لماذا تم إخفاء تاريخ مسلمي أمريكا القدماء؟

لماذا تم إخفاء تاريخ مسلمي أمريكا القدماء؟
13088
عدد القراءات

2019-09-09

ترجمة: كريم محمد


كانت الكلمات الأولى التي مُرِّرت بين الأوروبيين والأمريكيين (أُحاديّةً ومرتبكةً كما وجب أن تكون) مشفوعةً باللغة المقدّسة للإسلام، وقد أملَ كريستوفر كولومبوس في الإبحار إلى آسيا، واستعدّ للتواصل مع محاكمها الكبرى بإحدى اللغات الرئيسة للمتاجرة الأوراسية، لذلك؛ عندما تحدّث شارح كولومبوس، اليهوديّ الإسباني، إلى التاينو، تحدّث باللغة العربيّة، ولا يقتصر الأمر على لغة الإسلام فحسب؛ بل على الأرجح أنّ الدينَ نفسه قد وصلَ أمريكا عام ١٤٩٢؛ أي قبل أكثر من عشرين عاماً من وضع مارتن لوثر خطابه على الباب، مشعلاً مسيرة الإصلاح البروتستانتي.

على الأرجح أنّ الدينَ نفسه قد وصلَ أمريكا ١٤٩٢ أي قبل أكثر من 20 عاماً من وضع مارتن لوثر خطابه الإصلاحي

احتلّ البرابرةُ، المسلمون الأفارقة والعرب، الجزء الأكبر من شبه الجزيرة الأيبيرية، عام 711، وأنشؤوا ثقافة إسلاميّة استمرّت قرابة ثمانية قرون، وبحلول أوائل عام 1492، أكمل ملوك إسبانيا، فرديناند وإيزابيلا، حروب الاسترداد (سقوط الأندلس)، وهزموا آخر الممالك المسلمة، ألا وهي غرناطة، وبحلول نهاية القرن، كانت محاكم التفتيش، التي كانت قد بدأت قبل قرن، قد أرغمت ما بين ثلاثمئة وثمانمئة ألف مسلم (وربما ما لا يقلّ عن سبعين ألف يهوديّ) على اعتناق المسيحيّة، وغالباً ما كان الكاثوليك الإسبان يشتبهون في أنّ هؤلاء الموريسكوس، أو أتباعهم، كانوا يَدينون بالإسلام (أو باليهودية) سرّاً، وطاردتهم محاكم التفتيش واضطهدتهم، ومن المؤكَّد أغلب الظنّ؛ أنّ البعض قد أبحر مع رهط كولومبوس، حاملين الإسلامَ في عقولهم وأفئدتهم.

مارتن لوثر

لقد خلّفت ثمانية قرون من الحكم الإسلاميّ إرثاً ثقافياً عميقاً في إسبانيا، وواضحٌ من خلال طرق جليّة، ومدهشة في بعض الأحيان، خلال الفتح الإسباني للأمريكيّتين.

أعجب بيرنال دياز ديل كاستيلو، مؤرخ غزو هيرنان كورتيس لأمريكا الوسطى، بأزياء الراقصات الأصليات من خلال كتابته: "muy bien vestidas a man man y y que parecían moriscas"، أو "يرتدي ملابسهن بطريقته الخاصة، بدا وكأنّه نساء مغاربيات"، استخدم الإسبان بشكل روتيني "mezquita" (الإسبانية للمسجد) للإشارة إلى المواقع الدينية الأمريكية الأصلية، أثناء سفره عبر أناهواك (تكساس والمكسيك اليوم)؛ ذكر كورتيس أنّه شاهد أكثر من 400 مسجد.

مثّل الإسلام ضرباً من المخطّط بالنسبة إلى الإسبان في العالم الجديد وغدت بعض أفكاره نهجاً يتعاملون مع العالم به

مثّل الإسلام ضرباً من المخطّط أو الخوارزميّة بالنسبة إلى الإسبان في العالم الجديد، وغدت بعض أفكار الإسلام بمثابة نهج يتعاملون مع العالم به؛ ففي حين أنّهم كانوا يواجهون بشراً وأشياء جديدةًعليهم، فإنّهم التفتوا إلى الإسلام فلربّما يفهمون عن طريقه ما كانوا يرون، وما كان يحدثُ لهم، يشيرُ إلى ذلك استعمالهم لكلمة "كاليفورنيا"، وما قد ينطوي عليه أصله من جذور عربيّة؛ فالإسبان أطلقوا الاسم، عام ١٥٣٥، من رواية "Deeds of Esplandian" "مآثر إسبلانديان"، وهي رواية رومانسيّة ذائعة الصيت بين الغزاة، تستعرضُ جزيرةً غنيّةً، هي كاليفورنيا، يحكمها الأمازون السود وملكتهم كالافيا، وقد نُشرت هذه الرواية في إشبيلية، وهي المدينة التي كانت، لقرون عدّة، جزءاً من الخلافة الأموية (انتبهوا إلى كلمات: الخليفة، كالافيا، كاليفورنيا).

خريطة 1719 لماريلاند وفرجينيا وخليج تشيسابيك

وفي كافّة أنحاء نصف الكرة الغربيّ، أينما وصلوا إلى أراضٍ جديدة أو واجهوا شعوباً أصليّة، قرأ الغزاة الإسبان عليهم المطالب، وهي إعلانٌ قانوني بليغ؛ هذه المطالب تنطوي، في جوهرها، على بيان بإعلان وضع جديد للمجتمع: إتاحة الفرصة للأمريكيين الأصليين للتحول إلى المسيحية والخضوع للحكم الإسبانيّ، أو تحمّل المسؤولية عن كلّ "الوفيات والخسائر" التي ستلحق ذلك، والحال؛ أنّ الإعلان الرسميّ والعموميّ عن نيّة الغزو، بما في ذلك العرض على غير المؤمنين بفرصة الاستسلام ويصبحون مؤمنين، هو المطلب الرسمي الأوّل للجهاد، وبعد قرون من الحرب مع المسلمين، تبنّى الإسبان هذه الممارسة، وصبغوها بصبغة مسيحيّة، وسمّوها المطالب، وأخذوها إلى أمريكا معهم، ربّما اعتقد المسيحيون الأيبيريّون أنّ الإسلام خاطئ، إلّا أنّهم كانوا يعرفونه جيداً، وحتّى لو أنّهم رأوه غريباً عنهم، إلّا أنّه وجب عدّه بمثابة غرابة شديدة الألفة بالنسبة إليهم.

اقرأ أيضاً: وكانت أمريكا مسلمة قبل اكتشاف كولومبوس للقارة

ومع حلول عام ١٥٠٣، كان مسلمو غرب إفريقيا أنفسهم قد أتوا إلى العالم الجديد، في ذلك العام، كتب حاكم هيسبانيولا الملكيّ إلى إيزابيلا، يطلب تقليص استيرادها للمستعبدين المسلمين؛ فقد كانوا، كما كتبَ في رسالته، "مصدراً للعار بالنسبة إلى الهنود"؛ فإنّهم "قد فرّوا من ملاكهم"، مراراً وتكراراً، كما كتب.
وفي صباح يوم عيد الميلاد، 1522، في أول تمرّد للعبيد في العالم الجديد؛ حيث ثار نحو عشرين عبداً من عبيد هيسبانيولا العاملين في حقول السكّر، وبدؤوا في ذبح الإسبان، وكما أشار الحاكم؛ فإنّ المتمردين كان معظمهم من الولوف، أحد شعوب سنغامبيا، التي اعتنق أهلها الإسلام منذ القرن الحادي عشر.

نسيان مسلمي أمريكا القدماء هو شيء أكثر من مجرّد شأن سريّ وعاقبة ذلك على صلة وثيقة بمسألة الانتماء السياسيّ اليوم

والحال؛ أنّ المسلمين كانوا أكثر تأهّلاً من غيرهم من الأفارقة المستعبدين دراية بالقراءة والكتابة، وهي قُدرةٌ قلّما حبّذها مُلّاك المزارع، وفي العقود الخمسة التي تلت تمرد العبيد، عام 1522، على هيسبانيولا، أصدرت إسبانيا خمسة مراسيم تحظر استيراد العبيد المسلمين.

بعد ذلك؛ وصل المسلمون إلى أمريكا قبل أكثر من قرن من تأسيس شركة فرجينيا لمستعمرة جيمس تاون، عام 1607، وجاء المسلمون إلى أمريكا قبل أكثر من قرن من تأسيس البيوريتانيين في مستعمرة خليج ماساتشوستس، عام 1630؛ فالمسلمون لم يكونوا يعيشون في أمريكا فقط قبل البروتستانت، بل أيضاً قبل أن تكون البروتستانتيّة موجودة؛ فبعد الكاثوليكية، كان الإسلام هو الديانة التوحيديّة الثانية في الأمريكيَّتين.

المسلمون كانوا أكثر تأهّلاً من غيرهم من الأفارقة المستعبدين دراية بالقراءة والكتابة

إنّ سوء الفهم الشائع حتّى في الأوساط المتعلّمة، بأنّ الإسلامَ والمسلمين هما بمثابة إضافات حديثة لأمريكا، يخبرنا بأشياء مهمّة بشأن التاريخ الأمريكي المكتوب؛ فهو يكشف، بشكلٍ خاص، كيف برّر المؤرّخون واحتفلوا ببزوغ الدولة-الأمّة الحديثة؛ فقد كانت إحدى الطرق للتضخيم من أمريكا هي التقليل من عدم الضخامة وعدم التجانس (الكزومباليتانيّة والتنوع والوجود المشترك المتبادل بين الشعوب)، في أمريكا أثناء الثلاثمئة عام الأولى للوجود الأوروبيّ.

سوء الفهم الشائع بأنّ الإسلامَ والمسلمين هما بمثابة إضافات حديثة لأمريكا يخبرنا بأشياء مهمّة بشأن التاريخ الأمريكي المكتوب

كما أنّ كتابة التاريخ الأمريكيّ أيضاً هيمنَت عليها المؤسّسات البوريتانيّة، لربّما لم يعد هذا الأمر صحيحاً تماماً الآن، كما كان قبل 100 عام، حين اشتكى المؤرخ الأمريكي (الجنوبي)، أولريك بونيل فيليبس، من كون ولاية بوسطن هي التي كتبت التاريخ الأمريكي، وأنَّ ما كتبته جاء خاطئاً إلى حدٍّ بعيد، بيد أنّ الأمر عندما يتعلّق بتاريخ الدين في أمريكا، فإنّ عواقب هيمنة المؤسسات البوريتانيّة الرائدة في بوسطن (جامعة هارفرد) ونيو هيفن (جامعة يِلْ) تظلّ مهولةً؛ هذا "الأثر البوريتاني" على رؤية الدين وفهمه في تاريخ أمريكا المبكّر (وأصول أمريكا)، يقوم بتشويه حقيقيّ؛ حيث يصبح الأمر كما لو كان علينا، ولا بدّ من أن نُسلّم التاريخ السياسيّ للقرن العشرين إلى التروتسكيين.

يجب التفكير في التاريخ باعتباره يمثل عمق واتساع التجربة البشريّة، كما حدث بالفعل؛ فوحده التاريخ يجعل العالَم أو المكان أو الشعب بائنين كما هم عليه، أو على ما كانوا عليه، وعلى النقيض من ذلك؛ يجب التفكير في الماضي على أنّه قطعٌ أو أجزاء من التاريخ يختارها مجتمعٌ ما من أجل تصديق نفسه، والتأكيد على أشكال حكمه ومؤسّساته وأخلاقه المهيمنة.

اقرأ أيضاً: نداءات في ألمانيا: المسلمون غير آمنين!

بالتالي؛ إنّ نسيان مسلمي أمريكا القدماء، هو شيء أكثر من مجرّد شأن سريّ، وعاقبة ذلك على صلة وثيقة بمسألة الانتماء السياسيّ اليوم؛ فتاريخ الأمم ليس أضرحةً أو صناديق رفاتٍ لحفظ الموتى أو تذكاراتهم، بل التاريخ هو شيءٌ حيّ، من الأجدر به كما تشكَّل أن يتجدد، وإلا اندثرَ واختفى؛ فقد أخفى احتكار الإنجيليين البروتستانتيين الفعليّ لتاريخ الدين في أمريكا حضور المسلمين الذي استمر لخمسمئة عام، وجعل من الصعب رؤية إجاباتٍ واضحةٍ لأسئلة مهمة بشأن: مَن ينتمي إلى أمريكا؟ ومَن الأمريكيّ؟ وحول معايير الانتماء، ومَن يملك حقّ إقرارها؟

يجب التفكير في التاريخ باعتباره يمثل عمق واتساع التجربة البشريّة كما حدث بالفعل

فماذا تعني "أمريكا"؟ أو ماذا يعني "أمريكي"؟ يشيرُ مشروع معهد "أوموهوندرو" لـ "أمريكا الضخمة المبكرة"، والمعهد هو المنظمة العلميّة الرائدة في التاريخ الأمريكيّ المبكّر، إلى إجابة واحدة محتملة؛ فـ "أمريكا المبكرة، و"الأمريكي"؛ هما مصطلحان كبيران وعامّان، ولكن ليس إلى حدّ أن يكونا بلا معنى؛ فيجب فهمهما، تاريخياً، أفضل الفهم، على أنّهما التصادم العظيم والاختلاط والغزو بين شعوب (وحيوانات وميكروبات) أوروبا وإفريقيا مع شعوب ومجتمعات نصف الكرة الغربيّ، من منطقة البحر الكاريبيّ إلى كندا، التي بدأت عام ١٤٩٢؛ فمن عام ١٤٩٢ إلى عام ١٨٠٠، على أقلّ تقدير، فأمريكا هي أمريكا العظمى، أو أمريكا الضخمة المبكرة.

تاريخ الأمم ليس أضرحةً أو صناديق رفاتٍ لحفظ الموتى أو تذكاراتهم بل التاريخ هو شيءٌ حيّ من الأجدر به كما تشكَّل أن يتجدد وإلا اندثرَ واختفى

كان المسلمون جزءاً من أمريكا العظمى من البداية، بما فيها تلك الأجزاء التي ستغدو، بعدئذٍ، الولايات المتحدة الأمريكية، وكان من هؤلاء المسلمين؛ مصطفى الزموري، المسلم العربيّ ذو الأصول المغربية، والذي وصل إلى فلوريدا عام 1527، عبداً في حملة إسبانية بائسة، قادها بانفيلو دي نارفاييث، واقفاً ضدّ كلّ الصعاب، نجا الزموري وأسّس حياة لنفسه، مترحلاً من سواحل المكسيك عبر ما يُعرف الآن بالجنوب الغربيّ للولايات المتحدة، وعبر منطقة أمريكا الوسطى أيضاً، وتكبّد الزموري مشاق العبوديّة لأهل البلد الأصليين، قبل أن يكوّن نفسه كرجل طيب محترم وذائع الشهرة والصيت.

وفي عام ١٥٢٤؛ نشر كابيزا دي فاكا، وهو أحد الناجين الأربعة من حملة نارفاييث، أوّل كتاب أوروبيّ يكرسه صاحبه للحديث عن أمريكا الشمالية؛ هذا الكتاب الذي عُرف بعد ذلك بعنوان "مغامرات في مجاهل أمريكا" ( Adventures in the Unknown Interior of America)؛ حيث يروي فيه دي فاكا أخبارَ الكوارث التي حلّت بالغزاة، وأعوام الأسر الثمانية التي أمضاها الناجون في ترحالهم عبر مناطق شمال أمريكا ووسطها.

اقرأ أيضاً: كيف رأى المسلمون الأوائل الفنون؟
ويقرّ دي فاكا بكيف أنّ الزموري أصبحَ شخصاً لا يمكنهم الاستغناء عنه، فكما كتب دي فاكا: "كان العبد الزنجي هو من يتحدّث إليهم طيلة الوقت"، والـ "هم" ههنا إنّما هي عائدةٌ على الأمريكيين الأصليين، ومن ثمّ، تمثّلت براعة الزموري في اللغات المحلية، التي هي ما أنقذ حياة الرجال، حتى أنَّها فتحت لهم أبواباً لنوعٍ من رغد العيش بعدئذٍ.

إخفاء التاريخ جعل من الصعب رؤية إجابات واضحة لأسئلة مهمة بشأن: مَن ينتمي إلى أمريكا؟ ومَن الأمريكيّ؟

لعلّ الزموري شاهدَ مما يمثل الولايات المتحدة الحالية وأراضيها وأهلها أكثر بكثير مما شهده أيٌّ من "الآباء المؤسسين" لأمريكا؛ بل أكثر منهم مجتمعين.
تروي ليلى العلمي المزيد والمزيد من تفاصيل تلك الرحلة في روايتها المتميزة "حكاية المغربيّ" (The Moor’s Account)، الصادرة عام 2014، والتي تتعقب فيها الزموري من مرحلة الطفولة في المغرب، ثمّ استقراره في إسبانيا، حتى نهايته الغامضة في الجنوب الغربي الأمريكيّ، وإذا كان هناك شيءٌ يمكن أن يوصف بأنَّه أفضل نسخة تجسّد روح الريادة الأمريكية، أو تطلعها الذي لا يعرف حدّاً، وتعكس تجربةً ملهمةً في القدرة على التكيف والابتكار، التجربة الجديرة بأن توسم بها أمّة، أو مجموعة من الناس، فإنّه من الصعب بمكان أن تجد شخصيةً تمثّل ذلك أفضل من الزموري.

أخفى احتكار الإنجيليين البروتستانتيين الفعليّ لتاريخ الدين في أمريكا حضور المسلمين الذي استمر لخمسمئة عام

في الفترة بين عامي 1675 و1700، سمحت بدايات تكوّن المجتمع الزراعي في تشيسابيك لتجار الرقيق بجلب أكثر من 6000 إفريقي لفرجينيا وماريلاند، ودفعت هذه الطفرة في التجارة إلى تغيير مهم في الحياة الأمريكية.
وفي عام 1668؛ كان عدد العبيد من البيض في تشيسابيك يفوق عدد العبيد السود بمقدار خمسة إلى واحد، وبحلول 1700 انعكست هذه النسبة؛ إذ جاء المزيد من الأفارقة إلى تشيسابيك خلال الأربعة عقود الأولى من القرن الثامن عشر، وبين عامي 1700 و1710؛ أدّى نموّ الثروة الزراعة إلى استيراد 8000 آخرين من الأفارقة المستعبَدين، وبحلول 1730 جاء 2000 عبد، على الأقل، كلّ عام إلى تشيسابيك.

اقرأ أيضاً: مسلمو الإيغور: الصين تفصل الأطفال المسلمين عن عائلاتهم

كانت تشيسابيك الأمريكية تتحول من مجتمع يضمّ العبيد (أغلب المجتمعات في التاريخ البشري كانت تضمّ العبيد)، إلى مجتمع عبيد، وهو أمر غير عادي تماماً؛ ففي مجتمع العبيد، تكون العبودية الأساس للحياة الاقتصادية، وتمثّل علاقة السيد والعبد علاقة اجتماعية نموذجية، ومثالاً للآخرين.

الجيل الأول من الأفارقة الذين جُلبوا إلى أمريكا الشمالية كانوا يعملون في الحقول جنباً إلى جنب، وينامون تحت سقف سيّدهم نفسه، وهم أيضاً، كما أشار المؤرخ إرا برلين في عدة آلاف ذهبوا (1998)، يسعون بحماس للتحول إلى المسيحية، كانوا يأملون أن يساعدهم التحوّل في حماية مكانتهم الاجتماعية.
جاء الأفارقة، الذين جلبوا أواخر القرن السابع عشر وخلال النصف الأول من القرن الثامن عشر، للعمل كعبيد في فرجينيا ووماريلاند وكارولاينا، من أجزاء مختلفة من إفريقيا، أو من الهند الغربية، أكثر من الأجيال المُستأجرة السابقة، وكان أغلبهم مسلمين، وأقلّ احتمالاً لأن يكونوا من أصول مختلطة.

اقرأ أيضاً: هل يدفع المسلمون ثمن الصراع الصيني الهندي حول سريلانكا؟
المبشرون والمزارعون في القرن الثامن عشر اشتكوا من أنّ هذا "الجيل المزارع" أظهر اهتماماً أقلّ بالمسيحية، كما انتقد المبشرون والمزارعون ما عدّوه ممارسة "طقوس وثنية"، يمكن للإسلام، إلى حدٍّ ما، الاستمرار في هذه المزارع الخاصة بمجتمع العبيد الأمريكي.

إذا كان الغربُ يعني جزئياً نصف الكرة الغربيّ أو أمريكا الشماليّة فإنّ المسلمين كانوا جزءاً من مجتمعاته منذ البداية

وبالمثل؛ في عامَي 1719 و1731، استفاد الفرنسيون من الحرب الأهلية في إفريقيا الغربية لأسر الآلاف؛ حيث جلبوا ما يقارب 6000 أسير إفريقي مباشرة إلى لويزيانا، أغلبهم جاؤوا من فوتا تورو، منطقة حول نهر السنيغال الممتد حالياً بين موريتانيا والسنغال، وصل الإسلام إلى هذه المنطقة في القرن الحادي عشر.
عرفت فوتا تورو منذ ذلك الوقت بعلمائها وفصائلها الجهادية ثيوقراطياتها، بمن فيها إمامة فوتا تورو، التي استمرت منذ 1776 حتى 1861، وفي أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر كانت أصداء الصراعات في غولد كوست (ما يعرف الآن بغانا) وهاوس لاند (المعروفة حالياً بنيجيريا) تتردّد في الأمريكيتين.

لعلّ الزموري شاهدَ مما يمثل الولايات المتحدة الحالية وأراضيها وأهلها أكثر بكثير مما شهده أيٌّ من "الآباء المؤسسين" لأمريكا

في السابق؛ هزم الآسانتي تحالف المسلمين الأفارقة، ولاحقاً، فاز الجهاديون أخيراً ولكن من خلال عملية أفقدتهم الكثير من رفاقهم لصالح تجارة العبيد والغرب. 

أيوب سليمان ديالو؛ أبرز شخصية مسلمة في القرن الثامن عشر في شمال أمريكا، كان من الشعب الفولاني، مسلمون من غرب إفريقيا، في بداية القرن السادس عشر؛ أسر التجار الأوروبيون العديد منهم، وأرسلوهم ليتم بيعهم في أمريكا، ولد ديالو في بوندو، منطقة بين السنغال ونهر غامبيا، في ظلّ ثيوقراطية إسلامية، وأُسر من قبل تاجر رقيق بريطاني، في 1731، وبيع لمالك عبيد في ماريلاند.
لاحظ مبشّر أنّ ديالو يكتب العربية، فعرض عليه شرب النبيذ ليرى إن كان مسلماً أم لا، لاحقاً، كتب محامٍ قصة استرقاق ديالو ونقله إلى ماريلاند، وتحويل اسمه من أيوب إلى جوب، واسم عائلته سليمان إلى ابن سليمان، وبهذه الطريقة أصبح أيوب سليمان جوب بن سليمان.

اقرأ أيضاً: مسلمو الصين: رموز على الشاشة أرقام في المعسكرات

وبهذه الطريقة، شهدت تجربة الاسترقاق تحويل العديد من الأسماء العربية إلى أسماء إنجليزية؛ والأسماء القرآنية تحوّلت إلى شيء مشابه لما ورد في إنجيل نسخة الملك جيمس.
موسى أصبح موسس، وإبراهيم أصبح أبراهام، وأيوب أصبح جايكوب أو جوب، وداوود أصبح دايفيد، وسليمان أصبح سولومون، وهكذا.

أشارت توني موريسون للممارسة التي تعرضت لها الأسماء الإسلامية في روايتها "نشيد سليمان" (1977)، وجاء عنوان الرواية من أغنية شعبية تحمل أدلة على تاريخ بطلها، ميلك مان ديد وعائلته، المقطع الرابع من الأغنية يبدأ بأسماء أخذت من الأفارقة المسلمين العبيد، في فيرجينيا وماريلاند وكنتاكي وكارولاينا، وأماكن أخرى في أمريكا، وبالتالي؛ فإنّ نشيد سوليمون كان ربما أيضاً أول نشيد لسليمان.

اقرأ أيضاً: مسلمو أوروبا بين التطرف الإسلاموفوبي وعنف الجماعات الإسلاموية

كانت إعادة التسمية (أحياناً تتم بطريقة مهينة أو مزعجة) أداة مهمة لسلطة صاحب المزرعة، ونادراً ما يتم إهمالها، ومع ذلك، عبر أمريكا الشمالية؛ بقيت الأسماء العربية جزءاً من السجل التاريخي، فسجلات محكمة لويزيانا لقرني الثامن عشر والتاسع عشر أظهرت إجراءات تتعلق بالمنصور وسومان وأماديت وفاطمة وياسين وموسى وبكري ومعمري وآخرين.
وتظهر سجلات محكمة جورجيا في القرن التاسع عشر إجراءات تتضمن أسماء؛ سليم وبلال، وفاطمة، وإسماعيل، وعليق، وموسى، وآخرين.

النزاعات حول ما هي الأمّة الأمريكيّة؟ ومَن ينتمي إليها؟ متواصلة وما تزال الإجابات مفتوحةً على مجموعة واسعة من الاحتماليّات

قضى نوبل بوكيت، عالم اجتماعي في القرن العشرين، حياته في جمع مادة إثنوغرافية عن الحياة الثقافية الإفروأمريكية، في كتابه "أسماء سوداء في أمريكا: الأصول والاستخدام"، وثّق بوكيت أكثر من 150 اسماً عربياً شائعياً بين المنحدرين من أفارقة الجنوب، أحياناً يكون للشخص اسم أنجليكي (اسم عبد) للاستخدامات الرسمية، بينما يسود الاسم العربي في الممارسة.

من الصعب معرفة إلى أيّ مدى ثبتت الأسماء العربية المتعلقة بممارسة دينية أو هوية، لكن من غير المرجَّح أنّها فصلت تماماً؛ كتبت جريدة في جورجيا، عام 1791، في إعلان عن عبد هارب، على سبيل المثال: "زميل زنجي جديد يسمى جيفري، أو إبراهيم"؛ نظراً للتحكّم الشديد الذي مارسه مالكو العبيد على التسمية، فقد كان هناك العديد من الرجال الذين يسمون "جيفري" بينما اسمهم الحقيقي هو "إبراهيم"، نساء كثيرات سمين "ماسي"، بينما اسمهنّ الفعلي هو "معصومة"، وهكذا.

قام لورينزو دو تيرنر، باحث في القرن العشرين في الغولا (لغة يُتحدث بها في الجزر قبالة الساحل الجنوب شرقي لأمريكا) بتوثيق ما يقارب من 150 اسماً من أصل عربي شائعة في هذه الجزر وحدها، تتضمن: أكبر، وعلي، وأمينة، وحامد، وآخرين، وكان اسم مصطفى شائعاً في المزارع في أوائل القرن التاسع عشر في كاليفورنيا.

أيّ بيان يخفي حقيقة المسلمين الأمريكيين بصرف النظر عن مدى حسن نيّته فإنّه نابعٌ من شوفينيّة مقصودة أو موروثة

الأسماء العربية لا تجعل المرء مسلماً بالضرورة، على الأقل في المغرب وبلاد الشام، التي تضمّ المسلمين والمسيحيين واليهود أيضاً، لكنّ انتشار الإسلام هو ما جلب الأسماء العربية لغرب إفريقيا، بالتالي؛ فإنّ أسماء أكبر وأمينة، أو على الأقل، آباؤهم وأجدادهم، كانوا مسلمين بكل تأكيد.

وبدافع الخوف؛ حاولت السلطات الإسبانية حظر العبيد المسلمين من مستعمراتها المبكرة في أمريكا، في مجتمعات العبيد الأكثر رسوخاً وأماناً في القرن الثامن عشر والتاسع عشر في أنجلو أمريكا، كان بعض أصحاب المزارع يفضلونهم، وفي كلتا الحالتين، كان السبب ذاته؛ أنّ المسلمين كانوا بمعزل، وحازوا سلطة ونفوذاً.

المسلمون تاريخياً هم الأمريكيون مثلهم مثل الأنجلو-بروتستانت ومسلمو أمريكا القدماء هم نماذج على الممارسات الفضلى والمُثل العليا من الدين الأمريكيّ

نصح أحد المنشورات "القواعد العملية للإدارة والعلاج الطبي للعبيد الزنوج في مستعمرات السكر" عام 1803، التي تركز على الهند الغربية، بأنّ المسلمين "بارعون في رعاية الماشية والخيل والخدمة المنزلية"، لكنّ "قلة منهم مؤهلون للعمل القاسي في الحقل، والذي لا ينبغي أن يمارسوه"، وأشار المؤلف إلى أنّ "كثيراً منهم في المزارع يتحدثون العربية".

دافع أحد ملاك العبيد في جورجيا، في أوائل القرن التاسع عشر، والذي ادّعى أنّه يقدّم نموذجاً مستنيراً للرقّ؛ من أجل جعل "قادة الديانة المحمدية سائقين أو زنزوجاً مؤثرين" في المزارع، وأبدى أنّهم سيظهرون "النزاهة لأسيادهم"، وقد ذكر هو وآخرون حالات لعبيد مسلمين انحازوا لصفّ الأمريكيين ضدّ البريطانيين، في حرب 1812.

بعض العبيد المسلمين، في القرن التاسع عشر في أمريكا، أصبحوا هم أنفسهم ملاك عبيد، ومدرسين، أو ضباطاً عسكريين في إفريقيا؛ إبراهيم عبد الرحمن كان عقيداً في جيش والده إبراهيم صوري، أمير أو حاكم في فوتا جالون، التي تعرف الآن بغينيا، لكن في عام 1788، وفي عمر 26 عاماً، أُسر عبد الرحمن في الحرب، واشتراه تجار بريطانيون، ونُقل إلى أمريكا، حيث أمضى عبد الرحمن 40 عاماً في جني القطن في ناتشيز في المسيسيبي، وكان مالكه، توماس فوستر، يطلق عليه "الأمير".

اقرأ أيضاً: هل يحتكر الإخوان المسلمون اقتصاد "الحلال" في أوروبا؟
عام 1826، وخلال سلسلة من الأحداث غير المرجَّحة، لفت عبد الرحمن أنظار جمعية الكولونيالية الأمريكية، وأُنشئِت هذه الجمعية لغرض ترحيل الأشخاص المنحدرين من أصول إفريقية في أمريكا، وإعادتهم إلى إفريقيا، وتشمل الجمعية العديد من كبار المحسنين، وبعضاً من أقوى سياسيّيها، وقد جمعت بين نمطي الوطنية البيضاء والعالمية المسيحية، وقد ضغطت الرابطة لما يزيد عن عامين على فوستر، الذي وافق أخيراً على تحرير عبد الرحمن، لكنّه رفض تحرير عائلته، وفي محاولة لجمع المال من أجل شراء حرية عائلته، ذهب عبد الرحمن إلى المدن الحرّة في الشمال الأمريكي؛ حيث شارك في فعاليات واستعراضات تهدف لجمع التبرعات، مرتدياً الزيّ "المغاربي"، وكاتباً الفاتحة، فاتحة القرآن، على ورقة للمانحين (دافعاً إياهم للاعتقاد بأنّها صلاة الربّ).

عبد الرحمن كان مسلماً ويتعبّد كالمسلمين، وعندما التقى بقادة الجمعية، أخبرهم بأنّه كان مسلماً، ومع ذلك منحه توماس جالاودت، ناشط إنجيلي بارز ومثقف تخرَّج من ييل، إنجيلاً باللغة العربية، ودعاه لأن يصليا معاً؛ من خلال اقتراح إمكانية العودة لإفريقيا، والحصول على فرصة عمل مربحة، ضغط آرثر تابان، من كبار محسني أمريكا، على عبد الرحمن كي يصبح مبشراً مسيحياً، ويساعد في توسيع إمبراطورية الإخوة تابان المربحة في إفريقيا.

وصفت مجلة "The African Repository and Colonial"؛ كيف أصبح عبد الرحمن "الرائد الرئيس للحضارة من أجل تنوير إفريقيا"؛ لقد رأوه يغرس "صليب المخلص على قمة جبال كونج!"، وهذا باختصار هو الأثر البروتستاني على العمل، أولاً؛ رفض دين وتحديد هويته، ثانياً؛ عملت المؤسسات القوية المتخصصة في الكتابة ومسك الدفاتر والنشر والتعليم (المهارات الأساسية في صياغة التاريخ) لتشويهه. 

اقرأ أيضاً: المسلمون في أوروبا وقضيّة الاندماج: لماذا يتفاوت الأمر من دولة إلى أخرى؟

قد تكون تفاصيل قصة عبد الرحمن غير عادية، لكنّ تجربته كمسلم أمريكي يواجه احتكاراً أنجلو بروتستانتي لتحويل دولة غير مسيحية إلى دولة "مسيحية"، وتطور الإسلام، جزئياً، ليعلو على الاختلافات اللغوية والثقافية الهائلة لإفريقيا وآسيا؛ عبد الرحمن كان يتحدث ستّ لغات، بينما، على النقيض من ذلك؛ فإنّ الأنجلو أمريكية الإنجيلية البروتستانتية ديانة أصغر وأضيق؛ حيث تبلورت في منطقة شمال الأطلسي المقيدة ثقافياً، وكانت في علاقة ديناميكية مع كلّ من الرأسمالية والوطنية، ولم تكن تهدف إلى تجاوز عدم التجانس؛ بل (كما حاول جالاودت وتابان مع عبد الرحمن) إلى التجانس.

المسلمون في أمريكا على عكس الأنجلو-بروتستانت قد اعترضوا على اضطهاد الآخرين بمن فيهم الأمريكيون الأصليون

كم شخصاً شارك تجربة عبد الرحمن؟ كم عدد المسلمين الذين كانوا موجودين في أمريكا لنقل بين عامي 1500 و1900؟ وكم منهم كان في أمريكا الشمالية؟ سيلفيانا ديوف هي مؤرخة كبيرة في هذا الموضوع، وقد كتبت في "خدام الله"، 1998، الذي يعدّ تخيلاً محافظاً؛ "كانت هناك مئات الآلاف من المسلمين في الأمريكيتين"، "وهذا ما يمكننا قوله عن الأرقام والتقديرات"، ومن العشرة ملايين مستعبَد إفريقي، الذين أرسلو إلى العالم الجديد، فإنّ أكثر من 80% منهم ذهبوا إلى منطقة البحر الكاريبي، أو البرازيل، ومع ذلك؛ فقد قدم مسلمون كثر إلى أمريكا، بادئ الأمر، أكثر مما جاء بريطانيون خلال ذروة الكولونيالية البروتستانتية.

اقرأ أيضاً: كيف عالج المسلمون في كندا أزمة التمويل الشرعي لشراء مساكنهم؟
شهدت ذروة الاستيطان البروتستانتي، خلال "الهجرة الكبرى"، بين عامَي 1620 و1640، قدوم 21000 بريطاني إلى أمريكا الشمالية، وربما 25% منهم جاؤوا كخدام لا يمكن تقدير ولائهم البروتستانتي، وبحلول 1760، أصبحت نيو إنجلاند موطناً لأكثر من 70.000 من الأبرشانيين (كنيسة البروتستانتيين في نيو إنجلاند).

رغم هذه الأعداد الصغيرة؛ فإنّ البروتستانت نجحوا في أن يكونوا أساتذة الأمة، ومع ذلك، وفي بعض النواحي؛ فإنّ نيو إنجلاند هي الخاسر أيضاً في نهوض الولايات المتحدة؛ حيث وصلت إلى ذروة اقتصادها وتأثيرها السياسي في القرن الثامن عشر، ورغم دورها البارز في استقلال الولايات المتحدة، فإنّها لم تكن إطلاقاً مركز السلطة الاقتصادية والسياسية، سواء في المستعمرات البريطانية في شمال أمريكا، أو في أمريكا الكبرى، أو حتى في الولايات المتحدة.

اقرأ أيضاً: كيف يعيش اللاجئون المسلمون إيمانهم في فرنسا ؟

كانت يُنظر إلى نيو إنجلاند، ببساطة، على أنّها واحدة من مستعمرات العالم الحديث، نشازاً في بعض النواحي المهمة؛ فقد كانت استثنائيّة ديموغرافيّاً (نظراً لسكّانها من العائلات)، وطائفيّة دينيّاً، وغريبة سياسيّاً، من منظور أوروبا، وثانويّة اقتصاديّاً، وحتى عبارة "نيو إنجلاند البيوريتانيّة" يمكن أن تكون مخادعة ومضلّلة؛ إذ إنّ تجارة الأسماك والأخشاب، لا سيما التجارة مع مزارع الهند الغربيّة، هو ما جعل الحياة على ما هي عليه في القرنين السابع والثامن عشر في نيو إنجلاند، وليس الدين، ولم يكن البيوريتانيون محبوبين وغير ممثّلين، بالضرورة، لشعب نيو إنجلاند؛ فمثلاً، في بواكير القرن السابع عشر في مستعمرة خليج ماساتشوستس، قاطع أحد المستعمرين عِظة قسيس بيوريتانيّ، قائلاً: "إنّ مصلحة نيو إنجلاند في سمك القدّ وليست مع الله!".

اقرأ أيضاً: يهود ومسلمون مغاربة يتبركون من نفس الأولياء

إنّ بعض الصّفات التي جعلت من البيورتانيين غريبين للغاية ساعدتهم على التميّز في كتابة التاريخ؛ إذ إنّهم أظهروا براعة فذّة في كلّ ما يتعلق بالقراءة والكتابة، والتعليم وتأويل النصوص، وبناء المؤسسات؛ حيث مكّنتهم تلك المهارات، لا سيما بين الأمريكيين، في مواجهة التحدي الذي أطلق عليه عالم الاجتماع، روجر فريدلاند، "مشكلة التمثيل الجماعيّ" في العالم الحديث؛ إذ إنّ تاريخ الأمم ما قبل العالم الحديث كان بمثابة أنساب؛ فالشعب هو الذي ينحدرُ من جدّ واحد: كإبراهيم، أو إينياس، على سبيل المثال، ومن ثمّ يرتبطون بشكلٍ طبيعيّ، ومثّل نموذج الأمّة الحديثة مشكلةً جديدةً: فمن المفترض أنّ الأمة هي شعبٌ مشتركٌ واحدٌ، يتقاسم سمات أساسيّة وجوهريّة حتّى، وليس سلالةً، أو ملكاً أو ملكة.

اقرأ أيضاً: المسلمون بين السماحة والتسامح.. لماذا تناسينا قيم الإسلام الحقيقية؟

في نهاية القرن الثامن عشر؛ لم يكن أحد يعرف، على الأغلب، كيف له أن يمثّل شعباً مشتركاً، في أمريكا الشماليّة، كان البيورتانيّون هم الأقرب لهذا؛ فقد فكّروا وكتبوا عن أنفسهم لا كشعب عاديّ، ولكن كشعبٍ مختار، شعبٍ لا يتقاسم أصلاً من ربّ ما، بل هو تابعُ الربّ، ومن أجل تحويل تاريخ السكّان غير المتجانسين إلى وحدة قوميّة، فقد كان التصوّر البيوريتانيّ أبعد ما يكون عن ذلك، ولكن سيكون لا بدّ عليه أن يقوم بذلك.

استبعدَ التأثير البيوريتاني الكثيرَ، بما في ذلك الوجود الطويل والدائم للمسلمين والإسلام في أمريكا، وكذلك بعض التجارب ذات النزاهة والحدّة في التجربة البيوريتانيّة نفسها، وفق شروطها الخاصة، والتي كانت مختلفة عن تجربة البيورتانيين في تاريخ الولايات المتحدة القوميّ، وأعطت هيمنة المؤسسات البيوريتانيّة نيو إنجلاند الاستعماريّة دوراً كبيراً؛ فعلى مدار قرنين، تغيّرت الأعراف كثيراً، بيد أنّ مؤرخينَ من القرن التاسع عشر، مثل فرانسيس باركمان وهنري آدمز، يتقاسمون مع خلفهم في القرنين العشرين والواحد والعشرين؛ بيري ميلر، وبرنارد بايلين، وجيل ليبور، التزاماً بالبحث عن أمريكا، وعن الأصول القوميّة للولايات المتحدة، في نيو إنجلاند القرن الثامن عشر.

وقد كان أحد أكثر الأعمال المُضلّة في كتابة التاريخ البيوريتانيّ متمثلاً في الزعم بتأطير الحريّة الدينيّة، باعتبارها التزاماً أنجلو-بروتستانتيّ؛ ففي الواقع، كان البيورتانيّون والبروتستانت الأنجليّون دائماً ما يستدعون ويضطهدون أعداءَهم الدينيين: الأمريكيين الأصليين، والكاثوليك، واليهود، والشيوعيين، والمسلمين، وأحياناً بعض البروتستانت؛ فمثلاً، لم يتعرض جون وينثروب، أو كوتن ماثر، ولا أيّة شريحة من سلالة البيوريتانيين، لأيّ اضطهاد دينيّ فعليّ. فامتلاك القوّة، مثلما امتلكها الأنجلو-بروتستانت في أمريكا، ليس متوافقاً تماماً مع أساس ادعاءات السلطة الأخلاقيّة في المسيحيّة، بالنسبة إلى البعض، كما أنّه ليس متوافقاً مع فكرة أمريكا، باعتبارها أرض الحريّة الدينيّة، وكملجأ للمضطهدين، كما وصفها توم بين في عام ١٧٧٦.

وإذا كانت أية مجموعة دينيّة تمثّل النسخةَ الأفضل من الحريّة الدينيّة في أمريكا، فإنّها المسلمون، من أمثال الزمّوري وعبد الرحمن؛ فقد جاءا إلى أمريكا في ظلّ ظروف الاضطهاد الحقيقيّ، وناضلا من أجل الاعتراف بدينهما وبحريّة ممارسته؛ فالمسلمون في أمريكا، على عكس الأنجلو-بروتستانت، قد اعترضوا على اضطهاد الآخرين، بمن فيهم الأمريكيون الأصليون.

اقرأ أيضاً: المسلمون وموروث العقل المثير للجدل

وقد كانت العاقبةُ الأكثر تأثيراً للأثر البيوريتانيّ متمثلةً في الالتزام المتواصل بإنتاج ماضٍ يدور متمركز على الأفعال المِقدامة المرتكزة إلى المبادئ التي قام بها الأنجو-بروتستانت (التي كانت غالباً في نيو إنجلاند وتشيسابيك، وأسفرت عن تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية ونظام حكمها ومؤسساتها)؛ ففي الواقع: إنّ تاريخ أمريكا ليس سرديّة أنجلو بروتستانتيّة في أوّل الأمر، مثله مثل الغرب بشكل أوسع؛ فلربّما ما يشكله الغرب تحديداً قد لا يكون بيّناً أو أمراً بدهيّاً، إلّا أنّ  العصر الأكثر كونيّةً في التاريخ، والذي كان في مقدمته الاستعمار الأوروبيّ لنصف الكرة الأرضية الغربيّ، ينبغي أن يكون جزءاً رئيساً منه.

فإذا كان الغربُ يعني، جزئياً، نصف الكرة الغربيّ أو أمريكا الشماليّة؛ فإنّ المسلمين كانوا جزءاً من مجتمعاته منذ البداية، والحال أنّ النزاعات حول ما هي الأمّة الأمريكيّة؟ ومَن ينتمي إليها؟ هي نزاعات متواصلة، وما تزال الإجابات مفتوحةً على مجموعة واسعة من الاحتماليّات، وهي مهمّة للغاية؛ فالمسلمون، تاريخياً، هم الأمريكيون، مثلهم مثل الأمريكيين الأنجلو-بروتستانت، ومسلمو أمريكا القدماء، بنواحٍ عديدة، هم نماذج على الممارسات الفضلى والمُثل العليا من الدين الأمريكيّ، وأيّ بيان أو مقترح بعكس ذلك، بصرف النظر عن مدى حسن نيّته، فإنّه نابعٌ من شوفينيّة مقصودة أو موروثة.


المصدر: سامي هاسبلي

اقرأ المزيد...
الوسوم:



مناورة المخابرات والخطاب المفاجئ: الدقائق التي سبقت بدء محاكمة نتنياهو

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-27

قبل دقائق من دخول رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أمس الاول الى المحكمة المركزية في القدس قبل البدء في محاكمته، ابلغ قادة وحدة حماية الشخصيات في الشاباك حراس المحكمة بأنهم سيغيرون ترتيبات الحماية في المكان والتي تم تنسيقها معهم. رجال الشباك عملوا خلافا للاتفاق ايضا لاحقا، وسيطروا على نصف الممر في الطابق الثالث الذي توجد فيه قاعة المداولات.

ترتيبات الحماية لوصول نتنياهو حددت بجولة مشتركة قام بها في الاسبوع الماضي رجال وحدة حماية الشخصيات وحراس المحاكم. حسب الاتفاق بين الطرفين، نتنياهو كان يمكن أن يصعد على الدرج الرئيسي للمحكمة والوصول الى غرفة الانتظار في الطابق الثالث، قرب القاعة التي فيها يجري النقاش. في الطريق، حسب الخطة، كان عليه أن يمر قرب طواقم الاعلام الموجودة في الطابق الاول وحتى الثالث.

حسب مصدر مقرب من رئيس الحكومة فانه عند وصول نتنياهو الى المكان أعلنوا في الشاباك بأنه سيصعد عبر درج جانبي. الشاباك لم يحضر رئيس الحكومة الى غرفة الانتظار المخصصة له، بل سيطر على نصف الممر الموجود في الطابق الثالث في المحكمة وأدخل نتنياهو بدون مصادقة الى احدى القاعات. الشاباك منع أي حارس من حراس المحاكم من الدخول الى المكان الذي أغلقوه في الطابق الثالث، وفي ذاك المكان تواجد فقط رجال نتنياهو.

مصدر امني في حاشية رئيس الحكومة اوضح للصحيفة بأن الشاباك غير ترتيبات الحماية في اللحظة الاخيرة كجزء من مناورة تمويه روتينية. وحسب المصدر، رجال الشاباك يحددون وينشرون المسار الذي سيمر فيه رئيس الحكومة، لكنهم يغيرون في اللحظة الاخيرة المسار لمنع محاولة المس به. الشاباك لم يبلغ حراس المحاكم بذلك بسبب اهمية السرية في المناورة. فعليا المناورة خطط لها في يوم اجراء الجولة مع حراس المحاكم الذين اعتقدوا بأنهم ينسقون المسار الذي سيمر فيه نتنياهو فعليا. المناورة نفذت رغم أن جميع من كانوا موجودين في المحكمة أجري لهم فحص أمني دقيق من قبل الشباك والدخول سمح فقط لمن حصل على مصادقة مسبقة.

بعد دخول نتنياهو الى المنطقة المحمية، سمح الشاباك لوزراء واعضاء كنيست من الليكود بالوصول الى قاعة المحكمة التي كان يوجد فيها رئيس الحكومة. وفي نفس القاعة ايضا تم التقاط الصورة التي ظهر فيها جميعهم. هذا خلافا لقواعد المحاكم التي تقوم بأنه ممنوع التصوير في قاعات المحكمة دون تنسيق ومصادقة.

حراس المحاكم ايضا لم يعرفوا أن نتنياهو ينوي القاء خطاب قبل بداية المداولات. ولأن الشاباك منع الحراس من الدخول الى نصف الممر في الطابق الثالث فانهم اكتشفوا ذلك فقط بعد أن بدأ رئيس الحكومة في الحديث. في خطابه هاجم نتنياهو المستشار القانوني للحكومة افيحاي مندلبليت وجهاز انفاذ القانون. وقد ادعى أن التحقيقات ضده "تم تلويثها وحياكتها" وأن لائحة الاتهام ضده لا اساس لها و"تمت حياكتها" وأنها قدمت من اجل استبدال حكم اليمين.

ادارة المحكمة اعدت منصة قرب القاعة التي جرى فيها النقاش استعدادا لوضع فيه يرغب المتهم أو محاموه باعطاء بيان لوسائل الاعلام. هكذا تم ايضا في محاكمات اخرى اثارت اهتمام صحافي كبير مثل محاكمة رئيس الحكومة السابق اهود اولمرت. ولكن حاشية رئيس الحكومة احضروا معهم منصة خاصة بهم ووضعوها في طرف الممر. في المقابل الشباك صادق على أن يدخل الى المنطقة المحمية تماما المخرج الذي كان مسؤول عن تصوير الفيديو في ذاك الطابق لصالح وسائل الاعلام من اجل تصوير الخطاب.

وجاء من الشاباك ردا على ذلك: "مجمل ترتيبات حماية رئيس الحكومة نسقت واتفق عليها مسبقا مع حراس المحاكم. الادعاء بأنه تم القيام بتغييرات في يوم المحاكمة لا اساس له، وجاء كما يبدو من قبل جهات غير مطلعة على التفاصيل".

مصدر الترجمة: نتعئيل بندل - هآرتس / نقلاً عن "الحياة الجديدة" الفلسطينية

للمشاركة:

الخطة الخمسية لتطوير القدس الشرقية: نـجـاح فـي مـجـالات «الأسـرلـة» فـقـط !

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-23

بدأت الخطة الخماسية لتغيير وجه شرقي القدس، بتكلفة نحو ملياري شيقل، تعطي ثمارها، بعد سنتين من المصادقة عليها. الخطة 3790 كما تسمى نجحت في التأثير على شبكة العلاقات بين السكان الفلسطينيين، الذين يشكلون نحو 40 في المئة من سكان العاصمة، وبين السلطات الإسرائيلية. ولكن اذا كانت حققت أهدافها بصورة نسبية في مجال التعليم والنظافة، فهي فشلت في مجال مثل المواصلات وتسجيل الاراضي. وحسب منتقدي الخطة، فانه في المجالات الأكثر أهمية، مثل تخطيط السكن والمواطنة، لا تتجرأ على المس بها.

جاءت الخطة من اجتماع ظروف استثنائية أدت الى الربط بين سياسيين من اليمين ورجال سابقين من "الشاباك" وموظفين في المالية، نجحوا في اقناع الوزراء والحصول على ميزانيات من خلال الإصرار على أنه "لا يمكن الاستمرار بهذا الشكل"، بعد أن تمت المصادقة قبل اربع سنوات على خطة اخرى مع ميزانية متواضعة تبلغ 244 مليون شيقل، ثلثها خصص للشرطة وتحسين جهاز الأمن، والتي فشلت. تمت بلورة الخطة الجديدة في وزارة القدس ووزارة المالية، وتمت المصادقة عليها في "يوم القدس" 2018.
الدكتور امنون رمون، من معهد القدس لأبحاث السياسات، والذي حقق في تدحرج الخطة لصالح وزارة القدس، قال إنه أثناء بلورتها اجتمعت تحذيرات رجال الامن، ووقفت أمام خطاب السيادة وتوحيد القدس للسياسيين من اليمين، والتقت مع الرؤية الاقتصادية لموظفي المالية، الذين ادركوا أنه بدون معالجة الـ 40 في المئة من سكان العاصمة، فان العاصمة لن تنهض.

تقدم الخطة

كان يجب أن تعالج الخطة بشكل معمق عدة قضايا في شرقي القدس، منها التعليم والمواصلات والصحة والتشغيل والبنى التحتية. التقدم الاكبر تم تحقيقه في مجال التعليم، بمساعدة استثمارات كبيرة في التعليم غير الرسمي، في تعليم العبرية والتعليم التكنولوجي، وتعريف طلاب الثانوية الفلسطينيين بالبرنامج الأكاديمي الإسرائيلي. نجحت الخطة بشكل جزئي في الدفع قدماً بأسرلة جهاز التعليم، أي الانتقال الى تعلم منهاج البغروت الإسرائيلي بدل موازيه الفلسطيني (التوجيهي). شملت الخطة اعطاء ميزانيات ومنح كبيرة للمدارس التي ستفتح صفوفا للبغروت الإسرائيلي، حتى أنه كان هناك استعداد من جانب الفلسطينيين لذلك. في عدد من الاحياء العربية هناك شعروا بأن إسرائيل تحاول أن تفرض على اولادهم تغييراً في الهوية، وقد ووجهت هذه الخطوة بمعارضة. اليوم ما زال هناك اكثر من 90 في المئة من طلاب شرقي القدس يدرسون التوجيهي.
"نشعر بالتغيير"، قال مدير مدرسة في شرقي القدس، "يعطون اطارا لكل ولد، معهدا للعبرية، دورات خاصة لاصلاح الهواتف المحمولة والتكييف، تحسين الصفوف، واعطاء بنية تحتية للانترنت وتظليل في الساحة". وحسب قوله: "لا توجد لدينا معارضة من قبل الاهالي، لكن في احياء اخرى توجد معارضة. وحقيقة أنه يوجد لدينا بغروت في المدرسة بالتأكيد ساعدت في الحصول على ذلك".
تجد الخطة صعوبة في إحداث تحسين جوهري في مجال تشغيل النساء، رغم أنها تضمنت نظام توجيه للنساء وإنشاء خدمة نهارية. في التقرير الذي أعدته جمعية "عير عاميم" ومنظمة العمال "ماعن" وجد أنه رغم وجود ارتفاع معين في نسبة النساء الفلسطينيات العاملات، حدث أيضاً ارتفاع في معدلات الفقر. ووجد التقرير أن غياب مواصلات عامة جيدة الى اماكن التشغيل ونقصا في الاطر للاولاد، وحواجز اللغة والثقافة، لا تسمح للنساء في شرقي القدس بالخروج الى سوق العمل. ولو أن هؤلاء النساء وجدن عملا، فهن يحصلن على الاغلب على أجر منخفض جدا.
في مجال البنى التحتية تضمنت الخطة تخطيط واقامة 15 شارعاً جديداً أو تجديدها، المشروع الاكبر الذي يوجد قيد الانشاء سمي الشارع الأميركي الذي يربط احياء شمال شرقي القدس وجنوب شرقي القدس. مع ذلك، ميزانية الشارع التي تقدر بنحو 250 مليون شيقل كانت موجودة قبل الخطة، ويصعب أن نرى فيها إضافة على الميزانية. مشاريع أخرى في مجال البنى التحتية للمياه والمجاري توجد في مراحل التخطيط، وهي ايضا بعيدة عن إغلاق الفجوة بين شرق المدينة وغربها. فشلت الخطة حتى الآن في إدخال بطاقة المواصلات "الراف كاف" الى نظام المواصلات في شرقي القدس. في شرقي المدينة يعمل عدد كبير من الشركات الخاصة، ولم تنجح وزارة المواصلات في بلورة اتفاق يسمح بتشغيل البطاقة. استثمارات اكبر كانت ايضا في مجال جودة الحياة مثل اصلاح الشوارع، وتحسين النظافة في شرقي القدس. ولكن في هذا البند ايضا، حسب اقوال مصدر مطلع، علقت برامج كثيرة.
احد البنود الاشكالية في الخطة، بالنسبة لسكان شرقي القدس، يتعلق بتسجيل الأراضي. منذ العام 1967 جمدت الدولة تسجيل "الطابو" لاراضي شرقي القدس. و90 في المئة من الأراضي غير منظمة، وتقريبا لا يمكن البناء فيها بصورة قانونية. حسب الخطة، حتى نهاية السنة يجب على وزارة العدل تسوية 50 في المئة من الأراضي، واستكمال جميع التسجيلات حتى نهاية 2025. ولكن هذا الموضوع ما زال عالقاً.
يخشى الفلسطينيون من أن التسجيل سيستخدم لنقل العقارات الى القيم على اموال الغائبين (في حالة أن واحدا أو أكثر من الورثة يعتبر غائبا، أي انتقل الى دولة عربية)، ومن القيم العام الى جمعيات المستوطنين. النتيجة هي أن الفلسطينيين يرفضون التعاون مع التسجيل من جهة واحدة، والاردن ايضا لا يساعد في نقل السجلات لديها، وهكذا فان مسجل الاراضي في وزارة العدل يجد صعوبة في التقدم في هذا الموضوع.
ايضا في مجال سريان قانون الصحة على شرقي القدس حدث تقدم طفيف، اذا لم يكن يحدث أبداً. "شرقي القدس بحاجة على الاقل الى 3 – 4 خطط خماسية مثل هذه من اجل البدء في رؤية التغيير"، قال مصدر من المجتمع المدني في شرقي القدس، "المشكلة هي أن الخطة تعتبر خطة أسرلة، والسكان لا يؤمنون بأن الشارع الأميركي أعد لهم، بل أعد للربط بين معاليه ادوميم وجبل أبو غنيم".
لا تعالج الخطة القضايا الثلاث الاكثر جوهرية، والتي تثقل جدا على حياة ومستقبل سكان شرقي القدس. هكذا فان الخطة تقريبا لا تتعامل مع الاحياء التي تقع خلف جدار الفصل. في هذه الاحياء التي حجزت بين الجدار وبين حدود بلدية القدس، يسكن نحو ثلث الفلسطينيين في القدس (120 – 140 ألف نسمة) في ظروف قاسية جدا. منذ اقامة الجدار تخلت السلطات الإسرائيلية عن هذه المناطق، وبني فيها عشرات آلاف الوحدات السكنية غير القانونية.
مشكلة ثانية هي أن الخطة تقريبا لا تعالج موضوع البناء السكني وتخطيط الاحياء الفلسطينية. وحقيقة أنه لا يمكن تقريبا البناء بصورة قانونية في الاحياء الفلسطينية دفعت آلاف العائلات الى البناء بصورة غير قانونية، والآن هي مضطرة لمواجهة أوامر الهدم، ودفع مبالغ كبيرة كغرامات ومعركة قضائية لا تنتهي. مشكلة اخرى هي حقيقة أن سكان شرقي القدس ليسوا مواطنين، لذلك هم لا يتمتعون بحقوق مثل جواز السفر أو القدرة على الهجرة الى الضفة الغربية، ورغم أن وتيرة طلبات الحصول على الجنسية ازدادت في السنوات الاخيرة إلا أن العقبات في الطريق من اجل الحصول على الجنسية ما زالت كثيرة، وفقط قلائل ينجحون في الحصول عليها.
الدكتور رمون اشار الى مشكلة اخرى في الخطة وهي تعدد الجهات الحكومية التي يجب عليها تطبيقها. وعدد على الاقل 27 جهة حكومية كهذه. "جميعها يجب عليها العمل معا. هذا معقد جداً وهو يرتبط بالنية الحسنة للموظفين".

مصدر الترجمة:  نير حسون- "هآرتس" / نقلاً عن "الأيام" الفلسطينية‎

 

للمشاركة:

أوروبا تضرب إسرائيل وتقصد ترامب!

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-21

بعد أن قضى على وباء "كورونا"، الذي ضرب الدول الأوروبية بشدة، وتغلب على الصدوع الحادة التي برزت في صفوفه، تفرغ الاتحاد الأوروبي لمعالجة الموضوع المستحب لديه جدا: إسرائيل.

لم تنشر الحكومة التي تشكلت بصعوبة بعد خطة عملها، وإذا بالاتحاد الأوروبي يسارع الى تهديدها بأنه سيتخذ اجراءات عقابية، بما في ذلك عقوبات اقتصادية، بل سيعلق العلاقات الدبلوماسية إذا تجرأت إسرائيل على تنفيذ نيتها بسط القانون الإسرائيلي على أجزاء من "يهودا" و"السامرة".
لا يمكن للبيروقراطيين في قيادة الاتحاد في بروكسل حقاً أن يجرّوا أوروبا الى حرب ضد إسرائيل، فللعديد من دول القارة، مثل النمسا، وتشيكيا، وهنغاريا وغيرها، علاقات وثيقة مع إسرائيل. لكل أولئك بطن مليئة على الاتحاد الأوروبي، الذي فشل في لحظة الحقيقة، وتركها، كل واحدة بمفردها، في وجه تحدي الحجر، والموت، والأزمة الاقتصادية التي جلبها "كورونا". ولكن بضع دول رائدة في أوروبا، وعلى رأسها فرنسا، وبلجيكيا، واسبانيا وايرلندا، والتي لبعضها عداء واضح لإسرائيل، مصممة على اتخاذ خطوة مناضة لإسرائيل، وهددت بتفعيل خطوات عقابية حتى لو لم تنضم معظم دول الاتحاد.
الخلاف بين الاصدقاء مشروع، ولكن في كل ما يتعلق بعلاقات إسرائيل وأوروبا، وللدقة، بضع دول في الاتحاد، ليس هكذا هو الأمر. فالفلسطينيون يهمون الاتحاد الأوروبي كما تهمهم قشرة الثوم. كما أن الحرص على القانون الدولي، الذي على حد قوله تخرقه إسرائيل، ليس في رأس اهتمامه. فبعد كل شيء، يبدي الاتحاد الأوروبي استخفافا بالاحتلال التركي لقبرص. وكذا التبت أو الصحراء الغربية، الأمر الذي تسكت عليه ولا تذكره بروكسل.
ولكن إسرائيل تعتبر دوما هدفا جذابا لضربه من أجل تحقيق تعاطف عربي وعموم اسلامي. فضلا عن ذلك، فان الاتحاد الأوروبي لا يزال ملتزما بثابت يعود لعشرات السنين ويقضي بان المسألة الفلسطينية هي المفتاح لحل مشاكل الشرق الاوسط كله. هذا لا يعني أن الأوروبيين يهمهم الفقر والضائقة في أرجاء الشرق الاوسط، ولكنهم قلقون من موجات الهجرة التي تجتاح أوروبا، نتيجة لعدم الاستقرار في العالم العربي، ومقتنعون بأن هذا سيمكنهم من وقفها.
يخيل مع ذلك أن للهوس الأوروبي بإسرائيل دافعاً عميقاً آخر. الأوروبيون يضربون إسرائيل، ولكنهم يقصدون بالضربة الرئيس ترامب، الذي يراه الكثير من الأوروبيين خصما. هذا جزء من مشاعر متجذرة مناهضة لأميركا، تختلط بحسد متبّل بمشاعر التعالي، على من يشكل نظرية مضادة ناجحة ويتفوق على "القارة القديمة".
ان الارتباط الوثيق والتحالف الحميم بين إسرائيل والولايات المتحدة هما بلا شك نقطة قوة لإسرائيل، وهما يشقان لها السكك في كل أرجاء العالم. ليس في أوروبا. ففي عيون الأوروبيين، التماثل المتعمق بين القدس وواشنطن والحميمية المزدهرة في العلاقات بينهما هي بمثابة خطيئة اولى او شراكة مهددة. هكذا تطلق السهام من أوروبا الى إسرائيل بدلا من ان توجه نحو واشنطن، على أمل أن الألم ستشعر به ليس فقط الحكومة في إسرائيل، بل سيشعر به البيت الأبيض ايضا.
يدور الحديث، إذاً، عن تيار عميق ومتجذر في أوروبا، حتى التسوية مع الفلسطينيين لن تحله على ما يبدو. ستعود علاقات إسرائيل ودول أوروبا الى مجراها على أي حال، إذ يوجد ما يكفي من الزعماء الراشدين في أوروبا، مثل المستشارة ميركيل وآخرين، الذين ينصتون لإسرائيل ومشاكلها، بل يعترفون أيضا بالمصلحة الأوروبية في وجود العلاقات معها. ولكن يمكن الافتراض بأن البيروقراطيين في بروكسل وخلفهم بعض الدول في أوروبا سينتظرون الفرصة التالية ليضربوا إسرائيل.

مصدر الترجمة: ايال زيسر - "إسرائيل اليوم" / نقلاً عن "الأيام" الفلسطينية

للمشاركة:



تحركات جديدة لحزب الإصلاح الإخواني في عدن.. ما أهدافها؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-27

أثارت كثير من التسريبات التي تحدثت عن قرب التوافق على بنود ملحق تنفيذي جديد لاتفاق الرياض، بين قيادات المجلس الانتقالي الجنوبي والحكومة الشرعية، غضب واستهجان قيادات سياسية ووجهات إعلامية تابعة لحزب الإخوان المسلمين.

أثارت تسريبات تحدثت عن توافق جديد لاتفاق الرياض غضب واستهجان قيادات إخوانية في اليمن وخارجه

وذكرت مصادر، وفق ما أوردت صحيفة "العرب" اللندنية، أنّ "وجود قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي في العاصمة السعودية منذ أيام، وتسرب أنباء عن قرب التوافق على بنود ملحق تنفيذي جديد لاتفاق الرياض، أثارا غضب التيار الإخواني المدعوم من قطر وتركيا داخل الحكومة، في ظل تنامي مخاوف هذا التيار من خسارة ما يعتبرها استحقاقات سياسية مكّنته من السيطرة على محافظات غنية بالنفط والغاز مثل شبوة، وحضرموت".

وترافقت الجهود التي تبذلها السعودية لتنفيذ اتفاق الرياض مع تجدد الخطاب الإعلامي والسياسي الإخواني المطالب بدور لتركيا في المشهد اليمني. وكشف ناشطون وإعلاميون يمنيون وعرب من جماعة الإخوان وجود مخطط تركي جاهز للتدخل في اليمن.

وفي الإطار ذاته كتب السياسي الإخواني الكويتي ناصر الدويلة، في تغريدة على تويتر، حظيت باستحسان إعلاميين وناشطين من إخوان اليمن: "نظراً لتطاول الحرب في اليمن أقترح أن يُمنح الأتراك دوراً في البلد وستنتهي كل الخلافات فوراً. واقترح أن تُمنح تركيا قاعدة في جزيرة سوقطرى، تدير منها عمليات دعم الشرعية في اليمن والصومال وتضبط الأمن في بحر العرب بالتنسيق مع دول المنطقة".

واستبق مستشار الرئيس اليمني ونائب رئيس مجلس النواب عبدالعزيز جباري، نتائج الجهود التي تبذلها الرياض لدفع الأطراف الموقّعة على الاتفاق لتنفيذه وفق برنامج مضبوط بمواعيد زمنية، من خلال رفض أي مخرجات في هذا الاتجاه.

وكتب جباري في تغريدة مثيرة للجدل، على حسابه في "تويتر" قبل أيام: "إذا صحت الأخبار المسربة بخصوص ما يسمى بملحق لاتفاق الرياض وفرض تسمية رئيس حكومة جديدة بإرادة غير يمنية، فخير للرئيس ونائبه الانسحاب من المشهد السياسي بدلاً من البقاء المذل".

هذا وتحول حزب الإصلاح الإخواني في اليمن إلى الشارع في محاولة مكشوفة لشراء الدعم الشعبي بعد فشل جهوده الميدانية ضد القوات الجنوبية في محافظتي شبوة وأبين جنوب البلاد.

حزب الإصلاح الإخواني يحاول شراء الدعم الشعبي بعدن بعد فشل جهوده الميدانية ضد المجلس الجنوبي

ونظم الحزب عدداً من التظاهرات في عدن رفع خلالها شعارات مناصرة لوزير الداخلية المحسوب على حزب الإصلاح والدول الراعية له كقطر وتركيا، أحمد الميسري، والذي يحاول الإخوان إعادته مجدداً لتصدر المشهد في عدن.

واقتصرت التظاهرات على تمجيد الميسري، وقادة في الشرعية محسوبين على الإخوان، والإساءة للمجلس الانتقالي الجنوبي، ودول التحالف العربي لدعم الشرعية، دون أن تؤازر حزب الإصلاح صراحة أو ترفع شعاراته، فيما قال مراقبون إنها حيلة أراد فيها حزب الإصلاح تصوير التظاهرات على أنّها تعبير عن مطلب الشارع وليس عن أجندة الإخوان، لكن سرعان ما انكشف المخطط لتلك التظاهرات، وفق ما أوردت مؤسسات إعلامية يمنية.

وقال شاب شارك في مظاهرات نظمتها مجموعات ممولة من حزب الإصلاح في عدن الأسبوع الماضي لـموقع "الرؤية" إنّه انضم للمظاهرات بعد حصوله على مقابل مادي.

وقال الشاب، الذي اشترط عدم ذكر اسمه: "حصلت على 10 آلاف ريال (نحو 17 دولاراً) مقابل الخروج مع زميلي في العمل في التظاهرة قرابة نصف ساعة، ورفضت الخروج في اليوم التالي عندما لم أحصل على المقابل".

وقالت مصادر محلية إنّ الحزب الإخواني استدرج من خلال خلاياه الموجودة في محافظة عدن سكاناً آخرين للتظاهر مقابل المال وسط تفشي وباء كورونا في المدينة.

وقال مصدر أمني لموقع "رؤية"، إنّ الهدف الذي يسعى إليه حزب الإصلاح من وراء هذه الأفعال مدفوعة الأجر، هو محاولة إرباك الوضع في الجنوب ومحافظة عدن خاصة لعرقلة جهود المجلس الانتقالي في تطبيع الحياة بالمحافظة، التي بات الانتقالي مسؤولاً عنها أمام الجماهير منذ إعلانه الإدارة الذاتية في 25 نيسان (أبريل) الماضي.

للمشاركة:

الإمارات تدعم القطاع الصحي في طاجيكستان

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-27

تواصل دولة الإمارات العربية المتحدة مدّ يد العون للكثير من البلدان المتضررة بسبب تفشي فيروس كورونا، بإرسال إمدادات طبية لمساعدة العاملين في مجال الرعاية الصحية في مواجهة الجائحة.

وفي هذا السياق، أرسلت دولة الإمارات، اليوم، طائرة مساعدات تحتوي على 10 أطنان من الإمدادات الطبية إلى طاجيكستان، لدعمها في الحد من انتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، وسيستفيد منها أكثر من 10 آلاف من العاملين في مجال الرعاية الصحية، وفق ما أوردت وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

الإمارات ترسل طائرة مساعدات من الإمدادات الطبية إلى طاجيكستان لدعمها في الحد من انتشار كورونا

وقال سفير الدولة، غير المقيم لدى طاجيكستان، الدكتور محمد أحمد الجابر: "إنّ السعي من أجل عالم أكثر صحة وأمناً هو أولوية لدولة الإمارات، التي كرست موارد هائلة لتعزيز الجهود العالمية ضد (كوفيد-19) منذ بداية الأزمة".

وأضاف الجابر: "مع تسليم المساعدات الحيوية اليوم إلى طاجيكستان، تؤكد دولة الإمارات أنّها ماضية في التعاون والتضامن مع الدول الأخرى لمساعدتها على مكافحة هذا الفيروس".

هذا ووزّعت هيئة آل مكتوم الخيرية بتوجيهات من نائب حاكم دبي وزير المالية الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم، أكثر من عشرين طناً من المواد الغذائية على الأسر الفقيرة في بوروندي تشمل "سلال رمضان" التي تحتوي على الأرز والسكر ودقيق الذرة الشامية.

هيئة آل مكتوم الخيرية توزع أكثر من عشرين طناً من المواد الغذائية على الأسر الفقيرة في بوروندي

كانت الهيئة نظمت أيضاً برنامج إفطار جماعي حضره عدد من الأئمة والدعاة والشخصيات الرسمية والشعبية ورؤساء المنظمات المحلية النسوية والدعوية .

من جانبه، قال مدير مكتب الهيئة في بوروندي، هاشم محمد إبراهيم موسى: إنّ برنامج إفطارات هيئة آل مكتوم الخيرية وتوزيع السلال الغذائية لقي ترحيباً واسعاً من كافة القطاعات المستفيدة، التي أشادت بدور دولة الإمارات المعطاءة وجهودها الخيرية، موجهين الشكر والامتنان للشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم على هذه المكرمة، وسائلين الله، عز وجل، أن يجزيه خير الجزاء ويجعلها في ميزان حسناته.

يذكر أنّ مكتب الهيئة في بوروندي تم افتتاحه أواخر 2019 وتنفذ الهيئة حالياً مشروع مدرسة الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم في إقليم رومبينقي ويضم مدرسة ثانوية ومسجداً وعيادة طبية .

وتجدر الإشارة إلى أنّ دولة الإمارات قدمت حتى اليوم أكثر من 651 طناً من المساعدات لأكثر من 56 دولة، استفاد منها نحو 651 ألفاً من العاملين في مجال الرعاية الصحية.

للمشاركة:

حزب العدالة والتنمية التركي الإسلامي يتعرض لهجمات غير مسبوقة

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-27

يتعرض حزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم في تركيا إلى هجوم غير مسبوق من قبل عدد كبير من السياسيين والحزبيين على خلفية ما تردد حول سعي الحزب إلى إجراء تعديلات على قانوني الانتخابات والأحزاب السياسية لمنع أحزاب معينة من الدخول إلى البرلمان.

  آخر تلك الهجمات جاءت على لسان وزير الاقتصاد التركي السابق ورئيس حزب "الديمقراطية والتقدم" علي باباجان، الذي أكد في تصريح صحفي، أنّ لدى حزبه خططاً بديلة في حال حاول الرئيس رجب طيب أردوغان وحكومته عرقلة مشاركته في الانتخابات المقبلة.

باباجان: أردوغان ارتكب أخطاء فادحة على جميع المستويات والسياسات الداخلية والخارجية

وشدد المنشق عن الحزب الحاكم، على أنّ الشعب سيفعل اللازم في الانتخابات المقبلة بعد أن دمّر أردوغان النظام الديمقراطي في البلاد بتغييره النظام السياسي من برلماني إلى رئاسي، وفق ما أورد موقع "العربية".

وقال باباجان: إنّ أردوغان ارتكب أخطاء فادحة على جميع المستويات والسياسات الداخلية والخارجية، وأفسد كل شيء بعد أن سيطر على جميع أجهزة الدولة.

وأشار إلى أنّه قضى بشكل كامل على استقلالية القضاء، ما جعل الأوساط المالية العالمية تشكك بمجمل سياساته الاقتصادية والتجارية والمالية.

وأشار باباجان إلى ملفات الفساد الخطيرة التي تطال أقطاب سلطة أردوغان، لافتاً إلى أنّ الشعب التركي ضحية لسياساته الطائشة وأنّ الأزمة المالية التي تعصف بالبلاد على وشك أن تدمرها.

ورأى أنّ أردوغان "يعمل على إشاعة مناخ من الخوف في البلاد واعتاد أسلوب التهديد لكل من يخالفه".

بدوره، قال رئيس حزب المستقبل، أحمد داود أوغلو، إنّه لن يكون هناك شيء في تركيا اسمه حزب العدالة والتنمية في المستقبل، مؤكداً أنّ عدد الأشخاص الذين يشعرون بالرضا من الاتجاه الذي يسير فيه حزب العدالة والتنمية "قليلون جداً".

أحمد داود أوغلو: لن يكون هناك شيء في تركيا اسمه حزب العدالة والتنمية في المستقبل

وأشار داوود أوغلو إلى أنّ اقتراح رئيسة حزب الخير، ميرال أكشينار، بجلوس رؤساء جميع الأحزاب السياسية بتركيا على طاولة واحدة لمناقشة الأوضاع الراهنة، كان اقتراحاً حيوياً للغاية، وأنّهم انتظروا أن يلبي أردوغان الدعوة ويدعم الاقتراح، لكن اتضح أنّ أكبر مشكلة تواجهها تركيا هي عدم الاهتمام بالآراء وقلة الاستشارات.

وقال رئيس حزب المستقبل، في تصريحات نقلتها منصات تركية معارضة: "أرى أنّ الانحياز للاستبداد تمكن من السيطرة على أشخاص ظهروا كانوا عاديين من قبل، فأصبح الاستبداد مثل الثقافة. الاستبداد مرض عالمي. لا أعتقد أنّ هذا الهيكل الاستبدادي الموجود بتركيا سيبقى".

وأشار إلى أنّه شعر بحرية أكثر في اليوم الذي قرر فيه أن يترك منصبه كرئيس للوزراء، مؤكداً بأنّ السلطة الحاكمة حينها أردات أن تجعل منه دُمية في ذلك الوقت لمدة 20 شهراً.

وأوضح أوغلو أنّ تركيا أصبحت تعاني مؤخرًا من مشاكل في الحريات، وتعاني أيضاً من مشاكل حول العدالة، وقال: "خرجت العصابات من السجون وبقي الصحفيون بالداخل. وزادت نسبة الفقر".

للمشاركة:



كورونا يتمدد باليمن.. صنعاء على شفا كارثة لتكتم الحوثي

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-27

باتت العاصمة اليمنية صنعاء على شفا كارثة صحية مع اتساع رقعة فيروس كورونا الجديد، وإنكار المليشيا الحوثية التي تسيطر عليها، رغم تسجيل عشرات الإصابات والوفيات خلال الأيام الماضية، وفقا لمصادر حكومية وطبية.

وطالبت مصادر طبية، بإعلان صنعاء مدينة منكوبة جراء تفشي الوباء، وتقاعس مليشيا الحوثي بتحمّل مسؤولياتها، بالتعتيم على وجود المرض، وإدارة كورونا عبر التوظيف السياسي، في محاكاة للطريقة الإيرانية.

وفيما أعلنت المليشيا رسميا عن تسجيل 4 إصابات فقط، أكدت مصادر طبية لـ"العين الإخبارية"، أن عدد الحالات المؤكدة التي تم التكتم عليها منذ أواخر أبريل/نيسان الماضي بصنعاء، تجاوزت 2000 إصابة بينها 200 حالة وفاة.

وقالت المصادر، إن المليشيا قامت بإرهاب أهالي المصابين وطالبتهم بعدم كشف الحقائق كما تم اعتقال عدد من الطواقم الطبية في مستشفى الكويت الجامعي، الذي تم تخصيصه كمركز عزل رئيسي بصنعاء.

وخلافا للإنكار، أكدت مصادر محلية بصنعاء لـ"العين الإخبارية"، أن التساهل الحوثي في التصدي للوباء، ساهم في سرعة انتشار الفيروس، حيث سمحت المليشيا للمئات بحضور جنازات أشخاص توفوا بالفيروس، كما تم فتح مجالس عزاء حضرها المئات وهو ما جعل الوباء يتفاقم.

ومع اتساع رقعة الفيروس، وتعالي نداءات استغاثة سكان صنعاء، طالبت الحكومة اليمنية الشرعية، من منظمة الصحة العالمية بالكشف عن الأرقام الحقيقية لكورونا في صنعاء، وعدم التماهي مع التعتيم الحوثي.

ودعا وزير الصحة، ناصر باعوم، في مذكرة لممثل الصحة العالمية باليمن، ألطاف موساني، اطلعت عليها "العين الإخبارية"، المنظمة الدولية بالشفافية، وحمّله مسؤولية تفشي الوباء داخل صنعاء.

وزير الإعلام بالحكومة الشرعية، معمر الإرياني، قال من جانبه، إن المعلومات الواردة من صنعاء ومناطق سيطرة المليشيا الحوثية حول ضحايا كورونا، تحمل مؤشرا كارثيا عن مستوى تفشي الفيروس وانعدام الرعاية الطبية، في ظل استمرار الانقلابيين بسياسة الإنكار وتعريض حياة الملايين للخطر".

واتهم الوزير اليمني، في بيان نشرته وكالة "سبأ" الرسمية، المليشيا الحوثية باستنساخ طريقة النظام الإيراني في إدارة ملف ‎كورونا عبر التوظيف السياسي للوباء العالمي، وإخفاء البيانات والمعلومات عن المنظمات الدولية والرأي العام المحلي.

كما اتهم الوزير الإرياني، المليشيا بـ"تصفية المصابين والمشتبه بإصابتهم، والتساهل بالإجراءات الاحترازية والوقائية، وإنكار حقيقة وحجم تفشي الوباء رغم إصابة كبار قياداته".

ووجه الإرياني، نداء استغاثة للمجتمع الدولي والأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الخاص إلى اليمن، مارتن جريفيث، ومنظمة الصحة العالمية لإنقاذ ملايين اليمنيين في صنعاء ومناطق سيطرة المليشيا من جرائم الابادة الجماعية التي يرتكبها الحوثيون.

ولم يتوقف التنديد الحكومي عند ذلك، حيث وصف "عبدالملك المخلافي"، مستشار الرئيس اليمني، ما يحدث في صنعاء من تغطية على انتشار الوباء بأنه "جريمة".

وأضاف المخلافي، في تغريدة عبر "تويتر": "إصرار الحوثي على الحرب والموت جريمة، الشعب اليمني يتعرض لإبادة جماعية متعمدة من قبل الحوثي".

وخلافا للتعتيم الحوثي بصنعاء، أعلنت وزارة الصحة بالحكومة الشرعية، أن المناطق المحررة، سجلت حتى مساء الثلاثاء، 249 حالة إصابة مؤكدة، من بينها 49 حالة وفاة، فيما تعافت 10 حالات.

كورونا يصل لقيادات الحوثي
ورفضت المليشيا الحوثية الاعتراف بوجود فيروس كورونا في صنعاء، وقامت بتسويق عدد من الخرافات، أبرزها أن كورونا صنيعة أمريكية، وأن أمريكا تكن العداء لهم فقط وتشن عليهم مؤامرة تهدد جباتهم القتالية.

وطالب وزير الصحة الحوثي، طه المتوكل، الناس في مناطق سيطرتهم بـ"الاستغفار والدعاء"، من أجل التصدي للفيروس، بعد أيام من إعلانه تسجيل 4 إصابات فقط، قال إن 2 منها تماثلت للشفاء.

وفي تطابق مع ما يقوله خطباء المساجد بمناطق الحوثيين، ظهر القيادي الحوثي، شفيع ناشر، في إحدى القنوات التابعة لهم، يطالب الناس بالتوجه إلى جبهات القتال الخاصة بهم وعدم الموت في المنازل  كالبعير.

وكانت المفارقة، أن القيادي ناشر، والمعيّن مستشارا في وزارة الخارجية التابعة للانقلاب، أصيب بالفيروس منتصف رمضان، وأعلن عن وفاته، مساء أمس الإثنين في أحد مراكز العزل بصنعاء.

وفي مؤشر على تفشي الفيروس داخل الوزارة، أقرت خارجية الحوثيين بوفاة السفيرين محمد الوزير وعبدالواحد العديني، بالإضافة إلى المستشار شفيع ناشر.

كما خطف الفيروس مفتي المليشيا محمد علي مرعي، وأبرز الشعراء الداعمين للانقلاب، حسن عبدالله الشرفي، والشيخ عبدالكريم السيلي، والدكتور أحمد المؤيد، فضلا عن قيادات عسكرية وأمنية.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

تركيا المحاصرة بين قرارات مؤتمر برلين وتطبيق خطة ايريني

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-27

على الرغم من موجة التفاؤل ونشوة النصر الكاذبة التي تعتري أوساط حكومة العدالة والتنمية بعد انجازات حققتها على الارض بشكل مباشر الا ان استحقاقات اخرى ما تزال بانتظار انقرة.

المجتمع الدولي لا ولن يدع تركيا أن تنفرد بليبيا وتنهب ثرواتها وتشكّل نظامها السياسي وهي أحلام اردوغانية غير واقعية.

أوروبا المحاذية لليبيا والمتشاطئة معها تستند الى شرعية قرارات مؤتمر برلين وتطبيق مشروع ايريني في محاصرة امدادات تركيا من السلاح لحكومة الوفاق والجماعات المسلحة وخاصة الإخوانية التي تسامندها.

يأتي ذلك في وقت قدّم فيه رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح مبادرة جدية الى المجتمع الدولي لفرض تسوية سياسية عادلة تراعي التوازنات العسكرية وتقطع مع اتفاق الصخيرات الذي رسخ سطوة الإسلاميين بعد انقلابهم على نتائج الانتخابات التشريعية في ما عرف حينئذ بـ”انقلاب فجر ليبيا"، وذلك بحسب تقرير لصحيفة العرب اللندنية.

وقال المستشار الإعلامي لرئيس مجلس النواب فتحي المريمي “نحتاج إلى بعثة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي للإشراف على هذه المبادرة وبمشاركة الدول الكبرى بما فيها روسيا والولايات المتحدة لمساعدة الشعب الليبي على الخروج من أزمته”.

وعاد عقيلة صالح، السبت، ليطرح مبادرته التي كان قد أعلن عنها نهاية أبريل الماضي، تزامنا مع تراجع الجيش في عدة محاور على وقع تزايد وتيرة التدخل التركي الذي جاء ليدعم ميليشيات حكومة الوفاق بالأسلحة والمرتزقة السوريين، من بينهم قيادات في تنظيم داعش وجبهة النصرة.

وقال عقيلة صالح في بيان بمناسبة العيد ”إن انسداد العملية السياسية بتجاهل مخرجات مؤتمر برلين وفي ظل مخاطر الغزو الأجنبي وتوقف إنتاج وتصدير النفط وهبوط أسعاره وارتفاع سعر الصرف وتأثيرات وباء كورونا على اقتصاديات الدول وسيطرة المجلس الرئاسي غير الشرعي والجماعات والميليشيات والعصابات المسلحة على المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، بالإضافة إلى المصارف الخارجية وشركات الاستثمار الخارجي، سيخدم هذه الجماعات ويمكنها من تعزيز سيطرتها على العاصمة والاستمرار في ارتكاب جرائم النهب لثروة الليبيين”.

وأضاف صالح “أن نجاحنا في إعادة تشكيل المجلس الرئاسي وتشكيل حكومة وطنية والوصول إلى آلية لتوزيع الثروة سيمكننا من توفير الميزانيات للصرف على احتياجات المواطنين وتيسير سبل الحياة الكريمة ويدعم جهود وتطوير المؤسسة العسكرية لتقوم بدورها في محاربة الإرهاب وحماية الحدود والحفاظ على سيادة الدولة”.

ولا تلقى مبادرة عقيلة صالح ترحيبا من قبل الجيش، وهو ما عكسته كلمة قائده المشير خليفة حفتر الذي دعا، في كلمة بمناسبة العيد، الجنود إلى الاستمرار في القتال. ويعد البرلمان ورئيسه أحد أبرز حلفاء الجيش منذ 2014.

ولإقناع حفتر بمبادرته يحتاج عقيلة صالح إلى ضمانات دولية بعدم تكرار سيناريو اتفاق الصخيرات؛ إذ أن هذا هو السبب الذي كان وراء اندلاع معركة طرابلس حيث كان الإسلاميون وحلفاؤهم الدوليون يخططون لفرض تسوية جديدة على مقاس الإخوان المسلمين عن طريق مؤتمر غدامس الذي ألغي بعد إعلان المعركة.

وعقب إطلاق الجيش معركةَ السيطرة على طرابلس في 4 أبريل 2019 وجهت للجيش اتهامات بتقويض المسار السياسي، لكن شخصيات سياسية محسوبة عليه قالت إن إطلاق المعركة جاء ردا على الانقلاب على تفاهمات أبوظبي بين حفتر ورئيس المجلس الرئاسي فايز السراج.

ومن أبرز تلك التفاهمات دخول الجيش إلى طرابلس وإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، وهو الأمر الذي يرفضه الإسلاميون لإدراكهم تراجع شعبيتهم بسبب تورطهم في دعم المجموعات الإرهابية في مختلف مناطق البلاد، إضافة إلى تردي الأوضاع المعيشية وانتشار الفوضى والفساد خلال إدارتهم للبلاد.

ومنذ اندلاع المعركة قبل أكثر من سنة يحاول المجتمع الدولي استئناف العملية السياسية والتوصل إلى تسوية تضمن مشاركة جميع الأطياف السياسية في الحكم، وهو ما يفسر تجاهل التدخل العسكري التركي رغم تعارضه مع القوانين الدولية وخاصة قرار حظر التسليح المفروض على البلاد منذ 2011.

ويسعى المجتمع الدولي من خلال إطلاق يد تركيا في ليبيا لإحداث توازن عسكري يجبر الجيش على العودة إلى العملية السياسية، لاسيما بعد رفض حفتر في يناير الماضي التوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار برعاية روسية – تركية، يبدو أنه لم يراع تفوق الجيش عسكريا.

وبينما تراهن الدول الداعمة للإسلاميين على إضعاف موقف الجيش عسكريا يركز الإسلاميون وحلفاؤهم الإقليميون (قطر وتركيا) على شق التحالف بين الجيش والبرلمان من جهة وبين الجيش والقبائل الداعمة له من جهة أخرى، وذلك في مسعى لتحجيم أي دور لحفتر في المحادثات وفسح المجال أمام عقيلة صالح الذي يعتبر أقل تعنتا وأكثر انفتاحا على الإسلاميين الذين سبق أن اجتمع بممثليهم.

على صعيد متصل وفيما يسرّع الإتحاد الأوروبي تنفيذ مشروع ايرينا لتطويق السلاح التركي المتدفق الى ليبيا ومنع تهريبه، كشف خبراء في الأمم المتحدة عن مهمة سرية تقوم بها قوات غربية خاصة في ليبيا.

وورد أنه شارك في المهمة كل من أستراليا وفرنسا ومالطا وجنوب إفريقيا وبريطانيا والولايات المتحدة لإيقاف سفن الإمداد التركية وهي في طريقها إلى العاصمة الساحلية طرابلس.

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:

هل يلجأ "حزب الله" إلى التصعيد في لبنان؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-27

حسن فحص

لا تخفي أوساط مقربة ومنضوية تحت منظومة ميليشيات "حزب الله" قلقها من المرحلة المقبلة على الساحة اللبنانية. وقد بدأت تتحدث عن توقيتات قريبة لا تتجاوز مايو (أيار) الحالي، ويونيو (حزيران) المقبل، للإعلان عن سلسلة من "التحركات السياسية والشعبية"، التي تصفها بـ"الموجهة والمحركة" من قوى وأطراف داخلية وخارجية. وذلك من أجل رفع مستوى الضغوط على الحزب ومحوره الممتد إلى طهران تحت عناوين مختلفة محلية وخارجية- إقليمية، تستمد دعمها من مظلة دولية، بخاصة الأمم المتحدة والقرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي، التي شكّل أول المؤشرات عليها، خروج الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بعد جلسة استماع حول مهمة القوات متعددة الجنسية المنتشرة في الجنوب اللبناني منذ حرب يوليو (تموز) 2006 بين "حزب الله" وإسرائيل، وأعاد إلى الأذهان موضوع تطبيق القرار رقم 1559، الذي ينصّ على نزع سلاح الميليشيات، بما فيها سلاح "حزب الله". 

الإشارة التي جاءت في كلام حاكم البنك المركزي اللبناني، رياض سلامة، خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده أواخر أبريل (نيسان) الفائت (29- 5- 2020) حول الاستنزاف المالي الذي حصل خلال السنوات الخمس الماضية، الذي وصلت قيمته إلى نحو 20 مليار دولار صرفت على استيراد مواد إلى خارج السوق اللبنانية، شكّلت الشرارة التي فتحت باب الحديث عن عمليات تهريب واسعة تجري على الحدود اللبنانية السورية لصالح النظام السوري على حساب الاقتصاد اللبناني. وعادت بعدها وتيرة الحديث عن قوافل لتهريب المشتقات النفطية، خصوصاً المازوت، والطحين من لبنان عبر معابر غير شرعية لا تخضع لسلطة الدولة.

انطلاقاً من هذه المعطيات، تعتقد هذه الأوساط المقربة من ميليشيات "حزب الله" أن المرحلة المقبلة ستشهد ارتفاعاً في وتيرة المعركة الإعلامية التي ستحمّل هذه الجماعة مسؤولية ما آل إليه الوضع الاقتصادي والمعيشي للبنانيين، والتردي غير المسبوق الذي أصاب الاقتصاد اللبناني. كما تعتقد أن من أدوات هذه المعركة تحميل الحزب واتهامه - حسب تعبيرها - بالتلاعب بسعر صرف الدولار الذي تسبّب في انهيارٍ كبيرٍ في قيمة العملة الوطنية مما أدى بدوره إلى ارتفاع مستويات التضخم، ما انعكس ارتفاعاً في ميزان البطالة وخسارة شرائح كبيرة من الشعب اللبناني لأسس العيش الكريم والمحترم جرّاء خسارتهم للقدرة الشرائية، وابتلاع الغلاء وأسعار السلع للرواتب التي لم تعد تكفي كفافهم وتبعد الجوع والعوز عنهم.

وتتوقف هذه الأوساط عند الحملة الواسعة التي تشهدها مواقع التواصل الاجتماعي على الحزب من بوابة الدعوات إلى تطبيق القرارات الدولية المتعلقة بلبنان، خصوصاً القرارين 1559 و1701، وتوسيع مهمات القوات متعددة الجنسية، تمهيداً لانتشارها على طول الحدود اللبنانية السورية لمنع التهريب وضبطها ووقف عمليات دخول السلاح لـ"حزب الله".

لذلك هي تعتقد أن هذه الدعوات تعتبر جزءاً من المعركة التي يتم التحضير لها ضد "حزب الله" في إطارٍ يخدم مسار العقوبات الأميركية في المرحلة المقبلة.

وتتوقع هذه الأوساط أن تشهد الأيام أو الأشهر المقبلة تصاعداً في وتيرة الاحتجاجات الشعبية والمظاهرات المطلبية على خلفية المشكلة الاقتصادية وانهيار القطاع المالي وعجز الحكومة عن تقديم حلول جذرية للأزمات المتفاقمة والمتسارعة التي تطال الطبقات المتوسطة والفقيرة في الوقت نفسه. كما تعتقد أن هذه التحركات الشعبية لن تقف عند حدود المطالب المعيشية، بل سيلجأ القيّمون عليها إلى توظيفها سياسياً من خلال التصويب على دور "حزب الله" وسلاحه في هذه الأزمات واستغلال النفوذ والسيطرة التي يمارسها في تهريب الأموال اللبنانية، وتحديداً الدولار الأميركي، لدعم النظام الإيراني في مواجهة العقوبات الاقتصادية الأميركية على حساب الشعب اللبناني ومصالحه، من دون الأخذ بعين الاعتبار الأضرار التي ستصيب أيضاً وبشكل مباشر البيئة الشعبية الحاضنة له، وذلك في ظل حالة من القمع والتضييق الإعلامي الذي بدأت وتيرته ترتفع في الأشهر الماضية لمنع الأصوات المعترضة على هذه الممارسات التي يقوم بها، والتي أدت إلى مصادرة الدولة وقراراتها وتوجهاتها.

وتضيف هذه الأوساط أن قيادة "حزب الله" تعتقد أن المرحلة التالية لعودة التحركات الشعبية والتوجه الذي ستتخذه والشعارات التي ترفعها الواضحة في معاداتها لسلاح الحزب ودوره ونفوذه والآثار السلبية على الاقتصاد اللبناني والتسبب في عزلة لبنان عن محيطه العربي وعلاقاته الدولية، ستتبعها جهود سياسية بهدف تشكيل جبهة سياسية تضمّ وتجمع الأحزاب وقوى 14 آذار. ويضاف إليهم المستقلون وبعض رموز ثورة 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، التي ستعمل على بلورة موقف سياسي موحد لهذه القوى في مواجهة الحلف الذي يقوده "حزب الله" على الساحة الداخلية التي بدأت بالتصدع بعد الإشارات السلبية التي برزت أخيراً عن بعض المسؤولين في التيار الوطني الحرّ، الحليف الأبرز والأساس للحزب على الساحة المسيحية وشريكه في السلطة.

وعلى الرغم من محاولات بعض أطراف الحزب التقليل من شأن هذه التحركات والتحضيرات وعدم قدرتها على إحداث تغيير في المشهد السياسي اللبناني، فإنها لا تنكر أن هذه التحركات سيكون لها أثر كبير وستسهم في التشويش على خطط الحزب وستتعدى المعركة الإعلامية مستفيدة من الأزمة الاقتصادية القائمة. ولكن هذه الأطراف تؤكد في الوقت نفسه أن الحزب لم يسمح لواشنطن أن تأخذ عبر تجميع بعض قوى 14 آذار، ما عجزت عن أخذه بالحروب والمعارك العسكرية، وأن السيناريو الذي تعمل عليه هذه القوى لن يشكل تهديداً للحزب ورؤيته، شرط أن يتخذ خطوات سريعة وجريئة لمواجهة الأزمة الاقتصادية وتداعياتها، خصوصاً ما يتعلق بالبحث عن البدائل الاقتصادية في ظل استمرار التضييق والحصار الأميركي ضد لبنان. وتعتقد هذه الأطراف أنه في حال لم يستطع الحزب استيعاب هذه التحركات والمطالب والضغوط الدولية التي تطالب بنزع سلاحه وتطبيق القرارات الدولية، خصوصاً القرارين 1559 و1701، وما يعنيانه من مسألة السلاح وتهريبها من سوريا، إلى جانب تهريب البضائع وآثارها السلبية على الاقتصاد اللبناني، سيكون خيار الذهاب إلى ما هو أصعب. وفي هذه الحال قد يجد الحزب نفسه في حالة من الدفاع عن وجوده واستمراره، ما يعني أنه سيعمد إلى إسقاط كل المحاذير التي التزمها بعدم تفجير الساحة الداخلية لحاجته الذاتية لذلك، ولاستمرار الهدوء والتهدئة للخروج من نفق هذه المرحلة المعقدة، وعندها فإن أحد الخيارات أمامه سيكون إعادة خلط الأوراق، حتى وإن كان عبر استخدام الذراع العسكرية. فهل يفعلها؟

سؤال قد يكون من الصعب الإجابة عنه لأنه مرتبط بقدرة هذه الميليشيات على تحمل الضغوط الداخلية والدولية ضدها، وقدرة المحور الذي تنتمي إليه على الصمود أكثر أمام الحصار الدولي الاقتصادي والسياسي، ومدى استطاعتها الحدّ أو التقليل من الخسائر التي بدأت معالمهما بالظهور على الساحة العراقية مع الحكومة الجديدة التي تبنت نهجاً يأخذ بعين الاعتبار المصالح العراقية أولاً قبل مصالح الجيران الأقرب أو الأبعد.

عن "اندبندنت عربية"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية