"معجم المرأة" ينصف النساء وينبش ذاكرة اللغة الاجتماعية والتاريخية

"معجم المرأة" ينصف النساء وينبش ذاكرة اللغة الاجتماعية والتاريخية
7548
عدد القراءات

2017-12-06

رأى مختصون أنّ اللغة العربية افتقرت في معاجمها اللغوية العديدة إلى بعض المعاجم المختصة، ومنها تلك المتعلقة بالمرأة، واعتبروا أن "معجم المرأة"، لمؤلفه الباحث والأستاذ في اللسانيات العربية في الجامعة الهاشمية د. عيسى برهومة، يستحق تسليط الضوء عليه وعلى ما قدمه من إثراء للمكتبة العربية، خصوصاً أن المعجم لم يلحقه أي عمل مماثل.

وخلال الندوة التي عقدت حول "معجم المرأة" في مقر رابطة الكتاب الأردنيين أمس الثلاثاء بالتعاون مع مركز تعلم واعلم للأبحاث والدراسات، وقدمها أستاذ الفلسفة في الجامعة الأردنية ورئيس الرابطة السابق الدكتور أحمد ماضي، أكد المحاضرون أهمية التحقيق في صورة المرأة العربية من خلال موجوداتها التي تعبر عنها اللغة العربية.

ماضي، لفت، من خلال كلمته الافتتاحية للندوة، إلى ندرةِ الموضوع الذي يتخصص به المعجم الصادر عن وزارة الثقافة الأردنية منذ 2010، والحاجة الماسة لتسليط الضوء تجاه موضوعه المتعلق بالمرأة العربية والدلالات اللغوية على وضعها الاجتماعي والإنساني منذ ذلك الحين.

الفجاوي: المعجم اشتمل على جهدٍ كبير، ومنهجية أنصفت المرأة بعمق، وكشفت عن ظروفها خلال مرحلة من المراحل التاريخية

أحوال المرأة منذ الجاهلية

ولم يبتعد أستاذ اللغة العربية في الجامعة الهاشمية عمر الفجاوي عن هذا السياق، بتركيزه على توضيح الرؤية بخصوصِ المرأة العربية خلال الفترة التي تسمى اصطلاحاً بـ "الجاهلية"، فتطرق إلى عادات العرب في ذلك الحين، والأحداث التي سُجلت تاريخياً عن تلك الفترة، مبيناً أنّ ربطها "بأحاديث دينية معينة" كالقول إنّ المرأة "ناقصة عقل ودين"، ربما ساهم في عدم توضيحها، فما نُقل عن الرسول عليه الصلاة والسلام، وعادات صحبه، أظهر الكرم والاحترام في التعامل مع المرأة، أما ما كان قبل عهد الرسول، فإنّ مصادر عربية وكتباً مختلفة، أكدت مكانة المرأة في قومها، "بدءاً مما نقل عنها من ثقافة وجمال، وليس انتهاء بحقوقها الشخصية كاختيارها لزوجها مثلاً".

برهومة "الأول من اليمين" متحدثاً عن المعجم

وأضاف الفجاوي "المعجم اشتمل على جهدٍ كبير، ومنهجية أنصفت المرأة بعمق، وكشفت عن ظروفها خلال مرحلة من المراحل التاريخية التي أسست قراءتها المتسرعة لصورة خاطئة لدى العامة والخاصة تجاه وضعها الاجتماعي آنذاك، بينما تكشف الدراسات اللغوية التي يشكل هذا المعجم مثالاً عليها خطأ هذه الصورة".

من جهته، قال أستاذ التاريخ والعلوم السياسية رياض ياسين إنه عقد قراءة "مغايرة للمعجم الذي تميز بترتيبٍ منهجي مدروس، ولم يركن إلى تحشيد الكلمات والصفات فحسب، بل تمت صناعته ليكون مرجعاً للقارئ العادي وللدارس أيضاً".

ياسين: لم يركن المعجم إلى تحشيد الكلمات والصفات فحسب؛ بل تمت صناعته ليكون مرجعاً للقارئ العادي وللدارس أيضاً

ورأى ياسين أن طريقة ترتيب المعجم "تتتبع مسيرة المرأة؛ طفلة وفتاة وكبيرة، فهو يتناولها في معظم حالاتها، وظروفها الاجتماعية، ويكشف الفروقات بين استخدام كلماتٍ معينة اليوم وفي الماضي".

كما أكد ياسين أنّ القارئ، بصدد "معجم لغوي تاريخي اجتماعي، يكشف عن فكر وثقافة مراحل تاريخية مختلفة، ذلك أن اللغة تعبير عن الفكر، والكلمات بحد ذاتها والمعاني، هي نتاج احداثٍ وصفاتٍ لسياقاتٍ تاريخية معينة".

الدراسات التاريخية والنفسية

وأشار المحاضران، إلى الجهد الكبير المبذول من قبل برهومة في إنجاز هذا العمل الأكاديمي والثقافي، ذلك إن تحقيق وتدقيق المعاجم يحتاج إلى جهد كبير، إذ "عادة ما يسهم أكثر من متخصصٍ وأكاديمي في هكذا جهد" كما رأى ماضي، وهو ما علق عليه برهومة في كلمته القصيرة حول المعجم بقوله إنه بذل كل ما احتاجه من جهد لإنجازه، وإنه "أراد المعجم وصفياً اجتماعياً، ومفتوحاً على الدراسات التاريخية والنفسية وسواها، خاصة أن المعجم يمكن أن يظهر المرأة في العصر الجاهلي غير تلك المرأة القابعة في خيالنا اليوم، خاصة إنها تفوقت حضارياً على المرأة الأندلسية بحريتها ونبوغها الاجتماعي".

كما كشف برهومة أنه من خلال أبحاثه وإنجازه في "معجم المرأة"، يمكن أن يظهر مدى خطأ العبارة المتداولة بأن "الثقافة العربية ثقافة قول لا فعل" ويمكن التنبه إلى هذا، من خلال الدراسات المحققة والمعمقة في اللغة العربية والروابط التاريخية والاجتماعية المرتبطة بكلماتها ومعانيها.

وكانت أسئلة الحضور المتنوع، تركزت على هذا الجانب، خصوصاً حول الكلمات التي كانت تطلق كصفاتٍ على المرأة، ومدى قدرتها على كشف التناقض بين ما هو متداولٌ من أفكار وعاداتٍ حولها، وبين ما كان قائماً حقاً في ذلك الحين.

برهومة: "معجم المرأة"، يظهر مدى خطأ العبارة المتداولة بأن "الثقافة العربية ثقافة قول لا فعل"

ومن خلال الندوة التي استمرت ساعتين ونصف الساعة، ظهرت معالم "معجم المرأة" الذي يتناول بين صفحاته أيضاً "الألفاظ المتعلقة بالزواج و أشكاله وطقوسه والعائلة وتسمياتها، ورعاية الطفل وتغذيته وملاعبته، وزينة المرأة، وما يستحب وما يستكره"، وذلك حسب السياق الذي جمع فيه الألفاظ. ويأتي المعجم كذلك، من باب التأكيد أن المرأة معيارٌ لتقدم المجتمع أو تراجعه من خلال وضعها الاجتماعي فيه، من خلال الدلالات الفكرية والثقافية للغة وكلماتها، التي تسهم في فهم أفضل، يساعد على تقدم الأفراد والمجتمعات.

 

اقرأ المزيد...
الوسوم:



صداقة مع ابن شقيق فيتغنشتاين: الكتابة عن الآخر بوصفه مرآتنا

2020-01-15

عندما نتأمل الغلاف الأمامي لكتاب "صداقة مع ابن شقيق فيتغنشتاين"، للكاتب النمساوي من أصل هولندي، توماس برنهارد (1931- 1989)، ترجمة سمير جريس، والصادر عن داريّ ممدوح عدوان وسّرد – سوريا 2019، لا نلحظ أيّ تصنيف للكتاب، هو كتاب لا يشبه اليوميات، ولا يشبه الرواية، ولا المجموعة القصصية، هذه النوعية من الكتب العابرة للأجناس الأدبية ليست بالغريبة في مجال الكتابة الأدبية، التي غالباً ما يجري تصنيفها بكتب (Non- fiction)، إنّها الكتب غير الخيالية، أو الواقعية، كما أنّها لا تندرج ضمن كتب السيرة أو التاريخ، ولم تعد هذه النوعية من الكتب مقتصرة على الأدب المترجم في سوق الكتاب العربي؛ بل بات هناك تجارب لأدباء عرب، في هذا الحقل، قد يكون أحدثها، على سبيل المثال لا الحصر، كتاب "كيف تختفي"، وكتاب "النوم"، للكاتب المصري هيثم الورداني، و"كيف تلتئم، عن الأمومة وأشباحها"، و"في أثر عنايات الزيات" للشاعرة والأكاديمية المصرية إيمان مرسال.

غلاف الكتاب
لكن تأمّل كلمة "صداقة" بالخط العريض في الغلاف الأمامي لكتاب توماس برنهار، مثيرة للانتباه وللتفكير؛ هل من الممكن أن تتحول كلمة "صداقة" إلى نوع أو صنف أدبي؟ وأن يكون هذا الصنف من السّرد الأدبي منافساً للأنواع الأدبية التي تتقاطع معه، كأدب "السيرة" و"اليوميات" و"المذكرات"؟
إذ إنّ توماس برنهارد كان شديد الإخلاص والصدق في جعل صداقته مع "باول"، ابن شقيق الفيلسوف لودفيغ فيتغنشتاين، مرآةً وتوثيقاً ليس لهذه الصداقة فقط، بل كانت أيضاً ضوءاً كاشفاً على حياة توماس برنهارد وذاته، وطريقة تفكيره، ومواقفه السياسية والاجتماعية والثقافية من بلده النمسا.

اقرأ أيضاً: الممثل السوري أيمن زيدان يدعو الشباب للدفاع عن أحلامهم
يسرد برنهارد إذاً سيرة صداقته مع باول على مدار اثني عشر عاماً، والتي تبدأ أواصرها عام 1967؛ حيث كان برنهارد يُعالَج من مرض السّل الرئوي في مبنى "هرمان"، وعلى بعد 200 متر، كان صديقه "باول" يقيم في المبنى المعروف بـ "الفناء الحجري"، أو مبنى "لودفيغ"، في قسم الأمراض العقلية في النمسا.

باستطاعة هذا الكتاب ذي الصفحات القليلة (104 صفحة) أن يهزّ الكثير من الأفكار الراسخة في ذهن القارئ عن الأدب والكتابة

المرض هنا هو أبرز الأشياء المشتركة التي تربط الصديقين، ويُشرّح برنهارد الحساسية المفرطة التي تتملك مشاعر أشخاص مصابين بمرض عضال نحو بعضهم، وانعدامها عند الأشخاص الأصحاء، كما يُعبّر برنهارد عن رعبه وخوفه من الأطباء النفسيين، وذلك أثناء انشغاله بالتفكير بما قد يتعرض له صديقه باول في مصحة الأمراض العقلية من طريقة علاج مفرطة في العنف، كأن يقول: "الطبيب النفسي أشدّ الأطباء خيبةً؛ إنه أقرب إلى السفّاح المتلذِّذ بالدماء منه إلى العالِم، لم أخشَ في حياتي شيئاً مثل وقوعي في أيدي الأطباء النفسيين، ومقارنةً بهم فإنّ خطر الأطباء الآخرين ضئيل، حتى وإن كانوا هم أيضاً لا يجلبون في نهاية المطاف سوى المصائب".
يُرجع توماس برنهارد أسباب مرضه ومرض صديقه، إلى وصولهما معاً إلى طريق مسدود في هذا العالم، إلى يأس ما، إلى شغف وطموح في هذا العالم يفوق قدرتهما.
إنها سيرة التفاصيل المشتركة وغير المشتركة، التي تجمع بين كاتبٍ ومجنون، والأخير كان من الممكن أن يصبح فيلسوفاً مثل عمه، لو كان فرّغ ما يجول في عقله وما ازدحم فيه من أفكارٍ ونظريات حول العالم.

 توماس برنهارد (1931- 1989)
صديقَان مولعان بالموسيقى والأوبرا، كما يجمعهما احتقارهما لأنصاف المثقفين والأدباء، ونتيجة ذلك؛ ينعكس الحديث عن الأشياء المشتركة على الأحداث التي مرّا فيها؛ إذ كلّ حدث عند برنهارد مرتبط بوجهة نظره حول فكرة معينة، أو موضوع معين مرتبط بهذا الحدث أو ذاك، ومن جانب آخر؛ يكاد أسلوب كتابة برنهارد في التعبير عن أفكاره وهواجسه يكون بعيداً كلّ البعد عن الأحكام الثابتة، أو تلك التي من الممكن بلورتها بفقرة من خمسين كلمة، والتي بدورها يكون من السهل اقتباسها بوصفها خلاصة القول، أو أن تنتهي بوصفها حكمة ما، بل هناك تأمل عميق في كلّ موضوع أو فكرة يتحدث عنها، كأن يتحدث برنهارد، على سبيل المثال، عن علاقة الإنسان المريض بالإنسان السليم في سردية أشبه بنفسٍ طويلٍ أو دفقةٍ واحدةٍ، من صفحة 53 إلى صفحة 56؛ إذ يُشرّح برنهارد الحالة النفسية الصعبة التي يمرّ بها إنسان مريض عند عودته لحياته الطبيعية واختلاطه مجدداً بالأشخاص الأصحاء، فيقول مثلاً: "المرضى لا يفهمون الأصحّاء، ولا الأصحّاء يفهمون المرضى بالطبع، هذا الصراع كثيراً ما يكون قاتلاً، صراعٌ لا يستطيع المريض أن يواجهه، ولا السليم أيضاً، الذي غالباً ما يمرض بسبب صراع كهذا.

اقرأ أيضاً: لماذا توارى "الجوكر" وراء قناع المهرج؟
ليس سهلاً أن تتعامل مع مريض عاد فجأة إلى حيث انتزعه المرض، قبل شهور أو أعوام، من كلّ شيء؛ وفي أغلب الأحيان لا يكون للأصحّاء رغبة في تقديم يد العون إلى المريض، إنهم، في الحقيقة، ينافقون على طول الخط متظاهرين برحمة لا يشعرون بها، ...".

يُشرّح برنهارد الحالة النفسية الصعبة التي يمرّ بها إنسان مريض عند عودته لحياته الطبيعية
وبقدر ما تحمل صداقة برنهارد وباول من أشياء مشتركة، إلا أنّها تحمل أيضاً تناقضات واختلافات في وجهات النظر فيما يخص مسائل متعلقة بذوقهما الموسيقي أو الفني، كاختلافهما الجذري حيال الموسيقار المشهور كريان؛ فبينما يراه برنهارد أعظم قائد أوركسترا، يراه باول "دجالاً ومشعوذاً"، وفي لقطة أخرى يصف برنهارد الحالة التي يكون عليها باول عند حضوره عرضاً موسيقياً أو أوبرالياً، كما في المقطع الآتي: "أستطيع أن أصنع نجاحاً إذا أردتُ، وإذا كانت الشروط متوافرة، وهي دائماً متوافرة، يقول باول: وأستطيع أن أتسبّب في فشل، إذا كانت الشروط متوافرة،  وهي دائماً متوافرة، يتوقف ذلك على شيء واحد: هل سأكون أوَّلَ من يصيح: "برافو!، أم من سيطلق الصفير".

المرض أبرز الأشياء المشتركة التي تربط الصديقين، ويُشرّح برنهارد الحساسية المفرطة التي تتملك مشاعر أشخاص مصابين بمرض عضال نحو بعضهم

لكن ما يميز سرد برنهارد لهذه الصداقة؛ أنه لم يحاول تجميلها، ومثلما يوثق برنهارد للحالات النفسية التي يمرّ فيها باول في حياته، يكشف بالمقابل الأوقات التي خذل فيها برنهارد باول، وتحديداً في الأيام الأخيرة من حياة باول الذي حوَّله المرض إلى شبح إنسان ميت.
يلوم برنهارد نفسه بقوله: "أنا إنسان سيّئ الخلق، بل إنني عموماً إنسان سيِّئ، تجنّبت صديقي، مثلما تجنّبه أصدقاؤه، لأنني مثلهم، أردت تجنّب الموت، خفت مواجهة الموت؛ إذ كان كلّ شيء في صديقي ينطق بالموت".
باستطاعة هذا الكتاب، ذو الصفحات القليلة (104 صفحة)، أن يهزّ الكثير من الأفكار الراسخة في ذهن القارئ عن الأدب والكتابة، أوّلها ربما؛ إعادة التفكير بالكتابة الذاتية، أو الكتابة عن حياتنا انطلاقاً من "الأنا".
برنهارد يكسر القاعدة هنا، ويقول للقارئ أو لكاتب ما حتى، إنّ باستطاعتنا أن نقول أشياء كثيرة عن حياتنا، وعن أفراحنا وآلامنا ومصائبنا، من خلال عين الآخر، ومن خلال سيرة علاقتنا به، وارتباطنا الإنساني بمن حولنا، وامتحان النفس البشرية، التي ينعتها برنهارد بأكثر من مناسبة بـ "الحقيرة" في أقسى الظروف التي من الممكن أن تمرّ فيها علاقة المرء بصديق ما.

للمشاركة:

رسمي أبو علي يترجل ضاحكاً

2020-01-09

لعلّه عندما أغمض عينيه، للمرة الأخيرة، ليلة أمس الأربعاء بالعاصمة الأردنية عمّان، كانت المرة الأولى التي يهدأ فيها الأديب والإعلامي الأردني رسمي أبو علي عن المشاكسة والسخرية، منذ ميلاده في قرية المالحة المقدسية في العام 1937، والتحاقه بالمعهد العالي للفنون المسرحية في القاهرة في العام 1964، ثم انخراطه في الوسط الإذاعي وصفوف الثورة الفلسطينية.

أبو شايب: معظم مثقفينا لم يقرأوا أبو علي ولم يعرفوا المذاقات التي برع في ابتكارها ليجعل حياتنا ألذ وأثمن

ما إن أعلنت عائلة أبو علي وفاته، حتى انثالت كلمات رفاقه في الوسط الثقافي لنعيه واستذكار ماضيه الثوري والإنساني، ومنجزه الأدبي، المتمثل في ستة مؤلفات، كانت باكورتها مجموعة قصصية تحت عنوان "قط مقصوص الشاربين اسمه ريس" 1980، وديوان شعر معنوَن بـِ "لا تشبه هذا النهر" 1984، ورواية "الطريق إلى بيت لحم" 1990، وديوان شعر "ذات مقهى" 1998، وسيرة ذاتية بعنوان "أوراق عمان الخمسينات" 1998، ومجموعة قصصية تحت عنوان "ينزع المسامير ويترجّل ضاحكاً" 1999.

"حفريات" التقت مجموعة من أصدقاء ورفاق أبو علي الذين نعوه بهذه الكلمات، مستذكرين مكانته الأدبية والإبداعية، والفراغ الذي تركته روحه الإنسانية في وجدانهم.

ولد الراحل في قرية المالحة المقدسية في العام 1937

أبو شايب: ساخر من أنظمة حياتنا المهترئة

يقول الشاعر زهير أبو شايب: ليس الموت هو المرعب، نحن لا نعرفه، اهتراء الحياة هو الذي يصيبني بالذعر، هؤلاء الذين يموتون يتركون ثقوباً في حياتنا لا يمكن رتقها، هكذا تهترئ حياتنا ونحن نتفرّج عليها بعجز كامل، هذا هو المرعب، رسمي أبو علي لا مثيل له، وما سيتركه من خرق في مادة هذه الحياة البالية لا يمكن إصلاحه بالنسبة لي.

حوامدة: حينما كان القصف على غزة التقيته في عمّان وانفجر باكياً وقال: قلبي لم يعد يحتمل المزيد من الموتى

ويتابع أبو شايب: نحن دائماً نحوّل الراحلين إلى مادة متحفية لنوهم أنفسنا بأننا نكنزهم في ذاكرتنا الثقافية، ونحوّلهم إلى قيمة، لكننا في الحقيقة نتحول إلى ما يشبه جامعي الموتى، هذا أيضاً مرعب، يُفترَض أنّ كاتباً وشخصاً فذاً مثل رسمي أبو علي هو كائن مضاد للموت وصانع حياة حقيقي، أظنّ أنّ معظم مثقفينا لم يقرأوه ولم يعرفوا المذاقات التي برع في ابتكارها ليجعل حياتنا ألذ وأثمن، لا فائدة قط من المراثي التي ندبّجها في توديع صنّاع حياتنا المخذولين، الذين أنفقوا أعمارهم كلها في محاولة إنقاذنا ثم اكتشفوا أنّنا لا نشعر بوجودهم إلا حين يموتون.
رسمي أبو علي من القلائل الذين سخروا جيداً من أنظمة حياتنا المهترئة، وجعلوا من السخرية فعل مقاومة. وغيابه سيجعل حياتنا الثقافية أكثر تجهماً وأقل حكمة.

حوامدة: مات حكيم الثورة

حوامدة: قلب كبير يستوعب كل التناقضات

من جهته، قال الشاعر موسى حوامدة: مات حكيم الثورة، في آخر جلسة جسلتها مع رسمي أبو علي في مقهى "كوكب الشرق" في عمّان قبل ثلاثة أشهر قال لي "لا بد أن نعيد تقييم الثورة؛ لقد فلشنا وعليهم أن يتوقفوا، لنعيد التفكير في طريقة جديدة نقررها نحن الشعب الفلسطيني".
كان رسمي أبو علي، القاص والكاتب الساخر، يحمل قلباً بحجم العالم، قلباً محباً وكبيراً يستوعب كل التناقضات الفلسطينية ويعيد صياغتها بطريقته.

اقرأ أيضاً: رحيل صالح علماني صوت الإسبانية العربي
يتابع حوامدة: قال لي: "كتبت قصة حداثية بينما كانت الثورة في لبنان، وكتبت شعراً حداثياً وكنت أريد أن أقول لهم لن ينفعنا الأدب القديم".
في العامين الأخيرين اختلف أبو علي وصار ناقداً للوضع كله، وكان يقول لي "لنعترف؛ ضللنا الطريق، وعلينا أن نفكر بصياغة ميثاق وطني جديد"، وحينما كان القصف على غزة التقيته في عمّان وانفجر باكياً وقال "قلبي لم يعد يحتمل المزيد من الموتى يا موسى".
لقد أنجبَ الشعب الفلسطيني مبدعين كثراً منهم؛ إبراهيم طوقان وغسان كنفاني وعز الدين المناصرة ورسمي أبو علي، لكن للأسف تم إهمال أسماء مثل أبو علي، في وقت تم فيه تكريس أسماء أخرى.

أبو رقطي: فلسطيني حتى النخاع

وعن علاقته بالراحل قال الكاتب زعل أبو رقطي: رسمي أبو علي الفلسطيني حتى النخاع، الشاعر والأديب الملتزم، والإعلامي المتميز، والمذيع الهادئ، عرفته عن قرب في إذاعة الثورة الفلسطينية في مدينة درعا السورية في أوائل السبعينيات، كنت لا أزال في بداية رحلتي مع العمل الإعلامي، وكان هو يكتب التعليق السياسي ويقرؤه بصوت الواثق والمتمكن والهادئ، كان متواضعاً وخلوقاً وملتزماً ومقرّباً من الجميع.

أبو رقطي: أبو علي قامة وطنية وسيبقى صوته في الذاكرة الوطنية كأحد المؤسسين الأوائل للعمل الإذاعي والإبداعي

بعد إغلاق الإذاعة بدرعا افترقنا، عاش في بيروت في زمن الثورة الجميل، وبقي يمارس دوره النضالي في مجال الإعلام والأدب والشعر، وتنقّل في كل مواقع الثورة وأماكن تواجدها،  وبقي ملتزماً بالخط الوطني رغم كل التقلبات التي واجهت العمل الوطني، واستقرّ به المطاف أخيراً في الأردن؛ حيث عكف على كتابة الشعر والأدب.
ويردف أبو رقطي: رسمي أبو علي قامة وطنية وإعلامية عالية، وبرحيله نفتقد شخصية مميزة ومعطاءة بلا حدود، وسيبقى صوته في الذاكرة الوطنية كأحد المؤسسين الأوائل للعمل الإذاعي والإبداعي، ومن الكوادر الفاعلة التي تستحق التكريم والتقدير، بغيابه نفتقد كادراً وطنياً وقامة إعلامية كبيرة، لروحه الرحمة ولعائلته الصغيرة والكبيرة الصبر والسلوان.

الريماوي: سيظلّ رسمي أبو علي نموذجاً للأديب الموهوب المرهف

شنب: لا تستطيع أن تكرهه

أما القاص جمعة شنب فقال: يرحل الطيّبون أيضاً! ما كان لرسمي المحبّ للحياة وللناس وللمقاهي والأسطح، وقرية المالحة، حارس رصيف العالم منذ مطلع الثمانينيات، ما كان له أن يرحل بهذه البساطة؛ رسمي الذي تختلف معه، لكنّك أبداً لا تستطيع أن تكرهه؛ لأنّه لا يعرف الكراهية، رسمي المبتسم، المتفائل، الصامد الصابر، خذله الموت في هذا المساء الحزين، رسمي اللطيف الساخر الذي قصّ شاربي القطّ، رحل، هكذا، ببساطة.

الريماوي: مثقف تنويري يتخطى الأيديولوجيات
وعن شهادته في الراحل قال القاص محمود الريماوي: سيظلّ رسمي أبو علي نموذجاً للأديب الموهوب المرهف الذي اختطّ طريقاً جديدة في السرد الأدبي الفلسطيني، وذلك في مزجه الذكي بين المأساة والملهاة والالتفات إلى التفاصيل الإنسانية والمكانية الصغيرة وتعظيم شأنها والجرأة على ملامسة التحرر الاجتماعي، والتابوهات السياسية، والإعلاء من قيمة الفرد بدلاً من الاندراج في الجمهور والجموع، ما يجعله مثقفاً تنويرياً يتخطى الأيديولوجيات والنزعة الشعارية.

اقرأ أيضاً: 25 عاماً على رحيل توفيق زياد
ويزيد: هو شخص بالغ اللطف والأنس واللباقة، لا يأبه لبهارج الدنيا وقشورها، ويصادق أبسط الناس ويشاطرهم يومياتهم كأنّه أحدهم، فيما كان الطريق أمامه مفتوحاً لو شاء لبلوغ مراتب اجتماعية أعلى، وبغيابه تخسر الحياة الثقافية مثقفاً بارزاً ذا نزعة نقدية، من غير أن ينغمس في معارضات استعراضية أو تمرّد نمطي، ما جعله نسيج ذاته، يجمع بين روح الانطلاق والتمرّد وبين رصانة المثقف وجدّيته، وذلك في توليفة لطيفة ومُشعّة عز نظيرها. إلى اللقاء أيها الصديق الحبيب، وإلى أن نلتقي فسوف أشتاقك كثيراً، وسوف أفتقدك بكل مرارة.

عبد العزيز: فقدنا فلسطين مرة أخرى
الشاعر يوسف عبدالعزيز نعى رفيقه بقوله: الصديق رسمي أبو علي وداعاً، برحيلك يا حبيبي فقدنا فلسطين مرة أخرى، وتيتّمنا.
ففي قامتك الساحرة تحتشد البلاد كلها، وتلتمع قباب البيوت، وتصهل أمواج بحر يافا وحيفا.
ترى، ما الذي نفعله الآن وقد غادرنا قدّيس الرصيف، وملك الكلام؟
في غيابك؛ الحياة لم يعد يُعوَّل عليها، لا النساء، ولا القصائد، فأنت حين غادرتنا أخذت كل شيء جميل معك.
السلام على روحك أيها الأمير.

فركوح: رافض التأطير
بدوره رثى الناشر والروائي إلياس فركوح الراحل قائلاً: أنتَ "رجل الرصيف"، بمعنى أنت خارج جميع المؤسسات، أنت كاسر للأطر ورافض التأطير، أنت امتلكتَ حريتك حتى النهاية.. استرحْ، فهذا العالم نذل.

شاعر وأديب ملتزم وإعلامي متميز

محمد: لم يصل إلى نيسان!
وعن الراحل قال الشاعر والباحث زكريا محمد: الوصول إلى نيسان كان أمله الأخير. كان رسمي أبو علي يلعب كطفل في "منشوراته" على صفحته "فيسبوك"، باستثناء الشهر الأخير الذي أحس فيه بالموت يقترب. وفي واحد من "منشوراته" نشره قبل ما يقرب من أسبوعين من رحيله أبدى أمله في أن يصل إلى نيسان. قال في ما أذكر: إن وصلت إلى نيسان نجوت سنة أخرى. وكنت في قلبي أدعو له أن يصل إلى نيسان. لم أخبره بذلك، لكنّ قلبي دعا له بالوصول. ولم يصل إلى نيسان. كانت الطريق إلى نيسان مقطوعة. وقف به فرسه في أول كانون الثاني وأسقطه عن ظهره. وفي تقاليدنا يكمن الموت في شباط. شباط هو قاتل الشتاء الحقيقي. لكن كانون الثاني هو الذي قتله. لقد أثبت نيسان أنّه بعيد وأنّ زهرته مخفية، وأنّ الوصول إليه وهم.

شنب: رسمي لا يعرف الكراهية، مبتسم ومتفائل، هو اللطيف الساخر الذي قصّ شاربي القطّ رحل هكذا ببساطة‎

وتابع محمد حديثه: لم تكن علاقتي برسمي وطيدة جداً. كانت لقاءاتنا عابرة سواء في بيروت أو عمان أو رام الله. لكنني صحبته مرة لمدة ثلاثة أسابيع في رحلة إلى روسيا وأوزبكستان. زرنا طقشند وبخارى وسمرقند. ومن هناك جلب اسم ابنته (أوميديا) التي ذهبت قبله شابة إلى الموت. وربما كتبت يوماً ما تبقى في ذاكرتي عن هذه الصحبة. في هذه الرحلة عرفت ما عرفته عنه. وإن كان لي أن أقول كلمة عنه فإنني أقول إنّه صانع سيناريوهات كبير. أمضى حياته وهو يصنع سيناريوهات لحل القضية الفلسطينية. كان عقله دوامة متواصلة من السيناريوهات. ولم يكن يهمه أن تكون هذه السيناريوهات قريبة من الحقيقة. ولست أعرف حتى إن كان يصدق هو ذاته سيناريوهاته أم أنّه كان يسخر بها من السامعين ومن القضية والكون. في الشهر الأخير كان لدى رسمي سيناريو واحد فقط: الوصول إلى نيسان. ولم يصل.

للمشاركة:

السينما النسوية السعودية تضع المجتمع أمام عيوبه

2020-01-02

في ظروف استثنائية طال أمدها ظلت شاشات السينما مغيّبة عن المملكة العربية السعودية قرابة أربعة عقود، قبل الترخيص الرسمي الذي سمح بإعادة افتتاح دور للعرض السينمائي في كانون الأول (ديسمبر) 2017، وعلى إثر هذا الترخيص افتُتحت أول سينما بالعاصمة الرياض في نيسان (أبريل) 2018، ثم أول سينما في جدة في كانون الثاني (يناير) 2019.

اقرأ أيضاً: معرض الرياض للكتاب يحتفي بالمستقبل ويكرم رواد السينما السعودية
لكن ما لا يعرفه كثيرون أنّ السينما السعودية كصناعة بدأت مبكرة، وإن بشكل خجول، فأول فيلم سينمائي سعودي حمل عنوان "الذباب" كان في العام 1950، لكن البداية الحقيقية للإنتاج كانت في فيلم "تأنيب الضمير" في العام 1966، ومنذ 1975 وحتى اليوم بلغ عدد الأفلام السعودية حوالي 260 فيلماً، معظمها تسجيلية أو قصيرة، لكن قضايا المرأة السعودية لم تكن بارزة إلى أن جاءت المخرجة السعودية هيفاء المنصور وجعلتها قضيتها المركزية لتتبعها تجارب أخرى تحمل هذا الهم.

سينما هيفاء المنصور

بدأت هيفاء المنصور مسيرتها السينمائية بفيلم تسجيلي بعنوان "نساء بلا ظل"، إنتاج 2005 وعرض في العام 2007، ويرصد واقع المرأة السعودية في ظل الحجاب وعلاقتها بالرجل ومكانتها في المجتمع السعودي، قديماً وحديثاً، ويطرح أسئلة حول عمل المرأة والزواج والاختلاط والحب، والتحول الذي طرأ على المرأة والتيارات الاجتماعية المختلفة.

في ظروف استثنائية طال أمدها ظلت شاشات السينما مغيّبة عن المملكة العربية السعودية قرابة أربعة عقود

ويخلص الفيلم إلى تراجع مكانة المرأة السعودية بعد تسعينيات القرن العشرين مقارنة بمكانتها في الستينيات والسبعينيات؛ فمثلاً لم تكن النساء الكبيرات في السن مضطرات للبس العباءة، لكن هذه المكتسبات بدأت بالتراجع مع نهاية السبعينيات، ومع مطلع الألفية الثالثة أصبحت الأغلبية مع إبقاء الفتاة حبيسة المنزل، والعنوان يحيل بلغته الشعرية إلى أنّ بقاء النساء في البيوت وحرمانهن من الشمس يجعلهنّ بلا ظل، كما قد يحيل "الظل" إلى الرجل في العبارة الشهيرة "ظل راجل ولا ظل حيطة".

وجهان لحواء

تُغير هيفاء المنصور من أدواتها لكنّها لا تتخلّى عن قضيتها، وهي تدرك أنّ الدراما أكثر تأثيراً من الفيلم التسجيلي، ولا يوجد ما هو أكثر تأثيراً من قصة يتعاطف معها الناس وهذا ما تحقق في أول أفلامها الروائية "وجدة" العام 2012، الذي يتناول التمييز الذكوري ضد المرأة كموضوع محوري إضافة إلى تناوله مواضيع هامشية كزواج القاصرات، ويتخذ الفيلم من الطفلة وجدة (وعد محمد) وأمها (ريم عبدالله) وجهين لحواء: وجه الأم التي تُسيرها العادات والتقاليد ووجه الطفلة العنيدة والمتمردة والمعتمدة على نفسها، ومن خلال هذا الوجه يتم تمرير صورة جديدة للمرأة السعودية والعربية.

يوجه فيلم وجدة لهيفاء المنصور نقداً للنظام الاجتماعي والتعليمي القائم على القمع والتشدد الديني

تحلم وجدة بشراء دراجة معروضة في أحد متاجر الألعاب، لكي تتسابق مع ابن جيرانها، لكنها لا تملك المال الكافي لذلك، وهذه عقبة أولى ستتغلب عليها بتوفير مبلغ من المال وبالمشاركة في مسابقة مدرسية لحفظ القرآن الكريم من أجل الفوز بجائزة مالية، أما العقبة الأكبر فهي حظر ركوب الدراجات على الفتيات لأسباب تتعلق بحمايتهن في الظاهر، لكن وجدة لا تعطي لتحذيرات أمها وتعليمات مديرة المدرسة وتنبيهات ابن الجيران بالاً وتتصرف وفقاً لما تحلم به وتطمح إليه.

تُغير هيفاء المنصور من أدواتها لكنّها لا تتخلّى عن قضيتها
تتضح شخصية الأم الراضخة لثقافة المجتمع وشخصية ابنتها المتمردة في المشهد الثالث عندما تصمت الأم أمام توبيخ السائق الباكستاني لها بسبب تأخيرها المستمر، فترد عليه وجدة بلهجة حادة فتطلب الأم من ابنتها أن تصمت، يضعنا الفيلم منذ البداية أمام تخمين الشخصية التي ستؤول إليها وجدة عندما تكبر: هل ستكون نسخة أخرى من أُمها؟ أم أنّها ستتمرد على هذا الوضع؟ وهل ستكون الأم قدوة لابنتها أم العكس؟

اقرأ أيضاً: أخيراً.. السينما في السعودية
تنشغل الأم في العناية بمظهرها والتجمل لزوجها حتى لا يرضخ لأمه فيتزوج بامرأة أخرى، ونرى كيف أنّ علاقة وجدة بجارها الطفل عبدالرحمن علاقة طبيعية بريئة يتخللها اللعب والمزاح ولم تتلوث بعد بالثقافة التي تُعامل المرأة بدونية؛ يتسابق الطفلان جرياً في طريقهما إلى المدرسة فتسبقه وجدة فيلجأ عبدالرحمن إلى وسيلة سباق لا تملكها وجدة. يعود إلى البيت ليحضر دراجته ويلحق بوجدة قائلاً لها إنّها لا يمكنها اللحاق به الآن، فترد عليه وجدة متحدية: "والله ليصير عندي سيكل أوريك".

أول فيلم سينمائي سعودي حمل عنوان "الذباب" كان في العام 1950

المدرسة، كما تظهر في الفيلم، وسيلة لقمع الفتاة ومحاربة كل ما هو جميل. والمرأة "نجسة"، كما تعبر إحدى المدرّسات، والضحك ممنوع على الفتيات بحجة أنّ صوت المرأة "عورة"، الورود والصور والأحذية الملونة وطلاء الأظافر كله ممنوع.
يوجه الفيلم نقداً لنظام التعليم في المدارس القائم على التلقين والقمع والضغط الديني منذ المشهد الأول، هذا التمهيد يشير إلى أنّ القضايا في مشاهده اللاحقة ناتجة عن النظام القائم على الفرض والإجبار، وهو ما تكرهه وجدة وتسعى للتحايل عليه، ولذلك نجدها في المشهد التالي تستمتع بالموسيقى وبترتيب حاجياتها الصغيرة.
توفر وجدة ثمن الدراجة من بيع أساور تصنعها بنفسها من الخيوط، وهنا نرى صورة للاستقلالية والاعتماد على النفس، وكل عوامل بناء الشخصية القوية التي نشاهدها خلال قصة الفيلم تقول بلغة فنية جميلة: لا يمكن للمرأة أن تكون مستقلة ومالكة قراراتها وهي تعتمد على الرجل في كل شيء، لا ترى وجدة فرقاً بينها وبين الولد الذي يحلم والدها بإنجابه بالزواج من امرأة أخرى. وإحدى محاولاتها لتغيير هذا الواقع هي كتابة اسمها في ورقة ولصقها بشجرة العائلة المكونة كلها من أسماء ذكور، لكنها تجد الورقة وقد نُزعت في اليوم التالي.

المرأة هي قضية هيفاء المنصور حتى حين أخرجت وشاركت في كتابة فيلم "ماري شيلي" 2018، الذي يتناول قصة ماري وهي في السادسة عشرة ونضالها ضد التمييز الذكوري الذي أعقب كتابتها لرواية "فرانكشتاين"، وفي فيلمها "نابيلي إيفر أفتر" 2018 تتناول قصة امرأة أمريكية أفريقية تحاول تحقيق أحلامها في المجتمع الأمريكي.
وفي فيلمها "المرشحة المثالية" الذي عُرض في آب (أغسطس) 2019، تعود هيفاء المنصور للمجتمع السعودي لتروي قصة طبيبة سعودية شابة تسعى إلى تغيير نظرة المجتمع للمرأة من خلال ترشحها للانتخابات المحلية، ويتطرق الفيلم لقضية عمل المرأة والتمييز على أساس الجنس.
"سيدة البحر".. نقلة أخرى

النقلة النوعية للسينما السعودية في فيلم "وجدة" تلتها قفزة أخرى صنعتها المخرجة الشابة السعودية شهد أمين في فيلمها "سيدة البحر" في أيلول (سبتمبر) 2019، وهنا يتجاوز إبداع المرأة السعودية قضايا بنات جنسها لينقل السينما السعودية إلى العالمية؛ فقد حصل فيلم وجدة على ثلاث جوائز عالمية خلال مهرجان البندقية السينمائي التاسع والستين، واختير ضمن الترشيحات الأولية لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم بلغة أجنبية، ليصبح بذلك أول فيلم سعودي يصل إلى هذه المرحلة.
أما "سيدة البحر" فشارك في مهرجانات عالمية بارزة في لندن ولوس أنجلوس والقاهرة وقرطاج والرباط، ومازال ينافس على جوائز ويحصد بعضها مثل فوزه بجائزة أفضل فيلم في مهرجان سينغافورة المسابقة الرسمية وجائزة التانيت البرونزي في مهرجان قرطاج، وفي عرضه العالمي الأول حصل الفيلم على جائزة فيرونا للفيلم الأكثر إبداعاً ضمن مسابقة أسبوع النقاد خلال فعاليات النسخة السادسة والسبعين من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي.

من الواقعية إلى الرمز والأسطورة

في تجربتها الأولى تستوحي شهد أمين من أسطورة أقدم عن حوريات البحر لكن بتوظيف ذكي لصالح قضية محلية لا تخص المرأة السعودية فحسب وإنما المرأة المقموعة في أي مكان. ويحكي الفيلم قصة فتاة صغيرة تقرر اختيار حياتها بنفسها وسط مجتمع ذكوري يرمي المولودات في البحر ليكبرن ويعاد اصطيادهن والتغذي على لحومهن.

اقرأ أيضاً: طريق المرأة السعودية لقيادة السيارة.. ثماني محطات أساسية
يظهر تمرد الفتاة على هذا الوضع منذ ميلادها؛ فبعد أن يلقي بها والدها في البحر وهي في القماط يعيدها الموج إلى الشاطئ ليحملها الأب إلى البيت، لكنها تبقى خلال سنوات طفولتها محل ازدراء سكان قريتها إلى أن تثبت لهم أنّها قادرة على العمل مثل الذكور وتكون لها فائدة أكبر منهم؛ فتعمل الفتاة على ظهر القارب وتغوص في البحر للصيد، وعندما تقفز إلى البحر ذات مرة تختفي لفترة طويلة فتختفي معها الحياة: يجف البحر ويعاني الناس من الجوع، لكن الفتاة تعود مرة أخرى، وبعودتها تعود مياه البحر ليدرك الناس قيمتها وقيمة الأنثى.

توظف شهد أمين أسطورة حوريات البحر لصالح قضية محلية لا تخص المرأة السعودية فحسب

تمرد الفتاة في "سيدة البحر" يذكرنا بتمرد وجدة، لكن الفتاة هنا بلا اسم، مثلما أنّ المكان الذي تدور فيه الأحداث جزيرة متخيلة، وطمس المعالم هنا مقصود لأغراض رقابية ورمزية لا تربط القصة بزمان ومكان محددين، وبقدر ما أنّ القصة مستوحاة من أسطورة اسكندنافية إلا أنّها تذكرنا بوأد الفتيات قديماً، وكأن الأسطورة في الفيلم تحيل إلى أسطورة دينية عربية أقدم لتعبر بذلك عن وضعية تاريخية، لم تنته للأسف، لا عن وأد حقيقي بدفن الفتيات في التراب أو في البحر.
المرأة في قصة الفيلم مصدر للعار، وهي في الوقت نفسه مصدر للخير والحياة. ويبدو، من منظور الرجل، أنّه ما من سبيل إلى معادلة وسط تضمن حياة المرأة والرجل معاً، لكن هذه المعادلة تحققها الطفلة في النهاية بعودتها وإعادتها للحياة.

من منظور القضية يمكن أن نرى في فيلم "سيدة البحر" نسخة أخرى من فيلم "وجدة"، لكن الفارق بين الفيلمين من حيث الصورة واضح، القضية في أفلام هيفاء المنصور مقدمة على الصورة، بينما تأتي الصورة والرمزية على حساب القضية في تجربة شهد أمين، مدة فيلم وجدة (ساعة ونصف) تناسب أحداثه، هي نفس مدة فيلم سيدة البحر لكنه طويل قياساً إلى أحداثه، ويجمع بين الفيلمين قضية واحدة هي اضطهاد المرأة والتمييز الذكوري ضده.
"وجدة" واقعي معاصر وفيه حبكة من خطين متداخلين: قصة رئيسية عن وجدة وقصة ثانوية عن أمها، بينما يتجنب فيلم "سيدة البحر" خيوط القصة التقليدية، ويعتمد على الرمزية الكامنة في أسطورة عروس البحر، ويخرج مُشاهده بعلامات استفهام كثيرة تتعلق بموضوع الفيلم وهدفه؛ فالجمالية البصرية، المتأثرة بأسلوب بيلا تار، تأتي على حساب الهدف الاجتماعي.

للمشاركة:



المسماري يكشف مموّل نقل المرتزقة إلى ليبيا

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-19

قال المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي، اللواء أحمد المسماري؛ إنّ الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، ينقل أسلحة وإرهابيين متعددي الجنسيات إلى ليبيا، للقتال بجانب حكومة الوفاق في طرابلس.

وأضاف المسماري، في مؤتمر صحفي عقده، أمس: "أردوغان هو المسؤول الأول عن انتشار الإرهاب في أوروبا"، مشيراً إلى أنّ "تركيا في الفترة الماضية زودت الوفاق بمنظومة دفاع جوي أمريكية الصنع"، وفق ما نقلت صحيفة "المرصد" الليبية.

وأكد المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي؛ أنّ تركيا أرسلت الآلاف من المقاتلين المرتزقة للقتال في ليبيا؛ حيث تمّ نقل أكثر من 2000 إرهابي من سوريا إلى ليبيا، بالإضافة إلى ميليشيات لواء سمرقند، وسلطان مراد، ونور الدين زنكي، وعناصر إرهابية أخرى تمول من قطر، وذلك عن طريق مطارَي معيتيقة ومصراتة، موضحاً أنّ قاعدة معيتيقة أصبحت قوة عسكرية تركية خالصة.

المسماري: تركيا أرسلت الآلاف من المقاتلين المرتزقة للقتال في ليبيا بتمويل من دولة قطر

وكان الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، قد صرّح بأنّ بلاده ستبدأ بإرسال قوات إلى ليبيا لدعم حكومة الوفاق، برئاسة فايز السراج.

وتشهد العاصمة الألمانية برلين، اليوم، مؤتمراً دولياً حول الأزمة في ليبيا، بمشاركة زعماء مسؤولين من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين والإمارات وتركيا والكونغو وإيطاليا ومصر والجزائر، إضافة للأمم المتحدة.

وكانت وسائل الإعلام قد عرضت تسجيلاً مصوراً لمقاتلين سوريين على متن طائرة ركاب ليبية في طريقهم إلى العاصمة الليبية للمشاركة في القتال إلى جانب ميليشيات الوفاق.

 

للمشاركة:

انهيار القطاع السياحي في إيران

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-19

يعيش قطاع السياحة الإيراني أسوأ أيامه بعد حادثة الطائرة الأوكرانية، التي اعترف الحرس الثوري بإسقاطها قرب طهران، حيث أعلن رئيس اتحاد مكاتب السياحة والسفر في إيران، حرمت الله رفيعي، إلغاء ما لا يقل عن 60% من الرحلات السياحية الدولية إلى إيران.

وقال رفيعي، في تصريح أدلى به لوكالة العمال الإيرانية للأنباء (إيلنا)، أمس: "بعد حادث إسقاط الطائرة الأوكرانية ألغت شركات السياحة الأمريكية والكندية 100% من رحلاتها إلى إيران، فيما تم إلغاء 80% من الرحلات السياحية القادمة من أستراليا ومنطقة أوقيانوسيا، ومن أوروبا تمّ إلغاء 60%، ومن آسيا أيضاً تمّ إلغاء 60% من الرحلات السياحية المتجهة إلى إيران".

حرمت الله رفيعي يعلن إلغاء ما لا يقل عن 60% من الرحلات السياحية الدولية إلى إيران

وكان رفيعي قد أعلن، في وقت سابق، عن طلب إلغاء 70% من الرحلات السياحية إلى إيران.

وفي سياق متصل، أكّد المساعد في دائرة السياحة والتراث الثقافي التابعة لمحافظة فارس، جنوب البلاد، مؤيد محسني نجاد؛ أنّ الأحداث الأخيرة في المجالَين العسكري والسياسي أثرت على القطاع السياحي الإيراني.

وقال محسني نجاد: "جميع السياح الأجانب الذين كانوا قد حجزوا غرفاً في الفنادق الموجودة في هذه المحافظة لعطلة رأس السنة الإيرانية، قاموا بإلغاء حجزهم نظراً للأوضاع الراهنة".

ولفت المسؤول الإيراني في قطاع السياحة إلى أنّ "السياح الخليجيين القادمين إلى إيران، قاموا أيضاً بإلغاء حجز فنادقهم في المحافظة".

كما أعلن محسني نجاد؛ أنّ نسبة الحجز في فنادق المحافظة في الوقت الراهن تصل إلى 5% فقط، واصفاً ذلك بـأنّه "كارثة على أصحاب الفنادق".

وكان الحرس الثوري قد اعترف بأنّه أسقط الطائرة الأوكرانية بصاروخ بعد أن كشفت بعض التقارير الاستخبارتية الكندية والأمريكية ذلك.

 

للمشاركة:

الإمارات تتصدر عربياً..

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-19

كشف تصنيف عالمي جديد لأفضل الدول في العالم لعام 2019 تصدّر دولة الإمارات في ترتيب 8 دول عربية، اعتماداً على معايير الانفتاح الثقافي والتنوع ومناخ الأعمال وجودة الحياة والتاريخ والمواطنة.

واحتلت الإمارات المرتبة الأولى عربياً، والـ 22 دولياً، متقدمة على روسيا والبرتغال وتايلاند، وجاءت السعودية الـ 31 دولياً، فيما جاءت مصر في المرتبة الرابعة عربياً والـ 36 دولياً، واحتل المغرب المرتبة الخامسة عربياً والـ 40 دولياً، وفق وكالة وام.

ويصدر هذا التصنيف بشكل سنوي عن الموقع الأمريكي "US News and World" بالشراكة مع مجموعة "BAV"، وجامعة بنسلفانيا الأمريكية.

الإمارات تحتل المرتبة الأولى عربياً والـ 22 دولياً في الانفتاح الثقافي والتنوع ومناخ الأعمال وجودة الحياة

وأظهر التصنيف أنّ سويسرا ما تزال أفضل بلد في العالم للسنة الرابعة على التوالي، في حين جاءت كندا في المركز الثاني، متجاوزة اليابان التي هبطت إلى المركز الثالث، بعد أن كانت في المركز الثاني خلال السنة الماضية.

وحلّت ألمانيا في المرتبة الرابعة، تليها أستراليا، أما أسفل الترتيب الذي شمل 73 دولة فقط، فجاء لبنان تتقدمه صربيا، ثم عُمان وبيلاروس وتونس.

هذا وقد أشاد وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، بتصدر بلاده أفضل الدول عربياً في العالم، بمعايير الانفتاح الثقافي والتنوع ومناخ الأعمال وجودة الحياة والتاريخ والمواطنة.

وكتب على حسابه في "تويتر" الليلة الماضية: "تصدّر الإمارات عربياً لأفضل الدول في العالم لعام 2019، تصنيف "يو إس نيوز آند وورلد ريكورد" وجامعة بنسلفانيا، اعتماداً على معايير الانفتاح الثقافي والتنوع ومناخ الأعمال وجودة الحياة والتاريخ والمواطنة أمر طبيعي، في ظلّ السياسات التي ننتهجها، ومن المهم تعزيز موقعنا عالمياً".

 

 

للمشاركة:



"التويتريون" العرب في مواجهة تركيا

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-19

محمود حسونة
نجح النظام التركي في إشعال الشارع العربي غضباً عليه؛ جرّاء ممارساته العدوانية، وتدخله المباشر وغير المباشر في شؤون أكثر من دولة عربية؛ من خلال مؤامراته، لضرب استقرار دول نجت من موجات «الخريف العربي»، والسعي لاقتطاع أجزاء من دول، واحتلال أخرى نالت من استقرارها هذه الموجات، والتحكم في قرار دول تسعى للتعافي من مخلفات زمن الفوضى والغضب المبرر وغير المبرر في عالمنا العربي.
الممارسات التركية فضحت أهداف أردوغان ونظامه أمام مختلف فئات الرأي العام العربي، وبدلاً من أن تقسم الشارع أو تخلق فجوة بين الحكام والمحكومين، زادتهم التحاماً، فنجم عنها إرادة شعبية وسياسية موحدة؛ للتصدي للمؤمرات التركية، وتحطيم أحلام حفيد العثمانيين على أكثر من صخرة عربية.
وإذا كانت محطاتنا التلفزيونية، ووسائل إعلامنا لم توفَّق في التصدي لموجات الابتزاز والاستفزاز القادمة من أنقرة وإسطنبول، والتي تبثها محطات تركية ومحطات عربية مأجورة، فإن شبابنا نجحوا في التصدي والرد، قولاً وفعلاً، بالتعبير عن الرأي الفاضح لمؤامرات العثماني الجديد؛ عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والحملات التي ينظمونها في أكثر من دولة عربية؛ لمقاطعة كل منتج في تركيا، ووقف السياحة العربية إلى هناك.
التويتريون العرب الذين يتصدون لأوهام أردوغان، ومزاعم نظامه وحلفائه من الإرهابيين، لا يعرفون لغة الكلام الأجوف؛ لكنهم يعبرون عن آرائهم مصحوبة بالمعلومات والأرقام والفيديوهات والجرافيك، وكأنهم أصبحوا هم من يحترفون الإعلام، ويدركون كيف يجب أن تكون الرسالة؛ كي تحقق هدفها.
حملات تويترية على أردوغان ونظامه ومنتجاته ومعالمه السياحية في أكثر من قطر عربي، بعد أن ورط نفسه بأفعاله المثيرة للغضب، والمستنكرة من كل غيور على بلده في دول عربية عدة، وآخرها تونس التي وضعه شعبها على القائمة السوداء؛ بعد محاولته الزج بها في أتون معركته؛ للسيطرة على القرار والنفط والغاز والأرض الليبية؛ وقبل تونس كانت ليبيا التي لقنته دروساً، وأعادت إليه جنوده الذين أرسلهم لجس النبض في نعوش طائرة؛ وقبل ذلك كان السعوديون الذين لم يرضهم استثماره السيئ لواقعة مقتل خاشقجي، وأيضاً الإماراتيون الذين لا يكف الإعلام التركي عن محاولات النيل من قياداتهم، غيرة وحقداً؛ بعد تصدرهم وحكومتهم ودولتهم مؤشرات واستطلاعات الأفضل إقليمياً وعالمياً، أما حكاية أردوغان مع مصر وأهلها فقد تحولت إلى مجلد متخم الصفحات ابتداء من دعمه للإرهاب على أرضها، واحتضانه للمناوئين لاستقرار الدولة ولقنوات الأكاذيب التي لا تكف عن التضليل ليل نهار، وليس انتهاء بمحاولات تهديد أمنها القومي بحراً وبراً من الجنوب؛ عبر بوابة «سواكن»، وغرباً بالتدخل في ليبيا، وشمالاً عبر البحر المتوسط، وشرقاً بدعم الإرهاب في سيناء. ناهيك عن السوريين والعراقيين وغيرهم.
وفي مصر، شباب وفتيات في عمر الزهور يجوبون شوارع القاهرة؛ لتوزيع منشورات «قاطعوا التركي»، ويتضمن المنشور 10 أسباب؛ منها: رداً على سياسات أردوغان العدائية ضد مصر، ورداً على قراراته بالتدخل العسكري في ليبيا، وعلى احتضان تركيا لقيادات جماعات «الإخوان»، ودعمه العمليات الإرهابية ضد الدولة المصرية، والتدخل في سوريا.
هذه الأسباب تختصر السياسات التركية تجاه مصر والدول العربية، وتكشف عن مدى وعي الأجيال الشابة بما يرتكبه النظام التركي من حماقات تجاه أمتنا، وما يحيكه من مؤامرات؛ لإغراقها في الفوضى التي يمكن أن تحقق له أوهامه، وأوهام قيادات جماعات الإرهاب الذين يحتضنهم أردوغان، وتحتويهم دولته التي حولها إلى مصنع كبير؛ لإنتاج العنف والقتل والتخريب وتصديره إلى بلاد العرب.
انتفاضة هؤلاء الشباب ضد من يمس بكرامة بلدهم، وبلاد العرب؛ تبعث فينا أملاً بأن الغد أفضل، وأن هذه الأوطان ستكون بين أيديهم مستقبلاً أحسن حالاً؛ لإدراكهم أن الوطن هو أغلى ما لدينا، وأننا أمة واحدة، وجسد واحد إذا اشتكى منه عضو؛ تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.
وعلى تويتر «هاشتاجات» وصفحات عدة تدعو لمقاطعة كل ما هو تركي، وتتضمن رؤى سياسية واقتصادية واجتماعية واعية، ومتابعة لكل تصريحات السياسيين الأتراك ضد بلادنا؛ بل ومفندة للمغالطات والسموم التي تتضمنها مقالات صحفية تركية، إلى جانب فضحها لأكاذيب الفضائيات التركية والمرتزقة من المصريين الذين خانوا الأهل والوطن، وارتضوا أن يكونوا جنوداً في كتائب أردوغان الإعلامية والإلكترونية؛ لهدم المعبد العربي والسعي لتحقيق أوهام السلطان الحفيد.
الغريب أن كل ذلك يحدث في الشارع، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وفضائياتنا تكتفي بمخاطبة ذاتها.

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:

هل زرت وادي ميزاب في الجزائر من قبل؟.. شاهد أبرز معالمه

2020-01-19

لن يُصدّق السائح الذي يزور وادي ميزاب الساحر للمرة الأولى، أنّه قد يتوه داخل ما اعتقد أنّه مجرّد واحة في وادٍ عميق وضيق؛ إذ إنّ الوادي الزاخر بالتنوّع التاريخي، والذي تمّ تصنيفه ضمن التراث الوطني الجزائري وأُدرج في قائمة التراث العالمي لليونسكو، ينطوي على كم هائل من المعالم والمواقع التي ترجع إلى حقب تاريخية مختلفة.

ويضم الوادي، الواقع في الصحراء على بعد حوالي 600 كلم من جنوب العاصمة الجزائرية، 5 قُصور تاريخية تتوزع على مسافة 10 كلم على طوله، تتخللها الواحات وعدد هائل من المعالم التاريخية التي تتميز في هندستها المعمارية المدهشة؛ حيث بُنيت على هضاب وتضاريس وعرة للغاية، رغم بساطة معدات السكان وأدواتهم في ذلك العصر.

تاريخ الوادي

يعود تاريخ وادي ميزاب إلى ما قبل التاريخ، وتحديداً إلى العام 5000 قبل الميلاد؛ إذ عثر علماء الآثار على صناعات حجرية ونقوش صخرية ومعالم جنائزية ترجع إلى العصر الحجري الحديث، بحسب ما نقله برهان نور الدين عن مديرية السياحة والصناعات التقليدية لولاية غرداية الجزائرية. 

اقرأ أيضاً: أم درمان.. موت مدينة المهدي المقدسة
أمّا المُدن التي تُشكّل الوادي اليوم، فقد شيّدها الميزابيون الأمازيغ في القرن الحادي عشر، بعد قدومهم من مدينة "تاهرت" والتي تُعرف اليوم باسم "تيارت"، وهي مدينة جزائرية كانت عاصمة لما عرف قديماً بالمغرب الكبير؛ حيث غادرها الميزابيون بعد أن شب حريق ضخم في مساكنهم، واستقروا في الوادي الذي بنوا فيه مجموعة من المدن المحصّنة، لتشهد على جهود أجدادهم المبذولة لبناء حضارة الوادي.

مدن محصنة
تعتبر كل مدينة من مدن وادي ميزاب بمثابة قلعة مُحصنّة، شُيّدت لتكون حصناً منيعاً؛ إذ بُنيت جميعها على هضبة يتوسطها مسجد، يُمثّل آخر خط للدفاع عن المدينة في حال تعرضت للغزو أو الحصار؛ حيث تُخزن فيه الأسلحة والغذاء، وتحيط به المنازل على شكل حلقات ضيقة نزولاً حتى جدران المدن.
وتُمثّل مدينة غرداية، التي أُنشئت عام 1053 للميلاد، المدينة الرئيسية في الوادي، فهي عاصمة الميزابيين. ويتميّز قصر هذه المدينة بأزقته الضيقة. وفضلاً عن مسجد المدينة العتيق، تُمثّل ساحة السوق وواحات النخيل، ومقبرة "عمي سعيد" أبرز معالم المدينة.

مدينة غرداية

أمّا المدينة الأقدم بين مدُن الوادي، فهي مدينة "العطف"، أو "تَاجْنينْتْ" بالأمازيغية، والتي تمّ تشييدها قبل ما يزيد عن الألف عام؛ في 1011 للميلاد، ويتميّز قصر هذه المدينة بطابعه المعماري الخاص، فضلاً عن المتحف الذي يضم الأدوات التقليدية القديمة، كما تنضوي المدينة على مجموعة من المعالم السياحية، كساحة السوق، ومصلى الشيخ إبراهيم بن مناد.

مدينة العطف

يلي مدينة "العطف" من حيث تاريخ البناء، مدينة أُخرى تُسمّى بالأمازيغية "آت بنور"، وتُعرف باسم "بنورة"؛ حيث بُني قصر هذه المدينة، والذي يتمركز على ربوة جبل محاذٍ للوادي، عام 1064 للميلاد.

يعود تاريخ وادي ميزاب إلى ما قبل التاريخ إذ عثر علماء الآثار على حفريات ونقوش ترجع إلى العصر الحجري الحديث

وتُعدّ مدينة "بني يقزن"، التي تأسست عام 1321، وسُمّيت نسبة إلى القبيلة التي سكنتها، أكثر مُدن الوادي غموضاً، لما تحويه من قصور مُقدّسة، وهي أشد المدن حفاظاً على أصالتها الميزابية؛ حيث كانت تغلق بواباتها مع حلول الظلام ولا يسمح لغير قاطني المنطقة بدخولها، وظلت كذلك حتى وقت قريب. وأهم ما يميّز هذه المدينة هو سورها الدفاعي الذي يُحيط بها، والذي لا زال موجوداً حتّى اليوم.

وآخر هذه المُدن، التي تقع على مقربة من بعضها البعض، هي مدينة مليكة، التي تمّ إنشاء قصرها عام 1355 للميلاد. ويستطيع الزائر لقصر "مليكة" رؤية غرداية وبني يقزن من هناك، نظراً لعلوها الشاهق. ويُعدّ مصلى "سيدي عيسى" أشهر المعالم في هذه المدينة.
وبالإضافة إلى المدن السابقة، أنشأ المزابيون مدينتي "القرارة" و"المنيعة"؛ حيث تقع الأولى على بعد 110 كلم، وتبعد الثانية 270 كلم، عن ولاية "غرداية" التي تضم المدن الخمس الشهيرة.

صورة جوية لمدينة العطف

تنظيم اجتماعي محكم وثقافة مُحصنة من العولمة

صُممت المدن المزابية لتخدم مبدأ العيش المشترك والحياة الاجتماعية المتساوية؛ إذ أقيمت المنازل قرب بعضها البعض، تفصلها أزقة صغيرة مسقوفة بالغالب لاحترام خصوصية كل أسرة.

اقرأ أيضاً: "تمبكتو" مدينة الأولياء وإرهاب القاعدة
وتتجلى حضارة وادي ميزاب في حفاظ أهله على دينهم الإسلامي وعاداتهم وتقاليدهم الأصيلة، التي لم تتأثر بمحيطها الخارجي، حيث ظلت محافظة على ثقافتها، وعلى التناسق والتناغم في تركيبتها السكانية.
وقد اختار الميزابيون الصحراء هرباً من طرق القوافل والجيوش الغازية؛ إذ إنّ اعتناقهم للمذهب الإباضي، الذي ينسب إلى عبدالله بن إباض التميمي، ويطلق على أنصاره اسم "أهل الدعوة والاستقامة"، جعل منهم عرضة للاضطهاد، حتّى أنّ بعض المذاهب اعتبرتهم من الخوارج.

ساحة السوق في مدينة بني يقزن
نساء وادي ميزاب
تعرف نساء وادي ميزاب بحشمتهن، حيث قال "جوناثان أوكس" في دليله للسفر إلى الجزائر؛ "ستجد هنا أنّ كل النساء يلتزمن بتقليد لبس (الحايك)، وهو قطعة كبيرة من القماش تلف فيها المرأة جسمها ووجهها، تاركة العينين فقط لتتم رؤيتهما".

يمنع أهل مدن ميزاب تصوير النساء قطعياً ويعتبرون تصوير المرأة جريمة شرف سيواجه مقترفها غضباً عارماً

وتسمح تقاليد الوادي للفتاة غير المتزوجة بإظهار وجهها، وبعد زواجها عليها إخفاؤه وإظهار عين واحدة فقط، وإذا ما تعرضت إحدى هاته النساء لنظرات الرجال ستجدها تشبثت "بحايكها" وتشده على جسدها، لتضمن عدم ظهور أي شيء منه.
وسرى تقليد فيما مضى، حيث تواجه المرأة الجدار مباشرة في حال تقاطع طريقها مع طريق أحد الرجال الغرباء عند سيرها في أزقة المدن وطرقها المسقوفة، ولم يعد الأمر كذلك اليوم، إلا أنّ زائر هذه المدن سيلاحظ أنّ المرأة الميزابية ستفعل المستحيل لتجنب نظرات المارة، وستقوم بتغيير طريقها إذا ما شعرت أنّ رجلاً قادماً تجاهها، ويمنع أهل مدن ميزاب تصوير النساء قطعياً؛ إذ يعتبرون تصوير المرأة جريمة شرف سيواجه مقترفها غضباً عارماً.

للمشاركة:

محللون موريتانيون: الأطماع التركية في ليبيا تهدد أمن المنطقة

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-19

إبراهيم طالب

انتقد محللون وخبراء موريتانيون تدخلات تركيا في المنطقة العربية، وخصوصا تدخلها العسكري في ليبيا، وأكدوا أنها تؤدي لزعزعة الأمن والاستقرار ويعكس مطامعها التوسعية في المنطقة.

وجاءت ذلك خلال ندوة نظمها المركز العربي الأفريقي للتنمية في موريتانيا تحت عنوان "التدخلات الأجنبية في الوطن العربي.. التدخل التركي في ليبيا نموذجا"، بمشاركة واسعة من الطيف السياسي والإعلامي والفكري بالبلاد.

واستعرض مدير المركز ونقيب الصحفيين الموريتانيين أحمد سالم ولد الداه، خلال مشاركته في أعمال الندوة، تاريخ التدخلات الأجنبية في الوطن العربي، مشيرا إلى أن مرحلة ما يسمى "الربيع العربي" أدت إلى زعزعة أمن واستقرار المنطقة العربية من ليبيا إلى سوريا وما تلها من اقتتال كبير على المصالح والنفوذ بين القوى الدولية.

وأشار إلى أن تدخل تركيا في ليبيا جاء لتلبية للأطماع التوسعية للحكومة التركية، داعيا الليبيين إلى تفويت الفرصة على هذه النوايا والجلوس إلى طاولة الحوار ونبذ الفرقة من أجل قطع الطريق على القوى الأجنبية في الوطن العربي.

بدوره، قال الكاتب والمحلل السياسي الموريتاني باباه ولد التراد إن شعارات الحرية أصبحت تتخذ ذريعة لتكريس وتشريع التدخلات الأجنبية في المنطقة العربية، مشيرا إلى أن هذه الشعارات تم استخدامها على نطاق واسع من مختلف حملات المستعمرين في الفترات المتعددة.

وشدد ولد التراد على أنه لا يمكن وصف ما تتعرض له المنطقة إلا بـ"الاستعمار الجديد" في إشارة إلى التدخل التركي في ليبيا.

من جانبه، حمل الكاتب والمحلل السياسي الموريتاني المصطفى محمد المختار تنظيم الإخوان الإرهابي مسؤولية ما يحدث من تدخل عسكري تركي في ليبيا.

وأضاف أن الإخوان لا يقيمون وزنا أو قيمة لأوطانهم بقدر  مصلحة التنظيم الدولي وتحقيق أجنداته حتى ولو كانت على حساب المصلحة الذاتية لهذا البلد العربي أو ذاك.

وأشاد محمد المختار في هذه المواقف بسلوك التيارات القومية العربية، معتبرا أنها أشرف وأنبل بكثير من سلوك الإخوان، بالإضافة إلى تعلقهم بأوطانهم وبهويتهم ووقوفهم في وجه المؤامرة والتصدي لها بكل شجاعة.

وأشار إلى خطورة الأذرع الإعلامية المبررة للتدخل العسكري التركي في ليبيا وغيره من أجندة ما وصفه بـ"تحالف الضرار التركي القطري" واختطافها عقول كثيرين من الشباب والأجيال الصاعدة.

وتأتي الندوة بالتزامن مع انطلاق فعاليات مؤتمر "السلام في ليبيا" بالعاصمة الألمانية برلين، الأحد، بمشاركة دولية رفيعة، وسط مساعٍ لإيجاد حل دائم وشامل للأزمة.

وأكدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، قبل أيام، أن هدف مؤتمر برلين "هو التزام جميع الأطراف المعنية بالحظر المفروض على تصدير الأسلحة لليبيا، الذي ينتهك بشكل صارخ، تمهيدا لفتح الطريق أمام حل سياسي".

وكشفت وكالة الأنباء الحكومية الألمانية النقاب عن مسودة لحل الأزمة، أعدتها الأمم المتحدة، وتنص على وقف دائم لإطلاق النار، وتطبيق شامل لقرار مجلس الأمن بشأن حظر تصدير السلاح إلى ليبيا.

وخلال الأشهر الماضية، جرت 5 اجتماعات تحضيرية للمؤتمر في برلين، بمشاركة ممثلي عدة دول ومنظمات دولية، نوقشت خلالها المسودة الأممية.

وكشفت مصادر خاصة لـ"العين الإخبارية" عن أن هناك تعديلات طرأت على مسودة التفاهم النهائية المطروحة أمام زعماء العالم المشاركين في المؤتمر لم ترد بمسودة مفاوضات روسيا التي لم تصل لاتفاق، مؤكدة أنها تشمل حل المليشيات ورحيل حكومة السراج.

وينتظر المؤتمر مشاركة عالية المستوى، حيث أكدت 10 دول مشاركتها في أعمال المؤتمر، بالإضافة إلى قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر، ورئيس حكومة الوفاق فايز السراج.

وأكد عدد من قادة الدول والحكومات حضور المؤتمر، في مقدمتهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، والرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية