا النائمة والمهرّبين الذين يحقّقون مكاسب لا حصر لها من تهريب أي شيء يخطر على البال".

في دير الزور، يحصل الجهاديون على دعم ملحوظ من جانب السكان الذين يعيشون في كبرى مدن شرق سوريا وحيث يقطنها 211 ألف نسمة. بالطبع يتعاون المحلّيون أيضاً مع تحالف "قوات سوريا الديمقراطية" خصوصاً في الهجمات التي تعتمد بنسبة كبيرة على المعلومات التي تقدّمها الاستخبارات المحلية. وبالفعل بدأ "داعش" في شن حملة ضد المتعاونين الذين يعملون لصالح الإدارة المحلية الكردية. ويستهدف الجهاديون تحديداً المتعاونين مع "قوات سوريا الديمقراطية" رغم أنّ ذلك لم يمنعهم من قتل كبار السن والمعلّمين. وجرت عشرات من وقائع القتل من هذا النوع خلال الأشهر الأخيرة.

ورداً على ذلك، يشنّ تحالف "قوات سوريا الديمقراطية" أيضاً من جانبه عملية بين الحين والآخر في محافظة دير الزور كما يعمل على تجنيد المزيد من العرب سواء في المهام العسكرية أو حتى التطوّع كمدنيين.

على صعيد آخر، فإنّ وجود المعقل الأساسي للتنظيم في المناطق الريفية من دير الزور لا يعني أنّه لا وجود له في مناطق أخرى تخضع بالكامل لسيطرة الحكومة التي يقودها الأكراد وكذلك في مدن أخرى تقع في الشرق مثل الرقة حيث لا يزال هناك مؤيدون لـ "داعش" بها، كما أنّ التنظيم له حضور أيضاً في القامشلي عاصمة الإدارة الكردية "روجافا" وحيث توجد عائلات كثيرة لا تتورّع عن إخفاء تعاطفها العلني مع تنظيم "جبهة النصرة" الإرهابي.

وإجمالاً شهدت سوريا وحدها العام الماضي 906 هجوم نفّذتها خلايا نائمة، أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن 683 منها. ويقدّر عدد ضحايا هذه الاعتداءات بـ406 قتيلاً، فيما أمكن القبض على 581 عنصراً إرهابياً.

نقاط تفتيش زائفة

بالمثل، تسبّب التدخّل التركي في دفع تنظيم "داعش" المعدّل للدخول في مواجهة مفتوحة أكثر، لا سيما في دير الزور، وكذلك في الحسكة حيث يتعرّض عدد من التجّار والمحلّيين للابتزاز في وضح النهار حالياً. أما في العراق، فقد ذهب التنظيم في نسخته الجديدة لما هو أبعد من ذلك وبات يحصل على المال عن طريق سرقة السيارات بعد نصبه نقاط تفتيش زائفة يرتدي فيها عناصر التنظيم الزي الخاص بعناصر ميليشيات "الحشد الشعبي" وهو تحالف من عدة ميليشيات. وبعد سرقة سياراتهم، يُعثر على ركّابها قتلى في أغلب الأحوال.

يمتلك تنظيم داعش أيضاً طريقة ما لنقل الأسلحة والأموال وأي شيء حرفياً عبر الحدود. وسواء في العراق أو سوريا، لا يزال التنظيم يدفع المال لأرامل وأيتام المقاتلين الذين لقوا مصرعهم، وهو ما يعني أنّ الإرهابيين لا تزال لديهم قدرات مالية. والهدف من هذه الإعانات بالطبع واضح للغاية ألا وهو ضمان ولاء الجيل الجديد من الإرهابيين.


مصادر الترجمة عن الإسبانية:

ttps://bit.ly/3bSMato ، https://bit.ly/38TKAWu

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية