رحيل تيريز هلسة التي أطلقت النار على نتنياهو واختطفت طائرة بلجيكية

فلسطين

رحيل تيريز هلسة التي أطلقت النار على نتنياهو واختطفت طائرة بلجيكية


29/03/2020

يتدثّر السبعيني عبد القادر المحاميد بأغطية عدة، فيما هومستلقٍ في بيته في جبل الجوفة، في عمّان، ويشير بيديه، اللتين تفترشهما القروح، لصورة الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، المعلّقة على الجدار قبالته، ليبدأ حديثاً غير مفهوم الملامح يراوح بين الهمهمات والهتافات. تربّت تيريز هلسة على يديه وتريحهما إلى جانبه، وتلتفت شارحة: "يتحدث عن القِتال في بيروت، كان مقاتلاً في الصفوف الأولى للثورة الفلسطينية".

اقرأ أيضاً: المناضلة جميلة بوحيرد نجمة مهرجان أسوان لسينما المرأة
من جبل الجوفة إلى جبل الحسين، تمضي هلسة لتتفقد إبراهيم سلامة، الذي يرقد على أحد أسرّة مشفى جيش التحرير الفلسطيني، منذ ما يقارب ثلاثة عقود، بعد أن أصيب بالشلل الرباعي جرّاء إطلاق رصاص تعرّض له في لبنان، حين التحق بالثورة فدائياً، مودّعاً عائلته الفلسطينية في الكويت.

رحلت تيريز هلسة أمس السبت في عمّان، 28 آذار (مارس) 2020
رحلَ عبد القادر المحاميد، ورحلَ إبراهيم سلامة، قبل بضعة أعوام، ورحلت تيريز هلسة أمس السبت في عمّان، 28 آذار (مارس) 2020.
لم يكن المحاميد وسلامة الوحيدَين اللذين تتفقدهما هلسة شهرياً، لتأمين احتياجاتهما كمقاتليْن سابقيْن في صفوف الثورة الفلسطينية؛ إذ كانت تشغل منصب رئيسة جرحى فلسطين في الأردن والشتات، تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، التي انتظمت فيها فدائية، عام 1972، حين اختطفت طائرة سابينا البلجيكية، ذات رأس المال الإسرائيلي، برفقة ريما طنوس والشهيدَين؛ علي طه وزكريا الأطرش، ولتلقى حُكمين ونيفاً بالمؤبد في سجون الاحتلال الإسرائيلي، قضت منها عشرة أعوام تلتها الحرية، خلال صفقة النورس لتبادل الأسرى عام 1983.

كانت طائرة شركة "سابينا" البلجيكية في مطار بروكسل، على متنها 140 إسرائيلياً، وجرى اختطافها للمطالبة بإجراء تبادل لتحرير أسرى

كانت الطائرة التابعة لشركة "سابينا" البلجيكية في مطار بروكسل، على متنها 140 إسرائيلياً، وجرى اختطافها للمطالبة بإجراء تبادل لتحرير أسرى أردنيين وفلسطينيين لدى الاحتلال.
وحين بدا أنّ العملية قد فشلت، كما تذكر تقارير إخبارية، رفضت تيريزا ورفاقها الاستسلام حينما هاجمت الطائرة فرقة خاصة من القوات الإسرائيلية تنكرت بهيئة أفراد من الصليب الأحمر الدولي، وكان بينهم رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو.
وأثناء الاشتباك أطلقت تيريزا النار على نتنياهو فأصابته في كتفه، قبل أن تقع في الأسر عقب إصابتها، وفق مواقع إخبارية ووكالات أنباء.
أثناء الاشتباك أطلقت تيريزا النار على نتنياهو فأصابته في كتفه

في مقرّ منظمة التحرير في جبل الحسين
كانت هلسة، الأم لثلاثة أبناء، تبرع في التحليل النفسي؛ إذ يكفي أن تزورها في مكتبها، الذي يتسع بالكاد لاثنين معاً، في دائرة شؤون الوطن المحتل (منظمة التحرير الفلسطينية في جبل الحسين)، لتشهد تحليلها كلّ كلمة تتناهى لسمعها من الغرفة المجاورة.

محمد يوسف لـ"حفريات": تطوّعت تيريز هلسة لعمل نبيل، وهو تولّي مسؤولة ملف جرحى الثورة الفلسطينية في الأردن

لم تكن تلك الغرفة المجاورة عادية؛ إذ كانت تغصّ، يومياً، بثلّة من الفدائيين القدامى الذين يستحضرون الثورة الفلسطينية وزمن الكفاح المسلح.
كانت تقول إنّهم ما يزالون في حالة إنكار، ولم يهضموا بعد فكرة أنّ سامر الثورة قد انفضّ، وأنّ قعقعة السلاح التي كانوا يغرقون بها ولّت إلى غير رجعة؛ لذا، بقيت هلسة تصرّ، حتى ما قبل رحيلها بعامين تقريباً، على إبقاء هذه الغرفة مشرعة للفدائيين، قائلة: "لا ملاذ لهم ليتحدثوا عن تلك الحقبة إلا في مقر منظمة التحرير الفلسطينية، التي سعت مراراً لإغلاق دائرة شؤون الوطن المحتل في عمّان؛ تقليصاً للنفقات".
يعلّق أمين سر أقاليم فتح في الضفة الغربية، محمد يوسف، على تلك الجزئية، قائلاً: "تطوّعت تيريز هلسة لعمل نبيل، وهو تولّي مسؤولة ملف جرحى الثورة الفلسطينية في الأردن؛ جابت البلاد طولاً وعرضاً لجمع المساعدات وتقديم العون لمن تقطّعت بهم السبل، من قدامى المناضلين والجرحى والأسرى المحرّرين".

اقرأ أيضاً: عائلة فلسطينية تعيش في قفص مستوطنة إسرئيلية بالقدس
يكمل: "كانت تقوم بهذا برفقة زميلها الأسير المحرّر، نسيم عبد الجليل، الذي اشترى السيارة التي تقلّهما من ثمن ذهب والدته، وقبل مدة، وجدت تيريز وزميلها نفسيهما في مأزق حين هُدِمَت بناية دائرة شؤن الوطن المحتل في جبل الحسين"، مردفاً: "كان يمكن أن يصبحا في الشارع، لولا أن تبرّعت لهما إحدى النساء الخيّرات بأجرة عام، فاستأجرا مكاناً جديداً في جبل الحسين".

رائدة طه: "الأم تيريزا"
رائدة طه، ابنة الشهيد علي طه، المشارك الرئيس في عملية اختطاف الطائرة، والذي قضى برصاص الجيش الإسرائيلي المتنكّر بأزياء الصليب الأحمر، بعد أن طلب علي منهم تأمين الركّاب بالطعام، تقول: "كنت في صدد اكتشاف المزيد عن والدي، الذي رحل ولمّا يتجاوز عمري ثمانية أعوام، فقابلت تيريز هلسة، للمرة الأولى، حين كنت في منتصف العشرينيات، انهرت تماماً حين رأيتها".

اقرأ أيضاً: أول محجبة في الكنيست الإسرائيلي لـ "حفريات": أعتز بردائي وهويتي الفلسطينية
تكمل طه؛ بأنها عاجَلَت تيريز هلسة بسؤال: "ليش تركنا؟"، في إشارة لوالدها الذي خلّف وراءه أرملة لم تتجاوز حينها سبعة وعشرين عاماً وأربع بنات، أكبرهن تبلغ ثمانية أعوام وأصغرهن ثمانية أشهر، لتجيبها: "أعرفكن وأعرف قصصكن منه، لم يذهب والدكن ليمُت، بل ذهبَ ليرجع، كان يضحك دائماً حين يتحدث عنكن".
تشعر طه، أمام رحيل تيريز هلسة، بأنّ الخسارة باتت كاملة الآن؛ إذ كانت آخر عضو باقٍ في المجموعة التي قامت بالعملية الفدائية، تقول: "سأبقى أسمّيها، كما سمّيتها منذ عرفتها: الأم تيريزا".
مشهدان لتيريز في ذاكرة عدوان
حالة من الغضب اعترت رامي عدوان، نجل الشهيد كمال عدوان، الذي اغتيل في عملية الفردان، عام 1973؛ حين شهِدَ من يُجادِل في مدى ملاءمة العملية الفدائية، التي قامت بها تيريز هلسة ورفاقها، لمعايير عام 2020.
يقول: "تسمو تيريز هلسة ودلال المغربي وسميحة الخليل وكلّ الفدائيات الفلسطينيات، والفدائيين الفلسطينيين، فوق أي اعتبار، سواء اتفقنا مع التكنيك المتبّع في حينها أم لا؛ فجميع الفدائيات والفدائيين فوق التنظير، وفي مرتبة أسمى من تطارح الآراء حول مدى تساوُق عملياتهم مع معايير الزمن الحالي".


يستذكر عدوان الراحلة، المولودة في عكّا عام 1954، لأب كركيّ وأم من قرية الرامة الفلسطينية، بمشهدين:
يقول: "كنت صغيراً، لا أذكر عمري تحديداً، لكني أذكر جيداً تلك الجرائد التي نحتفظ بها؛ لما فيها من نعي لوالدي ولاحقاً إحياءً لذكراه، أذكر جيداً صورة تيريز في إحداها، ضمن مشهد من المحاكمة، كانت مزيجاً من الغضب والجمال والكبرياء".

اقرأ أيضاً: الفلسطينيون يتحدون تهويد مقدساتهم بـ "الفجر العظيم"
يتحدث عدوان عن لقائه للمرة الأولى بتيريز، قائلاً: "كان في أحد اجتماعات المجلس الوطني الفلسطيني، عام 2001، في عمّان، لم أعرفها في البدء، حين لمحتها إلى جانبي، وحين تحقّقت من هويتها، عادت بي الذاكرة لمشهدها في تلك الجرائد التي لدينا، ولم أعرف وقتذاك كيف بوسعي الاحتفاء بها".
أبو شرار: عملية تغييب جرت للكوادر الفدائية
سماء أبو شرار، ابنة الشهيد ماجد أبو شرار، الذي قضى اغتيالاً في روما، عام 1981، تشعر بالحنق، كذلك، من الجدليات المثارة حول مدى ملاءمة أنماط في العمل الفدائي لمعايير الوقت الحالي، تقول: "مقاومة الاحتلال مشروعة بالوسائل كافة، وهذا عُرف دولي وإنساني وتاريخي لا يمكن لأحد الجدال حوله"، مردفة: "حين تخلّينا عن الكفاح المسلّح وتبرّأنا منه حتى على صعيد القول بدأت هزيمتنا الحقيقية، وباتت فلسطين أبعد من أي وقت مضى".
ترى أبو شرار؛ أنّ "عملية تغييب" قد جرت للكوادر الفدائية والقيادات التي رافقت الثورة الفلسطينية؛ "ذلك أنّ استذكار هذه المرحلة المشرقة في القضية الفلسطينية من شأنه تعرية التيار المقابل، فلسطينياً وعربياً ودولياً، فمجرد الاستذكار يكشف عورات هؤلاء".

الصفحة الرئيسية