الدولة اليتيمة في جمهورية قيس سعيد

الدولة اليتيمة في جمهورية قيس سعيد
4120
عدد القراءات

2019-11-17

طارق القيزاني

الرئيس منصب سياسي بامتياز وليس بالضرورة أن يكون جامعا بأدق معارف القانون والدستور. وكذلك الدولة ليست مجرد إقليم ومجموعة بشرية وسلطة سياسية تبسط سيادتها على رقعة من الأرض.

لا تنسف المقومات القانونية لكيان الدولة أو اختصاصات السلطة السياسية، التراكمات التاريخية والثقافية التي تصنع هوية الشعوب وتمثل جزءا من واقعهم وحياتهم، فالدولة في تقدير عالم الاجتماع دوركايم لا تعدو أن تكون سوى تجسيد للتمثلات الجمعية وتصور سياسي لما ينبغي أن يكون عليه الواقع.

وتاريخ الدولة ليس مجرد أرشيف كما أن القانون لا يلغي المقاربات السوسيولوجية والثقافية وحتى علوم الاتصال عند ممارسة السلطة. إذ مثلا ليس هناك من تفسير يدفع الرئيس الظاهرة في تونس، قيس سعيد، إلى القفز على الرموز التاريخية للدولة؛ سفينة عليسة والقائد العسكري القرطاجني حنبعل والزعيم الراحل بورقيبة مؤسس دولة الاستقلال، من الواجهة التي تعوّد الزائرون لقصر قرطاج الرئاسي أن يلقوا من خلالها بتصريحاتهم إلى الصحافة والرأي العام وتنقلها الكاميرات إلى الداخل والخارج.

ليس هناك من معنى وراء تحييد الدولة وعزلها عن إرثها الثقافي والتاريخي. يرجع الفقهاء في أوروبا مثلا ومن بينهم أندري هوريو بروز الدساتير المكتوبة والمؤسسات الأولى للدولة الحديثة إلى صعود الطبقة البرجوازية في القرنين 16 و17 وسيطرتها على وسائل الإنتاج ومن ثم بداية ظهور هياكل جديدة قادرة على خدمة مصالح هذه الطبقة وهي النواة الأولى لوجود الدولة الحديثة في أوروبا. بل إن فقهاء المدرسة التقليدية في أوروبا يشددون على عناصر الجغرافيا واللغة والدين في ظهور الدساتير والدولة أو المجتمعات السياسية كما نعرفها اليوم في تلك القارة، من خلال ظهور وحدات بشرية متجانسة تتحدث لغة واحدة مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وتستند إلى إرث الديانة المسيحية.

مثلا تتباهى الشعوب الأسكندنافية حتى اليوم بتاريخ أجدادها من قبائل الفايكينغ ولا يحفظون عنهم سوى مآثرهم الثقافية وكل ما أنتجوه في سبيل نحت حضارة وهوية هذه الشعوب برغم حروب الاستيطان والإغارة والقرصنة التي طبعت تاريخ هذه القبائل خلال العصر الوسيط في أوروبا وعبر الحروب الصليبية في الشرق.

في تونس يقدم الرئيس القادم من مدارس القانون والدستور نفسه فوق الأحزاب، وهو أمر بديهي في منصب رئيس لكل التونسيين ورجل ساهر على تطبيق القانون. وهو ما فتئ يذكر الجميع بمناسبة أو دونها بفصول الدستور وعلويته. لكن سعيد لم يعرج في خطاب التنصيب على أيّ من عناصر هوية الدولة ورموز الفكر والإصلاح والمؤسسين الأوائل. لا شيء من تاريخ الدولة!

فهل هي جمهورية ثالثة يتوجب أن تطبع بحقبة سعيد أم هي كما سماها “ثورة ثقافية ” بمنهج القطع وإعمال المعاول على منوال ثورة ماوتسي تونغ.

يصبح الأمر أكثر إثارة مع تقاطر الوفود الشعبية من المناطق الداخلية إلى القصر الرئاسي ودعوات سعيد المتكررة إلى بسط سلطة الشعب، بمنحه الآليات القانونية لفعل ما يطمح إليه من تغيير وبناء، وفي تلميح متكرر لمشروع حكم المجالس المحلية، وهي نظرة قانونية ضيقة تلخص كل الحلول للأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تتخبط فيها الديمقراطية الناشئة.

مع أن هذا يتعارض مع التعليق المرجعي لجون جاك روسو في تعريفه لفكرة الديمقراطية المباشرة، حيث اعترف بأن الشعب يحتاج إلى أن يكون أفراده من آلهة حتى يحكم نفسه بنفسه بصفة ديمقراطية وعادلة.

قد لا يفوت في هذا السياق استحضار المقطع الساخر لسلطة الآغا في مسرحية “غربة” للكاتب الراحل محمد الماغوط وسؤاله عن الدستور الذي أكله الحمار، في تلخيص رمزي لعلاقة الحاكمين بالدساتير الجوفاء والمبررة لكل أشكال الطغيان في المنطقة العربية، مع ذلك فإن اعتبار الدستور لدى الشعوب المحررة، كحل سحري لكل مشكلات الفساد والبطالة والفقر والتفاوت الاجتماعي والجهوي، أمر لا يقل بدوره سخرية عن الحمار آكل الدستور.

عن "العرب" اللندنية

اقرأ المزيد...
الوسوم:



أهمية مؤتمر برلين

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

أحمد مصطفى
بغض النظر عن التفاصيل والتصريحات والتحليلات، فإن الناتج الأهم لمؤتمر برلين حول ليبيا هو «نهاية الصخيرات»، بكل ما يعنيه ذلك من تجاوز الترتيبات التي كانت عملت على أساسها الأمم المتحدة والأسرة الدولية للتوصل إلى تسوية سياسية في ليبيا. فقد جمع مؤتمر برلين، إلى جانب الأمم المتحدة، الأطراف الرئيسية في الإقليم والعالم المعنية بالوضع في ليبيا. وهذا يعني ببساطة أن الوضع القانوني لما يسمى حكومة الوفاق في طرابلس انتهى، ولا يمكنها الاستناد إلى أنها «المعترف بها دولياً».
ذلك السند الذي اعتمدته حكومة الميليشيات لشرعنة الدعم التركي للإرهاب بنقل إرهابيي «داعش» إلى ليبيا، وإمداد الميليشيات بالسلاح. وما تركيز المشاركين في المؤتمر على الصرامة في منع دعم الأطراف بالسلاح والحيلولة دون تحول ليبيا إلى ساحة إرهاب إلا رسالة موجهة لأردوغان، الذي حضر إلى برلين، ليسمع من الجميع أنه لن يسمح له بدعم الميليشيات.
أما ما لم يأتِ في البيان الختامي، فكان الرسالة الأوروبية لأردوغان بأن تهديده بإغراق أوروبا بالإرهابيين القادمين من ليبيا إذا لم تسر الأوضاع فيها كما يريد هو ومن يرعى الإخوان والإرهاب سيقابل بحزم.
وببساطة فشل ابتزاز أردوغان للأوروبيين مستغلاً اللاجئين، كما فعل بانتهازية في الأزمة السورية.
طبعاً لم يكن المؤتمر سوى خطوة أولى كما أعلنت مضيفته في المؤتمر الصحفي، ولم يكن أحد يتوقع من برلين أن تحل مشكلة ليبيا. لكن الأهم هو أن الوضع «الشاذ» الذي فرضته «الأسرة الدولية» بعد انتخابات 2014 التي خسرها الإخوان وميليشياتهم انتهى. ويبقى متروكاً للقوى على الأرض أن تنهي وجود الميليشيات بغض النظر عن المسار السياسي الذي ستتولاه الأمم المتحدة.
ولا يقتصر ذلك على الميليشيات في طرابلس ومصراته التي تنضوي تحت لواء الإخوان، وإنما يشمل أيضاً عصابات تهريب البشر التي تستبيح سواحل طرابلس، وأثرى من ورائها رموز الحكم في طرابلس. وذلك أيضاً بيد القوى على الأرض، وإن كان من غير المتوقع أن يدعم الأوروبيون الجيش الوطني في هذه المهمة، فالأغلب أنهم يدركون الآن من يهدد أمنهم ومن يمكن أن يبعد الخطر الليبي بالقضاء على الميليشيات والعصابات.
التأكيد على وقف إطلاق النار وأن الحل السياسي هو السبيل الوحيد أمر طبيعي، يعني أن لا حل لأي صراع إلا بتسوية سياسية، لكن تسوية على أي أساس؟ وهل وقف إطلاق النار سيضمن نزع سلاح الميليشيات، تحديداً في طرابلس ومصراتة؟ فليأخذ مسار برلين مداه، وليرسخ لما بعد الصخيرات، فهذا في حد ذاته تراجع من «الأسرة» الدولية عن موقف سابق يرى ضرورة أن يكون للإخوان والإرهابيين والعصابات دور في حكم ليبيا.
وإذا لم يؤدِ المسار إلى تقليل خطر ليبيا، وخاصة على جيرانها المباشرين كمصر والجزائر وتونس وعلى بقية المنطقة من كينيا إلى بوركينا فاسو، فلن يكون أمام تلك الأطراف التي يهدد خطر ليبيا أمنها القومي مباشرة إلا أن تتصرف بما يحمي مصالحها. وسيكون على أوروبا عندها أن تختار بين من يهددها بالإرهابيين من ليبيا، ومن يسعى لإنهاء وجود الإرهاب في ليبيا.
حسناً فعل المجتمعون في برلين بتجاهل دعوة رئيس الوزراء البريطاني بإرسال قوات إلى ليبيا لمراقبة وقف إطلاق النار، فذلك يعقد الأمور أكثر. إذ كيف لمن يطالبون بصرامة حظر السلاح ومنع إرسال القوات أن يرسلوا قواتهم إلى هناك، حتى لو كانت تحت غطاء الأمم المتحدة؟
هل يعني مؤتمر برلين أن القوى الرئيسية في حلف الناتو التي قضت على نظام القذافي انتبهت لتبعات ما فعلت، وستعمل على تفادي تبعاته السلبية على المنطقة وعليها؟ الأرجح ليس الأمر كذلك، بل هو أقرب للغزو الأمريكي / البريطاني للعراق في 2003، والذي لم يكن هناك استراتيجية بعده لمنع العراق من التحول إلى ساحة للصراع، واستمرار تمزقه وتدهوره وغرقه في الدماء والفساد والدمار.
لا يعول كثيراً إذاً على هذا المسار إلا بقدر ما «يساعد» كعامل محفز على فرملة تحول ليبيا إلى بؤرة إرهابية جديدة أخطر مما أدى إلى بروز «داعش» في العراق وسوريا. وتبقى أهمية برلين أنها أنهت الصخيرات، لكن جذر الخطر هو مسؤولية الليبيين أنفسهم والأطراف المعنية مباشرة بخطر «دولة إرهابية» في ليبيا أي جيرانها المباشرين. وعلى هؤلاء الآن التمسك أكثر بدعم الجيش الوطني الليبي، حتى في مسار مفاوضات الأمم المتحدة وكل ترتيبات اتفاق وقف إطلاق النار التي ستلي برلين.

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:

ليبيا.. والحل المحتمل

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

أحمد الحوسني

أنهى مؤتمر برلين حول الأزمة في ليبيا أعماله مساء الأحد 19 يناير الجاري، وطالب المجتمعون فيه أطراف الصراع بالالتزام بحظر تصدير السلاح إلى ليبيا، وبالعمل على الوصول إلى تسوية سياسية للأزمة القائمة.
وقد عكست نوعية الحاضرين لمؤتمر برلين، ومستوى الحضور، مدى الأهمية التي يوليها العالم (وخاصة أوروبا) للموضوع الليبي، إذ ضمت قائمة الحضور قادةً ومسؤولين سامين من كل من فرنسا وإيطاليا وروسيا والإمارات ومصر والجزائر وتركيا، بالإضافة إلى ممثلة الاتحاد الأوربي ومبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا.
ولم يكن متوقعاً من مؤتمر برلين يأتي بالحل الكامل للأزمة الليبية، لكنه مثّل بداية جيدة لذلك الحل. وكان الهدف الأساسي من المؤتمر هو التعامل مع مواقف الدول الإقليمية الداعمة لطرفي النزاع في ليبيا، وليس التعامل مع مواقف طرفي النزاع، للخروج بضمانات لتفعيل اتفاقية حظر بيع السلاح للأطراف المتنازعة هناك، في ظل التدخلات الخارجية والانقسامات المؤسسية وانتشار السلاح دون رقابة واستمرار اقتصاد السلب والنهب.. مما يمثل تهديداً للسلام والأمن الدوليين، حيث يوفر كل ذلك تربة خصبة للمهربين وللجماعات المسلحة والمنظمات الإرهابية، الأمر الذي سمح بالفعل لتنظيمي «القاعدة» و«داعش» بالتواجد في الأراضي الليبية وتنفيذ عمليات داخلها وفي عدد من دول الجوار. إن حالة الفوضى التي حوّلت ليبيا إلى دولة فاشلة، جعلت منها بؤرة صراع تهدد الحدود الجنوبية لأوروبا على الضفة الأخرى للبحر الأبيض المتوسط.
وكان قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر قد غادر موسكو، الأسبوع الماضي، دون التوقيع على مشروع وثيقة تحدد شروط الهدنة في ليبيا تحت رعاية روسية تركية، مشترطاً تسليم المليشيات المسلحة في طرابلس أسلحتها إلى جيش الوطني الليبي، ومبيدياً حذره من إعطاء أي شرعية للوجود التركي في ليبيا الداعم لحكومة السراج بالسلاح والمقاتلين الأجانب، خاصة بعد ما تأكد أن تركيا تنقل عناصر سورية إلى ليبيا للقتال فيها.
ولا شك أن تفكُّك الدولة الليبية سيضعف الرقابة على حدودها وسيتيح لعصابات الإرهاب والتهريب حرية الحركة واستخدام سواحلها الممتدة على البحر المتوسط بطول 1850 كيلومتراً، مما يقلق دول الجوار ويهدد أمن البلدان الأوروبية القريبة، خصوصاً إيطاليا ذات الخاصرة الرخوة. وقد أظهرت السنوات القليلة الماضية أن السواحل الليبية هي البوابة الثانية التي يعبرها المهاجرون الأفارقة. وهكذا يصبح استقرار ليبيا حاجة ليبية وإقليمية ودولية لا تسمح بترك البلاد للانزلاق نحو وضع يشبه وضع الساحة السورية.
لقد وضع مؤتمر برلين أُسساً لحل ممكن بتعاضد المجتمع الدولي وإبعاد التفرد التركي بليبيا، حيث يطمح أردوغان لجبر انكساراته في سوريا وتعويض خسائره في الداخل التركي نفسه. ومن الواضح أنه لم يحقق بغيته في نتائج مؤتمر برلين، حيث ستتم مراقبة التحرك التركي باتجاه ليبيا عن كثب من قبل الدول المعنية بالمتابعة. وقد أعلنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل نجاح مؤتمر برلين، وأشادت في معرض حديثها حول مواقف الإمارات ومصر وروسيا بإسهام هذه الدول «في توحيد موقف أوروبا من ليبيا».
وعلى الهامش، نقول إن القضايا التي تتولاها الأمم المتحدة، تصبح رهينة لمصالح الدول الكبرى الأعضاء في مجلس الأمن الدولي، فتتداخل حساباتها مع مصالح الدول المعنية بالحل، وخاصة في بلد مثل ليبيا حيث المساحة الكبيرة والموقع الاستراتيجي على الأبيض المتوسط وما تختزنه أراضيها من طاقة (النفط والغاز)، ليتم تدوير زوايا المشكلة، فيطول الحل!

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

رداً على تضليل الغنوشي.. تونس مرتكز المشروع العثماني وضحيته

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

محمد طعيمة

حقائق ما قبل 500 عام مضت تقول إن العثمانيين عرفوا شواطئ تونس لأول مرة لاجئين، “قبّلوا الأعتاب” حرفيا. كانوا هاربين من “قانون العرش الدموي” في الأستانة، وهو يبيح، عُرفا ثم تشريعا، لمن يستطيع من المتنافسين عليه قتل كل المتصارعين معه، من الأخوة لأبناء العم.. وطبعا الموالين لهم.

كان السلطان التركي بايزيد الثاني قد رحل، واثنان من أولاده، قرقود وسليم، يتقاتلان على عرشه، والأخوة بربروس، عروج وخيرالدين وإسحق وإلياس، يمارسون القرصنة لحساب الأول.

مع انتصار سليم ومطاردته لبقايا قوات أخيه، فرت عصابة بربروس برجالها وسفنها، عام 1512، لتبعية السلطان الحفصي أبو عبدالله محمد المتوكل (1494 – 1526). نجاة من سيوف سليم وللاستفادة من أحواض تونس البحرية، خاصة ميناء حلق الوادي، في استمرار مسيرتهم للقرصنة مقابل خُمس الغنائم للسلطان الحفصي، خفضت الحصة للثُمن مع بدء تمرد عصابة بربروس.

كما هجمات القرصنة التي راكمت ثرواتهم وضاعفت قدراتهم، انطلقت من موانئ تونس حملات سفن بربروس لاحتلال شرق الجزائر، الذي كان تابعا للحفصيين قبل احتلال الإسبان له، ثم المدينة نفسها. بعد فشلهم مرات ومقتل عروج، نجح خيرالدين في وضع قدمه بأكثر من ميناء، وحين استعادته شرق الجزائر رفض عروض حاميه الحفصي للبقاء تحت ولايته، وأرسل وفدا لسليم الثاني مع مفاتيح قلعة جيجي، راجيا عفوه وقبول رفعه للراية العثمانية، فقبل. مده بالمال والعتاد، وخطبت منابر الجزائر باسمه.

“فقدت السلطنة الحفصية القسم الغربي منها” كتب محمد العروسي المطوي في “السلطنة الحفصية.. تاريخها السياسي ودورها في المغرب الإسلامي”، لصالح القرصان العثماني. العروسي استعاد في كتابه مؤشرات ضعفها مع آخر حكامها.. أبو عبدالله محمد بن الحسن، المعروف بالحسن الحفصي. وصفه روبار برنشفيك في “تاريخ إفريقية في العهد الحفصي”، بـ”الضعف وهواية اللذات”.

تركيبة حاكم، طمع معها خيرالدين في احتلال ملجأه السابق، تونس. استقطب أحد أخوته، رشيد الحفصي إلى الجزائر، ثم اصطحبه معه إلى الأستانة، مقترحا على سليمان القانوني الإذن له بغزو تونس باسم “رشيد”، فسمح له ومده بالأموال وبـ250 سفينة حربية.

نزلت قوات العثمانيين في بنزرت دون مقاومة، أملا في التخلص من الحاكم الغارق في ملذاته، وخطبت مساجدها لسليمان القانوني بدعوة من رشيد. فر الحسن من تونس العاصمة ليحتمي بقبائل الجنوب، وتقدم خيرالدين ليحتل المدينة عام 1530. لم تكن محتلة من “الكفار”، وضعف وإهمال الراعي لا ينفي عن “الذئب” طبيعته.

خلافا لبنزرت، عندما تأكد أن رشيد لن يحكم ولو تحت راية الأستانة، وإن “خيرالدين جاء ليضم تونس إلى نفوذ العثمانيين مثلما تم مع الجزائر”، و”لسوء تصرف الجيوش التركية” حسب العروسي، تحول تأهب العاصمة إلى مقاومة شعبية. ينقل عن ابن أبي دينار في “المؤنس في أخبار إفريقية وتونس”، “قام أهل باب سويقة على خيرالدين، وكانت بينهم مقتلة عظيمة مات فيها خلق كثير من الجانبين” و”انتقلت الصدامات إلى باب البنات وحومة العلوج”. تدخل خيرالدين بكامل قواته، وقمع الثورة بوحشية عُرف تاريخيا بها.

ورغم تعهده للأهالي والأعيان بالأمان، بدأ خيرالدين ترسيخ أقدامه في تونس بنفي من اعتبره قائد الثورة، الشيخ محمد بن محمد مغوش إلى القسطنطينية. ولشهرته بين علماء دين عصره عرض عليه السلطان العثماني ولاية قضاء العسكر التركي، لكنه فضل الرحيل إلى مصر للانقطاع إلى العلم حيث توفي.

أين كان الإسبان المحتلون كما زعم راشد الغنوشي؟ حاولوا غزْو جربة 3 مرات وفشلوا.. يوليو 1510 وفي الشهر التالي وبعدها بعشر سنوات، ونجحوا عام 1535 في احتلال تونس من أيدي محتل منافس تركي.

ليبيا أولا، هذا ما نراه الآن، وتونس محطة تمركز دوائر العثماني ينطلق منها، لتكون ضحيته الأخيرة كجوهرة التاج. رئيس جمهوريتها، قيس سعيد،

يترك ملفه الأساسي، السياسة الخارجية لحركة تتباهى بتماهيها مع العثماني الجديد. يستقبل شيوخ قبائل ليبية محسوبين على “الكراجلة”، وسلطانهم رجب طيب أردوغان.

يُنشط اتفاق استيراد مدرعات من شركة بي.أم.سي التركية، التي تصنعها بالتعاون مع شركة هاتهوف الصهيونية، وهو من تمنى علنا لو كان يمكنه أداء القسم الدستوري أمام علم فلسطين كما علم وطنه تونس! تماما كما خطاب المنظومة العثمانية والإخوانية، ترفع قميص القدس وتتاجر بها.

وزعيم حركة إخوانية فرع لتنظيم دولي، حين يفشل في تشكيل الحكومة يهرع لسلطانه، مهدرا كل قواعد رجل الدولة سواء كشخصية عامة أو رئيس برلمان. وفي الذاكرة اتهامات بتجنيد حركته، الآلاف من التونسيين وتسفيرهم للقتال في سوريا، أولى نقاط اختراق العثماني للخريطة العربية.

تتفاوت تقديرات التوانسة الذين نجحت دائرة العثماني المحلية في تسفيرهم إلى أحضان داعش، تقول الحكومة أنهم 2929 مواطنا، بينما قدرهم مركز ”فيريل” الألماني للدراسات، في 11 ديسمبر 2017، بـ12 ألف و800.

أيا كان الرقم، فهو فارق بتناقضه مع التجربة العلمانية التي عرفتها تونس لعقود، وكاشف عن بيئة حاضنة وفارزة، تبجل وتحن لخلافة آل عثمان، ظهرت في نتائج الانتخابات كقطاع أكبر، وإن واجهتها وتحجمها، تدريجيا، قطاعات مدنية أكبر منها إن اجتمعت. لكنها تظل محاطة، ومتداخلة مع، ببيئات مجاورة مماثلة في الفرز الإرهابي بالجزائر وانتعاشه في مالي وبلاد الساحل الأفريقي، والأخطر في ليبيا حيث توجهت موجة العثمانية الجديدة الأولى لاختراق شمال أفريقيا، آلاف المرتزقة المجلوبين من شمال سوريا إلى طرابلس ومصراتة.

ذاكرة الدم التونسي في سوسة وباردو وبنقردان موصولة بجارتها، وبإرهابيين أخوة لآلاف يشحنهم أردوغان الآن، ممن تمرسوا على الدم في جارته سوريا. وإلى ليبيا تتابعت تقارير تهريب السلاح والمقاتلين عبر تونس، واتهامات وجهتها وسائل إعلام ونواب برلمان، مطالبين بتحقيق لم يتم.

وبالتوازي سياقات تعامل من الرئاستين القائمتين، الجمهورية والبرلمان، مع الملف الليبي تشي بتخندقهما مع أنقرة. من التحرك سرا ومفاجأة الرأي العام وتجاهل شركاء مفترضين في الوطن، إلى ترك دفة المواجهة الإعلامية للوكالة الرسمية لمرجعيتهم، الأناضول، حتى داخل قصر قرطاج. ربما لهذا السبب لم تُدعَ تونس إلا في الساعات الأخيرة لقمة برلين، وكأن حضور أردوغان يغني عنهما.

أجواء، هي تنويعة على ما حدث قبل 500 عام. وإذا كان مفهوما أن يحن التركي اللاجئ إلى دولته، فغير المفهوم أن يفعلها توانسة، إلا إذا كانوا “خوانجية”، فهم وحدهم، مثل “إخوانهم” في مصر وسوريا وليبيا.. إلخ، يقدمون الجماعة ووهم الخلافة العثمانية، على الوطن.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:



مقتل قيادي في الباسيج.. من هو؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

أعلنت وكالة أنباء "فارس" (شبه رسمية)، اليوم، مقتل عبد الحسين مجدمي، قائد مركز الباسيج التابع للحرس الثوري الإيراني، في مدينة دارخوين، الواقعة بمحافظة خوزستان جنوب غرب إيران.

وأكدت الوكالة؛ أنّ الهجوم شنّه "مجهولون ملثمون" على مجدمي داخل منزله، وأطلقوا عليه النار من سلاح "كلاشينكوف"، ما أدّى إلى مقتله على الفور.

من جهتها، لم تعلق السلطات الإيرانية على هذا الخبر حتى الآن.

عبد الحسين مجدمي قائد مركز الباسيج التابع للحرس الثوري في مدينة دارخوين الواقعة بمحافظة خوزستان

ومجدمي هو من الضباط المشاركين في عمليات قوات الحرس الثوري الإيراني في سوريا خلال الأعوام الماضية، ويتهمه ناشطون بالمشاركة في حملة قمع الاحتجاجات في إقليم الأحواز، في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، والتي راح ضحيتها أكثر من 200 متظاهر.

وشهدت أغلب مدن محافظة خوزستان، ذات الأغلبية العربية، احتجاجات شعبية واسعة خلال الفترة الماضية، رفضاً لقرارات اقتصادية وحينها تدخلت قوات "الباسيج" لقمع الاحتجاجات ما أدّى إلى سقوط ضحايا وجرحى.

مجدمي متهم بالمشاركة في حملة قمع الاحتجاجات في إقليم الأحواز والتي راح ضحيتها أكثر من 200 متظاهر

وتعدّ مدينة دارخوين مركز مقاطعة شادكان الواقعة في محافظة خوزستان، وتقع في منتصف الطريق الرابط بين الأحواز وعبادان، ويبلغ عدد سكانها قرابة 15 ألف نسمة.

ويأتي استهداف مجدمي بعد نحو أسبوعين من مقتل قاسم سليماني، قائد "فيلق القدس"، التابع للحرس الثوري، المصنَّف إرهابياً، و"أبو مهدي المهندس" القيادي في ميليشيا الحشد الشعبي وآخرين، في غارة أمريكية قرب مطار بغداد في العراق.

يذكر أنّ الباسيج هي قوة شبه عسكرية من المتطوعين، تسيطر عليها ميليشيا الحرس الثوري الإيراني.

 

 

 

للمشاركة:

بهذه الطريقة يضلّل حزب العدالة والتنمية الشعب التركي

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

قال رئيس حزب المستقبل في تركيا، أحمد داود أوغلو؛ إنّ حزب العدالة والتنمية الإسلامي يحاول التستر على الأزمة الاقتصادية عن طريق التلاعب بالأرقام، وفرض ضرائب مؤقتة، لعلاج العجز.

وأدلى رئيس الوزراء الأسبق، داود أوغلو، بتصريحات مثيرة لصحيفة "قرار"، قائلاً: “تخيلوا معي أنّ الطبيب يقوم بتعديل أرقام الفحوصات، ويبلغ المريض أنه بصحة جيدة، وعندما يبلغ المريضُ الطبيبَ أنه يموت، يجيبه بأنّ أرقام الفحوصات تشير إلى أنّ كلّ شيء على ما يرام، هذا ما تفعله الإدارة الاقتصادية في تركيا"، وفق ما أوردت صحيفة "زمان" التركية.

وأضاف داود أوغلو: "طُلب مني إجراء تغييرات في أرقام التضخم خلال فترة رئاستي للوزراء لكنني رفضت"، قائلاً: "إن أغلقنا أعيننا فإننا لن نستطيع رؤية الحقيقة.”

داود أوغلو: حكومة حزب العدالة والتنمية تحاول التستر على الأزمة الاقتصادية عن طريق التلاعب بالأرقام

وذكر داود أوغلو؛ أنّ الأول من كانون الثاني (يناير) عام 2016 شهد أعلى زيادة في الحد الأدنى للأجور في تاريخ تركيا، غير أنّ هذا لم ينعكس على معدلات التضخم، موضحاً: "خلقنا موارد وفقاً لهذا، السلطات الحالية تتلاعب بالأرقام ولا تكتفي بهذا بل تعمل على حصد الأموال باستصدار ضرائب مخصوصة لمرة واحدة، هذا يقضي على منهجية الموازنة، ولا أعتقد أنّ أحداً بالسلطة يرى الصورة الاقتصادية كاملة، فهم فقط يهتمون بكيفية إظهار المشهد اليومي بشكل جيد".

وأوضح داود أوغلو؛ أنّ وزارة المالية أعلنت أنّ هدفها تسجيل معدلات تضخّم أقل من 12٪؜، باعتبار أنّ ذلك إنجاز، بينما معدلات التضخم تبلغ 1.٧٪؜ في الدول المتقدمة، ومتوسط معدلات التضخم في الدول المشابهة لتركيا يبلغ 4.7٪؜، ما يعني أنّ معدلات التضخم في تركيا تبلغ أربعة أضعاف المقياس الدولي.

وأكّد أنّه ليس بالإمكان التوصل إلى حلّ لما يعانيه الاقتصاد التركي طالما أنّ الحكومة تتبع نهجاً غير واقعي، قائلاً: "لا يمكننا العيش في مكان منعزل عن النظام الدولي، إما سننغلق على العالم وإما سنعيش ضمن النظام الاقتصادي العالمي ونتحرك بما يتوافق مع هذا. اليوم الصين تتبع اتجاهاً ماركسياً ظاهرياً، لكنها تلعب ضمن موازين الاقتصادي العالمي، الصين تنفتح على العالم في الوقت الذي يعمل فيه أنصار (أوراسيا) على إغلاق تركيا على نفسها".

وسجلت موازنة الحكومة المركزية في تركيا عجزاً يزيد عن 123 مليار ليرة، خلال عام 2019، بنسبة زيادة 69.9% مقارنة بعام 2018.

وعلى وقع تراجع قيمة الليرة التركية منذ 2018، ارتفع معدل التضخم في تركيا، وسجل التضخم، خلال كانون الثاني (ديسمبر) الماضي، 11.84٪؜، بعد أن قفز مجدداً في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي إلى 10.56٪؜، قبل أن يسجل انخفاضاً كبيراً في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، عندما أصبح 9.26٪؜، بعد أن كان في شهر آب (أغسطس) الماضي 15.01%، وفي تموز (يوليو) 16.65%.

أردوغان يعاقب أوغلو على تأسيسه حزب “المستقبل” بفرض وصاية على جامعة "إسطنبول شهير" ووقف العلم والفن

إلى ذلك أصدرت حكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا قراراً بفرض الوصاية على وقف العلم والفنون، الذي أسسه رئيس الحكومة الأسبق.

وقد تأسس الوقف عام 1986، وضمّ صالة للعرض السينمائي، ويقدم ندوات في مجالات التاريخ والسينما وعلوم الاجتماع، ويدير جامعة "إسطنبول شهير"، ويعرف بقربه من داود أوغلو.

القائمون على إدارة الوقف، قالوا إنّهم فوجئوا بحضور 3 أشخاص من المديرية العامة للأوقاف، وأخبروهم بأنّهم عينوا وصاة على الوقف، مؤكدين أنّهم سيتقدمون بطعن على قرار الوصاية.

والشهر الماضي، تعرضت جامعة "إسطنبول شهير"، التابعة لـ "وقف العلم والفن"، للحجز عليها من قبل بنك (خلق)، ومن المنتظر نقل تبعيتها إلى جامعة مرمرة.

ويقول محللون إنّ استهداف جامعة "إسطنبول شهير"، ووقف العلم والفن، جاء عقاباً لداود أوغلو على تأسيسه حزب "المستقبل"، بعد انشقاقه عن حزب العدالة والتنمية الحاكم.

 

للمشاركة:

أمريكا تعترف بأول عملية قرصنة هجومية..

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

أعلن الجيش الأمريكي؛ أنّه "نجح" في تعطيل جهود دعائية إلكترونية لتنظيم داعش الإرهابي، في عملية قرصنة تعود إلى عام 2016، على الأقل، بحسب وثائق أمن قومي تمّ نزع السرية عنها، ونشرت الثلاثاء.

وكشفت الوثائق أنّ القيادة الأمريكية "اخترقت بنجاح نطاق المعلومات للتنظيم، وحدّت من جهوده الإلكترونية، التي يبذلهالإقناع أفراد بالتطرف وتجنيدهم"، وفق ما نقلت "فرانس برس".

وتقدم الوثائق، التي نشرها أرشيف الأمن القومي في جامعة جورج واشنطن، نظرة مفصلة على "عملية السيمفونية المتوهجة"، أول عملية قرصنة هجومية تعترف بها وزارة الدفاع.

وأشارت الوثائق إلى "تراجع كبير" في حملة التنظيم الإلكترونية، إلا أنّها أضافت أنّ جهود قيادة المعلوماتية عرقلتها العملية "الطويلة والصعبة" للمصادقة على عملياتها.

القيادة الأمريكية تعطّل جهود دعائية إلكترونية لتنظيم داعش الإرهابي في عملية قرصنة عام 2016

وطالبت الوثائق بتحسين الإجراءات "للمساعدة على تسريع الطلبات وعملية الموافقة".

وبحسب بيان من أرشيف الجامعة، فقد تمت الموافقة على عملية "السيمفونية المتوهجة"، لمدة 30 يوماً، أواخر 2016، ولكن تم تمديد العملية بموجب "رسالة إدارية".

وتمثل عملية القرصنة الردّ الأمريكي على المخاوف بشأن استخدام جماعات متطرفة وسائل التواصل الاجتماعي والخدمات الالكترونية للترويج لقضاياها وسعيها للدعاية للتجنيد ونشر التطرف.

بالإضافة إلى عمل واشنطن على استهداف العمل الإلكتروني للتنظيم الإرهابي؛ فقد تمكنت مؤخراً، وعلى الصعيد الميداني، في واحدة من أهم العمليات التي قامت بها القوات الأمريكية من تصفية زعيم داعش أبوبكر البغدادي، في 26 تشرين الأول (أكتوبر)، في محافظة إدلب، شمال غرب سوريا.

واكانت العملية من أشدّ الضربات التي استهدفت تنظيم داعش وبعثرت أوراقه، إلا التنظيم ما يزال ينشط في سوريا ومناطق عدة من العالم.

وعيّن أمير محمد عبد الرحمن المولى الصلبي، الملقب بأبو إبراهيم الهاشمي القرشي، زعيماً للتنظيم، خلفاً للبغدادي، وهو من كبار المنظرين العقائديين في داعش.

 

للمشاركة:



أهمية مؤتمر برلين

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

أحمد مصطفى
بغض النظر عن التفاصيل والتصريحات والتحليلات، فإن الناتج الأهم لمؤتمر برلين حول ليبيا هو «نهاية الصخيرات»، بكل ما يعنيه ذلك من تجاوز الترتيبات التي كانت عملت على أساسها الأمم المتحدة والأسرة الدولية للتوصل إلى تسوية سياسية في ليبيا. فقد جمع مؤتمر برلين، إلى جانب الأمم المتحدة، الأطراف الرئيسية في الإقليم والعالم المعنية بالوضع في ليبيا. وهذا يعني ببساطة أن الوضع القانوني لما يسمى حكومة الوفاق في طرابلس انتهى، ولا يمكنها الاستناد إلى أنها «المعترف بها دولياً».
ذلك السند الذي اعتمدته حكومة الميليشيات لشرعنة الدعم التركي للإرهاب بنقل إرهابيي «داعش» إلى ليبيا، وإمداد الميليشيات بالسلاح. وما تركيز المشاركين في المؤتمر على الصرامة في منع دعم الأطراف بالسلاح والحيلولة دون تحول ليبيا إلى ساحة إرهاب إلا رسالة موجهة لأردوغان، الذي حضر إلى برلين، ليسمع من الجميع أنه لن يسمح له بدعم الميليشيات.
أما ما لم يأتِ في البيان الختامي، فكان الرسالة الأوروبية لأردوغان بأن تهديده بإغراق أوروبا بالإرهابيين القادمين من ليبيا إذا لم تسر الأوضاع فيها كما يريد هو ومن يرعى الإخوان والإرهاب سيقابل بحزم.
وببساطة فشل ابتزاز أردوغان للأوروبيين مستغلاً اللاجئين، كما فعل بانتهازية في الأزمة السورية.
طبعاً لم يكن المؤتمر سوى خطوة أولى كما أعلنت مضيفته في المؤتمر الصحفي، ولم يكن أحد يتوقع من برلين أن تحل مشكلة ليبيا. لكن الأهم هو أن الوضع «الشاذ» الذي فرضته «الأسرة الدولية» بعد انتخابات 2014 التي خسرها الإخوان وميليشياتهم انتهى. ويبقى متروكاً للقوى على الأرض أن تنهي وجود الميليشيات بغض النظر عن المسار السياسي الذي ستتولاه الأمم المتحدة.
ولا يقتصر ذلك على الميليشيات في طرابلس ومصراته التي تنضوي تحت لواء الإخوان، وإنما يشمل أيضاً عصابات تهريب البشر التي تستبيح سواحل طرابلس، وأثرى من ورائها رموز الحكم في طرابلس. وذلك أيضاً بيد القوى على الأرض، وإن كان من غير المتوقع أن يدعم الأوروبيون الجيش الوطني في هذه المهمة، فالأغلب أنهم يدركون الآن من يهدد أمنهم ومن يمكن أن يبعد الخطر الليبي بالقضاء على الميليشيات والعصابات.
التأكيد على وقف إطلاق النار وأن الحل السياسي هو السبيل الوحيد أمر طبيعي، يعني أن لا حل لأي صراع إلا بتسوية سياسية، لكن تسوية على أي أساس؟ وهل وقف إطلاق النار سيضمن نزع سلاح الميليشيات، تحديداً في طرابلس ومصراتة؟ فليأخذ مسار برلين مداه، وليرسخ لما بعد الصخيرات، فهذا في حد ذاته تراجع من «الأسرة» الدولية عن موقف سابق يرى ضرورة أن يكون للإخوان والإرهابيين والعصابات دور في حكم ليبيا.
وإذا لم يؤدِ المسار إلى تقليل خطر ليبيا، وخاصة على جيرانها المباشرين كمصر والجزائر وتونس وعلى بقية المنطقة من كينيا إلى بوركينا فاسو، فلن يكون أمام تلك الأطراف التي يهدد خطر ليبيا أمنها القومي مباشرة إلا أن تتصرف بما يحمي مصالحها. وسيكون على أوروبا عندها أن تختار بين من يهددها بالإرهابيين من ليبيا، ومن يسعى لإنهاء وجود الإرهاب في ليبيا.
حسناً فعل المجتمعون في برلين بتجاهل دعوة رئيس الوزراء البريطاني بإرسال قوات إلى ليبيا لمراقبة وقف إطلاق النار، فذلك يعقد الأمور أكثر. إذ كيف لمن يطالبون بصرامة حظر السلاح ومنع إرسال القوات أن يرسلوا قواتهم إلى هناك، حتى لو كانت تحت غطاء الأمم المتحدة؟
هل يعني مؤتمر برلين أن القوى الرئيسية في حلف الناتو التي قضت على نظام القذافي انتبهت لتبعات ما فعلت، وستعمل على تفادي تبعاته السلبية على المنطقة وعليها؟ الأرجح ليس الأمر كذلك، بل هو أقرب للغزو الأمريكي / البريطاني للعراق في 2003، والذي لم يكن هناك استراتيجية بعده لمنع العراق من التحول إلى ساحة للصراع، واستمرار تمزقه وتدهوره وغرقه في الدماء والفساد والدمار.
لا يعول كثيراً إذاً على هذا المسار إلا بقدر ما «يساعد» كعامل محفز على فرملة تحول ليبيا إلى بؤرة إرهابية جديدة أخطر مما أدى إلى بروز «داعش» في العراق وسوريا. وتبقى أهمية برلين أنها أنهت الصخيرات، لكن جذر الخطر هو مسؤولية الليبيين أنفسهم والأطراف المعنية مباشرة بخطر «دولة إرهابية» في ليبيا أي جيرانها المباشرين. وعلى هؤلاء الآن التمسك أكثر بدعم الجيش الوطني الليبي، حتى في مسار مفاوضات الأمم المتحدة وكل ترتيبات اتفاق وقف إطلاق النار التي ستلي برلين.

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:

بالأرقام... معاناة الصحفيين تحت حكم أردوغان

2020-01-22

ترجمة: محمد الدخاخني


في كانون الثّاني (يناير) 1961، دخل القانون الذي ينظّم حقوق الصحفيين حيّز التّنفيذ في تركيا. ومنذ ذلك الحين، استخدمت البلاد شهر كانون الثّاني (يناير) للاحتفال بالصحافة وحرية تداول المعلومات، وكذلك لتكريم المراسلين الذين أُصيبوا أو قُتلوا أثناء أداء واجبهم.

تمتلك شركات كبرى متزايدة الحجم أصحابها غالباً حلفاء لحزب العدالة والتّنمية الحاكم العديد من وسائل الإعلام الرّئيسة في تركيا

الرّئيس رجب طيّب أردوغان احتفل بالذّكرى السّنويّة ليوم الصحفيين العاملين في تركيا، يوم الجمعة، قائلاً إنّه من الضّروريّ أن تكون الصّحافة حرّة وغير مكمّمة خلال نقلها للوقائع. وصرّح في بيان صدر يوم الخميس: "إنّ وجود وسائل إعلام متعدّدة الأغراض وفعّالة وقادرة على إعلام الجمهور دون التّعرّض لأيّ قيود، شرط لا غنى عنه لمجتمع ديمقراطيّ وشفّاف".
هذا البيان من المرجّح أن يكون غير مقنع للصحافيين الأتراك الذين واجهوا حملة أردوغان على وسائل الإعلام منذ محاولة الانقلاب التي وقعت في تمّوز (يوليو) 2016. فقد تآكلت حرية الصحافة في ظلّ حكم الرّئيس، مع زيادة الضّغط الحكوميّ ومشهد إعلاميّ أقلّ تنوّعاً فأقلّ. ووفقاً لجمعيّة الدّراسات القانونيّة والإعلاميّة في تركيا، هناك حوالي 11,000 صحافيّ عاطل عن العمل، و114 قيد الاحتجاز، و1,500 يواجهون المحاكمة.

مناخ خانق

من الصّعب على الصحفيين في تركيا الكتابة عن قضايا مثل؛ الفساد أو نزاع الحكومة مع الأكراد، كما يقول جلال باسلانغيتش من قناة "آرتي تي في"، وهي محطّة بثّ مستقلّة مقرّها ألمانيا. وكما يضيف، "الأهم هو مقاومة الحرب والنّضال من أجل السّلام. لكن، في الوقت الحاليّ في ذلك البلد، أولئك الّذين يريدون السّلام يُعاملون معاملة الإرهابيّين".

اقرأ أيضاً: تركيا تواصل قمع الحريات تحت هذه الذريعة
أيدين إنجين، وهو كاتب عمود في جريدة "جمهوريّت" اليوميّة، يمتلك رأياً مماثلاً. يقول إنّ وسائل الإعلام لم تكن حرّة منذ الاستفتاء الدّستوريّ عام 2017، الّذي أبطل صلاحيّات مكتب رئيس الوزراء وركّز السّلطة في الرّئاسة بدلاً من البرلمان. وبالكاد توجد وسيلة إعلاميّة حرّة والمناخ العامّ خانق، كما يضيف.
ووفقاً للإحصاءات الرّسميّة، فإنّ واحداً من كلّ أربعة صحفيّين في تركيا عاطل عن العمل. وجرى إغلاق العديد من وسائل الإعلام بعد محاولة الانقلاب. وفي عام 2018، بعد العاملين الاجتماعيّين، كان الصّحفيّون هم الأكثر تأثّراً بالبطالة، وفقاً للمعهد الإحصائيّ التّركيّ.

في عام 2019 صنّفت منظّمة "مراسلون بلا حدود" تركيا في المرتبة 157 ضمن مؤشرها لحرية الصحافة العالمية

وقد تفاقم الوضع بسبب ضعف النّقابات العماليّة. ففي عام واحد فقط، ارتفعت نسبة الصّحفيّين العاطلين عن العمل بـ 4.7 نقطة مئويّة، لتصل إلى 23.8 في المائة. وفي عام 2019، صنّفت منظّمة "مراسلون بلا حدود" تركيا في المرتبة 157 ضمن مؤشّرها لحرّيّة الصّحافة العالميّة. "لقد وصلت سياسة مطاردة السّاحرات الّتي شنّتها حكومة الرّئيس رجب طيّب أردوغان ضدّ منتقديها في مجال الإعلام إلى ذروتها منذ الانقلاب الفاشل في تمّوز (يوليو) 2016. وبعد القضاء على العشرات من وسائل الإعلام والاستحواذ على أكبر مجموعة إعلاميّة في تركيا على يد شركة موالية للحكومة، تشدّ السّلطات الخناق على القليل المتبقّي من التّعدديّة - الحفنة القليلة من وسائل الإعلام الّتي تتعرّض للمضايقة والتّهميش. إنّ تركيا هي أكبر سجّان للصّحفيّين الاحترافيّين في العالم".

تحت سيطرة الحكومة

تمتلك شركات كبرى متزايدة الحجم، أصحابها غالباً حلفاء لحزب العدالة والتّنمية الحاكم وأقارب لقادته، العديد من وسائل الإعلام الرّئيسة في تركيا.

اقرأ أيضاً: الحريات في تركيا.. إلى أين؟!
وليس الضّغط على الصّحافيّين في تركيا بالأمر الجديد. فمنذ فترة طويلة تخضع وسائل الإعلام الكرديّة للرّقابة والإغلاق. تقول صفيّة ألاغاس، وهي صحافيّة كرديّة، إنّ ضغوط الحكومة أضرّت بالعلاقات المهنيّة. "في عامي 2010 و2011، كان الصّحفيّون ما يزالون يقفون جنباً إلى جنب"، تقول. "الآن، هناك استقطاب خطير... وهذا يجعلني حزينة جدّاً، حيث أودّ مزيداً من التّضامن".
من جانبه، بدا أردوغان أقلّ حزناً في بيانه بمناسبة يوم الصّحفيّين العاملين. "لقد مرّت بلادنا بفترات توقّفت فيها ديمقراطيّتنا ووضعت عقبات في طريق التّنمية"، يقول. "واستغرقت الصّحافة ومجتمعنا وقتاً طويلاً للتّغلب على الآثار السّلبيّة لهذه الفترة. وفي ضوء الدّروس الّتي تمّ تعلّمها من المشكلات الّتي واجهتها، فإنّني أعتقد أنّ وسائل الإعلام في بلدنا سوف تأخذ بعين الاعتبار حساسيات المجتمع، وتمنع قوى الظّلام من تحقيق أهدافها، ولن تحترم منظور الوصاية الّذي يتجاهل إرادة الأمّة، وتفي بواجب إعلام مواطنينا بدقّة ونزاهة".


بيلين أنكر ودانيل بيلوت، دويتشه فيله

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:
https://www.dw.com/en/tough-times-for-journalism-in-recep-tayyip-erdogan...

للمشاركة:

ليبيا.. والحل المحتمل

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

أحمد الحوسني

أنهى مؤتمر برلين حول الأزمة في ليبيا أعماله مساء الأحد 19 يناير الجاري، وطالب المجتمعون فيه أطراف الصراع بالالتزام بحظر تصدير السلاح إلى ليبيا، وبالعمل على الوصول إلى تسوية سياسية للأزمة القائمة.
وقد عكست نوعية الحاضرين لمؤتمر برلين، ومستوى الحضور، مدى الأهمية التي يوليها العالم (وخاصة أوروبا) للموضوع الليبي، إذ ضمت قائمة الحضور قادةً ومسؤولين سامين من كل من فرنسا وإيطاليا وروسيا والإمارات ومصر والجزائر وتركيا، بالإضافة إلى ممثلة الاتحاد الأوربي ومبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا.
ولم يكن متوقعاً من مؤتمر برلين يأتي بالحل الكامل للأزمة الليبية، لكنه مثّل بداية جيدة لذلك الحل. وكان الهدف الأساسي من المؤتمر هو التعامل مع مواقف الدول الإقليمية الداعمة لطرفي النزاع في ليبيا، وليس التعامل مع مواقف طرفي النزاع، للخروج بضمانات لتفعيل اتفاقية حظر بيع السلاح للأطراف المتنازعة هناك، في ظل التدخلات الخارجية والانقسامات المؤسسية وانتشار السلاح دون رقابة واستمرار اقتصاد السلب والنهب.. مما يمثل تهديداً للسلام والأمن الدوليين، حيث يوفر كل ذلك تربة خصبة للمهربين وللجماعات المسلحة والمنظمات الإرهابية، الأمر الذي سمح بالفعل لتنظيمي «القاعدة» و«داعش» بالتواجد في الأراضي الليبية وتنفيذ عمليات داخلها وفي عدد من دول الجوار. إن حالة الفوضى التي حوّلت ليبيا إلى دولة فاشلة، جعلت منها بؤرة صراع تهدد الحدود الجنوبية لأوروبا على الضفة الأخرى للبحر الأبيض المتوسط.
وكان قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر قد غادر موسكو، الأسبوع الماضي، دون التوقيع على مشروع وثيقة تحدد شروط الهدنة في ليبيا تحت رعاية روسية تركية، مشترطاً تسليم المليشيات المسلحة في طرابلس أسلحتها إلى جيش الوطني الليبي، ومبيدياً حذره من إعطاء أي شرعية للوجود التركي في ليبيا الداعم لحكومة السراج بالسلاح والمقاتلين الأجانب، خاصة بعد ما تأكد أن تركيا تنقل عناصر سورية إلى ليبيا للقتال فيها.
ولا شك أن تفكُّك الدولة الليبية سيضعف الرقابة على حدودها وسيتيح لعصابات الإرهاب والتهريب حرية الحركة واستخدام سواحلها الممتدة على البحر المتوسط بطول 1850 كيلومتراً، مما يقلق دول الجوار ويهدد أمن البلدان الأوروبية القريبة، خصوصاً إيطاليا ذات الخاصرة الرخوة. وقد أظهرت السنوات القليلة الماضية أن السواحل الليبية هي البوابة الثانية التي يعبرها المهاجرون الأفارقة. وهكذا يصبح استقرار ليبيا حاجة ليبية وإقليمية ودولية لا تسمح بترك البلاد للانزلاق نحو وضع يشبه وضع الساحة السورية.
لقد وضع مؤتمر برلين أُسساً لحل ممكن بتعاضد المجتمع الدولي وإبعاد التفرد التركي بليبيا، حيث يطمح أردوغان لجبر انكساراته في سوريا وتعويض خسائره في الداخل التركي نفسه. ومن الواضح أنه لم يحقق بغيته في نتائج مؤتمر برلين، حيث ستتم مراقبة التحرك التركي باتجاه ليبيا عن كثب من قبل الدول المعنية بالمتابعة. وقد أعلنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل نجاح مؤتمر برلين، وأشادت في معرض حديثها حول مواقف الإمارات ومصر وروسيا بإسهام هذه الدول «في توحيد موقف أوروبا من ليبيا».
وعلى الهامش، نقول إن القضايا التي تتولاها الأمم المتحدة، تصبح رهينة لمصالح الدول الكبرى الأعضاء في مجلس الأمن الدولي، فتتداخل حساباتها مع مصالح الدول المعنية بالحل، وخاصة في بلد مثل ليبيا حيث المساحة الكبيرة والموقع الاستراتيجي على الأبيض المتوسط وما تختزنه أراضيها من طاقة (النفط والغاز)، ليتم تدوير زوايا المشكلة، فيطول الحل!

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية