السودان: الخارجية بين أيدي الدبلوماسية "الناعمة".. فهل المشاركة النسائية منصفة؟

السودان

السودان: الخارجية بين أيدي الدبلوماسية "الناعمة".. فهل المشاركة النسائية منصفة؟

مشاهدة

08/09/2019

لم يكن أمام رئيس وزراء حكومة التكنوقراط الانتقالية بالسودان، عبد الله حمدوك،  من بُدٍّ إلاّ فتح الباب واسعاً للنساء ليعبرن إلى حكومته، ولو بنسبة غير مُرضية لأطرافٍ كثيرة، بعد أنْ كانت قوى إعلان الحُريّة والتغيير تقاوم ذلك، كما بدا الأمر للمراقبين والراصدين لتحرّكاتها أثناء المشاورات التي سبقت الإعلان عن الحكومة.

يسجل كثيرون لحمدوك ثنيه الأحزاب السياسية المتحالفة ضمن قوى إعلان الحرية والتغيير عن نيتها إقصاء المرأة

يسجّل كثيرون لعبد الله حمدوك، أنّه أستطاع ثني الأحزاب السياسية المتحالفة ضمن قوى إعلان الحرية والتغير عن نيّتها إقصاء المرأة، وتهميش سكان أقاليم السودان البعيدة التي يعاني مواطنوها  الفقر والعوز والإقصاء،  لولا إصرار رئيس الوزراء على فرض امرأة وزيرة للخارجية كأول سودانية تتولى هذه الوزارة المهمة، وثالث امرأة على مستوى البلدان العربية بعد الموريتانيتين الناها بنت مكناس وفاطمة فال بنت أصوينع، اللتين تولتا حقيبة الخارجية في بلدهما في السنوات الماضية. كما فرض عبد الله حمدوك نساءً أخريات في ثلاث وزارات أخرى.

اقرأ أيضاً: السودان ينهض
أعلن حمدوك، الخميس 5 أيلول (سبتمبر) الجاري، عن تشكيلة أول حكومة من 20 حقيبة وزارية منذ الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير في 11 نيسان (أبريل) الماضي، لفترة انتقالية تمتد إلى 39 شهراً، وقد سمّى حمدوك 18 وزيراً ووزيرة، وأجّل الإعلان عن اثنين آخرين – ليعلن عنهما بشكل منفصل لاحقاً – ليمثلا أقاليم شرق السودان وجنوب النيل الأزرق المهمشة.
وزيرة الخارجية أسماء عبد الله

أربع وزيرات
وتضمنت حكومة حمدوك بين طاقمها أربع وزيرات بينهن أسماء محمد عبد الله وزيرة الخارجية التي التحقت بهذه الوزارة العام 1971، وعملت في مختلف الأقسام بالوزارة إلى أن فُصلت عن العمل العام 1991 تحت قانون "الفصل للصالح العام" الذي سنّه نظام الإخوان المسلمين منذ انقلابه على الديمقراطية العام 1989، وعملت أسماء ضمن البعثات الدبلوماسية السودانية إلى الخارج في النرويج والمغرب ودول أخرى، وشغلت منصب سفيرة السودان إلى النرويج، وبعد فصلها من وزارة الخارجية استقرت بالمغرب برفقة عائلتها، قبل أن تعود إلى الخرطوم مُجدداً لتؤسس مكتباً خاصاً للترجمة، وقد اقترحها رئيس الوزراء لتسنم حقيبة الخارجية.
بجانب أسماء، تم تسميّة كل من: ولاء البوشي وزيرةً للشباب والرياضة، وانتصار الزين صغيرون وزيرةً للتعليم العالي، ولينا الشيخ للتنمية الاجتماعية.
لينا الشيخ وزيرة التنمية الاجتماعية والعمل

الأكثر تضرراً من نظام الإخوان
وفيما يدور جدل كثيف حول نسبة تمثيل النساء في الوزارة الانتقالية، بين من يعتقد أنّها معقولة، وبين من يقول إنّها غير منصفة نظراً لمشاركة المرأة الكبيرة وغير المسبوقة في الثورة ضد نظام البشير؛ لأنّ النساء، بحسب الباحثة الاجتماعية  سامية سيف الدين، كُنّ أكثر شرائح المجتمع تضرراً من أفكار الإخوان المسلمين؛ "لذلك لم يترددن لحظة في مقارعة النظام والذود عن الثورة، والتضحية بأنفسهن وأبنائهن من أجل العيش بكرامة وحرية في ظل نظام يحترمهن ويتعامل معهن بندّية ولا ينظر إليهن كناقصات، ينبغي محاصرتهن داخل بيوتهن".

اقرأ أيضاً: المسيحيون في السودان.. هل انتهت حقبة القمع؟
وتضيف سامية في حديثها إلى "حفريات": الظروف القاسية والإقصاء المتعمد الذي عانت منه النساء السودانيات في ظل حكم البشير، علاوة على الأوضاع السياسية والاقتصادية والتدني المروّع في مستويات المعيشة والحريات العامة والخاصة، جعل النساء يخرجن ضد النظام بكثافة، حتى أطلق الكثير من المراقبين على الثورة السودانية (ثورة النساء)، لذا كنا نأمل أن يكون  تمثيلهنّ أكبر ضمن حكومة حمدوك.
وزيرة الشباب والرياضة ولاء البوشي

مشاركة لا تبدو منصفة
وفي هذا السياق، اعتبرت الصحفية والمحللة السياسية والناشطة في الحراك الثوري، دُرّة قمبو، أنّ مشاركة النساء في الحكومة الحالية "لا تبدو منصفة بالنظر إلى جحم مشاركتهن في الثورة وما قبلها؛ فنضال النساء طوال سنوات حكومة الإنقاذ وخبرتهن في تدبر سبل العيش وحتى المراوغة في وجه القوانين التي تستهدف حرياتهن بل ووجودهن، تجعلهن جديرات بحصة الأسد في أي تغيير ينتج سلطات حقيقية جديدة"، معتبرة، في حديثها إلى "حفريات"، أنّ صعود سيدة لمقعد الخارجية لأول مرة "سيبدو أمراً جيداً، لكن سيرتها تقول إنّها بعُدت عن المجال خلال العشرين عاماً الأخيرة، وتلك العشرون عاماً ستحيلنا لحقيقة أنّ الثورة التي برزت فيها شابات صغيرات السن؛ تعني أنّ طموح الشابات والشبان من الأجيال الجديدة يصعب تمثُلّها في أجيال قديمة، لكنها على كل حال خطوة معقولة".

دُرّة قمبو: مشاركة النساء في الحكومة الحالية لا تبدو مُنصفة بالنظر إلى حجم مشاركتهنّ في الثورة وما قبلها

وتستطرد قمبو "أما تولي الشابتين لينا محجوب الشيخ وولاء عصام البوشي وزراتي التنمية الاجتماعية والشباب والرياضة، فتُعدُ خطوة محسوبة من حمدوك وقوى الحرية والتغيير، ولا شك أنّها ستعزّز دور النساء خصوصاً في وزارة الشباب والرياضة التي تعاني تراجعاً للرياضة النسائية بالتضييق المستمر عليهن تاريخياً".
وبحسب قمبو: "قد ينظر لوجود لينا محجوب الشيخ في وزارة الشؤون الاجتماعية على أنّه تنميط أو فلنقل تحديد للنساء في مهام وزارية نمطية لكن حين نتذكر حجم الدمار الاجتماعي على المستوى الاقتصادي والنفسي والمادي فأمام تلك الشابة فرصة لإثبات وجودها كامرأة وشابة معاً في ظروف استثنائية كالمذكورة آنفاً، وأمامهما هي وولاء تحدي التعبير عن ثورة المرأة  الشابة في الفترة الانتقالية وعكس روح الثورة من مواقعهن".

اقرأ أيضاً: هل يشكّل التوافق بين السودانيين نموذجاً لحلّ أزمات المنطقة والإقليم؟
وتختتم دُرة قمبو قائلة: "لو أخذنا بعين الاعتبار سيرتهما الذاتية؛ فالشابتان مؤهلتان لتولي وزرات أكبر من هذه، لكن واقع الأمر إن وزارتي التنمية الاجتماعية والشباب والرياضية لهما أهمية كبيرة في المرحلة الحالية؛ فهما معنيتان بتقديم السودان إلى الخارج من جديد وابتداع نماذج جديدة في التغيير الاجتماعي والاقتصادي والمفاهيمي بما يتسق وروح الثورة وتطلعات الأجيال الجديدة".
امرأة نافست عمر البشير
إلى ذلك، أشار المحامي والناشط السياسي حاتم الياس، في حديثة إلى "حفريات"، إلى أنّ  للسودان تجربة قديمة ورائدة في إفريقيا والعالم العربي في تعاطي المرأة مع الشأن السياسي، أو وصولها بالفعل إلى مستويات سياسية برلمانية أو وزاريّة، وهو أمر يشمل جميع الحِقب تقريباً مدنية كانت أو عسكرية.

حاتم الياس: للسودان تجربة قديمة ورائدة في إفريقيا والعالم العربي في تعاطي المرأة مع الشأن السياسي

وأوضح الياس أنّ السودان شهد قيام تنظيمات وتجمعات نسائية قائدة منذ خمسينيات القرن الماضي، تُوجت بوصول امرأة في الدول العربية إلى البرلمان وهي فاطمة أحمد إبراهيم في العام ١٩٦٥، وبانقلاب جعفر نميري ١٩٦٩ تولت لاحقاً في منتصف السبعينات امرأة أخرى وهي فاطمة عبد المحمود وزارة التنمية الاجتماعية وهي نفسها رئيسة حزب الاتحاد الاشتراكي السوداني، وقد خاضت انتخابات رئاسية ضد الرئيس المعزول عمر البشير  2015، و"رغم أنّها كانت انتخابات شكلية، لكنها سمحت لامرأة أن تنافس الرئيس، فذلك لا يحدث في الكثير من الدول العربية على ما أظن".


الصفحة الرئيسية