أين اختفى مجاهدو حسن البنا الـ10 آلاف فداء لفلسطين؟

للقضية الفلسطينية مكانة متميزة في الوجدان العربي والإسلامي، وظلّت نكبة ضياع فلسطين جرحاً لا يندمل، والجماهير العربية لم تتسامح مع كلّ من اتّهم، مجرد اتّهام، بأنّه ساهم في ضياعها، ووصمته بالخيانة والعار، وكلّ من زعم، مجرد الزعم، أنّه قاوم المحتل الصهيوني وهبته المجد.
من هنا حرص الإخوان المسلمون على ترويج حملهم هَمَّ القضية على عاتقهم، حتى صدّقوا أنفسهم وصدّقهم قطاع كبير من الجماهير العربية، وتمادوا حتى نفوا عن باقي الحركات والفصائل دورها ونضالها، وقدموا أنفسهم وكأنّهم النصير الوحيد للقضية الفلسطينية.

نفى الإخوان عن باقي الحركات والفصائل دورها ونضالها وقدموا أنفسهم وكأنهم النصير الوحيد للقضية الفلسطينية

ويصل الأمر مداه عندما يقول محمود عبد الحليم، في كتاب "الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ"، ص 89: "ثمّ رأيت مفتي فلسطين، السيد أمين الحسيني، ومعه مساعده صبري عابدين، وحولهما مجموعة من قادة فلسطين، رأيتهم يحضرون إلى المركز العام في الناصرية، ذلك المكان المتواضع، واستنتجت من زيارتهم لهذا المركز المتواضع المجهول وسط أحشاء القاهرة، أنّه لا نصير لهم في القاهرة إلا هذه العصبة التي تأوي إلى هذا المركز العام، وقد تبيّن لي فيما بعد أن استنتاجي صحيح".

اقرأ أيضاً: خالد الزعفراني: الإخوان رهينة دول تتحكم في قراراتهم لمصالحها السياسية
هكذا، مرة واحدة شطب الإخوان المسلمون كلّ جهاد ومساندة الشعب المصري، حكومة وشعباً، وأحزاباً وجمعيات، ليظلوا هم فقط أصحاب القضية الفلسطينية لا ينازعهم فيها أحد، وبالفعل تمكّنت الدعاية الإخوانية المكثفة من توجيه الوعي والعقل الجمعي العربي والإسلامي، فأصبح كثير يؤمنون بأنّ الإخوان خاضوا معارك ضارية في حرب 48 شيّبت الإسرائيليين، وأنّ قرار حلّ الجماعة جاء كردّ فعل على جاهزية الإخوان وقدرتهم القتالية في فلسطين، وكلّ هذا غير دقيق، فعبر البحث والتنقيب في كتب الإخوان، تظهر للمتتبع حقائق مذهلة تغيّر الصورة وتقلبها رأساً على عقب.

كتاب "الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ"

ففي 15 كانون الأول (ديسمبر) 1947، قامت في مصر مظاهرة كبرى لتأييد الفلسطينيين ضدّ قرار التقسيم، شارك فيها كثير من القادة العرب، وخطب حسن البنا في الجماهير العربية والمصرية قائلاً: "لبيكِ فلسطين.. دماؤنا فداء فلسطين وأرواحنا للعروبة، يا زعماء العرب، يا قادة الأمة العربية؛ إنّني أنادي الأمم المجاهدة، الحجاز وسوريا والعراق وشرق الأردن ولبنان وأبناء الوادي النيل، وكلّ عربي يجري في عروقه دم العروبة الحرّ، أيّها الزعماء؛ أنتم القادة وهؤلاء الجنود، وقد وقفوا دماءهم لدفاعكم المقدس، هؤلاء الشباب ليسوا هازلين، لكنّهم جادّون، عاهدوا الله والوطن على أن يموتوا من أجله، إن كان ينقصنا اليوم السلاح، فسنستخلصه من أعدائنا، ونقذف بهم في عرض البحر، لقد تألّبت الدنيا أن تسلبنا حقّنا، وقد عاهدنا الله أن نموت كراماً أو نعيش كراماً، وإنني أعلن من فوق هذا المنبر أنّ الإخوان المسلمين قد تبرعوا بدماء عشرة آلاف متطوع للاستشهاد في سبيل فلسطين، وهم على أتمّ استعداد لتلبية ندائكم"(1).

انتظر الجميع عبثاً أن يتدفق جنود الإخوان المسلمين العشرة آلاف ويقتحموا الحدود لنصرة الأهل في فلسطين

بعد أقلّ من أسبوعين، وتحديداً في 1 كانون الثاني (يناير) 1948، هاجمت عناصر (الهاجاناه) إحدى القرى العربية في حيفا، وقتلت 111 مواطناً عربياً، وفي الرابع من كانون الثاني (يناير) 1948؛ ألقت جماعة (شتيرون) قنبلة على ساحة مزدحمة بالناس في يافا، وقتلت 15 شخصاً، وأصابت 98 شخصاً بجروح خطيرة، ثمّ في 5 كانون الثاني (يناير) نسفت عصابات الصهيونية فندق سميراميس في القدس، وقتلت 20 من نزلائه من العرب، وانتظر الجميع أن تتدفق جنود الإخوان المسلمين العشرة آلاف، وتقتحم الحدود لنصرة الأهل في فلسطين.
للأسف، خيّب الإخوان ظنّ الناس بهم، ولم يقوموا بأيّ ردّ على هذا الهجوم، لا بالعشرة آلاف جندي ولا بألف، ولا حتى بطلقة في الهواء، تعلّل الإخوان بأنّ تأخّرهم في الردّ على العصابات الصهيونية، يعود لأنّ الجامعة العربية أقرّت، في اجتماعها يوم 12 نيسان (أبريل) 1948؛ أنّ إرسال الجيوش العربية إلى فلسطين سيتمّ بعد انسحاب بريطانيا، المزمع في 15 أيار (مايو)، وهذا عذر أقبح من ذنب، فإذا كانت الجيوش العربية تتبع حكومات مرتبطة بمعاهدات مع بريطانيا، لم يسعها إلا الالتزام بموعد الانسحاب، كان يمكن للإخوان التسلل والقيام بواجبهم المقدس في فلسطين لكنّهم لم يفعلوا، الغريب أنّ الإخوان كثّفوا جهودهم للردّ على العصابات الصهيونية بعدها بأسابيع، ولكن ليس في فلسطين؛ بل في دولة أخرى، فماذا فعلوا إذاً؟

اقرأ أيضاً: الإخوان من الداخل.. ما دور النظام الخاص في توجهات الجماعة؟

كانت الجماعات الصهيونية تسعى دائماً لترحيل اليهود العرب إلى فلسطين، لزيادة عدد اليهود مقابل العرب المسلمين، وفي اليمن عاشت طائفة يهودية كبيرة قدرت بقرابة 55 ألف يهودي، بحسب تعداد (زيماخ)(2)، وهم في حالة مادية بائسة كسائر اليمنيين، ووقف الإمام يحيى حميد الدين ضدّ هجرة اليهود اليمنيين إلى فلسطين، فما كان من الإخوان المسلمين إلا أن قاموا باغتياله، في شباط (فبراير) 1948! تحت مزاعم الثورة على مظالمه، في حركة غير مبرّرة ومجهولة الهدف!

 

ألم يكن من الأَوْلى التركيز على القضية الفلسطينية، بدلاً من تشتيت قوى الجماعة في ثورة لا طائل من ورائها، ولم تستفد منها إلا إسرائيل فحسب! فقد زال من يقف عقبة أمام هجرة اليهود، وجاء من سمح لهم بالهجرة، والمثير أنّ كلّ هذا تمّ بأيدي الإخوان.
ظلّ الرأي العام المصري والعربي ملتهباً يطالب الجيوش باقتحام الحدود وتأديب العصابات الصهيونية، ينتظر النصر والمجد الإسلامي الذي وعدهم به حسن البنا، عبر مئات الخطب، له ولأتباعه، عن فلسطين والجهاد من أجلها وأجل شعبها الأبي، ضاقت الشعوب العربية صبراً، وهي تنتظر لحظة اقتحام الإخوان للحدود، لحظة تطبيق أفكارهم الجهادية أرض الواقع.
وبعد طول انتظار، أعلنت الجماعة فتح باب التطوع للجهاد، فكان كلّ ما تمكّنت من جمعه من المتطوعين من الإخوان المسلمين، ومن محبّيهم، ومن مؤيّديهم، عدداً لم يتجاوز (229)، بحسب إحصاءات جامعة الدول العربية، التي وثقتها موسوعة مقاتل.

 

الإخوان كثّفوا جهودهم للردّ على العصابات الصهيونية بعد النكبة بأسابيع ولكن ليس في فلسطين!

ومتطوعو الإخوان كانوا، في الغالب، إما تحت قيادة أنفسهم، أو تحت قيادة أحمد عبدالعزيز، الذي كان يقود متطوعين لا يزيد عددهم على 798 متطوعاً تقريباً، فهل لم يملك الإخوان المسلمين سوى 229 فرداً؟ أين التنظيم الخاص؟ وأين عبد الرحمن السندي؟ وأين الثلاثمئة كتيبة التي كان يعدّها ليوم الحرب؟ أين العشرة آلاف جندي التي وعد بها الإخوان؟
ليت الأمر يقف عند هذا الحدّ؛ بل حتى هؤلاء المتطوعون فشلوا في أول معركة لهم، يقول كامل الشريف في كتابه "الإخوان المسلمون في حرب فلسطين": "كانت أول معركة يشترك فيها الإخوان "كفار ديروم"، وهي وإن كانت صغيرة الحجم إلا أنّها كانت محصنة، فظنوا (أي الإخوان) أنّ في مقدورهم مهاجمتها واحتلالها رغم قلة الأسلحة التي بين أيديهم، وكانت إشارة البدء في صباح 14 نيسان (أبريل) 1948، ففشلت المحاولة الأولى ومضى الإخوان يحملون قتلاهم وجرحاهم، وكان عددهم يربو عن العشرين، وانتهت المعركة بصورة مؤسفة، خرج الإخوان من هذه المعركة بنتيجة واحدة، فهموها وظلوا يعملون على أساسها طوال الفترة التي قضوها في فلسطين، فهموا أنّ مهاجمة المستعمرات اليهودية بهذا النقص الواضح في الأسلحة والمعدات هو انتحار محقق، وفهموا أنّهم لن ينجحوا إلا في حرب العصابات، دون التعرض للمستعمرات".

اقرأ أيضاً: الإخوان والجيش: أكذوبة دعم الجماعة لثورة يوليو
ويوضح الشريف دور الإخوان بعد هذه المعركة في فلسطين طوال فترة الحرب بقوله: "اليهود أقوياء في هذه الحصون والأبراج، لن نهاجمهم فيها بعد اليوم، بل سنهاجم قوافلهم ونهاجم شبكات المياه ومراكز التموين". 
ما تجدر الإشارة إليه أنّ أيّ متطوع شارك في الدفاع عن فلسطين يجب أن يقدَّر، مهما كان دوره ضئيلاً، ولم يدفع إلى كشف حقيقة دور الإخوان المسلمين في فلسطين، إلا إصرارهم على تزوير التاريخ وتزييف الوعي وإنكار جهاد ونضال الفصائل الأخرى.

الأقسام: