"حفريات" توثّق الانتهاكات التركية في سوريا: اعتقالات عشوائية وتحويل المدارس إلى سجون

"جاؤوا في الساعة ٨ مساء إلى بيتنا وطرقوا الباب، كانوا مدنيين يحملون أسلحة، نادوا على ابني، بينما كان معهم مختار القرية (تقصد العمدة)، ورئيس مخفر الشرطة، ولم ألبث أن فتحت الباب حتى اقتحموا البيت، وسألوني عن اسمي الذي كانوا يعرفونه، وطلبوا أن أخرج معهم، وهم يتهمونني بأنّني عنصر إرهابي في قوات سوريا الديمقراطية، وحملوني بالقوة إلى سيارة عسكرية".

اقرأ أيضاً: العملية التركية في سوريا: هل ارتكب حلفاء تركيا جرائم حرب ضد الأكراد؟
لم يكن صوت السيدة الخمسينية مطمئناً، وهي تشرع في الحديث عن لحظة اختطافها، وتروي تفاصيل تلك الليلة الشاقة التي تناوب عليها عناصر عسكرية مشتركة، تركية وسورية موالية لهم، بغية التحقيق معها والتهديد بالضرب، حتى تقرّر سجنها لأيام؛ تعرضت خلالهم للتعذيب المبرح، غلب التردّد والجزع على شهادتها ونبرة حديثها، بينما كانت تقاوم رغبتها الحذرة في الحديث.
الخوف يقبض على الجميع
وتضيف لـ "حفريات": "لي ابن عم عميل لهم، وينفذ أوامرهم، وبالرغم من ذلك تعرّض ابنه الصغير، عمره ١٢ عاماً، للضرب بالشارع من أحد عناصرهم العسكرية، بمجرد أن لمحه يرتدي قميصاً لفريق برشلونة الرياضي، وعليه صورة بارزاني، فنادوه وانهالوا عليه بالضرب، ومزقوا قميصه، وصرخوا بوجهه: لا نريدكم بهذا المنظر، انسوا الكرد".

اقرأ أيضاً: هل يتم إقصاء تركيا من حلف الناتو؟

الأمر ذاته حصل عندما اقتحموا منزل السيدة الخمسينية، كما تقول، والتي تتحفظ عن ذكر اسمها؛ حيث فتّشوا عن الرموز الكردية، سواء أوجلانية أو بارزانية، رغم أنّه لم يكن بالمنزل أيّ منهما، وتشير إلى أنّهم يطوفون الشوارع والبيوت الأخرى ليمزقوها، مثلما فعلوا في صورة كبيرة للقائد البارزاني بقلب المدينة، وسبق وهدموا تمثال كاوا الحداد، وقالوا لنا: "لا يوجد شيء اسمه كردي، انسوا الكرد ومشروعهم".

 توغّل عدة أطراف خارجية سياسياً وميدانياً
خلال أعوام الحرب في سوريا، التي مضى عليها نحو ثمانية أعوام، أسفرت عن فصول دامية من القتل والتوحّش، ساهم فيها نظام بشار الأسد، وشركاؤه الإقليميون والدوليون؛ إذ شقّ الصراع القائم منذ اندلاع الاحتجاجات، في آذار (مارس) العام 2011، جيوباً من النزاعات السياسية والطائفية والعسكرية، جعلت جغرافيتها السياسية تنكمش إثر توغّل عدة أطراف خارجية سياسياً وميدانياً، الأمر الذي ترتّبت عليه تغييرات جمة، في الحالة الديموغرافية لعدة مناطق سورية؛ بعضها وقع تحت النفوذ الإيراني، وبعضها الآخر، في هيمنة النفوذ التركي، من خلال وسطاء محليين، جرى تشكيلهم لتمرير تلك المخططات، عبر دعمهم بالمال والسلاح.

منحت تركيا الجماعات المسلحة حرية ارتكاب انتهاكات جسيمة في عفرين، وفي أماكن أخرى تستهدف الكرد بالأساس

بعد تنفيذ الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، تهديداته العسكرية في شرق سوريا، وإطلاق ما عرف بعملية "نبع السلام"، في ظلّ خرق الاتفاق التركي الروسي بوقف القتال، في 17 تشرين الأول (أكتوبر) الحالي، كانت قد سبقتها عدة عمليات مماثلة، وقعت في الفترة بين عامي 2015 و2018، من بينها: "درع الفرات" و"غصن الزيتون".
حصيلة الهجوم التركي الأخير؛ نزوح 300 ألف شخص، من بينهم 70 ألف طفل، حسبما أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان وتقارير أممية، وقتلى بين المدنيين قضى فيها نحو 235 مدنياً، إلى جانب إصابة أكثر من 700 آخرين، إضافة إلى نهب ثروات وممتلكات السوريين العرب والأكراد والسريان، على حدّ سواء، وممارسات عنصرية واضطهاد قومي، طاول العناصر الكردية، على وجه الخصوص.
الجغرافيا السياسية المتنازَع عليها
بيد أنّ ثمة واقعاً آخر على تخوم تلك العمليات العسكرية، التي جرت خلال تلك الأعوام، يكشف عدواناً مستمراً للوجود التركي على أراضي شمال شرق سوريا، والتي على ما يبدو تخضع لسيطرتها المباشرة، بقوة السلاح والميلشيا، والعناصر المحلية؛ حيث تنفّذ عدة مهام إستراتيجية؛ من بينها تغيير الطبيعة السكانية والديموغرافية للمنطقة، والتي ترقى إلى أن تكون حرب إبادة، يقودها أردوغان ضدّ أكراد سوريا، وقد وصفتها منظمات محلية وأجنبية بأنّها بمثابة "جرائم حرب"؛ إذ تنوعت بين التطهير العرقي، والقتل على أساس الهوية، واستهداف المدنيين، ناهيك عن حوادث الاغتصاب والسرقة.

اقرأ أيضاً: ما هي عواقب العدوان التركي على سوريا؟
حصلت "حفريات" في هذا التحقيق على شهادات من عائلات وعناصر كردية، تقطن في عفرين، شمال غرب سوريا، ما يزال بعضها في مناطقه، بينما البعض الآخر تمكّن من الهروب؛ إذ وثقت من خلالهم ما تكبّدوه تحت وطأة الاحتلال التركي، عبر تهجيرهم من منازلهم، وتعرضهم للسجن والاعتقال العشوائي، وتحويل المدارس إلى مقرات عسكرية وأمنية واستخباراتية، يجري فيها التحقيق مع الموقوفين والتعذيب والقتل، فضلاً عما تعرضوا له من انتهاكات متباينة، بواسطة القوات التركية، من ناحية، والعناصر المحلية الميليشياوية التابعة لأنقرة، من ناحية أخرى.

"جرائم حرب"

كما تكشف تلك الشهادات الموثقة معاناة ذوي بعض الأسر، إثر حوادث الخطف والسجن والتعذيب، من سرقة أموالهم ومتعلقاتهم الشخصية، وعمليات التطهير العرقي بمناطقهم، وتهجيرهم من منازلهم، ونهب المحاصيل الزراعية من أراضيهم، سيما محصول الزيت في عفرين، والذي بلغت قيمته نحو 160 مليون يورو، خلال العام الماضي، بحسب صحيفة "لوبون" الفرنسية.

اقرأ أيضاً: مقتل البغدادي في إدلب يعيد كشف علاقات داعش وتركيا
ثلاثة عشر يوماً قضتهم السيدة الخمسينية في السجن، بينما لم يجرِ التحقيق معها إلا في الليلة التالية على اعتقالها، كما توضح، وقد أخذوا مصوغاتها الخاصة، والمال الذي كان بحوزتها، وأثناء التحقيق اتهموها بأنّها مخصصات لدعم القوات الكردية، لكنّها طيلة التحقيق كانت مرتعبة لمنظر ابنها، بعدما ربطوه بالحبال في كرسي من الجلد، ووضعوا غمامة على عينيه، فظلّت تصرخ أمامهم بأن يتركوا ابنها، ويكفّوا عن ضربه وتعذيبه.
أسوأ من داعش
تمكّنت السيدة نفسها، بحسب ما أفادت في شهادتها لــ "حفريات"، من معرفة اسم المسؤول الذي تناوب على تعذيب ابنها، والذي وصفته بأنّه "أسوأ من داعش"؛ إذ قام هو وآخرون بتعذيبها أيضاً بواسطة "الدولاب"، أحد أنماط التعذيب المستخدمة، دون أن تستطيع شرح الكيفية التي تعرضت بها للتعذيب من خلاله أو رؤيته؛ فقد حجبوا عينيها بقطعة قماش مملوءة برائحة غاز أو بنزين، أصابتها في عدة مرات بالإغماء والغثيان، لكنّها كانت تشعر بأنّ جداراً حادّاً يضغط جسدها بالكامل، وهناك فجوات تنفذ من بينها ضربات حادة، تصيب أجزاء متفرقة من جسدها بكرباج، وتنهال عليها بشكل عشوائي.

 

"أريد من العالم سماع صوتنا، نحن أهالي عفرين بمئات الآلاف، قد هجِّرنا، وكلّ واحد منّا أصبح في مكان مختلف عن الآخر، لقد فعلوا بنا الكثير"، تختتم السيدة الخمسينية حديثها.
نحو 57 مدرسة ومركزاً تعليمياً تحولوا إلى مقرات عسكرية؛ من بينها مدرسة "أمير غباري"، الموجودة في ساحة آزادي، وسط مدينة عفرين، حيث تحيط الأسلاك الشائكة بجدار المدرسة، وتتمركز أمامه القوات التركية، والأمر ذاته في عدة مدارس أخرى، أضحت مقرات أمنية وعسكرية؛ تضمّ أماكن تدريب، وسكناً للجنود، وسجناً ومعتقلاً للسوريين الأكراد، وكذلك مدرسة "فيصل قدور" الجديدة، على طريق جنديرس، في منطقة الأوتوستراد الغربي، حسبما يذكر ناشط محلي في منطقة عفرين.

 

حصيلة الهجوم التركي نزوح 300 ألف شخص، بينهم 70 ألف طفل، حسبما أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان وتقارير أممية

ويوضح الناشط، الذي فضّل عدم ذكر اسمه، لـ "حفريات": "هناك جماعة السلطان مراد، أحد التنظيمات المسلحة التابعة لتركيا، والتي قامت بتحويل العديد من المدارس والمجمعات التربوية والتعليمية إلى مقرات عسكرية لعناصرهم، كما تتواجد الاستخبارات التركية في مدرسة أزهار عفرين".
ويردف: "سبق أن قامت الشرطة العسكرية بتحويل عدد من المدارس بريف عفرين لمقرات عسكرية أيضاً، منها مدرسة ابتدائية، في ناحية شران، ريف عفرين، وجامعة عفرين، فضلاً عن مصادرة الملكيات الخاصة، التي بلغت نحو 1452 منزل، وتحويل بعضها إلى سجون أو مراكز عسكرية أو مساجد، كما جرى توثيق 89 حالة حرق متعمد لممتلكات الأهالي (منازل ومحال وبساتين)".
تركيا بين صناعة الحرب وتبديد الهوية
ومن بين الفصائل المتواجدة، بحسب المصدر ذاته، والمسيطرة على مراكز وقرى عفرين، وتنفذ هذه المهام الميدانية إلى جانب الجيش التركي، يذكر: أحرار الشرقية، السلطان مراد، فرقة الحمزة، أحرار الشام، الجبهة الشامية، فيلق الشام، السلطان سليمان شاه، لواء الفتح، فيلق الرحمن، وجيش الإسلام.

 

من جانبه، يوضح رستم.ن، ناشط كردي يقوم بتوثيق الانتهاكات التركية في عفرين، أنّ الفصائل التركية والميلشيات التابعة لها، تتحرى التنكيل والإذلال للكرد بسوريا، كما تتم الاعتقالات العشوائية في أوضاع غير إنسانية، يجري فيها التعذيب بكافة الحيل والوسائل، وتختفي الرعاية الصحية؛ إذ يصبح الإهمال الطبي متعمَّداً، ويصل حدّ القتل.

 

اقرأ أيضاً: ما هي أبرز ملامح الخطّة الأوروبية لمواجهة أردوغان بعد العدوان التركي؟
ولا تدّخر تلك الفصائل وسيلة لتخريب المنازل، وتهديد الأشخاص بأمنهم، وتصفية هوياتهم، وسحق كرامته، إلا وتفعلها، بحسب رستم.

سيدة كردية لـ"حفريات": ضربوني ليلة كاملة حتى أغمي عليّ، فأيقظوني ثم جلبوا دولاباً وعصا وهددوني بأنّهم سيضعونني داخله ويعذبونني

ويشرح لـ "حفريات": "أثناء الاعتقال تحرق الصور والرموز الكردية، وتتهدم المحتويات الخاصة للمنزل، بينما تسرق بعضها، كما يُحرم ذوو المعتقل من معرفة أيّة أخبار عنه، وظروف ومكان احتجازه، وتُمنع رؤيته، بشكل تام، ويضاف إلى ذلك، عمليات الابتزاز المتعددة، حيث تُطلب فدية مالية، أحياناً، تصل لمبالغ طائلة بآلاف الدولارات، لجهة لإفراج عن المعتقل، بيد أنّ هناك حالات لا يتم فيها الإفراج عن المعتقل، بل ترسل جثته لذويه، أو تُرمى في القمامة".
وحسبما يشير "مركز توثيق الانتهاكات في شمال سوريا"؛ فقد قضى نحو (1058) مدنياً، خلال الفترة بين شباط (فبراير) 2018 وحتى أيلول (سبتمبر) 2019، وقتل تحت التعذيب 33 شخصاً، وكشف البيان الصادر عنه؛ أنّ الفصائل المسلحة اعتقلت ما لا يقل عن 5576 شخصاً، منذ آذار (مارس) العام 2018، وتعرض نحو 661 شخصاً منهم للتعذيب.
وعليه، فهناك نحو 2500 معتقل من أصل 5576، ما يزال مصيرهم مجهولاً، بحسب مركز التوثيق، وغير معلوم ما إذا كانوا موتى أو معتقلين، أو رهن الاحتجاز.
سجون وحرب إبادة يقودها أردوغان
يرى الصحفي الكردي، كرد علي؛ أنّ السجون التي تصنعها السلطات التركية في سوريا، تعدّ إحدى الحيل التي تستخدمها السلطات التركية، بهدف توطيد وجودها وتوطين نفوذها، وتنفيذ التغيرات الديموغرافية التي تستهدفها، عبر تغيير أسماء القرى والبلدات، وطمس الثقافة الموجودة بالمناطق، وفرض سياسة التتريك على الأهالي، معتبرة أنّ اللغة التركية هي اللغة الرسمية، كما هو قائم عملياً، إضافة إلى قيامها بتهجير من تبقى من السكان؛ إذ نزح من عفرين بين 250 و300 ألف، من خلال إجراءات مشددة وصارمة، نفذتها الفصائل المسلحة والميليشيات المحلية التابعة لأنقرة؛ حيث استولت على الملكيات العقارية والزراعية والتجارية، واعتقل أصحابها وذووهم، وتعمّدت إلى ابتزازهم بطرق شتى.

اقرأ أيضاً: الأكراد الأوروبيون ينتفضون ضدّ العدوان التركي
ويضيف لـ "حفريات": "في شهر أيلول (سبتمبر) الماضي، جرى اعتقال ما لا يقل عن 105 أشخاص في عفرين، وهم موثّقون بالأسماء ومكان وتاريخ وجهة الاعتقال، كما أنّه، بين عامي 2018 و2019، تعرّض نحو 1911 شخصاً لإصابات بجروح متفاوتة، من بينهم 210 أطفال و116 امرأة، إثر مداهمة منازلهم، وتعرضهم للضرب من قبل المسلحين، أو شظايا المتفجرات، أو قصف مناطقهم المدنية".
وفي إحدى الشهادات التي حصلت عليها "حفريات"، تتكشف حدود المأساة التي خلّفها الوجود التركي، ليس على مستوى العمران والتخريب الذي لحق بآثاره المتباينة، في المدن السورية والكردية، لكن فيما يتصل بواقع المدنيين الذين تعرضوا لهذا الحجم من القمع والتعسف والاضطهاد الهائل، وقد بلغ حدّ أن تتردّد صاحبة الشهادة، أكثر من مرة، وهي تسجل وقائع اعتداء الفصائل عليها، وترفض الحديث، خشية أن يتمّ التعرّف إليها، وتتعرض للأذى مجدداً.
وتشير السيدة في حديثها إلى أنّه في منتصف إحدى الليالي، اقتحموا بيتها مثل "الوحوش"، بحسب توصيفها، واعتقلوها وابنها، ونزعوا عن الفتيات والنساء اللواتي قبض عليهنّ معها حجابهنّ، في وسط القرية، وقاموا بتقييد الجميع بسلاسل حديدية توثقهم ببعضهم، بينما دفعوهم في صندوق السيارة العسكرية الخلفي، حتى وصلوا بهم إلى أحد المقرات العسكرية، وحققوا معهم، بعدما تناوب عليهمّ عناصر الشرطة العسكرية بالضرب والسباب والجلد، وأجبروهم على دهس صور شهدائهم، ورموزهم القومية؛ مثل: كاوا الحداد.
وهو الأمر ذاته الذي يفرضوه عناصر الشرطة، بشكل عشوائي، على المواطنين بالشارع؛ حيث يضعون لهم صور الشهداء الكرد في المعارك مع القوات التركية، ويطلبون من المواطنين دهسها والمرور عليها بأقدامهم، حسبما تفيد.

 

مذابح السلطان في سوريا
وتضيف في شهادتها المسجلة، التي حصلت "حفريات" على نسخة صوتية منها: "كانوا يقولون لنا: نحن جئنا لننغّص عليكم حياتكم، ونهجّركم من هنا، كما أذكر فتاة كانت معي في السجن، جسمها ووجهها ظلّ شاحباً وأزرقاً، إثر ما تعرضت له من ضرب وتعذيب في إحدى الليالي، بشكل منفرد ومتواصل".
وتردف: "ضربوني ليلة كاملة حتى أغمي عليّ، فأيقظوني ثم جلبوا دولاباً وعصا، وهددوني بأنّهم سيضعونني داخله ويعذبونني، حتى أعترف بالاتهامات الموجهة لي، فقلت لهم: أنا امرأة مسنّة، ولا دخل لي بالأمور العسكرية والقتالية، فجاؤوا بكرباج وضربوني حتى أصبح لون جسمي أسود، وشعرت لحظتها بالموت".

اقرأ أيضاً: الأكراد.. أين يتواجدون؟ وهل حصلوا على حقوقهم السياسية والثقافية؟
في عفرين، لم تكن حياتنا أبداً عادية في ظل الاحتلال التركي؛ إذ كان الخوف بمثابة شبح يتردّد بكلّ مكان وزاوية، طالما كان العسكريون يمشون بالشوارع حاملين سيوفاً، بهدف بثّ التهديد والخوف في نفوسنا وإرهابنا"، كما تختتم شهادتها.
وإلى ذلك، أوضحت منظمة العفو الدولية؛ أنّ القوات العسكرية التركية، وتحالف الجماعات المسلحة السورية المدعومة من تركيا، قد أبدت ازدراءً مشيناً لحياة المدنيين؛ حيث ارتكبت انتهاكات جسيمة وجرائم حرب، بما في ذلك القتل العمد، والهجمات غير القانونية التي قتلت وجرحت مدنيين؛ وذلك خلال الهجوم الأخير على شمال شرق سوريا.
ووثقت المنظمة، عبر شهادات واقعية وميدانية لــ 17 شخصاً، إضافة إلى معاينتها للأحداث وتفاصيل ما رصدته، وذلك خلال الفترة بين 12 و16 تشرين الأول (أكتوبر)، ومن بينهم: عاملون في المجال الطبي، وعمال الإنقاذ، والمدنيون النازحون، والصحفيون، وعاملون في المجال الإنساني المحلي والدولي، ناهيك عن مقاطع الفيديو التي جرى التحقق منها، والتقارير الطبية وغيرها من الوثائق؛ إذ إنّ المعلومات التي تمّ جمعها، تقدّم أدلة دامغة على الهجمات العشوائية في المناطق السكنية، بما في ذلك الهجمات على منزل ومخبز ومدرسة، نفذتها تركيا والجماعات المسلحة السورية المتحالفة معها.
جرائم حرب
وبحسب كومي نايدو، الأمين العام لمنظمة العفو الدولية: "أدى الهجوم العسكري التركي على شمال شرق سوريا إلى تدمير حياة المدنيين السوريين الذين أجبروا مرة أخرى على الفرار من ديارهم، والعيش في خوف دائم من القصف العشوائي وعمليات الاختطاف، وأعمال القتل الميداني"، لافتاً إلى أنّ القوات العسكرية التركية وحلفاءها أبدوا ازدراء صارخاً لأرواح المدنيين، وشنوا هجمات مميتة غير مشروعة في المناطق السكنية قتلت وجرحت مدنيين.
وأشار الأمين العام لمنظمة العفو الدولية إلى أنّ تركيا مسؤولة عمّا تقوم به الجماعات المسلحة السورية التي تدعمها وتسلحها وتوجهها؛ فحتى الآن، منحت تركيا هذه الجماعات المسلحة حرية ارتكاب انتهاكات جسيمة في عفرين، وفي أماكن أخرى.

أدى الهجوم العسكري التركي على شمال شرق سوريا إلى تدمير حياة المدنيين السوريين
من جهتها، ذكرت هيئة الصحة التابعة للإدارة الكردية في شمال شرق سوريا، أنّه في 17 تشرين الأول (أكتوبر)، قتل ما لا يقل عن 218 مدنياً، من بينهم 18 طفلاً، منذ بدء الهجوم.
على الجانب الآخر؛ لم يكن ثمة بدّ من مواجهة الطرف المسؤول والمباشر، عن تلك الانتهاكات الجسيمية، والمخالفات الإنسانية والقانونية والحقوقية، التي وردت في سياق التحقيق، بحقّ أكراد سوريا في عفرين، وذلك عبر التواصل مع الرائد يوسف حمود، الناطق باسم ما يعرف بـ "الجيش الوطني السوري"، وقوامه أربعون ألف جندي، والمدعوم من أنقرة، ويسيطر على عفرين، منذ عملية درع الفرات، كما شارك في العملية العسكرية الأخيرة، وتنضوي تحته مجموعة من الجماعات المسلحة، من بينها: كتائب السلطان مراد، وكتائب السلطان محمد الفاتح.
ليس هناك انتهاكات ولكن...!
وفي حديث مسجَّل لـ "حفريات"، كشف الناطق باسم الجيش الوطني السوري؛ أنّ حالات الخطف والتعذيب والاعتقال العشوائي هي حوادث فردية، بحسب وصفه، وهي لا تتجاوز الحالتَين، وقد جرى تعقب العناصر المسؤولة، وتقديمها للتحقيق، بينما نفى ما هو خلاف ذلك.

وبسؤاله عن ملابسات ومحددات عمليات التوقيف للأشخاص الذين يمثلون أمام جهات التحقيق التابعة لهم، وآليات تنفيذها، يوضح: "التوقيفات تتمّ بناء على ورود أسماء بعض الأشخاص، في أثناء التحقيقات مع آخرين، إضافة لمن يعرف عنهم انتماؤهم لقوات سوريا الديمقراطية أو النظام السوري، عن طريق أجهزتنا الأمنية؛ حيث إنّه بعد السيطرة على عفرين، قمنا بتشكيل أجهزة أمنية وقضائية وقانونية، مثل: الشرطة العسكرية، والقضاء العسكري، والنيابة العسكرية، ومثيلاتها المدنية كذلك، ويكون الاعتقال بموجب مذكرة توقيف، تصدر من أيّة جهة من الجهات المذكورة، والمخوَّلة وحدها بإصدار الأحكام، كما أنّ هناك قانوناً وضعناه يعرف بـ "القانون العربي الموحَّد".
ويردف: "المنطقة خرجت من عدة حروب؛ بداية من المعارك مع نظام بشار الأسد، وأخرى مع قوات سوريا الديمقراطية، والتي استطعنا تخليصها منهما، وعليه، فإنّنا عبر أجهزتنا الأمنية والعسكرية، نلاحق ونقوم باستدعاء أيّ شخص يرد اسمه في التحقيقات، والتي تجري مع بعض الأشخاص، بهدف أمن منطقتنا".

اقرأ أيضاً: أكراد في تركيا.. كيف حدث الانتقال من السلاح إلى صناديق الانتخاب؟
بيد أنّ الصحفي والباحث الكردي في معهد واشنطن، باز علي بكاري، يؤكّد أنّه "بالنسبة إلى ما يجري في عفرين، منذ الساعات الأولى لاحتلال تركيا والفصائل السورية الموالية لها، هي جريمة حرب مستمرة على مدى عامين، خاصة فيما يتعلق بعمليات خطف وتصفية المدنيين جسدياً، على يد الفصائل السورية الموالية لتركيا، والتي تتعامل مع عفرين كعصابة اغتنمت الجغرافيا وما عليها من بشر وأرزاق".
ويردّ بكاري على وصف الناطق باسم الجيش الوطني السوري، أنّ ما يحدث من انتهاكات هي بمثابة "حالات فردية"؛ مؤكّداً أنّ هناك العشرات من حالات الخطف التي تمّ توثيقها، حتى الآن، بينما في كلّ مرة تزعم تركيا وفصائلها المحلية، أنّها مجرّد حالات فردية.
ويستطرد لـ "حفريات": "الواقع اليومي بعفرين يثبت عكس ذلك؛ فهناك عمليات ممنهجة تستهدف الكرد بالأساس، وهم السكان الأصليون لعفرين، وتهدف إلى دفع الكرد للالتحاق بغيرهم ممن تمّ تهجيرهم بداية العملية، إضافة إلى سرقة قوت الناس؛ فالتقارير الحقوقية الموثقة، تؤكد أنّ الفصائل المحلية، بالتعاون مع تركيا، سرقت وصرفت ما يزيد عن ١٦٠ مليون يورو من زيت عفرين، والذي يعدّ وارداً رئيساً للسكان".

الأقسام: