هجمات 11 أيلول وتاريخ الحرب الباردة.. إعادة تشكيل العالم

1330
عدد القراءات

2019-09-19

ترجمة: محمد الدخاخني


تمرّ الذّكرى السّنويّة لهجمات 11 أيلول (سبتمبر) بما يُشبه مرحلة انتقاليّة. فلم تعد الجروح طازجة بعد 18 عاماً، لكن هذا اليوم الرّهيب لم يُكرَّس بعد في الماضي التّاريخيّ السّحيق. وهذا يجعل الوقت مناسباً لتقييم ما حُقِّق في مكافحة الإرهاب العالميّ، وما يجب عمله.

زيليكو: أعتقد أنّ العديد من الأمريكيّين لا يقدّرون أنّ العقوبات الرّئيسة على روسيا الآن تُطوَّر وتُفرَض من قِبل الأوروبيّين وليس أمريكا

ولا أستطيع التّفكير في أيّ شخص أفضل لمناقشة هذا الأمر من فيليب زيليكو. وقد كان لزيليكو، وهو الآن أستاذ للحوكمة في مركز ميلر بجامعة فرجينيا، تاريخه المهنيّ الطّويل داخل الحكومة، وترقّى إلى منصب مستشار في وزارة الخارجيّة في عهد الرّئيس جورج دبليو بوش. لكنّه اشتُهِر بدوره مديراً تنفيذيّاً لـ "لجنة 9/11 الفيدراليّة"، ومن هنا كان المؤلِّف الرّئيس لتقرير الّلجنة حول الهجمات. (وإذا لم تكن قد قرأته بعد، فإنّه يجب عليك ذلك: فالتّقرير لا يقدّم فحصاً شاملاً لما حدث من أخطاء فحسب، وإنّما يأخذ شكل روايات عالم الجاسوسيّة المثيرة).
هذا الأسبوع، سيصدر لزيليكو، وزميلة قديمة له من أيّام وجوده داخل الحكومة، وزيرة الخارجيّة السّابقة كوندوليزا رايس، كتاب جديد بعنوان "لبناء عالم أفضل: خيارات لإنهاء الحرب الباردة وخلق كومنولث عالميّ". إنّه عمل مطعّم بالسّياسة والنّوادر الخاصّة بمحاولة إعادة تشكيل العالم بعد انهيار الاتّحاد السّوفيتيّ عام 1991، وهو موضوع يأتي في الوقت المناسب، بشكل خاصّ في ضوء جهود الصّين وروسيا، و، للأسف، أمريكا دونالد ترامب لهزّ هذا العالم في أسسه. وفي ما يلي نصٌّ معدٌّل لمحادثةٍ أجريناها هذا الأسبوع:

توبين هارشو: قبل أن نعود إلى دروس الماضي البعيد، لنبدأ بذكرى هذا الحدث الحزين. من بين التّوصيات الواردة في تقرير 9/11، هل يمكنك تسمية توصية واحدة أُحرِز فيها تقدّم جيّد؟
فيليب زيليكو: لقد جعلنا من الأصعب بكثيرٍ على الجماعات الإسلامويّة المتطرّفة أن تتشكّل وتعمل بأمانٍ داخل الولايات المتّحدة. وكان مختطِفو طائرات 9/11 قد حصلوا على تدريبهم ونُظِّموا هنا، وهذا يبدو الآن أقلّ احتمالاً. لسوء الحظّ، تحوّل الخطر إلى القتلة المسلّحين الّذين يستهدفون حشوداً بأكملها، وكثيرٌ منهم من القوميّين البيض.

اقرأ أيضاً: 11 سبتمبر: كيف انتهز ترامب آلام الأمريكيين لتعزيز الكراهية؟!
هارشو: هل يرجع التّقدّم في مواجهة الإرهابيّين الإسلامويّين إلى حدّ كبير إلى قانون باتريوت وغيره من تدابير الأمن والمراقبة الوطنيّة؟
زيليكو: لا، ليس هذا فحسب. فقد طوّرنا الكثير من القدرات لحماية البلاد داخليّاً على نحو لا يتحدّد بالضّرورة في التّشريعات. ففي مكتب التّحقيقات الفيدراليّ وفي مختلف الوكالات البلديّة - وانظر إلى الطّريقة الّتي غيّرت بها إدارة شرطة نيويورك المسار الّذي تعمل به في مجال مكافحة الإرهاب منذ أحداث 9/11 - هناك قصّة كبيرة. وبشكل عام، ثمّة وعي أكبر بالخطر، ممّا أدّى إلى تحسين القدرات بطرق عديدة. وأفضل الدّفاعات تأتي في شكل دفاعات ذات طبقات لا تقوم فيها طبقة واحدة بكلّ العمل.

زيليكو: أحد أسباب عملي مع كونداليزا رايس أنّنا غالباً ما نفكّر بشكل متشابه ونتشارك بتفسير مشابه تماماً للتّاريخ المعاصر

هارشو: لا يزال الإرهابيّون ينشطون في الخارج. على سبيل المثال، يركّز الكثير من النّقاش الخاصّ بالانسحاب من أفغانستان على ما إذا كانت ستُصبِح ملاذاً آمناً للإرهابيّين. فهل تؤمن بنظريّة الملاذ الآمن؟
زيليكو: ساعدت "لجنة 9/11" في ترسيخ نظريّة الملاذ الآمن. فقد جادلنا أنّه إذا تركتَ المُلتجأ يتطوّر إلى نقطةٍ معيّنة، فيمكن للعدوّ حينها بناء قدرات قد تكون خطيرة للغاية. إذاً، تعود المشكلة إلى سؤال أين نرسم الخطّ، فيما يتعلّق بما يحتاج إليه الأمريكيّون وكيف عليهم فعل ذلك. يشعر النّاس بالقلق من أنّنا إذا انسحبنا بالكامل من أفغانستان، فسوف ينزلق البلد إلى حرب أهليّة وقد يصبح ملاذاً آمناً للجماعات الإسلامويّة. لكنّني أستطيع أن أستخدم الحجّة نفسها، ليس فقط بشأن أفغانستان، ولكن أيضاً اليمن وليبيا وسوريا والصّومال وغيرها. وإذا كان هذا سيُجبرنا على الحفاظ على قوّات أمريكيّة كبيرة في كافّة تلك البلدان وأكثر، وعلى أخذ أحد الجوانب في الحروب الأهليّة في كافّة تلك البلدان، فتلك وصفة مستحيلة.

 فيليب زيليكو
هارشو: يعني هذا القيام بالكثير من الأشياء.
زيليكو: هذه التّدابير العسكريّة لا تُعدّ أفضل الطّرق لجعل هذه الدّول أكثر مقاوَمة. إنّ الأمر ينطوي على الكثير من الجهود السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة الصّعبة الّتي تحتاج الولايات المتّحدة أيضاً إلى الانخراط فيها بشكل بنّاء، ولكن، بشكل أساسيّ، لا يملك النّاس الصّبر أو الاهتمام لفهم أو متابعة هذه الجهود.
هارشو: بالعودة إلى 9/11 وكتابك الجديد مع رايس، "لبناء عالم أفضل"، يتّضح أنّني قد نسيت أنّه في اليوم التّالي للهجمات، أجرى بوش محادثة هاتفيّة مطوّلة مع الرّئيس الرّوسيّ، فلاديمير بوتين، من أجل التّأسيس لشراكة ما. وقد انحرف ذلك إلى علاقة قوامها القسوة اليوم. فهل هناك أيّ فرصة لحل مشكلاتنا مع روسيا؟

اقرأ أيضاً: مع ذكرى 11 سبتمبر.. أزمات تكبر وترامب لا يكترث
زيليكو: في كتابنا هذا، جادلنا بأنّ القطيعة مع روسيا لم تحدث بشكل حاسم حتّى منتصف العقد الأول من القرن العشرين. وبدلاً من التّعامل مع الأمر باعتباره قصّة نذالة روسيّة، فإنّنا نتعاطى معه على أنّه مأساة حزينة ومعقّدة إلى حدّ ما. لكن منذ منتصف العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين، صاغ بوتين سياسته ونظامه حول فكرة العدوّ الأمريكيّ والخطر الّذي تمثّله المجتمعات الحرّة، وليس هذا الخطر بالسّياسيّ أو العسكريّ فقط، وإنّما هو ثقافيّ أيضاً، حيث يصوِّر بوتين المجتمعات الحرّة على أنّها منحطّة ثقافيّاً. وحتّى لو خضتّ بعض النقاشات الجيّدة مع بوتين حول السّياسة، فلن تكون قادراً على عكس الطّريقة الّتي بنى بها عقله من أجل الحصول على السّلطة العليا.

الكتاب الجديد عمل مطعّم بالسّياسة والنّوادر الخاصّة بمحاولة إعادة تشكيل العالم بعد انهيار الاتّحاد السّوفيتيّ

هارشو: إنّ توسّع حلف شمال الأطلسيّ من بين شكاوى بوتين الكبرى بشأن علاقته بالولايات المتّحدة والغرب. وهناك الكثير من العاملين في مؤسّسة السّياسة الخارجيّة اليوم ينظرون إلى ذلك باعتباره خطأً اقتُرِف في الماضي. فما شعورك حين تنظر إلى الماضي؟
زيليكو: يقدّم كتابنا مناقشة متوازنة لما حدث بالضّبط، ومتى ولماذا اتُّخِذت القرارات الرّئيسة. وأنا لم أكن مؤيّداً كبيراً لتوسّع حلف شمال الأطلسيّ في أوائل التّسعينيّات. واعتقدتّ بشكل أساسيّ أنّنا نحتاج إلى التّركيز على مشكلات أخرى أكثر إلحاحاً، مثل الحروب في البلقان. لكن النّظريّة القائلة بأنّ توسّع الحلف هو سبب هذه القطيعة عن روسيا خاطئة إلى حدّ كبير. لقد كان مصدر توتّر، ولكن ربّما أسوأ مصدر للتوتّر في التّسعينيّات بأكملها هو الحرب على كوسوفو في عامي 1998 و1999، والّتي مزّقت العلاقة مع بوريس يلتسين وخلّفت الكثير من المشاعر الملتهبة عندما وصل بوتين إلى السّلطة.

زيليكو ووزيرة الخارجيّة السّابقة كوندوليزا رايس
والأسباب الحاسمة الّتي أدت إلى القطيعة مع روسيا وقعت خلال العقد الأول من القرن العشرين. فقد أصبح بوتين يعتقد أنّ الغرب بشكل عام يتبنّى أجندة للحرّيّة يحاول فيها تكرار ثورات عام 1989 - والّتي كان قد عاشها بوتين شخصيّاً في ألمانيا الشّرقيّة - في أوروبا الشّرقيّة. لذلك، في تلك المرحلة، أصبح توسّع المؤسّسات الغربيّة شرقاً مصدر قلق روسيّ أساسيّ، خاصّة رغبة أوكرانيا في الانضمام إلى الغرب. ولم يقتصر الأمر فقط على حلف شمال الأطلسيّ - وقد حُظِرت عضويّة أوكرانيا في الحلف عام 2008 على يد الأعضاء الآخرين، خاصّة ألمانيا. الأهم من ذلك هو توسّع الاتّحاد الأوروبيّ. ومن جانبه، اعتقد بوتين أنّ هذه التّحرّكات تأتي بمثابة مراحل لإحداث ثورة حرّيّات في روسيا. وكان ردّ فعله قويّ للغاية، وهو ما تضمّن بدء الحرب ضدّ أوكرانيا عام 2014.
هارشو: كيف نتعامل معه اليوم؟

اقرأ أيضاً: 11 سبتمبر والحرب على الإرهاب: أبرز المحطات والأحداث
زيليكو: أعتقد أنّ العديد من الأمريكيّين لا يقدّرون أنّ العقوبات الرّئيسة على روسيا الآن تُطوَّر وتُفرَض من قِبل الأوروبيّين، وليس الولايات المتّحدة. وتريد روسيا علاقات اقتصاديّة مع أوروبا أكثر بكثير ممّا تريدها مع الولايات المتّحدة. إنّ الأوروبيّين يُدافِعون عن هذه العقوبات لأنّهم بالطّبع قلقون كثيراً من أيّ انهيار قد يلحق بالأمن الأوروبيّ - إنّهم يهتمّون بالوضع، بصراحة، أكثر بكثير ممّا تهتمّ الحكومة الأمريكيّة الحالية.
هارشو: لقد تصرّف ترامب بشكل رهيب مع بعض هؤلاء القادة الأوروبيّين، وانتقدهم علناً ووتّر العلاقات. فهل يمكن إصلاح هذه الجسور على يد إدارة أخرى، أم أنّ هناك من الأضرار ما هو دائم؟
زيليكو: هناك بعض الأضرار الدّائمة. وقد أصبح لدى الأوروبيّين الآن شعور أعمق وأكثر مأساويّة بما هو ممكن، ليس فقط مع الولايات المتّحدة، ولكن داخل قارّتهم وبلدانهم. كان هذا أحد أسباب قيامنا بتأليف كتابنا الجديد عن الطّريقة الّتي أُنشئ بها العالم الحديث في بداية التّسعينيّات. فالشّعوب على جانبي المحيط الأطلسيّ - وفي آسيا، بالفعل - تشكّك الآن في هذا النّظام برمّته. لذا، إذا كان لابُدّ من إعادة اختراع هذا النّظام، فقد اعتقدنا [في كتابنا] أنّه من الضّروريّ فهم كيف ولماذا اختُرِع كومنولث الأُمم الحرّة في المقام الأوّل.

اقرأ أيضاً: بوبي فيشر: عبقري الشطرنج الأمريكي الذي فرح بهجمات 11 سبتمبر
إذاً، تكمن إحدى القضايا الحاسمة بشأن المستقبل، ببساطة، في طرح السّؤال التّالي: هل يريد الأمريكيّون تأسيس شراكات مع أوروبا من أجل القيام بعمل مشترك؟ هل يريد الأوروبيّون تأسيس شراكات مع الأميركيّين من أجل القيام بعمل مشترك؟ أعتقد أنّه بالنّسبة إلى معظم الأوروبيّين ومعظم الأمريكيّين، فإنّ الإجابة عن هذين السّؤالين هي نعم. السّؤال التّالي: هل يمكن للأوروبيّين والأمريكيّين إيجاد القادة الّذين بمستطاعهم صياغة تلك الشّراكات وإكسابها طابعاً عمليّاً؟ الأمر بحاجة إلى مبادئ وشراكات وأبعاد عمليّة، ويجب أن تجتمع كلّ هذه الأشياء من خلال بعض القادة.

لقد تصرّف ترامب بشكل رهيب مع بعض القادة الأوروبيّين
هارشو: المستشارة الألمانيّة، أنجيلا ميركل، في آخر حياتها السّياسيّة. ويبدو أنّ الرّئيس الفرنسيّ، إيمانويل ماكرون، يحاول الاستيلاء على عباءة القيادة الأوروبيّة. فهل هناك أشخاص آخرون يمكنهم فعل ما تَصِفه؟
زيليكو: من الصّعب التّكهّن بمن سيكون بين قادة أوروبا خلال سنتين أو ثلاث أو خمس سنوات من الآن. وإذا كان هناك أيّ شيء مطمئن، فسأخبرك أنّه في منتصف الثّمانينيّات، لم يكن يعتقد أحد أنّه لدى المستشار الألمانيّ، هيلموت كول، رؤية عظيمة لمستقبل أوروبا. لقد بدا وكأنّه مُحافِظ برجوازيّ حكيم ومستقرّ.
هارشو: في بعض الأحيان يتعلّق الأمر برمّته بالظّروف، أليس كذلك؟
زيليكو: صحيح. في بعض الأحيان، يجتمع مزيج الظّروف والأشخاص والمبادئ. لم يكن كول هو الوحيد الّذي فعل ذلك، ولم يكن فقط الرّئيس الفرنسيّ فرانسوا ميتران، ولا الرّئيس جورج دبليو بوش فحسب. لقد كانوا، كما يُقال، براغماتيّين راديكاليّين.
هارشو: هذا مصطلح عظيم.
زيليكو: لقد كانوا أشخاصاً حَذِري المزاج، لكن نظراً لطابعهم العمليّ الكثيف، كانوا على استعداد للقيادة وتحويل موقف ألمانيا بأسرع طريقة ممكنة، وتحويل حلف شمال الأطلسيّ، والمؤسّسات الماليّة والتّجاريّة الدّوليّة، والأمم المتحدة - كلّ ذلك لأنّ هذا بدا عمليّاً في ظلّ هذه الظّروف.
هارشو: دعنا نذهب إلى الصّين. هل تؤمن بـ "مصيدة ثيوسيديدز" - فكرة أنّ الولايات المتّحدة والصّين مُقدّر لهما الذّهاب إلى الحرب؟
زيليكو: لا أؤمن بذلك. هل هناك خطر صراعٍ مع الصّين الصّاعدة؟ بالطّبع. لكنّنا لسنا متّجهين إلى الحرب. وتقريباً، قراءتي للتّاريخ ليست حتميّة تماماً. ولا أعتقد أنّ الصّينيّين أنفسهم قد اكتشفوا أين سيكونون وأين يريدون أن يكونوا بعد خمسة أو عشرة أعوام من الآن. إنّهم يواجهون الكثير من الصّعوبات في تحقيق المراحل التّالية من النّموّ الاقتصاديّ. كما يقتربون من ذروتهم السّكّانيّة الآن، ومن ثمّ سيتقلّص تعداد سكّانهم ويتقدّم في العمر بسرعة.

اقرأ أيضاً: ما الذي تخبرنا به صور أحداث 11 سبتمبر؟
إنّ الوضع مع الصّين أسوأ ممّا كان عليه قبل خمسة أعوام. ويرجع هذا إلى التّطوّرات الّتي حصلت على جانبي المحيط الهادئ، وطريقة حكم الصّين. لكنّنا نؤكّد في كتابنا الجديد أنّنا لا نعتبر المواجهة الحربيّة حتميّة. ولا نعتقد أنّ نداءات التّشبيه بالحرب الباردة مفيدة للغاية في المساعدة على حلّ مشكلات السّياسة. المفارقة هي أنّ الصّينيّين هم الّذين يدّعون الآن أنّهم يريدون أن يكونوا قادة العالم وبُناة المؤسّسات العالميّة، في حين أنّ الولايات المتّحدة تبتعد عن تلك المؤسّسات.

زيليكو متحدثاً عن كوندوليزا رايس: لحسن الحظّ، يعرف أحدنا الآخر منذ أكثر من 30 عاماً
هارشو: إنّنا نسير في "شراكة عبر المحيط الهادئ" فيما يقومون ببناء مبادرة "الحزام والطّريق".
زيليكو: إنّهم من يحاولون تقديم قيادة عالميّة وشراكات عالميّة. وبالرّغم من أنّنا نحاول المواجهة عن طريق بعض الحجج الخاصّة بالعالم الهنديّ-الباسيفيكيّ، فإنّك إذا تحدّثت إلى قادة في أستراليا أو الهند أو اليابان، أعتقد أنّهم سيقدّمون في السّرّ بعض النّصائح المختلفة للولايات المتّحدة حول أفضل السّبل للتّنافس خلال هذه الأوقات الصّعبة.
هارشو: هل تعتقد أنّ شبكة الحلفاء العالميّة تحاول فقط انتظار رحيل ترامب عن الرّئاسة؟

اقرأ أيضاً: في ذكرى هجمات 11 سبتمبر.. أين وصلت الحرب على الإرهاب؟
زيليكو: هذا يعتمد على من تتحدّث في هذه البلدان، لأنّهم منقسمون ومشتّتون، أيضاً - مثلاً، يعتقد بعض السّياسيّين الأستراليّين أنّ ترامب رائع. لكنّني أعتقد بشكل عام أنّهم يجدون أنفسهم عالقين في نقاش محتدم. ما يريدونه هو أن تحدّد الولايات المتّحدة كيفيّة القيادة البنّاءة في هذه الشّراكات. ثمّ تسأل نفسك: شراكات لفعل أيّ شيء؟ هل نرغب في نظام اقتصاديّ عالميّ مفتوح؟ ليس من الواضح في الوقت الحالي أنّنا نرغب في ذلك - لكن جميع شركائنا الآسيويّين تقريباً يريدون نظاماً كهذا. حسنٌ، إذا كنا نريد نظاماً اقتصاديّاً مفتوحاً، فسيتعيّن علينا بناء ذلك من خلال الشّراكات، وليس بالاعتماد على أنفسنا فقط. إذا كنّا نريد الحصول على أمنٍ سيبرانيّ وإنترنت يخدم مصالحنا وفق قواعد القرن الواحد والعشرين ولا يخلق تقسيمات رقميّة جديدة، فسوف نحتاج إلى شركاءٍ في بناء هذا العالم أيضاً.
هارشو: بالحديث عن الشّراكات، دعنا ننهي بالشّراكة مع كوندوليزا رايس. هل يمكنك التّحدّث قليلاً عن هذا التّعاون؟

اقرأ أيضاً: كم مليوناً قتلت الولايات المتحدة في الحروب التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر؟
زيليكو: لحسن الحظّ، يعرف أحدنا الآخر منذ أكثر من 30 عاماً - كلّ منّا يعرف ماهية نقاط القوّة والضّعف لدى الآخر، وما الأدوار الّتي يمكن أن يلعبها كلّ منّا على أفضل وجه. على سبيل المثال: هي تقرأ الرّوسيّة، أمّا أنا فلا؛ أستطيع أن أقرأ الألمانيّة، أمّا هي فلا تستطيع ذلك. هناك بعض الموضوعات الّتي تتطلّع إليّ لأخذ زمام المبادرة في الكتابة حولها. ثمّ هناك موضوعات أخرى أرغب أن تقوم هي بكتابة مسوداتها الأولى. وبعد ذلك يقدّم كلّ منّا مساهمته، ونتداول مسوداتنا. لكن أحد الأسباب الّتي جعلتنا نعمل معاً في الحكومة هو أنّنا غالباً ما نفكّر بشكل متشابه، ونتشارك في تفسير مشابه تماماً للتّاريخ المعاصر.


المصدر: توبين هارشو، بلومبرغ

اقرأ المزيد...
الوسوم:



اللاعبون الأتراك في أوروبا: جدل الكروي والسياسي

2019-10-23

ترجمة: محمد الدخاخني


بُعيد ركضه للاحتفال بهدف التّعادل المتأخّر لصالح تركيا ضدّ فرنسا مساء الأحد 13 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، اضطُّر الّلاعب، كان آيهان، في النّهاية إلى الانسحاب بعيداً عن زملائه الّذين أخذتهم النّشوة. فقد بدأ هؤلاء في أداء التّحيّة العسكريّة، لكن الّلاعب، البالغ من العمر 24 عاماً، وزميله في فريق "فورتونا دوسلدورف"، كينان كارامان، امتنعا عن المشاركة في ذلك.

أثار المنتخب الوطنيّ التّركيّ غضب الاتّحاد الأوروبيّ لكرة القدم بسبب تصرّفاته الداعمة لهجوم أنقرة العسكري على سوريا

بل بدا وكأنّ آيهان يخضع للّوم على يد أحد زملائه في الفريق لرفضه المشاركة في أداء التّحيّة العسكريّة.
ومؤخراً، قام كلّ من آيهان وكارمان بأداء التّحيّة العسكريّة في صورة للفريق أُخذت بُعيد المباراة، بعد فوزهم 1-0 على ألبانيا. وقد تصدّرت أفعالهم هذه عناوين الأخبار في ألمانيا بشكل سلبيّ وأثارت ردود فعل انتقاديّة على وسائل التّواصل الاجتماعيّ؛ حيث اعتُبرت الإيماءة داعمةً للهجوم العسكريّ التّركيّ في شمال سوريا ضدّ الميليشيات الكرديّة.
وأدّت المشاركة غير المباشرة للّاعبين الألمانيّين الدّوليّين إيمري كان وإيلكاي غوندوغان إلى أخذ النّقاش نحو مساحة أبعد.
وكانت العمليّة العسكريّة لأنقرة قد أثارت انتقادات دوليّة، وأثار المنتخب الوطنيّ التّركيّ غضب الاتّحاد الأوروبيّ لكرة القدم بسبب تصرّفاته، وقال الاتّحاد إنّه سيحقّق في الحادث. وتحظر قواعد هذه الهيئة الكرويّة التّصريحات السّياسيّة.

أدار أيهان ظهره في احتفالات التحية العسكرية لزملائه

القوميّة تعكّر المياه

يقول عالم السّياسة، ماهر توكاتلي، إنّ علاقة تركيا بالقوميّة كانت دائماً مصدراً للمشكلات.

قال الاتّحاد الأوروبي إنّه سيحقّق في الحادث وتحظر قواعد هذه الهيئة الكرويّة التّصريحات السّياسيّة

ويضيف: "تلعب القوميّة دوراً بارزاً ومهمّاً جدّاً في تركيا. ودور الجيش يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالقوميّة. ولهذا السّبب لا يجب أن تُفهم التّحيّة على أنّها تعاطف مع الرّئيس التّركيّ رجب طيّب أردوغان ولكن بوصفها تعبيراً عن نمطٍ قوميّ تركيّ غير صحّيّ للغاية، نمط قوميّ دنيء يتجاهل حرباً تنتهك القانون الدّوليّ".
ووقف فريق فورتونا إلى جانب لاعبيه المولودين في ألمانيا بعد أن قاما بالتّحيّة العسكريّة الأولى؛ حيث تحدّث المدير الرّياضيّ، لوتز بفانينستيل، إلى الّلاعبين وأكّد أنّهما أرادا فقط التّعبير عن التّضامن مع الجنود الأتراك ومع أحبّائهم.
وصرّح بفانينستيل قائلاً: "إنّنا على قناعة بأنّه لم يكن لديهما خيار آخر سوى التّعبير عن موقف سياسيّ. ويدافع الّلاعبان عن القِيَم الّتي يعيشها نادينا".
ويبدو أنّ آيهان وكارامان قد أقرّا كلمات بفانينستيل. لكن آيهان على وجه الخصوص تلقّى انتقادات من عشّاق تركيا على وسائل التّواصل الاجتماعيّ، الّذين وصفوه بأنّه "غير محترم".

ممزّقٌ بين ثقافتين

قد يكون من الصّعب بالتّأكيد استرضاء مجتمعين مختلفين. وفي هذه الحالة، يدور الحديث حول قواعد المعجبين في كلّ من تركيا وألمانيا. يعتقد توكاتلي أنّ بيان فورتونا قدّم "من الالتباس أكثر ممّا قدّم من الوضوح" وأنّ كلا الّلاعبين يتعرّض للضّغط.
ويضيف: "ليس من السّهل على المرء أن يخدم كلتا الثّقافتين. وهذا التّعقيد يمكن رؤيته في قضيّة مسعود أوزيل. ففي البداية أُشِيدَ بقراره الّلعب مع ألمانيا... بينما أشار إليه الجمهور التّركيّ باعتباره خائناً. وبُعيد الصّورة الّتي التقطها مع أردوغان، انقلب الوضع: في ألمانيا لم يعد يعتبر نموذجاً للشّخص الّذي اندمج في مجتمعه الجديد، بينما في تركيا أشاد به النّاس باعتباره (تركيّاً حقيقيّاً)".

شعبيّة وسائل التّواصل الاجتماعيّ فاقمت من احتمال تفجير مثل هذه القضايا الملحّة عبر الإنترنت

مُقلِّدون من درجة أقلّ
اتّخذ نادي الدّرجة الثّانية "سانت باولي" موقفاً مختلفاً عن ذاك الّذي اتّخذه "فورتونا" عند التّعامل مع لاعب الفريق سينك شاهين. فقد كتب الّلاعب التّركيّ البالغ من العمر 25 عاماً في منشورٍ - حُذِف الآن - على إنستغرام: "نقف إلى جانب جيشنا البطل، ونصلّي من أجله". وعلى الفور، أُخبِر شاهين أنّه لم يعد بإمكانه التّدرّب أو الّلعب في النّادي.

توكاتلي: تُفهم تّحيّة اللاعبين بوصفها تعبيراً عن نمطٍ قوميّ تركيّ غير صحّيّ، نمط دنيء يتجاهل حرباً تنتهك القانون الدّوليّ

وقال بيان صادر عن سانت باولي: "العامل الأساسيّ في التّوصّل إلى القرارات كان تجاهله المتكرّر لقِيَم النّادي وضرورة حماية الّلاعب".
وسافر شاهين الآن للخضوع للتّدريبات مع فريق باشاك شهير التّركيّ، الّذي يتمتّع بدعم ماليّ من مديرين تربطهم صلات بالرّئيس التّركيّ أردوغان.
وقد أصبح لاعبو كرة القدم الهواة في ألمانيا منخرطين أيضاً في الجدل بعد أن قام فريق يتكوّن من لاعبين تحت سنّ الـ 19 عاماً من تركسبور/كاغريسبور بمحاكاة التّحيّة العسكريّة بُعيد الاحتفال بالفوز في نورمبرغ.
وتحرّك الاتّحاد البافاريّ لكرة القدم على الفور لإدانة الإجراءات في بيان جاء فيه: "الّلاعبون الّذين يسيئون لكرة القدم عبر القيام بحركات استفزازيّة ذات دوافع سياسيّة قد يُتّهموا بالتّمييز بموجب المادة 47-أ من قانون الإجراءات القانونيّة ويكون عليهم في النّهاية مواجهة عقوبات صارمة".
وقال مدير الاتّحاد جوزيف يانكر: "كرة القدم تعني الّلعب النّظيف والاحترام والّلاعنف والتّسامح والتّقدير. وبالتّالي، فإنّنا لن ننحرف مطلقاً عن سياسة عدم التّسامح في حوادث العنف أو التّمييز".

خطوط مشوّشة
في خضمّ هذا النّقاش المعقّد، من الواضح أنّ سرعة وشعبيّة وسائل التّواصل الاجتماعيّ قد فاقمت من احتمال تفجير مثل هذه القضايا الملحّة عبر الإنترنت. ومع ذلك، فإنّ توكاتلي يصرّ على أنّه يتعيّن على لاعبي كرة القدم اعتماد نهجٍ أكثر استنارة واعتباراً في عمليّة اتّخاذهم للقرار.
يقول: "ليست هذه من المواقف الّتي يتحتّم فيها الخسارة. فهناك دائماً إمكانيّة لتجنّب المواقف الشّائكة".


يانيك سبيت، دويتشه فيله
مصدر الترجمة عن الإنجليزية:

https://www.dw.com/en/salute-or-silence-german-turkish-footballers-face-...

للمشاركة:

العدوان التركي على سوريا: النتائج المتوقعة وأبرز الخاسرين

2019-10-22

ترجمة: علي نوار


بعد ثلاثة أيام بالضبط من إعلان رئيس الولايات المتحدة، دونالد ترامب، انسحاب القوات الأمريكية المنتشرة في شمال سوريا، شرعت القوات التركية في شنّ عملية عسكرية بالمنطقة.

يعاني الأكراد من معاداة السلطات التركية حيث اتخذت بحقهم إجراءات مثيرة للجدل مثل حظر الأسماء الكردية ومنع استخدام اللغة الكردية

ويُعدّ هذا التدخّل هو الثالث الذي ينفّذه الجيش التركي في سوريا منذ عام 2016، وقد أدّى منذ الأسبوع الأول من تشرين الأول (أكتوبر) الجاري إلى نزوح 60 ألف شخص، بحسب تقديرات المرصد السوري لحقوق الإنسان.

وتستهدف أنقرة، على المستوى العسكري، ميليشيات وحدات حماية الشعب الكردية التي تقود تحالف قوات سوريا الديمقراطية، وهو تحالف كردي-عربي تعاونت معه الولايات المتحدة من أجل القضاء على تنظيم داعش.

وتصنّف تركيا وحدات حماية الشعب التركي كمنظّمة إرهابية بسبب صلاتها بحزب العمال الكردستاني الذي ينشط على الأراضي التركية والذي دخلت معه أنقرة في حرب عصابات دموية منذ 1984. لكن القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تدعم وحدات حماية الشعب وتثني على الدور البارز الذي لعبته هذه الميليشيات في دحر "داعش" عسكرياً في الفترة الأخيرة.

من هم الأكراد؟

يُعتبر الشعب الكردي هو أكبر أقلّية عرقية بلا دولة في إقليم الشرق الأوسط. ويُقدّر تعداد الأكراد بما يتراوح بين 25 و35 مليون شخص يعيشون في المنطقة الجبلية الموزّعة بين أربع دول هي؛ تركيا والعراق وإيران وسوريا، وإقليم صغير في أرمينيا. ويمتلك الأكراد لغة وثقافة خاصة بهم. ويعتنق أغلبهم المذهب السُنّي من الإسلام، رغم أنّ جزءاً منهم يؤمن بأديان ومُعتقدات أُخرى.

اقرأ أيضاً: ما الذي يخبئه الاتفاق التركي- الأمريكي على وقف "نبع السلام"؟

ويحلم الأكراد منذ مطلع القرن الـ20 بإنشاء دولة لهم هي كردستان. بيد أنّ اتفاقية لوزان، في سويسرا، التي وُقّعت عام 1923 التي رسمت حدود تركيا الحالية، لم تأخذ بعين الاعتبار إنشاء دولة كردية، ومنذ ذلك الحين تبوء أي محاولة لإقامة دولة كردية مستقلّة بالفشل.

بين عامي 1920 و 1930 تم نقل العديد من الأكراد إلى أجزاء أخرى من تركيا

ما هي وحدات حماية الشعب؟

هي الذراع العسكرية لحزب الاتحاد الديمقراطي، الذي أسّسه القوميون الأكراد في شمال سوريا. وتسعى وحدات حماية الشعب من أجل استقلال الأكراد بسوريا ولديها بعض الروابط بحزب العمال الكردستاني في تركيا، وهو الفصيل الذي يناضل بدوره من أجل إقليم ذاتي الحكم في تركيا.

يضع التدخل العسكري التركي ضد الأكراد واشنطن في مفترق طرق فتركيا وقوات حماية الشعب الكردي حليفان مهمّان بالنسبة للإدارة الأمريكية

ودخل حزب العمال الكردستاني في نزاع مسلّح ضد الجيش التركي منذ 1984 وتنظر له أنقرة باعتباره تهديداً لوحدة أراضيها. بالتالي قرّرت تركيا حظر الحزب وتصنيفه منظّمة إرهابية من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

أما وحدات حماية الشعب في سوريا فقد كانت حليفاً أساسياً للولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب الجهادي بالمنطقة، وكانت الميليشيا التي قرّرت واشنطن دعمها من أجل إسقاط "داعش" بعد محاولات غير ناجحة للتعاون مع ميليشيات أخرى محلّية، وفقاً لما كشفه الخبير الأمني جوناثان ماركوس لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي). وأوضح ماركوس في تحليله "قرار واشنطن بدعم الأكراد بالتدريب والمعدّات (العسكرية) أتى بثماره. أظهروا ولاءهم وقدراتهم كذلك ويعود تفكيك خلافة "داعش" بصورة كبيرة إلى إسهاماتهم".

لماذا ترى تركيا الأكراد تهديداً لها؟

هناك خلاف عميق بين الحكومة التركية والأكراد في تركيا؛ حيث يمثّل الأكراد ما يتراوح بين 15% إلى 20% من الشعب. وعلى مدار أجيال، يعاني الأكراد من معاداة السلطات التركية. ففي الفترة بين 1920 و1930، نُقل عدد كبير من الأكراد إلى مناطق أخرى من البلاد، واتّخذت السلطات إجراءات مثيرة للجدل مثل حظر الأسماء الكردية، فضلًا عن منع استخدام اللغة الكردية، ورفضت الاعتراف بوجود هوية عرقية كردية.

مسؤول كردي: لم تنته المعركة ضد داعش بعد، هناك المئات من الخلايا النائمة في المناطق المُحرّرة حديثاً

وفي العام 1978، أسّس السياسي الكردي عبد الله أوجلان حزب العمال الكردستاني، الحزب الذي كان يطالب في البداية بإنشاء دولة كردية مستقلة في تركيا، لكن بعدها بسبعة أعوام فقط، رفع الحزب السلاح، ومنذ ذلك الحين لقى 40 ألف شخص، على الأقل، مصرعهم، واضطر مئات الآلاف للنزوح عن منازلهم.

وفي عقد التسعينيات، تخلّى حزب العمال الكردستاني عن تطلّعاته نحو الاستقلال، ورأى الاكتفاء بالمطالبة بقدر أكبر من الاستقلالية الثقافية والسياسية، لكن النزاع المسلّح لم يتوقّف.

لكن بحلول 2013، توصّل حزب العمال الكردستاني لاتفاق هدنة مع الحكومة، رغم أنّه سقط إثر الهجمات الانتحارية المنسوبة لتنظيم داعش والتي وقعت في 2015 وراح ضحيتها 33 شاباً بمدينة سروج الكردية القريبة من الحدود مع سوريا.

ووجّه حزب العمال الكردستاني أصابع الاتهام لأنقرة بالضلوع في هذه الهجمات، ليقرّر استهداف جنود الجيش والشرطة الأتراك، ومنذ ذلك التوقيت أعلنت تركيا الحرب ضد الإرهاب مستهدفة كلّا من حزب العمال الكردستاني وتنظيم داعش.

وترى أنقرة أنّ وحدات حماية الشعب هي امتداد لحزب العمال، ورغم أنّهما يتشاركان نفس الأيدولوجيا، لكنّهما يؤكّدان كونهما جهات منفصلة.

على مدى أجيال تلقى الشعب الكردي معاملة معادية من السلطات التركية

ماذا يقول أردوغان؟

يؤكّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أنّ الحملة، التي بدأت بغارات جوية مستهل الشهر الجاري، تستهدف القضاء على القوات الكردية بالمنطقة الحدودية وفرض "منطقة آمنة" بحيث يتمكّن ملايين اللاجئين السوريين من العودة. فقد غرّد أردوغان "مهمّتنا هي الحيلولة دون ظهور ممرّ للإرهابيين بطول حدودنا الجنوبية وإحلال السلام بالمنطقة".

اقرأ أيضاً: هل يمكن تجميد عضوية تركيا بـ"الناتو"؟

وأضاف رئيس تركيا "عملية (نبع السلام) ستحيّد التهديدات الإرهابية ضد تركيا وتسهم في إنشاء منطقة آمنة، تعمل على إعادة اللاجئين السوريين إلى منازلهم. سنحافظ على وحدة الأراضي السورية ونحرّر المحلّيين من الإرهابيين".

على الجانب الآخر، تؤكّد قوات سوريا الديمقراطية أنها ستدافع عن أراضيها "بأي ثمن"، وحذّرت قبل بدء الهجوم التركي أنّ شمال شرق سوريا على شفا "كارثة إنسانية محتملة"، معتبرة أنّ العملية التركية من شأنها منح قبلة الحياة لـ"داعش" وهي مخاوف تنتاب الكثير من المراقبين الدوليين.

ما طبيعة الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة؟

يضع التدخل العسكري التركي ضد الأكراد واشنطن في مفترق طرق، فتركيا، العضو في حلف الناتو، ووحدات حماية الشعب الكردي حليفان مهمّان بالنسبة للإدارة الأمريكية.

فقد بدأت الولايات المتحدة في العمل مع القوات الكردية عام 2015 كي تساهم الأخيرة مع التحالف الغربي في وقف تقدّم تنظيم داعش، ولم تكن مخطئة في قرارها. لكن هذا التحالف تضرّر جراء إعلان دونالد ترامب سحب القوات الأمريكية من شمال سوريا، في خطوة يرى بعض المراقبين أنّها "خيانة" للشعب الكردي وتغيير جذري في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه المنطقة.

اقرأ أيضاً: بعد العدوان التركي: سوريا تربح من الباب الخلفي.. كيف؟

وخرج ترامب ليدافع عن نفسه إزاء هذه الاتهامات عبر موقع (تويتر) حيث غرّد "ربما نغادر سوريا، لكنّنا لم نتخلّ بأي حال عن الأكراد، وهم شعب مميّز ومقاتلون رائعون"، رغم أنّه قلّل فيما بعد من حجم الدعم الذي قدّمه الأكراد لواشنطن، بيد أنّه حذّر أنقرة لاحقاً من مغبّة استخدام القوة "غير الضرورية"، مهدّداً بـ "تدمير" اقتصاد تركيا إذا "تجاوزت تركيا الحدود" أثناء تدخّلها.

ما هي تبعات الهجوم التركي على سوريا؟

يتعرّض الهجوم التركي على شمال سوريا لانتقادات عنيفة من الحكومات العربية، لكن تركيا لا تلقي لها بالاً، بل وخرج نائب الرئيس التركي فؤاد أقطاي ليصرّح بأنّ العملية تجري كما كان مخطّطاً لها، لكن ما هي التبعات المحتملة لهذه العملية؟

يصعب التكهّن بنتائج (نبع السلام)، لكن وفقاً لصحيفة (إيلاف) البريطانية فإنّ الأكراد لن يكونوا الخاسر الوحيد جراء هذه العملية التي قد تؤثّر سلباً وبدرجة كبيرة على النجاح الذي تحقّق في الحرب ضد الإرهاب الدولي، فربّما يستغل مقاتلو تنظيم داعش الأسرى بالمناطق الكردية حالة الفوضى للهرب والانتشار بجميع أرجاء المنطقة.

كما أنّ هذا التدخّل من شأنه أن يضرّ بتركيا نفسها أيضاً، خاصة وأنّ الحكومة مجبرة على شنّ "حرب لا نهاية له" مع الأكراد، لا سيما وأنّ واشنطن زوّدت الأكراد بأسلحة وعتاد، فضلاً عن التدريب العسكري، لذا فإنّ المعارك بين الطرفين ستكون دائمة. الأمر الذي قد يعني نوعاً ما "فيتنام" بالنسبة لتركيا، أو على أفضل تقدير نصر بخسائر فادحة.

لعبت وحدات حماية الشعب دوراً مهماً في الهزيمة الأخيرة التي عانت منها داعش في سوريا

عودة "داعش" للحياة من جديد؟

يعتقد الكثير من المحلّلين أنّ العملية العسكرية التركية في شمال شرقي سوريا ربما ينتج عنها عودة ظهور تنظيم داعش، رغم تأكيدات تركيا بالتزامها بمنع حدوث ذلك الأمر، بعد القضاء على آخر معاقل التنظيم على الأراضي السورية في آذار (مارس) الماضي.

خبير في معهد الشرق الأوسط: ترامب منح تنظيم داعش قبلة العودة للحياة

فرغم القضاء على "داعش" إلّا أنّ التنظيم أصبح منظمة سرية لديها خلايا نائمة لا تزال تنفّذ هجمات واعتداءات دموية، ويوضّح المحلّل سام هيلر من (مجموعة الأزمة العالمية) لوكالة الأنباء الفرنسية "ما زال "داعش" يشكّل خطراً قابلاً للانتشار مرة أخرى إذا تشتّت موارد واهتمام قوات سوريا الديمقراطية نحو معركة دفاعية أمام تركيا".

ويؤكّد عبد الكريم عمر مسؤول الشؤون الخارجية في الإدارة الكردية "لم تنته المعركة ضد "داعش" بعد. هناك المئات من الخلايا النائمة في المناطق المُحرّرة حديثاً".

علاوة على ذلك، فمن شأن عملية تركية تهديد السجون والمخيمات التي يديرها الأكراد والتي تؤوي عدداً من الجهاديين وعائلاتهم، الأمر الذي دفع قوات سوريا الديمقراطية للتعبير عن تخوّفها من فقدان السيطرة على هذه المنشآت. ففي مخيم الهول وحده، بشمال شرقي سوريا، يوجد 70 ألف نازح، بينهم ثلاثة آلاف أسرة لجهاديين، طبقاً للإدارة الكردية.

وأضاف عمر "قد يهرب هؤلاء المجرمون"، لافتًا النظر إلى أنّ مراكز الاحتجاز هي أماكن غير حصينة، وعلى رأسها مخيم الهول الذي وصفه بـ "قنبلة موقوتة" حيث يُحتجز به "أشخاص خطرون للغاية مثل آلاف من مقاتلي داعش" ومن بينهم أجانب وغربيون، وتقع به يومياً اعتداءات بأسلحة بيضاء وجرائم قتل ومحاولات هرب.

وكل ذلك بعد دعوة زعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي في أيلول (سبتمبر) الماضي أتباعه، في تسجيل صوتي، لـ "إنقاذ" الجهاديين وعائلاتهم الذين يعيشون في هذه المراكز والسجون. ووفقاً لـ(معهد دراسات الحرب)، فإنّ التنظيم الإرهابي يدفع رشاوى لحرّاس هذه المراكز مقابل تهريب النساء سراً. ويعدّ الآن على الأرجح لعمليات أكثر تنظيماً ودقّة من أجل تحرير أفراده المحتجزين".

وصرّح المحلّل صامويل راماني لوكالة الأنباء الفرنسية أنّ "تركيا ربما لا تهاجم عمداً المخيمات والسجون، لكنّها قد تقصفها عن طريق الخطأ"، واتّفق معه هيلر مؤكّداً على "هشاشة" وضع هذه المخيمات إذا اضطرّت القوات الكردية لإعادة الانتشار واتّخاذ مواقع دفاعية، موضّحاً "إذا نجح قياديو "داعش" في الفرار منتهزين حالة الفوضى، فربّما يؤدّي ذلك لحدوث عمليات محلّية للتنظيم. أو إن نجحوا في الهرب وغادروا الأراضي السورية فقد ينضّمون لجماعات إرهابية تنشط على المستوى العالمي".
ويقول تشارلز ليستر الخبير في (معهد الشرق الأوسط) أنّ ترامب منح "تنظيم داعش قبلة العودة للحياة".


مصدر الترجمة عن الإسبانية:
https://bbc.in/33j9Sdl
https://bit.ly/32oIwSM
https://bit.ly/2OGh4Mx

للمشاركة:

التطهير العرقي... إمبريالية أردوغان الجديدة

مدني قصري's picture
كاتب ومترجم جزائري
2019-10-21

ترجمة: مدني قصري


إنّ الهجوم التركي الذي بدأ، في 9 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، ضدّ وحدات حماية الشعب الكردي (YPG)، والقوات الديمقراطية السورية العربية الكردية (SDF)، أسفرت بالفعل عن مقتل أكثر من 150 شخصاً، ونزوح 200000 مدني، معظمهم من الأكراد، وراء أمر المهمة الرسمية هذه، نجد هدف أردوغان إنشاء "منطقة آمنة" لاستيعاب اللاجئين السوريين في تركيا، في نهاية المطاف.

تهدف خطة أردوغان وجنرالاته للاستفادة من القضاء على القوات الكردية وهجرة مئات الآلاف من المدنيين الأكراد لتوسيع "عمقه الإستراتيجي"

في حين أعلن قائد البنتاغون، مارك إسبير، مؤخراً، سحب 1000 جندي أمريكي من شمال سوريا، وفق قرار دونالد ترامب، أعلن الجيش التركي أنّه استولى على تل أبيض، وحتى على رأس العين، رغم أنّ القوات الكردية تواصل الدفاع عن مواقعها، ويدّعي الجيش التركي أنّه استولى على "ساري كاني"، التي تطالب بها القوات الديمقراطية السورية العربية الكردية، التي تقول إنّ المعركة من أجل السيطرة على المدينة ما تزال مشتعلة، في المجموع؛ استولت القوات الموالية لتركيا بالفعل على 40 قرية منذ يوم الهجوم.
وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان؛ إذا أضفنا إلى الـ 40 مدنياً الذين قُتلوا منذ بداية الهجوم، فإنّ 90 مقاتلاً كردياً قُتلوا بالفعل في الاشتباكات، حيث ارتفع عدد القتلى على الجانب الكردي إلى 130 قتيلاً، أما عن جيش أنقرة فقد اعترف بأنّه فقد 4 مقاتلين في سوريا، و18 مدنياً قتلوا جراء الصواريخ الكردية التي أطلقت على البلدات الحدودية التركية، ومن أهداف الإسلاميين السُنّة المفضّلة 8، فقد تم إخلاء 8 قرى إيزيدية على الحدود مع روجافا السورية الكردية. في المجموع، منذ 9 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، فرّ 200000 مدني من هجمات الميليشيات الموالية لتركيا التابعة للجيش الوطني السوري.
يؤكد السلطان الجديد، الخليفة أردوغان في كل مكان، أنه في بيته، حيث حَكم الباب العالي

قنبلة حقيقية في يد سلطة أنقرة
على المدى البعيد؛ إذا حدث وتكثفت عملية "نبع السلام"، واستمرت لفترة طويلة، وإذا استمر الغربيون في التخلي عن الأكراد، خاصة أمريكا، حاميتهم السابقة، فإنّ دراما إنسانية حقيقية سوف تلوح في الأفق لستة ملايين مدني؛ أكراد، وعرب، وأرمن، وآشوريين، وإيزيديين، ...إلخ، يعيشون في شمال شرق سوريا.

يدرك أردوغان أنّ شركاءه بالناتو مستعدّون لمنحه الأكراد شريطة أن يظلّ في المحيط الأطلسي ولا يذهب بعيداً بمغازلة موسكو

في المجموع؛ منذ يوم الهجوم، فقد الأكراد ما يقرب من 25 قرية، وفق ما ذكرته قناة "Ronahi TV" الإعلامية الكردية، فإنّ أنقرة حاولت إنقاذ وإطلاق سراح سجناء داعش المحتجزين في مخيم عين عيسى، الأحد، بقصف المنطقة المحيطة بالمخيم، وقد تمكّن جزء من المعتقلين من الفرار مع العديد من عائلات الجهاديين، والرقم الذي أعلنته عدة مصادر هو حوالي 800 جهادي، وأقارب الجهاديين الأجانب الذين ينتمون إلى داعش، وتجدر الإشارة إلى أنّ 12000 من مقاتلي داعش، هم سوريون وعراقيون، و3000 أجنبي من 54 دولة، بما في ذلك 2000 أوروبي، محتجزون الآن في سجون يسيطر عليها الأكراد، إنّها قنبلة حقيقية في يد سلطة أنقرة، عندما نعلم أنّ واشنطن منحت الأتراك "مراقبة" الجهاديين.
أهداف حرب أردوغان والجيش التركي
يتمثل هدف سلطة أنقرة، منذ بداية الأزمة السورية، في أن توطّن في هذه "المنطقة الآمنة" المستقبلية في شمال سوريا، جزءاً من 3.6 مليون لاجئ سوري، تستضيفهم تركيا، ولم يعد يتحمّلهم الشعب التركي، حتى ناخبو أردوغان أنفسهم.
ويجدر التذكير بأنّه، بين عامَي 2016 و2018، قادت تركيا أردوغان هجومَين في الشمال السوري، كما تهدف خطة الرئيس التركي وجنرالاته، بالطبع، إلى الاستفادة من القضاء على قوات حماية الشعب الكردية/ قوات الدفاع والأمن الكردية، وهجرة مئات الآلاف من المدنيين الأكراد، لتوسيع "عمقها الإستراتيجي" في شمال سوريا، وتتوافق إستراتيجية التوسع هذه مع رؤية توحيدية حقيقية للعثمانيين الجدد، الواضحة أيضاً في العراق، أو في قبرص، أو في الجزر اليونانية في بحر إيجه، أو في البلقان؛ حيث يؤكد السلطان الجديد، الخليفة أردوغان في كلّ مكان، أنّه في بيته، حيث حكم الباب العالي.

اقرأ أيضاً: "التايمز": تركيا تستخدم أسلحة محرَّمة ضدّ الأكراد بسوريا
هجوم أنقرة يستهدف في البداية التركيز على منطقة حدودية بين بلدتي تل أبيض ورأس العين، اللتين تفصلهما مسافة 120 كم، على المدى البعيد، يخطط أردوغان للسيطرة على قطاع شاسع من شمال سوريا، على عمق 32 كم، ومن الفرات (الغرب) إلى حدود العراق، وهكذا؛ فإنّ إستراتيجية أنقرة و"أهدافها الحربية" في سوريا، تجمع بين الدوافع الإثنية القومية والأمنية والإمبريالية الجديدة، والاقتصادية (النفط)، وحتى الدينية، ناهيك عن الدوافع "القومية الإسلامية"، ويتكون المساعدون السوريون العرب الذين يقاتلون إلى جانب الجيش التركي، وهم جزء من الجيش الوطني السوري، من متمردين إسلاميين سابقين قاتلوا النظام السوري، ولجؤوا إلى الشمال الغربي، تحت الحماية التركية، بعد الاضطرار إلى مغادرة مناطق المتمردين التي سيطرت عليها دمشق وحلفاؤها الروس والإيرانيون، منذ عام 2016 في الغرب، وفي جنوب البلاد على وجه الخصوص.
الانسحاب الامريكي من سوريا..ترامب يتخلى عن الأكراد ويمنح تركيا حرية التصرف

الحرب التركية ضدّ "الإرهابيين"... من هو الإرهابي؟
من الناحية الرسمية، تقول أنقرة؛ إنّها لا تحارب الأكراد كأكراد، ولكنّها تحارب "إرهابيي" حزب العمال الكردستاني وفروعه السورية: (PYD) (YPG) (YPJ)، وفاءً منه لموقفه المعلن منذ بداية الحرب الأهلية السورية، أكّد رجب طيب أردوغان أنّ بلاده "لن تسمح بإنشاء دولة إرهابية في شمال سوريا"، أما بالنسبة إلى الرئيس الفرنسي، فقد قال: "الهجوم التركي في سوريا في صميم اهتماماتنا"، و"يجب أن يتوقف"، بعد تبادل (دون جدوى)، وقتها، مع الرئيسَين، ترامب وأردوغان، ومن باب الضغط؛ أعلنت باريس "تعليق تصدير المواد الحربية المحتمل استخدامها في تركيا" إلى سوريا، أما بالنسبة إلى نظيرتها الألمانية؛ فقد التقت أنجيلا ميركل، أيضاً، بالرئيس التركي، لإبلاغه (دون جدوى) بقلقها، بشأن "تهديد داعش الذي ما يزال قوياً للغاية"، معلنة أيضاً قرارها تعليق مبيعات الأسلحة إلى تركيا.
أردوغان مصمّم على نيل إعجاب ناخبيه الإسلاميين
كما حذت السويد وإيطاليا ودول الاتحاد الأوروبي الأخرى حذو ألمانيا وفرنسا، وهكذا، أدرج مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي، الذي اجتمع في لوكسمبورغ، في 14 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، في جدول أعماله: تنسيق "النهج الأوروبي لتحقيق هذه الغاية"، الذي من المرجح أن يكون، كالعادة، ضدّ السلطان التركي، منقسماً وقليل الفعالية، في مواجهة الضغوط الغربية والأطلسية والفرنسية، وقال الرئيس التركي، أردوغان، الذي لم يتأثر بموقف الغربيين، والمصمِّم على أن ينال إعجاب ناخبيه الإسلاميين، في خطاب ألقاه في إسطنبول: "لا شيء يوقف عمليتنا، لا الحظر ولا وقف مبيعات الأسلحة، ولا إعلان دمشق إرسال قوات لمواجهة الهجوم التركي"، ووفق مصادرنا؛ فإنّ المواقع الكردية التي كانت تتمركز فيها القوات الأمريكية والفرنسية كانت مستهدفة أيضاً بقصف الطيران التركي.

اقرأ أيضاً: أكراد العراق.. لماذا كانوا الأقرب إلى تحقيق الاستقلال؟
تتمثل الفكرة في جعل آخر القوات الغربية تغادر حتى يصبح المجال متاحاً للقوات التركية؛ حيث يدرك أردوغان أنّ شركاءه في حلف الناتو مستعدّون لمنحه الأكراد، شريطة أن يظلّ في المحيط الأطلسي، وألّا يذهب بعيداً في مغازلة موسكو، ناهيك عن مسألة المهاجرين والجهاديين المفرَج عنهم من السجون الكردية؛ إذ يعرف أردوغان جيداً قدرته على الإزعاج المقرون بالانقسامات ما بين الغربيين.

ما يفعله أردوغان للأكراد تطهير عرقي

جرائم حرب الميليشيات الموالية لتركيا ضدّ الأكراد
في سياق القتال الأخير، في نهاية الأسبوع الماضي، والذي خسر فيه الأكراد 10 جنود إضافيين، ومدنيين، قال أنصار الميليشيات الإسلامية الموالية لتركيا إنّهم "أعدموا"، جنوب مدينة تل أبيض الحدودية، في كمين ضدّ قافلة من المدنيين بالقرب من جيري سيبو (تل أبيض)، هيفرين خلف، السكرتيرة العامة لحزب المستقبل في سوريا، المرتبط بالحزب الكردي السوري (PYD)؛ حيث تمّ إيقاف سيارتها على الطريق السريع من قبل أعضاء الميليشيا الموالية لتركيا الذين قتلوها وسائقها وثمانية أشخاص آخرين، ووفاءً منهم لـ "التقليد" الجهادي؛ قام المهاجمون الإسلاميون المؤيدون للأتراك بتصوير عمليات إعدام المدنيين، ثم قاموا ببثّ مقاطع فيديو لمقتل هيفرين خلف على شبكة الإنترنت، فضلاً عن صور نزع أسلحة العديد من المدنيين والمقاتلين وإعدامهم بوحشية، هذه صورة "المنطقة" الأمنية التي تريد تركيا أن تبنيها لاستيعاب المعارضين الإسلاميين السوريين والمدنيين المنفيين في تركيا، كما بدت أنقرة محرَجة من تصرفات القوات العربية الإسلامية الموالية لتركيا، وطلبت من قيادة الجيش الوطني السوري (الذي يوحّد الميليشيات العربية والتركمانية الموالية لأنقرة) أن تأمر مقاتليها بالتوقف عن نشر فيديوهات المواجهة والقتل في الميدان.
تركيا.. شوكة في حلق الناتو
الولايات المتحدة، التي تريد أن تبقي تركيا كحليف في الناتو "كخاصرة جنوبية"، والمستعدة لتقديم تنازلات شديدة لأردوغان لمحاولة ثنيه عن تعزيز تحالفه مع روسيا، هل "تخلت" حقاً عن الأكراد، الذين تمّت التضحية بهم على مذبح وحدة الناتو وسياسة دونالد ترامب غير التدخلية؟ كلّ شيء يؤدي إلى التفكير في ذلك، ومع ذلك؛ ففي يوم الجمعة الماضي، بدأ دونالد ترامب، الذي تعرّض للنقد بشدة داخل معسكره الجمهوري لـ "خيانته" للحليف الكردي ضدّ داعش، يبدو كأنّه قال كلّ شيء ولم يقل شيئاً، بتوقيعه مرسوماً يتيح في أيّة لحظة إطلاق عقوبات ضدّ تركيا، التي هدّدها حتى "بتدميرها اقتصادياً"، إذا ذبح أردوغان الحلفاء الأكراد.

اقرأ أيضاً: أكراد إيران.. قصة مئة عام من البحث عن استقلال
كلمات لا يبدو أنّها أرعبت، في الوقت الحالي، السلطان، الرئيس أردوغان وجيشه، من وجهة نظر غربية، تشكّل قضية التخلي عن الأكراد، حلفاء التحالف، إشكالية معقدة، سواء بالنسبة إلى وحدة الناتو، أو إلى ردود الفعل من الرأي العام الغربي، السياسي والإعلامي، ومن وجهة نظر الأمن على السواء (ماذا عن الجهاديين الذين أطلقتهم الميليشيات الموالية للأكراد؟).
مصداقية الغرب على المحك
لقد تضرّرت مصداقية الدول الغربية، خاصة الولايات المتحدة، أكثر من أيّ وقت مضى، ومن جانبه؛ أكّد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في مقابلة عبر الهاتف مع نظيره الأمريكي، دونالد ترامب، على ضرورة التوقف في أسرع وقت ممكن عن الهجوم التركي على شمال شرق سوريا، وهي أمنية بلا طائل، ما دام أردوغان، سيد الابتزاز الجيوسياسي، يعلم أنّ الغربيين سوف يسمحون له بمواصلة عمله في "تطهير" الأكراد السوريين، الذي بدأ في اللامبالاة العامة منذ عام 2018 غرب الفرات (عفرين)، ويستمر الآن إلى الشرق.

اقرأ أيضاً: كيف تمّ التمهيد للهجوم التركي على أكراد سوريا؟
هذا هو في الواقع الثمن الذي يجب دفعه مقابل ألا تذهب تركيا نهائياً إلى المعسكر الموالي لروسيا والمؤيد للصين وإيران، كابوس إستراتيجي جغرافي حقيقي يواجهه الغربيون، الذين وقعوا في فخّ "الاحتواء الجديد" (néo-containment) لفترة ما بعد الحرب الباردة، وأطلسيتهم التي عفا عنها الزمن تجاه روسيا، التي تمكنت جزئياً من العودة كواحدة من أعضائهم.
الاستنتاج: العودة الضرورية إلى السياسة الواقعية
النتيجة المتوقعة للتخلي عن القوات الكردية السورية من قبل حليفها الأمريكي، والتدخل التركي في الشمال السوري، هي: أن يرسل جيش نظام دمشق قوات إلى شمال البلاد لمواجهة عدوان أنقرة وميليشياتها العربية الموالية، التي تتألف من المتمردين الجهاديين المعادين للأسد، وتجدر الإشارة إلى أنّه، سبق أن انتشر، في الماضي، الجيش السوري بالفعل في بعض المناطق الكردية لتجنب هجوم تركي محتمل، في هذا السياق، وفي مواجهة تركيا العدو الحقيقي؛ يُجري المسؤولون الأكراد بالفعل "مفاوضات" لمواجهة الهجوم التركي معاً، في نهاية عام 2018، عندما كان نظام أردوغان التركي يهدّد بشنّ عملية ضد القوات الكردية في سوريا، دعت وحدات حماية الشعب، جيشَ الأسد السوري إلى الانتشار في منطقة منبج (الشمال)، مع الموافقة على انسحابها هي نفسها من القطاع.

أكّد الرئيس الفرنسي على ضرورة التوقف في أسرع وقت ممكن عن الهجوم التركي على شمال شرق سوريا

النظام السوري يرحّب بأبنائه التائهين

أعلن أكراد سوريا، الأحد، عقد اتفاق مماثل مع دمشق لنشر الجيش السوري في شمال البلاد لمعارضة التقدم السريع للقوات التركية وحلفائها العرب الإسلاميين، ولتبرير الاتفاق بين الأكراد ودمشق، صرّح القائد الأعلى لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، للشرطة الخارجية؛ بأنّ النظام السوري وحليفته الروسية "تقدّما بمقترحات يمكن أن تنقذ أرواح ملايين الناس"، "نحن نعلم أنّه سيتعين علينا تقديم تنازلات مؤلمة، لكن بين التسويات والإبادة الجماعية لشعبنا، سنختار الحياة"، و"نعلم أيضاً أنّه قبل الهجوم التركي بفترة وجيزة، دعا الأكراد روسيا إلى لعب دور "الضامن" في عملية الحوار مع النظام الذي وافق بعد ذلك على الترحيب بأبنائه التائهين".
هل سيقلص الأكراد مطالبهم في سوريا؟ 
من الواضح أنّ النظام الوطني في دمشق والسلطات الكردية (بحكم الأمر الواقع) في شمال البلاد لديهما نزاع جيوسياسي كبير، وما يزال الوصول إلى اتفاق بشأن مستقبل سوريا بعيداً، لكنّ التخلي الأمريكي قد يدفع الأكراد لتقليص مطالبهم بالحكم الذاتي والتعامل مع دمشق أكثر بقليل.

اقرأ أيضاً: الأكراد.. أين يتواجدون؟ وهل حصلوا على حقوقهم السياسية والثقافية؟
لم تثمر المحادثات الكردية السورية حول مستقبل المناطق، خلال العامَين الماضيَين، لكن هناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأنّه إذا استمرت الولايات المتحدة في السماح للقوات الموالية لتركيا بالتقدم إلى إقطاعيات الأكراد في شمال شرق سوريا، فإنّ ذلك قد يغري دمشق وحليفتها الروسية بالاستفادة من ذلك لدفع الأكراد لقبول عودة السلطة السورية، بشكل شكلي على الأقل، إلى المنطقة الكردية المتنازع عليها من قبل الأتراك، والعرب، والأكراد.
ليس لتركيا مكان في حلف الناتو
أما بالنسبة إلى الأوروبيين، الذين يتعيّن عليهم أن يواجهوا تهديداً إرهابياً مستمراً، والذي من المحتمل أن ينمو مع تحرير مئات الجهاديين الأوروبيين، أو فرارهم، أو إعادتهم إلى أوطانهم، منذ عام 2018، فقد حان الوقت لأن يخضعوا لقانون الإستراتيجية الجيوسياسية والسياسة: اختيار وتعريف العدو الرئيس، ليس وفق أخلاق حقوق الإنسان، ولكن وفق مصالح شعوبهم ودولهم، لكنّ هذا العدو، في هذه المنطقة من العالم، ليس الدول العلمانية الدكتاتورية الموالية لروسيا، مثل الدولة السورية اليوم، أو دولة صدام حسين بالأمس، التي زعزع استقرارها خطأ، لكنّه القوى المتطرفة، سواء تعلّق الأمر بجهاديي داعش والقاعدة، الذين يجب تقليص معقلهم في إدلب، ولكن أيضاً الدول التي تدعمهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، بدءاً من قطر، الراعي لجماعة الإخوان المسلمين والجهاديين الصوماليين والليبيين، أو السوريين، وتركيا أردوغان، الراعي المشارك لجماعة الإخوان المسلمين، وحركة حماس، والعديد من الجماعات الجهادية العاملة في شمال غرب سوريا، والتي جُنِّدت وأُطلِقت لمهاجمة الأكراد.
إنّ مكاناً مثل هذا البلد، تركيا، التي تنتهك الآن سيادة اليونان (تهديدات لجزر إيجه والانتهاكات اليومية للمجال الجوي والبحري)، ثم قبرص (حالة القوارب العسكرية التي تمنع الشركات القبرصية والأوروبية من حفر الغاز والنفط اللذين تم اكتشافهما قبالة قبرص)، بالتأكيد ليس له مكان في حلف الناتو.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:

valeursactuelles.com
 

للمشاركة:



عدد الإرهابيين الخطيرين يتضاعف 5 مرات في ألمانيا.. تفاصيل

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-23

ذكر رئيس المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية الألمانية، هولجر مونش؛ أنّ عدد الإسلاميين الخطيرين أمنياً في ألمانيا تضاعف بمقدار يزيد عن 5 مرات، منذ عام 2013، ليصل اليوم إلى نحو 680 فرداً.

رئيس الشرطة الجنائية: سلطات الأمن في ألمانيا حالت دون وقوع سبع هجمات في البلاد منذ 2016

وأضاف مونش، في تصريحات لصحيفة "راينيشه بوست" الألمانية، الصادرة اليوم: "سلطات الأمن في ألمانيا حالت دون وقوع سبع هجمات في البلاد، منذ هجوم الدهس الذي وقع قبيل الاحتفالات بعيد الميلاد (الكريسماس)، عام 2016".

وقال مونش؛ إنّ القصور الذي وقع في الإجراءات القانونية المتعلقة بشؤون الأجانب والمراقبة والملاحقة الجنائية، للتونسي أنيس العمري، الذي نفّذ بعد ذلك هجوم الدهس في برلين، لا يمكن أن يحدث بعد ذلك الآن.

ومن ناحية أخرى؛ وصف مونش التهديدات من اليمين المتطرف على الإنترنت، بأنّها "تعرض الديمقراطية للخطر"، معلناً في الوقت نفسه تأسيس "مركز مركزي لمكافحة الكراهية على الإنترنت"، وقال: "يتعين علينا التصدي لجرائم الكراهية على الإنترنت بصورة أقوى، الإنترنت يبدو أحياناً مثل معقل أخير للغرب المتوحش، وعندما تؤدي تهديدات اليمين إلى عدم منافسة ساسة محليين في الانتخابات وانسحاب المتطوعين من نشاطهم التطوعي، فإنّ هذا يعتبر أمراً مهدداً للديمقراطية".

مونش يؤكّد أنّ تهديدات اليمين المتطرف تعرّض الديمقراطية للخطر ويجب التصدي لجرائم الكراهية

يذكر أنّ العمري استولى على شاحنة، في 19 كانون الأول (ديسمبر) عام 2016، ودهس بها جموعاً بشرية في أحد أسواق الكريسماس في برلين، ما أسفر عن مقتل 12 شخصاً وإصابة العشرات، وعقب الجريمة فرّ العمري إلى إيطاليا؛ حيث لقي حتفه بعد أربعة أيام، برصاص الشرطة.

 

للمشاركة:

الحوثيون يعترفون: زرعنا 2500 حقل ألغام!

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-23

أبلغت ميليشيات الحوثي الإرهابية رئيس فريق المراقبين، الجنرال الهندي أبهيجيت جوها؛ بأنّ حقول الألغام التي زرعتها تتجاوز 2500 حقل، في منطقة المنظر والمنصة جنوب غرب الحديدة، وأنّ الذين زرعوا هذه الألغام قتلوا لذلك لا يستطيعون انتزاعها.

ميليشيات الحوثي الإرهابية تؤكّد لرئيس فريق المراقبين أنّ الذين زرعوا حقول الألغام قُتلوا

وكان فريق الأمم قد أقام، أمس، رابع نقطة مراقبة في منطقة منظر للإشراف على وقف إطلاق النار، وربطها بغرفة العمليات في السفينة الأممية قبالة سواحل اليمن، متهماً ميليشيا الحوثي بقصف منازل المدنيين، في مديرية التحيتا ومواقع الجيش اليمني، رغم الجهود الأممية الرامية للتهدئة، وفق ما نقلت صحيفة "عكاظ".

ولفتت المصادر إلى أنّ الميليشيا ارتكبت خلال الساعات الماضية 20 خرقاً، وتعرضت نقاط لجنة مراقبة وقف إطلاق النار الثلاث في شرق الحديدة لاستهداف مباشر.

في غضون ذلك؛ طالب نائب المدير الإقليمي لبرنامج الغذاء العالمي في اليمن، رضا قريشي، بتوفير ممرات آمنة لخروج المدنيين من الدريهمي، مؤكداً أنّ البرنامج قدم غداء ودواء وماء تكفي لـ 3 أشهر.

وأوضح في بيان له أمس؛ أنّ 200 شخص ما يزالون معرضين للخطر في المدينة، وسط تفاقم معاناتهم وتوقف المراكز الصحية والمحلات التجارية.

برنامج الغذاء العالمي في اليمن يطالب بتوفير ممرات آمنة لخروج المدنيين من الدريهمي

وتتخذ المليشيا من المدنيين في الدريهمي دروعاً بشرية، وتمنع خروجهم إلى أماكن آمنة بعد أن زرعت حزام ألغام حول المدينة.

ونجح برنامج الغذاء العالمي، الأسبوع الماضي، بعد أن تمكنت قوات التحالف العربي وآليات كاسحات الألغام من تنظيف الطرق المؤدية إلى المدينة من الألغام الحوثية، في تأمين دخولهم عبر طرق ريفية وإيصال المساعدات الإنسانية للمدنيين.

 

للمشاركة:

لليوم السابع.. احتجاجات لبنان تستمرّ ولا بوادر للانفراج

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-23

تتواصل الاحتجاجات في لبنان، لليوم السابع على التوالي، وتشهد البلاد شللاً جزئياً، بفعل قطع المحتجين لمعظم الطرقات الرئيسة في مختلف الأراضي اللبنانية، وإغلاق المدارس والمعاهد والجامعات والبنوك.

وبدأ المحتجون، منذ ساعات صباح اليوم، بالتوافد إلى ساحة رياض الصلح وسط بيروت، إيذاناً بيوم جديد من "الثورة"، كما يسمّيها المحتجون، وسط رفض تام للورقة الإصلاحية التي قدمتها الحكومة اللبنانية، في محاولة لرأب الصدع الاقتصادي والمعيشي الذي أدّى إلى انفجار الشارع، وفق "روسيا اليوم".

المحتجون منذ ساعات الصباح يتوافدون إلى وسط بيروت إيذاناً بيوم جديد من "الثورة"

إلى ذلك، يصرّ المحتجون على إقفال الطرقات المؤدية إلى العاصمة مع بداية كلّ يوم؛ حيث تعمل القوى الأمنية بالتفاوض مع المحتجين إلى فتحها ولو جزئياً في ساعات المساء.

كما يعمد المحتجون إلى قطع الطرقات التي تصل جنوب لبنان ببيروت، وبيروت بجبل لبنان والبقاع والجنوب، تأكيداً على عدم مركزية الاحتجاجات وانتشارها في كلّ أرجاء البلاد.

وبينما أصدر وزير التربية والتعليم العالي، أكرم شهيب، قراراً بإعادة فتح المدارس والمعاهد والجامعات اليوم، ولا يبدو أنّ قراره لقي آذاناً صاغية؛ حيث أقفلت اليوم أيضاً غالبية المدارس في كلّ لبنان، فيما تركت معظم المؤسسات الخاصة الكبيرة تقدير إمكانية الحضور للموظفين وفق ظروف مناطقهم.

وأفادت صحف محلية؛ بأنّه "تمّ تشكيل قيادة من مدنيين وعسكريين متقاعدين، لإدارة حركة الاحتجاجات، ويجري التكتم على إعلان أسمائهم لتجنب الخلافات".

سياسياً؛ أفادت صحيفة "الجمهورية" بأنّ اتصالاً جرى ليلاً بين رئيس البرلمان، نبيه بري، ورئيس الحكومة، سعد الحريري، أكّد خلاله الأخير؛ أنّ "الحديث عن استقالة الحكومة ليس وارداً، وليس مطروحاً على الإطلاق، وبالتالي لا توجد استقالات أو تعديل للحكومة، والأولوية للتنفيذ السريع للمقررات التي انتهى إليها مجلس الوزراء".

وكانت معلومات قد تحدثت، أمس، عن احتمال إجراء تعديل وزاري يطيح بالوزراء "الاستفزازيين" في الحكومة، بهدف امتصاص نقمة الشارع، إلا أنّ هذه الاقتراحات لم تلقَ قبولاً من المحتجين.

ومع اقتراب نهاية الشهر، برزت علامات استفهام في شأن مصير الرواتب والأجور في القطاعين العام والخاص، في ظلّ استمرار المصارف في إقفال أبوابها اليوم أيضاً.

الحريري وبري: لا توجد استقالات أو تعديل حكومي، والأولوية للتنفيذ السريع لقررات مجلس الوزراء

وفي هذا السياق؛ طمأنت وزارة المالية بأنّ "دوائرها المختصة تتابع العمل على إنجاز معاملات دفع الرواتب كالمعتاد في مثل هذا التوقيت من كلّ شهر، والتي ستحوَّل إلى المصرف المركزي في مواعيدها العادية والطبيعية".

وكانت مجموعة "لـ حقي" أعلنت في بيانها رقم 8، مساء الثلاثاء، استمرار التظاهرات في كافة المدن اللبنانية، حتى "استقالة الحكومة الفورية، وتشكيل حكومة إنقاذ مصغرة مؤلفة من اختصاصيين مستقلين لا ينتمون للمنظومة الحاكمة، فضلاً عن إدارة الأزمة الاقتصادية وإقرار نظام ضريبي عادل".

كما طالبت بإجراء انتخابات نيابية مبكرة، بعد إقرار قانوني انتخابي عادل، وتحصين القضاء وتجريم تدخل القوى السياسية فيه.

 

للمشاركة:



اللاعبون الأتراك في أوروبا: جدل الكروي والسياسي

2019-10-23

ترجمة: محمد الدخاخني


بُعيد ركضه للاحتفال بهدف التّعادل المتأخّر لصالح تركيا ضدّ فرنسا مساء الأحد 13 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، اضطُّر الّلاعب، كان آيهان، في النّهاية إلى الانسحاب بعيداً عن زملائه الّذين أخذتهم النّشوة. فقد بدأ هؤلاء في أداء التّحيّة العسكريّة، لكن الّلاعب، البالغ من العمر 24 عاماً، وزميله في فريق "فورتونا دوسلدورف"، كينان كارامان، امتنعا عن المشاركة في ذلك.

أثار المنتخب الوطنيّ التّركيّ غضب الاتّحاد الأوروبيّ لكرة القدم بسبب تصرّفاته الداعمة لهجوم أنقرة العسكري على سوريا

بل بدا وكأنّ آيهان يخضع للّوم على يد أحد زملائه في الفريق لرفضه المشاركة في أداء التّحيّة العسكريّة.
ومؤخراً، قام كلّ من آيهان وكارمان بأداء التّحيّة العسكريّة في صورة للفريق أُخذت بُعيد المباراة، بعد فوزهم 1-0 على ألبانيا. وقد تصدّرت أفعالهم هذه عناوين الأخبار في ألمانيا بشكل سلبيّ وأثارت ردود فعل انتقاديّة على وسائل التّواصل الاجتماعيّ؛ حيث اعتُبرت الإيماءة داعمةً للهجوم العسكريّ التّركيّ في شمال سوريا ضدّ الميليشيات الكرديّة.
وأدّت المشاركة غير المباشرة للّاعبين الألمانيّين الدّوليّين إيمري كان وإيلكاي غوندوغان إلى أخذ النّقاش نحو مساحة أبعد.
وكانت العمليّة العسكريّة لأنقرة قد أثارت انتقادات دوليّة، وأثار المنتخب الوطنيّ التّركيّ غضب الاتّحاد الأوروبيّ لكرة القدم بسبب تصرّفاته، وقال الاتّحاد إنّه سيحقّق في الحادث. وتحظر قواعد هذه الهيئة الكرويّة التّصريحات السّياسيّة.

أدار أيهان ظهره في احتفالات التحية العسكرية لزملائه

القوميّة تعكّر المياه

يقول عالم السّياسة، ماهر توكاتلي، إنّ علاقة تركيا بالقوميّة كانت دائماً مصدراً للمشكلات.

قال الاتّحاد الأوروبي إنّه سيحقّق في الحادث وتحظر قواعد هذه الهيئة الكرويّة التّصريحات السّياسيّة

ويضيف: "تلعب القوميّة دوراً بارزاً ومهمّاً جدّاً في تركيا. ودور الجيش يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالقوميّة. ولهذا السّبب لا يجب أن تُفهم التّحيّة على أنّها تعاطف مع الرّئيس التّركيّ رجب طيّب أردوغان ولكن بوصفها تعبيراً عن نمطٍ قوميّ تركيّ غير صحّيّ للغاية، نمط قوميّ دنيء يتجاهل حرباً تنتهك القانون الدّوليّ".
ووقف فريق فورتونا إلى جانب لاعبيه المولودين في ألمانيا بعد أن قاما بالتّحيّة العسكريّة الأولى؛ حيث تحدّث المدير الرّياضيّ، لوتز بفانينستيل، إلى الّلاعبين وأكّد أنّهما أرادا فقط التّعبير عن التّضامن مع الجنود الأتراك ومع أحبّائهم.
وصرّح بفانينستيل قائلاً: "إنّنا على قناعة بأنّه لم يكن لديهما خيار آخر سوى التّعبير عن موقف سياسيّ. ويدافع الّلاعبان عن القِيَم الّتي يعيشها نادينا".
ويبدو أنّ آيهان وكارامان قد أقرّا كلمات بفانينستيل. لكن آيهان على وجه الخصوص تلقّى انتقادات من عشّاق تركيا على وسائل التّواصل الاجتماعيّ، الّذين وصفوه بأنّه "غير محترم".

ممزّقٌ بين ثقافتين

قد يكون من الصّعب بالتّأكيد استرضاء مجتمعين مختلفين. وفي هذه الحالة، يدور الحديث حول قواعد المعجبين في كلّ من تركيا وألمانيا. يعتقد توكاتلي أنّ بيان فورتونا قدّم "من الالتباس أكثر ممّا قدّم من الوضوح" وأنّ كلا الّلاعبين يتعرّض للضّغط.
ويضيف: "ليس من السّهل على المرء أن يخدم كلتا الثّقافتين. وهذا التّعقيد يمكن رؤيته في قضيّة مسعود أوزيل. ففي البداية أُشِيدَ بقراره الّلعب مع ألمانيا... بينما أشار إليه الجمهور التّركيّ باعتباره خائناً. وبُعيد الصّورة الّتي التقطها مع أردوغان، انقلب الوضع: في ألمانيا لم يعد يعتبر نموذجاً للشّخص الّذي اندمج في مجتمعه الجديد، بينما في تركيا أشاد به النّاس باعتباره (تركيّاً حقيقيّاً)".

شعبيّة وسائل التّواصل الاجتماعيّ فاقمت من احتمال تفجير مثل هذه القضايا الملحّة عبر الإنترنت

مُقلِّدون من درجة أقلّ
اتّخذ نادي الدّرجة الثّانية "سانت باولي" موقفاً مختلفاً عن ذاك الّذي اتّخذه "فورتونا" عند التّعامل مع لاعب الفريق سينك شاهين. فقد كتب الّلاعب التّركيّ البالغ من العمر 25 عاماً في منشورٍ - حُذِف الآن - على إنستغرام: "نقف إلى جانب جيشنا البطل، ونصلّي من أجله". وعلى الفور، أُخبِر شاهين أنّه لم يعد بإمكانه التّدرّب أو الّلعب في النّادي.

توكاتلي: تُفهم تّحيّة اللاعبين بوصفها تعبيراً عن نمطٍ قوميّ تركيّ غير صحّيّ، نمط دنيء يتجاهل حرباً تنتهك القانون الدّوليّ

وقال بيان صادر عن سانت باولي: "العامل الأساسيّ في التّوصّل إلى القرارات كان تجاهله المتكرّر لقِيَم النّادي وضرورة حماية الّلاعب".
وسافر شاهين الآن للخضوع للتّدريبات مع فريق باشاك شهير التّركيّ، الّذي يتمتّع بدعم ماليّ من مديرين تربطهم صلات بالرّئيس التّركيّ أردوغان.
وقد أصبح لاعبو كرة القدم الهواة في ألمانيا منخرطين أيضاً في الجدل بعد أن قام فريق يتكوّن من لاعبين تحت سنّ الـ 19 عاماً من تركسبور/كاغريسبور بمحاكاة التّحيّة العسكريّة بُعيد الاحتفال بالفوز في نورمبرغ.
وتحرّك الاتّحاد البافاريّ لكرة القدم على الفور لإدانة الإجراءات في بيان جاء فيه: "الّلاعبون الّذين يسيئون لكرة القدم عبر القيام بحركات استفزازيّة ذات دوافع سياسيّة قد يُتّهموا بالتّمييز بموجب المادة 47-أ من قانون الإجراءات القانونيّة ويكون عليهم في النّهاية مواجهة عقوبات صارمة".
وقال مدير الاتّحاد جوزيف يانكر: "كرة القدم تعني الّلعب النّظيف والاحترام والّلاعنف والتّسامح والتّقدير. وبالتّالي، فإنّنا لن ننحرف مطلقاً عن سياسة عدم التّسامح في حوادث العنف أو التّمييز".

خطوط مشوّشة
في خضمّ هذا النّقاش المعقّد، من الواضح أنّ سرعة وشعبيّة وسائل التّواصل الاجتماعيّ قد فاقمت من احتمال تفجير مثل هذه القضايا الملحّة عبر الإنترنت. ومع ذلك، فإنّ توكاتلي يصرّ على أنّه يتعيّن على لاعبي كرة القدم اعتماد نهجٍ أكثر استنارة واعتباراً في عمليّة اتّخاذهم للقرار.
يقول: "ليست هذه من المواقف الّتي يتحتّم فيها الخسارة. فهناك دائماً إمكانيّة لتجنّب المواقف الشّائكة".


يانيك سبيت، دويتشه فيله
مصدر الترجمة عن الإنجليزية:

https://www.dw.com/en/salute-or-silence-german-turkish-footballers-face-...

للمشاركة:

هل تدرك حماس حقاً أن العلاقات التركية الإسرائيلية لم تنقطع يوماً؟‎

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

فايز رشيد

كان الأولى بحماس أن تكون واضحة تماماً في إدانتها للغزو التركي العدواني البغيض كحركة فلسطينية عربية، وليست فرعاً من فروع شجرة «الإخوان المسلمين».
بداية، كنا نتمنى أن تنطلق مواقف حركة حماس السياسية الفلسطينية والعربية من خصوصيتها الفلسطينية وانتمائها العربي أولاً وأخيراً، بعيداً عن تجاذبات وآراء التنظيم العالمي للإخوان المسلمين الذي أكّدت حماس قبلاً أنها منفصلة تماماً عنه بالمعنيين التنظيمي والسياسي، ليتبين أن هذا بعيد عن الحقيقة تماماً، كما ثبت مؤخراً من موقف الحركة الذي أعلنته من الغزو التركي الأخير «نبع السلام» للشمال العربي السوري.
في الوقت الذي أدان فيه كلّ العالم تقريباً، بما في ذلك أغلبية الدول العربية، واعتبرته عدواناً على بلد عربي وتهديداً للأمن القومي العربي برمته، أصدرت حماس بياناً قالت فيه: «تتفهم الحركة حق تركيا في حماية حدودها والدفاع عن نفسها، وإزالة التهديدات التي تمس أمنها القومي أمام عبث جهاز الموساد «الإسرائيلي» في المنطقة، والذي يسعى إلى ضرب الأمن القومي العربي والإسلامي». بصراحة نقول لحماس، إن البيان يحاول تحوير اتجاه الغزو العدواني التركي وهو الحدث المعني للاتكاء على العدو الصهيوني المعروف أنه عدو لحماس والفلسطينيين وللأمة العربية بأسرها. ومعروف تماماً كم من غارة عسكرية شنّها هذا العدو المجرم على البلد العربي المعني مستغلاً ظروف الصراع الدائر فيه.
كان الأولى بحماس أن تكون واضحة تماماً في إدانتها للغزو التركي العدواني البغيض كحركة فلسطينية عربية، وليست فرعاً من فروع شجرة الإخوان المسلمين الذين سبق أن تآمروا على ثورة يوليو/تموز وزعيمها الخالد جمال عبدالناصر وحاولوا اغتياله، وكان لهم يد فيما جرى في سوريا وفي أكثر من بلد عربي شهد خراباً ودماراً. بدلاً من هذا الموقف المفترض أن تتخذه الحركة، طلع علينا ناطقها الرسمي سامي أبو زهري ليصرّح «بأن تركيا كانت وستظل مهوى قلوب المسلمين في العالم»! لقد تناسى أبو زهري احتلال تركيا للواء الأسكندرون وغزوتي تركيا السابقتين «غصن الزيتون» و «درع الفرات» لسوريا، وتصريحات أردوغان منذ سنوات بأن «ولايتي حلب والموصل هما ولايتان عثمانيتان». كما تناسى تأييد حماس للرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، ومخاطبته لبيريز في رسالة بعثها إليه ب «صديقي العزيز»!.. إلخ. لقد جعل أبو زهري من نفسه ناطقاً باسم القصر الرئاسي التركي للسلطان الطوراني أردوغان، وجاء بيان حماس ليؤكد انتماءها للإخوان المسلمين. هذه الجماعة التي لم تتوقف يوماً عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، وطرح مشروعات تفتيتية، وتُبدي ازدراء بكل طموحات الشعوب العربية، فإذا بحماس في بيانها تؤكد أنها تتفَهّم «حق تركيا في حماية حدودها والدفاع عن نفسِها وإزالة التهديدات التي تمَسّ أمنها القومي. بل ذهب البيان بعيداً في مَنح أنقرة الحقّ في إزالة التهديدات المزعومة لأمنها القومي أي اجتثاث وتدمير البنى التحتية للمنطقة التي يسعى أردوغان وجيشه لاحتلالها تحت مسمى «المنطقة الآمنة» التي يَتوهّم أنه قادر على إقامتها بعمق 35 كم وبعرض يزيد على 460 كم، ما يعني احتلال منطقة تزيد مساحتها على مساحة لبنان مرّة ونصف المرّة. وربما نسيت حماس أن سوريا دولة عربية، وأن الغزو التركي هو انتهاك لسيادتها وحرمة حدودها ووحدة أراضيها.
ولعلم حركة حماس، فإن العلاقات التركية -«الإسرائيلية» لم تنقطع يوماً في مختلف المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية، إنما تتعمد المتاجرة بالقضية الفلسطينية في مسعى لكسب الشعبية بين الجماهير التركية والعربية والإسلامية، ومن دون المساس بالتحالف القوي مع دولة الاحتلال. كما أن هناك مستشارين عسكريين صهاينة في القوات المسلحة التركية. ورغم التوترات التي تسود العلاقات إلا أنه لم تلغَ حتى اليوم اتفاقية قيمتها 190 مليون دولار لشراء طائرات من دون طيار من «إسرائيل». كما لم تلغَ التعاملات التجارية المدنية بين أنقرة وتل ابيب امتداداً من قطاع المنسوجات ووصولاً إلى نظم الري التي كانت تمثل نحو ثلاثة مليارات دولار خلال العام الماضي 2018 وفقاً لما قاله محللون تجاريون. وتقول مصادر عسكرية تركية إن التجارة العسكرية بين أنقرة وتل أبيب بلغت في مجملها نحو 2.8 مليار دولار عام 2017. وتزور دولة الكيان وفود حكومية وعسكرية تركية بين فترة وأخرى. هذا غيض من فيض العلاقات بين تركيا (مهوى أفئدة حماس) وبين العدو الصهيوني.

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:

بالصور.. أفريقيا كما لم نرها من قبل

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

أدورا مبا

كتب أول رئيس وزراء لجمهورية الكونغو الديمقراطية المستقلة في عام 1960: "سيأتي يوم يسطر فيه الأفارقة تاريخهم بأيديهم". وقد ظهر جيل جديد من المصورين الفوتوغرافيين الأفارقة الذي يكشفون، بكاميراتهم وليس بالكلمات، القضايا الحقيقية التي تؤثر على مجتمعاتهم، مثل تغير معالم الأحياء الفقيرة بقدوم أبناء الطبقة المتوسطة والتمييز على أساس الجنس والأدوار النمطية التي يحددها المجتمع للجنسين والعولمة.

وفي ضوء التطورات التي طرأت في السنوات القليلة الماضية على القطاع الإبداعي بفضل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، يستخدم مصورون فوتوغرافيون من زيمبابوي والمغرب وإثيوبيا ونيجيريا وغانا هواتفهم وكاميراتهم لالتقاط صور تجسد التنوع والطاقة وتوثق التغيرات التي تتلاحق على القارة السمراء بسرعة غير مسبوقة.

وفي زيمبابوي، يعرض كل من زاش وشيدزا شينهارا لقطات لتصاميم أزياء مميزة في شوارع العاصمة هراري. ويستخدم زاش، الذي يعمل كمصور، وشيدزا، التي تعمل كمصممة أزياء، حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي لإبراز جمال العاصمة هراري.

ويختار الاثنان مناطق أكثرها قديمة ومتهالكة لتصوير العارضات بملابسهن العصرية والمفعمة بالألوان. لكن القاسم المشترك بين الصور اللافتة التي تمتلئ بها حساباتهما على انستغرام هو التركيز على المدينة نفسها بقدر التركيز على العارضات والأزياء.

لقطة لعارضة أزياء بمدينة هراري عاصمة زيمبابوي

وتتخذ شيتزا وزاش من منصات التواصل الاجتماعي وسيلة للتمرد على المعايير التقليدية في زيمبابوي، حيث يتوقع من النساء أن ترتدي زيا معينا يعد رسميا وملائما. وترى شيدزا، ذات الشعر الكثيف المجعد، التي ترتدي أقراطا عديدة وقميصا قصيرا، أن هيئتها تشجع الشابات على التعبير عن الحرية في اختيار الملبس والميول الجنسية دون خوف.

وتقول شيتزا: "لا تزال نظرات الآخرين تلاحقني ويحكم الآخرون على شخصيتي من خلال ملبسي. لكنني أعتقد أن التحرر الفكري في زيمبابوي أصبح وشيكا. إذ يوجد آخرون غيري ينادون بحرية اختيار الملبس".

ويرى زاش أن الشباب الأفريقي ينبغي عليهم رصد وتوثيق مظاهر الحياة في بلادهم بأنفسهم، لأن السياق الثقافي أحيانا يكون خادعا.

ويقول إن الأجانب عندما يأتون ويرون الأطفال يلعبون بالحجارة قد يظنون أنهم لا يمتلكون مالا لشراء الدمى والألعاب، لكن هؤلاء الأطفال في الحقيقة يلعبون لعبة شهيرة في زيمبابوي تستخدم فيها الحجارة. والمشكلة أن الصورة التي يعرضها هذا الشخص ستكون مغلفة بالشفقة.

ويقول زاش: "إن أفريقيا مكان متشابك، وقد دأب الكثيرون على التركيز على الصراعات فقط على مر السنين. ولا ننكر أن هناك الكثير من المشكلات والتحديات، لكن هناك أيضا حياة مفعمة بالحيوية والنشاط. ونتطلع إلى رسم صورة مكتملة المعالم لأفريقيا".

وأتقن مصورون معاصرون في غانا، مثل نانا كوفي أكواه، وفرانسيس كوكوروكو وبرينس جياسي، استخدام المنصات الرقمية لعرض أعمالهم وصورهم للمتابعين في أنحاء العالم.

ويتابع أكواه 94.9 ألف شخص على حسابه على موقع إنستغرام، بينما يتابع كوكوروكو 16.2 ألف شخص، أما برينس جياسي فلديه 79.2 ألف متابع. ويلتقط كل منهم صورا للمناطق التي نشأوا فيها ومجتمعاتهم المحلية، ليعرضوا أجزاء من غانا لم يرها الكثيرون من قبل، مثل مجتمعات الصيادين والمدن الكبرى والغابات والشواطئ التي تطل على الأطلسي..

صورة لعارضة أزياء في حي الأقمشة القديم بهراري عاصمة زيمبابوي

ويواظب أكواه على نشر صوره على صفحة "أفريقيا يوميا"، وهي صفحة شهيرة على موقع إنستغرام يتابعها 400 ألف شخص، وتعرض الجانب الذي لا يراه العالم من أفريقيا. وألهمت الصفحة حركة لمشروعات مشابهة تكشف عن مظاهر الحياة اليومية في أجزاء أخرى من العالم لتحدي الصور النمطية الراسخة عن المدن.

ومن بين الصور الرائجة التي نشرها أكواه على الموقع، صورة لأطفاله وهم يلعبون على الكمبيوتر اللوحي. وتظهر التعليقات أن انتشار الأجهزة الإلكترونية الحديثة بين الأطفال في أفريقيا، ولا سيما في مجتمع الصيادين في غانا، لا يزال يثير الاستغراب والدهشة.

ويقول أكواه إن الصور تثير الكثير من التساؤلات لدى المعلقين، فإذا لم نتحدث إلى الآخرين لن تتغير الصور النمطية الراسخة في أذهانهم. وأشعر أن مهمتي كمصور هي أن أحض الناس على طرح الأسئلة وأجيب عليها.

وعندما بدأ فرانسيس كوكوروكو مهنة التصوير، لفتت انتباهه أوضاع التصوير والخلفيات المختارة بعناية في صور الأوروبيين على الإنترنت، ولم يجد لها مثيلا بين الصور التي التقطها بني جلدته في غانا. ثم شرع كوكوروكو في نشر صورة يوميا للغانيين الذين يصادفهم في الشارع بأوضاع تحاكي أوضاع التصوير في الصور الأوروبية باستخدام كاميرا هاتفه المحمول، وكان يضع على كل صورة وسم #غانا.

وأخذ يلتقط صورا للعاصمة أكرا التي استقطبت أبناء الطبقة الوسطى الذين جلبوا معهم تطلعات جديدة وتغيرات في أنماط الحياة وساهموا في الارتقاء بالأحياء وتطويرها.

ويقول كوكوروكو إن التصوير يجعلك حاضرا وأكثر إلماما بما يحدث من حولك، وقد يجعلك تلاحظ أشياء لم تنتبه لها من قبل.

وبدأ برينس جياسي أيضا بنشر صور لقلب العاصمة أكرا، ومجتمع الصيادين بالمدينة على إنستغرام، والآن علقت صوره على جدران أحد المعارض الفنية بباريس.

واشتهر جياسي بين مجتمع المصورين بسبب مؤسسته الخيرية لتعليم الأطفال "بوكسيد كيدز"، ويرى أنه يتحمل مسؤولية تعريف الناس بطبيعة حياة شعبه في بلده غانا. ويشير جياسي إلى مقولة رئيس الوزراء الأول كوامي نكروما: "إن الغانيين ينبغي أن يسردوا قصصهم بأنفسهم ولا يدعون الآخرين يتحدثون بلسانهم".

بلدة كوكروبايت في غانا

ويقول جياسي: "لن أنتظر حتى يوثق الآخرون طبيعة الحياة في غانا، بل علينا أن نصحح الأفكار الخاطئة التي نشروها عن بلدنا. وأعتقد أنه من المهم أن نستخدم فننا لإطلاع الناس على الحقيقة".

وعُرضت أعمال مصورين، مثل حسن حجاج ولكين أوغونبانو وعمر فيكتور ديوب، في مجلات الموضة الغربية الراقية والمعارض والمهرجانات الأفريقية مثل معرض "لاغوس للصور"، ومهرجان "أديس فوتو" وبينالي داكار، وغيرها من المعارض التي تعرض الآن أعمال مصورين من القارة.

لكن فكرة التصوير غير التجاري لا تزال حديثة نسبيا في قارة أفريقيا. ويقول جياسي إنه من الصعب أن تكون مصورا مبدعا في غانا لأن المصورين التجاريين هم الذين يحظون بالاحترام".

أتاحت تكنولوجيا الهاتف والمنصات الرقمية طرقا جديدة ومبتكرة لالتقاط الصور. وساهم استخدام كاميرات الهواتف المحمولة في تذليل العقبات أمام الكثير من المصورين الذين لم يكن لديهم المال الكافي لشراء معدات التصوير والكاميرات الباهظة في الكثير من الدول داخل القارة.

فضلا عن أن مواقع التواصل الاجتماعي عبّدت الطريق لهؤلاء المصورين بالقارة للوصول إلى جمهور لم يتسن لهم الوصول إليه من قبل، وأيضا لتغيير صورة أفريقيا أمام العالم من خلال التقاط صور تعكس حياة الشعب الأفريقي في الشوارع ونشرها على الإنترنت. فإذا كتب أي شخص وسم أفريقيا في خانة البحث، لن يرى صورا للفقر أو المجاعات.

لاعبو كرة قدم في بلدة نيما بمنطقة أكرا الكبرى، غانا

وفي أديس أبابا، تتمتع المصورة الفوتوغرافية إييروسالم جيريغنا بموهبة استثنائية في هذه المدينة التي لا توجد فيها مدارس لتعليم التصوير وقلما تمسك النساء بالكاميرات بسبب الأدوار النمطية التي يحددها المجتمع للجنسين.

وهذا ما دفعها إلى التقاط صور لنساء يؤدين أعمالا غير تقليدية، مثل عاملات البناء. وتقول جيريغنا إن الأوضاع الاقتصادية أجبرت البعض على تأدية وظائف رغم إرادتهم، لأن الكثيرين هنا يعانون الفقر والعوز وقد يفعلون أي شيء من أجل البقاء.

ولاقت صور جيريغنا لنساء مدينة هرر، المدينة المسلمة شرقي إثيوبيا، انتشارا واسعا. إذ ترتدي نساء هرر ملابس تقليدية زاهية الألوان وآخاذة، تتعارض مع الصور التقليدية للنساء المسلمات اللائي يرتدين أغطية الرأس السوداء أو النقاب.

وتتميز المدينة نفسها بألوانها المتنوعة، إذ طليت جدارنها باللون الأزرق الزاهي، وأبوابها باللون الأرجواني وألواح النوافذ باللون الأصفر، وتغطي بعض الجدران الحمراء علامة كوكاكولا.

وتقول جيريغنا إن صور المسلمات السمراوات اللائي يرتدين أغطية رأس ملونة أثارت دهشة البعض، الذين لم يتوقعوا وجود مسلمات في هذا البلد ذي الأغلبية المسيحية. وأرسل الكثيرون رسائل للاستفسار عن المكان لزيارته يوما ما.

وترى جيريغنا أيضا أن مواقع التواصل الاجتماعي ساعدتها في تبديد التصورات الشائعة عن بلدها. وتقول إن هناك الكثير من الجوانب الإيجابية في بلادها غير المجاعات والمرض التي يركز عليها الآخرون، وأريد أن يتعرف الناس على التطورات التي تمر بها في البلاد.

ويساعد هؤلاء المصورون المعاصرون في القارة في التصدي للصور النمطية ونشر معلومات لتعريف الناس بالعالم الذي نعيش فيه. إذ يكشف هؤلاء المصورون عن حقيقة القارة الأفريقية بتشابكها وتنوعها، وحيويتها وإبداعها لعدد متزايد من الجمهور، للتعرف على أفريقيا الحقيقية التي لم يعرفها العالم من قبل.

عن "بي بي سي"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية