كيف يبدو الشمال النيجيري بعد 20 عاماً من تطبيق الشريعة؟

ترجمة: محمد الدخاخني


في 27 تشرين الأوّل (أكتوبر) 1999، أعلن حاكم ولاية زمفارا في نيجيريا، أحمد ساني يريما، تطبيق الشّريعة. وحذت 11 ولاية أخرى في شمال نيجيريا ذات غالبيّة مسلمة، بما في ذلك ولايتا كانو وكادونا، حذو زمفارا. وفي الوقت نفسه، احتجّ بشدّة العديد من المسيحيّين الّذين يعيشون في البلاد على هذه الخطوة. تلا ذلك أعمال شغب وتوفّي عدّة آلاف من المسيحيّين والمسلمين. ويتذكّر عطا باركيندو، الّذي يرأس "مركز كوكاه الكاثوليكيّ"، وهو عبارة عن منظّمة تعزّز الحوار بين الأديان، هذا الوقت المضطّرب جيّداً: "لقد شعرنا بقلق عميق. لم يُدرك أحد عواقب القرار. وكنّا قد خرجنا للتّوّ من حكم ديكتاتوريّ عسكريّ. والغضب كان هائلاً".

"صورة نمطيّة" للشّريعة
يتذكّر الإمام نور الدّين ليمو مدى خوف السّكان المحلّيّين لحظة صدور قرار العديد من الحكّام النّيجيريّين بتطبيق الشّريعة. ويقود ليمو قسم الأبحاث في "معهد الدّعوة النّيجيريّ" الّذي يتّخذ من مدينة مينا بولاية النّيجر مقرّاً له. يقول إنّ "النّاس كانوا يخشون ممّا تنطوي عليه الشّريعة الإسلاميّة، وخشي البعض هيمنة المسلمين وتعرّض المسيحيّين للاضطّهاد". ومع ذلك، يعترف أيضاً بأنّ "المسلمين في نيجيريا لم يؤدّوا واجباتهم للتّلطيف من هذه المخاوف".

حتّى يومنا هذا يُنظر للشّريعة بنيجيريا على أنّها موضوع مُسيَّس حيث قام الحكّام بإعلام تطبيقها بالشّمال تلبيةً لمطالب النّاخبين

ويشير ليمو إلى أنّه حتّى اليوم لا يزال لدى البعض صورة نمطيّة عن الشّريعة في أذهانهم والّتي لا علاقة لها بالواقع. ويقول "إنّ البعض من غير المسلمين يعتبرون الشّريعة الإسلاميّة شيئاً بربريّاً"، مضيفاً أنّ الصّور النّمطية الشّائعة تتضمّن "فكرة عقاب الأشخاص بقطع أذرعهم، وإجبار غير المسلمين على اعتناق الإسلام، وانتهاك حقوق الإنسان بشكل روتينيّ". وفي الوقت نفسه، يصرّ المسلمون على أنّ الشّريعة تُطبّق فقط على المسلمين. ولهذا السّبب يوجد لدى ولايات شمال نيجيريا أنظمة قانونيّة أخرى موازية للشّريعة الإسلاميّة.

الإمام نور الدّين ليمو

اقرأ أيضاً: مداهمة مدرسة تحولت لسجن تعذيب في نيجيريا.. هذا ما كان يحدث فيها
على كلّ حال، لدى الشّريعة تقليدها الطّويل في هذا الجزء من العالم. فقد كانت تُمارَس في خلافة سوكوتو وإمبراطوريّة كانيم-بورنو التّجاريّة الأفريقيّة قبل الحكم الاستعماريّ البريطانيّ في القرنين التّاسع عشر والعشرين. وكلا الكيانين كان مزدهراً وقويّاً، وبالتّالي ربط النّاس حينها صورة إيجابيّة بالشّريعة. يقول عطا باركيندو من "مركز كوكاه الكاثوليكيّ" إنّه بسبب رغبة شمال نيجيريا في "العودة إلى مجد العصور السّابقة"، كانت هناك دعوات لإعادة تطبيق الشّريعة منذ استقلال البلاد في عام 1960.

الشّريعة باعتبارها ورقة سياسيّة
لكن هذا لم يتحقّق إلّا عندما تركت نيجيريا وراءها عقوداً من الحكم العسكريّ في عام 1999 وعادت إلى نظامٍ ديمقراطيّ متعدّد الأحزاب. وفي العام نفسه، انتُخب أولوسيجون أوباسانجو - وهو مسيحيّ من جنوب غرب البلاد - رئيساً لنيجيريا. ولا يمكن اتّهامه بأنّه يريد فرض الإسلام على البلاد، كما قد يكون الحال لو وجد زعيم مسلم في سدّة الحكم. وعندما أعلنت ولايات شمال نيجيريا تطبيق الشّريعة، لم يتدخّل لوقف ذلك، ممّا أكسبه تأييد السّكان المسلمين في البلاد.

اقرأ أيضاً: آخر جرائم بوكو حرام في نيجيريا
لكن حتّى يومنا هذا، يُنظر إلى الشّريعة في نيجيريا على أنّها موضوع مُسيَّس، حيث قام الحكّام بإعلام تطبيقها في الشّمال تلبيةً لمطالب النّاخبين المحتملين. ويوضّح الإمام ليمو أنّه "في بعض الأحيان يستخدم السّياسيّون كلمة "الشّريعة" عندما يعلمون أنّ غالبيّة السّكّان من المسلمين، وأنّ غالبيّة النّاخبين سيدعمونهم، وأنّ العلماء المحلّيّين سيدعمونهم".

لم يحدث تحسّن كبير في الوضع الأمنيّ ونظام التّعليم والبنية التّحتيّة في شمال نيجيريا على مدار العشرين عاماً الماضية

لكن حليمة جبريل، الرّئيسة الحالية لـ "اتّحاد جمعيّات النّساء المسلمات في نيجيريا"، تقول إنّ الشّريعة أكثر من مجرّد سياسة، وفي الواقع تُنظّم طريقة تعايش النّاس. وتقول عندما تُطبّق القواعد بشكل صحيح، يكون لها فوائد عديدة. وتُثني على الحظر المفروض على بيع واستهلاك الكحول في شمال نيجيريا، قائلة إنّه "عندما تُطبّق القيود على المشروبات الكحوليّة، فإنّ أيّ شخص يريد أن يشرب، يجب أن يذهب بعيداً إلى ضواحي البلدات. وسَعِدَت العديد من الزّوجات بذلك".
وتقول حليمة إنّه نتيجة لذلك، أصبحت الأسر أكثر قرباً وأخذ الرّجال يعتنون الآن بزوجاتهم وأطفالهم بشكل أفضل - بالرّغم من أنّه لا تزال هناك طرق للحصول على الكحول في شمال البلاد، مع وجود حانات غير قانونيّة، على سبيل المثال، تبيع البيرة والمشروبات الرّوحيّة وتخفيها في أكياس تغليف شركة "تترا باك" للأغذية. وتضيف حليمة أنّ الشّريعة تدعو الولايات أيضاً إلى دعم السّكّان حتّى "يتمكّنوا من عيش حياة موافقة لمبادئ الإسلام". هذا، إذا مُدّ على استقامته، يعني، على سبيل المثال، أنّه يجب ضمان مستوى معيشة أساسيّ للجميع حتّى لا يضطّر أحد إلى السّرقة. ومع ذلك، لا يوجد حتّى الآن نظام للرّعاية الاجتماعيّة في شمال نيجيريا.

باركيندو يشعر أن تطبيق الشريعة قسم نيجيريا

تحسينات محدودة
مع ذلك، لم يحدث تحسّن كبير في الوضع الأمنيّ ونظام التّعليم والبنية التّحتيّة في شمال نيجيريا على مدار العشرين عاماً الماضية. وفي ولايات زمفارا وكاتسينا وكادونا، يتعرّض السّكان المحلّيّون لخطر الوقوع ضحايا قطاع الطّرق بشكل كبير. وهنا، أكثر من أيّ مكان آخر في نيجيريا، يقضي الأطفال في المدرسة أقلّ وقت. وعلاوة على ذلك، لم يمنع تطبيق الشّريعة الجماعات الإسلاميّة المتطرّفة مثل بوكو حرام من اكتساب النّفوذ، ولم يساعد في الحدّ من الفساد المتفشّي في المنطقة.

اقرأ أيضاً: فتّشوا عن إيران حتى في... نيجيريا!
يشعر عطا باركيندو بخيبة أمل، قائلاً إنّ 20 عاماً من تطبيق الشّريعة في الشّمال جعلت الأمور أسوأ من ذي قبل. إنّه يريد أن يكون هناك نقاش حول الشّكل الّذي ينبغي أن تكون عليه نيجيريا علمانيّة، وكيف تعرّف نيجيريا نفسها كأمّة وكيف يمكن تعزيز التّعايش المتناغم بين المسيحيّين والمسلمين. ووفقاً لباركيندو، فإنّ "ما فعلته الشّريعة هو تقسيمنا أكثر في هذا البلد. فقد انسحب النّاس من مجتمعاتهم إلى رحم دياناتهم". وهذا، كما يقول، لأنّه اليوم يُحدِّد دين النّاس وعرقهم الوصول إلى السّلطة والموارد والامتيازات.


كاترين غانسلير، دويتشه فيله

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:
https://www.dw.com/en/nigeria-looks-back-on-20-years-of-sharia-law-in-th...

الأقسام: