تحويل النفط إلى مكانة إستراتيجية: لماذا نجحت الإمارات وفشلت ليبيا-القذافي؟

تحويل النفط إلى مكانة إستراتيجية: لماذا نجحت الإمارات وفشلت ليبيا-القذافي؟
7020
عدد القراءات

2019-09-11

استضافت العاصمة الإماراتية، أبوظبي، أول من أمس، مؤتمر الطاقة العالمي الرابع والعشرين، الذي ينعقد للمرة الأولى في مدينة شرق أوسطية، ما يؤشر إلى مكانة أبوظبي في قطاع الطاقة ودورها في إيجاد حلول لتحديات استدامة إمدادات الطاقة وتنويع مصادرها. وقد لفت وزير الطاقة والصناعة الإماراتي، رئيس المؤتمر، سهيل المزروعي، إلى أنّ اختيار شعار "الطاقة من أجل الازدهار" لهذا المؤتمر "دليل على التركيز على الإنسان وتلبيةً لتطلعاته نحو غدٍ أفضل؛ فالإنسان هو الأساس لكل مشروع حضاري وهو الاستثمار الحقيقي لوضع العلم والتكنولوجيا والابتكار في سبيل خدمة الإنسانية وتقدمها".

اقرأ أيضاً: الإمارات أيقونة العمل الخيري العالمي
ما يثيره هذا المؤتمر - بعيداً عن التفاصيل الإجرائية لهذا الحدث المنشورة في الصحف- أنّ ثمة دولاً نفطية نجحت في استثمار ثروتها وغناها بمصادر الطاقة، وعززت بالتالي دورها الإيجابي ومكانتها السياسية والإستراتيجية، بينما أخفقت دول نفطية أخرى في ذلك.

جانب من مؤتمر الطاقة العالمي الرابع والعشرين
ويقول محللون إنّ الفرق بين صعود النمور الأربعة (هونغ كونغ وماليزيا وتايوان وسنغافورة)، أو صعود قوى بريكس (البرازيل وجنوب إفريقيا والهند وروسيا والصين)، هو أنّ القوى شرق الأوسطية الصاعدة انطلقت من فائض في الثروة النفطية، إلى ثقافة تحويل سلعة إستراتيجية إلى دور إستراتيجي، كما أوردت صحيفة "العرب" اللندنية، التي أردفت بأنّ الدول النفطية كانت في السابق تعتمد على توفير هذه السلعة للسوق العالمية، وتترك الدور (الاستراتيجي) لدول أخرى أكبر لكي تقوم به. لكن صعود جيل جديد من القيادات في السعودية والإمارات، مثلاً، خلق مساحة جديدة أمام حركة هذه الدول بشكل مستقل، وهو ما ميزها عن مرحلة الصعود الآسيوي، وفق الصحيفة.

لماذا المقارنة بين ليبيا والإمارات؟
وعند الاستطراد، يمكن القول إنّه في السنوات الماضية، كانت في العادة تُجرى مقارنة متكررة بين الإمارات وليبيا في ظل سلطة حاكمها الراحل، معمر القذافي. ولعلّ من المقالات المفيدة التي ناقشت هذه المسألة رأيٌ كتبه قبل سنوات نائب رئيس تحرير صحيفة "الشرق الأوسط"، حينها، علي إبراهيم، الذي ذكر أنّ "بين الإمارات وليبيا (التي رزحت عقوداً تحت حكم العقيد القذافي) قدراً كبيراً من التشابه في الظروف والإمكانات الطبيعية والثروات، وتقريباً بداية الثروة النفطية، لكنّ البلدين اختارا مسارين مختلفين سياسياً، ما أدى إلى نتائج مختلفة تماماً على صعيد تطور كل منهما، نراها اليوم تميل كفتها بوضوح شديد لصالح الإمارات".

استضافت العاصمة الإماراتية أبوظبي أول من أمس مؤتمر الطاقة العالمي 24 الذي ينعقد للمرة الأولى في مدينة شرق أوسطية

وأورد إبراهيم أنّ تاريخ الإمارات، التي تأسست كدولة اتحادية في عام 1971، أحدث من ليبيا التي استقلت في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، ثم تحوّلت من الملكية إلى جمهورية على يد القذافي في 1969، لكنّ البلدين ارتبطا بالثروة النفطية التي شهدت فورتها الحقيقية في السبعينيات من القرن العشرين، وشكلت تقريباً جزءاً كبيراً من مسار منطقة الشرق الأوسط وعلاقاتها الدولية صداقة وصراعاً.
ويشير المقال إلى أوجه التشابه والاختلاف، فيذكر أنّ عدد السكان متقارب نوعاً ما، مع مساحة كبيرة في ليبيا التي تعد الدولة رقم 17 على مستوى العالم من حيث المساحة. كما أنّ إنتاج النفط متقارب مع احتياطيات ضخمة وإمكانيات اكتشاف احتياطيات أخرى، خصوصاً في ليبيا التي ظلت لسنوات محرومة من الاستثمار الأجنبي بسبب المقاطعة الدولية أيام القذافي.
ميزات ليبية
وينبّه علي إبراهيم في مقاله المذكور إلى أنّه قد يكون لليبيا بعض الميزات النسبية على دولة الإمارات، فهي على ساحل المتوسط على مسافة قصيرة من أسواق التصدير الرئيسية المستهلكة للنفط في أوروبا، وبعض حقولها تكلفة إنتاج برميل النفط فيه منخفضة للغاية ولا تتجاوز دولاراً للبرميل.

بعض حقول النفط الليبية تكلفة إنتاج برميل النفط فيها منخفضة للغاية ولا تتجاوز دولاراً للبرميل
لكن ما الذي جعل البلدين مختلفين برغم أوجه التشابه، لا سيما في الموارد النفطية ومصادر الثروة؟ يجيب الكاتب على ذلك قائلاً: إنّ الخيارات السياسية رسمت مسارين مختلفين للغاية للبلدين؛ فالإمارات اختارت الواقعية السياسية المتفاعلة مع محيطها، وركزت على التنمية الداخلية، والأهم توظيف ثروة النفط في بناء دولة حديثة ومؤسسات اعتماداً على الخبرات المتوافرة في السوق العالمية، من دون أي عقد أيديولوجية، بينما العكس فعلته ليبيا على يد القذافي، فقد حكمتها العقد الأيديولوجية، والمغامرات الخارجية المستنزفة للموارد، وبدلاً من أن توظف ثروة النفط في بناء المؤسسات والتنمية الداخلية وتحديث الاقتصاد والمجتمع، انشغلت في برامج الأسلحة، وتصدير الثورات في المنطقة العربية وإفريقيا، من دون أن يكون الأساس الداخلي قوياً أو يمكن أن يكون نموذجاً لآخرين.

الإمارات اختارت الواقعية السياسية المتفاعلة مع محيطها وركزت على التنمية الداخلية والأهم توظيف ثروة النفط في بناء دولة حديثة

وينبّه الكاتب إلى أنّ الشعب الليبي وقع ضحية هذه المغامرات وسوء الإدارة لعقود، وهو يستحق أفضل مما وقع له، وفي هذا يقول علي إبراهيم، إنّ النفط ليس هو العامل الوحيد في التطور الذي وضع دولة الإمارات بتنوع مكونات الاتحاد على الخريطة العالمية بقوة، سواء اقتصادياً أو سياحياً أو سياسياً، فالأهم، برأيه، هو أنّ الإمارات نجحت في استخدام وتوظيف مميزاتها النسبية في عملية التنمية، والميزات النسبية تشمل الموقع والثروة والأسواق المجاورة والخبرات المكتسبة، بينما لم تنجح ليبيا في تاريخها الحديث في استخدام ميزاتها النسبية الكثيرة، وبدلاً من أن تكون مركز ازدهار إقليمياً، كانت دائماً عامل توتر وقلق أمني، كما يقول. ويتساءل الكاتب أخيراً: "من يدري، ربما كانت ليبيا اتخذت مسار الإمارات نفسه لو لم يأتِ القذافي إلى السلطة، وإن كانت كلمة "لو" لا تصلح في كتابة التاريخ؟".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل تمكّنت الاجتهادات النسوية من تجاوز موروثات صورة المرأة؟

سعاد ولد سليمان's picture
باحثة اجتماعية جزائرية
2020-02-26

النسوية الإسلامية، أو تيار المساواة بين الجنسين، كما تفضّل أن تسميه كثيرات من المنتميات إليه، تنطلق للبحث عن حقوق المرأة وعن المساواة بينها وبين الرجل من داخل الإسلام نفسه، كما أنّها نسوية إسلامية؛ لأنّها ترفض تلك الصورة التي رسمت للمرأة في مخيال الذكر المسلم، من خلال قراءات في المسار التاريخي للإسلام، دون أن يراعي حَمَلة هذه التصورات أنّ العقل الإسلامي هو مسار تاريخي محكوم بتاريخانية الزمان والمكان.

أثقال الماضي تحاصرنا
يرتبط التصور العربي للمرأة بما سمّي "الإسرائيليات"، أو لنقل هنا "الميث اليهودي"، وبكلّ ما نقله لنا التقليد اليهودي، وبنظرته الدونية التي حولت كلياً مكانة المرأة من رمز للحياة إلى خطيئة يطالها الإثم والتجريم، ومن أصل إلى فرع يلحق به النقص.

مختلف التصورات التي وصلتنا من عهود العبودية وتعبر عمّا بقي من أفكار الجاهلية لم تعد تناسبنا

إنّ مختلف التصورات التي انتقلت لنا من عهود العبودية، وجاءتنا من التقليد اليهودي، وما أضيف لها من ميراث عرب شبه الجزيرة العربية، قبل الإسلام وبعده، وما نقله الرواة والفقهاء والمفسّرون وروّجوا له من أقوال خدمت مصالحهم وعكست نزاعاتهم، وعبّرت عمّا بقي في نفوس بعضهم من أفكار الجاهلية، لم تعد تناسبنا في عصرنا هذا، وقد قضى عليها العلم الحديث بالدليل، لكنها ما تزال تعشّش في مخيال المسلم، وما يزال وعيه يحملها تجاه المرأة ويزداد الوضع حين تظهر حركات الإسلام السياسي التي تعمل على تغذيتها، والتي تجعل المرأة خصمها الأول ومعيقها في طريقها نحو أسلمة الحكم وأسلمة المجتمع.

اقرأ أيضاً: النسوية الإسلامية والسينما: هل ارتقى الفن السابع بقضايا المرأة؟

فهل يمكن للمرأة اليوم أن تكشف بطلان تلك النصوص التراثية والمرويات التي تحدثت عنها، التي استمدت مقولاتها من "الميث اليهودي" وغيره؟ وهل في مقدورها أن تجتهد على النصّ التأسيسي وتدخل بمنهجية نقدية على تلك النصوص الدينية التي عالجت وضعيتها وحددت حقوقها، من زواج وطلاق وميراث، لتقول هنا إنّ تلك النصوص عالجت وضعيات تاريخية معينة لا يمكن أن تكون أحكامها مطلقة؟ هل صورة المرأة في الخطاب الديني وفي الموروث الاجتماعي جعلتها تفكر في الاقتراب من معالجة ودرس ذلك المفهوم للمقدس الديني ورفض أحكامه؟
على خطى قاسم أمين رأى سمير عبده أنّ صلاح المجتمع لا يكون إلا بصلاح حال المرأة

نحو قراءة جديدة
لم يقتصر تيار النسوية الإسلامية، أو التيار الداعي إلى المساواة بين الجنسين، على النساء وحدهنّ؛ بل كان هناك من الرجال من كانوا سبّاقين إلى المطالبة بتحرير المرأة، وإعادة النظر في وضعيتها ومساواتها مع الرجال، ورفض خطاب اللامساواة؛ فمثلاً نشر قاسم أمين، العام 1899، كتاباً بعنوان "تحرير المرأة"، تحدّث فيه عن الحجاب، وعن تعدّد الزوجات، والطلاق، وغيرها من القضايا التي تخصّ المرأة، فدعا إلى إصلاح وضع المرأة وتغييره، وهو الذي ربط بين انحطاط المرأة وانحطاط الأمة، وبين ارتقاء المرأة وارتقاء الأمة، ليقول: "في البلاد التي ارتقت إلى درجة عظيمة من التمدّن نرى النساء قد أخذن يرتفعن شيئاً فشيئاً من الانحطاط السابق، وصرن يقطعن المسافات التي كانت تبعدهنّ عن الرجال".

اقرأ أيضاً: النسويّة الإسلامية.. تطلّع نحو المساواة أم ضرورة سياسية؟

أما في المجتمعات العربية الإسلامية؛ فإنّ النظرة إلى صورة المرأة لم تتغير، وفي هذا قال في مؤلَّفه "المرأة الجديدة" الذي جاء بعد عام من مؤلَّفه السابق، وعرض فيه لأفكاره نفسها، الداعية لتحرير المرأة: "المرأة في نظر المسلمين على الجملة ليست إنساناً تاماً، وإن الرجل منهم يرى أنّ له حقّ السيادة عليها، ويجري في معاملته معها على هذا الاعتقاد".
ومِن الكتّاب المحدثين الذين دافعوا عن بعض القضايا التي تخصّ المرأة؛ المستشار محمد سعيد العشماوي، الذي كان أكثر ما ناقشه موضوع الحجاب، والذي عدّه العشماوي عادة اجتماعية لا فرضاً دينياً، وهو الذي قال في كتابه "حقيقة الحجاب وحجية الحديث": "من أسوأ الأمور أن يختلط الفكر الديني والتعبير الشرعي بالموروثات الشعبية (الفولكلور) والمواضعات الاجتماعية (التقليديات)، والعبارات الدارجة (المقولبات) "الكليشيهات"".   

الحجاب كشعار سياسي
وكان أن تحوّل الحجاب، مع حركات الإسلام السياسي، إلى شعار سياسي لهذه الحركات، ولنقل نحن هنا إلى رمز لهذه الحركات، كما في الجزائر؛ حيث لم يظهر الحجاب إلا مع بداية التسعينيات، وظهور حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ، أما قبل هذا التاريخ؛ فكانت بعض النساء يرتدين ملابس عادية، وبعضهنّ يضعن ما يعرف بالحايك أو الملحفة، وهي تشبه العباءة المصرية غير أنّها تأتي باللونين الأبيض والأصفر، مع كشف الوجه، أو تغطيته بما يعرف بـ "العجار"، وهو قطعة قماش صغيرة لتغطية نصف الوجه السفلي، ولم يعرف النقاب أو الجلباب أو الحجاب، بالشكل الذي هو عليه الآن.

اقرأ أيضاً: النسوية الإسلامية: حضور متزايد يُقيّد أفق المرأة
كما طالب نصر حامد أبو زيد بضرورة انعتاق المرأة من سلطة النصّ، ومن سلطة المجتمع، ومن السلطة الذكورية، التي رسمت صورتها، أو ما سماه "خطاب المرأة"، هذا الخطاب أورد وصفه بكتابه "دوائر الخوف، قراءة في خطاب المرأة": "الخطاب المنتج حول المرأة في العالم العربي المعاصر خطاب في مجمله طائفي عنصري، بمعنى أنّه خطاب يتحدث عن مطلق المرأة / الأنثى، ويضعها في علاقة مقارنة مع مطلق الرجل / الذكر".

اقرأ أيضاً: فاطمة حافظ: ما يقدمه السلفيون من نسوية يسيء للإسلام

وعلى خطى أفكار قاسم أمين نفسها، رأى سمير عبده؛ أنّ صلاح المجتمع لا يكون إلا بصلاح حال المرأة؛ ففي كتابه "المرأة العربية بين التحرّر والتخلّف" يرى عبده أنّه "لا تتحقق مقولة التقدم والحرية وبناء مجتمع جديد قبل أن نعيد إلى نصف هذا المجتمع إنسانيته الكاملة"، غير أنّه رأى أنّ أكثر ما يعيق تقدم المرأة وتحرّرها، الذي وإن قطعت فيه أشواطاً كبيرة، تعود فيه للوراء، بمجرد ظهور الفكر السلفي للجماعات الإسلامية، وهو ما كان دعاه العشماوي "الإسلام السياسي"؛ فهنا يرى سمير عبده أنّ هذه النهضة النسائية تعود إلى التراجع حين ترتفع موجة الفكر السلفي.
يقظة النساء
    مناضلات كثيرات دعون لتحرير المرأة، أوائلهنّ: زينب فواز، وهدى الشعراوي، ونبوية موسى، ونظيرة زين الدين، عائشة عبدالرحمن (بنت الشاطئ)، وغيرهنّ، ومن بين الأسماء التي عرفها تيار النسوية الإسلامية حديثاً: أمينة ودود، وأسماء بالاس، وإسراء نعماني، وأسماء مرابط، وليلى أحمد، وآمال قرامي، وخديجة صبار، وفاطمة المرنيسي، ونوال السعداوي، وأخريات.

اقرأ أيضاً: السينما النسوية السعودية تضع المجتمع أمام عيوبه
وكان من أهمّ القضايا التي شغلت التيار النسوي: مسألة المساواة في الميراث، وتعدّد الزوجات، والحجاب، وإمامة المرأة، والصلاة المختلطة، ورفض مقولة العصمة بيد الرجل، والقول بالمساواة بين الجنسين، وغيرها، وكان أهمّ ما اعتمدنه ووظفنه ودعون إليه؛ قيام التفسير النسوي للقرآن الكريم على طريقة المساواة بين الجنسين، غير أنّ ما هو مهمّ للطرح هنا: هل تمكّنت هذه الاجتهادات النسوية من تجاوز تلك الموروثات التي رسمت صورة المرأة، أم إنّها كانت قد استدعتها ولم تستطع العمل خارج حدودها فبقيت سجينتها تدور في فلكها وهي تتصوّر أنّها قد تحررت منها؟

كانت الدكتورة نوال السعداوي من أكثر النساء الداعيات إلى تحرير المرأة جرأة؛ فلم تتوقف يوماً عن دعوتها إلى انعتاق المرأة من ميثولوجيات عصور العبودية، ولا عن دعوتها إلى التمرد على مختلف السلطات الدينية والاجتماعية والذكورية التي كبّلت عقل المرأة وألغت وجودها؛ ففي كتابها "الأنثى هي الأصل"، أكّدت طرح قاسم أمين في أنّ تحرير المرأة هو تحرير للمجتمع ككل، لتضيف هي هنا أنّ طبيعة المرأة البيولوجية وطبيعتها الفسيولوجية ليست هي التي تكبّلها، كما يروَّج لهذا الفكر المناهض للمرأة، بل الموروثات والأعراف والتقاليد البالية والسلطة الذكورية والتفسيرات والقراءة الفقهية للنصوص الدينية هي التي تكبلها، وهذه الموروثات هي التي جعلت من مختلف القيم التي تحكم الذكور ليست هي نفسها التي تحكم الإناث، لتكون المرأة هنا خاضعة للمصير الأنثوي الذي فرضه الله والمجتمع.
أضحية على محراب الأساطير
من بين أكثر من عالجن موضوع الإسلام والمرأة؛ الباحثة المغربية خديجة صبار، التي عرضت لأحوال المرأة استناداً لما جاء به الموروث الإسلامي، المرأة التي تمّ عزلها عن الحياة العامة لتكون فقط لبيتها وزوجها، وليتمّ إبعادها عن أيّ نتاج معرفي حضاري.

لم تخرج الكتابات والاجتهادات النسوية عن إطار المقدس الديني وظلت قراءات سلفية ماضوية

أما هويتها فقد تشكّلت، كما عبّرت عنه خديجة صبار بـ"الفضاء الأسطوري"؛ ففي كتابها "المرأة بين الميثولوجيا والحداثة"، أوضحت أنّ  تلك الهوية المُشكَّلة هي التي تشكل الإطار المرجعي المؤسس لاضطهادها التاريخي، الذي تضرب جذوره في أعماق أعماق الأساطير.
كما وجّهت المفكرة المغربية، فاطمة المرنيسي، قلمها لخدمة قضية تحرير المرأة، لتكون مشروعها الفكري الذي حملته؛ إذ أرجعت سبب اضطهاد المرأة في المجال العام لتلك التفسيرات والقراءات التي أطلقها الفقهاء، وردّدها شيوخ الدين، ملصقين أقوالهم بالإسلام؛ ففي كتابها "الحريم السياسي"؛ كان أول ما بدأت به هو طرح سؤال استفزازي مرفوض من طرف فقهاء ومشايخ الدين: "هل يمكن لامرأة أن تقود المسلمين؟"؛ وهذا ردّاً على الحديث المشهور والمتداول: "لم يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة"، فعادت هنا لبحث الوضعية الاجتماعية والنفسية التي عايشها بعض رواة الحديث، خصوصاً أولئك الذين روّجوا لأحاديث تخصّ النساء، وهنا كانت من المهتمات بالأدبيات الفقهية أكثر من غيرها، وهذا فضحاً لزيف تأويلات الفقهاء وكذب أقاويل المحدثين.

اقرأ أيضاً: كيف أصبحت النسوية المعاصرة ذراعاً خفياً للنظام الرأسمالي الذكوري؟

إنّ منظومة العلاقات التقليدية بين الجنسين التي رسختها النصوص الدينية من جهة، والعادات والتقاليد من جهة أخرى، زكّتها أكثر النصوص الدينية، فكان التراث الفقهي الإسلامي، مثلاً، ذكورياً بامتياز، ولعلّ أبرز ما يواجهه الاجتهاد النسوي اليوم؛ ذلك الهجوم العنيف، وتلك الاتهامات العديدة، مرة بالانحلال الأخلاقي، ومرة بالفشل العاطفي والاجتماعي، ومرة بالعمالة والدعاية للأفكار الغربية، ومرة بالكفر والردّة، وغيرها من الاتهامات والنعوت، وهذا كلّه أثّر في نجاح الخطاب النسوي في التأسيس لقطيعة مع التصورات التقليدية للمرأة، وبالتالي إقصاء هذا الخطاب، وإعادة إنتاج التصورات السابقة نفسها عن المرأة، اجتماعياً وإعلامياً وأكاديمياً، وهنا تعطَى المهمة للمشتغلين على الدين، فلا يوجد من يعيد إنتاج مقولات التخلّف، بكلّ أنواعها، غير فقهاء ومشايخ الدين، ودعاة وأنصار الحركات الإسلامية.
فاطمة المرنيسي

الغرق في الماضوية
لم تخرج الكتابات والاجتهادات النسوية عن إطار المقدس الديني، أو لنقل "النصّ الديني"؛ بل كانت قراءات "سلفية" و"ماضوية"، تعود دوماً للماضي، وتنتقل من التراث في البحث عن ذاتها ووجودها، وتعمل، في الوقت نفسه، على تكييف النص مع الواقع الحداثي، فأين هو تحررها هنا، إن كانت ترى تقدّمها في الرجوع إلى الماضي والعودة دوماً للخلف، لتستند إلى ما حمله ذلك الماضي نفسه، ولا تخرج عن قراءاته وتأويلاته، محاولة جعلها تتماشى مع الواقع ومتكيفة مع الحداثة؟

لم يقتصر تيار النسوية الإسلامية على النساء بل كان ثمة رجال سبّاقون إلى المطالبة بتحرير المرأة

هي بهذا لم تشتغل خارج إعادة قراءة وتأويل النصّ واستدعائه، والدعوة إلى قراءة جديدة له؛ حيث خروج المرأة للعمل لا يعني تحررها، وتعليم المرأة لا يعني تحررها، وحتى الاستقلال المالي والتمكين الاقتصادي للمرأة، أو مشاركتها السياسة لا يعنون تحررها، إنّ التحرر الحقيقي للمرأة؛ هو في تحررها من تلك الصورة التي رسمت لها في الميثولوجيات والأديان والمرويات، وتحرّرها الحقيقي كذلك يكون على مستوى الأعراف والعادات والأذهان.
فإن كانت النظرة الاجتماعية والذكورية والدينية لم تتغير بعد؛ فإنّ المرأة لم تتحرر بعد، وما تزال سجينة تلك الصورة، المطلوب هو أن تتحرّر القراءات النسوية من سلطة العادات والأعراف والأساطير، التي رسمت لها صورتها، وأن تتحرّر من سلطة النصوص الدينية التي أعطت لكلّ تلك الميثولوجيات طابع الثبوت والصحة، إنّ البحث عن المساواة من داخل المرجعية الإسلامية نفسها، دون التحرر منها وتجاوزها، يبقى بحثاً عن ذات مسجونة بالرضوخ لتلك المرجعيات نفسها، وباستدعائها في كلّ مرة، وفي بحث تلك القراءات والاجتهادات النسوية عن الشرح والتدليل؛ فإنّها لن تخرج عن إطار التبرير، ولا عن ممارسة الإرضاء، وستقع مرة أخرى في فخّ التوفيق بين النقل/ العقل، الماضي/ الواقع، النصّ/ العلم، وهذا سيعطي كذلك الفرصة أكثر لتلك السلطات المناهضة للمرأة في أن تجد نفسها تتمظهر في خطاب من نوع آخر هذه المرة؛ هو خطاب نسوي حداثي.

للمشاركة:

مع التدخل التركي في ليبيا.. معركة تونس ضد الإرهاب تزداد صعوبة

2020-02-26

بدون مُقدّمات، وبعد "هُدنةٍ" مُطوّلة بين العمليات الإرهابية وتونس، وفي ظلّ مُؤشرات كانت تنبئ عن تضييق الخناق على تلك المجموعات المتحصنة بالجبال، وتعافي المُؤسسة الأمنية، أعلنت السلطات التونسية عن العثور على ثلاثة مخيّمات لإرهابيين  في مرتفعات محافظة القصرين الحدودية (وسط غرب تونس)، خلال أقلّ من أسبوعين، عُثر بداخلها على معداتٍ حديثةٍ، وخرائط لبعض المؤسسات وذخائر حية معدةٍ لأغراض عدائية، إلى جانب معداتٍ تستخدم في صناعة ألغام تقليدية، وأواني طبخ وبقايا أدوية ومادة لتعقيم المياه وأدوات للحفر.

مصادر أمنية ترجح أن تكون العناصر الإرهابية الجديدة تلقت التدريبات في منطقة "مصراتة" الليبية

.
وترجح مادر أمنية نقلاً عن وسائل إعلامٍ محليةٍ أن تكون هذه العناصر الإرهابية قد تلقت التدريبات في منطقة "مصراتة" الليبية، ويخطَّط  لتحويلهم إلى دول المغرب العربي، وفق معلوماتٍ استخباراتية وردت إليهم، وأنّ ذلك مرتبط بالمستجدات التي تعيشها الجارة ليبيا خلال الأشهر الأخيرة، في ظلّ التدخّل التركي في أراضيها.
مستجدّات تدقّ ناقوس الخطر في تونس، وتدفعها إلى رفع درجة الحذر، في ظلّ الوضع الإقليمي المتحرّك، خاصّةً أنّ الحرب ضد الإرهاب ما تزال مشتعلة مع الجماعات الإرهابية المنتشرة في الجبال، التي تحاول استعادة قوتها وترتيب صفوفها لتنفيذ هجماتٍ جديدة، في أوقات غير متوقعة.

 

تونس تدفع ثمن عدم الاستقرار الليبي
لم تنتهِ مخاوف تونس، منذ اندلاع الحرب بليبيا في شباط (فبراير) العام 2011؛ إذ لم تخل الساحة الليبيّة من التدخّل الأجنبيّ وسط صراعات تؤججها أطراف إقليمية ودولية بحسب مصالحها وأهدافها وهي مصالح في أغلبها معادية لاستقرار ليبيا ووحدتها، ولها تداعيات على استقرار تونس ونجاح نموذجها الديمقراطي.

ظلّ احتمال تسلّل عناصر إرهابيّة ضمن اللاجئين أو تحريك خلايا نائمة الهاجس الأكبر للأجهزة الأمنية

كما ظلّ احتمال تسلّل عناصر إرهابيّة ضمن موجات اللاجئين أو تحريك بعض الخلايا النائمة داخل البلاد منذ العام 2011، الهاجس الأكبر للأجهزة الأمنية في تونس، خصوصاً وأنّ التدخّل التركي، سيجذب آلاف المقاتلين إلى ليبيا ممّا يجعل تونس تعاني من التبعات الأمنية الخطيرة التي قد تكون قاصرةً عن مواجهتها في الظرف الحالي.
في هذا السباق، ترى مديرة المركز الدولي للدراسات الإستراتيجية الأمنية والعسكرية، بدرة قعلول، أنّ "الوضع الإقليمي المتحرّك، وفي مقدمته، المشهد الليبي غير المستقر، فضلاً عن التدخّل التركي عسكرياً فيه له علاقة مباشرة على ما يحدث في بلدان المنطقة، على غرار التفجيرات التي تعيشها كل من النيجر ومالي والتشاد، وستكون له انعكاسات سلبية على الوضع الأمني والعسكري في تونس".
وأشارت قعلول في تصريحها لـ"حفريات" إلى أنّ العثور على الأوكار الإرهابية في جبال محافظة القصرين، وتنفيذ بعض العمليات الاستعراضية في المنطقة، "هي بمثابة الإشارات الخضراء التي توجهها القيادات الإرهابية إلى جماعتها، تدعوهم فيها إلى الاستعداد، والتواجد في أرض المعارك".

اقرأ أيضاً: تونس تستعد لاستقبال "أطفال داعش": ضحايا أم براعم متفجرة؟
قعلول شدّدت أيضاً على أنّ التدخّل التركي في ليبيا، ستكون له تبعات سلبية جدّاً على الاستقرار التونسي، "خاصّةً أنّ الرئيس التركي يسعى إلى تنظيف بلاده من الإرهابيين والمتشدّدين، عبر ترحيلهم إلى ليبيا، ومدّهم بالسلاح لإدارة معاركهم".
ولا تستبعد قعلول أن يعطي الوضع السياسي المحلي المضطرب جداً، مجالاً واسعاً لتحرّك الإرهابيين براحةٍ، في ظلّ ارتفاع معدّلات الفقر، وتراجع المؤشرات الاقتصادية، وضعف الدولة.

 

المعركة مع الإرهاب لم تنتهِ
وبالرغم من أنّ التنظيمات الإرهابية باختلاف تسمياتها، قد تلقّت ضرباتٍ موجعةٍ في تونس، وتمت تصفية أغلب قياداتها خلال عملياتٍ استباقية متفرّفةٍ، فإنّ الخطر الإرهابي مازال قائماً حتّى أنّ تأثيرها اليوم أصبح أكثر خطورةً لاعتمادها على تقنيات جديدة وفكر وإيديولوجيا وعالم افتراضي للتسويق لأفكارها المتطرفة إضافةً إلى انتشار ما يسمى بـ "الذئاب المنفردة"، أو "الخلايا النائمة"، داخل المدن.

اقرأ أيضاً: الانسداد السياسي يدفع تونس إلى السيناريو الأصعب. ما هو؟
كما لا يمكن تجاهل أنّ ما بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف تونسي قادهم التطرف للذهاب إلى سوريا والعراق، 500 منهم عادوا، و400 أوقفتهم السلطات التونسية، بناءً على الأرقام والتقديرات الرسمية لتقييم التهديد الإرهابي في تونس، فيما تظلّ أكبر قوّة أجنبية في ليبيا بين المجاهدين هي من المقاتلين التونسيين.

إبراهيم حداد: الإرهابيون يفضلون الاختباء في جبل الشعانبي الذي يحتوي وحده قرابة 200 مغارة

ويعتبر الباحث الجامعي المختص في التاريخ العسكري فيصل الشريف أنّ "الخطر مازال متواصلاً، خصوصاً في ظلّ عدم الاستقرار الذي يحيط بتونس؛ إذ لا يزال المشهد الجزائري لم يستقر كلياً بعد، فيما تعيش ليبيا توتّراً داخلياً، قد يتطور إلى حربٍ أهلية بتدخل تركيا بتعلة حل النزاع، بين الفرقاء السياسيين، وهو ما سيعقّد التنسيق الأمني الذي يجب أن تجريه تونس مع جارتيْها للتعاون من أجل استباق العمليات الإرهابية التي تخطّط لها الجماعات المتشدّدة".
ويرجح الشريف في حديثه لـ "حفريات"، أن "تقوم العناصر الإرهابية المتمركزة بالجبال بعملياتٍ إرهابيةٍ نوعيةٍ، قد تفاجئنا بها في وقتٍ غير متوقّع، داعياً الوحدات الأمنية والعسكرية إلى الاستنفار، ورفع درجة الحيطة والحذر، وضرورة التعامل مع النجاح الأمني والعسكري بكلّ حذرٍ".

بعضٌ من المحتويات التي عثر عليها الأمن التونسي في أوكار الإرهابيين

تاريخ مؤلم لتونس مع الإرهاب
هذا وقد عرفت محافظة القصرين عمليات إرهابية دموية خلال الأعوام الأخيرة، على غرار عملية ذبح 8 جنود في شهر تموز (يوليو) 2013 واغتيال 14 عسكرياً في شهر آب (أغسطس) 2013، كما تشهد منذ العام 2013 تحركات إرهابية للجماعات المسلحة على غرار كتيبة "عقبة بن نافع" التابعة لتنظيم القاعدة وكتيبة "جند الخلافة" التابعة لتنظيم داعش الإرهابي.
ويُعد العام 2013 الأكثر ضراوةً وقسوة؛ إذ شهدت خلاله البلاد أكبر عدد من العمليات الإرهابية التي أوقعت عشرات الضحايا من منتسبي مؤسستي الجيش والأمن، في مواقع عدة في الجبال والطرقات ومراكز الأمن والثكنات في عملياتٍ مباغتةٍ، فضلاً عن اغتيال السياسييْن شكري بلعيد ومحمد البراهمي.

يرجح فيصل الشريف أن تقوم العناصر الإرهابية المتمركزة بالجبال بعمليات إرهابية نوعية

كما شهدت البلاد العام 2015، تحولاً خطيراً في سجل العمل الإرهابي في البلاد، من خلال عمليات كبرى في العمق التونسي، أهمها عملية باردو بالعاصمة التونسية، والتي قتل خلالها 22 شخصاً، غالبيتهم من السياح الأجانب، وجرح 45 آخرين، وتعرضت بعدها مدينة سوسة الساحلية لهجوم، أسفر عن مقتل 38 سائحاً وجرح 39 آخرين، بعد أن هاجم مسلح أحد الفنادق على شواطئ أحد المنتجعات السياحية، وتمكنت قوات الأمن حينها من قتل الجاني أثناء الهجوم.
لتتسلسل لاحقاً العمليات الإرهابية التي تستهدف المراكز الحيوية، داخل المدن، وفي المناطق الحساسة، ويتطور التنسيق الإرهابي إلى تكوين خلايا نائمة داخل العاصمة، وتدريب ذئاب منفردة، تعد الأخطر من تلك العناصر المتمركزة في الجبال، والتي تمت محاصرتها.

اقرأ أيضاً: تونس: هل يصنع الخوف تحالفات "النهضة"؟
وحول أهم نقاط تمركز الإرهابيين، قال الخبير العسكري إبراهيم حداد لـ "حفريات"، إنّهم يفضلون الاختباء في جبل الشعانبي الذي يحتوي وحده على حوالي 200 مغارةٍ، وأنّهم ينزلون لينهوا مهامهم في شكل ذئاب منفردة، ثم يعودون إلى مخابئهم".

ويؤكد الحداد أنّ الوحدات الأمنية والعسكرية نجحت في معركتها ضد الإرهاب الذي ضرب المدن الساحلية، وقلب العاصمة، خلال الفترة التي امتدت بين 2014 و2018، لكنّها لم تنجح بعد في القضاء على الإرهابيين المتحصنين بالجبال، الموجودة في القصرين، وباقي المحافظات الحدودية مع الجزائر.
الحداد لفت أيضاً إلى أنّ هذه الجماعات تحبذ التمركز في جبال القصرين، في مقدمتها جبل الشعانبي، لأنّه قريب من القرى الجبلية المكان الذي يسهل عليهم تنفيذ عملياتهم الإرهابية، والعودة إلى مغاورهم بأقل الخسائر، كما يسهل عليهم السطو على الأرياف القريبة منه لتأمين مؤونتهم، مشيراً إلى أنّ الأراضي التونسية الجنوبية القريبة من ليبيا يصعب الاختباء فيها، نظراً لطابعها الصحراوي.

للمشاركة:

300 عائلة فلسطينية في العراق مهددة بالقتل والتشريد

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-26

تغريد علي

يعيش آلاف اللاجئين الفلسطينيين في العراق مصيراً مجهولاً، بعد قرار المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR)، بأنّ شهر شباط (فبراير) الحالي هو آخر شهر ستدفع فيه بدلات الإيجار الخاصة بالعوائل الفلسطينية المقيمة في العاصمة العراقية، بغداد، وهو قرار لم يفهم الفلسطينيون في العراق أيّ تبريرٍ له، لا سيما أنّهم يعانون من ضنك العيش أصلاً، وغياب فرص توظيفهم في البلاد، حيث إنّ ذنبهم الوحيد أنّهم من فلسطين، ليعاقبوا أكثر من مرة مع كلّ حكم جديد في العراق باعتبارهم الحلقة الأضعف، وها هو التاريخ الآن يعيد نفسه بصورة أبشع وبوجه أقبح.

مؤخراً، أعلن عضو مفوضية حقوق الإنسان العراقية، علي البياتي؛ أنّ 300 عائلة فلسطينية باتت مهددة بالتشرد بعد قطع مفوضية شؤون اللاجئين‬ بدلات الإيجار عنهم، مبيناً أنّ تلك العوائل لديها نية بالتظاهر في ساحة التحرير للبحث عن حلول.

يتمركز اللاجئون الفلسطينيون في أكثر من 13 منطقة داخل العراق

وتبلغ قيمة بدل الإيجار المقدّم من قبل المفوضيّة 300 دولار أمريكي شهرياً، أي ما يعادل 320 ألف دينار عراقي، وهو مبلغ ليس من السهل تأمينه في ظلّ تردّي الأوضاع الاقتصادية في العراق خلال الآونة الأخيرة، ما ألقى بظلاله على اللاجئين الفلسطينيين، لا سيما عقب قرارات الحكومة العراقيّة، في حزيران (يونيو) 2018، بتجريد المقيمين العرب، بمن فيهم الفلسطينيون، من صرف الحصّة التموينية الشهريّة، ومنع حقوق التقاعد للموظف الفلسطيني المتوفَّى لورثته، بالإضافة إلى فرض رسوم على التعليم والصحة، وحرمانهم من الاكتتاب على السكن ضمن المشاريع السكنية.

عدد اللاجئين الفلسطينيين الذين قتلتهم ميليشيات وزارة الداخلية العراقية ومقتدى الصدر وجيش المهدي، بلغ أكثر من 690 لاجئاً

ولا يخضع اللاجئون الفلسطينيون في العراق لتعريف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، ولا تشملهم الوكالة ضمن مناطق عملها، وجرى اعتبارهم كلاجئين لدى دولة العراق منذ خمسينيات القرن الماضي، لكنّهم تعرضوا منذ الغزو الأمريكي للعراق، عام 2003، لعمليات قتل وتهجير واسعتين على يد الميليشيات المسلّحة، وبات هناك التباس في اعتباريتهم القانونية في البلاد؛ بسبب تبدّل نظام الحكم، وعدم احتوائهم كلاجئين من قبل الحكومات التي تعاقبت على العراق.

وينصّ القانون العراقي رقم (202)، على أنّ "للفلسطيني حقوقاً مثل العراقي بكلّ الامتيازات وحقوق المواطنة كالعمل في الدوائر الحكومية والتعليم والصحة والإعفاء الضريبي، إلى حين تحرير بلده وعودته إليها".

ووفق المفوضية الأممية لشؤون اللاجئين؛ فإنّ عدد اللاجئين الفلسطينيين في العراق يبلغ نحو 8000 لاجئ، من أصل ما يفوق الـ 270 ألفاً من طالبي اللجوء واللاجئين المسجلين لدى المفوضية.

وكانت الحكومة العراقية قد قضت في وقتٍ سابق، بحسب وثيقة مصدقة من قبل الرئيس العراقي السابق، فؤاد معصوم، خلال العامين (2014- 2018)، بتجريد الفلسطينيين المقيمين في العراق من الحقوق والامتيازات الممنوحة لهم منذ عام 1948.

اقرأ أيضاً: القضية الفلسطينية بين الاستغلال والابتزاز

وبموجب بروتوكول كزابلانكا، خلال عام 1965، الذي أقره وزراء خارجية الدول العربية بخصوص معاملة اللاجئين الفلسطينيين؛ تلتزم الحكومة العراقية بمنح اللاجئين الفلسطينيين الحقّ في العمل، والدخول والخروج متى اقتضت مصلحتهم لذلك، ومنح الفلسطينيين المقيمين وثائق سفر يتمّ إصدارها وتجديدها لهم دون تأخير.
يعيش آلاف اللاجئين الفلسطينيين في العراق مصيراً مجهولاً

تهجير وقتل اللاجئين الفلسطينيين

ويرى الدكتور عبد الفتاح محمد، أستاذ القانون العام في الجامعة المستنصرية؛ أنّ "القرار انتهاك صارخ للقرارات العربية والدولية، التي كفلت حماية اللاجئين الفلسطينيين في العراق، الذين يعيشون ظروفاً مأساوية قاسية لا تليق بالإنسانية منذ الاحتلال الأمريكي للعراق، عام 2003، الذي نجم عنه زجّ الفلسطينيين في الصراعات الطائفية بعد الانفلات الأمني الذي شهدته البلاد، والذي أدّى إلى ارتكاب الميليشيات الطائفية، ومغاوير وزارة الداخلية، جرائم مختلفة بحقّ اللاجئين الفلسطينيين، تنوّعت بين القتل والخطف ومهاجمة المنازل والتهجير والترهيب والتنكيل بهم".

اقرأ أيضاً: هل فقد الفلسطينيون الحشد وعليهم أن يقبلوا بصفقة القرن؟

ويضيف أستاذ القانون، وهو فلسطيني مقيم بحي الأعظمية ببغداد، منذ 55 عاماً، في حديثه لـ "حفريات": "العراق شهد هجرة أكثر من 22 ألف لاجئ فلسطيني منذ الغزو الأمريكي له، ولم يتبقَّ من اللاجئين الفلسطينيين سوى بضعة آلاف فقط"، مبيناً أنّ "هناك أعداداً كبيرة من اللاجئين تحاول الهجرة إلى خارج العراق بعد إقرار الحكومة العراقية قانون رقم (76) للعام 2017، الذي بدّد آمال الفلسطينيين بالعيش بكرامة خارج وطنهم، ليحرم القانون العائلات الفلسطينية من المعونات والطرود الغذائية، وتضييق حصولهم على الإقامات داخل الجمهورية العراقية".

اقرأ أيضاً: هل يتبرأ الفلسطينيون من الاتفاقيات مع إسرائيل؟

ولفت إلى أنّ "ما يجري من ممارسات عنصرية واضطهاد بحقّ اللاجئين الفلسطينيين يهدف إلى تحقيق مآرب سياسية، لمحاولة دفعهم للهجرة إلى خارج العراق، في ظلّ غياب القوانين العراقية التي تنظّم العلاقة بين اللاجئين والدولة، والذي دفع ببعض الأحزاب السياسية، كحزب المؤتمر الوطني، إلى اعتبار اللاجئين يشكّلون طابوراً خامساً بدعوى وقوفهم إلى جانب نظام الرئيس السابق صدام حسين".

العراق شهد هجرة أكثر من 22 ألف لاجئ فلسطيني منذ الغزو الأمريكي له

تنصّل "الأونروا"

ويتمركز اللاجئون الفلسطينيون في أكثر من 13 منطقة داخل العراق، من بينها: العاصمة بغداد، وحي السلام، ومنطقة الكرادة، والمشتل، والدورة، ومنطقة الموفقية والزبير بالبصرة، جنوب العراق، "ومعظم الفلسطينيين قدموا للعراق منذ النكبة الفلسطينية، عام 1948، من عدة مناطق وبلدات فلسطينية، أبرزها: القدس ويافا وحيفا وبلدة جبع والطيرة وعرعرة".

العراق شهد هجرة أكثر من 22 ألف لاجئ فلسطيني منذ الغزو الأمريكي، ولم يتبقَّ منهم سوى بضعة آلاف

وأكّد محمد أنّ "المضايقات المستمرة بحق اللاجئين الفلسطينيين دفعت بالعديد منهم للجوء إلى سوريا والأردن، لإيجاد موطئ قدم جديد لهم، في ظلّ عدم تمتعهم بالحماية التي نصّت عليها اتفاقية اللاجئين، عام 1951، وبروتوكول عام 1966، وبقائهم تحت ولاية الحكومة العراقية، بعد تخلي وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) عن تقديم الخدمات والمساعدات لهم"، موضحاً أنّ "اللاجئين يتمركزون في عدة مخيمات على الحدود الأردنية والسورية كمخيم الرويشد والتنف والهول".

وطالب محمد بأن تتدخل الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والسلطة الوطنية الفلسطينية بشكل رسمي لمتابعة أوضاع اللاجئين الفلسطينيين بشكل جدي، ومنحهم الحماية والظروف المعيشية المناسبة لهم بالتنسيق مع الحكومة العراقية، وأن يكون هناك تواصل دائم من قبل السلطة الفلسطينية للاطلاع على أوضاع اللاجئين ومتابعة قضاياهم للمحافظة على حقوقهم.

استهداف التجمعات السكنية الفلسطينية

من جهته، يقول عضو لجنة العائدين من العراق، مجدي الشريف، لـ "حفريات": "السلطات العراقية أقامت، في منتصف سبعينيات القرن الماضي، تجمعات سكنية للاجئين الفلسطينيين، الذين تجاوز تعدادهم آنذاك 35 ألف لاجئ فلسطيني، كما قامت باستئجار منازل للذين لم يتمكنوا من توفير مسكن لهم"، مبيناً أنّ "85% من اللاجئين كانوا يعيشون في تجمعات سكنية على نفقة الحكومة، و12% منهم تمّ استئجار منازل سكنية لهم، والباقون كانوا يمتلكون منازل خاصة بها، وذلك منذ عام 1948 ولغاية عام 2003، قبل الغزو الأمريكي للعراق".

اقرأ أيضاً: وثيقة فلسطينية ترصد 300 تجاوز قانوني في "صفقة القرن"

وأكد أنّ "التجمعات الفلسطينية تركزت في العاصمة العراقية بغداد، التي يقطنها أكثر من 95% من اللاجئين الفلسطينيين، و3% في مدينة الموصل، و2% يتخذون من محافظة البصرة ملاذاً لهم، ويعانون أوضاعاً اقتصادية ومعيشية سيئة، باستثناء بعض المساعدات المحدودة، التي تقدمها "اليونيسيف" و"اليونسكو" وبعض المنظمات الدولية، والتي لا تفي باحتياجات ومتطلبات اللاجئين الفلسطينيين".

ولفت الشريف إلى أنّ "معاناة اللاجئين الفلسطينيين تصاعدت بعد الاحتلال الأمريكي، وتمّ استهداف التجمعات السكنية الفلسطينية من قبل بعض الجماعات المسلحة، إضافة إلى إجراءات اتخذتها الحكومة العراقية كان من بينها قرار وزيرة الهجرة العراقية، سهيلة عبد الجعفر، التي طالبت في مؤتمر صحفي، في تشرين الأول (أكتوبر) 2005، رئاسة الوزراء ووزارة الداخلية، بإعادة اللاجئين الفلسطينيين إلى الأراضي الفلسطينية، ونجم عن ذلك وقف إصدار البطاقات الشخصية ووثائق السفر للاجئين الفلسطينيين، واقتحام عناصر من وزارة الداخلية لمنازلهم واعتقال عدد منهم والتنكيل بآخرين".

300 عائلة فلسطينية باتت مهددة بالتشرد بعد قطع مفوضية شؤون اللاجئين‬ بدلات الإيجار عنهم

الهجرة إلى خارج العراق

وبفعل المضايقات والهجمات التي تعرض لها الفلسطينيون "اتجه عدد كبير منهم نحو الهجرة إلى مناطق في كردستان العراق، والبعض الآخر استطاع الهرب إلى دول أوروبا وأمريكا اللاتينية، ومن لم يستطع الوصول إلى هذه الدول توجه نحو حدود الدول العربية المجاورة، أملاً في دخول أراضيها، والتي سارعت في بداية الأمر إلى إغلاق حدودها، حتى أصبح اللاجئون الفلسطينيون أمام خيارَين إحداهما مرّ؛ إما العودة إلى العراق وانتظار الموت، أو العيش في خيام تفتقر لأدنى مقومات الحياة الإنسانية على حدود الدول المجاورة، كالأردن وسوريا".

اقرأ أيضاً: المواقف التركية تجاه فلسطين عبر 7 عقود: ما أبرز التحوّلات؟

وبيّن الشريف؛ أنّ عدد اللاجئين الفلسطينيين الذين قتلوا على أيدي ميليشيات تتبع لوزارة الداخلية العراقية والزعيم الشيعي مقتدى الصدر، وميليشيا جيش المهدي، بلغ أكثر من 690 لاجئاً، إضافة إلى اختطاف وتعذيب عدد آخر، في حين أنّ هناك عدداً من اللاجئين الفلسطينيين الذين تمّ إخفاؤهم قسراً داخل معتقلات الحكومة العراقية والميليشيات الطائفية، ولا يعرف مصيرهم حتى الآن".

وعمّا هو المطلوب، فلسطينياً ودولياً، لحماية حقوق اللاجئين الفلسطينيين بالعراق، يقول الشريف: "يتمّ الضغط دولياً لتوسيع صلاحيات عمل وكالة (الأونروا) لتشمل اللاجئين الفلسطينيين في العراق، وأن تتحمّل الحكومة العراقية المسؤولية الكاملة عن حماية الفلسطينيين من الاعتداءات والإجراءات العنصرية المتخذة ضدّهم".

للمشاركة:



تسريبات تثبت تورط أردوغان ونجله وصهره في قضايا فساد

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-26

قدّم زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض بـتركيا، كمال قليتش دار أوغلو، أدلة لإحدى محاكم أنقرة، تثبت صحة تسجيلات مسربة منذ عام 2013، وتكشف تورط رجب طيب أردوغان في نهب المال العام.

 

وبحسب الأدلة التي وضعها محامي قليتش بين يدي قضاة المحكمة المدنية الابتدائية السادسة، في العاصمة أنقرة؛ فإنّ أردوغان متورط وعائلته في نهب المال العام، ما يكشف دورهما التخريبي وإدخال تركيا في أزمات اقتصادية كبرى، وفق ما نقلت "العين" الإخبارية عن صحيفة "جمهوريت" التركية.

كمال قليتش يقدم أدلة تثبت صحة تسجيلات مسربة منذ عام 2013 تكشف تورط أردوغان بقضايا فساد

وأظهر أحد التسجيلات الصوتية المسربة مؤخراً لأردوغان ونجله؛ أنّهما اشتريا شقة بلغت قيمتها 25 مليون دولار، يسأل فيه بلال، نجل أردوغان، والده: "يمكننا إعطاء 25 مليون دولار لتشيليك (رجل أعمال) والباقي سنشتري به شقة من شهريزار (مشروع عقاري بإسطنبول) ليردّ الرئيس التركي: افعلوا ما ترونه".

بينما فضح تسريب صوتي آخر مخطط أردوغان ونجله بلال، للانتقام من فتح الله غولن، الداعية التركي المقيم حالياً في واشنطن، بعد كشف وقائع الفساد الكبرى.

ووفق التسريب الصوتي؛ فإنّ بلال تحدث لوالده الرئيس التركي قائلاً: "نحن وسرهات شقيق وزير المالية بيرات ألبيرق صهر أردوغان، جلسنا واتفقنا على أنّه لا بدّ أن يدفعوا ثمن نوايانا الحسنة، ولا بدّ من أن نفعل شيئاً، لا بدّ لجماعة غولن من أن تعرف حدودها وينتهي هذا".

وتعقيباً على حديث بلال، ردّ أردوغان، خلال التسريب الصوتي: "هناك بعض الإجراءات التي ستتخذ اليوم بالفعل، وسيصل الأمر لذروته، لكن لا بدّ لعائلة سرهات أن تقدّم دعماً كبيراً لوسائل الإعلام مع الأصدقاء الآخرين".

وأزاح تسريب صوتي ثالث لمكالمة هاتفية بين أردوغان ونجله بلال الستار عن فضيحة فساد لعائلة الرئيس التركي، وتدخلهم في شؤون القضاء بالبلاد.

وخلال هذا الاتصال، قال بلال لوالده: "يا أبي، لا بدّ من القيام بعملية وحملة ضدّ رجال الأمن والنيابة العامة في أسرع وقت ممكن، لا بدّ من القيام بحملة ضدّ النيابة العامة وكبار جماعة غولن".

إلا أنّ الرئيس التركي قاطع بلال، قائلاً له: "يا بني، لا تخلط الأمور ولا تتحدث في مثل هذه الأشياء على الهاتف توقف عن هذا الحديث الآن".

وقال محامي زعيم حزب الشعب الجمهوري، جلال تشيليك: "اليوم رفعت ضدّي قضية جنائية بسبب التسجيلات التي قدمتها في القضايا المرفوعة ضدّ رئيس الحزب".

وأضاف: "في إطار الصلاحيات التي منحني إياها القانون أخذت تقرير الخبراء المتعلق بالتسجيلات السبعة، 6 منهم داروا بين أردوغان ونجله بلال، وآخر له مع رئيس إدارة الإسكان وقتها هالوق قارابيل".

وبحسب تسجيل فيديو منسوب للمحامي تشيليك، نشرته صحيفة "جمهوريت" التركية المعارضة، فإنّ تقرير الخبراء يؤكد بوضوح أنّ التسجيلات المنسوبة لأردوغان "صحيحة تماماً"، قائلاً: "كشفنا أنّه لا يوجد فيها أيّ مونتاج".

وكانت صحف تركية معارضة قد وصفت بلال، نجل أردوغان؛ بأنّه "وزير نفط داعش" لدوره الكبير مع صهره بيرات ألبيراق في تسهيل تهريب النفط الذي استولى عليه التنظيم المتطرف في سوريا، وتسويقه والتربح منه.

قضايا الفساد تتمحور حول شراء شقق وأراضٍ، والتضيق على القضاء وملاحقة الصحفيين والموالين لغولن

وأوضحت الصحف؛ أنّ قيمة أصول شركته البحرية التي يمتلكها بالشراكة مع عمه مصطفى أردوغان، وصهره ضياء إلجين، تضخمت إلى 180 مليون دولار، ونقل مقر الشركة إلى منطقة بيليربيي على مضيق البوسفور، ووصلت قيمة المقر الجديد لـ 150 مليون دولار.

وتمثل خطوات أردوغان هذه امتداداً لسلسة اضطهاد لمعارضيه؛ ففي 16 شباط (فبراير) الجاري فتحت سلطات الرئيس التركي تحقيقاً مع مراسلة إحدى صحف المعارضة؛ لقيامها بالكشف عن فساد صادق ألبيرق، والد وزير الخزانة والمالية بيرات ألبيرق، صهر الرئيس رجب طيب أردوغان، في مسألة "تسقيع الأراضي".

وبدأت سلطات أردوغان التحقيق مع مراسلة صحيفة "جمهورييت"، المعارضة هزل أوجاق، لكتابتها تحقيقاً صحفياً عن شراء ألبيرق أراضٍ على طريق قناة إسطنبول المائية عام 2003، قبل شراء أخرى ونقل ملكيتها للوزير نفسه عام 2012.

 واعتبرت السلطات التركية خبر الصحفية "إهانة" لوزير المالية، في حين أنّها لم تنفِ في الوقت ذاته ما كشف عنه التقرير.

التحقيق المذكور كان قد كشف هذه الواقعة، في كانون الثاني (يناير) الماضي، حيث ذكر أنّ والد الوزير كان قد اشترى 3 أفدنة في منطقة "أرناؤوط كوى" الواقعة على مسار القناة، وبعد أن أعلن أردوغان عن هذا المشروع، في 2011، اشترى 13 فداناً أخرى ونقل ملكيتها لنجله وزير المالية.

ووفق ما ذكره التحقيق؛ فإنّ الأرض المشتراة تقع ضمن حدود المنطقة السكنية في الخطة الجديدة لقناة إسطنبول، وأشار سماسرة عقارات وخبراء إسكان إلى أنّ "الأراضي الموجودة بتلك المنطقة زادت قيمتها السوقية بشكل كبير".

وتشير تقارير للمعارضة التركية إلى أنّ وجود أردوغان وحزبه على رأس السلطة، منذ 17 عاماً، سهل عملية نهب عائلته لأموال الشعب التركي وتكوين ثروات طائلة، عبر صفقات تجارية مشبوهة، في حماية أجهزة حكومة العدالة والتنمية.

للمشاركة:

تركيا تفاقم أزمة المهاجرين في اليونان

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-26

بعد الخلافات التي طرأت على العلاقات اليونانية التركية، بسبب اتفاقية ترسيم الحدود البحرية، التي عقدها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، مع حكومة السراج في ليبيا، فتحت أنقرة الباب على مصراعيه أمام المهاجرين للتوجه إلى اليونان، في محاولة لمفاقمة الأزمة، جراء تكدس أعداد المهاجرين غير الشرعيين القادمين.

 

 

ولاحتواء ذلك الوضع المتأزم في الجزر اليونانية؛ بدأت السلطات باتخاذ تدابير لإعادة تنظيم مراكز الاستقبال، وقوبل لذلك بردود أفعال متباينة، سواء من جهة المهاجرين أو سكان الجزر اليونانية، وفق ما نقلت صحيفة "أحوال" تركيا.

تركيا تفتح الباب على مصراعيه أمام المهاجرين إلى أوروبا عبر اليونان في محاولة لمفاقمة الأزمة

وفي هذا الصدد؛ قالت الشرطة اليونانية وشهود عيان: إنّ "اشتباكات اندلعت في جزيرة ليسبوس، أمس، بين الشرطة وسكان يحتجون على بناء مركز احتجاز للمهاجرين".

وقال الشهود؛ إنّ "نحو 500 شخص حاولوا منع تحميل معدات ثقيلة تُنقل برفقة تعزيزات من الشرطة، استعداداً لبناء المركز على الجزيرة الواقعة في بحر إيجة".

وأعقبت ذلك اشتباكات في الشوارع وحاول السكان قطع الطريق إلى موقع البناء.

وسيتحول الموقع في ليسبوس إلى مخيم يُراقب دخوله عن كثب، وسيحلّ محلّ مخيم موريا المفتوح، وهو منشأة مترامية الأطراف صُممت لاستيعاب أقل من ثلاثة آلاف شخص، لكنّها تضمّ الآن أكثر من 18 ألفاً من طالبي اللجوء.

وتعتزم السلطات اليونانية بناء مراكز احتجاز على جزر ليسبوس وتشيوس وساموس وكوس وليروس، والجزر القريبة من تركيا، التي يأتي منها الآلاف من طالبي اللجوء الذين يقصدون أوروبا كلّ عام.

واتخذت الحكومة اليونانية المحافظة موقفاً أكثر صرامة تجاه الهجرة مقارنة بالحكومة اليسارية السابقة؛ حيث أصدرت مناقصة لبناء سياج عائم لردع طالبي اللجوء الذين يصلون عن طريق البحر، واستحداث إجراءات أسرع في التعامل، يمكن أن تزيد من عمليات الترحيل.

سكان الجزر اليونانية يعيقون عملية بناء مخيمات جديدة لاستقبال المهاجرين ويشتبكون مع السلطات

ويشعر السكان المحليون بالقلق من أنّ بناء هذه المراكز والتي ستحلّ محلّ المخيمات التي يمكن الوصول اليها بشكل مفتوح، مما سيجعل منها أماكن مكتظة بشكل دائم.

وتقول السلطات إنّ المراكز المغلقة ستوفر السلامة العامة بشكل أكبر، وتخلق مخاطر صحية محتملة.

وقال ستيليوس بيتساس، المتحدث باسم الحكومة اليونانية؛ إنّ هذه المخاوف تحظى بأهمية خاصة بسبب انتشار فيروس كورونا.

وقال بيتساس: "من الواضح أنه يمكن التعامل مع أمور مثل فيروس كورونا بسرعة وفعالية في منشأة مغلقة، لكن لا يمكن ذلك في منشأة فوضوية مفتوحة تعتبر قنبلة صحية موقوتة".

وعبر مئات الألوف الحدود إلى أوروبا من تركيا عبر اليونان، في عامَي 2015 و2016، قبل إبرام اتفاق توسط فيه الاتحاد الأوروبي للحدّ من تدفقهم، لكنّ أعداد الوافدين الجدد ارتفعت منذ أيلول (سبتمبر) 2019.

 

 

للمشاركة:

هل توقف المنظمات الإغاثية عملها في مناطق سيطرة الحوثيين؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-26

عادت جرائم ميليشيات الحوثي وتضييقهم على المنظمات الإغاثية الدولية، ونهبهم للمساعدات، إلى الواجهة، مع تحذير مسؤول أمريكي من عزم الجهات الدولية المانحة وقف المساعدات الإنسانية للمناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بسبب العراقيل التي تضعها الميليشيات.

وقال مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأمريكية، وفق ما نقلت "رويترز": إنّ الجهات المانحة وجماعات المعونة تعتزم وقف المساعدات الإنسانية للمناطق الواقعة تحت سيطرة ميليشيات الحوثي في اليمن خلال الأشهر المقبلة، إذا لم تتوقف الميليشيات عن عرقلة وصول المساعدات.

مسؤول أمريكي يؤكد عزم الجهات الدولية وقف المساعدات إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين

كما أوضح المسؤول الأمريكي قائلاً: "ترسم كلّ جهة مانحة ومنفذة خططاً لكيفية التصرف إذا لم يغير الحوثيون سلوكهم على الأرض، ومن بين الخطط تعليق الكثير من برامج المساعدات، باستثناء البرامج اللازمة فعلاً لإنقاذ الحياة؛ كبرامج إطعام الأطفال المرضى وما شابه".

وأضاف: "الجميع يدرس إطاراً زمنياً مدته شهر أو شهران، تلك هي النقطة التي ستبدأ عندها جهات التنفيذ المختلفة تعليق بعض البرامج".

يذكر أنّ وكالات الإغاثة اشتكت طوال العام الماضي من ظروف العمل الآخذة في التدهور، ومن عدم صدور تصاريح السفر، ومن قيود أخرى تتعلق بتوصيل المعونات.

وفي هذا السياق؛ أعربت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية عن قلقها البالغ إزاء موقف الحوثيين الذي فاقم من أثر الأزمة بالتدخل في عمليات المساعدات.

مجلس الأمن يوافق على قرار تمديد العقوبات على قادة في الميليشيات الحوثية وعلى حظر الأسلحة لعام آخر

وقالت بوجا جونجونوالا، القائمة بأعمال المتحدث باسم الوكالة: "نعمل بدأب على إيجاد أسلوب يتيح استمرار تقديم المعونة الأمريكية بلا توقف، لكن نتخذ خطوات للتخطيط للقادم مع شركائنا بحيث يمكنهم تعديل برامجهم بشكل آمن ومسؤول في حال اضطررنا لخفض المعونة".

هذا وقد وافق مجلس الأمن، التابع للأمم المتحدة، أمس، على قرار تمديد العقوبات الموجهة لقادة في الميليشيات الحوثية، وعلى حظر إرسال أسلحة للحوثيين لعام آخر.

 وأيدت 13 دولة القرار، في حين امتنعت روسيا والصين عن التصويت، وقالتا إنّ       صياغة القرار غير متوازنة.

كما عبّر المجلس في نصّ القرار عن "قلقه البالغ من الوضع الإنساني في اليمن، ومن جميع محاولات الإعاقة غير المبررة لتقديم المساعدات الإنسانية، بما في ذلك التدخل الأخير في عمليات الإغاثة بمناطق يسيطر عليها الحوثيون".

 

 

للمشاركة:



انتخابات إيران.. هل انتهى زمن الإصلاحيين في إيران؟

مدني قصري's picture
كاتب ومترجم جزائري
2020-02-26

ترجمة: مدني قصري


شارك 42.57 بالمئة فقط، من الناخبين الإيرانيين، بمن فيهم 26.2 بالمئة في طهران، في الانتخابات التشريعية الأخيرة، والتي جرت يوم الجمعة 21 شباط (فبراير) 2020، ورغم أنّ نسبة المشاركة منخفضة تاريخياً، إلا أنّ هذه أقل نسبة منذ ثورة 1979، حيث تَوّجَت هذه الانتخابات، المرشحين المحافظين والمحافظين المتطرفين فقط، في حين تمّ استبعاد جزء كبير من الإصلاحيين والمعتدلين (بما في ذلك 90 نائباً منتهية ولايتهم مسبقاً)، من قبل مجلس حراس الدستور، الذي اعتبر ترشيحاتهم غير متوافقة من قبل الهيئة القوية - غير المنتخبة - في أيدي المحافظين.

اقرأ أيضاً: الانتخابات الإيرانية... عسكرة الثورة والدولة
يُحلّل الباحث في مرحلة ما بعد الدكتوراه في فريق "المعرفة النووية" في معهد سيري للعلوم السياسية Ceri-Sciences Po؛ كليمانت تيرم Clément Therme، والذي يعد أحد أفضل خبراء إيران في فرنسا، ونشر كتاب "إيران وخصومها، بين الأمة والثورة" مؤخراً، في هذه المقابلة، التي أجرتها معه صحيفة "لوبوان" الفرنسية، نتائج الانتخابات التشريعية الإيرانية، ويتناول آثارها على إيران والمنطقة. 
فوز المحافظين ليس مفاجئاً، فقد تم الإعلان عنه مسبقاً، من خلال الإقصاء الهائل للمرشحين الإصلاحيين

هل كان إعلان فوز الائتلاف المحافظ في الانتخابات التشريعية الإيرانية مفاجئاً؟
فوز المحافظين ليس مفاجئاً، فقد تم الإعلان عنه مسبقاً، من خلال الإقصاء الهائل للمرشحين الإصلاحيين، الأمر الذي يُذكرنا بما حدث خلال انتخابات 2004، حيث انخفض معدل المشاركة إلى 50 بالمئة في ذلك الوقت، إلّا أنّ نسبة المشاركة كانت أقل هذه المرة، حيث وصلت إلى 40 بالمئة فقط، لكن ما يثير الدهشة، هو أنّ النظام يعترف بسخط المواطنين الشديد، مع العلم أنّ المرشد الأعلى؛ آية الله خامنئي، قد دعا السكان إلى التصويت كواجب ديني ووطني، ومن الواضح أنّ هذا فشل شخصي للزعيم الأعلى، الذي شارك شخصياً في التعبئة.
كيف نُفسّر معدل المشاركة المنخفض؟
انخفاض معدل المشاركة في الانتخابات التشريعية الأخيرة، يمثل جزءاً من أزمة الثقة بين النظام والمواطنين، والتي تطوّرت وتفاقمت، بعد تحطّم طائرة الخطوط الجوية الأوكرانية، في 8 كانون الثاني (يناير) الماضي، بالإضافة إلى تأخر السلطات في نشر المعلومات المتعلقة بانتشار فيروس كورونا في إيران.

اقرأ أيضاً: هل نحن أمام إيران جديدة بعد الانتخابات البرلمانية؟
هناك بالفعل أزمة مصداقية اليوم، فيما يتعلق بإيمان المواطنين بكلمة الجمهورية الإسلامية، وفي هذا السياق، اعتبر السكان، أنّ المشاركة في الانتخابات وسيلة لإعطاء شرعية للنظام، لذلك رفض غالبيةُ المواطنين الإيرانيين هذه الانتخابات، خاصة في طهران، حيث وصلت نسبة المشاركة رسمياً إلى 25٪ فقط، علماً بأنّ السلطات رفضت نشر معدل المشاركة الدقيق.

ما الذي سيتغير حال انتقال البرلمان إلى الحضن المحافظ؟
لن يكون هناك الكثير من النقاش والجدل السياسي، حيث تمّ استبعاد أكثر النواب انتقاداً للنظام (الشخصيات المحافظة والإصلاحية المعتدلة)، لذلك سيكون البرلمان برلماناً مُخلِصاً جداً لآية الله خامنئي، الذي سيسعى إلى تعزيز خياراته الإستراتيجية؛ فالمحافظون المرتبطون بالدولة العميقة وبقوات الأمن، هم المفضَّلون دائماً من قبل نظام الجمهورية الإسلامية، وسوف يعتمدون على جهاز الأمن، ويعززون عملاء النظام، لتقديم وحدة وهمية سطحية، في مواجهة الضغوط القصوى من قبل الولايات المتحدة، كما سيساعد هذا الوضع في قمع قوى المجتمع المدني؛ كالحركات الاجتماعية للطلاب والمثقفين والنساء والأقليات العرقية، وسيكون الشعب أمام سلطة معزولة، ولكنها أكثر توحداً وتماسكاً، تتسامح أقل فأقل مع النقد في داخلها، في رأيي؛ سينصبّ النقاش من الآن فصاعداً على مستوى الشدة في النزعة المحافظة، وعلى درجة التوفيق بين غالبية المواطنين، الذين ما زالوا في حالة عدم ثقة تجاه النظام.
هل تلعب هذه الانتخابات دوراً في تعيين المرشد الأعلى القادم؟
لقد أتاحت هذه الانتخابات، في مرحلة أولى، إقصاء المرشحين المحتمَلين، فكان هذا حال الناطق السابق باسم البرلمان؛ علي لاريجاني، على سبيل المثال، فمن خلال المؤسسات غير المنتخبة، سيما مجلس حراس الدستور، الذي يقوم بالفرز على مستوى المرشحين، قام المرشد الأعلى بتطهير النظام، من خلال تقوية الفصائل التي يدعمها شخصياً، والتي يتمنى أن تلعب دوراً رئيسياً في الأعوام القليلة المقبلة في إيران، بعد اختفائه، وتتألف هذه المجموعة من؛ ابنه مجتبى خامنئي، وإبراهيم الريسي رئيس السلطة القضائية، الذي هُزِم خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة في إيران، وحسين الطيبو المسؤول عن الاستخبارات "حماة الثورة الإيرانية"، وشقيقه مهدي، بالإضافة إلى القائد الجديد لقوة القدس، خليفة قاسم سليماني؛ اسماعيل قاني، ويُمثّل هؤلاء مجموعة من الشخصيات التي ستكون حاسمة في تعيين المرشد القادم، فهم يرغبون في السيطرة على البرلمان، حتى تكون لديهم مجموعة من النواب، تعكس نظرتهم وتغذي خُطبهم.

هل تشير هذه الانتخابات التشريعية إلى نهاية الإصلاحيين في إيران، والتي يعتبرها جزء من الإيرانيين اليوم "خداعاً" في الجمهورية الإسلامية؟
نعم، على أي حال إن لم تكن هذه هي النهاية، فمن الواضح على المستوى المؤسسي، أنّ عجز المعتدلين عن الإصلاح، وتجاوز الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة، أي تطبيع العلاقات مع الأخيرة، قد كلفهم الكثير، ونحن لا نرى كيف يمكن لغالبية السكان، الذين صوتوا للإصلاحيين، على اعتبار أنّهم "الأقل سوءاً"، أن يستثمروا الآن رأس المال الاجتماعي، في هذه المجموعة السياسية المهمشة تماماً، والتي أصبحت محصورة أيضاً، بسبب تناقضاتها؛ بين الولاء التام للنظام (لقد دعوا السكان للتصويت في الانتخابات التشريعية، كما أصرّ الرئيس السابق محمد خاتمي شخصياً، رغم استبعاده من وسائل الإعلام في البلاد، على وضع ورقة تصويته في صندوق الاقتراع)، وبين خطاب متعارض وغير مطابق تماماً لولائهم لنظام الجمهورية الإسلامية.
هل يمكن أن نعزو، جزئياً، عودة البرلمان الإيراني للحضن المحافظ إلى سياسة دونالد ترامب المتمثلة في الضغط الأقصى؟
نعم، بالطبع، هناك بُعدُ ردِّ الفعل وتأثيره، فلا شكّ أنّ انتخاب ترامب يُقوّي أكثر المحافظين تشدداً في إيران؛ حيث إنّ الخلاف داخل البلاد، إلى جانب الضغط القوي الذي تمارسه الولايات المتحدة في الخارج، يدفع المرشد الأعلى إلى إعادة الاستثمار في أعظم مؤيديه، وليس في القاعدة الاجتماعية للنظام، لذلك نشهد الآن في إيران مرحلة من الانطواء على الذات، مع رغبة في الاعتماد أكثر فأكثر على جهاز الأمن، الذي يسيطر عليه المحافظون، لكن هذا الخطاب "عن العدو الأمريكي"، لا يلقَى في الوقت الحالي لدى المجتمع الإيراني نفسَ الصدى القوي، كما كان الحال في الأعوام الأولى من الثورة؛ لأنّ ما يريده معظم الإيرانيين اليوم؛ هو حكومة ذات كفاءة، قادرة على حل مشاكل البلاد، والتركيز على التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

هل يمكن أن يكون الرد الأمني، الذي ينادي به أكثر المحافظين تشدداً، كافياً لثني الإيرانيين عن التظاهر مرة أخرى؟
لقد انتقلت الجمهورية الإسلامية في إيران من أزمة شرعية النظام عام 2009، مع الحركة الخضراء، إلى أزمة السلطة من عام 2017 إلى عام 2019، مع ثورة الطبقات الشعبية، وصولاً إلى أزمة المصداقية اليوم، وتطرح هذه الأزمة الأخيرة المرتبطة بالسخط الشعبي الواسع، مشكلة حساسة وخطيرة أمام الجمهورية الإسلامية، ومن الواضح أنّ الاستجابة الأمنية ليست كافية، إذ يجب على السلطة أيضاً؛ ضمان الحد الأدنى من التنمية الاقتصادية والرفاه للسكان، خاصة للطبقات العاملة، حيث يتمثل التحدي الذي يواجه الجمهورية الإسلامية في تمكين المحرومين، الذين يمثلون جوهر الشرعية الثورية للنظام، ويطمحون لرؤية تحسن ملموس في ظروف معيشتهم، على المدى القصير أو المتوسط،، فإن لم يتحقق ذلك، فسوف تستمر دورة القمع / المظاهرات؛ لأنّ حل مشاكل البلاد الاقتصادية لا يكمن في انتخاب رئيس محافظ عام 2021، فليس لدى المحافظين أي حل يقدمونه في مستوى قوتهم المؤسسية.
ألا تستطيع إيران تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع روسيا والصين؟
في الواقع، يقترح المحافظون زيادة الاعتماد على الصين وروسيا، عن طريق زيادة عزل البلاد عن بقية العالم، هذا ما يسمونه الاكتفاء الذاتي  "khodkafaei"، وهو ما كانت تفعله إيران منذ عهد أحمدي نجاد، منتصف العقد الأول من القرن العشرين، لكنّ التقارب مع الصين وروسيا لا يمكن أن يضمن هذه التنمية الاقتصادية، خاصة فيما يتعلق بالطاقة، التي تدفع الاقتصاد الإيراني، ويجب أن يكون هناك حد أدنى من التعاون مع النظام المعولم الذي تهيمن عليه المعايير الأمريكية.

اقرأ أيضاً: ثوران البرلمان الإيراني الجديد
وفي قطاعي النفط والغاز الرئيسيين، تحتاج إيران إلى أفضل التقنيات، التي لا تملكها سوى الشركات الغربية واليابانية، وقد رأينا مؤخراً أنّ الصين لم تكن قادرة على استبدال شركة "Total" في المرحلة 11 من حقل غاز الشمال أو حقل فارس الجنوبي South Pars، لذلك هناك خيار وجودي حقيقي يجب القيام به، بين تقوية النظام وارتقاء إيران كقوة إقليمية محترمة، مع تنمية اقتصادية كبيرة، لكنّ البلاد ستواجه عندئذ مشكلة التوافق مع الأيديولوجيا الثورية لآية الله الخميني.

هل يمكن أن نقارن المظاهرات في إيران بالمرحلة الحالية، باحتجاجات العراق ولبنان، خاصة وأنّ النظام الإيراني، الذي دان المتظاهرون هيمنته عليهم، يبدو مستعصياً على الحل؟
أصبحت الجمهورية الإسلامية اليوم قوة رجعية مضادة للثورة، وهي مفارقة؛ لأنّ  تنظيم القمع ودعمه في العراق ولبنان، يتم باسم أيديولوجيا خمينية ثورية، من خلال شبكة من الأمن والنفوذ الأيديولوجي والاقتصادي، تمتدُّ من إيران إلى لبنان؛ مع حزب الله وميليشيات الحشد الشعبي في العراق، لذلك نشهد سخرية تاريخية حقيقية على وضع الجمهورية الإسلامية المتعارض مع الحركات الديمقراطية في الشرق الأوسط، منذ خريف عام 2019.
هل تُهدّد هذه الثورات الجمهورية الإسلامية على المدى القصير؟
تُشكّل هذه الثورات تهديداً للنفوذ الإقليمي لإيران في الشرق الأوسط، الذي اتضح أنه محدود، وذلك لأنّ إيران تستفيد أيضاً من الأخطاء الأمريكية في المنطقة، لقد رأينا هذا مع قيام الولايات المتحدة بالقضاء على الجنرال الإيراني قاسم سليماني، الذي عزّز عداء العراقيين لأمريكا، ففي داخل إيران، هذا بالطبع تهديد لشرعية الجمهورية الإسلامية، التي تضاف إلى أزمة سلطة النظام والمخاوف إزاء المصداقية، في رأيي؛ هذا النظام غير مُهدّد على المدى القصير، لكنه مهدد بضعف كبير على المدى الطويل، يمكن ضمان بقاء النظام السياسي من خلال تقوية جهاز الأمن، والاعتماد بشكل أكبر على الركيزة القمعية، ولكن كلما قمع النظام شعبه أكثر، كلما أثار الرفض وخطر المعارضة، لقد أصبحت الثورة الإسلامية بشكل متزايد عاملاً من عوامل الانقسام داخل المجتمع الوطني الإيراني، داخل حدود البلاد وخارجها.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:
https://www.lepoint.fr/monde/en-iran-une-crise-de-confiance-entre-regime...

للمشاركة:

حزب الله.. الولاء لإيران قبل الأمن الصحي للبنان

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-26

عديد نصار

لم يكن في وارد انتفاضة 17 أكتوبر، منذ انطلقت، أن تضع حزب الله على رأس استهدافاتها، وعلى الرغم تصدر هذا الحزب مواجهة الانتفاضة من خلال خطابات زعيمه الذي أعلن بوضوح رفضه لأهدافها، كما من خلال إرسال وتحريض المجموعات التشبيحية للاعتداء على المتظاهرين والتهجم عليهم في عمليات “غزو” لساحات اعتصامهم وأماكن تظاهرهم، إلا أن خطاب الانتفاضة لم يتغير، واضعا جميع القوى السياسية التي شاركت في السلطة على مدى 30 سنة في خانة واحدة في تحمل المسؤولية عما آلت إليه أوضاع البلاد والكارثة الاقتصادية والاجتماعية التي ألمت بها.

لم يكن ذلك حبا لحزب الله وزعيمه، ولا خوفا من سلاحه أو بطشه، ولكن ذلك كان لأمرين بسيطين: الأول والأهم العمل على افتكاك القواعد الشعبية التي تعتبر البيئة الحاضنة للحزب، والرازحة كما كل اللبنانيين تحت وطأة الأزمات المتفاقمة، وبالتالي عدم إثارة الشكوك لديها حول حقيقة الانتفاضة كي تكون في صلبها، لأنه دون هذه الفئة من المجتمع لا يمكن للانتفاضة أن تحقق هدفها الأساس لتحقيق باقي أهدافها والمتمثل في الانتقال من مجتمعات الرعايا الطائفية إلى مجتمع المواطنة المتساوية في رحاب وطن لجميع أبنائه وبناته يحكمه القانون ويسوده عمل المؤسسات. والثاني عدم جر الخارج الإقليمي والدولي إلى ملعب الانتفاضة.

غير أن حزب الله لم يترك بابا إلا وشرّعه على نفسه في تأكيد عدائه للانتفاضة الشعبية ولجميع أهدافها، ممارسا قمعا ظاهرا وخفيا على أبناء المناطق التي يسيطر عليها مانعا عليهم التظاهر والاعتصام وملاحقا الناشطين منهم الذين يشاركون في التظاهرات في المناطق الأخرى. وهو لم يترك وسيلة لتشويهها إلا واستخدمها مسخرا وسائل إعلامه وحلفائه وجيشه الإلكتروني لإطلاق اتهامات متنوعة بحق الناشطين ولإطلاق النعوت المسيئة إليهم.

وفي حين فُرض حظر تام للتظاهر في الضاحية الجنوبية لبيروت، أتيح للشيوعيين واليساريين تنظيم “حراك” شعبي غير صدامي، أي أنه لا يهاجم إلا القوى التي كانت منضوية في اصطفاف 14 آذار، وتحديدا سمير جعجع قائد القوات اللبنانية وكذلك المصارف وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، مستثنيا حزب الله وحركة أمل. ومع ذلك لم يسلم المتظاهرون الجنوبيون في صور والنبطية من الاعتداءات المتكررة.

غير أن كل ذلك لم يكف، إلى أن جاءت الكورونا لتضرب في قم، محجة حزب الله المقدسة. هنا برز بوضوح أن حزب الله الذي تصدى للانتفاضة لا تعنيه معاناة اللبنانيين الاقتصادية والمعيشية فحسب، وإنما لا تعنيه صحتهم العامة أيضا.

فرض حزب الله على الحكومة أجندته كاملة. فليس هناك وقف للرحلات الجوية من إيران إلى بيروت، ولا أحد يمكنه أن يتحكم بكيفية وصول “الحجاج” وكيفية استقبالهم وانتقالهم إلى أماكن سكناهم المنتشرة في مختلف المناطق، مع أن أول حالة إصابة سجلت في لبنان بفايروس كورونا المستجد جاءت من إيران وبالتحديد من مدينة قم.

وفي مطار بيروت الدولي، حيث ينبغي أن تتشدد المراقبة على الوافدين من البلاد المصابة بالفايروس، ظهر إلى العلن مدى سيطرة حزب الله على هذا المطار وتحكمه بأمنه. فيد حزب الله فوق يد الأمن العام ووزارة الصحة والحكومة مجتمعة. وقد افتضح ذلك عندما أقدم عنصر من الحزب على الاعتداء على إحدى المراسلات التي كانت تسأل القادمين على متن طائرة إيرانية من طهران، حيث انتزع هاتفها المحمول وفرض عليها تشغيله ثم بادر إلى مسح ما قامت بتسجيله مع القادمين بمعرفتهم ورضاهم، كل ذلك على مرأى ومسمع القوى الأمنية في المطار دون أن تحرك ساكنا.

وفي حين أغلقت غالبية الدول أراضيها أمام الوافدين من إيران، برر وزير الصحة استمرار استقبال الطائرات الإيرانية بأسباب سياسية و“إنسانية”، إذ لا يمكن للبنان أن يرفض استقبال أبنائه القادمين من إيران. بينما عمدت السعودية إلى الطلب من الكويت الإبقاء على السعودي المصاب بالفايروس على أراضيها حتى استكمال علاجه. أما كندا فقد عمدت إلى تشديد المراقبة على جميع الوافدين من كل بلدان العالم بعد أن تبين لها مدى خطورة انتشار الفايروس في عدد كبير من الدول.

لبنان المحكوم من حزب الله، الذي تصدى للانتفاضة وأمّن حماية نظام المناهبة وإعادة إنتاج حكومته بالطريقة التي تؤكد سيطرته على البلاد، بات مهددا بالكورونا. فاستمرار فتح أجوائه ومطاره للطائرات الإيرانية يمثل تهديدا صريحا للأمن الصحي في البلاد، حتى بات حزب الله الذي وضع لبنان تحت حجر مالي وفي قبضة عصابات ناهبة، يمثل أيضا تهديدا صريحا للأمن الصحي لعموم اللبنانيين. وهذا ما يجعل الصدام أمرا محتوما بين الانتفاضة وبين الحزب، إذ لم تعد المسألة متعلقة بلقمة العيش فقط، بل بالخطر المحدق بصحة كل من هو متواجد على الأراضي اللبنانية، لا لشيء إلا لأن حزب الله لا يريد قطع خطوط الاتصال مع إيران لأنه بذلك تنقطع عنه الإمدادات والمؤونة. وإلا فما معنى أن يترك القادمون يخرجون من حرم المطار دون الالتزام بنقلهم بباصات خصصتها لهم وزارة الصحة؟

سيكون حزب الله مع اللبنانيين وجها لوجه، وبالتحديد مع ما يقول عنهم إنهم “بيئته الحاضنة” إذا سُجلت إصابات جديدة بفايروس كورونا المستجد بين القادمين من إيران.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

الانتخابات الإيرانية... عسكرة الثورة والدولة

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-26

مصطفى فحص

حسم ناظم ولاية الفقيه موقفه داخلياً، وحدَّد طبيعة جديدة للنظام تختلف عن الطبائع السابقة التي شهدت تنافساً بين تيارات متعددة إصلاحية ومعتدلة، ومتشددة، ضمن ثنائية «الثورة» و«الدولة»، وكان الانطباع العام أن التيارين الإصلاحي والمعتدل يميلان إلى فكرة «الدولة»، بينما ارتبط التيار المحافظ بطبيعة «الثورة». إلا أنَّ الانتخابات التشريعية الأخيرة فتحت الطريق رسمياً لإخضاع المؤسسات الرسمية والعقائدية، وثنائية «الثورة» و«الدولة»، لطبيعة واحدة.
تنتمي هذه الطبيعة الواحدة الجديدة بكاملها إلى عسكريتارية عقائدية موالية لمؤسسة «الحرس الثوري»، الذي بات بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة يسيطر على مجلس الشورى (البرلمان)، ومن المرجح أن يكون رئيسه أحد قادته السابقين. هذا التحول غير الصحي في الحياة السياسية للنظام يكشف عن مأزق بنيوي عند النخبة الحاكمة في عدم قدرتها على إعادة إنتاج طبقة سياسية جديدة وفقاً لشروطها الآيديولوجية في توقيت يجري فيه الاستعداد لمرحلة ما بعد المرشد، لذلك اتخذت قرارها الأصعب بإنهاء الإصلاحيين وإقصاء المعتدلين، رغم تداعيات هذا القرار المستقبلية التي ستظهر التراجع الحاد في شعبية النظام، الذي ترجم في ضعف الإقبال على الانتخابات، خصوصاً في المدن الكبرى المؤثرة في صناعة الرأي العام الإيراني، يقابله تراجع حاد في حضور التيار الأصولي في الشارع؛ الأمر الذي عجّل ببدء نقل السلطة إلى العسكر الذي يحظى بتأييد التيارات الراديكالية كافة التي تخوض معركة الدفاع عن النظام، بهدف ضمان استمراره.
أظهرت نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة سيطرة «الحرس الثوري» والتيار الأصولي على أغلبية مقاعد البرلمان، فلأول مرة يحصل «الحرس» على 120 مقعداً من أصل 290، فيما تراجعت حصة الإصلاحيين إلى 19 مقعداً، بينما تقاسمت أجنحة النظام المتشددة والأصولية بقية المقاعد. إلا أن هذه النتائج ستفرز برلماناً منسجماً في توجهاته الداخلية والخارجية، فهو داخلياً سيحمل على عاتقه مهمتين: الأولى داخلية في جزأين: الأول تعطيل ما تبقى من ولاية حسن روحاني الرئاسية ومحاصرته تشريعياً وإلغاء أي تأثير له حتى إخراجه نهائياً من المشهد السياسي الإيراني، لكيلا تتكرر تجربة ما بعد الرئاسة التي مارسها الرئيس رفسنجاني والرئيس خاتمي. أما الجزء الأهم لبرلمان العسكر فهو في تقديم تجربة تشريعية شعبوية تلامس واقع المواطن الإيراني المتذمر اقتصادياً ومعيشياً، وذلك بهدف التمهيد لسيطرة «الحرس» على موقع رئاسة الجمهورية. أما المهمة الثانية فهي تقديم تغطية تشريعية لقرارات النظام المتعلقة بالسياسة الخارجية واحتمال الانتقال إلى التصعيد مع واشنطن خلال المرحلة المقبلة؛ فمن المتوقع أن تشهد مزيداً من الاحتكاكات الخشنة الإيرانية عبر وكلائها في مقابل استمرار واشنطن في فرض مزيد من العقوبات على إيران.
من البرلمان حالياً إلى الرئاسة مستقبلاً، يستعد النظام الإيراني لعسكرة طبيعة السلطة، وهذا أشبه باعتراف ضمني من النخبة بتراجع خطابها العقائدي وتقلص تأثيره الثقافي والاجتماعي على المجتمعات الإيرانية إلى مرحلة تهدد وحدتها، التي قامت منذ عام 1979 على الربط بين هويتين؛ دينية ووطنية، جمعتهما مؤسسة الولي الفقيه الذي شكّل موقعه في رأس هرم السلطة ضماناً لهذا الربط الذي أمّن الغطاء الروحي لـ«الثورة» و«الدولة».
ولكن مع ازدياد صعوبات المرحلة الانتقالية وغياب وجه يمتلك إرثاً تاريخياً يسمح له بملء الفراغ الذي سيتركه غياب المرشد الحالي، لجأ النظام إلى التسليم بدور «الحرس الثوري» المطلق، وتسليمه زمام الأمور؛ حيث باستطاعته ضمان انتقال السلطة إلى مرشد جديد وتأمين الغطاء الثوري والعقائدي له وحماية موقعه في تركيبة السلطة، ولكن هذه المعادلة تفرض على «الحرس» التدخل مباشرة في الانتخابات الرئاسية؛ حيث من الصعب أن يقبل بوجود رئيس قوي في مرحلة انتقالية تضعف دور المرشد، كما أن معضلته الكبرى أنه لا يمكن له ضمان استقرار النظام إذا كان المرشد جديداً والرئيس ضعيفاً، لذلك بات أغلب التكهنات أن «الحرس» يتجه لحسم الموقف في الموقعين، وبات الأقرب والأكثر احتمالاً أن يكون الرئيس قوياً لكن بشرط أن يكون من «الحرس».

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية