ترحيل السكان وتغييرهم خيار نظام الأسد للإمساك بالأرض

سوريا

ترحيل السكان وتغييرهم خيار نظام الأسد للإمساك بالأرض


25/04/2018

يقتضي حصار مدينة الاستعانة بعدد كبير من الرجال، وأنْ يفوق عدد الجهة المحاصِرة خمسة إلى عشرة أضعاف عدد مقاتلي المحاصَرين. فحين تطويق منطقة من المناطق، يستبسل المقاتلون في القتال في وجه عدو يحرمهم خيار الهرب، على ما يقوله مراسل صحيفة "لوموند" الفرنسية ريمي أوردان.

ففي سورية، لم يكن في صفوف الجيش الحكومي عدد كاف من القوات لحصار عشرات المدن والسيطرة عليها. وكان هدف نظام بشار الأسد احتواء توسع المتمردين ومعاقبة السكان المعادين له. فالحصار لم يكن أداة من أدوات المعركة فحسب؛ بل خطة طويلة الأمد. وطوَّق أول حصار طويل الأمد، داريا في تشرين الثاني (نوفمبر) 2012. وكان الجيش السوري عاجزاً عن مواصلة الحصار واستعادة الاراضي إلى حين رجحان كفة إيران في النزاع. وفي نهاية 2013، أحكم طوق معظم عمليات الحصار.

كان الجيش السوري عاجزاً عن مواصلة الحصار واستعادة الأراضي في البداية إلى حين رجحان كفة إيران في النزاع

ويستهل أوردان تقريره الذي ترجمته "الحياة" بمتابعة أكبر حملة حصار عسكري في الحرب السورية قياساً على الرقعة الجغرافية المحاصرة، ويقول إنها شارفت على الختام، فالغوطة الشرقية، في جوار دمشق، وبعد سنوات من الحصار والقصف وهجوم عسكري دام أكثر من 10 أسابيع، على وشك السقوط [سقطت] في أيدي النظام السوري. واللجوء في الحروب المعاصرة إلى تكتيك الحصار ليس شائعاً، على ما كان الحال في النزاع السوري. واستخدمت القوات الحكومية السورية وحلفاؤها الإيرانيون والروس دورياً هذا التكتيك العسكري في وجه الثوار والسكان المنتفضين على سلطة بشار الأسد. وفي أوج النزاع، بلغ عدد المناطق المحاصرة 59 مدينة وبلدة. وبعض حملات الحصار دامت سنوات، وبعضها الآخر لم ينته إلى يومنا هذا.

بعض حملات الحصار دامت سنوات، وبعضها الآخر لم ينته إلى يومنا هذا

تكتيك الحصار قديم قدم الحرب

ويعتبر الكاتب أنّ تكتيك الحصار قديم قِدمَ الحرب، وهو تكتيك مشروع في قوانين الحرب. ولكنْ إثر الحرب العالمية الثانية، تغيرت النظرة إلى الحصار. فالثمن الذي يتكبده المدنيون في معركة بين المتقاتلين، هائل: كان أكثر من نصف القتلى في لينينغراد، ومجمل عددهم بلغ مليوني قتيل، من المدنيين. ولا يحظر اتفاق جنيف في 1949 والبروتوكولات الملحقة به في 1977، الحصار. وعلى رغم أنّ السيطرة على مدينة واقعة في قبضة العدو هو "هدف عسكري مشروع"، ساهم اتفاق جنيف وملحقاته في تغيير قوانين الحرب، ورجحت كفة حماية المدنيين. فالحصار متعذر من دون ارتكاب جرائم حرب. وعليه، صار من يفرض طوق الحصار، عرضة للمحاسبة. وصارت قوانين الحرب تلزم المعتدين التمييز بين المدنيين والمقاتلين، وتحظر مهاجمة المدنيين والتوسل بالجوع وتدمير سبل عيش السكان ومنع المساعدة الطبية عن المحاصرين. وعلى رغم أنّ المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، التي أبصرت النور في 2002، لا تملك تفويض ملاحقة كل من يطبق الطوق على منطقة من المناطق، إلا أنّ الحصار جريمة حرب.

غالباً ما ينتهي الحصار بإبرام اتفاقات ترحيل سكاني ينقل فيها المنتصر المقاتلين والمدنيين إلى مناطق أخرى

وفي النزاعات المعاصرة، توسل كل من الجيش الصربي في كراوتيا والبوسنة- الهرسك، والجيش الروسي في الشيشان، والجيش الأمريكي في العراق، بالحصار إلى إحكام القبضة. وإثر الحرب الباردة، كان الجيش الصربي أول من استخدم تكتيك الحصار طوال 87 يوماً على فوكوفار شرق كرواتيا. وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 1991، صارت هذه المدينة أول عاصمة أوروبية تسقط منذ 1945 إثر حصار وتُدمر. وفي البوسنة- الهرسك، حاصر الجيش الصربي 6 مدن. وحصار ساراييفو هو أطول حصار في تاريخ الحرب المعاصرة، ودام من 2 أيار (مايو) 1992 إلى 29 شباط (فبراير) 1996، وهو الأكثر دموية بعد لينينغراد (11541 قتيلاً)، مع حفظ أوجه التباين بين الحصارين. وتحول الحصار هذا إلى رمز المقاومة. فالعاصمة هذه كانت بلا جيش حين حصارها، ولكن المدافعين عنها صدوا ثلاث هجمات كبيرة. واضطر الجيش الصربي إلى رفع الحصار بعد التدخل الجوي "الأطلسي" وإبرام اتفاق سلام. وحصار"ساراييفو" هو أول حصار وصفته المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، بـ "جريمة ضد الإنسانية" و "جريمة حرب".

الحصار جريمة حرب

حصارات لا تنسى

وفي حروب ما بعد هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، كان الجيش الأمريكي أكثر من توسل بالحصار. وذاع صيت حصاريْ الفلوجة حين كانت المدينة في أيدي ميليشيا سنّية عراقية تحالفت شيئاً فشيئاً مع تنظيم "التوحيد والجهاد"، وهو سلف "القاعدة" في العراق وداعش، في نيسان (أبريل) 2004 ثم في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام ذاته. وأخفق حصار الفلوجة الأول في بلوغ هدفه، بينما أفلح الثاني في كسر شوكة المقاتلين. ولكن ثمن هذا "النجاح" كان سقوط آلاف المدنيين ودمار المدينة. ولم يثن أعظم جيش في العالم تصنيف الامم المتحدة الحصار "جريمة حرب" قبل عام، عن الإقدام عليه والتوسل به إلى السيطرة على مدينة. "وغالباً ما يفرض الأمريكيون طوق الحصار، وتكون لهم الغلبة ثم يغادرون"، يقول ميشال غويا، محلل شؤون النزاعات، وهو ضابط فرنسي سابق، صاحب كتاب عن معركة الفلوجة. "في معركة الفلوجة الأولى، أدركوا (الأمريكيون) أنّ عزم المدافعين عن المدينة يقلب الموازين. فعادوا في المعركة الثانية إلى الثقافة العسكرية التقليدية: السحق". ونشر الجيش الأمريكي 30 ألف رجل حول الفلوجة في مواجهة 4 آلاف مقاتل لا يملكون وسائل عسكرية معاصرة. وفي معركة الفلوجة الثانية، دام الحصار شهراً، ودامت العملية العسكرية للسيطرة على المدينة أسبوعاً. وسقط في صفوف قوات المارينز الامريكية 73 قتيلاً، وهو عدد أدنى من الخسائر البشرية في صفوف الجيش العراقي أو المتمردين السنّة المنهزمين. ولكن الأمريكيين هالهم هذا العدد، لذا يقيمون أوجه شبه بين معركة الفلوجة والمعارك ضد اليابانيين في جزر الهادئ؛ أي بين مقاتلي الفلوجة وعدو يقاتل إلى آخر رمق.

عام 2004 أدى حصار الفلوجة الثاني إلى سقوط آلاف المدنيين

وتحالف الجيش الأمريكي في 2017 مع القوات الكردية وميليشيات سنّية سورية في فرض الحصار على الرقة، عاصمة "داعش" في سورية، طوال 3 أشهر ونصف قبل أن يستسلم التنظيم. وورثة الجيش الأمريكي في العراق؛ أي القوات الخاصة العراقية التي دربتها واشنطن، اعتبرت بعبر تكتيكات الحصار. ولكن الجنود العراقيين يدركون أنهم لن يغادروا إلى أرض بعيدة بعد أن تضع المعركة الرحال، وأن سحق العدو ليس نهاية المطاف حين يقاتل المرء في بلده.

وفي الموصل، دامت المعارك 9 أشهر (من تشرين الأول/أكتوبر 2016 إلى تموز/يوليو 2017). وأحكم الطوق على مقاتلي داعش في شهر القتال الخامس إثر قطع الطريق إلى سورية. وفي الموصل، فاجأ طرفا القتال خبراء شؤون الإستراتيجية. فمن جهة، سعت القوات العراقية لأول مرة في تاريخها وخلافاً لما أقدمت عليه في نهاية المعارك في المدينة القديمة، إلى حماية المدنيين. وفي الجهة الأخرى، قاوم مقاتلو "داعش" مقاومة شرسة. فكانوا ثلاثة آلاف مقاتل في وجه مئة ألف جندي عراق يدعمهم التحالف الدولي.

اكتساب الفرس فن الحصار من المغول

وبعد قرون من اكتساب الفرس فن الحصار من المغول، يتابع الكاتب، صار الإيرانيون أسياد الحصار في سورية. وفي سبيل دعم دمشق، استقدمت طهران، إلى مستشاريها العسكريين، آلاف الشيعة من العراق ولبنان ("حزب الله) وباكستان وأفغانستان"، يقول جيرار شاليان، مؤرخ شؤون النزاعات. والاستعانة بالقوات الاجنبية الشيعية هذه كانت جسر النظام إلى نشر استراتيجية الحصار الرامية إلى الاحتواء إلى 2015، تاريخ انضمام الجيش الروسي إلى الإيرانيين في دعم بشار الإسد.

وفي أول تدخل عسكري له خارج حدود الاتحاد السوفياتي السابق منذ هزيمته في أفغانتسان في 1989، عاد الجيش الروسي إلى تقنية الحصار التي عادت عليه بالنصر في الحرب العالمية الثانية وفي حرب الشيشان الثانية في حصار غروزني، "المدينة الأكثر دماراً على وجه المعمورة"، على قول الأمم المتحدة. وآذن حصار غروزني بمصير عدد كبير من المدن السورية. وقبل التدخل الروسي كان هدف الحصار الاقتصاص من المدن المنتفضة، تقول فاليري سزيبلا، مديرة "سييج واتش" في منظمة "ذي سيريا إنستيتيوت".

بعد قرون من اكتساب الفُرس فن الحصار من المغول صار الإيرانيون أسياد الحصار في سورية

وفي عمليات الحصار كان في مرمى النيران المدنيون والمستشفيات والمدارس. و"عليه، عمليات الحصار في سورية هي جرائم ضد الإنسانية"، تقول سزيبلا. وتوسل النظام السوري بالحصار أداةً لابتزاز الديبلوماسية الدولية: قطع الطريق أمام المساعدات الإنسانية أو فتحها"، يقول سليم سلامة، مسؤول الرابطة الفلسطينية لحقوق الإنسان في سورية. والحق يقال إنّ حصار مخيم اليرموك كان الأشرس في البلاد في غياب الغذاء. "على رغم أن عمليات القصف والقنص والهجمات الكيماوية كانت رهيبة وبالغة العنف، صمدت الغوطة الشرقية. ويعود صمودها إلى مساحاتها الزراعية الشاسعة وإلى عمليات التهريب والتجارة مع مقاتلي الحكومة. ولكن مخيم اليرموك، على خلاف الغوطة الشرقية، سرعان ما عانى سوء التغذية والجوع. فالتمدين فيه كبير (غياب الأراضي الزراعية). ويشتد خناق الحصار على منطقة من المناطق كلما غلب عليها التمدن. وهذه لازمة في تاريخ الحصار. فعلى سبيل المثل، يعود صمود القسطنطينة في وجه أكثر من حصار إلى المناطق الزراعية الفاصلة بين حصني المدينة. وغالباً ما يغلب الجوع في الحصار في غياب المساحات الخضراء. ففي حصار باريس (1870-1871)، وبعد نفاد المؤن، أكل المحاصرون الجرذان، وحين نفدت الجرذان، ألقت باريس السلاح.

في حصار باريس (1870-1871) أكل المحاصرون الجرذان، وحين نفدت، ألقت باريس السلاح

داعش والحصار

وتوسل داعش في دير الزور بالحصار، ويحاصر إلى اليوم الثوار قريتين شيعيتين، الفوعة وكفريا. ولكن 97 في المئة من عمليات الحصار في سورية يُقدم عليها النظام السوري. وتلت مرحلة العقاب مرحلة استعادة الأراضي. وأضنى الحصار الثوار شأن انقساماتهم الداخلية، فلم يسعهم المقاومة. ومن سقوط حمص إلى سقوط داريا، ثم سقوط حلب والغوطة الشرقية، ألقوا السلاح، وأحياناً بعد قتال ضار. وغالباً ما ينتهي الحصار بإبرام اتفاقات ترحيل سكاني ينقل فيها المنتصر المقاتلين والمدنيين إلى مناطق أخرى. فالترحيل السكاني هو هدف النظام السوري. فهو يجبه ثورة شعبية وليس تمرداً مسلحاً فحسب. وعليه، يبدو أن سبيل دمشق اليتيم إلى الإمساك بالأرض بعد الحصار والسيطرة عيها هو تغيير السكان. وعمليات الترحيل هي جرائم حرب، تقول فاليري سزيبلا. والحصار هو أمضى سلاح في يد قوة حربية باطشة لا تعرف الرحمة.

الصفحة الرئيسية