هجوم الإسكندرية: التكفير والتفجير.. تكتيك إخواني ثابت

هجوم الإسكندرية: التكفير والتفجير.. تكتيك إخواني ثابت


26/03/2018

إن الصورة التي استطعنا تركيبها حول جماعة "الإخوان المسلمين"، منذ تأسيسها على يد مرشدها الأول حسن البنا، تلتقي عند كون هذا التنظيم الباطني كان المفرخة التي خرج منها "مارد" جماعات التكفير والهجرة والقاعدة وبوكو حرام وداعش. غير أنّ سياقات البحث والتحليل تُفيد بأنّ جماعة الإخوان "الإرهابية"، لم تكن فقط، المفرخة التي أنجبت قيادات إرهابية من الصف الأول؛ بل اعتُبرت، أيضاً، المفرخة التي أصّلت للتفجير والقتل والاغتيال. ولعلّ الشهادات، التي سنأتي على ذكرها، ترقى إلى مستوى القرائن القوية التي تقطع بأن التنظيم الإخواني هو أول تنظيم "ديني/سياسي" لجأ إلى التفجير والاغتيال من أجل حسم الخلافات السياسية والفكرية مع الآخر، كيفما كان موقعه أو انتماؤه أو ديانته.  

الإخوان أول تنظيم ديني سياسي لجأ إلى التفجير والاغتيال من أجل حسم الخلافات السياسية والفكرية مع الآخر

إنّ الإرهاب والتطرف الديني، كما يقول، طلعت الطرابيشي، أحد الباحثين في شؤون الحركة هو "صناعة أصيلة لها ماركة مسجلة وملكية فكرية، وبراءة اختراع رغم تغير الظروف والأزمان...وتحت ستار الدين تُقنن الفِتن، وجميع الموبقات لنفسها ولأنصارها، وتزينها لغيرها، فالحرام في شرعها حلال، والحلال حرام، والكذب مباح، والرجوع عن الحق فضيلة، وسفك الدماء وسيلة، ومن أجل الغرض والسلطة، تستحل الأموال والأعراض".

في هذا السياق، سنعمل على إحالة القارئ على كتابات قيادات إخوانية من الصف الأول، كان لها الدور الكبير في صناعة الأحداث والمشاركة فيها، وذلك تجنباً لحديث المزايدة والتظني واعتماد منطق العلم والتحقيق والبحث الدقيق.

عشماوي: درس الإخوان جميع التنظيمات العالمية حين حاولوا بناء النظام الخاص، وقد تأثروا جداً بالفكر الباطني في التاريخ الإسلامي

على هذا المستوى من التحليل، يقول علي عشماوي، مؤسس تنظيم 1965 أو ما عرف إعلامياً بـ "تنظيم سيد قطب"، في كتابه "التاريخ السري لجماعة الإخوان المسلمين": "لقد درس الإخوان جميع التنظيمات العالمية حين حاولوا بناء النظام الخاص، وقد تأثروا جداً بالفكر الباطني في التاريخ الإسلامي؛ حيث كانت التنظيمات العباسية والعلوية والشيعية، وما صاحبها من فرق سريّة، مصدراً أساسيّاً تم الرجوع إليه ودراسته والاستنارة بالأفكار الحركية في كل تنظيم على حدة، وفيها أيضاً كانت هناك وقفة شديدة أمام فرقة الحشاشين أتباع حسن الصباح، وكان الانبهار من وصولهم إلى حد الإعجاز في تنفيذ آليات السمع والطاعة، وكيف كان الأفراد يسمعون ويطيعون حتى لو طلب منهم قتل أنفسهم" (ص 8)

ولعل من أبرز أقطاب التيار الإخواني الذي وصفهم بهذا الوصف هو سيد قطب نفسه، أيام كان ما يزال لصيقاً بالكتابة الأدبية والنقدية وخصماً لدوداً للإخوان سنوات الأربعينيات. وهنا يروي المستشار الدمرداش العقالي، القيادي الإخواني والزوج السابق للدكتورة آمنة نصير والتي خالها ليس سوى سيد قطب مباشرة، في مذكراته، أنه عندما كانوا يلتقون بسيد قطب يقول لهم بأن أفكاركم منحرفة وأفكار حسن البنا منحرفة و"جماعتكم تشبه جماعة الحشاشين التي أنشأها حسن الصباح".

العبوات الناسفة: بدعة إخوانية خالصة

في نفس سياقات الإحالة والسرد، يروي صلاح شادي، رئيس قسم الوحدات في التنظيم الخاص للإخوان المسلمين، في كتابه "صفحات من التاريخ: حصاد العمر"، تفاصيل إحدى العمليات الإرهابية التي قام بها الإخوان والتي استهدفت فندق الملك جورج بالإسماعيلية، فيقول: "أُمرنا داخل قسم الوحدات بالقيام بعملية إرهاب في داخل فندق الملك جورج، بإشعال عبوة ناسفة...وكلفنا الأخ رفعت النجار من سلاح الطيران بالقيام بهذه المهمة، بأن يحمل دوسيهاً به مادة ناسفة، ويشعلها ثم يتركها في ردهة الفندق...وجرى التنفيذ على أحسن وجه، ولكن ظهر للأخ رفعت عند مغادرته المكان أحد رجال المخابرات من الإنجليز الذي اقترب من المكان، ولكن الأخ ظل ممسكاً بالدوسيه حتى انفجر فيه ومات متأثراً بجراحه". (ص 43)

أعلنت جماعة الإخوان نفسها "جماعة المسلمين" والخارج عنها كافر حلال الدم والعرض والمال

لقد أعلنت جماعة الإخوان نفسها "جماعة المسلمين" والخارج عنها كافر حلال الدم والعرض والمال. ويشير علي عشماوي إلى ظروف تحول الإخوان من جماعة "جهادية" إلى جماعة "تكفيرية" فيقول: "حدثَ الإعلان عن التفكير وهم في سجن الواحات، فقد وقف الشيخ أحمد شريف، وقد كان عضو مكتب إرشاد ورئيس المكتب الإداري لأسيوط، حيث وقف يخطب الجمعة وقال: "نحن جماعة المسلمين، فمن خرج علينا فقد خلع طريقة الإسلام من عنقه". (ص 32)

ويخلص علي عشماوي إلى القول بأنّ جماعة الإخوان المسلمين: "تتحمل المسؤولية عن جميع أعمال العنف باسم الدين التي تحدث في أي مكان في العالم الإسلامي وبجميع صوره وأشكاله، والحقيقة أني (الكلام دائماً لعلي عشماوي) حين قلت إن جماعات الإرهاب خرجت من عباءة الإخوان فإني  لم أجانب الحقيقة ولكنني أعود وأكرر أن جماعات العنف باسم الدين لم تخرج من عباءتهم أفراداً، فقد خرجت من عباءتهم فكراً واعتقاداً، وهذا أخطر بكثير وأشمل من مجرد أفراد؛ لأن التفريخ مستمر، مادام هذا الفكر المتمكن والمتماسك والبراق فى أعين الشباب موجوداً، بل ويتمدد باستمرار (التاريخ السري ص 61)

الحزام الناسف: ماركة إخوانية مسجلة

قد يعتقد المتابع لظاهرة التنظيمات الإرهابية، أن العمليات التي تقوم بها هذه الأخيرة، هي من صميم التكتيكات المُبتَدَعة من طرفها. غير أن البحث في المخلفات الإرهابية لجماعة الإخوان، يفيد بأن أول من ابتكر هذه الطريقة في القتل والإرهاب هي جماعة حسن البنا. وهنا يقول علي عشماوي: "الحزام الناسف والذى ابتكره الإخوان عام 1954 لقتل عبدالناصر، وكان أول من تطوع لاستعماله هو الأخ محمد نصيري، وهذا الأسلوب هو الذي تطور بعد ذلك ليصبح القنابل البشرية، والمنتحرين والأجسام المفخخة وهكذا فإن الإخوان مسؤولون عن هذا الفعل وعن كل من استعمله وقتل الناس عن طريقه". (ص 63)

البحث في المخلفات الإرهابية لجماعة الإخوان، يفيد بأن أول من ابتكر هذه الطريقة في القتل والإرهاب هي جماعة حسن البنا

السيارات المفخخة

يرتفع مؤشر المفاجأة عند المتلقي، ويرحل في عوالم الدهشة والذهول الفكري، حين تختلط عليه المفاهيم، ويكتشف الجانب المظلم والحالك من تاريخ هذا التنظيم الباطني الخطير. حيث إن أسلوب الاغتيال وإثارة الرعب ونشر الإرهاب عن طريق استعمال السيارات المفخخة، لم يكن غريباً على تنظيم مثل تنظيم "الإخوان المسلمين". وهنا يروي محمود الصباغ في كتابه "حقيقة التنظيم الخاص" بفخر كبير حول هذا النوع من العمليات، فيقول: "وقد رتب النظام (يقصد النظام الخاص) القيام بعمليات كانت أكبرها نسف شركة الإعلانات الشرقية "بسيارة ملغومة" قادها إلى الموقع المختار الأخ الشهيد علي الخولي، وكان هذا الحادث من أكبر حوادث النسف التي شهدتها القاهرة...ولم يُقبض على الأخ علي الخولي الذي ترك السيارة وغادر الموقع في أمان تام، وحدث الانفجار بعد أن ابتعد تماما عن آثاره". (ص 154).

أسلوب السيارات المفخخة ابتكره أحد أقسام الإخوان وهو قسم الوحدات الذى يشرف عليه صلاح شادي

ويضيف الصباغ في موقع آخر: "وكذلك وقع حادث شركة أراضي الدلتا وقُيدت جميعها ضد مجهول وكان الفرق بين هاتين الحادثتين وحادث شركة الإعلانات الشرقية هي استخدام ترسيكل بدلاً من سيارة في كلا الحادثين" (ص 155).

وفي نفس سياقات الشهادات التي تقدمها القيادات الإخوانية حول هذا النوع من الإرهاب، يقول علي عشماوي: "أسلوب السيارات المفخخة والتي تستعمل حتى الآن لإرهاب خلق الله وقتلهم رجالاً ونساء وأطفالا، ابتكره أحد أقسام الإخوان وهو قسم الوحدات الذى يشرف عليه صلاح شادي، فقام بتفجير عربة محملة بالمتفجرات في حارة اليهود بالقاهرة في الخامس من حزيران (يونيو) سنة 1948 ثم أتبعها بتفجير عربة يد أخرى في نفس المكان وهو حارة اليهود في 19 من تموز (يوليو) وقد كان هذا في شهر رمضان، وقد قتل في هذا الحادث مفجر العربة (القنابل البشرية) وعدد من المارة الذين لا حول لهم ولا قوة، إلا أنهم يمرون في نفس الشارع المفروض أن يكون آمناً. (ص 63)

كان الإخوان "أكاديمية" في تخريج أفواج من التخصصات التي ستُلهم التنظيمات الإرهابية إلى الآن

لقد كان الإخوان "أكاديمية" في تخريج أفواج من التخصصات التي ستُلهم التنظيمات الإرهابية إلى الآن؛ حيث لم يتركوا تكتيكاً تخريبياً إلا وكانوا السباقين إلى استعماله، ولم يَدَعوا أسلوباً إرهابياً إلا وكانوا وراء ابتداعه. يروي أحمد عادل كمال في كتابه "النقاط فوق الحروف" بالقول: "كان الرأي العام يدرك أنّ الإخوان هم أصحاب هذا النوع من العمليات، وكان كبير الثقة بالإخوان حتى أنه حين تقع حادثة ليست على المستوى كان يدرك أنها ليست من صنع الإخوان". (ص 131).

ويمكن القول، إجمالاً، إن جميع العمليات التي تقوم بها داعش والقاعدة وحزب الله ومن يسير في فلكهم، ما هي إلا بدع إخوانية شرَّعها الإخوان تأصيلاً وتقعيداً وتنفيذاً؛ حيث اعتُبر الإخوان، بحق، مفرخة للإرهاب عقيدةً وأفراداً.

الصفحة الرئيسية